Полный текст (649 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الاصطلاح فهو إما أن يفسر بالقصد، وهو قول مرجوح. وإما أن يفسر بالوضع العربي وهو الأرجح.
إذًا عرفنا حد الكلام وأنه [لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مُفِيدٌ قَدْ وُضِعْ] ما اشتمل على الأربعة الأركان إن انتفى واحدٌ منها انتفى الكلام، وإن انتفت الأربعة فمن باب أولى وأحرى. ثم قال:
أَقْسَامُهُ الَّتِي عَلَيْهَا يُبْنَى ... اِسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفُ مَعْنَى
[أَقْسَامُهُ] الضمير يعود على الكلام، أي أقسام الكلام، فأراد أن يقسم لنا الكلام لأنه ذكر أنه مركب، فحينئذٍ لابد أن يتركب من أجزاء، فيأتي السؤال ممَّ يتركب الكلام؟ قال: [أَقْسَامُهُ] وهذا يسمى استئنافًا بيانيًا، وهو ما وقع في جواب سؤال مقدر، كأن سائلاً قال له: ما هي الأجزاء التي يتركب منها الكلام؟ لأنك أخذت التركيب قيدًا في حد الكلام فقال: [أَقْسَامُهُ الَّتِي عَلَيْهَا يُبْنَى] بمعنى التي يتألف منها الكلام، من مجموعها لا من جميعها ثلاثة وقوله: [الَّتِي عَلَيْهَا يُبْنَى] احترز به من نوعه الذي إليه ينقسم، [اِسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفُ مَعْنَى] ودليل هذا التقسيم الاستقراء والتتبع، يعني نظر النحاة في كلام العرب فوجدوا أنه لا يخلو عن ثلاثة أحوال: إما أن يكون اسمًا، وإما أن يكون فعلاً، وإما أن يكون حرفًا.
وذكر بعضهم دليلاً نقليًا عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال لما شكى له أبو الأسود الدؤلي العجمة قال له: انحُ لهم نحوًا واقسم
стр. 37
الكلام ثلاثة أشياء: اسمًا وفعلاً وحرفًا جاء لمعنى ذكره السيوطي في الأشباه والنظائر. ومن الأدلة التي يثبت بها هذا التقسيم النظر بأن يقال: الكلمة إما أن تدل على معنى في نفسها أولا، الثاني: الحرف. والأول: إما أن يقترن بزمن أولا، الثاني: الاسم. والأول: الفعل.
وثمَّ إشكال إذا قيل: [أَقْسَامُهُ] الضمير هنا يعود على الكلام، والاسم والفعل والحرف هل هي أقسام للكلام أو أقسام للكلمة؟ نقول: الثاني، هي أقسام للكلمة. ولكن أحسن ما يحمل عليه اللفظ أن ثَمَّ مضافًا محذوفًا [أَقْسَامُهُ] أي أقسام أجزاء الكلام، لأن الكلام له أجزاء، وهذه الأجزاء هي الكلمات، فأقسام الأجزاء التي يتألف الكلام من مجموعها يعني من بعضها لا من جميعها ثلاثة [اِسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفُ مَعْنَى] وثم هنا بمعنى الواو؛ لأنه لا معنى للتراخي مع تساوي الأقسام، لأن الأقسام باعتبار المقسوم شيء واحد. [حَرْفُ مَعْنَى] أي وضع ليدل على معنى، والمعنى هو ما يقصد من الشيء. قال كثير من الشراح أن الحرف هنا قُيِّد بالمعنى احترازًا عن حرف المبنى؛ لأن الحرف نوعان: حرف مبنى، وحرف معنى.- حروف معاني، وحروف مباني- حروف المباني: هي التي تتركب منها الكلمة- أجزاء الكلمة كزه، يه، ده- زه يسمى حرف مبنى لأنه لا يدل على معنى وليس قسيمًا للاسم ولا للفعل. النوع الثاني: حروف المعاني وهي ما كان كلمة مستقلة بذاته وله معنى، لكنه ليس بذاته وإنما يفيد معنى إذا ضم إلى غيره من اسم أو فعل. والمراد هنا الذي جُعل قسيمًا للاسم والفعل هو حرف المعنى. والأصح أن
стр. 38
يقال: هذا القيد لبيان الواقع لا للاحتراز عن حروف المباني لأن الذي يصح أن يكون جزءًا للكلام هو حرف المعنى لا حرف المبنى، لمَّا قال: [أَقْسَامُهُ] يعني أقسام أجزائه خرج حرف المبنى ولم يدخل معنا حتى نحتاج إلى الاحتراز عنه.
[اِسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفُ مَعْنَى] اسم وما عطف عليه خبر المبتدأ أقسام، وقدم الاسم هنا لأنه مقدم على الفعل بالاتفاق قالوا: لأن الكلام لابد له من إسناد-وهو نسبة حكم إلى اسمٍ إيجابًا أو سلبًا- والمراد بالحكم هنا في اصطلاح النحاة: الفعل، والخبر، فهو محصورٌ في شيئين لا ثالث لهما. فالفعل محكوم به فنحو: قام زيد زيدٌ محكوم عليه بثبوت القيام في الزمن الماضي وهو فاعل وقام محكوم به. وزيد قائم زيدٌ محكوم عليه وهو مبتدأ، وقائم محكوم به وهو خبر. إذًا نسبة حكم، أي الفعل والخبر، إلى اسم أي المبتدأ والفاعل ونائبه. إذا كان الإسناد بهذا المعنى فلابد له من مسند ومسند إليه،، المسند إليه هو المحكوم عليه، والمسند هو المحكوم به، المسند إليه هو المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل، والمسند هو الخبر والفعل.
هذا الإسناد قد يحصل من نوع الاسم يعني قد يكون المسند إليه والمسند في نفس التركيب قد يكونا اسمين. إذًا حصل الكلام من نوع واحد، وهو الاسم نحو: زيد قائم، زيدٌ محكوم عليه، مسند إليه، وهو اسم، وقائم محكوم به، مسند وهو اسم. إذًا حصل الكلام من النوع الأول وهو الاسم، لذلك علا وارتفع عن الفعل؛ لأن الفعل لا يكون مسندًا إليه أبدًا. وإنما يكون مسندًا محكومًا به فقط،
стр. 39
إذًا نقص الفعل درجةً عن الاسم، وعلا الاسمُ درجةً على الفعل؛ لوقوعه مسندًا ومسندًا إليه فعلا وارتفع على أخويه الفعل والحرف. ولكون الفعل بقي له ركنٌ من ركني الإسناد، وهو كونه مسندًا أُعطي الدرجة الثانية، وأما الحرف فلا يكون مسندًا ولا مسندًا إليه. إذًا الكلام يتألف من اسمين، وكذلك من اسم وفعل، وهو أقل ما يتألف منه الكلام؛ لأنه بالإجماع لا يتألف الكلام من فعلين. ولا يتألف من حرفين. لماذا لا يتألف من فعلين؟ لأن الكلام لابد أن يكون فيه إسناد، والإسناد لابد فيه من مسند ومسند إليه، والفعل لا يكون مسندًا إليه. فلا يصح أن يقال: جاء قال! لأن (جاء) صفة في المعنى، ولذلك نص النحاة على أن الأفعال كلها الماضي والمضارع والأمر هي أوصاف في المعنى فإذا قلت: جاء زيدٌ. فقد وصفت زيدًا بالمجيء. وقام زيدٌ وصفت زيدًا بالقيام. وإذا كانت الأفعال صفاتٍ في المعنى فلابد من موصوفٍ، وأين الموصوف إذا قيل: جاء قام! فليس عندنا موصوف. فحينئذٍ لا يتألف الكلام من فعلين. ولا من حرفين من بابٍ أولى لأن الحرف لا يكون مسندًا ولا مسندًا إليه. لكن هل يتألف من حرف واسم، أو من حرف وفعلٍ؟ هذا فيه نزاع، ذهب أبو علي الفارسي إلى أنه يتألف من حرف واسم، وحصره في باب النداء نحو: يا زيد، قال: فقد حصلت الفائدة التامة وهي مستلزمة لصحة التركيب. والصحيح أنه ليس مؤلفا من حرف واسم؛ بل هذا التركيب فرع وليس بأصل؛ لأن أصل قولك: يا زيدُ أدعو زيدًا، والدليل على
стр. 40
ذلك أن زيدُ لو نُعت لجاز فيه النصب إتباعا للمحل. ثم نقول: هو مبني في محل نصب من أين ثبت له هذا المحل؟ لابد وأن يكون ثَمَّ عامل يعمل النصب في محل زيد، ويا حرف نداء لا تعمل النصب، والحاصل: أن هذا التركيب فرع وليس بأصل. كذلك لا يصح أن يتألف من حرف وفعلٍ خلافًا للشلوبين لأنه ذهب إلى أنَّ نحو: ما قام، مؤلف من حرف وفعلٍ، والضمير المستتر في الفعل لا يعد كلمة. والأصح أنه يُعد كلامًا فنحو: ما قام الأصل أن يعتبر الضمير المستتر أنه كلمة مستقلة بذاتها، فحينئذٍ نقول: ما حرف نفي، وقام فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو على حسب ما يعود إليه في الكلام. قال في نظم الورقات مشيرا إلى هذين المذهبين:
أَقَلُّ مَا مِنْهُ الكَلَامَ رَكَّبُوا ... اسْمَانِ أَوِ اسْمٌ وَفِعْلٌ كَارْكَبُوا
كَذَاكَ مِنْ فِعْلٍ وَحَرْفٍ وُجِدَا ... وَجَاءَ مِنْ إِسْمٍ وَحَرْفٍ فِي النِّدَا
قوله: [اِسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفُ مَعْنَى] نأخذ منه أن أقل ما يتألف منه الكلام اسمان أو اسم وفعلٌ، ولا ينحصر الكلام في هذين النوعين، بل قد يتألف من أكثر، وابن هشام أوصلها إلى سبعٍ في شرح قطر الندى.
ثم شرع-الناظم- في بيان حقيقة كل واحدٍ من هذه الأنواع الثلاثة، لأن الاسم والفعل والحرف هذه تشترك في كونها أنواعًا للكلمة، وهي قول مفرد. وتنقسم إلى اسم وفعلٍ وحرفٍ، وتمييز بعضها عن بعض يكون من جهتين: إما من جهة الحد، وإما من جهة
стр. 41
العلامة والأثر. والحد أضبط من العلامة لأنه مطّرد منعكس، والعلامة تطّرد ولا تنعكس. فالحد ينضبط بأنه كلما وجد الحد وجد المحدود وبالعكس كلما انتفى الحد انتفى المحدود، فالتلازم في الطرد أي في الثبوت، وفي العكس أي في الانتفاء. أما العلامة فهي ملازمة في الثبوت لا في الانعكاس. فكلما وجدت أل وجد الاسم بعدها، لكن هل كلما انتفت أل انتفى الاسم بعدها؟ يعني إذا قيل: الرجل -أل- وجدت وهي علامة على كون ما بعدها-رجل- اسمًا. إذًا وجدت أل فلابد أن يكون ما بعدها اسمًا، ولا يمكن أن يقع بعدها الفعل ولا الحرف، فهي مطّردة كلما وجدت وجد الاسم. لكن إذا انتفت فقيل رجلٌ هل انتفت الاسمية عن رجل لعدم وجود أل؟ الجواب: لا، إذًا هي غير منعكسة.
ذكر الناظم هنا أربع علامات للاسم تميزه عن قسيميه الفعل والحرف فقال:
فَالاِسْمُ بِالخَفْضِ وَبِالتَّنْوِينِ أَوْ ... دُخُولِ أَلْ يُعْرَفُ فَاقْفُ مَا قَفَوا
[فَالاِسْمُ] هذه الفاء تُسمَّى فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، كأنه قال: إذا أردت تمييز ومعرفة كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة مما يميزها عن غيرها فأقول لك الاسم. إذًا ثمَّ شرط مقدر والاسم هذا واقع في جواب الشرط، [الاِسْمُ] أل للعهد الذكري، لأن النكرة إذا أعيدت معرفة فهي عين الأولى. والاسم لغة: ما دل على مسمى. فكل ما دل على مسمى فهو اسم في اللغة. ولذلك الفعل اسم في اللغة، والحرف اسم في اللغة. أما الاسم
стр. 42
اصطلاحا فهو أخص مطلقا من المعنى اللغوي فهو: كلمة دلت على معنى في نفسها ولم تقترن بأحد الأزمنة الثلاثة. قوله: (كلمة) جنس في الحد، لأن المقسوم إذا عُرِّفت أقسامه لابد أن يؤخذ جنسًا في الحد فنقول: الاسم هو كلمة لأن العلاقة بين جنس الحد والمحدود هي العموم والخصوص المطلق، فكل اسم كلمة وليس كل كلمة اسمًا. لأن الكلمة أعمُّ تشمل الاسم والفعل والحرف. (دلت على معنى في نفسها) يعني كلمة ذو دلالة على معنى يستفاد منها، (معنىً في نفسها) أخرج الحرف؛ لأن الحرف لا يدل على معنى في نفسه. وليس المراد أن الحرف مسلوب المعنى بالكلية؛ وإلا لما كان فرقًا بين الحرف وبين اللفظ المهمل. ولكن مراد النحاة أنه لا معنى له يُفهم بذاته دون ضميمة كلمة أخرى. فإذا قيل: (بيت) فُهم المراد منه دون أن يسند إليه شيء آخر، فبذاته أفاد معنى. وإذا قيل: (قام) مثلا فُهم منه معنى مستقل وهو ثبوت القيام في الزمن الماضي. لكن إذا قيل (في) لا تُفهم الظرفية منه إلا إذا كان هذا الحرف في جملة تامة. فحينئذٍ كون الحرف لا يدل على معنى مرادهم لا يدل على معنى بذاته بل لابدَّ من ضميمة كلمة أخرى تكشف وتُظهر هذا المعنى. (كلمة دلت على معنى) نقول: أخرج الحرف، وبقي معنا الفعل والاسم، واشتركا في الدلالة على معنى. (ولم تقترن بأحد الأزمنة الثلاثة) ولم تقترن أي الكلمة لم تقترن يعني لم يجعل في دلالتها على المعنى دلالتها على شيء آخر وهو الزمن، لأن اللفظ قد يدل على شيء واحد فقط، وقد يدل على شيئين. فمثلا دلالة لفظ بيت على
стр. 43
المعنى المفهوم من اللفظ شيء واحد. ودلالة زيد على الذات المشخصة شيء واحد. ودلالة قام نقول على شيئين: المصدر وهو القيام، والزمن الماضي. إذًا قوله: (ولم تقترن) هذا احتراز عن الفعل، لأن الفعل دل على معنى واقترن بأحد الأزمنة الثلاثة التي هي الماضي أو الحال أو الاستقبال. ولا يمكن أن يقترن الفعل بزمانين أو ثلاثة ولذلك قال بأحد الأزمنة. وقولنا: (ولم تقترن بأحد الأزمنة الثلاثة) ليس المراد به سلب الاسم عن الزمن مطلقًا بل الزمن نوعان: زمن معين، وهو الماضي الذي دل عليه قام. والحال الذي يدل عليه يقوم. والمستقبل الذي يدل عليه قم. وثمَّ نوع آخر مطلقُ زمنٍ يعني زمن ولكنه ليس مقيدًا لا بماض ولا بحال ولا بمستقبل. نحو: أمس. فهو اسم بالإجماع، وقد دل على معنى ولم يقترن بأحد الأزمنة الثلاثة. بل مدلوله والمعنى الذي دل عليه لفظ أمس هو الزمن فمعناه الزمن الماضي. لكن هل حصل اقتران المعنى بزمن؟ نقول: لا، لأن مدلول أمس شيء واحد وهو معناه وهو الزمن ولم يقترن بزمن.
ونحو: صباح مدلوله زمن معين لكن ليس هو الزمن المنفي في حد الاسم، لأن الذي خصه النحاة للدلالة على الزمن الحال أو الماضي أو الاستقبال هو ما كان دالاً عليه بالفعل الماضي أو المضارع أو الأمر، فالزمن في الفعل مستفاد من الصيغة. إذًا نحكم على اللفظ بكونه اسمًا إذا دل على معنى ولم يقترن بزمن معين. أما إذا كان معناه الزمن فهو اسمٌ، أو كان معناه الزمن المعين وليس هو الزمن المعين الماضي أو الحال أو الاستقبال فهو اسمٌ. ثمَّ
стр. 44
ميَّزه ببعض العلامات، وذكر له أربع علامات وقد أوصلها بعضهم إلى بضع وثلاثين علامة. فقال رحمه الله تعالى:
فَالاِسْمُ بِالخَفْضِ وَبِالتَّنْوِينِ أَوْ ... دُخُولِ أَلْ يُعْرَفُ فَاقْفُ مَا قَفَوا
كما ذكرنا أن هذا شروع منه في بيان ما يميِّز الاسم عن قسيمه الفعل والحرف، لأن هذه الأنواع الثلاثة بينها قدر مشترك، وهذا القدر المشترك هو القول المفرد، فحينئذٍ نحتاج أن نميز ما هو القول المفرد الذي يطلق عليه إنه اسم. وما هو القول المفرد الذي يطلق عليه إنه فعل. وما هو القول المفرد الذي يطلق عليه إنه حرف. ولتمييز الاسم عن الفعل وعن الحرف علامات وهي مطردة ولكونها أسهل للمبتدئ من الحد بدأ بها الناظم. فقال ﵀: [فَالاِسْمُ] الفاء فاءُ الفصيحةِ -مركب إضافي- وفصيحة فعيلة بمعنى اسم الفاعل- مفعلة - مأخوذة من الإفصاح سميت بذلك لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، أفصحت أي بينت وأظهرت أن في الكلام محذوفًا كما سبق بيانه. هذه تسمى فاء الفصيحة بالتركيب الإضافي. وبعضهم جوز أن تكون بالتركيب التوصيفي الفاء الفصيحة، وبعضهم يسميها فاء الفضيحة. [فَالاِسْمُ] أل للعهد الذكري لأنه قال في الأول اسم نكرة ثم قال: [فَالاِسْمُ] أعاد النكرة معرفة. والقاعدة عند البيانيين أن النكرة إذا أعيدت معرفة فهي عين الأولى، لأن اللفظ الواحد باعتبار التنكير والتعريف إما أن تعاد النكرة نكرة نحو: جاء رجلٌ فأكرمت رجلاً. وإما أن تعاد المعرفة معرفة نحو: جاء الرجل فأكرمت
стр. 45
الرجل. وإما أن تعاد النكرة معرفة نحو: جاء رجلٌ فأكرمت الرجل. أو بالعكس نحو: جاء الرجل فأكرمت رجلاً. هذه أحوال أربعة لا خامس لها فإن أعيدت المعرفة معرفة أو أعيدت النكرة معرفة فهي عين الأولى. وإذا أعيدت النكرة نكرة فالثانية ليست عين الأولى. وإذا أعيدت المعرفة نكرة ففيها خلاف. وهذه قاعدة أغلبية. قال السيوطي في عقود الجمان:
ثُمَّ مِنَ القَوَاعِدِ المُشْتَهَرَهْ ... إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِي ... تَوَافَقَا كَذَا المُعََّرفَانِ
شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَينَا مُسْنَدَا ... لَنْ يَغْلِبَ اليُسْرَينِ عُسْرٌ أَبَدَا
إذًا [أل] هذه نقول: للعهد الذكري، وهي التي عهد مصحوبها ذكرًا. ومصحوب أل لفظ اسم. تقول: الرجل مصحوب أل كلمة رجل، فالذي دخلت عليه أل هو مصحوبها. فإذا قيل إن أل هنا للعهد الذكري فحقيقتها: هي التي عهد مصحوبها ذكرًا، يعني ذكر مدخولها سابقًا نكرة ثم أعيد بأل، وهنا ذكر مدخولها سابقًا في قوله:
أَقْسَامُهُ الَّتِي عَلَيْهَا يُبْنَى ... اِسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفُ مَعْنَى
قال: [بِالخَفْضِ] الاسم مبتدأ، وخبره جملة يعرف، فالاسم يعرف بالخفض و [بِالخَفْضِ] جار ومجرور متعلق بقوله: [يُعْرَفُ] أي يميز عن قسيميه الفعل والحرف بالخفض وما عطف عليه. أما العلامة الأولى فأشار إليها بقوله: [بِالخَفْضِ] أي مسمى الخفض
стр. 46
وهو الكسرة، فالاسم يعرف بمسمى الخفض لا بلفظ الخفض. فلابد من تقدير مضاف. والخفض لغة: ضد الارتفاع، وهو التذلل والخضوع. واصطلاحًا: الكسرة التي يحدثها عامل الجر. ولذلك لابد في هذا الموضع من تقييدها بالكسرة التي يحدثها عامل الجر، لا مطلق الكسرة، لأن الكسر مطلقًا دون أن يكون مرتبطًا بعامل الجر ليس علامة للاسم، وإلا كلما وَجَد المبتدئ الكسر في لفظ حكم عليه بأنه اسم! فأمسِ اسم مبني على الكسر وليست علامة على الاسمية، ونحو: قمِ الليل، الكسرة هنا دخلت على اللفظ ولا يجوز الحكم على مدخولها بكونه اسما من جهتين: أولاً: كون مدخول هذه الكسرة فعلا. والثاني: كون هذه الكسرة لم يحدثها عامل الجر. فليست العلامة مطلق الكسرة، وإنما الكسرة التي يحدثها العامل، وعامل الجر محصورٌ في عاملين لا ثالث لهما، وهما المضاف وحرف الجر كما سيأتي في موضعه. أما ما ناب عنها- الفتحة والياء - فبعض أهل العلم لا يرى أنها تكون مميزة للاسم عن غيره، لأن المبتدئ قد يرى ضربَ زيدٌ عمرًا، فضربَ كلمةٌ وهي فعل، فلو قيل: الفتحة تنوب عن الكسرة كما في قولك: مررت بأحمدَ، نابت الفتحة عن الكسرة هنا لأنه ممنوع من الصرف، لو رأى ضربَ قال هذه مثل مررت بأحمدَ. والياء كذلك لا تصلح أن تكون علامة، لأن المبتدئ لو رأى تضربين قال: هذه الياء مثل الياء في قولك: مررت بالمسلمين. فيحتمل أنها نابت عن الكسرة. فحينئذٍ لا يصح تمييز الاسم عن الفعل بما ينوب عن الكسرة، وإنما يقيد بالكسرة لأن ما
стр. 47
ينوب عن الكسرة وهو الفتحة والياء ليس مختصًا بالاسم وإنما يشترك فيه الاسم والفعل والحرف.
فإذا جاءت كلمة مكسورة وأحدثها عامل الجر؛ كقولك: (مررت بغلام زيدٍ) نقول: بغلامِ اسم، لوجود الكسرة التي أحدثها عامل الجر، وهو الباء. وزيد من غلام زيدٍ اسم، لوجود الكسرة التي أحدثها عامل الجر وهو المضاف على الأرجح.
العلامة الثانية أشار إليها بقوله: [وَبِالتَّنْوِينِ] أي فالاسم يعرف بالخفض فيميز عن قسيميه الفعل والحرف بدخول مسمى الخفض، وكذلك يميز عن قسيميه الفعل والحرف بدخول التنوين يعني مسمى التنوين، وليس لفظ التنوين هو الذي يدخل على الاسم وإنما مسماه، فقولك: زيدٌ فيه ضمتان: الضمة الأولى علامة الرفع. والضمة الثانية عوض عن التنوين. والتنوين مصدر نوَّن ينون تنوينًا، وهو في اللغة التصويت، يقال: نون الطائر إذا صوَّت. وأما في الاصطلاح فقد عرفه السيوطي في همع الهوامع بقوله: هو نونٌ تثبت لفظًا لا خطًا. هذا تعريف مختصر، وأجود من قولهم: نون زائدة ساكنة تلحق الآخر لفظًا لا خطًا. نقول: نونٌ تثبت لفظًا لا خطًا، لأن النون الزائدة الساكنة قد تلحق الفعل، وقد تلحق الحرف، وقد تلحق الاسم، فهي مشتركة، وليس كل نون زائدة ساكنة تلحق الآخر نحكم على مدخولها بكونه اسمًا، وإنما تقيد بكونها تثبت لفظًا لا خطًا، يعني وجودها في النطق فقط فأما في الكتابة فلا. فحينئذٍ إذا وجدت النون الزائدة الساكنة متصلة بآخر الكلمة وهي ثابتة خطا
стр. 48
فلا نحكم على مدخولها بكونه اسماً؛ لأن التنوين الذي يكون علامة للاسم لا يكتب. فإذا كُتب لم يختصَّ بالاسم بل يدخل الاسم والفعل والحرف. فإذا وجد التنوين دل على أن مدخوله اسم تقول: جاء زيدٌ، فزيدٌ دخله التنوين لفظًا لا خطًا إذًا هذا التنوين نحكم عليه بأنه علامة على اسمية مدخوله. أما إذا كتب نونا ساكنة هكذا (نْ) فليس من خصائص الاسم كما في قول الشاعر:
أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَنْ ... وَقُولِي إِنْ أَصَبْتُِ لَقَدْ أَصَابَنْ
قوله: العتابن-وهو اسم محلى بأل- دخله التنوين، لكنه ليس بعلامة، لأن التنوين الذي يكون علامة على اسمية الكلمة لا يجامع أل، وهنا قد وجد مع أل. وأيضا ثبت هذا التنوين خطًا، فلما ثبت خطًا وجامع أل علمنا أنه ليس من خصائص الأسماء.
وقوله: أصابنْ -وهو فعل ماض- دخله التنوين، ويُكتب نونا ساكنة زائدة على آخر الكلمة. إذًا النون التي تثبت خطًا هذه ليست بتنوين حقيقة وإن سماها بعض النحاة تنوينا. وليست علامة لاسمية الكلمة. ولذلك تدخل على الاسم المحلى بأل كما في العتابن، وتدخل على الفعل الماضي كما في أصابن، وتدخل على الحرف أيضًا كما في قول الشاعر:
قَالَتْ بَنَاتُ العَمِّ يَا سَلْمَى وَإِنْنْ ... كَانَ فَقِيرًا مُعْدِمًا قَالَتْ وَإِنْنْ
وإنن: هي إن الشرطية- وهي حرف - دخلها التنوين خطا.
أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ... لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِنْ
стр. 49
قد: هي حرف ودخلها التنوين خطا.
وأنواع التنوين عشرة جمعها بعضهم في بيتين:
أَقْسَامُ تَنْوِينِهِمْ عَشْرٌ عَلَيكَ بِهَا ... فَإِنَّ تَحْصِيلَهَا مِنْ خَيْرِ مَا حُرِزَا
مَكِّنْ وَعَوِّضْ قَابِلْ وَالمُنّكَّرَ زِدْ ... رَنِّمْ أَوِ احْكِ اضْطَرِرْ غَالٍ وَمَا هُمِزَا
لكن المشهور المطرد عندهم والذي يعتبر قياسًا مطردًا في لغة العرب والذي يختص بالاسم دون الفعل والحرف هي أربعة أنواع:
الأول: تنوين التمكين. والثاني: تنوين التنكير. والثالث: تنوين المقابلة. والرابع: تنوين العوض. هذه هي المشهورة في كتب النحاة وقلَّ من ذكر بقية العشرة.
الأول: تنوين التمكين- مركب إضافي - من إضافة الدال إلى المدلول، يعني إذا وجد التنوين دل على معنى؛ لأن التنوينَ حرفُ معنى. فحينئذٍ فلابد له من معنى يدل عليه. فتنوين التمكين أي تنوين دالٌ على تمكين الاسم في باب الاسمية. قالوا: الاسم الذي هو قسيم للفعل والحرف على ثلاثة أنواع:- لأنه شارك الفعل في كونه داخلا تحت جنس وهو القول المفرد وشارك الحرف كذلك- الاسم ثلاثة أنواع:
اسم فيه شبه من الحرف، واسم فيه شبه من الفعل، واسم ليس فيه شبه من الفعل ولا من الحرف. فالنوع الأول: بعض أفراد وآحاد الاسم أشبهت الحرف، والحرف مبني، فإذا أشبه الاسم
стр. 50
الحرف أخذ حكمه- بشرطه وسيأتي في موضعه- فحينئذٍ نحكم على بعض الأسماء بأنها مبنية لكونها أشبهت الحرف. قال ابن مالك:
وَالِاسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي ... لِشَبَهٍ مِنَ الحُرُوفِ مُدْنِي
إذًا علة بناء الأسماء محصورة عند ابن مالك بشبه من الحروف مدني، يعني قريب ليس مطلق الشبه. النوع الثاني: وبعض أفراد وآحاد الاسم أشبهت الفعل، وهو الممنوع من الصرف، لأن الفعل ممنوع من الجر، وممنوع من التنوين؛ فإذا أشبه الاسم الفعل أخذ حكمه، وهو المنع من الجر والمنع من التنوين. النوع الثالث: اسم خالص، لم يشبه الحرف فيبنى، ولم يشبه الفعل فيمنع من الصرف. لأن ما أشبه الحرف أخذ حكمه، وما أشبه الفعل أخذ حكمه. وهذا خالص من الشبهين فعلا وارتفع، فهو أعلى من الجميع، لأن الذي أشبه الحرف خرج من باب الإعراب بالكلية وصار مبنيًا، والأصل في الأسماء الإعراب. إذًا خرج عن حكمه أصالة فهو أدنى المراتب. وأعلى من ذلك مرتبة الاسم الذي أشبه الفعل لأنه لم يخرج عن الإعراب بالكلية، وإنما خرج عن بعض أنواع الإعراب، وهو الجر بالكسر والمنع من التنوين، إذًا بقي على إعرابه ولكنه سلب بعض الصفات التي أعطيت للأسماء، وأعلى من ذلك مرتبة ودرجة وهو يعلو الجميع: الاسم الخالص من شبه الحرف ومن شبه الاسم. قالوا: ما الذي يميز لنا هذا النوع؟ أعطوه تنوينا سموه تنوين التمكين يعني تنوين دالٌ على تمكين الاسم في باب الاسمية
стр. 51
والإعراب بحيث لم يشبه الحرف فيبنى، ولا الفعل فيمنع من الصرف، وهو اللاحق للأسماء المعربة، ومختص بها. وإذا أطلق التنوين عند النحاة انصرف إليه لأنه هو الأصل.
النوع الثاني: تنوين التنكير- مركب إضافي - من إضافة الدال إلى المدلول، أي تنوين يدل على أن مدخوله نكرة، فلا يدخل المعارف. وضابطه: أنه اللاحق ببعض الأسماء المبنية فرقًا بين معرفتها ونكرتها. وهو بابان: اسم الفعل، والأعلام المختومة بويه، إلا أنه سماعي في اسم الفعل؛ قياسي في الأعلام المختومة بويه. فاسم الفعل كصهٍ، وصه اسم فعل أمر قد يكون معرفة، وقد يكون نكرة. إذا أردت أن تميز النكرة عن المعرفة فأدخل التنوين واحكم عليه بكونه نكرة. ولذلك نقول: تنوين التنكير، تنوين دال على أن مدخوله نكرة لا معرفة. فإذا قلت صهٍ فهو نكرة، وإذا قلت صهْ دون تنوين فهو معرفة. وثم فرق من جهة المعنى= إذا قلت: صهٍ فهو أمر بالسكوت مطلقًا. وإذا قلت: صه-من غير تنوين- صار معرفة، فهو أمر بالسكوت عن حديثٍ معين، يعني اسكت عن هذا الكلام ولك أن تتكلم في غيره. ومثله إيهٍ بمعنى زدني، إذا قلت: إيهٍ يعني زدني من كلامك مطلقا، وإذا قلت: إيه-من غير تنوين- يعني زدني من هذا الحديث المعين الذي تتكلم فيه.
وأما الأعلام المختومة بويه فنحو: سيبويهٍ وسيبويهِ، سيبويهِ-من غير تنوين- معرفة، الذي هو سيبويه إمام النحاة. وسيبويهٍ-منونا- نكرة؛ لأن سيبويهٍ علم مختوم بويه، وهو مبني، فالتنوين إذا دخله فهو تنوين التنكير.
стр. 52
النوع الثالث: تنوين المقابلة، وهو اللاحق لجمع المؤنث السالم، نحو: مسلماتٍ؛ لأنه لما جمع مسلم - جمع مذكر سالم - سلب عنه التنوين الدال على التمكين فقيل: مسلمو فحصل فيه قصور قالوا: إذًا لابد من تعويضه وجبر خاطره، لأنه سُلب أمرًا يدل على تمكنه في باب الاسمية والإعراب. فعوضوه نونًا، هذه النون عوض عن التنوين ولذلك يقال في إعرابها: عوض عن التنوين في الاسم المفرد، لأن الاسم المفرد الذي هو معرب وليس فيه شبه بالحرف ولا بالفعل فهو في أعلى الدرجات والذي يدل على هذه المكانة وهذه الرفعة والمرتبة هو التنوين، فإذا سلب يُخشى عليه من توهم الانحطاط فعوض عن هذا التنوين بنون تدل عليه.
النوع الرابع: تنوين العوض. وهو ثلاثة أقسام:
١ - عوض عن حرف كجوارٍ وغواشٍ. وهذا النوع قد فصلته في شرح الملحة.
٢ - عوض عن كلمة وهو اللاحق لكلٍ وبعض، فكل وبعض ملازم للإضافة للمفرد، لكن قد ينفك عنه ويحذف في اللفظ ويعوض عنه التنوين، نحو: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ (الإسراء:٨٤) أي كلُّ إنسانٍ. ولذلك جاء مصرحًا به ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (الإسراء:١٣) ونحو: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (البقرة:٢٥٣) أي على بعضهم.
стр. 53
٣ - أن يكون عوضًا عن جملة أو جمل. وهو اللاحق لـ (إذ) ونحوها، وقد يكون عوضًا عن جملة واحدة، نحو: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ (الواقعة:٨٤) أي وأنتم حينئذ بلغت الروح الحلقوم. فحذفت هذه الجملة اختصارًا وعوض عنها التنوين. وقد يكون عوضًا عن جمل. نحو قوله تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا، وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) [الزلزلة].وأصل التركيب يومئذ زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان مالها. هذا أصل التركيب، فحذفت هذه الجمل الثلاثة وأُتي بالتنوين فقيل: (يومئذٍ).
العلامة الثالثة: دُخُولُ أَلْ يعني قبول الكلمة لأل علامة عليها بكونها اسما؛ لأن أل من خصائص الأسماء كما أن الخفض والتنوين من خصائص الأسماء. والأصل أن الشيء لا يميز إلا بما اختص به، وما كان مشتركًا لا يصلح أن يكون علامة تميزه عن غيره. وليس المراد بالدخول بالفعل يعني لابد أن نحكم على الكلمة بأنها اسمٌ لوجود أل، بل بمجرد قبوله لأل. فرجل من قولك: جاء رجلٌ اسمٌ بدليل قبوله لأل، ولا يشترط أن توجد أل بالفعل بل كونه قابلاً لها يكفي في الحكم بالاسمية.
قال الناظم: [ألْ] ولم يقل الألف واللام، لأنه جرى على مذهب الخليل بن أحمد الفراهيدي وهو كون المعرِّف أل برمتها. لأن ثمَّ خلافًا إذا قيل أل المعرفة علامة من علامات الأسماء هل هي حرفان
стр. 54
أم حرف واحد؟ فيه أربعة مذاهب، والمشهور قول الجمهور عند المتأخرين أن اللام وحدها هي المعرفة ولذلك قال الحريري:
وَآلَةُ التَّعْرِيفِ أَلْ فَمَنْ يُرِدْ ... تَعْرِيفَ كَبْدِ مُبْهَمِ قَالَ الكَبِدْ
وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهَا الَّلامُ فَقَطْ ... ..... .....................
يقصد به مذهب الأخفش وتبعه المتأخرون، لكن الأصح عند المحققين أن أل برمتها هي المعرفة، وأن الهمزة همزة قطع، وإنما سهلت في درج الكلام لكثرة استعمالها. وقيل: بل همزة وصل. والأصح مذهب الخليل أنها همزة قطع وليست همزة وصل.
وثم ضابط للمذاهب عندهم، يقولون: اثنان ثنائيان، واثنان أحاديان. اثنان من العلماء قالوا: بأن المعرف ثنائيان وهما الخليل وسيبويه، واثنان أحاديان يعني اثنان من العلماء قالوا: بأن المعرف حرف واحد، الأخفش على أنها اللام فقط. والمبرد على أنها الهمزة فقط. وقد فصلت المسئلة في شرح الملحة.
[دُخُولِ ألْ] مطلقًا سواءٌ كانت معرفة أم زائدة أم موصولة، والمعرفة وهي التي تفيد التعريف يعني إذا دخلت على النكرة أفادت وأثرت في مدخولها التعريف، فهي أَلْ المعرفة. والتي لا تفيد تعريفًا هي الزائدة، وضابطها التي دخلت على الأعلام كالعباس واليزيد، لأنهالم تؤثر التعريف، فعباس هذا علم والمعرَّف لا يُعرَّف، فإذًا إذا دخلت عليه أَلْ نقول: العباس أَلْ هذه زائدة لأنها لم تفد التعريف، كذلك إذا دخلت على واجب التنكير كالتمييز، قال الشاعر:
стр. 55
رَأَيتُكَ لَمَّا أَنْ عَرَفْتَ وُجُوهَنَا ... صَدَدْتَ وَطِبْتَ النَّفْسَ يَا قَيْسُ عَنْ عَمْرِو
فالنفس تمييز، والتمييز يجب أن يكون نكرة على مذهب البصريين، فحينئذٍ دخلت أَلْ على واجب التنكير فحكمنا على أَلْ بكونها زائدة. والموصولة تدخل على الصفة التي هي اسم فاعل واسم مفعول والصفة المشبهة. واختلف في أفعل التفضيل وأيضًا الصفة المشبهة، قال ابن مالك:
وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ أَلْ ... وَكَوْنُهَا بِمُعْرَبِ الأَفْعَالِ قَلْ
والصفة الصريحة وهي اسم الفاعل واسم المفعول هي التي تكون مدخول أَلْ. وهذه مختلف فيها وابن مالك يقول: وكونها بمعرب الأفعال قل: أي قلَّ دخولها على الفعل المضارع المعرب لقول الفرزدق:
مَا أَنْتَ بِالحَكَمِ التُّرْضَى حُكُومَتُهُ ... وَلاَ الَأصِيلِ وَلاَ ذِي الرَّأيِ وَالجَدَلِ
دخلت أَلْ على الفعل (ترضى) وهو فعل مضارع مغير الصيغة فحينئذٍ لا يمكن أن تجعل علامة على اسمية الكلمة، لأن الذي يدل على الاسمية لابد أن يكون خاصًا بالاسم ولا يجوز دخوله على غير الاسم.
[أَلْ] مطلقًا أما الاستفهامية كما أثبتها بعضهم فهي تدخل على الفعل، نحو: الفعلت؟ أَلْ هذه حرف استفهام. والصحيح أنَّ [أَلْ] سواء كانت أل معرفة، وهي ما أفادت التعريف. أو زائدة وهي الداخلة على الأعلام أو على واجب التنكير، أو كانت موصولة،
стр. 56
بأنواعها كلها علامة على الاسمية، خلافًا لابن مالك ﵀ في الموصولة بأنها ليست من خصائص الأسماء ولذلك قال:
وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ أَلْ ... وَكَوْنُهَا بِمُعْرَبِ الأَفْعَالِ قَلْ
يعني تدخل على الصفة الصريحة: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة. وكذلك يقل دخولها على الفعل المضارع. وإذا دخلت على الصفة وعلى الفعل المضارع صارت مشتركة، وإذا صارت مشتركة حينئذٍ لا يصح جعلها علامة تميز الاسم عن الفعل. والأصح مذهب الجمهور بل حكي الإجماع على أنها من خصائص الأسماء. وما سمع من دخولها على الفعل فهو ضرورة. ولذلك ذكر ابن هشام رحمه الله تعالى في شذور الذهب عن عبد القاهر الجرجاني أنه بالإجماع يعني انعقد إجماع النحاة أن دخول أل الموصولة على المضارع شاذٌ فيحفظ ولا يقاس عليه. وحينئذٍ تكون أل الموصولة من خصائص الأسماء ودخولها على الفعل كما في قول الفرزدق شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. إذًا دخول أل هذا عام. [فَاقْفُ مَا قَفَوا] بفتح الفاء [فَاقْفُ] أيها الطالب، أي اتبع. قال في القاموس: قَفَوْتُه قَفْوًا وَقُفُوًّا تبعته. وهذا الأصل في طالب العلم أن يكون متبعًا لغيره من الأئمة.
والعلامة الرابعة أشارإليها بقوله:
وَبِحُرُوفِ الجَرِّ وَهْيَ مِنْ إِلَى ... وَعَنْ وَفِي وَرُبَّ وَالبَا وَعَلَى
وَالكَافُ والَّلاَمُ وَوَاوٌ وَالتَّا ... وَمُذْ ... وَمُنْذُ وَلَعَلّ حَتَّى
стр. 57
[وَبِحُرُوفِ الجَرِّ] يعني يعرف ويميز الاسم عن قسيميه بدخول حروف الجر. وهل يشترط دخول حروف الجر كلها أم واحد منها؟ نقول: بل واحد منها. وعليه تكون الإضافة هنا جنسية، والإضافة الجنسية تبطل معنى الجمعية فحينئذٍ يصدق المضاف على القليل والكثير، والمراد هنا أنه يصدق بالواحد منها. فقوله [وَبِحُرُوفِ الجَرِّ] أي يميز ويعرف الاسم عن قسيميه بدخول حرفٍ واحد من حروف الجر. وليس المراد بالدخول الدخول العقلي وإنما الدخول النقلي-وهذا يقال أيضا في دخول أل والتنوين والكسر- يعني قبول اللفظ للخفض والتنوين ودخول أل وحروف الجر لابد أن يكون مما جَوَّز العرب دخوله عليه، أما مجرد التجويز العقلي فهذا لا يكون مسوغًا له.
إذًا [وَبِحُرُوفِ الجَرِّ] يعني بواحد من حروف الجر؛ لأنه متى دخل حرف واحد ثبتت الاسمية وحُكم بها. المصنف صاحب الأصل- وهو ابن آجروم- كوفي المذهب عبارته على مذهب الكوفيين، والكوفيون يعبرون بالخفض، والبصريون بالجر؛ حيث قال [فَالاِسْمُ بِالخَفْضِ] ثم قال [وَبِحُرُوفِ الجَرِّ] إذًا جمع بين المذهبين ولا إشكال في هذا لأن المسألة اصطلاحية.
ثم استطرد فأراد أن يبين للطالب المبتدئ بعض حروف الجر؛ ليحكم بوجودها على أن ما بعدها يكون اسمًا، فأخذ يعدها وذكر منها خمسة عشر حرفًا. وذكر ابن مالك عشرين حرفًا، وزيد عليه حرف واحد فالمجموع واحد وعشرون حرفًا. قال ابن مالك:
стр. 58
هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ وَهِيَ مِنْ إِلَى ... حَتَّى خَلاَ حَاشَا عَدَا فِي عَنْ عَلَى
مُذْ مُنْذُ رُبَّ الَّلامُ كَيْ وَاوٌ وَتَا ... وَالكَافُ وَالبَا وَلَعَلَّ وَمَتَى
هذه عشرون حرفًا بالاستقراء، وزيد عليها لولا، واقتصر الناظم هنا على خمسة عشر حرفًا. [وَبِحُرُوفِ الجَرِّ وَهْيَ مِنْ] هي الضمير يعود على الحروف، إذًا مدلوله جمع (هْيَ) مبتدأ، و (مِنْ) خبر ومدلوله شيء واحد. إذًا المبتدأ دل على الجمع، والخبر دل على المفرد، وشرط المبتدأ والخبر التطابق فلا يجوز أن يكون المبتدأ مثنى والخبر مفردا كما أنه لا يجوز أن يكون المبتدأ مفردا والخبر مثنى فلا يصح نحو: زيد قائمان، والزيدان قائمٌ. إذًا لابد من التطابق إفرادًا وتثنية وجمعًا. وهذا إشكال يرد عند أرباب المتون، فقوله: [وَهْيَ مِنْ] لابد من الجواب عنه. فنقول: (هي) مبتدأ، و (من) خبر، وهو مفرد لكنه لما أراد أن يخبر عن (هي) وهو جمع في المعنى، قالوا: راعى العطف قبل الحمل، فحينئذٍ أخبر بـ (من) وما عطف عليه؛ لذلك يقال في الإعراب الصحيح الدقيق (هي) مبتدأ و (من) وما عطف عليه خبرٌ للمبتدأ، فحينئذٍ قد راعى العطف قبل الحمل يعني قبل الإخبار، فإذا راعى العطف قبل الإخبار فحينئذٍ يكون قد أخبر بجمع عن جمع؛ لأنه قال: هي-ومدلوله جمع الذي هو الحروف- ثم قال: [مِنْ إِلَى وَعَنْ ..... الخ فأخبر عن المبتدأ بجمع فحصل التطابق، إذًا لا إشكال. [وَبِحُرُوفِ الجَرِّ وَهْيَ مِنْ إِلَى] وكذلك يقال: في [أَقْسَامُهُ] [اِسْمٌ] فيما سبق [أَقْسَامُهُ] هذا مبتدأ [اِسْمٌ] هذا خبر. أقسامه جمعٌ [اِسْمٌ] هذا خبر، وهو مفرد فكيف أخبر عن الجمع بالمفرد؟
стр. 59
تقول: راعى العطف قبل الحمل. اسمٌ وما عطف عليه خبر؛ لأنه أخبر عن الأقسام باسم وفعل وحرف معنى. [وَهْيَ مِنْ إِلَى وَعَنْ وَفِي وَرُبَّ وَالبَا] هذه الحروف تبحث في كتب خاصة، ومن أجودها مغني اللبيب لابن هشام، وعليه حاشية للدسوقي. [وَهْيَ مِنْ] وقدمها لأنها أم الباب، لأنها تجر ما لا يجر غيرها كعند وبعد. وتدخل على الظاهر والمضمر ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (الأحزاب: من الآية٧). ولها معانٍ ومن معانيها الابتداء زمانًا أو مكانًا، نحو: قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (الإسراء:١) نقول: ﴿من﴾ هنا للابتداء المكاني. ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (التوبة:١٠٨) ﴿من﴾ هنا للابتداء الزماني. [إِلَى] معطوفة على [من] بحرف عطف محذوف. وهل يجوز حذف حرف العطف؟ نقول: في الشعر جائز باتفاق، وفي النثر فيه خلاف. فالحرف الثاني [إِلَى] وثنى بها لأنها في مقابلة مِنْ، ومن معانيها الانتهاء مكانًا وزمانًا. ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (الإسراء:١) إِلَى هنا للانتهاء المكاني. ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (البقرة:١٨٧) إِلَى هنا للانتهاء الزماني. [وَعَنْ] ومن معانيها المجاوزة، وهي لغة: البعد تقول: رميت السهم عن القوس. ولذلك يقولون في ضابط المجاوزة اصطلاحًا: بعد الشيء عن المجرور بها بواسطة إيجاد مصدر ذلك العامل. رميت السهم عن القوس أي باعدت السهم عن القوس بواسطة إيجاد الرمي. [وَفِي] ومن معانيها الظرفية،
стр. 60
والظرف لغة: الوعاء.
واصطلاحًا: كون الشيء في المجرور بها، وتكون ظرفية حقيقة وذلك أن يكون للظرف احتواء وللمظروف تحيز، نحو: الماء في الكوز. وتكون ظرفية مجازية وذلك إذا فقد الشرطان نحو: النجاة في الصدق، أو الأول نحو: زيد في الصحراء، أو الثاني، نحو: العلم في الصدور. [وَرُبَّ] حرف جر شبيه بالزائد، واختلف في معناها فقيل: للتقليل. وقيل: للتكثير. والأصح أنها للتقليل قليل وللتكثير كثير. ولكنها لا تجر كل اسم وإنما تجر بخمسة شروط. أولها: أن تكون في صدر الكلام يعني لا يجر بها إلا في أول الكلام. تقول: رُبَّ رجلٍ كريمٍ لقيته. ثانيها: أن يكون مجرورها نكرة. فتختص بالنكرات ولذلك من علامات النكرة دخول رُبَّ عليها. ثالثها: أن تكون النكرة موصوفة تقول: رب رجل كريم. رابعها: أن يكون عاملها مؤخرا رب رجل كريم لقيته. خامسها: أن يكون متعلَّق رب فعلاً ماضيًا. وهذه الشروط مجتمعة في قولك: (رب رجل كريم لقيته) (رب) جاءت مصدرة، ورجل نكرة فمدخولها نكرة، ثم وصفت النكرة بكريم، والفعل متأخر وهو لقيته، وهو فعل ماض. وإعراب الجملة: رب: حرف جر شبيه بالزائد مبني على الفتح لا محل له من الإعراب. رجل: مبتدأ مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد. كريم صفة. وجملة لقيته خبر المبتدأ. ولذلك لما كان المبتدأ في اللفظ مجرورًا، وفي المحل مرفوعًا جاز في الصفة وجهان: رب رجل كريمٍ بالجر إتباعا
стр. 61
للفظ، ورب رجل كريمٌ بالرفع إتباعا للمحل. يعني يجوز أن تراعي في الصفة المحل فترفع، ويجوز أن تراعي اللفظ فتجر. وتقول: ربَّ رجلٍ كريمٍ لقيتُ. رب: حرف جر شبيه بالزائد مبني على الفتح لا محل له من الإعراب. رجل: مفعول به منصوب ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد. لماذا فرقنا هنا قلنا: مفعول به وفي الأول قلنا: مبتدأ، لأن الفعل لقيته قد استوفى مفعوله. وهنا رب رجلٍ كريم لقيت لم يستوف مفعوله فنصب رجلا مفعولاً به. وكريمٍ فيه وجهان: الجر إتباعا للفظ، والنصب إتباعا للمحل.
[وَالبَا] يعني الباء من حروف الجر. قال: [مِنْ إِلَى وَعَنْ وَرُبَّ] بلفظها، ولما جاء عند الباء قال: [البَا] لأن ما كان على حرف واحد يحكى باسمه لا بمسماه، وما كان على حرفين فأكثر من الحروف يحكى باسمه، تقول: مِنْ صارت علمًا ومسماها مِنْ. ولذلك نقول: أعربنا في البيت [مِنْ] خبرًا وهي حرف، والخبر مسند، والحرف لا يقع مسندًا ولا مسندًا إليه. نقول: لما قصد لفظه صار علمًا. ومثله الفعل قد يكون اسمًا كما إذا قلت: ضربَ فعلٌ ماض، ويضربُ فعلٌ مضارع، واضربْ فعلُ أمر. في هذه التراكيب نقول: ليست بأفعال، وإنما يحكم على ضرب بأنه فعلٌ في التركيب في الجملة الفعلية نحو: ضربت زيدًا أو ضرب زيدٌ عمرًا. في هذا التركيب ضرب فعل، فيما عداه إذا أُخبر عنه فحينئذٍ صار علمًا واسما ليس بفعل، ولذلك نقول: ضرب زيدٌ، زيدٌ فاعل مرفوع بضرب، دخل
стр. 62
عليه حرف الجر الباء، وحرف الجر لا يدخل إلا على الاسم، فكيف دخلت على ضرب وهو فعل؟ نقول: قصد لفظه، والفعل إذا قصد لفظه ولم يَرد في جملة بمعنى أنه مقصود المعنى حينئذٍ يعامل معاملة الأعلام فيكون اسمًا يدخل عليه التنوين وحرف الجر. ولذلك تقول: ضرب فعل ماض، هذه جملة مركبة من مسند ومسند إليه، وهي كلام، فيصدق عليها حد الكلام، كأنك قلت: زيدٌ قائم، أخبرت عن زيد بالقيام فهي جملة اسمية. مثلها ضرب فعل ماض أخبرت عن (ضرب) أنه فعل ماضٍ فضرب وقع مسندًا إليه، والمسند إليه لا يكون إلا اسمًا، فحينئذٍ نقول ضرب في هذا التركيب اسمٌ. فنقول: [والبا] أي مسمى الباء، لابد من التقدير؛ لأنه على حرف واحد فيحكى باسمه لا بمسماه. ومن أشهر معانيها التعدية نحو: ذهبت بزيد. والإلصاق نحو: مررت بزيد. وتأتي للقسم أي الحلف فتدخل على لفظ الجلالة-وهو الذي لا يجوز الحلف إلا به- فتعمل بلا شرط؛ لأن القاعدة أن ما جاء على الأصل في الاستعمال يعمل بلا شرط، ولذلك نقول: الأصل في العمل للأفعال، فلا يشترط في الفعل لإعماله شروط، لكن الاسم لا يعمل إلا بشروط وقيود لأنه فرعٌ، وكذلك الحروف لا تعمل إلا بشروط، فيشترط في الفروع ما لا يشترط في الأصول. الباء أصل في القسم إذًا يعمل بلا شرط، ولذلك يذكر معه فعل القسم فتقول: أقسم بالله، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (فاطر:٤٢) ويجوز حذف فعل القسم، وتستعمل مطلقا فتقول: بالله عليك إلا أخبرتني في
стр. 63
قسم الإخبار وغيره. وتدخل على الظاهر والمضمر تقول: بالله وبه لأفعلن كذا. [وَعَلَى] من حروف الجر أيضًا، ومن أشهر معانيها الاستعلاء، وهو لغة: العلو والارتفاع، والاستعلاء اصطلاحًا: تفوُّق الشيء على المجرور بها بواسطة إيجاد مصدر ذلك العامل. تقول: زيد على السطح. ومنه قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) على معناه حقيقة يعني استوى استواءً يليق بجلاله، وهو علو خاص. [وَالكَافُ] من حروف الجر أيضًا، أي مسمى الكاف، هنا حكاه بالاسم ولم يحكه بالمسمى؛ لأنه على حرف واحد. والقاعدة عند أهل اللغة أن ما كان على حرف واحد حكي باسمه، وما كان على حرفين حكي بالمسمى. ومن أشهر معانيها التشبيه، وهو مشاركة أمر لأمر آخر في المعنى. نحو: ليلى كالبدر.
[والَّلاَمُ] أي مسمى اللام من حروف الجر. وهي تكسر مع الظاهر نحو: لِزيد، وتفتح مع غير ياء الضمير نحو: لَه ولَك ولَنا. واللام تأتي للملك، وللاختصاص، والاستحقاق، وضابط اللام التي تدل على الملك أنها تقع بين ذاتين، وتدخل على من يملك، نحو: المال لزيد، فالمال ذات وزيد ذات، ودخلت اللام على زيد وهو يملك يعني يصح منه الملك، فحينئذٍ نحكم على اللام بأنها للملك. واللام التي للاختصاص أن تقع بين ذاتين، وتدخل على ما لا يملك، نحو: اللجام للفرس، والحصير للمسجد. فالحصير ذات والمسجد ذات، إذًا وقعت بين ذاتين ودخلت على المسجد وهو لا يملك. واللام التي للاستحقاق أن تقع بين ذات ومعنى، وتدخل
стр. 64
على الذات نحو: الحمد لله نقول: هذه للاستحقاق، وعند بعضهم يجوز أن تكون للملك والاختصاص. فالحمد معنى ولله ذات دخلت عليها اللام. [وَوَاوٌ] المراد بها واو القسم، فهي حرف جر إذا أراد بها القسم. [وَوَاوٌ] هي حرف قسم لكنها فرعٌ وليست أصلا، وحينئذٍ لا يجوز إعمالها الجر إلا بشروط ثلاثة أولها: أنها تختص بالظاهر ولا تدخل على الضمير. ثانيها: يجب حذف فعل القسم معها فيقال: والله، ولا يجوز أن يقال: أقسم والله. ثالثها: أنها لا تستعمل في قسم الإخبار فلا يقال: والله أخبرني. [وَالتَّا] أي مسمى التاء، وهي حرف قسم أيضا، وهي فرع عن الواو-كما أن الواو فرع عن الباء- فيشترط فيها ما اشترط في الواو، ويزاد عليها أنها تختص بلفظ الجلالة، نحو قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (الأنبياء:٥٧) وقد سمع ترب الكعبة، وسمع تالرحمن لكنه قليل، والقياس المطرد (تالله). [وَمُذْ وَمُنْذُ] هذان الحرفان يعتبران من حروف الجر، لكنهما لا يدخلان على كل اسم بل على اسم الزمان المعين فقط، ولذلك قال ابن مالك:
وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقتًا ... ....................
إذًا لا تدخل على كل اسم زمان، وإنما اسم الزمان المعين- المحدد - الذي له أول وآخر، نحو: ما رأيته مذ يومِ الجمعة فمذ حرف جر، ويومِ اسم مجرور بمذ وعلامة جره الكسرة. إذًا دخلت مذ على يوم الجمعة وهو اسم زمان معين. ومثله ما رأيته منذ يومنا. ولا يصح أن يقال ما رأيته مذ زمانٍ أو مذ وقتٍ، لأنه زمن
стр. 65
غير معين مبهم. [مُذْ وَمُنْذُ] قد يكونان بمعنى (من) الابتدائية، وقد يكونان بمعنى (في) الظرفية. قال ابن مالك:
وَإِنْ يَجُرَّا فِي مُضِيٍّ فَكَمِنْ ... هُمَا وَفِي الْحُضُورِ مَعْنَى فِي اسْتَبِنْ
وإن يجرا: أي مذ ومنذ. وإن يجرا في مضي فكمن هما: إذا كان ما بعدهما من الزمن المحدد ماضيا فهما في مقام (من) الابتدائية، فإذا قلت: ما رأيته مذ يوم الجمعة-وكان يوم الجمعة سابقا- كان تقديره ما رأيته من يوم الجمعة لأن مجرورها ماضٍ. وإذا كان حاضرًا, قال: وفي الحضور معنى في استبن: في الحضور أي في يومنا، تقول: ما رأيته مذ يومنا، يعني في يومنا لأنه زمن حاضر.
وقد اختلف النحاة في مذ ومنذ، هل هما أصلان أم أحدهما أصل والآخر فرع؟ المشهور وعليه الجمهور أن منذ هي الأصل ومذ فرع، فمذ أصلها منذ وإنما حذفت منها النون تخفيفًا، وهذا قول الجمهور قالوا: والدليل أنك لو سميت رجلاً بمذ صار علمًا، فإذا أردت تصغيره تقول: مُنَيذٌ على وزن فُعَيل، من أين جاءت النون في المصغر؟ قالوا: القاعدة أن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، فلما قلت: منيذ رجعت النون المحذوفة، فدل على أن الأصل منذ، ومذ مقتطعة منها. [وَلَعَلّ] قلَّ من ذكرها من حروف الجر وهي لغة عُقيل. وبعضهم يحكم عليها بالشذوذ يعني يقول الجر بها شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. ومنه قول القائل:
لَعَلَّ أَبِي المِغْوَارِ مِنْكَ قَرِيبُ ... ................
стр. 66
وقول الآخر أيضًا:
لَعَلَّ اللهِ فَضَّلَكُمْ عَلَينَا ... بِشِيءٍ أَنَّ أُمَّكُمُ شَرِيمُ
الشاهد قوله: لعل اللهِ .. وإعرابه: لعل حرف جر وترج شبيه بالزائد مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، فحينئذٍ ما بعده على أصله قبل دخول لعل. الله: مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد. [وَلَعَلّ] فيها أربع لغات لَعَلَّ بالفتح، ولعلِّ بالكسر مع إثبات اللام فيهما، وعَلَّ بحذف اللام وبالفتح، وعَلِّ بحذف اللام وبالكسر. [حَتَّى] من حروف الجر أيضا، وهي من الحروف الدالة على الانتهاء مثل (إلى) وإن كانت إلى هي الأصل، ولذلك تجر الآخر وغيره، تقول: سرت إلى آخر الليل، فجرت الآخر، وتقول: سرت إلى نصف الليل، وهذا دون الآخر. وأما (حتى) فتدل على الانتهاء لكنها لا يصح أن يجر بها ما دون الآخر. وإنما يجر بها الآخر والمتصل بالآخر نحو: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (القدر:٥) فمَطْلَعِ مجرور حتى وهو هنا متصل بالآخر. وتقول: أكلت السمكة حتى رأسِها. الرأس هل هو مأكول أم لا؟ في مثل هذا التركيب يجوز ثلاثة أوجه: حتى رأسِها، وحتى رأسُها، وحتى رأسَها. الأول: أكلت السمكة حتى رأسُها. فحتى ابتدائية، ورأسُها مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: حتى رأسُها مأكول. الثاني: أكلت السمكة حتى رأسَها. معطوف على ما قبلها، وحتى عاطفة. الثالث: أكلت السمكة حتى رأسِها يعني النهاية بلغت إلى الرأس، وحتى حرف جر.
стр. 67
ثم لما أنهى علامات الاسم-وقد ذكر لك أربعا منها- انتقل بعد ذلك لذكر الجزء الثاني مما يتألف الكلام من مجموعه لا من جميعه وهو الفعل فقال:
وَالفِعْلُ بِالسِّينِ وَسَوْفَ وَبِقَدْ ... فَاعْلَمْ وَتَا التَّأْنِيثِ مَيْزُهُ وَرَدْ
ذكر لك أربع علامات للفعل، كما ذكر للاسم أربع علامات. [وَالفِعْلُ] أل للعهد الذكري- وهي التي عهد مصحوبها ذكرًا- يعني والفعل الذي ذُكر آنفًا في أقسام أجزاء الكلام؛ لأن النكرة -كما سبق- إذا أعيدت معرفة فهي عينها.
[وَالفِعْلُ] بكسر الفاء، ويقال: الفَعْل عند النحاة والمراد به المصدر. الفِعل عند النحاة اسم، والفَعْل مصدر، هذا اصطلاح خاص عند النحاة، ولا مشاحة في الاصطلاح. وعند أهل اللغة الفِعْل والفَعْل مصدران لفعَل يفعَل، أما فَعْل فهو القياس، والفِعْل سماعي. الفعل لغة: نفس الحدث الذي يحدثه الفاعل من قيام أو قعود أو ضرب أو نوم أو أكل أو شرب إلى آخره. واصطلاحًا: كلمة دلت على معنى في نفسها واقترنت بأحد الأزمنة الثلاثة. قوله: (كلمة) جنس يشمل الاسم والفعل والحرف. دلت على معنى في نفسها أخرج الحرف، لأن الحرف لا يدل على معنى في نفسه. واقترن بمعنى اتصل، بأحد الأزمنة الثلاثة أخرج الاسم لأن الاسم يدل على معنى ولا يقترن بأحد الأزمنة الثلاثة. بأحد الأزمنة الثلاثة ظاهره أنه لفظ مبهم، واللفظ المبهم لا يجوز إدخاله في الحدود عند المناطقة؛ لأنه مبهم، وإنما جيء بالحد للكشف والإيضاح عن حقيقة
стр. 68
المحدود؛ فإذا جعل اللفظ المبهم داخلاً في الحد فحينئذٍ زاده إبهامًا، والمقصود هو الإيضاح. فأورد اعتراض على هذا التعريف بأن الأزمنة الثلاثة مجهولة المعنى. نقول: ليست مجهولة المعنى، لأنه صار حقيقة عرفية عند النحاة. إذا أُطلق هذا اللفظ (الأزمنة الثلاثة) انصرف إلى المعنى الخاص، وهو الحال والماضي والاستقبال. فحينئذٍ ليس في التعريف إبهام.
[وَالفِعْلُ] مبتدأ أول [بِالسِّينِ] جار ومجرور متعلق بورد ومعنى أنه متعلق به أنه عامل فيه لا يتم معنى ورد إلا بالجار والمجرور. [مَيْزُهُ] مبتدأ ثانٍ [وَرَدْ] بالسين وما عطف عليه، الجملة في محل رفع خبر المبتدأ الثاني. والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول. قوله: [مَيْزُهُ وَرَدْ] أي الفعل ميزه عن أخويه الاسم والحرف ورد بالسين وما عطف عليه.
[بِالسِّينِ] أي مسمى السين، والسين اسم، والذي يجعل علامة على الفعل هو المسمى. [بِالسِّينِ] أل للعهد الذهني- وهي الذي عهد مصحوبها ذهنًا- فحينئذٍ ليس المراد [بِالسِّينِ] سين التهجي كسين سالم، وليس المراد بها سين الصيرورة كقولك: استحجر الطين أي صار حجرًا. بل المراد بها السين التي تدخل على الفعل المضارع سين الاستقبال، لأنها هي المعهودة ذهنا، فإذا أطلق السين انصرف إلى سين الاستقبال فقط. إذًا [وَالفِعْلُ بِالسِّينِ] أي سين الاستقبال، وتسمى بسين التنفيس، والتنفيس هو الاستقبال، وتسمى حرف التوسع أو التوسيع. وهي تدل على تأخير زمن الفعل
стр. 69
المضارع عن الحال إلى الاستقبال. الأفعال ثلاثة: ماضٍ ومضارع وأمر، فالفعل الماضي يدل على شيء وقع وانتهى في الزمن الماضي. والفعل المضارع يدل على وقوع الحدث في زمن الحال، وجمهور النحاة على أن الفعل المضارع من حيث الزمن مشترك بين الحال والاستقبال، فإذا قيل: زيد يصلي، فإنه يحتمل أنه يصلي الآن أو سيصلي في المستقبل. والأصح أن يقال: إن زمن فعل المضارع هو الحال فقط، ودلالته على الزمن المستقبل مجاز. والدليل على هذا أن دلالة الفعل المضارع على الاستقبال تحصل بدخول السين ونحوها، فدلت السين على تأخير زمن الفعل المضارع عن الحال إلى الاستقبال. فحينئذٍ ما احتاج إلى قرينة فرعٌ عما لا يحتاج إلى قرينة، فدلالة الفعل على الحال هي الحقيقة؛ لأنه يدل على الحال بلا حرف. فإذا قيل: زيد يصلي فهو الآن، فإذا أردت به المستقبل فلابد من حرف تدخله ليدل على الاستقبال، وهذا ضابط المجاز عندهم. فدلالة المضارع على الاستقبال مجازية لا حقيقية. وهذا هو الأصح من حيث التحقيق، تقول: زيدٌ يصلي يعني الآن، زيدٌ سيصلي يعني سيوقع الحدث وهو الصلاة بعد زمن قريب. إذًا عرفنا السين تدل على التنفيس والاستقبال وهو تأخير زمن الفعل عن الحال. وبعضهم يقول: السين موضوعة للدلالة على الاستقبال للحدث القريب. ومثال السين قوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ) [البقرة:١٤٢] وقوله: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ) [الفتح:١١] [وَسَوْفَ] أي والفعل ميزه ورد بالسين، وبسوف، وسوف أخت
стр. 70
السين، كل منهما يدل على التنفيس والاستقبال، إلا أن السين أقل استقبالا من سوف، يعني دلالة السين على الاستقبال إنما هو استقبال قريب، ودلالة سوف على الاستقبال إنما هو استقبال بعيد. إذا قيل: زيد سيصلي. يعني بعد وقت قريب، زيدٌ سوف يصلي إذًا تأخير الفعل عن الحال إلى زمن أبعد من دلالة السين على التأخير. وقوله: [وَسَوْفَ] حكاها كما هي لأنها على ثلاثة أحرف، فحكاها بمسماها لا كالسين حكاها باسمها لأنها على حرف واحد.
هذا الذي ذكرنا من أن دلالة السين على التنفيس أقل من دلالة سوف عليه، على مذهب البصريين، خلافا للكوفيين بناءًا على خلاف عندهم= هل السين مقتطعة من سوف أم مستقلة؟ يعني هل هما كلمتان كلٌّ منهما وُضع وضعا خاصا أم الوضع واحد لسوف والسين مقتطعة منها؟ مذهب الكوفيين أن السين مقتطعة من سوف، يعني هي جزء من سوف، وحينئذٍ فهي فرع، وإذا كانت فرعا فجزءُ الشيء لا يمكن أن يدل على معنى مغاير لمعنى الأصل، فحينئذٍ عند الكوفيين= السين وسوف مترادفان، ليس أحدهما أقل ولا أكثر بل متساويان في المعنى، فدلالة السين على الاستقبال كدلالة سوف على الاستقبال. والذي اشتهر على الألسنة-كما هو معلوم- أن دلالة السين على الاستقبال أقل من دلالة سوف على الاستقبال، وهذا على مذهب البصريين= أن السين لها وضع خاص مستقل، وسوف لها وضع خاص مستقل. إذًا السين لها معناها الخاص كوضعها الخاص، وسوف لها معناها الخاص كوضعها
стр. 71
الخاص. فإذا استقل وضع كل منهما تعين أن يكون لكل حرف منهما معنى مغاير للآخر، إذًا وَضْعُ كل منهما بوضع خاص يستلزم أن يكون لكل منهما معنى مغاير للآخر؛ فحملت السين على الأقل، وحملت سوف على الأكثر، ولم يعكس لسببين:
أولاً: أن سوف أكثر حروفا من السين، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. إذًا حَمْل سوف على معنى أكثر من السين أولى من العكس.
الثاني: كثرة اللغات في سوف؛ لأنه قيل: سَوْفَ وسَفْ وسيف وسَي وسَوْ، وهذه اللغات تدل على كثرة المعاني. ومثال سوف قوله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى:٥] وقوله: (سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا) [النساء:٥٦] [وَالفِعْلُ بِالسِّينِ وَسَوْفَ] إذًا هاتان العلامتان تدل على فعلية الكلمة، تحكم أوَّلا على الكلمة بأنها فعل بدخول السين أو سوف. ثم بعد ذلك ننظر في الفعل فإذا به فعل مضارع؛ لأن السين وسوف لا يدخلان إلا على الفعل المضارع. ولا تدخل على الفعل الماضي ولا على فعل الأمر؛ لا تدخل على الماضي؛ لأنها تدل على تأخير الزمن من الحال إلى الاستقبال، وهذا المعنى لا يمكن أن يكون في الفعل الماضي، لأن الماضي قد وقع وانتهى. فإذا قيل: قام زيد. هذا في الزمن الماضي فليس عندنا حال حتى يؤخر إلى المستقبل. إذًا لا يصح دخول السين وسوف على الفعل الماضي. ولا تدخل على فعل الأمر لأنه هو نفسه دالٌ على الاستقبال لا يدل على الحال، فحينئذٍ كيف تدخل السين لتنقل
стр. 72
الزمن من الحال إلى الاستقبال، وهو أصلاً لا يدل على الحال، لذلك اختصت بالفعل المضارع. [وَبِقَدْ] أي والفعل ميزه ورد بقد. وهنا دخلت الباء على قَدْ والباء حرف جر، ولا تدخل إلا على الأسماء. فنقول: قد هنا ليست بحرف، وإنما هي اسم بدليل دخول حرف الجر عليها، وإنما تكون حرفًا في التركيب نحو: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون:١) قد في هذا التركيب حرف، لأنه أفاد معنى التحقيق، فاستعمل مرادًا به اللفظ والمعنى. أما إذا قيل: قد حرف. أخبرت عنها بأنها حرف، فاستعمل مرادًا به اللفظ فقط دون المعنى. فحينئذٍ هي علم في هذا التركيب، لذلك يجوز إعرابها وتنوينها-كما سيأتي-[وَبِقَدْ] أي الحرفية، لأن قد تأتي اسمية، وتأتي حرفية. وقد التي تكون علامة الفعلية هي قدُ الحرفية، ولكنها لا تدخل على أيِّ فعل، وإنما تدخل على الماضي والمضارع، ولا تدخل على فعل الأمر. ولا يصح دخولها على كل فعل ماضٍ أو مضارع، وإنما تدخل بشروط أربعة:
الأول: أن يكون الفعل مثبتًا لا منفيًا. فنحو: قد ما قام لا يصح؛ لأنه منفي، وقد تفيد التحقيق، والتحقيق إنما يكون لشيء موجود، والمنفي معدوم؛ فكيف يحقق المعدوم؟!.
الثاني: أن يكون الفعل متصرفًا لا جامدًا، بمعنى أنه يأتي منه المضارع والأمر والمصدر واسم فاعل إلى آخره. فقد يكون التصرف تامًا، وقد يكون التصرف ناقصًا. فالجامد نحو: نِعْمَ وبِئْسَ، لا يصح دخول قد عليه -على الصحيح-،فلا يقال: قد نِعْمَ زيدٌ الرجل.
стр. 73
الثالث: أن يكون خبريًا لا إنشائيًا. وهذان قسمان للكلام لا ثالث لهما على الأصح كما قال السيوطي:
مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالكِذْبِ الخَبَرْ ... وَغَيرُهُ الإنْشَا وَلاَ ثَالِثَ قَرْ
الكلام إما أن يكون خبرًا -وهو ما احتمل الصدق والكذب لذاته-.وإما أن يكون إنشاءا - وهو ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته - فإذا كان الفعل خبريًا صح دخول قد عليه. وإذا كان الفعل إنشائيًا لا يصح دخول قد عليه. والعلة هي العلة في عدم صحة دخولها على فعل الأمر.
فقد تدخل على الجملة الخبرية، نحو: قد بعت السيارة، وهذه من ألفاظ العقود فإن كان قد وقع البيع في الزمن الماضي صح دخول قد على بعت. وإن كان المقصود بها إنشاء البيع الآن يقول: تبيع السيارة. فيجيب: قد بعتك. فهذا لا يصح، لأن بعت ليس بفعل ماض من حيث المعنى، يعني لا يدل على شيء وقع وانتهى، إنما المراد إنشاء البيع الآن فدلالته على الحال. فحينئذٍ لا يصح دخول قد عليه.
الرابع: أن لا يفصل بين قد والفعل فاصل، فلا يصح: قد هو قال. وقد استثنى ابن هشام: القسم نحو: قد والله قام زيدٌ، لوروده في الشعر.
قد تأتي لمعانٍ، فإذا دخلت على الفعل الماضي أفادت التحقيق أو التقريب، يعني تدل من جهة المعنى على التحقيق أو التقريب.
стр. 74
فالتحقيق نحو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون:١) وقولك: قد قام زيد.- وقد وقع القيام- يفيد التحقيق. والتقريب نحو قولك: قد قام زيد.-ولمَّا يقم- ومثله قول مقيم الصلاة: قد قامت الصلاة.
وإذا دخلت على الفعل المضارع أفادت التقليل أوالتكثير. فالتقليل كقولك: قد يصدق الكذوب. والتكثير كقولك: قد يجود الكريم. هذا ما يذكره النحاة أن قد إذا دخلت على الفعل الماضي أفادت التحقيق أو التقريب، وإذا دخلت على الفعل المضارع أفادت التكثير أو التقليل، هذا هو المشهور لكن الأصح أن يقال أن قد تدخل على الفعل المضارع وتفيد التحقيق، وبعضهم ينفي إفادتها للتحقيق عند دخولها على الفعل المضارع، وليس بصواب، بل تدخل على الفعل المضارع وتفيد التحقيق بدليل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ (الأحزاب:١٨) فقد هنا أفادت التحقيق. [فَاعْلَمْ] الفاء عاطفة، وفعل الأمر وفاعله جملة معترضة لا محل لها من الإعراب. [وَتَا التَّأْنِيثِ] أي والفعل ميزه ورد بتاء التأنيث أي بقبوله تاء التأنيث، فإذا قبلت الكلمة تاء التأنيث دلت على أن مدخولها فعلٌ. وتاء التأنيث مركب إضافي، والمركب الإضافي لابد أن يكون للمضاف مع المضاف إليه معنى ودلالة وهي أنواع. وهنا الإضافة من إضافة الدال إلى المدلول، بمعنى أن هذه التاء تدل على التأنيث، تأنيث المسند إليه، وهي من علامات الفعل فاتصالها يكون بالفعل، وتدل على أن المسند إليه مؤنث، نحو: قامت
стр. 75
هندٌ. نقول: التاء تاء التأنيث اتصلت بالفعل الماضي ودلت على تأنيث المسند إليه وهو الفاعل. ومثله: ضُربت هندٌ ضُرِب فعل ماض مغير الصيغة، اتصلت به تاء التأنيث الساكنة، ودلت على تأنيث المسند إليه وهو نائب الفاعل. ومثله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (التحريم:١٢) كان فعل ماض ناقص، اتصلت به تاء التأنيث، ودلت على تأنيث المسند إليه وهو اسم كان. وحينئذٍ قول بعضهم: إن تاء التأنيث تدل على تأنيث الفاعل، فيه قصور. وإنما التعبير الأعم والأصح: أن تاء التأنيث تدل على تأنيث المسند إليه. والمسند إليه قد يكون فاعلاً أو نائب فاعل أو اسم كان. [وَتَا التَّأْنِيثِ] أي التأنيث المعنوي. وأما التأنيث اللفظي= فهذا تفيده تاء تأنيث ساكنة، تدخل على الحرف مثل ربتْ وثمتْ. فرُبَّ حرف جر شبيه بالزائد، يجوز في لغة العرب أن يتصل به تاء التأنيث الساكنة، فتقول: ربتْ. وثم حرف عطف، يجوز أن يتصل به تاء التأنيث الساكنة. فحينئذٍ كيف نقول: تاء التأنيث الساكنة علامة فعلية الكلمة، ثم نجد تاء التأنيث الساكنة قد اتصلت برب وثم وهما حرفان؟ تقول: تاء التأنيث المراد بالتأنيث التأنيث المعنوي. والتاء في ربت وثمت هي تاء تأنيث؛ لكنه تأنيث لفظي لا معنوي، فلا نقض ولا اعتراض. [وَتَا التَّأْنِيثِ] أي الساكنة أصالة، احترازًا من تاء التأنيث المتحركة؛ فإنها من خواص الأسماء إن كانت حركتها حركة إعراب كقائمة ومسلمة، نقول: هذه التاء تاء التأنيث، وهي متحركة وحركتها حركة الإعراب؛ نحو: جاءت فاطمةُ، ورأيت فاطمةَ،
следующие страницы →