← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36087

فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (649 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية للعلامة محمد بن أبَّ القلاوي الشنقيطي شرح فضيلة الشيخ أحمد بن عمر الحازمي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذا شرحٌ وجيز، وبيانٌ عزيز، لألفاظ نظم الآجرومية، للعلامة محمد بن آبَّ القلاوي التواتي، في علم النحو، يحل عباراتها، ويظهر معانيها، ويكشف أسرارها، ويوضح شواهدها، كان أصله دروسًا ألقيتُها في المسجد، فسُجِّلتْ ثم فُرِّغتْ، فرَغِب الطلبة في مراجعتها، وتنقيحها، فأجبتهم إلى ما رغبوه، فحررت منه ما استطعت، فزدت فيه وحذفت، حتى جاء شرحًا تقَرُّ به عين كل ناظر، يجد فيه بغيته المبتدي، ولا يستغني عن فوائده المنتهي، سميته (فَتْحَ رَبِّ البَرِية بِشَرْحِ نَظْمِ الآجُرُّومِيَّة). واللهَ أسأل أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح إنه سميع قريب.

стр. 3

مسألة لابُدَّ لكل شارع في فن من الفنون أن يتصوره قبل الشروع فيه؛ ليكون على بصيرة فيه؛ وإلا صار كمَن ركب متنَ عمياء، وخبَطَ خبْطَ ناقةٍ عشواء، ويحصل التصور المطلوب بالوقوف على المبادئ العشرة التي جمعها الناظم محمد بن علي الصبان عليه رحمة الله في قوله: إِنَّ مَبادِئ كُلِّ ... فَنٍّ عَشَرَه ... الحَدُّ وَالموضُوعُ ثُمَّ الثَّمَرَه وَنِسْبَةٌ وَفَضْلُهُ وَالوَاضِعْ ... وَالاِسْمُ الِاسْتِمْدَادُ حُكْمُ الشَّارِعْ مَسَائِلٌ والبَعْضُ بِالبَعْضِ اكْتَفَى ... وَمَنْ دَرَى الجَمِيعَ حَازَ الشَّرَفَا فنقول: النحو له معنيان معنىً لغوي، ومعنىً اصطلاحي، وهو من جهة اللفظ مصدرٌ على وزن فَعْلٍ بمعنى اسم المفعول أي المَنْحُوٌّ، من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، وهذا مجازٌ مرسلٌ عندهم، والأصل في إطلاق النحو في لغة العرب بمعنى القصد، فسمي هذا العلم نحوًا لأنه مقصود، لأن النحو بمعنى القصد، ويأتي على ستِّ معاني وهي أشهرها: قَصْدٌ وَمِثْلٌ جِهَةٌ مِقْدَارُ ... قَسْمٌ وَبَعْضٌ قَالَهُ الأَخْيَارُ أما في الاصطلاح: فهو علم بأصول يعرف بها أحوال أواخر الكلم إعرابًا وبناءًا. موضوع علم النحو: الكلمات العربية من حيث البناء والإعراب.

стр. 4

ثمرة علم النحو وفائدته: أنه مفتاحٌ لفهم الشريعة، وأما صيانة اللسان عن الخطأ في الكلام فهذه ثمرة فرعية، ولا ينبغي لطالب العلم أن يجعل غايته صيانة اللسان عن الخطأ في الكلام، وإنما يكون هذا تبعًا، والأصل أن يكون علم النحو مفتاحًا للشريعة وينوي طالب العلم ذلك حتى يؤجر، لأن هذا العلم ليس من المقاصد وإنما هو علم آلة، ووسيلة والوسائل لها أحكام المقاصد. حكمه: فرضُ كفاية، وقيل: فرض عين على من أراد علم التفسير، ونقل السيوطيُّ ﵀ الإجماعَ على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يتكلم في التفسير إلا إذا كان مليًّا باللغة العربية، وليس النحو فحسب، ولذلك من شروط المفسر كما هو مذكور في موضعه أن يكون عالمًا بلغة العرب. نسبته إلى سائر الفنون: التباين، فهو مخالف لعلم الأصول، ولعلم الحديث، ولسائر العلوم، وقد يشترك مع بعضها. مسائله: هي أبوابه التي ستذكر فيما بعد في ضمن النظم. والواضع: هو أبو الأسود الدؤلي، وقيل: علي ﵁. وقيل: أبو الأسود بأمر علي ﵁. فنشرع في المقصود وبالله التوفيق، قال الناظم رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ ابْنُ آبَّ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ ... اللهَ فِي كُلِّ الأُمُورِ أَحْمَدُ مُصَلِّيًا عَلَى الرَّسُولِ المُنْتَقَى ... وَآلِهِ وَصَحْبِهِ ذَوِي التُّقَى

стр. 5

وَبَعْدُ فَالقَصْدُ بِذَا المَنْظُومِ ... تَسْهِيلُ مَنْثُورِ ابْنِ آجُرُّومِ لِمَنْ أَرَادَ حِفْظَهُ وَعَسُرَا ... عَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَ مَا قَدْ نُثِرَا واللهَ أَسْتَعِينُ فِي كُلِّ عَمَلْ ... إِلَيْهِ قَصْدِي وَعَلَيْهِ المُتَّكَلْ بدأ الناظم على عادة أهل العلم بما استقر في عرفهم بالبسملة وهي [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] وذلك لأمور: أولاً: اقتداءًا بالكتاب العزيز؛ حيث بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين. ثانيًا: اقتداءًا وتأسيًا بالسنة الفعلية؛ حيث كان النبيُّ ﷺ إذا كتب كتابًا ما قال: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم، كما في صحيح البخاري رحمه الله تعالى. ثالثًا: التبرك بالبسملة؛ لأنَّ الباء هنا للاستعانة أو للمصاحبة على وجه التبرك، والمعنى بسم الله الرحمن الرحيم حالة كوني مستعينًا وطالبًا التوفيق والإعانة من الله على ما جعل البسملة مبدءًا له. رابعًا: اقتداءًا بالأئمة المصنفين، قال الحافظ ابن حجر- ﵀: وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على أن يفتتحوا كتبَ العلم بالتسمية وكذا معظم كتب الرسائل.

стр. 6

وأما استدلال بعضهم بحديث «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر أو أجذم أو أقطع» فهذه الروايات كلها ضعيفة. ومثلها ما جاء في الحمدلة. [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] هنا الناظم ﵀ بدأ نظمه بالبسملة، وإذا استقر عمل أئمة التصنيف على ابتداء كتبهم بالبسملة فهل المراد بها المنثورات دون المنظومات؟ وهل المنظوم الذي هو الشعر كالمنثور؟ نقول: أما ما كان من المنظومات العلمية التي ضمَّنها أهل العلم مسائل العلم؛ منظومةً على بحر الرجز أو غيره فهذه باتفاق العلماء يستحب البداءة فيها بالتسمية. وما عدا ذلك ففيه قولان لأهل العلم: قولٌ بالمنع. وقولٌ بالجواز. فالأول: روي عن الشعبي أنه قال: أجمعوا أن لا يكتبوا أمام الشعر بسم الله الرحمن الرحيم. وروي عن الزهري أنه قال: مضت السنة أن لا يكتب في الشعر بسم الله الرحمن الرحيم. والثاني: قول جمهور أهل العلم تبعًا لما نقل عن سعيد بن جبير وأبي بكر الخطيب -رحمهما الله- لأن الجواز هو الأصل. فالأصل استحباب البداءة بالبسملة في كل أمر مباح. وما عدا المنظومات العلمية فتأخذ حكمه، فما كان من الشعر محرمًا فالتسمية حرام؛ لذلك أجمعوا على أنه لا يحل لمن شرب مسكرًا أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. بل يعتبر في بعض المذاهب أنه قد كفر وارتد لأنه مستهزئ بالله. وما كان مكروهًا من الشعر كالغزل ونحوه يكره فيه البداءة بالتسمية، وما عدا ذلك فالأصل أنه مباح والتسمية تكون حينئذٍ مباحةً؛ لأن الأصل بقاء ما

стр. 7

كان على ما كان حتى يأتي دليل ينص على أن البسملة حينئذٍ تكون محرمةً فإذا كان مباحاً فالأصل الاستحباب. [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] نقول: [بِسْمِ اللهِ] هذا جار ومجرور، وعند النحاة أن حرف الجر إذا كان حرفًا أصليًا- كما هنا على الصحيح - فلابد أن يكون متعلِّقًا بمحذوف، وهذا المحذوف نقدره على الأصح فعلاً لا اسماً، وعامًا لا خاصًا، ومؤخرًا لا مقدَّمًا. [بِسْمِ اللهِ] فالباءُ أصليَّةٌ وقيل: زائدة، والأصحُ أنها أصليَّةٌ، فحينئذٍ تحتاج إلى متعلَّقٍ تتعلق به قال بعضهم: لابُدَّ لِلجَارِّ مِنَ التَّعلُّقِ ... بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرتَقِي إذًا لابُدَّ للحرف الجار الأصلي أن يتعلق بفعل أو ما فيه رائحة الفعل، إذًا [بِسْمِ اللهِ] جار ومجرور متعلق بفعل على الأصح وليس اسمًا، وهذا الفعل مؤَخَّرٌ لا مُقدَّمٌ، وهذا الفعل خاصٌّ لا عامٌّ. لماذا كان التقدير فعلاً؟ لأن الأصل في العمل للأفعال، وأيضًا ورد التصريح به في الكتاب والسنة فعلاً؛ قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق:١) ﴿بِاسْمِ﴾ هذا جار ومجرور متعلق بقوله: ﴿اقْرَأْ﴾ , و ﴿اقْرَأْ﴾ هذا فعل. وجاء في الحديث: «باسمك ربي وضعت جنبي» «باسمك» جار ومجرور متعلق بقوله: (وضعت). وهذا الفعل المحذوف الأرجح فيه أن نقدره متأخرًا: بسم الله أؤلف، وإنما يقدر متأخرًا لفائدتين: الأولى: الاهتمام؛ لأنه لا يتقدم على اسم الله تعالى شيء فيؤخر

стр. 8

لذلك، أما إذا قلت: أؤلف بسم الله فقد قدمت على لفظ الجلالة غيره، فحينئذٍ كان فيه فائدة الاهتمام، وأما تقديمه في سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فقد أجاب أهل البيان بأنَّ المقصود هنا هو القراءة، قال السيوطي في عقود الجمان: وَقَدْ يُفِيدُ فِي الجَمِيعِ الاِهْتِمَامْ ... بِهِ وَمِنْ ثَمَّ الصَّوَابُ فِي المقَامْ تَقْدِيرُ مَا عُلِّقَ بِاسْمِ اللهِ بِهْ ... مُؤَخَّرًا فَإِنْ يَرِدْ بِسَبَبِهْ تَقْدِيمُهُ فِي سُورَةِ اقْرَا فَهُنَا ... كَانَ القِرَاءَةُ الأَهَمَّ ... المُعْتَنَى إذًا قُدِّم في قوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ لأن القراءة هي الأهم المعتنى به في هذا المقام. الفائدة الثانية: إفادة القصر والحصر، وهو إثباتُ الحكم في المذكور ونفيه عمَّا عداه، أي بسم الله أؤلف، إذًا قُدِّم ما حقه التأخير فأفاد القصر، يعني بسم الله لا باسم غيره. ويُقدر الفعل خاصًّا يعني يقول عند التقدير: بسم الله أؤلف إذا أراد التأليف. بسم الله أشرب إذا أراد الشرب وهكذا. ولا يقدره: بسم الله أبدأ؛ لأنه عام فلا يُفهم من المقدَّر هنا فعلٌ وحدثٌ خاصٌّ قالوا: لأنَّ دلالةَ الحال أدلُّ على المقدر؛ لأنه ينوي في نفسه ما جَعل البسملةَ مبدءًا له، وهو الفعل الخاص الذي تلبس به. [بِسْمِ اللهِ] اسم مضاف، ولفظ الجلالة (الله) مضاف إليه. وهنا الإضافة من إضافة الاسم إلى المسمَّى فتفيد حينئذٍ العموم. [بِسْمِ

стр. 9

اللهِ] أي بكل اسمٍ هو لله، سمى به نفسه، أو أنزله في كتابه، أو علمه أحدًا من خلقه، أو استأثر به في علم الغيب عنده. [اللهِ] عند كثير من أهل العلم أنه هو الاسم الأعظم، والأصح أنه مشتق، وأصله الإله، حذفت الهمزة تخفيفًا، واجتمع عندنا حرفان مثلان، وهما اللامان، الأولى ساكنة، والثانية متحركة؛ فوجب الإدغام فقيل: الله، ثم فُخِّمتِ اللام بعد الفتح والضم تعظيمًا لله فقيل: الله قال ابن الجزري: وَفَخِّمِ الَّلاَمَ مِنِ اسْمِ اللهِ ... عَنْ فَتحٍْ اوْ ضَمٍّ كَعَبْدُ اللهِ [عَن فتحٍ او ضمٍّ] أي بعد فتح او ضمٍّ كما في قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ (الانشقاق:١٩) أي طبقًا بعد طبق. بعد فتح نحو: رأيت عبدَ الله، وبعد ضمٍّ نحو: جاء عبدُ الله. أما بعد الكسر فترقق اللام وهذا مذهب الجمهور أنَّ اللام تفخم بعد الضم والفتح، وترقق بعد الكسر. وقيل: ترقق مطلقًا. وقيل: تفخم مطلقًا. إذًا [الله] مشتق من الإله بمعنى أنه يدل على ذاتٍ متصفةٍ بصفةٍ وهي الإلهية. لأن أصله الإله -كما ذكرنا- فهو فِعَال بمعنى مفعول أي المألوه محبةً وتعظيمًا. لذلك ذُكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين) لأن ألِه يألَه إلهةً وألوهةً وألوهيَّة يأتي بمعنى عبد عبادة والألوهية هي العبادة، قال رؤبة: لِلهِ دَرُّ الغَانِيَاتِ المُدَّهِ ... سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تألُّهِي

стр. 10

[الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة؛ إلا أنَّ الرحمن أشدُّ مبالغةً من الرحيم، لأنه على وزن فعلان يدل على الامتلاء كغضبان وعطشان. وهو أيضًا أكثرُ حروفًا من الرحيم. وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى غالبًا. [الرَّحْمَن] عامٌّ من جهة المعنى، خاصٌّ من جهة اللفظ، من جهة المعنى = الرحمة عامة تشمل الكفار والمسلمين والبهائم ونحوها. ومن جهة اللفظ = خاصٌّ لا يطلق إلا على الله . وأما إطلاق أهل اليمامة ذلك على مسيلمة الكذاب فهو من باب تعنتهم وكفرهم قال قائلهم: سَمَوْتَ بِالمَجْدِ يَابنَ الأَكْرمَينِ أَبًا ... وَأَنْتَ غَيْثُ الوَرَى لاَ زِلْتَ رَحْمَانَا وقد ردَّه بعضُ الأدباء بقوله: خُصِّصْتَ بالمقْتِ يَابْنَ الأَخْبَثَينِ أَبًا ... وَأَنْتَ شَرُّ الوَرَى لاَ زِلْتَ شَيطَانًا [الرَّحِيم] خاصٌّ من جهة المعنى، عامٌّ من جهة اللفظ. من جهة المعنى = خاص بالمؤمنين قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ (الأحزاب:٤٣) أي لا بغيرهم؛ لأنَّ تقديم ما حقه التأخير يفيد الاختصاص، والأصل وكان رحيمًا بالمؤمنين، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بقوله رحيمًا، فقُدِّم ما حقه التأخير عن عامله وهو المعمول فأفاد القصر أي بالمؤمنين لا بغيرهم. ومن جهة اللفظ = عامٌّ يصح أن يطلق على غير الله تعالى تقول: جاء زيد الرحيم. ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ

стр. 11

أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:١٢٨). هذا كلام مختصر يتعلق بالبسملة من جهة المعنى. وأما من جهة الإعراب فنقول: [بِسْمِ اللهِ] جار ومجرور متعلق بمحذوف، فعل مؤخر خاص مناسب للمقام، تقديره بسم الله الرحمن الرحيم أُؤلف أو أنظمُ. [بِسْمِ] اسم مجرور بالباء، وهو مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. [الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] بالكسر فيهما [الرَّحْمَنِ] صفةٌ أولى، و [الرَّحِيمِ] صفةٌ ثانية صفة بعد صفة، والجر فيهما سنة متبعة. قال الناظم: [قَالَ ابْنُ آبَّ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ] قوله: [قَالَ] هذا فعل ماضٍ، والناظم قد سمَّى نفسه وقد أتى بجملة الحكاية، ومقتضى الظاهر أنَّ كونه حكاية عن نفسه يقتضي أن يقول: قلت لا قال، لكن أراد أن يذكر اسمه؛ لأنَّ الكتاب إذا كان مؤلفُه معلومَ الاسم ترغب النفس فيه أكثر، ففيه ترغيب للكتاب بتعيين مؤلفه ليكون أدعى لقبوله والاجتهاد في تحصيله فيثاب مؤلفه. ومدح الكتاب وذكر الاسم ليس من الأمور المعابة عند أهل التصنيف، وإنما فيه إظهار للنعمة التي أنعم الله بها عليه، وأيضًا المجهول مرغوب عنه، والناظم ناقلٌ فإذا سمَّى نفسه عرَفَ طالبُ العلم جلالةَ مَن نقل العلم فيُقبِل على ما نقل بقلبه وجوارحه فيحصل له النفع في أقرب مدَّة. وأيضًا من جهة أخرى أنَّ المقرر عند أهل التصنيف أنَّ ثَمَّ

стр. 12

أمورًا في مقدمات الكتب لا بُدَّ من ذكرها، وهي ثمانية، أربعة واجبة وجوبًا صناعيًا، وأربعة مستحبة استحبابًا صناعيًا. فالأربعة الواجبة هي البسملة، والحمدلة، والصلاة والسلام على النبيِّ ﷺ ، والتشهد. والأربعة المستحبة هي تسمية نفسه، وقد أتى به الناظم كما ذكرنا، وتسمية كتابه، وأما بعد، وبراعة الاستهلال. قوله: [قَالَ] فعلٌ ماضٍ لفظًا مُستقبَلٌ معنى. إذًا لِمَ عدل عن الفعل المضارع وأتى بالفعل الماضي؟ نقول: التعبير بالفعل الماضي مرادًا به الاستقبال خروج عن مقتضى الظاهر فلابد فيه من نكتة وفائدة، قال السيوطي في عقود الجمان مبينا تلك النكتة: وَمِنهُ مَاضٍ عَن مُضَارعٍ وُضِعْ ... لِكَونِهِ مُحَقَّقًا نَحو فَزِعْ [ابْنُ آبَّ] هذا اسم أبيه، ولعلَّه كنيةٌ؛ لأنَّ الكنية ما صُدِّرَ بأبٍ أو أُمٍّ وعلى الأصح أو ابن أو بنت. وأراد أن يُبيِّنَ اسمَه فقال: [وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ] وهذا لضيق النظم، وإلا لو قال: محمدُ مباشرةً لأَدَّى المراد، واسمه مبتدأ، محمد خبر. وهو محمد بن آبَّ القلاوي التواتي، القلاوي الأصل من قبيلة الأقلال الشنقيطية، ومولده ومسكنه في مدينة أتوات المغربية توفي سنة ألف ومائة وستين (١١٦٠هـ) هذا هو الصواب والمشهور عند المتأخرين، ولذلك غُلِّط من شرح هذا النظم ونسبه لعبيد ربه، ولذلك نقول هذه المنظومة منسوبة لمحمد بن آبَّ لذلك الصواب في الشطر الأول أن يقال (قال بن آبَّ واسمه محمد) ولا نقول: (قال عبيد ربه محمد).

стр. 13

[اللهَ فِي كُلِّ الأُمُورِ أَحْمَدُ] أي قال: أحمد الله في كل الأمور، وجملة أحمد الله في محل نصب مقول القول. وأتى بالحمدلة بعد البسملة لأمور: أوَّلاً: اقتداءًا بالكتاب العزيز حيث ثنَّى بالحمد بعد البسملة فقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة:١ - ٢) ثانيًا: تأسيًا بالنبيِّ ﷺ بسنته الفعلية حيث كان يفتتح خُطَبه في خِطبة النكاح ونحوها بإنَّ الحمد لله نحمده. ثالثًا:: اقتداءًا بالأئمة المصنفين في افتتاح الكتب كما قيل في البسملة. ولذلك القاعدة العامة -كما ذكر أهل العلم- أنَّه يُستحب البَداءةُ بالحمد لله في كل أمر مهم قالوا: يستحب البداءة بالحمدلة لكلِّ مصنِّفٍ، ودَارسٍ، ومُدرسٍ، ومتعلِّمٍ، ومُعلِّمٍ، ومزوِّجٍ، وخاطبٍ، وخطيبٍ، وبين يدي سائر الأمور المهمة. وأما حديث «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله .. » فهو ضعيف أيضًا، فلا يحتج به. قال الناظم: [أَحْمَدُ] عبَّر بالجملة الفعلية. والأصل أن يأتي بالجملة الاسمية؛ لأنها تدل على الدوام والثبوت؛ إلا أنَّه عَدَل عنها إلى الجملة الفعلية؛ لأنها تدل على التجدد والحدوث؛ لأنَّ التجددَ والحدوثَ مُقابَلٌ بما عُلِّقَ به الحمد وهو الأمور. أحمد الله في كل [الأُمُورِ] جمع أمرٍ، والمراد به الشأن، والحال، يعني في كل شؤوني

стр. 14

أحمد الله، فحينئذٍ كان متعلَّقُ الحمدِ شأنَ العبدِ. وشأنُ العبدِ متقلِّبٌ، فقد يكون في سرَّاء، وقد يكون في ضرَّاء. وفي الحديث: «عجبًا لأمر المؤمن إنَّ أمرَه كلَّه خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سرَّاءُ شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضرَّاءُ صبر فكان خيرًا له» إذًا حالُه متقلِّبٌ بين الحالين؛ فحينئذٍ يُحمَد الرَّبُ جلَّ وعَلا على السَّراءِ والضَّراءِ، وهذا أمرٌ حادثٌ ومتجدِّدٌ، يوجد بعد أن لم يكن شيئًا فشيئًا، فحينئذٍ ناسب أن يأتي بالجملة الفعلية الدالة على التجدد والحدوث، كُلَّما وُجدتِ النِّعمةُ سواء كانت سرَّاءَ فشكرَ، أو ضرَّاءَ فصبرَ وُجِدَ الحمدُ، بخلاف الجملة الاسمية فإنها تدل على الثبوت والدوام. [اللهَ] منصوبٌ على التَّعظيمِ، مفعولٌ به مُقدَّم. [أَحْمَدُ] فعل مضارع متأخر، إذًا قدَّمَ ما حقُّه التأخير، والقاعدة العامة = أنَّ تقديمَ ما حقُّه التأخيرُ يُفيد الحصر والقصر، وهو إثباتُ الحكمِ في المذكور ونفيُه عمَّا عَداه. وإثباتُ الحكمِ هنا هو الحمد، للمذكور وهو الربُّ جَلَّ وعَلا ونفيُه عمَّا عدا الله سبحانه. إذًا لا يَستحق الحمدَ الكاملَ إلا اللهُ كأنَّه قال أحمدُ اللهَ لا غيرَه. ومثله قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (الفاتحة: من الآية٥) أي نعبدُ اللهَ لا غيرَه. [اللهَ فِي كُلِّ الأُمُورِ أَحْمَدُ] في كُلِّ الأمورِ مُتعلِّقٌ بقوله: أحمد. [أَحْمَدُ] مُشتَقٌ من الحمد، وهو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀: ذِكرُ محاسنِ المحمودِ معَ حُبِّه وتعظيمهِ وإِجلالهِ. سواءٌ كانت هذه المحاسنُ صفاتٍ لازمةً أوصفاتٍ متعديةً. فيُحمدُ الرَّبُ جَلَّ وعَلا على كُلِّ صفةٍ اتَّصفَ بها سواءٌ كانت صفةً ذاتيةً أم فعليةً. ثُمَّ بعد

стр. 15

الحمدلة والثناء على الله بما هو أهله عقبه بالصلاة على الرسول ﷺ إظهارًا لعظمة قدره، وأداءًا لبعض حقوقه الواجبة، وامتثالا لقوله تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (الأحزاب: من الآية٥٦)) فقال: [مُصَلِّيًا] بالنَّصبِ، حالٌ مِن فاعلِ [أَحْمَدُ] أي أحمدُ اللهَ في كُلِّ الأمورِ حالةَ كوني مُصليًا على الرسول. فهي حالٌ مقارِنةٌ مِن فاعلِ أحمدُ المستتر، ومقارَنةُ كُلِّ شيءٍ بِحَسَبه، فَمُقارَنةُ لفظٍ معَ لفظٍ وقوعُه عَقِبَهُ مباشرةً، لا حَال منوية؛ بمعني أحمدُ اللهَ حالةَ كوني ناويًا في قلبي بعدَ الحمدِ أن أصلي، لأنَّ نية الصلاة ليست بصلاة. [مُصَلِّيًا] اسم فاعل مِن صلَّى الرُّباعِيِّ، أي طَالبًا من اللهِ صلاتَه على الرسول. والصلاة من الله على الرسول -كما قال ابن القيم- ثناؤُه على عبدِه في الملأ الأعلى، وصلاةُ الملائكةِ عليه ثناؤُهم عليه، وصلاةُ الآدَميينَ سؤالهُم اللهَ أن يُثني عليه ويزيدَه تشريفًا، وتكريمًا. [عَلَى الرَّسُولِ] جار ومجرور متعلِّقٌ بقوله: مصليًا، يعني أينَ مَحَلُّ الصلاةِ؟ قال: على الرسول. وهنا أتى بالصلاة ولم يذكر السلام أي أفرد الصلاة عن السلام بناءًا على أنه لا كراهة وهو الصحيح وإن كان الأفضل والأكمل الجمع بينهما للآية. و [الرَّسُول] فَعُولٌ مِنَ الرِّسَالةِ. معناه في اللغة: الذي يُتَابِعُ أخبار الذي بعثه، أخذًا من قولهم: جاءتِ الإبِلُ رَسْلاً أي مُتَتَابِعَةً. وأمَّا في الشَّرعِ فالمشهورُ عندَ الجمهورِ: أنَّه إنسان ذكر حر أُوحِيَ إليه بشرع وأُمِرَ بتبليغه، فإن لم يُؤمر فهو نبيٌّ، فكلُّ رَسولٍ نبيٌّ ولا عكس. قال-﵀: [عَلَى الرَّسُولِ] ولم يقُل على النَّبيِّ، لأنهم أجمعوا على أنَّ الرَّسُولَ- الذَّاتَ

стр. 16

التي نزلتْ عليها الرسالةُ- أَشرَفُ مِنَ النَّبيِّ. واختلفوا في أيِّهما أفضلُ = الرِّسالةُ أم النُّبوةُ؟ فالجمهورُ على أنَّ الرِّسالةَ أفضَل؛ لذلك قال: [عَلَى الرَّسُولِ] ولَم يقُل على النَّبيِّ، لشرف الرسالة على النُّبوة. [عَلَى الرَّسُولِ] هو محمَّدُ بنُ عبد اللهِ ﷺ . وإذا أُطْلِقَ الرَّسولُ وكان النَّاطِقُ من أُمَّةِ محمَّدٍ ﷺ انصرفَ إليهِ لأنَّهُ صار عَلَمًا بالغلبََة. لذلك هو مُحَلَّى بِأَل كما قال ابن مالك-﵀: وَقَدْ يَصيرُ عَلَمًا بِالغَلَبَهْ ... مُضَافٌ او مَصْحُوبُ أَلْ كَالْعَقَبَهْ و [الرَّسُول] أَي إِلى النَّاسِ كَافَّةً قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ (الأعراف:١٥٨) إذًا حَذَفَ المتَعَلِّقَ للدلالة على عُمُومِ رسالته. [المُنْتَقَى] اسم مفعول انتُقِي- المبني للمجهول-[وَآلِهِ] عطفٌ على الرَّسُولِ، أَي مُصليًا على الرسول ومصليًا على آله. وأَضافهُ إلى الضَّميرِ لأَنَّ الصحيحَ جوازُ إضافته إلى الضَّميرِ خلافًا للكِسائي وغيره. [وَآلِهِ] أَصلُ آلٍ أَوَلٌ كَجَمَلٍ تحرَّكتِ الواوُ وانفتحَ ما قبلها فقُلِبَتْ ألفًا، وهذا اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو مذهب الكِسَائي. وذهب سيبويهِ إلى أَنَّ أصل آلٍ أَهْلٌ قُلِبَت الهاءُ همزةً ثم قُلِبَت الهمزةُ أَلِفًا فصار آل وغَلَّطَهُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية ﵀[وَآلِهِ] الأصح أن يُفَسَّرَ بأتباعه على دينه. وقيل: أقاربُهُ المؤمنون. وقوله: [مُصَلِّيًا عَلَى الرَّسُولِ المُنْتَقَى وَآلِهِ] أَي ومُصليًا على آله وهم أتباعُهُ على دينه. ودليل الصلاة على الآلِ قوله ﷺ : «قولوا

стр. 17

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ».إذًا الصلاة على الآلِ مأمورٌ بها. [وَصَحْبِهِ] اسم جمع لصاحب كرَكْبٍ وراكب. والمراد بهم صحابة النبي ﷺ ، ولذلك إذا قيل: الصحابة صار علمًا بالغلبة على من اجتمع بالنبي ﷺ مُؤمنًا به ومات على ذلك ولو تخلَّلت رِدَّةٌ في الأصح. كما قال ابن حجر-﵀ ولكن الصلاة على الصحب لم يأت فيها نصٌّ، وإنما أجمع العلماء على إلحاقهم بالآل؛ لما للصحابة من فضل عظيم في نقل الشريعة ونحو ذلك ألحقهم أهل العلم بالآل تبعا لا استقلالا. وعطف الصحب على الآل من عطف الخاص على العام إذا فسرنا الآل بأتباعه على دينه. وإذا فسر بأقاربه المؤمنين يكون من عطف العام على الخاص. وكلاهما جائز؛ إلا أَنَّ عطف الخاص على العَامِّ جائز باتفاق. وعطفُ العَامِّ على الخَاصِّ جائز على الأصح. قال في عُقُودِ الجُمَانِ: وَذِكْرُ خَاصٍ بَعْدَ ذِي عُمُومِ ... مُنَبِّهًا بِفَضْلِهِ المحتُومِ كَعَطْفِ جِبْرِيلَ وَمِيكَالَ عَلَى ... مَلَائِكٍ قُلْتُ وَعَكْسُهُ جَلَا [ذَوِي التُّقَى] صفة لصحبه مجرور وجرُّه الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو جَمْعُ ذُو بِمَعْنَى صَاحِبٍ [ذَوِي التُّقَى] أَي أصحاب التُّقَى. يقال اتَّقَى يَتَّقِي، وتَقَى يَتْقِي كَقَضَى يَقْضِي. والتُّقَى والتَّقْوَى بمعنى واحد وهي فِعْلُ المأْمُوراتِ واجتنابُ المنهيَّاتِ.

стр. 18

وَبَعْدُ فَالقَصْدُ بِذَا المَنْظُومِ ... تَسْهِيلُ مَنْثُورِ ابْنِ آجُرُّومِ [وَبَعْدُ] كلمة يُؤتَى بها للانتقال من أُسلوبٍ إلى أُسلُوبٍ آخر. وهي سُنَّةٌ؛ إلا أنها مُقيدة بلفظ أَمَّا بَعْدُ، لأنها هي الواردة والمسموعة. [وَبَعْدُ] الواو نائبة عن أَمَّا النَّائبةِ عنْ مهما. وأصلُ التَّرْكيبِ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيءٍ. فأَمَّا حرف باتفاق ومَهْمَا اسم على الأصح. [وَبَعْدُ] أَي وبَعْدَ الحمدلةِ والبسملةِ فأَقول القَصْدُ .. ويجب وقوع الفاء في جواب أَمَّا قال ابن مالك: أَمَّا كَمَهْمَا يَكُ مِنْ شَيءٍ وَفَا ... لِتِلوِ تِلوِهَا وُجَوبًا أُلِفَا [وَبَعْدُ] من ظروف الغاية وهو ظرف مبهم لا يُفهَمُ معناه إلا بإضافته إلى غيره، وهو مبنيٌّ على الضَّمِّ لحذف المضاف إليه ونِيَّةِ معناه. [فَالقَصْدُ] الفاء واقعة في جواب الشَّرطِ. وهو مبتدأ. و [بِذَا المَنْظُومِ] [بِذَا] جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقوله: القَصْدُ. و [المَنْظُومِ] عطف بيانٍ أو بدل. و [تَسْهِيلُ] خبرُ المبتدأ٠ [فَالقَصْدُ] القَصْدُ مصدرٌ بمعنى المفعولِ أي فالمَقْصُودُ والمُرَادُ؛ لأنَّ القَصْدَ في اللغة: إِتْيَانُ الشَّيءِ، وبابُه ضَرَبَ. يقال: قَصَدَهُ، وقَصَدَ لَهُ، وقَصَدَ إِليهِ كله بمعنى واحد. [بِذَا المَنْظُومِ] [بِذَا] اسمُ إشارةٍ لمفردٍ مذَكَّرٍ، إشارةً إلى المترَتِبِ الحاضرِ في الذهن تَنْزِيلاً للمعدوم مَنْزِلةَ الموجودِ؛ إنْ كانت المقدِّمةُ متقدِّمةً على التَّصنيف وإلا فهي على بابها لأَنَّ الأصلَ في اسم الإشارة أَنْ يكون لأَمْرٍ مَحْسُوسٍ. [بِذَا المَنْظُومِ] أَي الكِتَابِ أَنَّه

стр. 19

مَنْظُومٌ، والنظم التأليف وهو ضم شيء إلى شيء آخر، والمراد به الكلام الموزون قصدًا، على بحر الرجز ضرب من الشعر وزنه مستفعلن ستُّ مرات، سمي بذلك لتقارب أجزائه وقلة حروفه، والقصيدة منه أرجوزة. [تَسْهِيلُ] مصدرُ سَهَّلَ يُسَهِّلُ تَسْهِيلاً ضِدُّ التَّعْسِيرِ وهو التَّيسِيرُ. [مَنْثُورِ] اسم مفعولٍ من نَثَرَ وهو ما يُقابل الشِّعْرَ. مَنْثُورِ أبي عبدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِِ مُحَمَّدِ بنِ دَاوُدَ الصِّنْهَاجِيِّ المعروفِ بـ[ابْنِ آجُرُّومِ] بضمِّ الجيم والرَّاء. قيل المرادُ به بلغة البَرْبَرِ: الفقيرُ الصُّوفِيُّ. [لِمَنْ أَرَادَ حِفْظَهُ] هذا تعليلٌ لقوله: [تَسْهِيلُ مَنْثُورِ ابْنِ آجُرُّومِ] وهو جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقوله تَسْهِيلُ لأنَّه مصدر. [لِمَنْ أَرَادَ حِفْظَهُ] يعني حِفْظَ المَنْثُورِ لِأنَّه لا عِلْمَ إِلَّا بِحِفْظٍ. لكن لما صَعُبَ وعَسُرَ أراد أَن يُسهِّله [لِمَنْ أَرَادَ حِفْظَهُ] أَي استِظْهَارَهُ عن ظهْرِ قَلْبٍ [وَعَسُرَا] الألف للإطلاق، وعَسُرَ من باب فَعُلَ ضِدُّ اليُسْرِ. [وَعَسُرَا عَلَيْهِ] أَي شق على الطالب الذي يريد حِفْظَ مَتْنِ ابنِ آجُرُّومِ [عَسُرَا عَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَ مَا قَدْ نُثِرَا] الألف للإطلاق و [مَا] اسم موصول بمعنى الذي و [أَنْ يَحْفَظَ] [أَنْ] مصدرية و [يَحْفَظَ] فعل مضارع منصوب بأَنْ، وأَنْ وما دخلت عليه في تأْويل مصدرٍ فاعلٍ لعَسُرَ فعْلٌ ماضٍ، والتقدير وعَسُرَ عليه حِفْظُ المَنْثُورِ. واللهَ أَسْتَعِينُ فِي كُلِّ عَمَلْ ... إِلَيْهِ قَصْدِي وَعَلَيْهِ المُتَّكَلْ [واللهَ] جلَّ وعلا [أَسْتَعِينُ] السين للطلب يعني أطلُبُ العون من اللهِ وحْدَهُ لا من غيره، ولذا قدَّم المفعول به لإفادةِ القَصْرِ

стр. 20

والحَصْرِ أَي أستعين اللهَ لا غيره. و [أَسْتَعِينُ] أصلها أَسٍتَعْوِنُ [فِي كُلِّ عَمَلْ] أَي في عملي كلِّه، من إضافةِ الصِّفةِ إلى الموصوفِ. سواءٌ كان ظاهرًا أو باطنًا. [إِلَيْهِ قَصْدِي] أَي قَصْدِي إِلَيهِ وقَصَدَ قَصْدَه نحا نحوه. قدَّم الجارَّ والمجرورَ لإفادةِ القَصْرِ والحَصْرِ أَي إليه لا إلى غيره. [قَصْدِي] مبتدأٌ مُؤخَّرٌ مرفوع، ورَفْعه ضمة مقدّرة على آخره- الذي هو الدَّال - منع من ظهورها اشتغال المحلِّ بحركة المناسبة. و [إِلَيْهِ] خبر مقدَّم. [وَعَلَيْهِ] جلَّ وعلا [المُتَّكَلْ] اتكل على فلان في أمره إذا اعتمده، مبتدأ مؤخَّر مرفوع، ورفعه ضمَّة مقدَّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحلِّ بسكون الوَقْف. [وَعَلَيْهِ] خبر مقدَّم.

стр. 21

بَابُ الكَلاَمِ إِنَّ الكَلاَمَ عِنْدَنَا فَلْتَسْتَمِعْ ... لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مُفِيدٌ قَدْ وُضِعْ أَقْسَامُهُ الَّتِي عَلَيْهَا يُبْنَى ... اِسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفُ مَعْنَى فَالاِسْمُ بِالخَفْضِ وَبِالتَّنْوِينِ أَوْ ... دُخُولِ أَلْ يُعْرَفُ فَاقْفُ مَا قَفَوا قال: [بَابُ الكَلاَمِ] بدأَ به الناظم لأَنَّه هو المقصودُ بالذَّات، وأيضًا لأَنَّه الذي يقع به التَّفاهم والتَّخاطب بين النَّاس. وبعض النحاة يبدأُ بحدِّ الكلمة، وهذا نظر إلى أحد أمرين: إمَّا لكون موضوع علْمِ النَّحو هو الكلماتُ العربيَّةُ من حيث الإعرابُ والبناءُ؛ فحينئذٍ بدأَ بما يُنَاسِبُ موضوع عِلْمِ النَّحو. وإمَّا لكون الكلامِ مُرَكَّباً من كلماتٍ فهو كُلٌّ مُرَكَّبٌ من أجزاءٍ والكلمةُ جُزْؤُهُ، ومعرفةُ الجزءِ مُقَدَّمَةٌ على معرفةِ الكُلِّ طَبْعًا فقُدِّمَ تعريفُ الكلمةِ على تعريف الكلام وَضْعًا لِيُوَاِفَق الوَضْعُ الطَّبْعَ. قال ﵀: [بَابُ الكَلاَمِ] هذه ترجمةٌ مُؤلَّفة من كلمتَينِ: (بَابُ) و (الكَلَامِ) وهما مُرَكَّبٌ إضافي. الكلمة الثانية منهما مجرورةٌ أبدًا؛ لأنَّها مضاف إليه، وكُلُّ مضافٍ إليه فهو مجرورٌ والعاملُ فيه هو المضافُ على الصَّحيح. وأمَّا الكلمة الأُولى وهي المضافُ فلا تَلْزَمُ حالةً واحدةً، وإنَّما تختلِفُ أحكامُها من رَفْعٍ ونَصْبٍ وجَرٍٍّ باختلاف العواملِ الدَّاخلةِ عليها، فحينئذٍ قد يكون المضافُ مرفوعًا إذَا دخل عليه عاملٌ يقتضِي الرفْعَ نحو: جاء غلامُ زَيدٍ. وقد يكون المضاف منصوبًا إِذَا دخلَ عليه

стр. 22

عاملٌ يقتضِي نصْبَه نحو: رَأَيتُ غلامَ زَيدٍ. وقد يكون المضافُ مجرورًا إِذَا دخل عليه عاملٌ يقتضِي الجرَّ نحو: مَرَرْتُ بغلامِ زَيدٍ. وهنا يرد إشكال وهو أنَّ بابُ الكلام مركبٌ إضافيٌّ، والمركب الإضافي كالكلمة الواحدة، ومعلوم أن الكلام لابد أن يكون مركبا من مسند ومسند إليه. وما عدا ذلك لا يصح أن يكون كلامًا. وإذا أفاد المركب الإضافي لوحده دون أن يلفظ بمسند أو مسند إليه كما هو في باب الكلام نقول: لابد من التقدير، فالتقدير في مثل هذا التركيب واجب؛ لأنه كلمة واحدة أو في قوة الكلمة الواحدة، ويشترط في الكلام الاصطلاحي أن يكون مؤلفًا من كلمتين فأكثر، والتلفظ بالكلمتين هو الأصل، وقد تحذف إحدى الكلمتين للعلم بها. [بَابُ الكَلاَمِ] حصلت الفائدة الكلامية بهذا التركيب. وإذا حصلت الفائدة الكلامية نقطع بكون الملفوظ به مركبًا لأن الفائدة التامة تستلزم التركيب، فعلمنا أن ثَمَّ مقدرًا لابد من تقديره فحينئذٍ نقول في مثل هذه التراكيب: الحذف جائز والتقدير واجب. وعلى هذا فنقول: يجوز في (باب) ثلاثة أوجه: الرفع، والنصب، والجر. فأما الرفع- وهو الأرجح مطلقًا- ففيه وجهان: إما أن يكون باب خبرَ مبتدأ محذوف تقديره: هذا باب الكلام، هذا: مبتدأ وباب: خبر وهو مضاف والكلام مضافٌ إليه. وإما أن يكون العكس، وهو كون باب مبتدأ خبره محذوف تقديره: باب الكلام هذا موضعه، باب مبتدأ أول, وهو مضاف والكلام مضاف إليه، وهذا موضعه، مبتدأ ثانٍ وخبره، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل

стр. 23

رفع خبر المبتدأ الأول. وأيهما أولى؟ نقول: الأولى أن يجعل خبرًا لمبتدأ محذوف؛ لأن المبتدأ محكوم عليه، والخبر محكوم به، والأصل فيه الجهل به، وما كان مجهولاً فالأصل فيه عدم جواز حذفه إلا إذا علم. ويجوز النصب بابَ الكلام أي أقرأ بابَ الكلام فهو مفعول به لفعل محذوف جوازا. ويجوز فيه الجر على مذهب الكوفيين أي انظر في بابِ الكلام فحذف حرف الجر وبقي عمله. وهو شاذ عند البصريين. [بَابُ الكَلاَمِ] البابُ في اللغة: المدخل للشيء وقيل: فرجة في ساتر يتوصل بها من داخل إلى خارج وعكسه. وهو حقيقة في الأجسام مجاز في المعاني. وأما في الاصطلاح فهو: ألفاظ مخصوصة دالة على معانٍ مخصوصة. وبَابُ الألف فيه منقلبة عن واو- الألف إذا كانت في ثلاثي لا تكون زائدة البتة. وإنما تكون منقلبة عن أصل نحو: قَوَلَ تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت الواو ألفًا. وباع أصله بَيَعَ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت الياء ألفًا- وباب ثلاثي إذًا الألف هذه لا تكون أصلاً بذاتها، وإنما هي منقلبة عن واو بدليل تصغيره على بويبٌ، وجمعه على أبواب قياسًا وعلى أبوبة وبيبان سماعًا؛ لأن القاعدة عند الصرفيين: أن التصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. [بَابُ الكَلاَمِ] بفتح الكاف. وهي مثلثة، ويقال: كُلام، وكِلام، لكن المعنى يختلف فالكُلام بالضم-وهو مفرد- اسم للأرض الصعبة الغليظة، يقال: هذه أرضٌ كُلامٌ. وبالكسر -وهو جمع-، كِلام جمعُ كَلْمٍ من باب نصر والمراد

стр. 24

به الجراحات، يقال: فلان به كِلامٌ أو قلبي به كِلامٌ يعني جراحات. ولذلك ذكر ابن يعيش في شرح المفصل أن الكلام سمي كلامًا لأنه يجرح القلب. جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لهَا الِتئَامُ ... وَلا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ [الكَلاَمِ] المشهور أنه اسم مصدر لكلَّم؛ لأن كلَّم يُكلِّم مصدره التكليم، فإذًا هو اسم مصدر. وقيل: هو مصدر سماعي. الكلام لغةً: القول وما كان مكتفيًا بنفسه. والقول: هو اللفظ الدال على معنى كرجل وفرس وزيد. واللفظ قسمان: مهمل ومستعمل، فاللفظ المستعمل هو القول. فهو أخص مطلقًا من اللفظ، لأن اللفظ جنس تحته قسمان: مهملٌ، وهو الذي لم تضعه العرب قالوا: كديز مقلوب زيد، ورفعج مقلوب جعفر، فهو مهمل من الإهمال وهو الترك أي متروك. فالقول خاصٌ بالمستعمل أو بالموضوع. وهذا قد وضعته العرب، وما لم تضعه يسمى لفظًا ولا يسمى قولاً. وما كان مكتفيًا بنفسه وما: اسم موصول بمعنى الذي يصدق على شيء أَيْ شيء اكتفى بنفسه في الدلالة على ما يدل عليه القول. فكل ما أفاد فائدة للناظر أو للقارئ دون ضميمة قولٍ إليها نقول: هذا أفاد فائدةً واكتفى بنفسه دون لفظ. وهذه خمسة أشياء -التي تفيد بنفسها دون لفظ-: الكتابة والإشارة والعقد والنصب ولسان الحال. فلو كُتب (زيدٌ قائم) فقرأت دون أن تتكلم. هل أفادك فائدة أو لا؟ لا شك أنه أفادك فائدةً. هل هو كلام أو لا؟ نقول: ليس بكلام، ولذلك تقرأ المجلد من أوله إلى آخره فتستفيد منه علمًا

стр. 25

فالكتاب قد أفادك لكنها دون لفظٍ. والإشارة، لوأشار لصاحبه آمرًا له بالجلوس - أشار بيده من علو إلى سفل- فالإشارة أفادت معنى للناظر إليها دون ضميمة لفظ إليها. والعقد قالوا: هذه طريقة عند العرب كانوا يعقدون الأصابع للدلالة على عدد معين، فإذا عقدت الأصابع بهيئة معينة أفادت الناظر لكن أفادته دون ضميمة لفظ. والنصب وهو جمع نصبة ما ينصب للدلالة على شيء كأعلام الأرض فلو دخل إنسانٌ مسجدًا ما، يريد أن يعرف أين القبلة فنظر إلى المحراب، فعرف اتجاه القبلة، فالمحراب أفاده فائدة وهي كون القبلة في هذا الاتجاه دون أن يتكلم أو يضم إلى ذلك لفظًا. ولسان الحال كأن ترى الرجل ووجهه فيه نوع يأس وحزن تعرف أنه حزين أو تراه سرير وقرير العين فتقول: هذا فرح، ما الذي دلك على أن هذا حزين وهذا فرح؟ تقول: بلسان حاله ومثله المسكين. فنقول هذه الأمور الخمسة اكتفت بنفسها في الدلالة على المعنى دون ضميمة لفظٍ إليها. فحينئذٍ تأخذ قاعدة عامة: كل ما دل على معنى لا يشترط فيه أن يكون لفظًا بل قد تؤخذ المعاني من الألفاظ ومن غيرها كالدوال الأربع التي ذكرناها. هذا هو حد الكلام في اللغة: القول وما كان مكتفيًا بنفسه، وأما الكلام عند النحاة فهو أخص مطلقًا من الكلام عند أهل اللغة قال ﵀: إِنَّ الكَلاَمَ عِنْدَنَا فَلْتَسْتَمِعْ ... لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مُفِيدٌ قَدْ وُضِعْ

стр. 26

[إِنَّ الكَلاَمَ عِنْدَنَا] معاشرالنحاة [عِنْدَ] مثلَّث العين عِنْدَ وعَنْدَ وعُنْدَ، والكسر أشهر. والأصل أنها ظرف زمان أو مكان، لكن في مثل هذا التركيب عند ليست بظرف زمان ولا مكان، لأنه يتكلم بلسان النحاة ولذلك قال: [عِنْدَنَا] يعني معاشر النحاة؛ لأن الكلام يختلف باختلاف الفنون، فالكلام له معنى عند الأصوليين، وله معنى عند المتكلمين، وله معنى عند المناطقة، وله معنى عند الفقهاء، كل فن إذا أطلق الكلام عندهم انصرف إلى ما اصطلح عليه بينهم، وليس المراد به الذي اصطلح عليه النحاة. ولذلك يقال الاصطلاح، والكلام في الاصطلاح: بمعنى الحقيقة العرفية التي تكون عند أرباب ذلك الفن، ولذلك نقول: كلمة الاصطلاح تتكرر معنا كثيرًا في سائر الفنون ولابد أن يضبطها طالب العلم ويعرف ما المراد بهذه الكلمة إذا أطلقها النحاة أو الفقهاء أو غيرهم لذلك نقول الاصطلاح أصله: اصتلح قلبت الفاء طاءًا لأنه من باب افتعل كما هو معلوم عند الصرفيين، والاصطلاح في اللغة الاتفاق يقال: اصطلح زيدٌ وعمرٌو إذا اتفقا. والاصطلاح في الاصطلاح يعني عند أرباب الحقائق العرفية: اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص بينهم متى أُطلق انصرف إليه. اتفاق طائفة مخصوصة سواءٌ كانوا نحاة أو أصوليين أو مناطقة أو مهندسين أو أطباء قل ما شئت، اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص بينهم متى أطلق انصرف إليه، فمثلاً الفاعل عند النحاة له معنى خاص بهم، إذا أطلق لفظ الفاعل انصرف إلى المعنى الخاص الذي هو عند النحاة

стр. 27

ولا ينصرف إلى الفاعل الذي هو عند أهل اللغة فإذا قال النحوي: هذا فاعل فليس المراد به من أحدث الفعل، بل المراد به الاسم المرفوع المذكور بعد الفعل. [عِنْدَنَا] لأنه يتكلم عن نفسه وعن غيره وهذا هو الأظهر. أو أنها دالة على التعظيم، ولذلك ذُكر في قول ابن مالك ﵀: (كلامنا) أن ابن مالك ﵀ بلغ درجة الاجتهاد فعبر عن نفسه بـ (نَا) الدالة على التعظيم. هنا قال [إِنَّ الكَلاَمَ عِنْدَنَا] في مثل هذا التركيب نفسر عند بمعنى حُكم كأنه قال: [إِنَّ الكَلاَمَ عِنْدَنَا] أي في حكمنا معاشر النحاة، لأنه لا يمكن حمل عند هنا على الظرفية الزمانية ولا المكانية. ولذلك يقال: زيد عندي أفضل من عمرو. يعني في حكمي وليست الظرفية هنا مرادة لا الزمانية ولا المكانية، يقال: عندي كذا، فيقال: ولك عندٌ استُعمل غير ظرف، ويراد به القلب والمعقول. قوله: [فَلْتَسْتَمِعْ] الفاء عاطفة، وتستمع فعل مضارع مقرون بلام الأمر، وهو مجزوم بها، والجملة لا محل لها من الإعراب معترضة. [إِنَّ] حرف توكيد ونصب و [الكَلاَمَ] اسم إن، وخبرها [لَفْظٌ] أي إن الكلام لفظٌ عندنا أي في حكمنا [فَلْتَسْتَمِعْ] له، ذكر هنا أن تعريف الكلام عند النحاة لابد أن يكون مشتملاً على أربعة أركان: الأول: أن يكون لفظًا. الثاني: أن يكون مركبًا. الثالث: أن يكون مفيدًا. الرابع: أن يكون موضوعًا بالوضع العربي. الركن الأول: لابد أن يكون لفظًا أي ملفوظًا به، فإذا لم يكن لفظًا لا يكون كلامًا نحويًا فقوله: لفظٌ أخرج خمسة أشياء: وهي

стр. 28

الكتابة والإشارة والعقد والنصب ولسان الحال. هذه لا تسمى كلامًا عند النحاة لفقد الركن الأول وهو كونها ليست بلفظٍ. ولا يسمى الكلام كلامًا عند النحاة إلا إذا كان ملفوظًا به فالمقروء الذي تقرأه لا يسمى كلامًا عند النحاة وإن أفاد فائدة تامة. الركن الثاني: كونه مركبًا يعني مركبًا من كلمتين فأكثر حقيقة أو حكمًا. فنحو: زيد قائم وقام زيد، مركب من كلمتين. ونحو: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون:١) و ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (النساء:٢٣) مركب من أكثر من كلمتين. وقولهم: حقيقة أو حكمًا، حقيقة بأن يلفظ بالكلمتين معًا كأن تقول: زيد قائمٌ. تلفظت بالكلمتين معًا. وحكما بأن تلفظ بإحدى الكلمتين دون الأخرى نحو: كيف زيدٌ؟ تقول: مريضٌ؟ فمريضٌ خبر لمبتدأ محذوف. فلم يُلفظ بالكلمتين، مع كونه مركبًا والملفوظ به كلمة واحدة، وقد دلت على المحذوف. فإذا لم يكن مركبًا انتفى التركيب فلا يسمى كلامًا، نحو: غلام زيدٍ، أو زيد، أوقام. الركن الثالث: أن يكون مفيدًا. والمقصود بالإفادة هنا أن يحسن السكوت عليه من المتكلم بحيث لا يصير السامع منتظرا لشيءٍ آخر. لو قال له: قد قام زيدٌ حصلت الفائدة التامة، فيحسن السكوت عليه من المتكلم لوجود التركيب الإسنادي، لكن لو قال: إن قام زيدٌ ... لم تحصل الفائدة التامة، فحينئذٍ لا يسمى كلامًا لأن السامع صار منتظرًا لشيء آخر، فلم تحصل الفائدة التامة فإذا لم

стр. 29

تحصل حينئذٍ انتفى حد الكلام فلا يصير كلامًا في عرف النحاة. الركن الرابع: وهو ما أشار إليه بقوله: [قَدْ وُضِعْ] وهنا اختُلف في تفسير الوضع هل المراد به القصد أو الوضع العربي؟ الأصح أن المراد به الوضع العربي. وهو جعل اللفظ دليلاً على المعنى- هذا في المفردات- فأخرج كل لفظٍ ليس بعربي كلغة البربر والإنجليز والفرنسي ونحوها فهذه لا تسمى كلامًا في اصطلاح النحاة مع كونها لفظًا مركبًا مفيدًا ولكنها ليست موضوعةً بالوضع العربي. ودخل بهذا القيد كلام النائم والناسي والساهي والمجنون ومن جرى على لسانه ما لا يقصده لأنهم تكلموا بكلامٍ عربي. إذا تلفظ النائم فأتى بكلام مركب من جملة اسمية أو جملة فعلية. نقول: هو لفظٌ مركب مفيدٌ وموضوع بالوضع العربي لكنه ليس مقصودًا لأنه نائم مرفوع عنه التكليف فحينئذٍ نحكم على كلامه بأنه توفرت فيه القيود الأربعة التي وضعها النحاة. أما من فسر الوضع بالقصد قال: كلام النائم والساهي ونحوه لا يسمى كلامًا لاشتراط القصد في الكلام فلابد أن يكون مقصودًا من جهة المتكلم أي إرادة المتكلم إفادة السامع، لابد أن ينوي في قلبه أنه أراد إفادة السامع. والنائم إذا قام فتكلم لم يرد إفادة السامع، فمن فسر الوضع بأنه القصد أخرج كلام النائم والمجنون والساهي ومن جرى على لسانه ما لا يقصده، ودخل معه كلام البربر والتكرور والفرنسي والإنجليزي ونحوه فيسمى كلامًا في اصطلاح النحاة ولو لم يكن موضوعًا بالوضع العربي، لكن الأصح أنه يفسر بالوضع العربي. هذه قيودٌ

стр. 30

أربعة من باب الاختصار ونرجع إلى المتن نفصله من جهة اللغة والاصطلاح، قال ﵀: إِنَّ الكَلاَمَ عِنْدَنَا فَلْتَسْتَمِعْ ... لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مُفِيدٌ قَدْ وُضِعْ [إِنَّ] حرف توكيد ونصب. والأصل في الكلام أنه لا يؤكد إلا لمترددٍ أو منكر، أما خالي الذهن فلا يؤكد له؛ لأن المخاطب عند العرب لا يخلوا من ثلاثة أحوال: الأول: أن يكون خالي الذهن من الحكم، كمن لا يعرف أنَّ (زيد مسافر) فتقول له: سافر زيدٌ تخبره بالخبر فقط فيحصل العلم بفائدة الخبر. هذا لا يجوز تأكيده عند البيانين إلا إذا نزل منزلة المتردد أو المنكر. الثاني: أن يكون مترددًا, عنده علم بالخبر لكنه شاك، زيد سافر أو لم يسافر، سمع كلامًا نحو هذا لكنه غير متأكد فيقال له: إن زيدًا مسافر، يؤتى بتوكيد لأنه متردد في النسبة. الثالث: أن يكون منكرًا للخبر، فتقول: والله إن زيدًا لمسافر، فعنده علم بالخبر؛ ولكنه منكر له فيقول: زيدٌ ليس بمسافر فحينئذٍ يجب تأكيده بمؤكد أو مؤكدين فأكثر على حسب الإنكار. وأما الطالب المبتدئ الذي يقرأ الآجرومية فليس عنده تردد ولا إنكار فلا يحتاج إلى أن يؤكد له الكلام قال في عقود الجمان: فَإِنْ تُخَاطِبْ خَالِيَ الذِّهْنِ مِنِ ... حُكْمٍ وَمِنْ تَرَدُّدٍ فَلْتَغْتَنِي عَنِ المُؤَكِّدَاتِ ........... ... ......................

стр. 31

ولذلك أرى أن هذا الكلام فيه حشوٌ من جهة إدخال إنَّ على الجملة فلو قال: حدُّ الكلام عندنا فلتستمع، لسلم من الاعتراض. [الكَلاَمَ] أل للحقيقة وهي التي تدخل على المعرفات، [عِنْدَنَا] متعلق بمحذوف حال من اسم إنَّ، [لَفْظٌ] خبر إنَّ، وهو من جهة اللفظ مصدر، وليس المراد به المعنى المصدري - التلفظ - بل هو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول أي الملفوظ به. وهذا مجاز مرسلٌ عند البيانيين، ومنه ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ (لقمان:١١) أي مخلوقات الله. واللفظ له معنيان: معنى لغوي ومعنى اصطلاحي. أما معناه في اللغة فهو: الطرح والرمي. يقال: أكلت التمرة ولفظت نواها بمعنى طرحتها ورميتها. أما في الاصطلاح فالمشهور عند النحاة أنه الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية التي أولها الألف وآخرها الياء مهملاً كان أو مستعملاً. قوله: (الصوت) اللفظ لابد أن يكون صوتًا. فإذا لم يكن صوتًا لا يقال إنه لفظ. إذًا أُخذ الصوت جنسًا في حد اللفظ، وعليه فكل لفظٍ صوت ولا عكس؛ لأن العلاقة بين جنس الحد والمحدود العموم والخصوص المطلق. وحقيقة الصوت: هو صفة مسموعة أو عرض مسموع. فكل ما يدرك بالسمع فهو صوت. ثم هذا الصوت قد يكون خارجًا من الفم، وقد يكون من غير الفم. وما كان خارجًا من الفم إما أن يكون مشتملاً على حرفٍ، وإما أن لا يكون مشتملاً على حرفٍ, والذي معنا ويسمى لفظًا هو الصوت المشتمل على بعض الحروف. حينئذٍ نقول: أخرج الصوت الذي لم يشتمل على بعض الحروف كما لو

стр. 32

حرك الإنسان بين أضراسه وظهر صوت غير مشتمل على بعض الحروف فلا يسمى لفظًا، لأنه وإن كان صوتًا فليس مشتملاً على بعض الحروف، فليس كل صوت خرج من الفم فهو لفظٌ بل لابد أن يكون مقيدًا بكونه مشتملاً على بعض الحروف الهجائية، والصوت الذي يخرج من الفم وليس معه حرف يسميه النحاة الصوت الساذَج الذي ليس معه حرف. المشتمل على بعض الحروف: على بعض: لأنه لا يمكن أن يوجد لفظ مشتمل على كل الحروف بل لابد وأن يكون مشتملاً على بعضها، ويتعذر أن يوجد لفظ قد اشتمل على الحروف كلها, والحروف الهجائية: نسبة إلى الهجاء وهو التقطيع، وهي إنما أخذت من الكلمات بتقطيعها, فإذا قيل: قطِّع كلمة زيد فقل: زَهْ، يهْ، دهْ بهاء السكت، ولا تقول: الزاي والياء والدال، هذا غلط لأنها أسماء للحروف، وإنما تقول: زه، يه، ده، لأنه هو الذي أُلِّف منها كلمة زيد،،فزه حرف هجاء واسمه الزاي، ويه حرف هجاء واسمه الياء، وده حرف هجاء واسمه الدال، أُلِّف من هذه الحروف الثلاثة كلمة زيد. (مهملاً كان أو مستعملاً) قسم لك اللفظ إلى قسمين: القسم الأول: اللفظ المهمل مأخوذ من الإهمال وهو الترك والهجر، وهو الذي لم تضعه العرب. كديز مقلوب زيد، ورفعج مقلوب جعفر. القسم الثاني: المستعمل، وهو ما وضعته العرب كزيد وجعفر. إذًا اللفظ جنس-وهو ما عمَّ شيئين فصاعدًا- فيشمل النوعين:

стр. 33

المهمل والمستعمل. وسبق أن اللفظ أخرج به خمسة أشياء الكتابة والإشارة والنصب والعقد ولسان الحال. وأدخل المهمل والمستعمل. فهو للإدخال والإخراج. [مُرَكَّبٌ] هذا نعت للفظ، على صيغة اسم المفعول وزنه مُفَعَّل، وهو مشتق من التركيب وهو في اللغة: وضع شيء على شيء مطلقًا سواء كان على جهة الثبوت أو لا, وسواء كان بينهما مناسبة أو لا. فالتركيب أعم من البناء، وأعم من التأليف، فكل بناء تركيب ولا عكس؛ لاشتراط الثبوت في البناء. وكل تأليف تركيب ولا عكس؛ لاشتراط المناسبة في التأليف. وبعض النحاة يشترط المناسبة بين المسند والمسند إليه ولذلك قال ابن مالك: (باب الكلام وما يتألف منه) ولم يقل وما يتركب منه، لأنه إذا لم تكن مناسبة -وهي إمكان إيقاع المسند من المسند إليه- فحينئذٍ ينتفي الكلام ولو وجد المسند والمسند إليه, فنحو: قام زيدٌ هذا مركب ومؤلف لأن القيام صفة، وزيد موصوف؛ فيمكن أن يقوم القيام بزيد إذًا ثمَّ مناسبة بين الفعل والفاعل. لكن لو قلت قام الجدار أو طار الجدار أو مات الجدار أو سافر السقف، مركب من فعل وفاعل. هل هو كلام أو لا؟ على مذهب ابن مالك ليس بكلام لأنه وإن وجد المسند والمسند إليه إلا أنه ليس بينهما مناسبة، فلا يمكن أن يطير الجدار. وإذا كنا ظاهرية وأسندنا المسند والمسند إليه وقلنا الجملة فعلية مركبة من فعل وفاعل فهو كلام.

стр. 34

وأما المركب اصطلاحا: فهوما تركب من كلمتين فأكثر حقيقة أو حكمًا. وسبق بيان هذا الحد. [لَفْظٌ مُرَكَّبٌ] إذًا قيَّدنا اللفظ بأنه مركب، فأخرج من اللفظ أمرين: المفرد والأعداد المسرودة، فالمفرد كزيد وهو لفظٌ؛ لكنه ليس بكلام، والأعداد المسرودة كواحد اثنين ثلاثة أربعة، هذه وإن أفادت إلا أنها ليست بكلام لانتفاء التركيب إذًا [لَفْظٌ] أخرج خمسة أشياء [مُرَكَّبٌ] أخرج شيئين اثنين لا ثالث لهما وهما المفرد والأعداد المسرودة. [مُفِيدٌ] نعت لمركب، على صيغة اسم الفاعل أصله مُفْيِد وزنه مُفْعِل من أفاد الرباعي مثل أكرم يكرم فهو مكرم، استثقلت الكسرة على الياء فنقلت إلى ما قبلها وهذا يسمى إعلالاً بالنقل فصار مُفِيد- بإسكان الياء وكسر الفاء-. والفائدة لغةً: ما استفيد من خيرٍ أو مالٍ أو جاهٍ. واصطلاحا: ما أفاد فائدةً -التنوين هنا للكمال يعني فائدة تامة- يحسن السكوت عليها من المتكلم. وهذا الأصح وهو أن السكوت من المتكلم. وقيل: من السامع. وقيل: من السامع والمتكلم معا. فائدةً يحسن السكوت عليها وهذا إنما يحصل عند النحاة بوجود الفعل وفاعله، أو المبتدأ والخبر. إذا وجد المبتدأ والخبر مثلا نقول: حصلت الفائدة الكلامية، فهو مفيد فائدة تامة. لأن السامع إذا سمع هذا التركيب زيد قائم، استفاد منه فائدة يحسن السكوت عليها بحيث لا ينتظر شيئًا آخر انتظارًا تامًا [مُفِيدٌ] أخرج أربعة أشياء: المركب الإضافي كغلام زيد. والمركب المزجي كبعلبك وحضرموت. والمركب

стр. 35

التوصيفي- التقييدي- الذي هو الموصوف وصفته جاء زيد العالم، زيدٌ العالم صفة وموصوف، هذا يسمى مركبًا تقييديًا. والمركب الإسنادي الذي لم يفد فائدة تامة. والمركب الإسنادي من حيث هو ثلاثة أقسام: الأول: مركب إسنادي مسمى به، كالجملة الفعلية قد يسمي الشخص ولده بجملة فعلية مثل: شاب قرناها، وتأبط شرًّا، فتأبط شرًّا هذا اسم رجل تقول جاء تأبط شرًّا، ورأيت تأبط شرًّا، ومررت بتأبط شرًّا، هذا مفرد كما تقول: جاء زيد، ورأيت زيدًا، ومررت بزيدٍ. وهو مركب إسنادي باعتبار الأصل لأنه فعل وفاعل ومفعول به، تأبط فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، وشرًّا مفعول به. فنقل التركيب الذي هو الجملة الفعلية وصار علمًا على شخصٍ بعينه فصار مفردًا حينئذٍ يعامل معاملة المفرد. الثاني: المركب الإسنادي غير التام نحو: إن قام زيدٌ ... هذا مركب إسنادي لكنه لم تحصل به الفائدة التامة. الثالث: المركب الإسنادي المفيد فائدةً تامة. فقوله [مُفِيدٌ] أخرج المركبات بأنواعها ماعدا المركب الإسنادي المفيد فائدة تامة. ودخل فيه ما علم ثبوته أو نفيه للسامع نحو: الضدان لا يجتمعان، والسماء فوقنا، والأرض تحتنا. [قَدْ وُضِعْ] المراد به الوضع، وهو مصدر أريد به اسم المفعول كاللفظ بمعنى الملفوظ كذلك الوضع بمعنى الموضوع. الوضع لغة: الولادة يقال: وضعت المرأة إذا ولدت. ويأتي بمعنى الإسقاط والحط يقال: وضعت عن زيد الدين بمعنى أسقطته وحططته. وأما في

стр. 36

الاصطلاح فهو إما أن يفسر بالقصد، وهو قول مرجوح. وإما أن يفسر بالوضع العربي وهو الأرجح. إذًا عرفنا حد الكلام وأنه [لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مُفِيدٌ قَدْ وُضِعْ] ما اشتمل على الأربعة الأركان إن انتفى واحدٌ منها انتفى الكلام، وإن انتفت الأربعة فمن باب أولى وأحرى. ثم قال: أَقْسَامُهُ الَّتِي عَلَيْهَا يُبْنَى ... اِسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفُ مَعْنَى [أَقْسَامُهُ] الضمير يعود على الكلام، أي أقسام الكلام، فأراد أن يقسم لنا الكلام لأنه ذكر أنه مركب، فحينئذٍ لابد أن يتركب من أجزاء، فيأتي السؤال ممَّ يتركب الكلام؟ قال: [أَقْسَامُهُ] وهذا يسمى استئنافًا بيانيًا، وهو ما وقع في جواب سؤال مقدر، كأن سائلاً قال له: ما هي الأجزاء التي يتركب منها الكلام؟ لأنك أخذت التركيب قيدًا في حد الكلام فقال: [أَقْسَامُهُ الَّتِي عَلَيْهَا يُبْنَى] بمعنى التي يتألف منها الكلام، من مجموعها لا من جميعها ثلاثة وقوله: [الَّتِي عَلَيْهَا يُبْنَى] احترز به من نوعه الذي إليه ينقسم، [اِسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفُ مَعْنَى] ودليل هذا التقسيم الاستقراء والتتبع، يعني نظر النحاة في كلام العرب فوجدوا أنه لا يخلو عن ثلاثة أحوال: إما أن يكون اسمًا، وإما أن يكون فعلاً، وإما أن يكون حرفًا. وذكر بعضهم دليلاً نقليًا عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال لما شكى له أبو الأسود الدؤلي العجمة قال له: انحُ لهم نحوًا واقسم

стр. 37

الكلام ثلاثة أشياء: اسمًا وفعلاً وحرفًا جاء لمعنى ذكره السيوطي في الأشباه والنظائر. ومن الأدلة التي يثبت بها هذا التقسيم النظر بأن يقال: الكلمة إما أن تدل على معنى في نفسها أولا، الثاني: الحرف. والأول: إما أن يقترن بزمن أولا، الثاني: الاسم. والأول: الفعل. وثمَّ إشكال إذا قيل: [أَقْسَامُهُ] الضمير هنا يعود على الكلام، والاسم والفعل والحرف هل هي أقسام للكلام أو أقسام للكلمة؟ نقول: الثاني، هي أقسام للكلمة. ولكن أحسن ما يحمل عليه اللفظ أن ثَمَّ مضافًا محذوفًا [أَقْسَامُهُ] أي أقسام أجزاء الكلام، لأن الكلام له أجزاء، وهذه الأجزاء هي الكلمات، فأقسام الأجزاء التي يتألف الكلام من مجموعها يعني من بعضها لا من جميعها ثلاثة [اِسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفُ مَعْنَى] وثم هنا بمعنى الواو؛ لأنه لا معنى للتراخي مع تساوي الأقسام، لأن الأقسام باعتبار المقسوم شيء واحد. [حَرْفُ مَعْنَى] أي وضع ليدل على معنى، والمعنى هو ما يقصد من الشيء. قال كثير من الشراح أن الحرف هنا قُيِّد بالمعنى احترازًا عن حرف المبنى؛ لأن الحرف نوعان: حرف مبنى، وحرف معنى.- حروف معاني، وحروف مباني- حروف المباني: هي التي تتركب منها الكلمة- أجزاء الكلمة كزه، يه، ده- زه يسمى حرف مبنى لأنه لا يدل على معنى وليس قسيمًا للاسم ولا للفعل. النوع الثاني: حروف المعاني وهي ما كان كلمة مستقلة بذاته وله معنى، لكنه ليس بذاته وإنما يفيد معنى إذا ضم إلى غيره من اسم أو فعل. والمراد هنا الذي جُعل قسيمًا للاسم والفعل هو حرف المعنى. والأصح أن

стр. 38

يقال: هذا القيد لبيان الواقع لا للاحتراز عن حروف المباني لأن الذي يصح أن يكون جزءًا للكلام هو حرف المعنى لا حرف المبنى، لمَّا قال: [أَقْسَامُهُ] يعني أقسام أجزائه خرج حرف المبنى ولم يدخل معنا حتى نحتاج إلى الاحتراز عنه. [اِسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفُ مَعْنَى] اسم وما عطف عليه خبر المبتدأ أقسام، وقدم الاسم هنا لأنه مقدم على الفعل بالاتفاق قالوا: لأن الكلام لابد له من إسناد-وهو نسبة حكم إلى اسمٍ إيجابًا أو سلبًا- والمراد بالحكم هنا في اصطلاح النحاة: الفعل، والخبر، فهو محصورٌ في شيئين لا ثالث لهما. فالفعل محكوم به فنحو: قام زيد زيدٌ محكوم عليه بثبوت القيام في الزمن الماضي وهو فاعل وقام محكوم به. وزيد قائم زيدٌ محكوم عليه وهو مبتدأ، وقائم محكوم به وهو خبر. إذًا نسبة حكم، أي الفعل والخبر، إلى اسم أي المبتدأ والفاعل ونائبه. إذا كان الإسناد بهذا المعنى فلابد له من مسند ومسند إليه،، المسند إليه هو المحكوم عليه، والمسند هو المحكوم به، المسند إليه هو المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل، والمسند هو الخبر والفعل. هذا الإسناد قد يحصل من نوع الاسم يعني قد يكون المسند إليه والمسند في نفس التركيب قد يكونا اسمين. إذًا حصل الكلام من نوع واحد، وهو الاسم نحو: زيد قائم، زيدٌ محكوم عليه، مسند إليه، وهو اسم، وقائم محكوم به، مسند وهو اسم. إذًا حصل الكلام من النوع الأول وهو الاسم، لذلك علا وارتفع عن الفعل؛ لأن الفعل لا يكون مسندًا إليه أبدًا. وإنما يكون مسندًا محكومًا به فقط،

стр. 39

إذًا نقص الفعل درجةً عن الاسم، وعلا الاسمُ درجةً على الفعل؛ لوقوعه مسندًا ومسندًا إليه فعلا وارتفع على أخويه الفعل والحرف. ولكون الفعل بقي له ركنٌ من ركني الإسناد، وهو كونه مسندًا أُعطي الدرجة الثانية، وأما الحرف فلا يكون مسندًا ولا مسندًا إليه. إذًا الكلام يتألف من اسمين، وكذلك من اسم وفعل، وهو أقل ما يتألف منه الكلام؛ لأنه بالإجماع لا يتألف الكلام من فعلين. ولا يتألف من حرفين. لماذا لا يتألف من فعلين؟ لأن الكلام لابد أن يكون فيه إسناد، والإسناد لابد فيه من مسند ومسند إليه، والفعل لا يكون مسندًا إليه. فلا يصح أن يقال: جاء قال! لأن (جاء) صفة في المعنى، ولذلك نص النحاة على أن الأفعال كلها الماضي والمضارع والأمر هي أوصاف في المعنى فإذا قلت: جاء زيدٌ. فقد وصفت زيدًا بالمجيء. وقام زيدٌ وصفت زيدًا بالقيام. وإذا كانت الأفعال صفاتٍ في المعنى فلابد من موصوفٍ، وأين الموصوف إذا قيل: جاء قام! فليس عندنا موصوف. فحينئذٍ لا يتألف الكلام من فعلين. ولا من حرفين من بابٍ أولى لأن الحرف لا يكون مسندًا ولا مسندًا إليه. لكن هل يتألف من حرف واسم، أو من حرف وفعلٍ؟ هذا فيه نزاع، ذهب أبو علي الفارسي إلى أنه يتألف من حرف واسم، وحصره في باب النداء نحو: يا زيد، قال: فقد حصلت الفائدة التامة وهي مستلزمة لصحة التركيب. والصحيح أنه ليس مؤلفا من حرف واسم؛ بل هذا التركيب فرع وليس بأصل؛ لأن أصل قولك: يا زيدُ أدعو زيدًا، والدليل على

стр. 40

ذلك أن زيدُ لو نُعت لجاز فيه النصب إتباعا للمحل. ثم نقول: هو مبني في محل نصب من أين ثبت له هذا المحل؟ لابد وأن يكون ثَمَّ عامل يعمل النصب في محل زيد، ويا حرف نداء لا تعمل النصب، والحاصل: أن هذا التركيب فرع وليس بأصل. كذلك لا يصح أن يتألف من حرف وفعلٍ خلافًا للشلوبين لأنه ذهب إلى أنَّ نحو: ما قام، مؤلف من حرف وفعلٍ، والضمير المستتر في الفعل لا يعد كلمة. والأصح أنه يُعد كلامًا فنحو: ما قام الأصل أن يعتبر الضمير المستتر أنه كلمة مستقلة بذاتها، فحينئذٍ نقول: ما حرف نفي، وقام فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو على حسب ما يعود إليه في الكلام. قال في نظم الورقات مشيرا إلى هذين المذهبين: أَقَلُّ مَا مِنْهُ الكَلَامَ رَكَّبُوا ... اسْمَانِ أَوِ اسْمٌ وَفِعْلٌ كَارْكَبُوا كَذَاكَ مِنْ فِعْلٍ وَحَرْفٍ وُجِدَا ... وَجَاءَ مِنْ إِسْمٍ وَحَرْفٍ فِي النِّدَا قوله: [اِسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفُ مَعْنَى] نأخذ منه أن أقل ما يتألف منه الكلام اسمان أو اسم وفعلٌ، ولا ينحصر الكلام في هذين النوعين، بل قد يتألف من أكثر، وابن هشام أوصلها إلى سبعٍ في شرح قطر الندى. ثم شرع-الناظم- في بيان حقيقة كل واحدٍ من هذه الأنواع الثلاثة، لأن الاسم والفعل والحرف هذه تشترك في كونها أنواعًا للكلمة، وهي قول مفرد. وتنقسم إلى اسم وفعلٍ وحرفٍ، وتمييز بعضها عن بعض يكون من جهتين: إما من جهة الحد، وإما من جهة
следующие страницы →