Полный текст (649 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
لأن الغالب أن لام الأمر تدخل على الفعل المضارع الغائب ((* لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ (٧))) [الطلاق:٧] وأقل منه أن تدخل على الفعل المضارع المخاطب، نحو قوله ﷺ : لتأخذوا مصافكم، وقوله تعالى: ((((((((((((((فَلْيَفْرَحُوا (٥٨))) [يونس:٥٨] وقرئ فلتفرحوا بالتاء، وإن كان الأكثر والأشهر ليفعل، لكن لا يستطيعون أن يقولوا: إن أصل الأمر ليفعل ويقتطع منه، لأن افعل فاعله ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، وليفعل هذا لا يمكن أن يكون الفاعل فيه ضمير مستتر تقديره أنت، فقالوا إذاً هو مقتطع من لتفعل. والأرجح أيضاً - استطراداً - أنه يصح أن يأمر نفسه، فيقول: لأفعل ولنفعل ومنه حديث: قوموا فلأصل لكم، ومنه ((وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ (١٢))) [العنكبوت:١٢] وكثير من النحاة ينكرون دخول لام الأمر على الفعل المضارع المبدوء بحرف دالٍ على المتكلم وهو الهمزة أو النون، والصحيح جوازه لثبوته في القرآن.
إذاً دخلت لام الأمر على الفعل المضارع حينئذٍ حكموا بأن فعل الأمر مجزوم، فهو معرب، فحينئذٍ يكون مجزوماً على ما يجزم به مضارعه، والأصح أن فعل الأمر مبني؛ لأن الأصل في الأفعال البناء، وإذا كانت العلة مشكوكًا فيها، فحينئذ نقول: اليقين لا يزول بالشك فيبقى الأصل أنه مبني، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يرد دليل ناقل، فالصحيح كما ذكرنا أن فعل الأمر مبني، والقول بأنه مجزوم بلام الأمر ضعيف، لأن إعمال حرف الجزم محذوفاً كإعمال حرف الجر محذوفًا، وسبق أن الكوفيين
стр. 247
يتساهلون في إعمال الحروف، ولذلك يجوزون إعمالها محذوفة، والأصح أنه لا يصح أن يَعمل الحرف محذوفاً لأنه ضعيف، لأن العمل أَصل في الأفعال، وإعمال الحرف فرعٌ، فهو ضعيف فلا يعمل إلا ظاهراً، وكذلك لام الأمر هي حرف يعمل الجزم، فحينئذ نقول: تعمل ظاهرة لأن إعمالها وهي ظاهرة ضعيف، لأنها حرف، والأصل في الحرف أن لا يعمل، فكيف إذا حذفت؟! فمن باب أولى أنه أشد ضعفًا. هذا وجه إبطال مذهب الكوفيين. وابن هشام ﵀ في مغني اللبيب اختار مذهب الكوفيين قال: وبقولهم أقول - لكنه في الأوضح والشذور وسائر كتبه رد مذهب الكوفيين، إذاً عرفنا أنه مبني فله أحوال أربعة:
أولاً: البناء على السكون، وذلك إذا كان صحيح الآخر، ولم يتصل به ألف الاثنين ولا واو الجماعة ولا ياء المؤنثة المخاطبة يعني ليس من الأمثلة الخمسة، ولو اتصل به نون الإناث؛ لأن نون الإناث يبنى معها على السكون، فتقول: اضرب يا زيد، فاضرب: فعل أمر مبني على السكون، لأنه صحيح الآخر، وبني لأنه الأَصل، وما جاء على الأصل لا يسأل عنه، سواء كان هذا البناء على السكون ظاهراً أو مقدراً، نحو قوله تعالى: ((* قُمِ اللَّيْلَ (٢))) [المزمل:٢] فقم: فعل أمر مبني على سكون مقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت. ونحو: يا هندات اضربن أولادكن، فاضربْنَ: اضرب فعل أمر مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث
стр. 248
- ولا تقل نون النسوة بل نون الإناث، ولذلك ابن مالك يعبر بنون الإناث لأنها أعم، نون النسوة تختص بالعقلاء، ونون الإناث تعم العقلاء وغير العقلاء، تقول: النوق يسرحْنَ، يسرحن فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث لا يصح أن تقول هنا نون النسوة؛ لأن مرجع الضمير النوق وهي ليست بنسوة حينئذٍ تقول: نون الإناث.
ثانيًا: البناء على الفتح، وذلك إذا اتصل بفعل الأمر نون التوكيد خفيفة كانت أو ثقيلة، نحو: اضربنَّ: فهو فعل أمر مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة.
ثالثًا: البناء على حذف حرف العلة، وذلك إذا كان معتل الآخر، تقول: اخشَ يا زيد، اخشَ: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وهو الألف، وارم يا زيد، ارم: فعل أمرٍ مبني على حذف حرف العلة، وهو الياء، لأنه معتل الآخر، وادعُ يا زيد، ادعُ فعل أمرٍ مبني على حذف حرف العلة، وهو الواو، قال في ملحة الإعراب:
وَإِنْ أَمَرْتَ مِنْ سَعَى وَمِنْ غَدَا ... فَأَسْقِطِ الحَرْفَ الأَخِيرَ أَبَدَا
تَقُولُ يَا زَيْدُ اغْدُ فِي يَوْمِ الأَحَدْ ... وَاسْعَ إِلَى الخَيْرَاتِ لُقِّيتَ الرَّشَدْ
وَهَكَذَا قَوْلُكَ فِي ارْمِ مِنْ رَمَى ... فَاحْذُ ... عَلَى ذَلِكَ فِي مَا اسْتَبْهَمَا
стр. 249
رابعًا: البناء على حذف النون، وذلك إذا كان الفعل مسنداً إلى ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المؤنثة المخاطبة، نحو: اضربا يا زيدان، اضربا: فعل أمرٍ مبني على حذف النون، والألف ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، واضربوا يا زيدون، اضربوا: فعل أمرٍ مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، واضربي يا هند، اضربي: فعل أمرٍ مبني على حذف النون، والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. إذاً أربعة أحوال لفعل الأمر:
١ - أن يكون مبنياً على السكون.
٢ - أن يكون مبنياً على الفتح.
٣ - أن يكون مبنياً على حذف حرف العلة.
٤ - أن يكون مبنياً على حذف النون.
وبعض النحاة يقول: الأمر مبني على ما يجزم به مضارعه، فالعبرة بالفعل المضارع فتنظر إليه فحينئذ يكون الأمر مبنياً على ما يجزم به مضارعه، لكن هذه قاعدة مع شهرتها مدخولة، وقد بينت ذلك في شرح الملحة فليرجع إليه. ثم قال:
ثُمَّ المُضَارِعُ الَّذِي فِي صَدْرِهِ ... إِحْدَى زَوَائِدِ نَأَيْتُ فَادْرِهِ
شرع في بيان النوع الثالث من أنواع الفعل فقال: [ثُمَّ المُضَارِعُ] ثم للترتيب الذكري، وليست على بابها يعني ليس ثَمَّ تراخٍ بين الفعل المضارع وغيره، إذ كيف يقول ومضارع علا ثم بعد ذلك
стр. 250
يذكر أنه متراخٍ عن الفعل الماضي والأمر؟!
[ثُمَّ المُضَارِعُ] أي ثم الفعل المضارع وهو ما دل على حدث مقترن بأحد زماني الحال والاستقبال، وإن شئت قل: ما دل على حدث يقع في زمان التكلم أو بعده، على قول الجمهور أن مدلول الزمن في الفعل المضارع الحال والاستقبال معاً، إذاً يدل على زمنين الحال والاستقبال حقيقة، ولكن الصواب أنه يدل على الحال حقيقة، وعلى المستقبل مجازاً كما نصَّ على ذلك الرضي ورجحه السيوطي في همع الهوامع، لأن الاستقبال لا يُعدل إليه إلا بقرينة كسوف أو السين أو غداً ونحو ذلك، تقول: زيدٌ يصلي غداً أو يسافر غداً، غداً هو اللفظ الذي صرف الفعل عن دلالته من الحال إلى الاستقبال، وحينئذٍ ما احتاج إلى قرينة فرعٌ عما لا يحتاج إلى قرينة، وهذا ضابط المجاز، حينئذٍ نقول: هو حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال. ثم بعد أن عرفنا حد المضارع، أراد أن يميز لك المضارع بعلامة، وإن كان قد ذكر له علامة فيما سبق وهي السين وسوف وهاتان علامتان خاصتان بالمضارع، وابن مالك يخصه بلم كما قال:
فِعْلٌ مُضَارِعٌ يَلِي لَمْ كَيَشَمْ
لأنه لا ينفك عن لم، لا يوجد مضارع إلا وهو صالح لدخول لم عليه، لكن هنا ميَّزه بعلامة أخرى، وهي كون صدره أي أوله مشتملاً على أحد الحروف المجموعة في قولك: نأيت، فإذا وجد في أول الفعل الهمزة أو النون أو الياء أو التاء، حكمنا عليه بأنه مضارع. واختلف النحاة
стр. 251
هل هذه الأحرف الأربعة تصلح أن تكون علامة للفعل المضارع أولا؟ وسبب الخلاف وجودها في الفعل الماضي، نحو: أكل وأخذ وأمر ونفع ونقم ونعس وينع ويفع ويئس وتجر وتبع وتخذ ويرْنأ وتعلم، فوجدت هذه الحروف في الفعل الماضي، فحينئذ كيف تكون هذه الأحرف الأربعة علامة على الفعل المضارع؟! والجواب: أنه ليس مطلق هذه الحروف علامة على الفعل المضارع، وإنما صارت علماً بالغلبة على أحرفٍ زيدت على الفعل المضارع لمعانٍ خاصة بها، إذاً ليس مطلق الهمزة تكون علامة على الفعل المضارع بل همزة مقيدة بكونها زائدة، ودالة على معنى - كما سيأتي- إذاً يصحُّ أن يجعل من علامات الفعل المضارع دخول حرف من حروف نأيت، وابن هشام ذكر هذه الأحرف في شرح قطر الندى ثم قال: لم أذكر هذه الأحرف لأميز الفعل المضارع وإنما لأذكر حكمها، وهذا خلاف الصواب بل الصواب أنها مما يميز الفعل المضارع بها، بل هي أولى من لم، فتمييز الفعل المضارع بالهمزة أو النون أو الياء أو التاء أولى من تمييزه بما ميز به ابن مالك وتبعه ابن هشام في قطر الندى وغيره، حيث قال: فعل مضارع يلي لم كيشم، لأنه قد يوجد الفعل المضارع دون لم، نحو: يضرب زيدٌ عمراً وُجد الفعل المضارع دون لم، إذاً ينفك الفعل المضارع عن لم، لكن لا يمكن أن ينفك عن هذه الأحرف، إذاً تمييز الفعل المضارع بما لا ينفك عنه مطلقاً أولى من تمييزه بما ينفك في بعض الأحوال، لأن الفعل المضارع ليس دائماً مجزوماً بلم، فقد يدخل عليه بعض أدوات
стр. 252
النصب، وقد يكون عارياً عن النوعين مع اتصال إحدى الحروف الزائدة به، فحينئذ نقول: لاتصالها بالفعل وعدم انفكاكها عنه مطلقاً، فالتمييز بها أولى مما ميز به ابن مالك وابن هشام الفعل المضارع، وأيضاً لم غير متصلة بالفعل، تقول: لم يقم، فهاتان كلمتان، أما الفعل يقوم فقد صار كالكلمة الواحدة بدليل تخطي العامل لحرف المضارعة، لأن أحرف نأيت من حروف المعاني، لا من حروف المباني، وحرف المعنى كلمة مستقلة، وإذا كان حرف معنى فيقوم ويضرب مؤلف من كلمتين - الكلمة الأولى هي حرف المضارعة، والكلمة الثانية هي الفعل - وإذا قلت: لم يقم، دخلت لم على الكلمة الثانية بدليل الجزم، لأن الفعل مجزوم بلم، وجزمه الذي هو السكون ظهر في آخره، والحرف لا يدخل على الحرف، وإنما يدخل على الاسم حرف مختص بالاسم، ويدخل على الفعل حرف مختص بالفعل، وقد يكون الحرف مشتركا بينهما، وهنا الحرف لم دخل على فعل، وأما الياء حرف المضارعة قالوا: نزلت منزلة الجزء من الكلمة، كأنها حرف مبنى، بدليل تخطي العامل لها فجزم الفعل المضارع.
[ثُمَّ المُضَارِعُ الَّذِي فِي صَدْرِهِ] الظرفية هنا غير مرادة، ولذلك قال العشماوي: إن حذف الحرف في أولى؛ إذ لا معنى للظرفية هنا، [ثُمَّ المُضَارِعُ الَّذِي فِي صَدْرِهِ] أي في أوله، والضمير يعود إلى المضارع أي أول حرف من الفعل المضارع [إِحْدَى زَوَائِدِ نَأَيْتُ فَادْرِهِ] يعني فاعلمه، فالدراية هنا بمعنى العلم، لأن درى يأتي
стр. 253
بمعنى علم، وزوائد جمع زائدة، سميت زوائد لأن حروف المضارعة تزاد على الفعل الماضي، يقال: ضرب هذا فعل ماضٍ، إذا أردت المضارع تأتي بحرف من أحرف أنيت، فتزيده على الفعل الماضي، فتقول: أَضربُ، أو يضرب أو نضرب أو تضرب، إذاً سميت زوائد لكونها تزاد في أول الفعل الماضي، لأن الفعل المضارع وإن كان مستقلاً برأسه أصلاً؛ إلا أنه عند الاشتقاق يؤخذ من الماضي، فيزاد عليه حرف من أحرف أنيت، قوله: [إِحْدَى زَوَائِدِ نَأَيْتُ] حكم عليها بأنها زائدة، إذاً لو كانت أصلية حينئذٍ لا يكون الفعل مضارعاً، نحو: أكل في أوله حرف من أحرف أنيت، وأكل فعل ماض لا مضارع لأن الهمزة أصلية، وإنما نحكم عليه بأنه فعل مضارع إذا كانت زائدة بشرطها، ومثله أخذ وأمر فالهمزة أصلية، ونفع ونقم ونعس فالنون أصلية، ويفع وينع ويئس فالياء أصلية، وتبع وتجر وتخذ فالتاء أصلية، فهذه كلها مبدؤة بأحرف نأيت إلا أنها أصلية، فهي جزء من الكلمة أي حرف مبنى، وهي فاء الكلمة، حينئذٍ لا نحكم عليه بأنه فعل مضارع، لأن الشرط الأول في كون هذه الحروف علامة على مضارعية الفعل كونها زائدة وهذه أصلية.
والشرط الثاني الذي يتحقق به كون هذه الأحرف علامة على المضارع كونها دالةً على معانٍ خاصة، فالهمزة تدل على المتكلم سواء كان مذكراً أو مؤنثًا، نحو: أضربُ يكون الفاعل مذكراً، وأضربُ ويكون الفاعل مؤنثاً. والنون للمتكلم ومعه غيره أو المعظم نفسه
стр. 254
حقيقة أو ادعاءاً، نحو: نضرب، فالنون للمتكلم ومعه غيره فليست للمتكلم وحده، أو تكون معظِّماً لنفسك فتقول: نكتب، ونفعل، ونأمر ونحو ذلك، ويكون الكاتب والفاعل والآمر واحدًا، وقد يكون حقيقة كأن يصدر من كبير يقول: نكتب ونفتى ونحو ذلك. وقد يكون ادعاءاً، مثلوا لذلك بقول فرعون: ((أَلَمْنُرَبِّكَ فِينَا (١٨))) [الشعراء:١٨] فنربك بالنون وهو يعظم نفسه، لكنه حقير، فلذلك نقول هنا التعظيم ادعاءاً يعني لا واقع له. والياء للغائب مطلقاً يعني سواء كان مفرداً أو مثنى أو جمعاً وكذا الغائبات، نحو: زيدٌ يضرب، والزيدان يضربان، والزيدون يضربون، والهندات يضربن. والتاء للمخاطب سواء كان مفرداً أو مثنىً أو جمعاً، أو غائبة، أو غائبتين، نحو: أنت تضرب يا زيدُ، وأنتما يا هندان تضربان، وأنتما يا زيدان تضربان، وأنتم يا زيدون تضربون، وهند تضرب، والهندان تكتبان، إذاً لا بد من شرط الزيادة، ولا بد من شرط الدلالة على معنى خاص، ولذلك نأيت صارت علماً بالغلبة على ما جمع شيئين اثنين: الزيادة مع الدلالة على المعاني الخاصة، فإذا أطلق اللفظ انصرف إلى المعنى الخاص فصار حقيقة عرفية. و [نَأَيْتُ] بمعنى بَعُدْت، وتجمع أيضاً على أنيت، ونأتي، وأتينا، أربع كلمات، وأنيت بمعنى أدركت وهذا مرجح عندهم، لأن فيه تفاؤلا بمعنى أنك أدركت العلم، [فَادْرِهِ] أي فادر هذا الحكم، وهو أن المضارع يميز عن قسميه بإحدى زوائد نأيت مع الشرط الذي ذكرناه، فإن لم تكن هذه الحروف زائدة بل كانت من أصل الفعل فهو فعل ماضٍ،
стр. 255
أو كانت زائدة ولكنها لا تدل على معنىً خاص كأكرم فالهمزة فيه زائدة لكنه ليس بفعل مضارع لأن شرط الهمزة مع كونها زائدة أن تدل على معنى خاص، وهو التكلم ذكراً كان أو أنثى، وأكرم تدل على معنى التعدية، فلها معنى؛ لكنه ليس هو المعنى الخاص الذي وضع له أنيت.
ثم لما بيَّن الفعل المضارع من حيث تمييزه عن أخويه الماضي والأمر، شرع في بيان حكمه فقال:
وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ إِذَا يُجَرَّدُ ... مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ كَتَسْعَدُ
[وَحُكْمُهُ] والحكم هنا يترتب على أحرف أنيت، وعلى آخره، فله حكمان: حكم باعتبار أوله، وحكم باعتبار آخره، أما الحكم الأول: فقد عرفنا أن هذه الأحرف حروف معنى، وأنها زوائد، والأصل فيه أنه مبني، والأصل في المبني أنه ساكن، والابتداء بالساكن متعذر، فحينئذٍ لا بد من تحريكه ليبتدأ به، فقالوا: له ضابط باستقراء كلام العرب، وهو أن النظر إلى الفعل الماضي فإن كان رباعياً أصولاً أو بالزيادة فحينئذ الحرف الذي يزاد عليه ليكون مضارعاً يُضم، وما عداه يفتح، فتقول: أُكرِمُ ونُكرم ويُكرم وتُكرم، لأن أصله أَكرَمَ - على أربعة أحرف ولو كان أحد الحروف زائداً - فإذا جئت بالمضارع وزدت عليه حرفًا من أحرف نأيت تضمه مطلقاً سواء كان همزة أو نوناً أو ياءاً أو تاءاً. ودحرج ماضٍ رباعي، وكلها أصول، فتقول: أُدحرج ونُدحرج ويُدحرج وتُدحرج بضم حرف المضارعة مطلقا، وما عدا الرباعي فحكمه فتح حرف
стр. 256
المضارعة منه، فتقول: ذهب - وهذا ثلاثي - أََذهبُ ونَذهب ويَذهب وتَذهب بفتح حرف المضارعة، وانطلق -وهذا خماسي- أَنطلِقُ ويَنطلق وتَنطلق ويَنطلق بفتح حرف المضارعة، واستخرج -وهذا سداسي- أَستخرِجُ ويَستخرج وتَستخرج ونَستخرج بفتح حرف المضارعة. نظم هذه القاعدة الحريري في الملحة فقال:
وَضُمَّهَا مِنْ أَصْلِهَا الرُّبَاعِي مِثْلُ يُجِيبُ مِنْ أَجَابَ الدَّاعِي
وَمَا سِوَاهُ فَهِيَ مِنْهُ تُفْتَتَحْ ... وَلاَ تُبَلْ أَخَفَّ وَزْنًا أَمْ رَجَحْ
مِثَالُهُ يَذْهَبُ زَيْدٌ وَيَجِي ... وَيَسْتَجِيشٌ تَارَةً وَيَلْتَجِي
أما حكمه باعتبار آخره فقال:
وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ إِذَا يُجَرَّدُ مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ كَتَسْعَدُ
[وَحُكْمُهُ] أي حكم الفعل المضارع [الرَّفْعُ] لأن الأًصل في الفعل المضارع الإعراب، فهو معرب، وقد ذكرنا علة إعرابه فيما سبق، [وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ] يعني يكون مرفوعاً بحركة أو حرفٍ، نحو: يقوم زيدٌ، يقوم: فعل مضارع مرفوع ورفعه ضمة، رُفع بحركة، والزيدان يقومان، يقومان: فعل مضارع مرفوع ورفعه ثبوت النون، رُفع بحرف، والحركة ظاهرة أو مقدرة، فالظاهرة كالمثال السابق، والمقدرة كيخشى، ويدعو، ويرمي، والحرف قد يكون ظاهرًا أو مقدرًا، فالظاهر كالمثال السابق، والمقدر نحو: لتبلونَّ، فعلامة الرفع النون وهي حرف، لكنها مقدرة لأنها حذفت لكراهة توالي الأمثال، توالت ثلاث نونات فحذفت نون الرفع،
стр. 257
لتبلونَّ هذه نون التوكيد الثقيلة وهي عبارة عن نونين مع نون الرفع اجتمع عندنا ثلاث نونات، فحذفت نون الرفع دفعاً لتوالي ثلاث نونات، والعرب تكره توالي الأمثال. وتقول في إعرابه: لتبلونَّ فعل مضارع مرفوع ورفعه النون المحذوفة لدفع توالي الأمثال.
قال: [إِذَا يُجَرَّدُ مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ] أي إذا يعرَّى من ناصب وجازم، فإذا لم يتقدم عليه ناصب أو جازم فهو مرفوع، والعامل فيه على الأصح عامل معنوي، وهو تجرده عن الناصب والجازم، نحو: يقوم زيد، يقوم فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، لأن الفعل المعرَب إما أن يتقدم عليه جازم فيقتضي جزمه، وإما أن يتقدم عليه ناصب فيقتضي نصبه، وإما أن لا يتقدم عليه جازم ولا ناصب فيقتضي رفعه، وهذا هو العامل، وهو عامل معنوي لأنه لاحظ للسان فيه، وهذا هو الأصح وفيه أقوالٌ أخرى. [كَتَسْعَدُ] أي وذلك كتسعد، أي كقولك تسعد، أو مثل تسعد هند، أو تسعد أنت يا زيد، فتسعدُ: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم ورفعه ضمة ظاهرة على آخره.
الفعل المضارع له حالان: حال يعرب فيها وسبق بيانها، وحال يبنى فيها، وذلك إذا اتصل به نون الإناث، فيبنى حينئذ على السكون، كقوله تعالى: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ) [البقرة:٢٣٣] يرضعن: فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، ونون الإناث ضمير متصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل، ولم يكن معرباً مع اتصاله بنون الإناث لأن المشابهة في باب الإعراب
стр. 258
وفي البناء وفي المنع من الصرف، مقيدة بأن لا يقترن بالفعل ما يبعده ويضعف شبهه بالمشبه به، لأن نون الإناث هذه تختص بالفعل، ولما أشبه الفعل المضارع الاسم فيما ذكرناه من وجه الشبه نقيده بما لم يتصل به ما هو من خصائص الأفعال، فإن اتصل به ما هو من خصائص الأفعال كنون الإناث - فإنها خاصة بالفعل - حينئذ نقول: ضعُف الشبه، فلما ضعف الشبه عاد إلى أصله وهو البناء. ويبنى على الفتح فيما إذا اتصل بالفعل المضارع نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة: ((* كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ (٤))) [الهمزة:٤] لينبذن: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد. إذاً الفعل المضارع له حالان: حال يبنى فيها: إما على السكون وذلك إذا اتصل به نون الإناث، وإما على الفتح وذلك إذا اتصل به نون التوكيد المباشرة، وحال يعرب فيها وإعرابه إما أن يكون بالنصب إذا تقدمه ناصب، أو بالجزم إذا تقدمه جازم، أو بالرفع إذا لم يتقدم عليه ناصب ولا جازم.
وإنما لم يذكر الناظم حالة البناء؛ لأنه لم يذكر البناء أصلاً، لأنه عنون للإعراب فقط، ومعلوم أن مبحث النحاة في البناء والإعراب، لأننا نبحث في الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء، أو تركه تبعًا للأصل، أو اختصارًا واكتفاءً، أو لأن البناء فيه نوع صعوبة على المبتدئ، أو لأن الأصل والأكثر الإعراب، والبناء قليل باعتبار الإعراب، وهو الذي تتبين به المعاني المختلفة، بخلاف البناء فإن أعرب يكون إعرابه محليًا، والإعراب المحلي لا يميز
стр. 259
الكلمة من حيث هي، وإنما ينظر إليها من حيث متعلقاتها فإذا قيل: قالت حذامِ، تعرف أن حذامِ فاعل، ولا وجود للضمة التي هي الإعراب، فليست هي مثل جاء زيدٌ، فهذا فاعل والضمة هي الإعراب، لكن قالت حذامِ تعرف من حيث إسناد الفعل إلى ما بعده وأنه يطلب فاعلاً، فتحكم على حذامِ بأنه فاعل.
ولما قال الناظم [مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ] أبهم الناصب والجازم، والطالب النحوي المبتدئ لا يحكم على الفعل المضارع أنه مجرد من ناصب وهو لا يعلم النواصب، فحينئذٍ يرد السؤال ما هي النواصب؟ ومتى نحكم على الفعل المضارع بأنه منصوب؟ إذًا يكون قوله: باب نواصب المضارع جوابًا لسؤال لأنه أبهم في الأول، قال: [مِنْ نَاصِبٍ] فما هي النواصب التي إذا انتفت مع الجوازم حكمنا على الفعل المضارع أنه معرب لتجرده عن الناصب والجازم. ثم الحالة الثانية التي يكون الفعل معربًا فيها هي النصب، فيرفع وينصب ويجزم لأن المعرب من الأفعال هو الفعل مضارع وله أحوال ثلاثة: الرفع والنصب والجزم عرفنا الرفع، ويرد السؤال متى نحكم عليه بأنه منصوب؟ قال الناظم ﵀:
بَابُ نَوَاصِبِ المُضَارِعِ
أي هذا باب بيان نواصب المضارع، والنواصب جمع ناصب، وحينئذٍ يؤول بمعنى لفظ ناصب، أو جمع ناصبة بمعنى كلمة ناصبة، فيجوز الوجهان؛ خلافًا للعشماوي حيث جوَّز الأول ومنع الثاني. وقوله: [المُضَارِعِ] ليس للاحتراز، لأنه ليس هناك فعل يُنصب غير الفعل
стр. 260
المضارع، حينئذٍ يكون القيد لبيان الواقع. [بَابُ نَوَاصِبِ المُضَارِعِ] هذا الباب سيذكر فيه المصنف النواصب التي إذا وُجِد واحد منها حكمنا على الفعل المضارع بأنه منصوب، ونصبه يكون بحركة أو حذف حرف. مثاله: لن ندعوَ، أن يغفرَ لي فهذا منصوب بحركة، وقد يكون منصوبًا بحذف النون وهذا فيما إذا كان من الأمثلة الخمسة، نحو: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ (البقرة:٢٤) تفعلوا: فعل مضارع منصوب بلن ونصبه حذف النون، لأنه من الأمثلة الخمسة.
وَنَصْبُهُ بِأَنْ وَلَنْ إِذَنْ وَكَيْ ... وَلاَمِ كَيْ لاَمِ الجُحُودِ يَا أُخَيْ
كَذَاكَ حَتَّى وَالجَوَابُ بِالفَا ... وَالوَاوِ ثُمَّ أَوْ رُزِقْتَ اللُّطْفَا
هذه النواصب عند المصنف ذكرها متتابعة، ولم يفصل بينها؛ لأنه تَبَعٌ لابن آجروم وهو كوفي؛ وعند الكوفيين أن النواصب تنصب بنفسها فأن ولن وإذن وكي ولام الجحود ولام كي وحتى والجواب بالفاء والواو وأو، كل أداة من هذه الأدوات المذكورة إذا دخلت على الفعل المضارع نصبته بنفسها على مذهب الكوفيين، وعلى مذهب البصريين أن النواصب التي تنصب بنفسها لا بواسطة أربعة فقط، وهي المذكورة في قوله: [بِأَنْ وَلَنْ إِذَنْ وَكَيْ] وما عدا ذلك فالنصب يكون بأن مضمرة إما وجوبًا وإما جوازًا. وكل ما ذكر من النواصب عند الكوفيين ما عدا تلك الأربعة فالنصب يكون بأن مقدرة بعدها. [وَنَصْبُهُ] أي الفعل المضارع [نَصْبُ] هذا مصدر أضيف إلى الضمير، ومرجع الضمير هو الفعل المضارع،
стр. 261
والفعل المضارع مضاف إليه لأن باب مضاف، ونواصب مضاف إليه، ونواصب مضاف والمضارع مضاف إليه، إذًا عاد الضمير على المضاف إليه وهذا جائز على الصحيح، وإن منع كثير من النحاة عود الضمير على المضاف إليه، لأن المضاف والمضاف إليه كالجزء الواحد أو كالكلمة الواحدة حينئذٍ لا يجوز عود الضمير على بعض الكلمة كما أنه لا يجوز عود الضمير على دال زيد، كذلك ما نُزِّل منزلة الكلمة لا يجوز أن يعود الضمير على بعضها دونها كلها فقالوا: يجب عود الضمير إلى المضاف ولا يجوز عوده إلى المضاف إليه، والصواب جوازه، فيجوز عود الضمير إلى المضاف إليه وقد ورد في القرآن في غير ما موضع. [وَنَصْبُهُ بِأَنْ] [بِأَنْ] جار ومجرور متعلق بقوله: [وَنَصْبُهُ] أي الفعل المضارع [بِأَنْ] الباء حرف جر، وأن في الأصل حرف، فدخل عليها حرف الجر، وحروف الجر من علامات الأسماء، وأن حرف، فكيف دخل الحرف على الحرف؟ نقول: قُصِد لفظها فصارت علمًا، فهي حرف في موضعها يعني فيما إذا أُدِّي بها معنى، وذلك إذا رُكِّبت في جملة مفيدة، أما في مثل هذه المواضع كالإخبار عنها أو الإخبار بها حينئذٍ تكون علمًا. وحينئذٍ لا إشكال. كذلك نقول: زيد فاعل مرفوع بضرب، وضرب فعل ماض، والباء حرف جر وهو من علامات الأسماء، نقول: ضرب هنا في هذا التركيب صار علمًا على ضرب الذي يكون في الجملة مرادا به معناه. والقاعدة العامة نقول: نحكم على الفعل أو الحرف بأنها أفعال وليست بأسماء أو حروف إذا ما استعملت في جملة مفيدة
стр. 262
حينئذٍ أريد بها معناها. وإذا أخبر عنها أو بها حينئذٍ قصد لفظها لا معناها. ولذلك قال ابن مالك ﵀ في الكافية:
وَإِنْ نَسَبْتَ لِأَدَاةٍ حُكْمَا ... فَاحْكِ أَوِ اعْرِبْ وَاجْعَلَنْهَا اسْمَا
نقول في إعراب جملة ضرب فعلٌ ماضٍ: ضرب مبتدأ، ويجوز فيه ثلاثة أوجه: ضربَ على الحكاية، وضربُ معربًا مع المنع من الصرف، وضربٌ معربًا مع الصرف. ونقول أيضًا: مِنْ حرف جر، فمن مبتدأ، ويجوز فيها ثلاثة أوجه: مِنْ على الحكاية، ومِنُ معربةً مع المنع من الصرف، ومِنٌ معربة مع الصرف. [بِأَنْ] المصدرية مفتوحة الهمزة ساكنة النون، فخرجت إنْ النافية، والزائدة، وأنْ المخففة من الثقيلة. وتسمى المصدرية أم الباب، لأنها تعمل ظاهرة ومضمرة، وما عداها لا تعمل إلا ظاهرة. وهكذا كل حرف يُتصرف فيه في بابه، يقال فيه: أم الباب. وسميت مصدرية لأنها تؤول مع ما بعدها بمصدر، تؤول أي تفسر، والتأويل هو التفسير، فيصح أن تأتي بمصدر محل أنْ ومدخولها الفعل المضارع، نحو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ (الحديد:١٦) نقول: أَنْ تَخْشَعَ أن حرفٌ مصدريٌّ لأنها تؤول مع ما بعدها بمصدر، وهو تخشع، فحينئذٍ يحل محلها مصدر تخشع وهو الخشوع، فيقدر: ألم يأن للذين آمنوا خشوع قلوبهم، وهو فاعل يأن، وقد يكون مبتدأ كما في نحو: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة:١٨٤) وقد يكون مفعولا به كما في نحو: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾
стр. 263
(النساء:٢٨).إذًا أُوِّلت بمصدر، وما بعدها يكون منصوبًا بها، ومتى نحكم على أَنْ بأنها مصدرية؟ يقول النحاة: يشترط في أن لأن تكون مصدرية ألا يسبقها علم ولا ظن، سواء كان العلم من مادة العلم ونحوه، أو الظن كان من مادة الظن ونحوه، فلا يشترط لفظ العلم بل كل ما دل على اليقين، ولا يشترط لفظ الظن بل كل ما دل على الظن، فحينئذٍ إذا لم تُسبق بعلم ولا ظن تعيَّن أن تكون مصدرية مثل قوله: ﴿أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ (الشعراء:٨٢) يغفر: فعل مضارع منصوب بأن، وأن مصدرية قطعًا لأنها لم تسبق بعلم ولا بظن، يعني لم يسبقها في السياق الذي قبلها ما يدل على اليقين أو الظن، فتعين أن تكون ناصبة بنفسها والفعل بعدها منصوب بها. ونحو: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ (يوسف:١٣) تذهبوا: فعل مضارع منصوب بأن، وأن هذه مصدرية قطعًا لأنها لم تسبق بعلم ولا بظن. فإن سبقت بعلم نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (المزمل:٢٠) تعين أن تكون مخففة من الثقيلة، إنَّ، وأنَّ الناصبتان قد تحذف إحدى النونين للتخفيف فيقال إنْ وأنْ، قال ابن مالك:
وَإِنْ تُخَفَّْف أَنَّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ ... وَالخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ أَنْ
فحينئذٍ نحكم قطعًا بأنها ليست المصدرية، ويجب رفع الفعل المضارع بعدها. وأما إذا سبقت بظن أو ما يدل على الظن فوجهان: يجوز النصب، ويجوز الرفع. فإذا رفعت الفعل المضارع فأنْ حينئذٍ
стр. 264
تكون مخففة من الثقيلة، وإذا نصبت المضارع فأن حينئذٍ تكون مصدرية. إذًا نخلص من هذا أن أنْ باعتبار ما قبلها لها ثلاثة أحوال: إما أن يُقطع بأنها مصدرية، وليست مخففة من الثقيلة، وإما يُقطع بأنها ليست مصدرية بل مخففة من الثقيلة، وإما أن نجوز الوجهين فتكون محتملة للوجهين. وقرئ بالوجهين ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (المائدة:٧١) وحسبوا بمعنى ظن، فيجوز في المضارع بعدها الوجهان: الرفع على أنَّ أنْ مخففة من الثقيلة, والنصب على أنَّ أن مصدرية. ولكن الأرجح فيما إذا سبقت بظن النصب؛ لأنه موافق للقياس، ولأنه الأكثر في كلام العرب، لذلك قال ابن هشام: أجمعوا على النصب في قوله تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ (العنكبوت:١ - ٢) أجمع القراء على النصب مع أنها سبقت بما يدل على الظن، واختلفوا في قوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فما أجمعوا عليه أولى وأرجح مما اختلفوا فيه، فحينئذٍ ما وقع فيه الخلاف يرجح بما أجمعوا عليه، ولكن القراءة سنة متبعة. فيقرأ بهذا، ويقرأ بهذا، ولا يُنكر هذا على ذاك. أما في الكلام فالأفصح أن تأتي به منصوبًا لأنه الأكثر في كلام العرب، والموافق للقياس. [وَلَنْ] هذا هو الحرف الثاني الذي ينصب الفعل المضارع بنفسه، وهي تعمل ظاهرة. [وَلَنْ] بفتح اللام وسكون النون، وهي بسيطة، وقيل: مركبة وأصلها لا أَنْ -كما هو مذهب الخليل - حُذفت الهمزة تخفيفًا للتخلص من التقاء الساكنين. وقيل: أصلها لا فقلبت الألف نونًا وهو مذهب الفرَّاء.
стр. 265
والأصح الأول أنها بسيطة وليست مركبة. وهي حرف نفي، ونصب واستقبال مثل أنَّ حرف نصب واستقبال، فلن حرف نفي لأنه يدل على نفي وقوع الحدث في الزمن المستقبل، لأن لن تدل على انتفاء الحدث الذي يدل عليه الفعل بعدها، في الزمن المستقبل، فإذا قلت: لن يقوم زيد، دلت لن على نفي القيام عن زيد في الزمن المستقبل، فصرفت الفعل المضارع عن الحال إلى الاستقبال. ومذهب الزمخشري أن لن تفيد التأبيد. والصواب أنها لا تفيد التأبيد ولكن تحتمله، وزاد عليه أنها تأتي للتأكيد. والجواب أنها لا تتعين للتأبيد وإنما محتملة له ولغيره. فإذا قيل: لن أقوم، فهو مثل قولك: لا أقوم، ولا أقوم هذه لا تدل على التأبيد، كذلك لن هي محتملة لئلا يقوم أبدًا، أو لن يحصل منه قيام في الزمن المستقبل، ولذلك رَدَّ بعضهم على الزمخشري بأن لن لو كانت تفيد التأبيد لما صح أن يجمع بينها وبين لفظ أبدًا، كما في قوله: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً) (البقرة: من الآية٩٥) وقوله تعالى: (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) [الكهف:٢٠] فلو كانت لن موضوعة للنفي على جهة التأبيد لما صح الجمع بينها وبين لفظ أبدًا، لأنه يصير من باب التكرار. وأما التأبيد المفهوم من قوله تعالى: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً﴾ (الحج:٧٣) فهذا من دليل خارجي، وهو أنهم يعجزون عن الخلق مطلقًا، لا ذبابًا، ولا دونها ولا ما هو فوقها.
(وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) (الحج: من الآية٤٧) فلن هنا للتأبيد لكن ليس من ذات لن، بل من دليل خارج عنها، فإذا قيل: لن لا تقتضي تأبيدًا، لا يُفهم من هذا أنها لا تحتمل التأبيد، بل تحتمله
стр. 266
ضمنا إذا قيل: لن أقوم، وقصد به لن أقوم أبدًا. فلا إشكال حينئذٍ، ولذلك قد يؤكد هذا المعنى إذا جئت بلفظ أبدًا بعد لن حينئذٍ إذا قيل: لن أقوم أبدًا صارت أبدًا معينة للاحتمال الذي تحتمله لن وهو التأبيد. وإعمال لن نحو قوله تعالى: (لَنْ نَبْرَحَ) [طه:٩١] لن حرف نفي ونصب واستقبال، ونبرح فعل مضارع ناقص منصوب ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، واسمه ضمير مستتر وجوبا تقديره نحن. وقوله تعالى: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ) [البقرة:٥٥] لن حرف نفي ونصب واستقبال، ونؤمن فعل مضارع منصوب ونصبه فتحة ظاهرة على آخره. وقوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ) [آل عمران:٩٢] تنالوا فعل مضارع منصوب بلن ونصبه حذف النون لأنه من الأمثلة الخمسة.
[إِذَنْ] بكسر الهمزة وفتح الذال، وهذا هو الحرف الثالث الذي ينصب الفعل المضارع بنفسه، وهي تعمل ظاهرة. واختلف في إذن هل تكتب النون نونًا أم تكتب ألفًا؟ فيها ثلاثة أقوال: الأول: وهو المشهور أنها تُكتب نونًا فيما إذا أُعملت، وأما إذا أُهملت وأُلغيت كتبت ألفًا. الثاني: أنها تُرسم بالنون مطلقًا وهو قول المبرد. والثالث: أنها ترسم بالألف مطلقًا وهو قول الفراء. والقول الأول وهو التفصيل أحسن وقد رجحه صاحب النحو الوافي. [إِذَنْ] تفيد الجزاء والجواب عند سيبويه، فهي حرف جواب لأنها تقع جوابًا لكلام سابق عليها، فحينئذٍ لا تقع ابتداءً في أول الكلام، لا يأتي إنسان ويبتدئ كلامه ويقول: إذن اليوم كذا، هكذا دون أن تقع في
стр. 267
جواب، هذا خطأ، بل الصواب أنها تقع في جواب، يقول لك قائل: سأزورك غدًا، فتجيبه: إذن أكرمَك، وقعت في جواب كلام سابق عليها، وما بعدها يعتبر جزاءًا، لأنه في مقابلة الكلام السابق لأنه قال سأزورك تقول: إذن - هذه وقعت في الجواب - أكرمَك وهذا هو الجزاء، كأنه في قوة قولك: إن جئتني أَكرمتك، ففيه معنى الجزاء المرتب على إن الشرطية. إذا تقرر أنَّ إذن حرف جزاء وجواب عند سيبويه فهل هي في كل موضع حرف جواب وجزاء أو أنها في الأكثر؟ الظاهر أنها في الأكثر، يعني قد تتمحض للجواب ولا يكون ثَمَّ جزاء. إذا قال قائل: إني أحبُّك فقلت له: إذن أظنُّك صادقًا، هذه للجواب فقط، وليس عندنا جزاء لأن التصديق في الحال، والجزاء في المستقبل، وحينئذٍ فهي تدل على الجواب والجزاء في الأكثر. قال الشلوبين: في كل موضع. وقال الفارسي: في الأكثر، وقد تتمحض للجواب يعني لا يكون ما بعدها جزاءًا لما قبلها بل هي للجواب فقط. [إِذَنْ] لا تعمل مطلقًا، وإنما تتقيد بشروط ثلاثة، إذا وجدت هذه الشروط جاز إعمالها، فحينئذٍ تكون هذه الشروط لجواز إعمالها لا لوجوبه. فأن، ولن يجب إعمالهما ولا يجوز إلغاؤهما، أما إذن فالمعتبر عند البصريين أنه لابد من شروط ثلاثة لكن هل هذه الشروط موجبة للعمل؟ الجواب: لا، لأن عيسى بن عمر حكى أن بعض العرب يُهمِل إذن يعني يرفع الفعل بعدها مع استيفاء الشروط. وشروط نصبها ثلاثة: الأول: أن تكون في صدر الجملة أي في صدر جملة الجواب، فلو تأخرت وجب رفع الفعل الذي يليها، إذا قيل: إني سأزورك غدًا فقال: يا زيد إذن أكرمُك،
стр. 268
وجب رفع الفعل لأنها لم تقع في صدر الكلام. إذن لا تعمل حتى تكون مصدرة. هل يجوز أن تكون إذن تالية لأول الجملة لا في أول الجملة؟ تقول: نعم، يجوز من جهة اللغة أن نقول: يا زيد إذن أكرمُك، لكن لا تنصب الفعل، فالمنع هنا لا من جهة سياق الكلام، وإنما المنع من جهة النصب بها. فإذا قال: يا زيد إذن أكرمُك لا بأس لكن إذا نصب بها تقول أخطأت لأن شرط النصب بإذن أن تكون في صدر الجملة وقد جئت بها ثانيًا، وحينئذٍ وجب إهمالها ولا يجوز نصب المضارع بعدها، فلما نصبت أخطأت لكن لو رفعت أصبت. الشرط الثاني: أن يكون الفعل بعدها مستقبلاً أي دالاً على الاستقبال، فلو كان الفعل الذي يليها بمعنى الحال وجب الرفع، فلو حدثك شخص بحديث، فقلت: إذن تصدقُ وجب الرفع لأن المراد به الحال وليس المستقبل.
الشرط الثالث: ألا يفصل بين إذن والفعل فاصل غير القسم. فإن فصل بينهما نحو: إذن يا زيد أكرمُك. إذن يومَ الجمعة أكرمُك وجب الرفع، لكن لو فصل بين إذن ومدخولها بالقسم فلا يؤثر في إعمالها، إذن والله أكرمَك بالنصب. قال الشاعر:
إِذَنْ وَاللهِ نَرْمِيَهُمْ بِحَرْبِ ... تُشِيبُ الطِّفْلَ مِنْ قَبْلِ المَشِيبِ
سُمِع الفصل بالقسم بين إذن ومدخولها الفعل المضارع مع نصبه، فحينئذٍ يُستثنى القسم لوروده في الشعر. ما عدا ذلك نص ابن هشام في شرح القطر وغيره أنه لا يجوز الفصل به، وإن كان الفصل بالنداء أو بالظرف محل خلاف فأجازه بعضهم ومنعه آخرون.
стр. 269
[وَكَيْ] المصدرية، وهي الحرف الرابع الذي ينصب بنفسه، وهي حرف مصدري، يُؤول مع ما بعده بمصدر، لكن هل كل كي تكون مصدرية؟ الجواب: لا، ومتى تكون كي ناصبة بنفسها؟ نقول: إذا تقدمت عليها اللام لفظًا أو تقديرًا, حينئذٍ تكون كي ناصبة بنفسها، وحرفًا مصدريًا، وإنما تكون كذلك إذا دخلت عليها اللام لفظا نحو قوله جل وعلا: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأحزاب:٣٧) لكي لا يكون: فعل مضارع منصوب بكي -وكي نفسها هي التي أحدثت النصب- وهي حرف مصدر ونصب دخلت عليها اللام في اللفظ، فحينئذٍ يتعين أن تكون كي هي عاملة النصب في الفعل المضارع، والفعل المضارع إذا دخل عليه الناصب لا يضر أن يفصل بين المضارع وبين الناصب بحرف نفي، لأن النفي - الذي هو مدلول حرف النفي- صار كالجزء من الفعل، فيتوسع فيه فيكون الناصب قد دخل على الفعل مباشرة ولو وجد بينهما حرف نفي. وقد تكون اللام مقدرة، نحو: جئتك كي تكرمني، فاللام مقدرة، وذلك إذا قدَّر المتكلم أن الأصل جئتك لكي تكرمني، ثم حذف اللام استغناء عنها بنيتها، فحينئذٍ نقول: الناصب كي واللام مقدرة قبل كي، فإذا نوى اللام نقول: صارت كي مصدرية ناصبة بنفسها. وإذا لم يقدر اللام وكان أصل التركيب جئتك كي تكرمني نقول: كي حرف جر، تعليلية بمنزلة لام التعليل، وتكرمني منصوب، والناصب له أن مضمرة بعد كي، فلابد من التقدير؛ لأن كي هنا ليست ناصبة، لأنها حرف جر،
стр. 270
والناصب للفعل أن مضمرة وجوبًا بعد كي. إذن كي تكون مصدرية بالشرط السابق أن تكون اللام ملفوظًا بها أو مقدرة قبل كي، والتقدير يكون بالنية، فالذي يفصل بين هذا وذاك هو النية. وإذا تأخرت اللام نحو: جئتك كي لتكرمني، أو وقع بعدها أن المصدرية، نحو: جئتك كي أن تكرمني، فحينئذٍ يتعين كون كي تعليلية. والحاصل: أن كي لها ثلاثة أحوال: إما أن يتعين أنها ناصبة بنفسها، وإما أن يتعين أنها تعليلية بمنزلة لام التعليل حرف جر، وإما أن تكون محتملة لهما.
[وَنَصْبُهُ بِأَنْ وَلَنْ إِذَنْ وَكَيْ] هذه أربعة أدوات متفق على أنها تنصب بنفسها بين البصريين والكوفيين. ثم شرع في بيان ما اختُلف فيه بين البصريين والكوفيين فقال: [وَلاَمِ كَيْ] بالخفض عطفًا على قوله: [بِأَنْ]، قوله: [وَلاَمِ كَيْ] أي لام التعليل، وإنما أضيفت إلى كي لأن كي تخلفها في التعليل، ولأن كلا منهما ينوب عن الآخر، فلام كي هي لام التعليل يعني اللام التي تدل على التعليل، على أن ما قبلها علة لما بعدها، وما بعدها معلول لما قبلها. إذن نقول: لام كي المراد بها لام الجر، سواء كانت للتعليل أو الصيرورة التي هي لام العاقبة، أو زائدة، فالإضافة هنا ليست للتخصيص، وإنما لذكر أشهر ما تكون عليه اللام وهو التعليل، فحينئذٍ يُنصب الفعل المضارع بعد لام كي سواء كانت للتعليل كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل:٤٤) تُبَيِّنَ: فعل مضارع منصوب، دخلت عليه لام كي وهي لام التعليل تدل أن ما
стр. 271
قبلها علة لما بعدها، وإعرابه على مذهب الكوفيين: اللام حرف نصب، تبين: فعل مضارع منصوب باللام لام كي، وعلامة نصبه فتحة ظاهرة على آخره، لأن هذه الأدوات المذكورة تنصب عند الكوفيين بنفسها. وعند البصريين لا يمكن أن تكون ناصبة بنفسها، لأن هذه اللام تدخل على الاسم فتحدث الجر، ويمتنع حينئذٍ أن تكون داخلة على الفعل فتحدث النصب، لأن كل ما اختص به الاسم من حرفٍ أو غيره يمتنع دخوله على الفعل. فلابد حينئذٍ من التقدير فنقول: تبين: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام التعليل. وقد تكون للصيرورة والعاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ (القصص:٨) هل التقطوه ليكون لهم عدوًا؟ لا شك لا، لم يكن كذلك. فلم يكن ما بعد اللام معلولاً لما قبل اللام، وإنما التقطوه ليتخذوه ولدًا، لكن ماذا كانت العاقبة أنه صار لهم عدوًا وحزنًا، فحينئذٍ وقع ما بعد اللام اتفاقًا ولم يكن عن قصد وعلة لما قبل اللام، هذه تسمى لام الصيرورة، فالتقطه آل فرعون ليكون: يكون فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام الصيرورة، وعند الكوفيين منصوب باللام نفسها. والصواب مذهب البصريين. وقد تكون اللام زائدة نحو: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (الأحزاب:٣٣) لِيُذْهِبَ اللام هذه زائدة، وإن شئت قل: صلة، أو قل: توكيد. قال بعضهم:
وَسَمِّ مَا يُزَادُ لَغْوًا اوْ صِلَهْ ... أَوْ قُلْ مُؤَكِّدًا وَكُلٌّ قِيلَ لَهْ
стр. 272
وبعض العلماء لا يجوِّز أن يقال: في القرآن حرف زائد، ومراد من أثبت الزيادة في القرآن أن الحرف الزائد لم يدل على المعنى الذي وضع له في لغة العرب، وإنما استعمل في معنى آخر وهو التوكيد، ولذلك كل حرف حُكم عليه في لغة العرب بالزيادة وأنه لا معنى له أي لا معنى له سوى التوكيد. إذًا اللام مطلقا ينصب الفعل المضارع بها عند الكوفيين، وعند البصريين بأن مضمرة جوازا بعدها. [لاَمِ الجُحُودِ] معطوف على قوله: بأن مع إسقاط العاطف، والجحود مصدر جحد يجحد جحودًا وجحدًا، فله مصدران، والمراد بالجحد أو الجحود النفي مطلقًا، لا خصوص المادة اللغوية لأن الجحد في لغة العرب ليس مطلق النفي، وإنما هو إنكار مع علمٍ، ومنه قوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤) عبر بالجحد هنا لأنه إنكار ونفي مع علم بدليل قوله: واستيقنتها أنفسهم، وإن لم يكن كذلك فيعبر عنه بالنفي، وليس المراد هنا بالجحود معناه اللغوي بل المراد بلام الجحود هنا لام النفي، وضابطها أنها المسبوقة بما كان أولم يكن. هذا أحسن ما يقال فيها حتى نحكم على أن هذه اللام لام الجحود، إذا سُبقت بكونٍ ماضٍ منفيٍ يعني ما كان كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (الأنفال:٣٣) ليعذبهم: فعل مضارع دخلت عليه اللام، وهي لام الجحود لأنها سبقت بما كان. وكل لام سبقت بما كان فهي لام الجحود، يعذبهم: فعل مضارع منصوب باللام، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وهذا على مذهب الكوفيين، لأن اللام ناصبة بنفسها عندهم،
стр. 273
والصحيح أن يقال: يعذبهم: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، كذلك إذا سبقت بما لم يكن قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ (النساء:١٣٧) ليغفر: فعل مضارع دخلت عليه اللام، وهي لام الجحود لأنها سبقت بلم يكن، وكل لام سبقت بلم يكن فهي لام الجحود. إذًا ينصب الفعل المضارع بعد لام الجحود بأن مضمرة وجوبًا يعني لا يجوز إظهارها، بخلاف ما نصب بأن مضمرة جوازًا فإنه يجوز إضمارها وإظهارها، وإضمارها يعني إخفاؤها لا يُنطق بها. تقول: جئتك لأبين لك فتضمرها، ويصح أن تقول: لأن أبين لك فتظهرها. و [لاَمِ الجُحُودِ] المسبوقة بما كان ولم يكن [يَا أُخَيْ] يا حرف نداء، وأُخي مصغر أخ، منادى منصوب، لأنه مضاف، ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وهو مضاف وياء المتكلم مضاف إليه. [يَا أُخَيْ] أراد به التلطف للطالب.
والحاصل أنَّ لأن المصدرية بعد اللام ثلاث حالات: الأولى: وجوب الإضمار، وذلك بعد لام الجحود. والثانية: وجوب الإظهار، وذلك إذا اقترن الفعل بلا. فإذا كان الفعل الذي دخلت عليه اللام مقرونا بلا وجب إظهار أن بعد اللام سواء كانت لا النافية، نحو قوله تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه) [النساء:١٦٥] أو زائدة، نحو قوله تعالى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ) [الحديد:٢٩] أي ليعلم أهل الكتاب. والثالثة:
стр. 274
جواز الوجهين، نحو قوله تعالى: (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام:٧١] ونحو: (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ) [الزمر:١٢]
[كَذَاكَ حَتَّى] حتى مبتدأ، وهي حرف، ولكن قُصد لفظها فصارت علمًا، كذاك حتى أي مثل ما سبق من لام كي ولام الجحود، حتى ناصبة للفعل المضارع بنفسها على مذهب الكوفيين، وبأن مضمرة بعدها وجوبًا عند البصريين، ومثاله: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا﴾ (طه:٩١) يرجع: فعل مضارع منصوب بحتى على مذهب الكوفيين، ولكن الكوفيين أشبه ما يكونون بالظاهرية في مثل هذه المواضع لأنه ليس كل عامل- في الأصل - سُلِّط على فعل- في الظاهر - فظهر النصب عليه أن يعلق النصب بهذا العامل، لأن حتى حرف جر ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (القدر:٥) ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ (الذاريات:٤٣) فحينٍ ومطلعِ الفجر اسمان مجروران بحتى، فكيف يقال: حتى حرف جر، وتختص بالأسماء فتعمل فيها الجر، ثم تدخل على الفعل المضارع فتنصبه؟! هذا محل إشكال على مذهب الكوفيين. إذن حتى تكون ناصبة بنفسها عند الكوفيين، وبأن مضمرة وجوبًا عند البصريين، لكن يشترط في النصب بحتى أن يكون الفعل بعدها مستقبلاً بالنسبة إلى ما قبلها، سواء كان مستقبلا بالنسبة إلى زمن التكلم أو لا، فإذا لم يكن كذلك تعيَّن رفع الفعل بعدها. فالأول نحو قوله تعالى: (لََنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) [طه:٩١] فإن رجوع موسى ﵊ مستقبلٌ بالنسبة إلى الأمرين جميعًا. والثاني نحو: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (البقرة:٢١٤) بالنصب بناءا على أن القول قول الرسول مستقبلٌ بالنسبة إلى زلزالهم، وإن كان ماضيًا بالنسبة إلى الإخبار والتكلم. وقرئ بالرفع أيضًا يقولُ بناء على أن الزلزال والقول قد مضيا. وإذا دخلت حتى على الفعل المضارع ونصبته، حينئذٍ تفسر حتى بأحد معنيين: إما بمعنى كي التعليلية، وإما بمعنى إلى. إما بمعنى كي وذلك إذا كان ما قبلها علة لما بعدها، نحو: أسلم حتى تدخل الجنة، فدخول الجنة علته الإسلام إذًا الإسلام علة وسبب، أسلمْ حتى تدخل الجنة، كأنه قال أسلم كي تدخل الجنة. وإما بمعنى إلى وذلك إذا كان ما بعدها غاية لما قبلها، كما في الآية السابقة ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا
стр. 275
مُوسَى﴾ (طه:٩١) فإن رجوع موسى غاية لما قبله، يعني سنبقى على ما نحن عليه من العكوف إلى أن يرجع إلينا موسى فهي بمعنى إلى، ومنه قولك: لأسيرن حتى تطلعَ الشمس، بمعنى إلى، ولا يصحُّ جعله بمعنى كي، لأن السير ليس علة لطلوع الشمس. ونحو: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات:٩) بمعنى كي تفيء أو إلى أن تفيء يجوز الوجهان. ثم قال الناظم:
وَالجَوَابُ بِالفَا ... وَالوَاوِ ثُمَّ أَوْ رُزِقْتَ اللُّطْفَا
هذا الكلام فيه قلب، فهذه العبارة مقلوبة والأصل أن يقال: والفاء
стр. 276
والواو الواقعتان في الجواب، لأن الناصب عند الكوفيين هو الواو نفسها لا الجواب، وهنا قال: والجواب بالفاء يعني أن الجواب بالفاء هو الناصب، نقول: لا، ليس الجواب هو الناصب على مذهب الكوفيين، وإنما الفاء والواو الواقعتان في الجواب، إذًا في الجملة تقديم وتأخير يعني فيها قلب. والفاء هنا يشترط أن تكون للسببية، بأن يكون ما بعدها مسبَّبا عما قبلها، وما قبلها سبب في حصول ما بعدها، ويشترط أيضًا أن تكون مسبوقة بنفي محض خالص من الإثبات، أو طلب بالفعل لا باسم الفعل، سواء كان فيه معناه دون حروفه أو حروفه ومعناه. فالنفي مثل قوله تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ (فاطر:٣٦) فلا نافية، ويقضى: فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم ورفعه ضمة مقدرة على آخره، فيموتوا: الفاء للسببية وقعت في جواب النفي بمعنى أن النفي قد سبقها، ويموتوا فعل مضارع منصوب بالفاء - لأن الفاء هي الناصبة بنفسها عند الكوفيين- ونصبه حذف النون، لأنه من الأمثلة الخمسة، والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. وعند البصريين - وهو الأصح - منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء. وتقول أيضًا: ما تأتينا فتحدثَنا، فما نافية، وتأتينا تأتي: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم ورفعه ضمة مقدرة على آخره، وما هذه نافية لا تعمل، والشاهد في قوله: فتحدثنا، الفاء فاء السببية، وتحدث: فعل مضارع منصوب بالفاء السببية عند الكوفيين، وبأن مضمرة وجوبًا بعد
стр. 277
الفاء عند البصريين وهو الأصح؛ لأن الأصل في الفاء أنها تكون عاطفة، وحينئذٍ الحرف الذي يكون للعطف الأصل فيه أنه لا يعمل. ولذلك ضُعِّف في باب التبعية القولُ برفع أو نصب أو جر المعطوف على المعطوف عليه أن يكون العامل هو الواو. نحو: جاء زيد وعمرو، فعمرو مرفوع، والرافع له عند بعضهم الواو وهذا ضعيف جدًا. فإذا لم يكن النفي محضًا، تعين الرفع، نحو: ما تزال تأتينا فتحدثُنا، بالرفع لأن زال للنفي، وما للنفي أيضًا، ونفي النفي إثبات، حينئذٍ لا يصح أن يكون المضارع منصوبًا بعد فاء السببية، لأن الشرط قد تخلف، ولو اعتبرت الفاء أنها سببية فقد وُجِد أحد الشرطين، وانتفى الآخر، لأن الشرطين: أن تكون الفاء للسببية، وأن تكون مسبوقة بنفي محض. وهنا لو اعتبرت سببية لكنها لم تسبق بنفي محض وإنما سبقت بإثبات. كذلك قولك: ما تأتينا إلا فتحدثُنا، بالرفع لأن ما حرف نفي، وإلا إثبات، فما بعد إلا مثبت، وحينئذٍ انتقض النفي بإلا، فانتفى أحد شرطي نصب الفعل المضارع بعد فاء السببية. وأما الطلب بالفعل، فهو ما يسمى بالأجوبة الثمانية وهي المجموعة في قول القائل:
مُرْ وَانْهَ وَادْعُ وَسَلْ وَاعْرِضْ لِحَضِّهِمُ ... تَمَنَّ وَارْجُ كَذَاكَ النَّفْيُ قَدْ كَمُلاَ
مر: أي إذا وقعت الفاء أو الواو في جواب الأمر، وانه أي النهي إذا وقعت الفاء أو الواو في جواب النهي، فإذا وقعت الفاء في جواب الأمر نصب المضارع بعد الواو أو الفاء لوقوعه في جواب الطلب. ونوع هذا الطلب أمر، كذلك النهي إذا وقعت الفاء أو
стр. 278
الواو في جواب النهي نصب الفعل المضارع بأن مضمرة بعد فاء السببية أو واو المعية لوقوعه في جواب الطلب وهو النهي. وادع أي الدعاء، وسل أي الاستفهام، واعرض أي العرض، لحضهم أي التحضيض، تمنَّ أي التمني، وارج أي الترجي، كذاك النفي قد كملا وقد سبق.
فالأمر نحو قول الشاعر:
يَا نَاقُ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحَا ... إِلَى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَرِيحَا
سيري: هذا فعل أمر، فنستريحا: الفاء فاء السببية، وقعت في جواب الطلب ونوعه أنه أمر، نستريحا: فعل مضارع منصوب بالفاء عند الكوفيين، وبأن مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية عند البصريين، لوقوعه في جواب الأمر والألف للإطلاق. والنهي نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ (طه:٨١) فيحل: فعل مضارع منصوب لوقوعه بعد فاء السببية الواقعة في جواب النهي، والناصب له الفاء نفسها على مذهب الكوفيين، وبأن مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية على مذهب البصريين وهو الأصح. والتحضيض نحو قوله تعالى: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ (المنافقون:١٠) فأصدق: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية الواقعة في جواب التحضيض، ولولا حرف تحضيض. والتمني نحو قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ (النساء:٧٣) فأفوز: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة
стр. 279
وجوبًا بعد فاء السببية الواقعة في جواب الطلب وهو التمني، وحرفه ليت. والترجي نحو قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ (غافر:٣٧) فأطلع: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء الواقعة في جواب الطلب ونوعه هنا الترجي، وحرفه لعل. والدعاء نحو قول الشاعر:
رَبِّ وَفِّقْنِي فَلاَ أَعْدِلَ عَنْ ... سَنَنِ السَّاعِينَ فِي خَيْرِ سَنَنْ
رّبِّ أي يا رَبِّ، وفقني فلا أعدل الفاء فاء السببية، أعدل: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية الواقعة في جواب الطلب ونوعه هنا الدعاء. والاستفهام نحو قول الشاعر:
هَلْ تَعْرِفُونَ لُبَانَاتِي فَأَرْجُوَ أَنْ ... تُقْضَى فَيَرْتَدَّ بَعْضُ الرُّوحِ لِلجَسَدِ
فأرجو: فعل مضارع منصوب بعد فاء السببية الواقعة في جواب الاستفهام، أما قوله فيرتد فهذا معطوف عليه. والعرض نحو قول الشاعر:
يَا ابْنَ الكِرَامِ أَلاَ تَدْنُو فَتُبْصِرَ مَا ... قَدْ حَدَّثُوكَ فَمَا رَاءٍ كَمَنْ سَمِعَا
ألا: حرف عرض، ألا تدنو فتبصر: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية الواقعة في جواب الطلب ونوعه هنا العرض. وكفاء السببية واو المعية وكل ما قيل في الفاء السببية يقال في واو المعية يعني لابد أن تكون للمعية، ولابد أن تكون مسبوقة بنفي محض أو طلب بالفعل. فبعد النفي كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ
стр. 280
الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران:١٤٢) ويعلمَ: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبَا بعد واو المعية الواقعة في جواب النفي. والتمني نحو قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنعام:٢٧) ونكذب فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد واو المعية الواقعة في جواب التمني. ونكون هذا معطوف على نكذب. والنهي نحو قول الشاعر:
لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وتأتي: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد واو المعية الواقعة في جواب النهي وهو لا تنه: فلا ناهية. إذًا كل ما قيل في فاء السببية يقال في واو المعية. فلابد أن تكون مسبوقة بنفي محض، وكذلك أن تكون مسبوقة بطلبٍ بالفعل أي الفعل نفسه، ويكون هذا في الأمر، أما لو قال: صه فنحدثك، فصه ليس بأمر بل هو اسم فعل أمر، هو أمر من جهة اللغة لكن من جهة الاصطلاح ليس بفعل أمر، حينئذٍ فنحدثك فعل مضارع وقع بعد فاء السببية وسبق بطلب لكن هذا الطلب ليس بفعل وإنما باسم فعل. والظاهر أن مرادهم هنا نفس فعل الأمر وما عداه ليس بداخل. ونزال اسم فعل أمر، والفرق بين صه ونزال أن صه اسم فعل أمر، فيه معنى الأمر دون حروفه، لأنه بمعنى اسكت. فليس فيه حروف اسكت، لكن نزال بمعنى انزل ففيه حروف الفعل، إذًا اسم فعل الأمر على مرتبتين: قد يكون فيه معنى الفعل دون حروفه كصه، وقد يكون
стр. 281
فيه معنى الفعل وحروفه، وكلا النوعين لا يصح نصب الفعل المضارع بعد فاء السببية أو واو المعية إذا وقع في جواب اسم الفعل مطلقا. إذًا عرفنا على مذهب الكوفيين أن الفاء والواو تكونان ناصبتين بنفسهما، وعلى مذهب البصريين يكون النصب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء أو الواو. [ثُمَّ أَوْ] يعني الناصب الأخير الذي ذكره لك المصنف هنا هو أو، وثم ليست على بابها، وإنما المراد بها الترتيب الذكري. [ثُمَّ أَوْ] يعني أو التي بمعنى إلى أو بمعنى إلا، فليست مطلقة، والنصب بها عند الكوفيين، وعلى مذهب البصريين تكون أو دليلاً على إضمار أن بعدها فيكون الفعل منصوبًا بأن مضمرة وجوبًا. كقولهم: لألزمنك أو تقضيني حقي، تقضي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد أو، وأو بمعنى إلى. وقولهم: لأقتلن الكافر أو يسلم. يسلم: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد أو، وأو هنا بمعنى إلا، أي إلا أن يسلم ومنه قول الشاعر:
لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكَ المُنَى ... فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلا لِصَابِرِ
أو أدرك: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد أو التي بمعنى إلى. وقول الشاعر:
وَكُنْتُ إِذَا غَمَزْتُ قَنَاةَ قَوْمٍ ... كَسَرْتُ كُعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيمَا
стр. 282
تستقيما: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد أو التي بمعنى إلا. [رُزِقْتَ اللُّطْفَا] هذا دعاء من الناظم للطالب وتلطف منه له، واللطف هو التوفيق والعصمة. إذًا هذه النواصب كلها - ولا تقول كلها إلا على مذهب الكوفيين- تنصب بنفسها على مذهب الكوفيين. والصواب أن الناصب بنفسه أربعة فقط: أن ولن وإذن وكي، وأن وهي أم الباب وتعمل ظاهرة ومقدرة. وما عدا هذه الأربعة يكون النصب بأن مضمرة بعدها، ولام كي تكون أن مضمرة بعدها جوازًا، وما عداها تكون أن مضمرة وجوبًا بعدها.
стр. 283
بَابُ جَوَازِمِ المُضَارِعِ
قال الناظم ﵀: [بَابُ جَوَازِمِ المُضَارِعِ] أي هذا باب بيان الأدوات التي تجزم المضارع. لما أنهى الكلام المتعلق بنواصب المضارع، انتقل إلى بيان الجوازم وهي الحالة الثالثة لإعراب الفعل المضارع لأن الفعل المضارع له ثلاثة أحوال: إما أن يكون مرفوعًا، وإما أن يكون منصوبًا، وإما أن يكون مجزومًا. فالرفع سبق ذكره عند قوله:
وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ إِذَا يُجَرَّدُ ... مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ كَتَسْعَدُ
وقدمه لأنه الأصل، ولأن الرفع علامة العمد، ثم ثنى بالنواصب لأن الفعل المنصوب أعلى درجة من الفعل المجزوم، لأن النصب يكون بحركة، وهي شيء موجود ينطق به، وأما الجزم فهو حذف حركة أو حرف، وهو عدم، والموجود أشرف من المعدوم، إذا كان النصب علامته الفتحة وهي موجودة، والجزم علامته السكون وهو عدم الحركة حينئذٍ كان النصب أشرف من الجزم. [بَابُ جَوَازِمِ المُضَارِعِ] أي هذا باب بيان جوازم المضارع، ويقال فيه من جهة الإعراب ما قيل في باب الكلام على ما ذكرناه أولاً فلا عود ولا إعادة. [جَوَازِمِ] جمع جازم على وزن فواعل أي هذا لفظ جازم، أو جمع جازمة أي كلمة جازمة. وكلاهما يصدق على الجوازم سواءٌ كانت حروفًا أو أسماء، فإنْ مثلا حرف شرط وهو جازم، وهي
стр. 284
كلمة جازمة أيضًا ولا إشكال. [جَوَازِمِ المُضَارِعِ] هنا التقييد بالإضافة ليس للاحتراز لأن الجزم لا يدخل الاسم. وأما قوله: [نَوَاصِبِ المُضَارِعِ] فالتقييد بالإضافة للاحتراز، لأن النصب يدخل الأسماء، والأسماء لها أحرف تنصبها، كذلك الفعل له أحرف تنصبه. وأما الجزم فهو خاص بالأفعال، فحينئذٍ يقال في مثل هذه الإضافة إنها لبيان الواقع يعني لا للاحتراز بخلاف ما سبق في [بَابُ نَوَاصِبِ المُضَارِعِ] احترازًا من نواصب الأسماء فلها باب خاص سيأتي وهو باب إنّ وأخواتها. [بَابُ جَوَازِمِ المُضَارِعِ] الجازم باستقراء كلام العرب -يعني الأداة التي تجزم- ينحصر في نوعين لا ثالث لهما إما أن يجزم فعلاً واحدًا، وإما أن يجزم فعلين، إذًا نقول: الجوازم المراد بها ما يشمل النوعين لأنه ذكر ما يجزم فعلاً واحدًا، وذكر ما يجزم فعلين. فقال:
وَجَزْمُهُ إِذَا أَرَدْتَ الجَزْمَا ... بِلَمْ وَلَمَّا وَأَلَمْ أَلَمَّا
الجزم المراد به القطع، يقال: جزمت الحبل إذا قطعته، وهنا المراد به قطع الحركة، وعبَّر بعضهم بقوله: علامة الجزم الحذف، فيشمل الحذف حذف الحركة، وحذف الحرف، لأن العلامة الأصلية للجزم هي السكون، والحذف نائب عنه، والسكون هو حذف أيضًا لأنه حذف حركة، فاختصر بعض النحاة علامتي الجزم في الحذف فقط ولم يذكر علامة أخرى. [بَابُ جَوَازِمِ المُضَارِعِ] الجوازم نوعان: ما يجزم فعلاً واحدًا، وما يجزم فعلين. إذًا لا يمكن أن يتصور أن يوجد فعل مضارع مجزوم لا بجازم، وما ورد من لغة العرب وهو مجزوم
стр. 285
ولم يسبقه جازم فهذا إما أن يقال: إنه ضرورة، وإما أن يؤول، ومنه قول الشاعر:
مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ أَمْرٍ تَبَالاَ
تفد: والأصل تفدي بالياء، فحذفت وهي لا تحذف إلا للجازم ولم يسبقها جازم قالوا: إما أن يقال: ضرورة، وإما أن يقال: ثَمَّ حرف مقدر، وهو لام الأمر، والفعل المضارع مجزوم بها. وعلى كلٍّ لا بد من تخريجه على وجه صحيح.
فَاليَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقَبِ ... إثِْمًا مِنَ اللهِ وَلاَ وَاغِلِ
أشربْ: بالسكون ولم يتقدمه جازم. قالوا: هذا ضرورة، بل قيل: البيت خطأ والأصل فاليوم أُسقى، وأسقى فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره, فلا إشكال حينئذٍ. فإذا وجد الجزم الذي هو السكون أو حذف الحرف الذي هو النون أو أحرف العلة، وُجِد أثر الجازم ولا جازم، فلابد من الحكم بأنه ضرورة أو مؤول. كذلك في النواصب إذا وجد النصب فلا بد من ناصب ظاهر أو مقدر، وإذا وجد ناصب ولا نصب فهذا أيضًا يحكم بأنه شاذ، ومنه ﴿أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة:٢٣٣) قرئ بالضم قالوا: هذا شاذ لأن أنْ يجب إعمالها فإذا لم تعمل حينئذٍ حكم بشذوذه.
وَجَزْمُهُ إِذَا أَرَدْتَ الجَزْمَا ... بِلَمْ وَلَمَّا وَأَلَمْ ... أَلَمَّا
وَلاَمِ الأَمْرِ وَالدُّعَاءِ ثُمَّ لاَ ... فِي النَّهْيِ وَالدُّعَاءِ نِلْتَ الأَمَلاَ
следующие страницы →