Полный текст (649 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فيه معنى الفعل وحروفه، وكلا النوعين لا يصح نصب الفعل المضارع بعد فاء السببية أو واو المعية إذا وقع في جواب اسم الفعل مطلقا. إذًا عرفنا على مذهب الكوفيين أن الفاء والواو تكونان ناصبتين بنفسهما، وعلى مذهب البصريين يكون النصب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء أو الواو. [ثُمَّ أَوْ] يعني الناصب الأخير الذي ذكره لك المصنف هنا هو أو، وثم ليست على بابها، وإنما المراد بها الترتيب الذكري. [ثُمَّ أَوْ] يعني أو التي بمعنى إلى أو بمعنى إلا، فليست مطلقة، والنصب بها عند الكوفيين، وعلى مذهب البصريين تكون أو دليلاً على إضمار أن بعدها فيكون الفعل منصوبًا بأن مضمرة وجوبًا. كقولهم: لألزمنك أو تقضيني حقي، تقضي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد أو، وأو بمعنى إلى. وقولهم: لأقتلن الكافر أو يسلم. يسلم: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد أو، وأو هنا بمعنى إلا، أي إلا أن يسلم ومنه قول الشاعر:
لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكَ المُنَى ... فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلا لِصَابِرِ
أو أدرك: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد أو التي بمعنى إلى. وقول الشاعر:
وَكُنْتُ إِذَا غَمَزْتُ قَنَاةَ قَوْمٍ ... كَسَرْتُ كُعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيمَا
стр. 282
تستقيما: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد أو التي بمعنى إلا. [رُزِقْتَ اللُّطْفَا] هذا دعاء من الناظم للطالب وتلطف منه له، واللطف هو التوفيق والعصمة. إذًا هذه النواصب كلها - ولا تقول كلها إلا على مذهب الكوفيين- تنصب بنفسها على مذهب الكوفيين. والصواب أن الناصب بنفسه أربعة فقط: أن ولن وإذن وكي، وأن وهي أم الباب وتعمل ظاهرة ومقدرة. وما عدا هذه الأربعة يكون النصب بأن مضمرة بعدها، ولام كي تكون أن مضمرة بعدها جوازًا، وما عداها تكون أن مضمرة وجوبًا بعدها.
стр. 283
بَابُ جَوَازِمِ المُضَارِعِ
قال الناظم ﵀: [بَابُ جَوَازِمِ المُضَارِعِ] أي هذا باب بيان الأدوات التي تجزم المضارع. لما أنهى الكلام المتعلق بنواصب المضارع، انتقل إلى بيان الجوازم وهي الحالة الثالثة لإعراب الفعل المضارع لأن الفعل المضارع له ثلاثة أحوال: إما أن يكون مرفوعًا، وإما أن يكون منصوبًا، وإما أن يكون مجزومًا. فالرفع سبق ذكره عند قوله:
وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ إِذَا يُجَرَّدُ ... مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ كَتَسْعَدُ
وقدمه لأنه الأصل، ولأن الرفع علامة العمد، ثم ثنى بالنواصب لأن الفعل المنصوب أعلى درجة من الفعل المجزوم، لأن النصب يكون بحركة، وهي شيء موجود ينطق به، وأما الجزم فهو حذف حركة أو حرف، وهو عدم، والموجود أشرف من المعدوم، إذا كان النصب علامته الفتحة وهي موجودة، والجزم علامته السكون وهو عدم الحركة حينئذٍ كان النصب أشرف من الجزم. [بَابُ جَوَازِمِ المُضَارِعِ] أي هذا باب بيان جوازم المضارع، ويقال فيه من جهة الإعراب ما قيل في باب الكلام على ما ذكرناه أولاً فلا عود ولا إعادة. [جَوَازِمِ] جمع جازم على وزن فواعل أي هذا لفظ جازم، أو جمع جازمة أي كلمة جازمة. وكلاهما يصدق على الجوازم سواءٌ كانت حروفًا أو أسماء، فإنْ مثلا حرف شرط وهو جازم، وهي
стр. 284
كلمة جازمة أيضًا ولا إشكال. [جَوَازِمِ المُضَارِعِ] هنا التقييد بالإضافة ليس للاحتراز لأن الجزم لا يدخل الاسم. وأما قوله: [نَوَاصِبِ المُضَارِعِ] فالتقييد بالإضافة للاحتراز، لأن النصب يدخل الأسماء، والأسماء لها أحرف تنصبها، كذلك الفعل له أحرف تنصبه. وأما الجزم فهو خاص بالأفعال، فحينئذٍ يقال في مثل هذه الإضافة إنها لبيان الواقع يعني لا للاحتراز بخلاف ما سبق في [بَابُ نَوَاصِبِ المُضَارِعِ] احترازًا من نواصب الأسماء فلها باب خاص سيأتي وهو باب إنّ وأخواتها. [بَابُ جَوَازِمِ المُضَارِعِ] الجازم باستقراء كلام العرب -يعني الأداة التي تجزم- ينحصر في نوعين لا ثالث لهما إما أن يجزم فعلاً واحدًا، وإما أن يجزم فعلين، إذًا نقول: الجوازم المراد بها ما يشمل النوعين لأنه ذكر ما يجزم فعلاً واحدًا، وذكر ما يجزم فعلين. فقال:
وَجَزْمُهُ إِذَا أَرَدْتَ الجَزْمَا ... بِلَمْ وَلَمَّا وَأَلَمْ أَلَمَّا
الجزم المراد به القطع، يقال: جزمت الحبل إذا قطعته، وهنا المراد به قطع الحركة، وعبَّر بعضهم بقوله: علامة الجزم الحذف، فيشمل الحذف حذف الحركة، وحذف الحرف، لأن العلامة الأصلية للجزم هي السكون، والحذف نائب عنه، والسكون هو حذف أيضًا لأنه حذف حركة، فاختصر بعض النحاة علامتي الجزم في الحذف فقط ولم يذكر علامة أخرى. [بَابُ جَوَازِمِ المُضَارِعِ] الجوازم نوعان: ما يجزم فعلاً واحدًا، وما يجزم فعلين. إذًا لا يمكن أن يتصور أن يوجد فعل مضارع مجزوم لا بجازم، وما ورد من لغة العرب وهو مجزوم
стр. 285
ولم يسبقه جازم فهذا إما أن يقال: إنه ضرورة، وإما أن يؤول، ومنه قول الشاعر:
مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ أَمْرٍ تَبَالاَ
تفد: والأصل تفدي بالياء، فحذفت وهي لا تحذف إلا للجازم ولم يسبقها جازم قالوا: إما أن يقال: ضرورة، وإما أن يقال: ثَمَّ حرف مقدر، وهو لام الأمر، والفعل المضارع مجزوم بها. وعلى كلٍّ لا بد من تخريجه على وجه صحيح.
فَاليَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقَبِ ... إثِْمًا مِنَ اللهِ وَلاَ وَاغِلِ
أشربْ: بالسكون ولم يتقدمه جازم. قالوا: هذا ضرورة، بل قيل: البيت خطأ والأصل فاليوم أُسقى، وأسقى فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره, فلا إشكال حينئذٍ. فإذا وجد الجزم الذي هو السكون أو حذف الحرف الذي هو النون أو أحرف العلة، وُجِد أثر الجازم ولا جازم، فلابد من الحكم بأنه ضرورة أو مؤول. كذلك في النواصب إذا وجد النصب فلا بد من ناصب ظاهر أو مقدر، وإذا وجد ناصب ولا نصب فهذا أيضًا يحكم بأنه شاذ، ومنه ﴿أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة:٢٣٣) قرئ بالضم قالوا: هذا شاذ لأن أنْ يجب إعمالها فإذا لم تعمل حينئذٍ حكم بشذوذه.
وَجَزْمُهُ إِذَا أَرَدْتَ الجَزْمَا ... بِلَمْ وَلَمَّا وَأَلَمْ ... أَلَمَّا
وَلاَمِ الأَمْرِ وَالدُّعَاءِ ثُمَّ لاَ ... فِي النَّهْيِ وَالدُّعَاءِ نِلْتَ الأَمَلاَ
стр. 286
هذا شروع منه في بيان ما يجزم فعلاً واحدًا وهو على ما ذكره الناظم أربعة أحرف باستقراء كلام العرب، [وَجَزْمُهُ] هذا مبتدأ كائن [بِلَمْ] خبر المبتدأ، هذا أحسن ما يقال. وإن قلت: جزمه مبتدأ، وجملة إذا من فعلها وجوابها المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ فهو جائز. [وَجَزْمُهُ] أي جزم الفعل المضارع، وجزمه بحذف الحركة أو بحذف الحرف، [إِذَا أَرَدْتَ الجَزْمَا] هذا تقييد، إذًا الجزم لا يكون بغير إرادة، فحينئذٍ العامل يؤثر مع إرادة المتكلم، وابن مضاء ألف رسالة في الرد على النحاة في فلسفة العوامل. قال تقولون: العامل يؤثر فيرفع وينصب ويجزم، لو كان رافعًا وناصبًا وجازمًا بنفسه لامتنع أن يوجد غير أثره معه, فمثلا إنَّ تنصب الاسم وترفع الخبر، إذًا إذا قلت: إن زيدًا قائم، إن: حرف توكيد ونصب، وزيدًا: اسمها، والعامل في زيد إنّ عملت النصب، ويمكن أن نقول: إنَّ زيدٌ قائمٍ، وإنّ زيدٍ قائمٌ، فكيف نقول هي تعمل النصب؟! نقول: تعمل النصب مع إرادة المتكلم، يعني حيث وجد هذا الحرف نطق المتكلم بعده بالنصب فلك تأثير، والعامل ليس مستقلاً بذاته، هو يقول: كأن النحاة يرون أن العوامل مؤثرة بنفسها، نقول: لا ليست مؤثرة بنفسها، وإنما أنت الذي تنطق بالنصب، لسانك يتكلم بما تكلمتْ به العرب بعد أن تنطق به منصوبًا، فالعامل أثر من حيث وجوده فحينئذٍ إذا وجدت إنَّ، قعد لك العرب: إذا وجدت إن ونطقت بها فحينئذٍ تنطق بالاسم بعدها منصوبًا. وإلا يمكن أن يقول: إنَّ زيدٍ، أو إنَّ زيدٌ، فقد وجد العمل
стр. 287
غير الذي يطلبه إنّ مع وجود إنّ، نقول: العامل ليس مستقلاً في إحداث العمل بمجرده بل لابد من إرادة المتكلم، لابد من اجتماع إرادة المتكلم مع النطق بالعامل، لذلك قال: [إِذَا أَرَدْتَ الجَزْمَا] فاجزمه [بِلَمْ] حينئذٍ أنت الذي تريد الجزم فتحذف حركة الفعل المضارع فيكون سكونًا، وذلك إذا سلط عليه حرف من حروف الجزم وهولم. [بِلَمْ] حرف نفي وقلب وجزم باتفاق، حرف نفي لأنها تنفي وقوع الحدث الذي دل عليه الفعل، نحو: لم يقم زيدٌ، هذا فيه نفي لوقوع القيام. وقلب لأنها تقلب زمن الفعل المضارع من الحال والاستقبال إلى الزمن الماضي، لم يقم زيد يعني في الزمن الماضي. وجزم، لأنها تحدث الجزم في الفعل المضارع، فتسقط حركته مع إرادتك أنت. [لَمْ] نقول مثل: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ (الإخلاص:٣) لم: حرف نفي وقلب وجزم مبني على السكون لا محل له من الإعراب، يلد: فعل مضارع مجزوم بلم وجزمه السكون. [لَمَّا] أختها بمعنى أنها مثلها في كونها حرف نفي وقلب وجزم، مثل: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ (عبس:٢٣).إذًا هي مثل لم مثلها من حيث الجملة في كونها جازمة، لكن يذكر النحاة كابن هشام وغيره أن لم ولما يتفقان ويفترقان، يتفقان في أمور: الأول: في النفي. الثاني: في القلب أي قلب زمانه إلى المضي. الثالث: في الجزم. الرابع: في الاختصاص بالفعل المضارع. الخامس: في قبول همزة الاستفهام وهي همزة التقرير، فيقال: ألم وألما. السادس: في حرفيتهما. هذه ستة أمور يشتركان فيها لم ولما.
стр. 288
ويفترقان في أربعة أمور كما ذكر ذلك ابن هشام رحمه الله تعالى:
الأول: المنفي بلما مستمر الانتفاء إلى زمن الحال، بخلاف لم فالمنفي بها قد يكون مستمرًا، وقد يكون منقطعًا. نقول: المنفي بلما مستمر الانتفاء إلى زمن الحال يعني إلى زمن التكلم، إذا قلت: لما يقم زيد، القيام منفي عن زيد إلى زمن النطق بالجملة، بخلاف لم فلا يشترط فيها ذلك قد يكون الحدث منفيا إلى وقت التكلم، وقد يكون منقطعًا قبل وقت التكلم، ونحو: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ نقول: هذا مستمر الانتفاء بدليل خارج عن النص. نحو: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ (الإنسان:١) لم يكن شيئًا مذكورًا ثم كان، إذًا لا يشترط في المنفي بلم أن يكون مستمر الانتفاء إلى زمن التكلم، بل قد يكون مستمرًا وقد يكون منقطعًا. أما لما فلا، ولذلك لا يقال: لما يقم زيد ثم قام، هذا فاسد، ويصح لم يقم زيد ثم قام، وفرق بين الجملتين، لما يقم زيد ثم قام، هذا تناقض لأنك نفيت القيام إلى زمن التكلم بالجملة بقولك: لما يقم، فكيف تقول: ثم قام؟! فتثبت ما نفيته أوَّلا. ويصح لم يقم زيد ثم قام، لأن لم لا يشترط فيها أن يكون النفي مستمر الانتفاء إلى زمن التكلم.
الثاني: أن لما تؤذن كثيرًا بتوقع ثبوت ما بعدها. فنحو: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ (ص:٨) يعني إلى زمن التكلم فالعذاب منفي عنهم، ولكن فيه إشارة إلى أنهم سيذوقون العذاب فسيقع
стр. 289
مدخول لما، وذلك للتعبير بلما دون لم. لأن النفي بها مستمر إلى زمن التكلم، وما بعد زمن التكلم فهي تدل وتشير إلى أنه سيقع، بخلاف لم فلذلك ذكر الزمخشري في قوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي إلى الآن لم يذوقوه وسوف يذوقونه إذ إنَّ لما تؤذن كثيرًا بتوقع ثبوت ما بعدها بخلاف لم.
الثالث: أن الفعل يحذف بعد لما يقال: هل دخلت البلد؟ تقول: قاربتها ولما. يعني ولما أدخلها. فيجوز حذف الفعل بعد لما بخلاف لم، فلا يصح أن يقال: هل قام زيد؟ وتقول: لم ... وتنوي أنه لم يقم.
الرابع: أن لما لا تقترن بحرف الشرط، فلا يصح أن يقال: إِنْ لما يقم أقم، بخلاف لم فيجوز أن تقول: إن لم تقم أقم. والحجة في هذه الأربعة الأمور السماع والنقل، والنحاة وأهل اللغة ومن لهم عناية بالحروف إنما يستنبطون فقط، ولا دخل لهم في الاستعمالات والتفرقة بين لم ولما إنما يعرف من جهة اللغة. [وَلَمَّا] نحو: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ لما: حرف نفي وقلب وجزم مبني على السكون لا محل له من الإعراب، ويقض: فعل مضارع مجزوم بلما وجزمه حذف حرف العلة، الذي هو الياء والكسرة دليل عليها. ونحو: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا﴾ لما: حرف نفي وقلب وجزم مبني على السكون لا محل له من الإعراب، يذوقوا: فعل مضارع مجزوم بلما وجزمه حذف النون لأنه من الأمثلة الخمسة،
стр. 290
والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل إذًا جزمت لم فعلاً واحدًا وجزمت لما فعلاً واحدًا. [وَأَلَمْ أَلَمَّا] هذه ليست مستقلة بذاتها فـ[أَلَمْ] هي عين لم وإنما دخلت عليها همزة التقرير، نحو: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (الشرح:١) يعني قد شرحنا لك صدرك [أَلَمْ] تقول: الهمزة حرف استفهام وتقرير مبني على الفتح لا محل له من الإعراب [لَمْ] حرف نفي وقلب وجزم مبني على السكون لا محل له من الإعراب نشرح: فعل مضارع مجزوم بلم وجزمه سكون آخره، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره نحن. ونحو: ألما يقم زيدٌ، الهمزة أيضًا للتقرير، ولما يقال فيها ما قيل في السابقة. إذًا لا نقول الجوازم أربعة لم، ولما، وألم، وألما. لا؛ بل هي اثنان فقط. [وَلاَمِ الأَمْرِ وَالدُّعَاءِ] أي والثالث مما يجزم الفعل المضارع، ويطلب فعلاً واحدًا هو لام الأمر والدعاء، وهذه أيضًا شيء واحد وإنما فرق بينهما باعتبار الآمر والمأمور، ولام الأمر أي لام تدل على الأمر، من باب إضافة الدال إلى المدلول. نحو: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ (الطلاق:٧) لينفق: اللام لام أمر، حرف مبني على الكسر لا محل له من الإعراب، ينفق: فعل مضارع مجزوم باللام وجزمه سكون آخره. ولام الدعاء، ومنه ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (الزخرف:٧٧) إذا كان الطلب من الأعلى إلى الأدنى سميت اللام لام الأمر، وإذا كان من الأدنى إلى الأعلى سمي دعاء، واللام هي اللام عينها، ولكن يقال إنها لام الدعاء تأدبًا مع الرب جل وعلا، وإلا هي شئ واحد، وأما تفرقة من فرق بين الالتماس
стр. 291
والدعاء والأمر فهذا لا أصل له في اللغة. [وَلاَمِ الأَمْرِ وَالدُّعَاءِ] وأكثر ما تدخل لام الأمر على الفعل المضارع للغائب، نحو: لينفق: هذا هو الأكثر؛ وقد تدخل على الفعل المضارع للمتكلم لكنه قليل، نحو: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ (العنكبوت:١٢). فحينئذٍ نرد بهذه الآية على من نفى دخول اللام على الفعل المضارع المقرون بالهمزة أو النون الدالة على المتكلم، وفي الحديث «قوموا فلأصلِ لكم» فلأصل: فعل مضارع للمتكلم دخلت عليه لام الأمر، فيأمر نفسه، ينزل نفسه منزلة الغير فيأمر ولا بأس بهذا. [ثُمَّ لاَ فِي النَّهْيِ وَالدُّعَاءِ] أي [ثُمَّ لاَ] حالة كونها مستعملة في النهي، فقوله: [فِي النَّهْيِ] جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من لا.
[لاَ فِي النَّهْيِ] يعني إذا استعملت لا مقصودًا بها النهي كقوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة:٤٠) لا تحزن: لا حرف نهي مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وتحزن: فعل مضارع مجزوم بلا وجزمه سكون آخره، فلا هذه ناهية لأنها من أعلى إلى أدنى، إذا كان النهي موجهًا من أعلى إلى أدنى سمي نهيًا، وإذا كان من أدنى إلى أعلى سمي دعاءً، نحو: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا﴾ (البقرة:٢٨٦) لا تؤاخذنا: لا، الأصل فيها أنها لا الناهية، ولكن تأدبًا مع الله يقال فيها: لا الدعائية، ﴿لا تُؤَاخِذْنَا﴾ لا حرف دعاء - أو تقول: لا الدعائية - مبني على السكون لا محل له من الإعراب، تؤاخذنا: تؤاخذ، فعل مضارع مجزوم بلا وجزمه السكون، ونا: ضمير متصل مبني على السكون في
стр. 292
محل نصب مفعول به. ودخول لا على فعل الغائب والمخاطب كثير، فتدخل على المخاطب كما في قوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا﴾ وقوله: ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾ وتدخل على الغائب كما في قوله: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ (الإسراء:٣٣) وقد تدخل على المتكلم، نحو قول الشاعر:
لاَ أَعرفَنْ رَبْرَبًا حُورًا مدامِعُها
لا أعرفن: أي أنا كأنه ينهى نفسه. [نِلْتَ الأَمَلاَ] يعني أُعطيت الأمل أي ما تؤمله وترجوه. إذًا النوع الأول من الجوازم ما يجزم فعلاً واحدًا وهو باستقراء كلام العرب أربعة: لم، ولما، ولام الأمر، ولا الناهية. إذا وجدت واحدة من هذه الأنواع الأربعة فاعلم أن الفعل المضارع مجزوم بعدها. ثم قال:
وَإِنْ وَمَا وَمَنْ وَأَنَّى مَهْمَا ... أيٍّ مَتَى أَيَّانَ أَيْنَ إِذْمَا
وَحَيْثُمَا وَكَيْفَمَا ثُمَّ إِذَا ... فِي الشِّعْرِ لاَ فِي النَّثْرِ فَادْرِ المَأْخَذَا
شرع في بيان النوع الثاني وهو ما يجزم فعلين. وذكر الناظم هنا خمس عشرة أداة مما يجزم فعلين، وهي على الصحيح إحدى عشرة أداة. وهي قسمان: حرف، واسم. وكل منهما إما متفق عليه، أو مختلف فيه، وعليه تكون أربعة أقسام من حيث الحرفية والاسمية أي باعتبار الترجيح وعدمه أربعة أقسام: الأول: ما هو حرف باتفاق وهو إنْ فقط. والثاني: ما هو مختلف فيه هل هو حرف أو اسم؟ والأرجح أنه حرف وهو إذما فقط. والثالث: ما هو مختلف
стр. 293
فيه هل هو حرف أو اسم؟ والأرجح أنه اسم وهو مهما فقط. والرابع: ما عدا المذكور فكلها أسماء باتفاق. هذه كلها تدخل على الفعل المضارع فتطلب فعلين اثنين، الأول يسمى فعل الشرط ويجزم بها، والثاني يسمى جواب الشرط والأصح أنه مجزوم بها. [إِنْ] حرف باتفاق، وضعت لتعليق الجواب على الشرط، لأنها لا تدل على معنى في نفسها، ولذلك هي أم الباب، فهي الأصل في الأدوات، ومتى ما ضُمن الاسم معنى إن الشرطية بُني. [إِنْ] تفيد التعليق, تعليق الجواب على الشرط، ومثاله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ (النساء:١٣٣) الإذهاب متوقف على المشيئة، إن وجدت المشيئة وجد الإذهاب، وإلا فلا. فإنْ: حرف شرط، يشأ: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بإن وجزمه السكون، يذهبكم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بإن وجزمه سكون آخره. [وَمَا] وهي اسم باتفاق، وضعت في الأصل للدلالة على ما لا يعقل، وقد يستعمل فيما يعقل لكنه قليل. ثم ضمن معنى الشرط، مثالها قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (البقرة:١٩٧) تفعلوا: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بما وجزمه حذف النون، يعلمه: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بما وجزمه السكون. [وَمَنْ] وهي اسم باتفاق، وضعت في الأصل للدلالة على من يعقل هكذا يقول النحاة، والأحسن أن يقال: من يعلم؛ لأنها قد تطلق على الرب جل وعلا، ثم ضمنت معنى الشرط، مثالها قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ (النساء:١٢٣) يعمل:
стр. 294
فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بمن لأنها شرطية تجزم فعلين وجزمه سكون آخره، ويجز: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بمن وجزمه حذف حرف العلة. [وَأَنَّى] وهي اسم باتفاق, وضعت للدلالة على المكان، ثم ضمنت معنى الشرط، ومثالها قول الشاعر:
فَأَصْبَحْتَ أنَّى تَأْتِهَا تَلْتَبِسْ بِهَا
فتأتها: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بأنّى، وجزمه حذف حرف العلة، وتلتبس: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بأنّى وجزمه السكون. [مَهْمَا] أي ومهما بإسقاط حرف العطف، وهو جائز وقل مثله في كل ما سيأتي. [مَهْمَا] وهي اسم على الأرجح، وضعت في الأصل للدلالة على ما لا يعقل، وقد تستعمل فيما يعقل لكنه قليل. ثم ضمنت معنى الشرط، مثالها قوله تعالى: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف:١٣٢) تأتنا: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بمهما وجزمه حذف حرف العلة، فما نحن: الجملة من المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط. [أيٍّ] وهي اسم باتفاق، ومعناها بحسب ما تضاف إليه، وقد ضمنت معنى الشرط، ومثالها قوله تعالى: ﴿أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (الإسراء:١١٠) أَيّاً هذه أداة شرط، وهي هنا مفعول به مقدم واجب التقديم، وتدعوا: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بأي وجزمه حذف النون، ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الجملة من المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط. [مَتَى] وهي اسم باتفاق،
стр. 295
موضوعة للدلالة على الزمان، ثم ضمنت معنى الشرط، ومثالها قول الشاعر:
مَتَى أَضَعِ العِمَامَةَ تَعْرِفُونِي
متى أداة شرط تجزم فعلين الأول يسمى فعل الشرط، والثاني يسمى جواب الشرط، أضعِ: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بمتى، وجزمه سكون مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين. تعرفوني: فعل مضارع مجزوم بمتى، وجزمه حذف النون لأنه من الأمثلة الخمسة، وتعرفوني: النون هذه نون الوقاية، والأصل تعرفونني حذفت النون التي هي نون الرفع، وهذه النون المذكورة ليست بنون الرفع وإنما هي نون الوقاية، جيء بها لتقي الفعل من الكسر، قال ابن مالك رحمه الله تعالى:
وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الفِعْلِ التُزِمْ ... نُونُ وِقَايَةٍ وَلَيْسِي قَدْ نُظِمْ
لأن الفعل ممنوع من الكسر، فإذا اتصلت به ياء النفس وهي ياء المتكلم يستلزم أن ما قبلها يكون مكسورًا، والفعل لا يدخله الكسر، إذًا لابد من حرف يتحمل تلك الكسرة فزادوا هذه النون، واللغة محكمة. [أَيَّانَ] وهي اسم باتفاق، موضوعة للدلالة على الزمان، ثم ضمنت معنى الشرط، مثالها قول الشاعر:
فَأَيَّانَ مَا تَعْدِلْ بِهِ الرِّيحُ تَنْزِلِ
فأيان: أداة جزم تجزم فعلين، تعدل: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بأيان، وجزمه سكون آخره. تنزل: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بأيان، وجزمه سكون آخره، لكنه سكون مقدر منع
стр. 296
من ظهوره اشتغال المحل بحركة الروي. [أَيْنَ] وهي اسم باتفاق، مثل أَنَّى تدل على المكان، ثم ضمنت معنى الشرط، مثالها: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ (النساء:٧٨) تكونوا: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بأينما، وجزمه حذف النون لأنه من الأمثلة الخمسة، يدرككم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بأينما وجزمه سكون آخره. [إِذْمَا] وهي حرف على الأرجح، وهي مثل إن للتعليق، مثاله قول الشاعر:
وَإِنَّكَ إِذْمَا تَأْتِ مَا أَنْتَ آمِرٌ ... بِهِ تُلْفِ مَنْ إِيَّاهُ تَأْمُرُ آتِيَا
تأت: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بإذما، وجزمه حذف حرف العلة. تلف: جواب الشرط مجزوم بإذما وجزمه حذف حرف العلة أيضًا. [حَيْثُمَا] وهي اسم باتفاق، مثل أين للزمان، ثم ضمنت معنى الشرط، مثالها قول الشاعر:
حَيثُمَا تَسْتَقِمْ يُقَدِّرْ لَكَ اللهُ ... نَجَاحًا فِي غَابِرِ الأَزْمَانِ
تستقم: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بحيثما، وجزمه سكون آخره، يقدر: هذا جواب الشرط. [وَكَيْفَمَا] هذه زادها الكوفيون، وليست جازمة على مذهب البصريين، نحو: كيفما تجلسْ أجلسْ. وزادوا أيضًا إذا في الشعر خاصة لذلك قال: [ثُمَّ إِذَا فِي الشِّعْرِ لاَ فِي النَّثْرِ] لقول الشاعر:
وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ
стр. 297
وإذا تصبك: هنا جزم، وعند كثير من النحاة التسكين هنا للضرورة وليس للجزم، لأن إذا لا تجزم، وإن جزمت فهي في الشعر خاصة، وما كان مقيدًا في الشعر فحينئذٍ يكون من باب الضرورات، فلما كانت إذا أدنى رتبة من غيرها لأنها تعمل في الشعر لا في النثر، وما قبلها يعمل مطلقًا أتى بثم الدالة على التراخي. هذه ثلاث عشرة أداة ذكرها الناظم ﵀ ثُم قال: [فَادْرِ المَأْخَذَا] يعني فاعلم المأخذ محل الأخذ وهو أنه منقول ومسموع من لغة العرب.
هذه الأدوات تجزم فعلين مضارعين، وهذا هو الأصل، لكن لا يلزم أن يكونا مضارعين مطلقًا بل الأحوال أربعة: قد يكونان مضارعين وهذا هو الأصل، وهو الأقوى، وقد يكونان ماضيين، وقد يكونان مختلفين الأول ماض والثاني مضارع، أو بالعكس الأول مضارع والثاني ماضٍ، والأمثلة: قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ﴾ (الإسراء:٧) إن أحسنتم أحسنتم: إذًا وقعا ماضيين، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ (الأنفال:١٩) وقعا مضارعين، وقوله ﷺ : «من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر» الأول مضارع والثاني ماض، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ (الشورى:٢٠) فالأول فعل ماض وهو كان، ونزد له: فعل مضارع. فإذا جاء ماضيًا فحينئذٍ يكون الجزم للمحل، لأننا قررنا أن القاعدة العامة أن هذه الأدوات تجزم،
стр. 298
فإذا جزمت كان الأصل أن تدخل على الفعل المضارع، ولذلك قيل إذا كانا مضارعين هذا هو الأصل، لأن الأثر أَثَرَ الجزمِ يلفظ به، فإذا كانا ماضيين أو كان أحدهما ماضيًا فحينئذٍ أين يظهر الجزم؟ نقول: الجزم يسلط على المحل لا على اللفظ. أما حيثما وإذما فهذه واجبة الاتصال بما. هذا ما يتعلق بالجوازم التي ذكرها المصنف باختصار.
стр. 299
المَرْفُوعَاتُ مِنَ الأَسْمَاءِ
أي هذا بيان ما يتعلق بالمرفوعات من الأسماء، لأنه ذكر لك الفعل بأنواعه الثلاثة، وقدَّم الفعل كما سبق على الأسماء المبتدأ والخبر والفاعل ونائب الفاعل وغيرها؛ لأن الأفعال عاملة، والأسماء معمولة، ورتبة العامل مقدمة على رتبة المعمول. [المَرْفُوعَاتُ] جمع مرفوع بمعنى لفظ مرفوع، أو جمع مرفوعة بمعنى كلمة مرفوعة، [مِنَ الأَسْمَاءِ] هذا قيد لإخراج الفعل لأنه ذكره فيما سبق في قوله: [وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ إِذَا يُجَرَّدُ] والمرفوعات من الأسماء - باستقراء كلام العرب - سبعة: الأول: الفاعل. والثاني: المفعول الذي لم يسم فاعله. والثالث والرابع: المبتدأ والخبر. والخامس: اسم كان وأخواتها. والسادس: خبر إن وأخواتها. والسابع: التابع للمرفوع، وهو أربعة أشياء: النعت والعطف والتوكيد والبدل. وهذه سيذكرها الناظم متوالية. والمرفوع: هو ما اشتمل على علم الرفع من الضمة وما ناب عنها. فنحكم على الكلمة بأنها مرفوعة إذا وجد علم الرفع وهو الضمة وما ناب عنها وهو الألف أو الواو أو النون. ومتى تكون مرفوعة؟ نقول: إذا وقعت في محل من المحال السبعة التي ذكرناها. إما أن يكون فاعلاً أو مبتدءً أو خبرًا إلى آخر ما ذكرنا. قال الناظم:
стр. 300
بَابُ الفاعِلِ
هذا هو الباب الأول الذي يكون الاسم مرفوعًا فيه، وهو محل الفاعل، والمراد بالفاعل هنا مرتبة إذا وجد الاسم فيها حكمنا عليه بأنه مرفوع، فكل فاعل مرفوع من غير عكس، أي وليس كل مرفوع فاعلاً. [بَابُ الفاعِلِ] قدمه على المبتدأ والخبر؛ لأنه أصل المرفوعات عند الجمهور، وبعضهم قدم المبتدأ على أنه أصل المرفوعات، وبعضهم جعل كلا منهما أصلاً برأسه، فالأقوال ثلاثة والجمهور على أن الفاعل هو أصل المرفوعات، وينبني على هذا الخلاف فائدة وهو أنه إذا جاز أن يجعل اللفظ مبتدأ أو فاعلاً فأيهما أولى؟ مَن رجَّح أن الفاعل هو الأصل أعربه فاعلا، ومَن رجَّح أن الأصل هو المبتدأ أعربه مبتدأ، نحو: النووي أجمع من يعتد به، فالنووي مرفوع، هل تقول: قال النووي أو النووي قائل؟ يعني يجوز أن يعرب النووي فاعلاً، ويجوز أن يعرب مبتدأ، لكن أيهما أولى وأرجح؟ ينبني على هذا الأصل من رجح أن الأصل في المرفوعات هو الفاعل، قال: الأرجح أن يقال: قال النووي، فتعرب النووي فاعلا لفعل محذوف، ومن رجح أن المبتدأ هو الأصل قال: النووي مبتدأ، وخبره محذوف تقديره النووي قائل، هذا الذي ينبني على هذه المسألة. [بَابُ الفاعِلِ] الفاعل له معنيان، معنىً لغوي، ومعنىً اصطلاحي. أما معناه اللغوي فهو من أوجد الفعل أي الحدث. فكل من أوجد الفعل في اللغة فهو فاعل، فحينئذٍ يشمل المبتدأ، فنحو: زيد قائم، زيد في اللغة فاعل، وفي الاصطلاح مبتدأ،
стр. 301
والمبتدأ والفاعل لا يجتمعان، فزيد فاعل، ومبتدأ، فاعل لغةً، ومبتدأ اصطلاحًا، كيف صار فاعلا في اللغة؟ نقول: لأن الفاعل في اللغة من أوجد الحدث، والقيام حدث، والذي أوجده هو زيد. فحينئذٍ نقول: زيد هذا فاعل لماذا؛ لأنه أوجد القيام، أما الفاعل في الاصطلاح فقال:
الفَاعِلَ ارْفَعْ وَهْوَ مَا قَدْ أُسْنِدَا ... إِلَيْهِ فِعْلٌ قَبْلَهُ قَدْ وُجِدَا
قوله: [الفَاعِلَ ارْفَعْ] بين حكمه قبل بيان حده، وهذا على خلاف الأصل؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولكنه أولى من صنع صاحب الأصل لابن آجروم حيث ذكر الحكم - وهو قوله المرفوع - في الحد فقال: هو الاسم المرفوع، والناظم هنا أخرجه عن الحد فقال: الفاعل ارفع؛ لأن الرفع حكم، والفاعل محكوم عليه، والتعريف إنما يكون لمعرفة الحقائق، والحكم على الشيء فرع عن تصوره. فحينئذٍ لا بد من التعريف أولاً ثم بعد ذلك يذكر الحكم، ولذلك عند المناطقة من شرط صحة الحد أنه لا تدخل فيه الأحكام. قال في السلم المنورق:
وَعِنْدَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ المَرْدُودِ ... أَنْ تَدْخُلَ الأَحْكَامُ فِي الحُدُودِ
وعندهم أي المناطقة من قواعدهم المنطقية: أنه من جملة الأمور المردودة عندهم ولا تقبل أن تدخل الأحكام في الحدود؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره فلا بد أن تتصور أولاً ما هو الفاعل ثم بعد ذلك تذكر حكمه. [الفَاعِلَ ارْفَعْ] أي ارفع
стр. 302
الفاعل [الفَاعِلَ] مفعول به منصوب مقدم و [ارْفَعْ] فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، أي ارفع أنت أيها النحوي الفاعلَ، و [ارْفَعـ]ـه إما بحركة أو بحرف، سواءٌ كانت ضمة ظاهرة أو مقدرة، فيعم أنواع الإعراب كلها، إما أن يكون ظاهرًا، وإما أن يكون مقدرًا، وإما أن يكون محليًا. نحو: قام زيد, فزيد: فاعل، وتحكم عليه أنه فاعل بتطبيق الحد عليه، فزيد من قولك: قام زيد فاعل، حكمت عليه بأنه فاعل أولا، ثم تقول: [الفَاعِلَ ارْفَعْ] ارفعه بضمة ظاهرة على آخره فتقول: زيد فاعل مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره. وجاء الفتى، الفتى: فاعل و [الفَاعِلَ ارْفَعْ] حينئذٍ تقول الفتى: فاعل مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر. وجاء سيبويه، سيبويه: فاعل و [الفَاعِلَ ارْفَعْ] حينئذٍ تقول: سيبويه اسم مبني على الكسر في محل رفع فاعل، وإن شئت قل: فاعل مبني على الكسر في محل رفع. إذًا يكون الفاعل مرفوعًا لفظًا كزيد، ويكون مرفوعًا تقديرا كالفتى أو القاضي أو غلامي، ويكون محليًا كسيبويه. وإذا قيل [الفَاعِلَ ارْفَعْ] لا ينقض هذه القاعدة فيما لو جر بحرف جر زائد، كقوله تعالى: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ (المائدة:١٩) بشيرٍ: فاعل، والفاعل مرفوع، وفي الآية مجرور، وجوابه: أن الإعراب هنا تقديري، وأثر حرف الجر الزائد في اللفظ فقط، وإعرابه: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ ما نافية، وجاء فعل ماض، ونا: ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به، ومن: حرف جر زائد أو قل صلة أو قل
стр. 303
تأكيد، وبشير: فاعل مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والصحيح أن إعرابه تقديري لا محلي، وهكذا كل مجرور بحرف جر زائد. وكذلك نحو: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ (البقرة:٢٥١) لولا دفع الله: لفظ الجلالة فاعل، فهو في اللفظ مضاف إليه، وفي المحل فاعل، لأن الأصل لولا أن يدفع الله الناس. والناس مفعول به، والعامل فيه هو المبتدأ وهو دفع، والخبر محذوف وجوبا، فلفظ الجلالة مجرور لفظًا مرفوع محلاً لأنه فاعل. فالفاعل مرفوع، هذه هي القاعدة العامة وقد أشار إليها بقوله: [الفَاعِلَ ارْفَعْ] لفظًا أو تقديرًا أو محلاً بحركة أو حرف. ثم قال [وَهْوَ] أي حده [مَا قَدْ أُسْنِدَا إِلَيْهِ فِعْلٌ قَبْلَهُ قَدْ وُجِدَا] أي هو ما قد أسند إليه فعل قد وجد قبله.
[مَا قَدْ أُسْنِدَا إِلَيْهِ فِعْلٌ] يعني ما قد أسند إليه أي إلى الاسم المحكوم عليه بكونه فاعلاً، أسند إليه فعلٌ، لكن هذا الفعل يكون مقدمًا لذلك قال: فعل قد وجد قبله [قَبْلَهُ] هذا منصوب على الظرفية متعلق بقوله: [وُجِدَا] والألف للإطلاق، و [قَدْ] للتحقيق، والجملة الفعلية في محل رفع صفة لفعل، والتقدير ما قد أسند إلى فعل موجود قبله يعني مذكور قبله، لأن عبارة ابن آجروم في الأصل قال: الفاعل هو الاسم المرفوع المذكور قبله فعله. قوله: [مَا قَدْ أُسْنِدَا] [مَا] اسم موصول بمعنى الذي، يصدق على الاسم بنوعيه يعني سواءٌ كان الاسم صريحًا أو مؤولاً بالصريح؛ لأن الفاعل نوعان: الأول: فاعل صريح: وهو ما لا يحتاج في جعله فاعلاً إلى تأويل. إذا كان ملفوظًا
стр. 304
به مباشرة فهو اسم صريح، كجاء زيد، فزيد فاعل وهو اسم صريح لأننا حكمنا عليه بكونه فاعلاً دون تأويل. والثاني: فاعل مؤول بالصريح، وهو ما يحتاج في جعله فاعلاً إلى تأويل. فلابد حينئذٍ أن يكون عندنا حرف مصدري يؤول مع ما بعده بمصدر فيكون فاعلا، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ﴾ (الحديد:١٦) فيأن: فعل، وفاعله أن تخشع، وليس هو باسم صريح، إذًا كيف جعلته فاعلاً؟ نقول: نؤوله بمصدر، فأن تخشع: أن حرف مصدر ونصب واستقبال، وتخشع فعل مضارع منصوب بأن، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر وهوالخشوع، وتقدير الآية ألم يأن للذين آمنوا خشوع قلوبهم، إذًا نقول: خشوع فاعل، وهو اسم مؤول بالصريح وليس بالصريح. فقوله: [مَا] يشمل الاسم الصريح، والاسم غير الصريح الذي هو مؤول بالصريح. إذًا كل ما لم يكن مؤولا بالصريح فهو اسم صريح، وحينئذٍ الضمير المستتر وجوبًا أو جوازًا والضمير البارز الذي يقع فاعلاً من الاسم الصريح، فنحو: اضرب زيدًا، فاضرب: فعل وفاعله ضمير مستتر وجوبًا، وهو اسم صريح - وهذا مجرد اصطلاح - وهند تكتب: أي هي فالفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره هي، وهو اسم صريح، وما قام إلا أنا، فأنا فاعل وهو ضمير بارز، وهو اسم صريح، وهذا لا إشكال في جعله اسما صريحا كما سيذكره الناظم. والحاصل أن الاسم الصريح يشمل أربعة أشياء: الاسم الظاهر كزيد، والضمير المستتر وجوبًا، والضمير المستتر جوازًا، والضمير البارز. ويقابله
стр. 305
الاسم المؤول بالصريح. قوله: [مَا] أي اسم، لأن الفاعل لا يكون إلا اسمًا، فخرج به الفعل، والحرف. فالفعل لا يكون فاعلاً، والحرف لا يكون فاعلاً؛ لأننا قررنا قاعدة: أن الفعل لا يكون مسندًا إليه، والفاعل هو مسند إليه، وحينئذٍ يمتنع أن يكون الفعل مسندًا إليه، فيمتنع أن يكون فاعلاً. ومن باب أولى يمتنع أن يكون حرفًا لأنه لا يكون مسندًا إليه. إذًا كل فاعل فهو اسم، لذلك عد السيوطي في الأشباه والنظائر من علامات الأسماء كونه فاعلاً؛ لأن كل فاعل اسم، وهذه القاعدة مأخوذة مما سبق وهو أن المسند إليه لا يكون إلا اسمًا، والفعل لا يقع مسندًا إليه وكذلك الحرف.
إذًا قوله: [مَا] أي اسم [قَدْ أُسْنِدَا] الألف للإطلاق [أُسْنِدَا إِلَيْهِ فِعْلٌ] كأنه قال: أُخبر عنه بفعل، نحو: قام زيد، فزيد مسند إليه وهو المحكوم عليه، وقام مسند، وهو المحكوم به، فصار الفعل في المعنى هو المحكوم به كما أن الخبر يحكم به على المبتدأ، كذلك الفعل يحكم به على الفاعل، فالفاعل محكوم عليه لذلك قال: اسم قد أسند إليه فعل أي أخبر عنه بفعل، [فِعْلٌ] لابد أن يقيَّد بكونه تامًا، احترازًا من الفعل الناقص، فإن كان فعلا ناقصا فإنه يحتاج إلى اسم وخبر؛ لأنها تدخل على المبتدأ والخبر، فترفع المبتدأ على أنه اسم لها، وتنصب الخبر خبر المبتدأ على أنه خبر لها. وقوله: [فِعْلٌ] أخرج به كل المرفوعات، لأن قوله: [مَا قَدْ أُسْنِدَا إِلَيْهِ] دخل فيه المرفوعات كلها، وهو يريد أن يُعرِّف الفاعل، فلابد من الإدخال والإخراج، فقوله: فعل مخرج لما عدا الفاعل من المرفوعات، لكن يبقى معنا نائب
стр. 306
الفاعل لأنه ذُكِر قبله فعل، وليس هو في الحقيقة فعله؛ لأن قولك: ضُرِبَ زيدٌ فزيدٌ ليس فاعلاً للضرب، وإنما ذُكر معه فعل لأنه في الأصل هو مضروب لا ضارب، والأصل: ضرب عمرو زيداً، فحذف الفاعل وأقيم المفعول به مُقامه فارتفع ارتفاعه، هذا التغيير لا يسلب إيقاع الضرب من عمرو الذي هو الفاعل في الأصل إلى إيقاعه من زيد الذي هو مفعول به في الأصل، لأن الفاعل هو مَن أوجد وأحدث الفعل، والمفعول به هو من وقع عليه الفعل، فحينئذٍ إذا قيل: ضُرب زيدٌ فزيدٌ لم يخرج عن كونه قد وقع عليه الضرب سواء كان في التركيب الأول أو الثاني. إذًا لم يُذكر قبله فعله وإن سبقه فعل وذُكر قبله، لكنه ليس هو فعله الذي أوجده، وإنما ذكر معه الفعل، لأنه مفعول به، والمفعول به يقع عليه الفعل ولا يقوم به الفعل ولا يقع منه الفعل، كما هو نوعا الفاعل.
[فِعْلٌ قَبْلَهُ قَدْ وُجِدَا] هذا احتراز من المبتدأ، فيما إذا أسند إلى المبتدأ فعل، نحو: زيد قام، على مذهب البصريين يتعيَّن أن يكون زيد مبتدأ، وقام الجملة خبر، فيجب الترتيب بأن يتقدم الفعل أوَّلا ثم يليه الفاعل، ولا يجوز أن يتقدم الفاعل على الفعل. وعند الكوفيين يجوز أن يكون زيد فاعلا مقدما، وعامله الفعل المتأخر قام، وليس فيه ضمير مستتر، وحينئذٍ إذا قيل: زيد قام، يُشترط في الفاعل أن يُذكر قبله فعله، فلو ذُكر بعده الفعل خرج عن كونه فاعلاً، فصار مبتدأً، لأن المبتدأ يذكر الفعل بعده لا قبله فيما إذا أخبر عن المبتدأ بالجملة الفعلية. [فِعْلٌ قَبْلَهُ قَدْ وُجِدَا] والمذكور قبله فعله
стр. 307
قد يكون الفعل ملفوظًا به، وقد يكون مقدرًا. فالملفوظ به نحو: قام زيد، والمقدر نحو قولك: زيدٌ، في جواب من جاء؟ فزيد فاعل مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة في آخره، والعامل فيه مقدر تقديره جاء زيد، وهذا الحذف جائز لكن لا بد من قرينة تدل على المحذوف كما إذا وقع جوابًا لسؤال، وقد يكون الحذف واجبًا كما إذا وقع الاسم المرفوع بعد أداة الشرط وهما إن وإذا، وذلك لاختصاص أداة الشرط بالجملة الفعلية، لإفادتها التعليق تعليق شئ على شئ آخر، والأحداث هي التي تقبل التعليق دون الذوات كقولك: إن جاء زيد أكرمتك، أفاد تعليق إيقاع الإكرام على مجئ زيد لا على ذاته، فالأصل أن الذات لا تقبل التعليق. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ (التوبة:٦) فأحد فاعل لفعل محذوف لأن إن الشرطية لا يتلوها إلا فعل، وجوبًا لأننا أقمنا دليلاً على المحذوف، ولأنه لا يجمع بين المفسِّر والمفسَّر، فالمفسَّر هو المحذوف، والمفسِّر هو المذكور، وتقديره هنا وإن استجارك أحد من المشركين. قال ابن مالك:
وَيَرْفَعُ الفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا ... كَمِثْلِ زَيْدٌ فِي جَوَابِ مَنْ قَرَا
ومثله: ﴿إِذَا السَّمََاءُ انْشَقَّتْ﴾ (الانشقاق:١) و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ (الانفطار:١) كل ما وقع من اسم مرفوع بعد إذا أو إن الشرطيتين فهو فاعل لفعل محذوف وجوبًا على الأصح وهذه قاعدة عامة.
стр. 308
[فِعْلٌ قَبْلَهُ قَدْ وُجِدَا] سواءٌ كان الفعل واقعًا منه، أو قائمًا به، فالأول: مثل قولك: ضرب زيد عمرًا، زيد هنا فاعل، والضرب الذي هو مدلول عامله قد وقع من زيد فهو أثر زيد. والثاني: مثل قولك: مات زيد، زيد هنا فاعل، والموت الذي هو مدلول عامله قائم به لا واقعا منه. ثم قال:
وَظَاهِرًا يَأْتِي وَيَأْتِي مُضْمَرَا ... كَاصْطَادَ زَيْدٌ وَاشْتَرَيْتُ أَعْفُرَا
الفاعل لا بد أن يكون مذكوراً؛ لأنه عمدة، والعمدة لا يستغنى عنه، ولأنه مسند إليه فهو أحد ركني الإسناد، فحينئذٍ لا يجوز حذفه إلا بما ورد في لغة العرب وهي مواضع معدودة ذكرها ابن هشام وغيره سماعا، ولكن الأصل أنه لا يجوز حذفه ولذلك قال ابن مالك:
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإن ظَهَر ... فَهوَ وإِلاَّ فَضَمِيرٌ اسْتَتَر
وإذا لم يظهر الفاعل فلابدَّ من تقديره ضميرا مستترا؛ لأن كل فعل لابد له من فاعل، ودلالة الفعل على فاعله دلالة عقلية لزومية، لأن العقل يُدرك أن كل حدث لا بد له من محدِث، فالقيام حدث لا بد له عند إيجاده من محدث، فلا يمكن أن يوجد قيام ولم يحدثه شخصٌ ما، والفعل بأنواعه الثلاثة يستلزم عقلاً فاعلاً، لأن كل فعل متضمن لحدث، وكل حدث لا بد له من محدِث عقلا، والمحدث هو الفاعل. إذًا دلالة قام على زيد الفاعل دلالة لزومية، وإذا كانت دلالة لزومية بمعنى أنه لا يمكن أن يوجد اللازم الذي
стр. 309
هو الفعل ولا يوجد ملزومه الذي هو الفاعل، بخلاف اسم الفاعل فإنه يدل على الفاعل بالوضع فهي دلالة وضعية. لأن الواضع وضع زنة فاعل للدلالة على اسم الفاعل، فقائم اسم فاعل لأنه يدل على ذات متصفة بحدث والذات هي الفاعل.
والحاصل: أن الفاعل لا بد من ذكره، ثم الفاعل نوعان: قد يكون اسمًا ظاهرًا، وقد يكون اسمًا مضمرًا أي مستتراً سواءٌ كان استتاره واجباً أو جائزاً، فالظاهر ما دل على مسماه بلا قيد، يعني بلا قيد تكلم أو خطاب أو غيبة. قال الناظم: [وَظَاهِرًا يَأْتِي] يعني يأتي الفاعل حالة كونه اسمًا ظاهرًا. [وَيَأْتِي مُضْمَرَا] يعني ويأتي الفاعل حالة كونه اسمًا مضمرًا وهو ما دل على مسماه بقيد تكلم ونحوه. والمضمر قسمه صاحب الأصل إلى اثني عشر نوعًا وهي: اثنان للمتكلم، وخمسة للمخاطب، وخمسة للغائب. [وَظَاهِرًا يَأْتِي] يعني يأتي الفاعل حالة كونه ظاهرًا مطلقًا سواء كان مذكرًا أو مؤنثًا، وسواء كان مفردًا أو مثنى أو مجموعًا مع فعلٍ ماضٍ أو مضارع. فالفاعل قد يكون مذكرًا، نحو: جاء زيد. وقد يكون مؤنثًا، نحو: جاءت هند. وقد يكون مثنى، نحو: جاء الزيدان، أو مجموعًا نحو: جاء الزيدون، وجاء الزيود إلى آخره هذه كلها أنواع للفاعل، وقد ذكرها في الأصل. ثم مثل لكلٍّ منهما على سبيل اللف والنشر المرتب فقال: [كَاصْطَادَ زَيْدٌ] [اصْطَادَ] فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب. و [زَيْدٌ] فاعل مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره. هذا مثال للقسم الأول وهو الظاهر. [وَاشْتَرَيْتُ أَعْفُرَا]
стр. 310
[اشْتَرَيْتُ] اشترى فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون المجلوب لدفع توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، والتاء ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل، و [أَعْفُرَا] مفعول به، وهو من الضباء ما يعلو بياضه حمرة، والألف فيه للإطلاق.
ومن أحكام الفاعل تجريد الفعل له إن كان الفاعل مثنىً أو مجموعًا، لأن الفاعل قد يكون مفرداً، وقد يكون مثنى، وقد يكون مجموعاً، وكل منها قد يكون مذكراً وقد يكون مؤنثاً، وحينئذٍ إذا كان الفاعل مفرداً مذكراً كان أو مؤنثاً وجب تجريد الفعل من علامة تدل على أنه مفرد - وهذا لا إشكال فيه - تقول: قام زيد، وقامت هند. وإذا كان الفاعل مثنى أو مجموعاً بأي أنواع الجمع وجب أيضًا تجريد الفعل من علامة تدل على أنه مثنى أو جمعٌ، نقول: قام الزيدان، وقام الزيدون، فالفعل قام كما هو لو أسند إلى فاعل مفرد لم تلحقه علامة تثنية أو علامة جمع، وهذا هو غالب لغة العرب وهو اللغة الفصحى.
وبعض قبائل العرب وهم بنو الحارث بن كعب: إذا كان الفاعل مثنى أُلحق بالفعل علامة تدل على أن الفاعل مثنى، وألحق به علامة تدل على أن الفاعل جمع، كما أنه إذا كان الفاعل مؤنثاً ألحق بالفعل علامة تدل على أنه مؤنث نحو: قامت هند، إذًا اتصل بالفعل علامة تدل على أن الفاعل مؤنث - ويعنون النحاة لهذه اللغة بلغة أكلوني البراغيث - فألحقوا بالفعل علامة تدل على أن
стр. 311
الفاعل مثنى أو جمعٌ فقالوا: قاما الزيدان، وقاموا الزيدون. وإعرابه على هذه اللغة: قاما الزيدان، قاما فعل ماضٍ، والألف حرف - وليس بضمير- دالٌ على تثنية الفاعل مبنى على السكون لا محل له من الإعراب، والزيدان فاعل مرفوع بالألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى. قاموا الزيدون، قاموا فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر لاتصاله بحرف دالٍ على كون الفاعل جمعاً، والواو حرف دالٌ على الجمع مبني على السكون لا محل له من الإعراب، والزيدون فاعل. وهذه اللغة لغة مرجوحة، ولذلك جماهير أهل اللغة على أنه لا يجوز حمل القرآن عليها. واعلم أن المرجوح - وإن شئت قل الممنوع - إنما هو جعل الألف حرفاً، وجعل الواو حرفاً، أما إذا جعلت الألف ضميراً فاعلا، والواو ضميراً فاعلا فلا إشكال بل هي لغة فصيحة، فإذا جاء في القرآن ما ظاهره أنه على لغة أكلوني البراغيث وجب تخريجه على هذا، فحينئذٍ لو قيل: قاما الزيدان على اللغة الجائزة = قاما قام فعل ماضٍ، والألف ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر مقدم، والزيدان مبتدأ مؤخر. ولك وجه آخر جوزه بعضهم وهو أن تجعل الألف فاعلا، والزيدان بدلا من الألف بدل بعض من كل. وقاموا الزيدون، قاموا فعل ماضٍ، والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر مقدم، والزيدون مبتدأ مؤخر. وهذا جائز فحينئذٍ إذا جاء في القرآن ما ظاهره أنه على لغة أكلوني البراغيث وجب
стр. 312
تخريجه على أحد هذين الوجهين ولا يجوز تخريجه على تلك اللغة الضعيفة، لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين فما كان شائعاً في لغة العرب جاز حمل القرآن عليه، وما لم يكن كذلك فلا. ومن ذلك قوله تعالى: (وََأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأنبياء:٣] ظاهره مثل قوله: قاموا الزيدون، ولكن نخرجه على اللغة المشهورة، فنقول: وأسروا أسر فعل ماضٍ، والواو ضمير متصل فاعل، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر مقدم، والذين ظلموا مبتدأ مؤخر. وقوله تعالى: (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ) [المائدة:٧١] عموا أصله عَمِيَ وصمَّ كثيرٌ، فنقول: عموا فعل وفاعل، والجملة في محل رفع خبر مقدم، وكثير مبتدأ مؤخر، وهو نكرة وسوغ الابتداء به تقدم الخبر. إذًا يجب تجريد الفعل من علامة تدل على الفاعل المثنى أو المجموع. قال ابن مالك:
وَجَرِّدِ الفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا ... لِاثنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَفَازَ الشُّهَدَا
ومن أحكام الفاعل أنه يؤنث له الفعل، إذا كان الفاعل مؤنثًا، ولا إشكال في تجريد الفعل من علامة تدل على تذكيره، لأنه جاء على الأصل في الأسماء، لأن الأصل فيها التذكير وما جاء على أصله لا يحتاج إلى علامة، بخلاف ما إذا جاء على الفرع وهو كونه مؤنثاً، والمؤنث قد يلتبس بغيره، كما لو قيل: قام هند، وهند علم مشترك بين الذكور والإناث، فلا بد حينئذ من علامة تميز كون الفاعل مؤنثاً لئلا يحمل على الأصل وهو التذكير، فاتصل بالفعل تاء التأنيث فقيل: قامت هند، فتعلم أن الفاعل مؤنث، وإذا قلت: قام هندٌ
стр. 313
ـ وهند يسمى الرجل به قديما ـ حمل على أنه مذكر. إذًا لا بد من علامة فيما إذا وقع الفاعل مؤنثا لئلا يلتبس بغيره، ومن قواعد لغة العرب الإيضاح وكشف اللبس، فحينئذٍ اتصل بالفعل علامة تدل على أن الفاعل مؤنث. ولا يرد ما سبق من لغة أكلوني البراغيث لأن قام الزيدان، وقام الزيدون يدل بلفظه على أن الفاعل مثنى أو أنه جمع، فلا يلتبس بغيره فلا نحتاج إلى علامة تدل على التثنية ولا إلى علامة تدل على الجمع كما احتجنا إلى علامة تدل على أن الفاعل مؤنث. فحينئذٍ نقول: تأنيث الفعل باعتبار الفاعل على نوعين: قد يكون جائزاً. وقد يكون واجباً.
والتأنيث الجائز في أربعة مواضع:
الأول: أن يكون الفاعل اسماً ظاهراً مؤنثاً تأنيثا مجازيا، والنحاة يفرقون بين المؤنث المجازي والمؤنث الحقيقي، فالمؤنث الحقيقي: هو ماله فرج، والمؤنث المجازي: هو ما لا فرج له. فإذا أسند الفعل إلى اسم ظاهر مجازي التأنيث جاز الوجهان: التأنيث، وترك التأنيث، فتقول: طلعت الشمس بتأنيث الفعل، وطلع الشمس بترك التأنيث، والشمس مؤنثة لذلك قال تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) [الشمس:١] فأعاد الضمير عليها مؤنثا، ومثله: (وََالشَّمْسُ تَجْرِي) [يس:٣٨] والتأنيث أرجح لأنه هو الأصل، فالأصل أن الفاعل إذا كان مؤنثاً أن تلحق الفعل علامة تدل على التأنيث لكن لما كان مجازي التأنيث جاز تركه.
стр. 314
الثاني: أن يكون الفاعل اسماً ظاهراً حقيقي التأنيث، لكنه فُصل عن العامل بغير إلا، حينئذٍ جاز الوجهان: التأنيث، وترك التأنيث، تقول: حضرت القاضيَ امرأةٌ، فامرأة فاعل مؤنث، وتأنيثه حقيقي لكنه فصل عن العامل بغير إلا بالمفعول به، فالمفعول فصل بين الفاعل والعامل، فحينئذٍ جاز الوجهان: التأنيث وتركه فتقول: حضرت القاضي امرأة بتأنيث الفعل؛ وحضر القاضي امرأة بترك التأنيث، وجاز لوجود الفاصل بين العامل والفاعل، والتأنيث أرجح لما سبق.
الثالث: إذا كان الفاعل فاعل نعم وبئس، يقال: نعمت المرأة هند بتأنيث الفعل، ونعم المرأة هند بترك التأنيث؛ لأن أل الداخلة على فاعل نعم للجنس، والجنس مذكر، فحينئذٍ إذا أريد الجنس جنس المرأة فهذا مذكر تُرك التأنيث، وإذا روعي اللفظ أنث الفعل.
الرابع: أن يكون الفاعل جمعاً، حينئذٍ يجوز الوجهان: التأنيث، وتركه، لكن يستثنى من أنواع الجمع جمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم، فيعاملان معاملة المفرد، فتقول: قام الزيدون، كما تقول: قام زيد. ولا يصح أن تقول: قامت الزيدون، كما لا يصح أن تقول: قامت زيد، فيجب التذكير وترك التأنيث مع المفرد كذلك يجب ترك التأنيث مع جمعه وكذلك مع مثناه. وهذا هو الأرجح فيه. وتقول: قامت الهندات، كما تقول: قامت هند بالتأنيث وجوباً، فيجب التأنيث مع المفرد كذلك يجب مع جمعه ومثناه.
стр. 315
وأما جمع التكسير سواء كان مذكراً أو مؤنثاً، فيجوز فيه الوجهان: التأنيث، وترك التأنيث، تقول: قام الزيود، وقامت الزيود، وقام الهنود، وقامت الهنود، وقال الصحابة، وقالت الصحابة، فمن أنث فقد أوله على معنى الجماعة، قالت الصحابة يعني قالت جماعة الصحابة، وجماعة هذا مؤنث، ومن ترك التأنيث فقد أوله على معنى الجمع، قال الصحابة يعني قال جمع الصحابة، وجمع هذا مذكر.
والتأنيث الواجب في مسألتين:
الأولى: أن يكون الفاعل مؤنثًا تأنيثًا حقيقيًّا، وليس فاعل نعم وبئس، وليس مفصولاً عن عامله، بهذه القيود الثلاثة نقول: يجب أن يؤنث الفعل، نحو: قامت هند.
الثانية: أن يكون الفاعل ضميراً مستتراً عائداً على مؤنث مطلقاً سواء كان المؤنث حقيقي التأنيث أو مجازي التأنيث، نحو: الشمس طلعت، فطلع فعل ماضٍ أسند إلى ضمير مستتر- وهو فاعل- يعود على الشمس، وهي مؤنث مجازي، فوجب تأنيث الفعل. ونحو: هندٌ كتبت، فكتب فعل ماضٍ أسند إلى ضمير مستتر -وهو فاعل- يعود على هند، وهي مؤنث حقيقي، فوجب تأنيث الفعل. وانظر هنا إلى أن الفعل الذي يجب تأنيثه بتاء التأنيث هو فعل ماضٍ، وأما الفعل المضارع فقد يسند إلى فاعلٍ مؤنث، نحو: تقوم هند، وحكم تأنيث الفعل هنا واجب، وتأنيثه بحرف المضارعة وهو التاء، استغناءاً عن تاء التأنيث الساكنة بتاء المضارعة، لذلك تاء التأنيث
стр. 316
الساكنة تختص بالفعل الماضي، وأما الفعل المضارع فإذا أسند إلى مؤنث فحينئذٍ لا بد مما يدل على أن الفاعل مؤنث، ولكن استغني بتاء المخاطبة -هي للتأنيث وأيضاً للخطاب- عن تاءٍ تلحق بآخره؛ لأنه لو ألحقت به تاء التأنيث الساكنة لاجتمع عليه علامتا تأنيث، وهذا ممتنع = أن يشتمل اللفظ الواحد على علامتي تأنيث؛ لأن التاء من الفعل تقوم قررنا أنها حرف معنى كتاء التأنيث الساكنة، فإذا قلت: تقومتْ اجتمع فيه حرفان، كل منهما يدل على التأنيث، وهذا فيه قبح وبشاعة. فحينئذٍ اختصت تاء التأنيث الساكنة بالفعل الماضي؛ لأن المضارع فيه حرف يدل على التأنيث، فتقول: تقوم هند، وهند تقوم، ولا يصح أن تقول: يقوم هند، ولا هند يقوم.
ومن أحكام الفاعل أنه قد يحذف ولكن ينوب عنه المفعول به وهذا ما يسمى ب باب النائب عن الفاعل لذلك عقبه به فقال الناظم ﵀:
بَابُ النَّائِبِ عَنِ الفَاعِلِ
أي الذي ينوب عن الفاعل بعد حذفه، يجوز حذف الفاعل لغرض من الأغراض قد يكون الغرض لفظيًا، وقد يكون معنويًا. فاللفظي كالحذف من أجل استقامة السجعة كما قيل: مَن طابتْ سريرته حُمِدتْ سيرته، الأصل حَمِدَ الناس سيرته، فلو صرح بالفاعل لاختلت السجعة. والمعنوي كالعلم به بأن يكون معلومًا عند المخاطب نحو: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ (النساء:٢٨) فأصل التركيب -والله أعلم- خلقَ اللهُ الإنسانَ ضعيفًا، فحذف
стр. 317
الفاعل وهو لفظ الجلالة للعلم به. ولكن من الخطأ عند إعراب هذه الآية ونحوها أن يقال: خُلِقَ فعل ماض مبني للمجهول، وإنما يقال فعلٌ ماضٍ مغير الصيغة، ولذلك هذه العبارة -مبني للمجهول- مدخولة أصلاً حتى في غير مثل هذه المواضع، لأنه إذا قيل: مبني للمجهول حينئذٍ عين الغرض من حذف الفاعل وهو أنه حذف للجهل به، وهل كلما حذف الفاعل يكون حذفه للجهل به؟! الجواب: لا، ولذلك فالأحسن أن يقال: فعل ماضٍ مغير الصيغة، لأن الفعل إما أن يكون على أصل صيغته وهو المبني للمعلوم، وإما أن يكون مغير الصيغة وهو فيما إذا أسند إلى المفعول به، وأقيم المفعول مُقام الفاعل. قال: [بَابُ النَّائِبِ عَنِ الفَاعِلِ] وفي الأصل لابن آجروم قال: باب المفعول الذي لم يسم فاعله. ولكن هذا العنوان منتقد، وقد بينت وجه النقد وما أجيب به في شرح الملحة فليرجع إليه. لكن نقول: قوله [بَابُ النَّائِبِ عَنِ الفَاعِلِ] أشمل وأخصر من قوله: باب المفعول الذي لم يسم فاعله، وهذه العبارة النائب عن الفاعل؛ قيل: أول من استعملها هو ابن مالك ﵀ في الألفية:
يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ عَنْ فَاعِلِ ... فِيمَا لَهُ ..............
بوب لذلك فقال: النائب عن الفاعل. والمتقدمون قبله يعبرون بباب المفعول الذي لم يسم فاعله، وبعضهم يقول: الاسم الذي لم يذكر معه فاعله. قال:
إِذَا حَذَفْتَ فِي الكَلاَمِ فَاعِلاَ ... مُخْتَصِرًا أَوْ مُبْهِمًا أَوْ جَاهِلاَ
فَأَوْجِبِ التَّأْخِيرَ لِلمَفْعُولِ بِهْ ... وَالرَّفْعَ حَيْثُ نَابَ عَنْهُ فَانْتَبِهْ
стр. 318
هذا ما يسمى بأغراض حذف الفاعل، ومحل بحثها في علم البيان قال السيوطي في عقود الجمان:
قُلْتُ وَلِلْمَفْعُولِ إِنَّمَا بُنِي ... لِكَونِهِ فِي الذُّكْرِ نُصْبَ الأَعيُنِ
أَوِ السِّيَاقُ دَلَّ أَوْ لاَ يَصْدُرُ ... عَنْ غَيرِهِ أَوْ كَونُهُ يُحَقَّرُ
كَذَاكَ لِلجَهْلِ وَالاِخْتِصَارِ ... وَالسَّجَعِ وَالرَّويِ وَالإِيثَارِ
[إِذَا حَذَفْتَ] أيها النحوي [فِي الكَلاَمِ] أي من الكلام [فَاعِلاَ] حالة كونك [مُخْتَصِرًا] أراد أن يختصر الكلام، فمثلا بدلا من أن يقول: روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: رُوي عن النبي ﷺ وهذا جائز. [أَوْ] تحذف الفاعل حالة كونك [مُبْهِمًا] على السامع يعني رغبة المتكلم في الإبهام، نحو: تُصُدِّق بألف دينار، لم يُرد أن يفصح بمن تصدق فقال: تُصُدِّق بألف دينار، ونحو: سُرق المتاع، وهو يعرف السارق لكن قال: سُرق المتاع قاصدا الإبهام على السامع. [أَوْ] تحذف الفاعل حالة كونك [جَاهِلاَ] به، كقولك أيضًا: سُرق المتاع إذا كان يجهل السارق، أو رُوي عن النبي ﷺ ولم يعرف الراوي. ولكن هل الجهل بالفاعل يعتبر غرضا من أغراض حذف الفاعل؟ هذا محل نزاع، فابن مالك ﵀ عدَّ الجهل غرضاً معنوياً، وبعضهم لا يرى ذلك لأن المجهول قد يعبر عنه باسم فاعل مشتق من مادة الفعل، فإذا قيل: سُرِق المتاع، حذفت الفاعل للجهل به، ولك أن تقول: سَرق السارقُ المتاع، فصار السارق فاعلاً لكن لم نستفد شيئا من ذكر الفاعل، وهو السارق لعدم تعيينه، لذلك قيل: لا يكون الجهل غرضاً من الأغراض، لأنه
стр. 319
يمكن أن يعدل عن الحذف إلى ذكر اسم الفاعل. [إِذَا حَذَفْتَ فِي الكَلاَمِ فَاعِلاَ] [إِذَا] شرطية [حَذَفْتَ] فعل الشرط [فَأَوْجِبِ] الفاء واقعة في جواب الشرط لأنه فعل أمر، فحينئذٍ يجب أن تتصل به الفاء. [فَأَوْجِبِ التَّأْخِيرَ لِلمَفْعُولِ بِهْ] لأنك أقمت المفعول مُقام الفاعل، إذا حذفت الفاعل فلابد من إقامة شيء مُقامه، فلا يجوز أن تحذف الفاعل دون إقامة شئ مقامه، فيقام المفعول به إن كان موجودًا مقام الفاعل فحينئذٍ [فَأَوْجِبِ التَّأْخِيرَ لِلمَفْعُولِ بِهْ] بعد أن كان جائز التقديم، لأن المفعول به يجوز تقديمه على الفاعل، بل ويجوز تقديمه على العامل نحو: ﴿فَرِيقاً هَدَى﴾ (الأعراف:٣٠) لكن إذا حذفت الفاعل وأقمت المفعول مقام الفاعل نقول: أخره وجوبًا، فلا يجوز أن يتقدم، فلا يصح أن تقول: زيدٌ ضُرِبَ على أن زيد نائب فاعل، كما أنه لا يجوز أن يتقدم الفاعل على عامله كذلك لا يجوز أن يتقدم نائب الفاعل على عامله فيما إذا كان في الأصل مفعولاً به، لأنه أخذ حكم الفاعل، والفاعل لا يجوز تقديمه على عامله لذلك قال: [فَأَوْجِبِ التَّأْخِيرَ] أيها النحوي [لِلمَفْعُولِ بِهْ] بعد أن كان جائز التقديم، والعلة في ذلك أنه أقيم مقام الفاعل، والفاعل كما سبق لا يتقدم على عامله كذلك ما أقيم مقامه. [وَالرَّفْعَ] أي فأوجب التأخير، وأوجب الرفع لفظًا أو تقديرًا أو محلاً بعد أن كان منصوبًا، حيث كان منصوبًا فأقيم مقام الفاعل، والفاعل مرفوع، فأخذ حكمه، كما أخذ حكمه في عدم جواز تقديمه على العامل، أخذ حكمه في كونه مرفوعًا سواء كان
стр. 320
الرفع ظاهرًا أو مقدرًا أو محلاً تقول: ضُرب زيد، زيد: نائب فاعل مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، ضُرب الفتى، الفتى: نائب فاعل مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره، ضُرب هذا ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل.
[فَأَوْجِبِ التَّأْخِيرَ لِلمَفْعُولِ بِهْ وَالرَّفْعَ حَيْثُ] هذا للتقييد [حَيْثُ نَابَ عَنْهُ فَانْتَبِهْ] لهذه الفائدة، أن النائب يأخذ حكم المناب عنه، فإذا أنيب المفعول به عن الفاعل أخذ حكمه فلذلك قال: [حَيْثُ نَابَ عَنْهُ] ويحتمل أن [حَيْثُ] هذه للتعليل، يعني لماذا حكمت بوجوب التأخير؟ ولماذا حكمت بوجوب الرفع؟ قال: حيث ناب المفعول به عنه أي عن الفاعل. [فَانْتَبِهْ] لا تجري الأصل وهو جواز التقديم والتأخير، وأنه منصوب وإنما تنقل أحكام المفعول به إلى أحكام الفاعل، فيتعين تأخيره، ويتعين رفعه، لأنه قام مقام الفاعل. ويصير عمدة بعد أن كان فضلة، لأن المفعول به فضلة يجوز الاستغناء عنه، لكن إذا رُفع على أنه نائب فاعل صار عمدة، لأن الرفع خاص بالعمد، وصار مسندًا إليه بعد أن كان لا دخل له في الإسناد؛ لأن المفعول به ليس مسندًا ولا مسندًا إليه بخلاف النائب عن الفاعل فإنه مسند إليه.
فَأَوَّلَ الفِعْلِ اضْمُمَنْ وَكَسْرُ مَا ... قُبَيْلَ آخِرِ المُضِيِّ حُتِمَا
وَمَا قُبَيْلَ ... آخِرِ ... المُضَارِعِ ... يَجِبُ فَتْحُهُ بِلاَ مُنَازِعِ
لما أقيم المفعول به مقام الفاعل قد يلتبس الفاعل بنائب الفاعل، إذا قلت مثلا: ضَرَبَ زيدٌ عمرًا، فحذفت الفاعل وهو زيد، فقلت: ضَرَبَ عمرًا، ثم تقيم عمرًا مقام زيد فترفعه، فتقول: ضَرَبَ عمرٌو،
следующие страницы →