← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36087

فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (649 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

معناه في ذلك الفن إن كان له معنى عام بل وفي جميع الفنون، وإن كان له معنى خاص في باب مُعَيَّن يحمل على المعنى الخاص الذي اندرج تحت ذلك الباب، وهنا المفرد يتنوع عند النحاة باختلاف الأبواب، فهو في باب الإعراب له معنى خاص، وفي باب المثنى والجمع له معنى خاص، وفي باب الإضافة له معنى خاص، وهنا في باب المنادى المفرد هو عين المفرد في باب لا النافية للجنس وهو ما ليس مضافاً ولا شبيهاً بالمضاف. فالمضاف كقولك: غلام زيد، وسيأتينا أن الإضافة نسبة تقييدية توجب جرَّ الثاني منهما أبدا. وزيدٌ علما ليس بمضاف، غلامٌ ليس بمضاف، والزيدان ليس بمضاف، والزيدون ليس بمضاف، ورجال ليس بمضاف، إذًا دخل تحت قولنا: ما ليس مضافاً: المفرد، والمثنى، والجمع بأنواعه، سواء كان جمع تكسير، أو جمع تصحيح لمذكر أو لمؤنث. ولا شبيها بالمضاف: يعني ما أشبه المضاف وهو ما اتصل به شيء من تمام معناه: أن يكون عاملاً في اللفظ، يعني لا يتم معناه إلا بذكر ذلك المتعلِّق، نحو: يا طالعًا جبلاً، يا حرف نداء، وطالعًا اسم فاعل، منصوب لأنه منادى، وهو مفعول به في الأصل إذ أصله أدعو طالعًا جبلاً، واسم الفاعل يعمل فيما بعده، وهنا اعتمد على النداء فقد سبَقه حرف ندا فحينئذٍ يعمل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، أي طالعًا هو، وجبلاً مفعول به، نقول: جبلاً تعلَّق بقوله: طالعاً، لو نظرت في حد الشبيه بالمضاف: ما تعلق به شيءٌ من تمام معناه، يعني لا يتم المعنى إلا بذكره، فإذا قيل: يا طالعًا، طالعاً ماذا؟ لا يتم المعنى هنا، وليس

стр. 597

كقولك: يا طالعَ جَبَلٍ مضاف ومضاف إليه، وإنما هو منفصل عن المضاف إليه بالتنوين تقول: يا طالعاً ... يحتمل معانٍ فإذا قلت: طالعًا جبلاً تَمَّ المعنى، حينئذ صار جبلاً معمولا لطالعًا شبيها بالمضاف، لأنه لو حُذف التنوين وأضيف لصار مضافًا، فتقول: يا طالعَ جبلٍ صار من القسم الأول، ومثله يا ضاربًا زيداً، يا ضاربَ زيدٍ فلو حذف التنوين صار مضافًا، لذلك هو شبيه بالمضاف لأنه منفصل، وإلا لو نظرنا إلى المضاف نفسه نحو: غلامُ زيدٍ، هذا مضاف ومضاف إليه أيضًا المضاف تعلق به شيء من تمام معناه، فغلام لا يتم معناه إلا بكلمة زيد، إذًا تعلق به شيء من تمام معناه، لكن مرادهم هنا أن يكون ثَمَّ انفصال بين الكلمتين، والانفصال هنا حاصل بالتنوين، لأن التنوين يدل على كمال الكلمة وانفصالها عما بعدها، فإذا قيل: يا طالعًا، لا يمكن أن يكون ثَمَّ مضاف ومضاف إليه لأن التنوين قد وُجِدَ في آخر الكلمة الأولى، ومعلوم أنه إذا أضيف اسم إلى اسم وَجَب حذف التنوين من المضاف كما قال ابن مالك: نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا ... مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَطُورِ سِينَا فحينئذٍ يجب حذف التنوين؛ لأنه يدل على كمال الكلمة، وهنا غلام زيد نقول: زيد المضاف إليه تعلق بغلام المضاف، وهو شيء تَمَّم معنى المضاف، لأن المضاف لا يتم معناه إلا بالمضاف إليه، فحينئذٍ ما الفرق بين المضاف والشبيه بالمضاف؟ نقول: الفرق بينهما أن الجزء الأول من الشبيه بالمضاف يكون منفصلاً تامَّ الانفصال

стр. 598

عن الثاني من جهة اللفظ، وهو لُحوق التنوين به الذي يدل على الانفصال، وإلا لو نظرت إلى الحد: ما اتصل به شيء من تمام معناه. فهو ينطبق على النوعين. إذًا المفرد: ما ليس مضافاً ولا شبيها به. قال: [العَلَمُ] هذا نعت للمفرد، فحينئذٍ يختص هذا النوع الأول من الأنواع الخمسة بالأعلام، فيشمل: زيد، والزيدَان، والزيدون، والهندات، لأنه مفرد في هذا المقام. وإن خصَّ بعض النحاة - كالصبان وغيره -المفرد العلم هنا بزيد فقط، وأما الزيدان والزيدون فيدرجان في النكرة المقصودة، لأنه يقال: يا زيدان، ويا زيدون، فيا زيدان تثنية زيد، وزيد وهو علم إذا ثُنِّيَ وجب سلب العلمية عنه، فوجب تنكيره، لأنه لا يصح تثنية المعرفة، إذًا تُثنى النكرات، والمعارف لا تثنى، حينئذٍ إذا أردت تثنيةَ زيدٍ، أوجمعَ زيدٍ فلا بُدَّ أوَّلاً من سلبه العلمية، فتقدر في نفسك الشيوع وهو معنى النكرة، ثم بعد ذلك تُلحق به ألف الاثنين، أو واو الجماعة فتقول: زيدان، ولذلك صح دخول أل عليه، لأنه يرد أنَّ زيدًا لا يصح دخول أل عليه لأن المعرفة لا تُعرَّف، فلا يصح أن يقال: الزَّيدْ، ونقول: الزيدان، والزيدون، دخلت أل على المثنى وعلى الجمع، وهو جمعُ وتثنيةُ علمٍ مفرد، نقول: لأنه سُلب العلمية فصار نكرة، فزيد بالإجماع معرفة، الزَّيدان بأل معرفة، وزيدان بدون أل نكرة، والزيدان معرفة كزيد، لكن الزيدان معرفة بأل، وزيدٌ معرفة بالعلمية، ولذلك أخرج الصبان يا زيدان، ويا زيدون من المفرد العلم وجعله في النكرة المقصودة، نحو: يا رجلُ إذا أريد به معيَّن كما

стр. 599

سيأتي. والمفرد العلم كقوله سبحانه: ((((((((((يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا (٣٢))) [هود:٣٢] فنوح مفرد علم. [ثُمَّ النَّكِرَهْ] ثم هنا ليست على بابها، يعني لا تفيد التراخي وإنما المراد بها الترتيب الذكري، وسبق بيان حقيقة النكرة، والنكرة في باب المنادى قسمان: نكرة مقصودة، ونكرة غير مقصودة، [أَعْنِي بِهَا] لما كانت النكرة محتملة للنوعين، وهو قد أطلق اللفظ العام وأراد به الخاص، فلا بُدَّ من الاحتراز لدفع الوهم فأتى بالعناية، وكما سبق أن الأكثر في اصطلاح المؤلفين أنهم إذا أرادوا تفسير المفرد أتوا بأي التفسيرية، وقد تستعمل أي في تفسير الجمل، وإذا أرادوا الجمل أتوا بأعني أو يعني بالفعل المضارع وقد يأتون بأي، لكن الأكثر في المفرد أي، والأكثر في الجمل أعني أو يعني، إذًا [أَعْنِي بِهَا] أي أقصد بها أي بالنكرة، فالضمير يعود على النكرة، [المَقْصُودَةَ] أي النكرة المقصودة، [المُشْتَهِرَهْ] عند النحاة في هذا الباب، لأنهم لا يقَسمون النكرة إلى مقصودة وغير مقصودة إلا في هذا المقام، والمراد بالمقصودة هنا أنها معرفة، ولذلك ذكرناها فيما سبق أنها النوع السابع مما أضافه ابن مالك ﵀ على أنواع المعارف، فهي تُعَدُّ من المعارف، وتعريفها عارض بسبب الإقبال والقصد والنية لأنه لما أقبل على الشخص فقال: يا رجلُ لمعين أراد هنا من اتصف بالرجولة لكنه عيَّن المخاطب، وإلا فاللفظ يصدق على كل من اتصف بمفهوم هذا اللفظ، فإذا أقبل على شخص معين فقال يا

стр. 600

رجل، فحينئذٍ نقول: هذه نكرة لكنها مقصودة، فالمخاطب مُعيَّن، لكنه لو قال: يا رجل، وكان أمامه جمع ولم يقصد بقلبه واحدًا بعينه فهذه نكرة لكنها غير مقصودة. والفرق بينهما يأتي من جهة اللفظ، ويأتي من جهة المعنى، أما من جهة اللفظ فإذا كان الإنسان مخاطَبا فقيل له: يا رجلُ وبناها على الضم، وأنا أسمع هذا الكلام أعلم أنه نكرة مقصودة، وإذا نصبها فقال: يا رجلاً فهي غير مقصودة، وأما المتكلم فحينئذٍ لا يتعين إلا بالنية والقلب فقط، إذا أراد أن يتكلم ثم يأتي بنكرة متى يبنيها ومتى ينصبها؟ نقول: القصد والإقبال هو الذي يعين. إذًا تعريفها عارض بسبب القصد والإقبال، وقيل: بأل محذوفة ونابت عنها يا لكنه ضعيف، والأول أرجح. المنادى في هاتين الحالتين - المفرد العلم والنكرة المقصودة - يبنى على الضم، فإذا كان المنادى مفردًا علمًا فحكمه البناء على الضم، وإذا كان نكرة مقصودة فحكمه البناء على الضم، فحينئذٍ يستحق المنادى البناء بأمرين: إفراده وتعريفه، والمراد بتعريفه أن يكون المراد به معينًا سواء كان معرفة قبل النداء أو بعد النداء، مثال المعرفة قبل النداء وبعده زيد فهو علَم قبل النداء، وإذا نودي بيا فقيل: يا زيدُ بقي كما هو على حاله من العلمية، خلافًا لمن قال: سُلِبَ العلمية ثم رجعت عليه، والصواب أنه علم قبل دخول حرف النداء، وعَلَم بعد دخول حرف النداء. ومثال المعرفة بعد النداء رجل، فهو نكرة، فإذا قيل: يا رجلُ تعرفت النكرة بالنداء أي بعد النداء، وأما قبل النداء فهي نكرة، ومعرفة بعد النداء بسبب القصد والإقبال عليه، يا رجل تريد به معينًا، يبنى في

стр. 601

النوعين على ما يرفع به لو كان معربًا، حينئذٍ يا زيد، ويازيدان، ويا زيدون، ويامسلمات، وياهندات نقول هذا كله مبني على ما يُرفع به لو كان معربًا، فزيد لو أعربته رفعًا تعربه بالضمة فتقول: جاء زيدٌ حينئذٍ تبنيه على الضم في النداء، فتقول: يا زيدُ، وإعرابه يا حرف نداء، وزيدُ منادى مفرد علم، مبني على الضم في محل نصب مفعول به. وتقول: يازيدان، يا حرف نداء، وزيدان منادى مبني على الألف لأنك لو أعربته في حالة الرفع قبل دخول يا قبل البناء تعربه بالألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، فحينئذٍ زيدان منادى مبني على الألف في محل نصب، إذًا البناء قد يكون بحركة، وقد يكون بحرف. وتقول: يا زيدون منادى مبني على الواو في محل نصب، إذًا بُني في الأول على الضم، وفي الثاني على الألف، وفي الثالث على الواو، لأنه مفرد في هذا المقام، كذلك يا رجلُ، ويا رجلان، ويا رجال، فتقول: يا رجل، فرجل نكرة مقصودة منادى مبني على الضم في محل نصب مفعول به، بنيت على الضم لأنها نكرة مقصودة، وهي تبنى في باب المنادى. ويا رجلان قد يكون المثنى نكرة مقصودة، قد تُقْبِل على اثنين معيَّنين من دون الناس، إذًا صار معينًا، فرجلان منادى مبني على الألف لأنه مثنى، ولأنه نكرة مقصودة وبناؤه على ما يرفع به لو كان مُعْرَبًا، ويا رجال أيضًا يقال فيه ما قيل في رجل، ومنه قوله: ((يَا جِبَالُأَوِّبِي مَعَهُ (١٠))) [سبأ:١٠] فجبال مفرد نكرة مقصودة. فهذا إذا كان في الأصل أنه مبني على الضم ثم قد يكون ظاهراً وقد يكون مقدرًا كما سيأتي.

стр. 602

ثُمَّتَ ضِدُّ هَذِهِ فَانْتَبِهِ ... ثُمَّ المُضَافُ وَالمُشَبَّهُ بِهِ هذه ثلاثة أقسام: ذكر في البيت الأول قسمين حكمهما البناء، [ثُمَّتَ] هي ثُمَّ زيدت عليها التاء، وهذه التاء تسمى تاء التأنيث، قد تُسَكَّن وقد تُفْتَح، وفتحها كما في قول الشاعر: ولَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللّئِيمْ يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لاَ يَعْنِيْنِي [ثُمَّتَ] أي ثُمَّ بعد النكرة المقصودة [ضِدُّ هَذِهِ] هذه اسم إشارة يعود إلى النكرة المقصودة، وضد النكرة المقصودة غير المقصودة، لأن الكلام في النكرة وهي قسمان لا ثالث لهما إما أن تكون مقصودة، وإما أن تكون غير مقصودة، ضد المقصودة خلافها هو غير المقصودة، [فَانْتَبِهِ] لأنَّ النكرة غير المقصودة تمييزها عن المقصود يحتاج إلى إعمال ذهن وفكر، كقول الأعمى: يا رجلا خذ بيدي، وأعمى البصر كيف يميز ويقبل على شخص يعينه؟! فحينئذٍ إذا قال الأعمى: يا رجلاً، فرجلا نكرة لكنها غير مقصودة، كذلك قول الواعظ: يا غافلاً اذكر الموت، فالواعظ على منبر أمامه مئات فإذا قال: يا غافلاً نقول: هذه نكرة غير مقصودة، لأنه لم يُعيِّن شخصًا بعينه أقبل عليه بخلاف الأولى، وحكمها النصب. وكذلك قول الأعمى: يا رجلَين خُذا بيدي، إذا لم يقصد اثنين معينين، ويا مسلِمين خذوا بيدي، إذا لم يقصد جماعة معينة. [ثُمَّ المُضَافُ] القسم الرابع من أنواع المنادى المضاف، وسيأتي أن الإضافة نسبة تقييدية توجب جر الثاني منهما أبداً، نحو: يا غلامَ زيد.

стр. 603

[وَالمُشَبَّهُ بِهِ] يعني مشبه بالمضاف لأنه يمكن حذف التنوين من الأول الذي هو العامل فيضاف إلى معموله، فإذا قيل: يا محمودًا فعلُه، فهذا مشبه بالمضاف، ويصح أن تقول: يا محمودَ فعِْلهِِ. وإعراب المثال: يا محمودًا فعله، يا حرف نداء، ومحمودًا منادى منصوب، وفعله نائب فاعل، لأن محمودًا اسم مفعول فيحتاج إلى نائب فاعل، وفعلُه العامل فيه محمودًا، إذًا اتصل به شيء من تمام معناه، ويصح حذف التنوين وإضافته إلى ما بعده. ونحوه: يا طالعًا جبلاًً، فجبلا مفعول به لطالعًا، ويا حسنًا وجهه، فحسنًا صفة مشبهة، ويا رفيقًا بالعباد تعلق به شيء من تمام معناه وهو الجار والمجرور، لكن لا تصح الإضافة هنا. إذًا ذكر لك خمسة أنواع للمنادى:- المفرد العلم، ثم النكرة المقصودة، ثم النكرة غير المقصودة، ثم المضاف، ثم المشبه بالمضاف. فَالأَوَّلاَنِ ابْنِهِمَا بِالضَّمِّ ... أَوْ مَا يَنُوبُ عَنْهُ يَا ذَا الفَهْمِ تَقُولُ يَا شَيْخُ وَيَا زُهَيْرُ ... وَالبَاقِي فَانْصِبَنَّهُ ... لاَ غَيْرُ [فَالأَوَّلاَنِ] اللذان هما: المفرد العلم، والنكرة المقصودة، والفاء هذه تسمى فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، إذا أردت معرفة حكم كل مما ذكر من الأنواع الخمسة فأقول لك: الأولان، والأولان تثنية أول بمعنى الأسبق، وهنا الأسبق في الحقيقة هو العلم المفرد، وأما النكرة المقصودة فليست بأسبق لأنها

стр. 604

مسبوقة بالمفرد العلم، فحينئذٍ التثنية هنا من باب التغليب، لأنه ليس عندنا إلا أول واحد، الأول: المفرد العلم ثم الثاني النكرة المقصودة، والحاصل قوله: الأولان هذا ملحق بالمثنى، وليس مثنى حقيقة، لأنَّ شرط المثنى أن يكون له ثانٍ في الوجود، وهنا ليس له ثانٍ بل هو واحد، حينئذٍ يكون من باب التغليب كالقمرين. [فَالأَوَّلاَنِ ابْنِهِمَا] لا بُدَّ من التقييد أي ابنهما على ما يرفعان به لو كانا معربين، فتنظر في المفرد العلم يرفع بماذا لو كان معربًا؟ تقول: يبنى على ما يرفع به لو كان معربًا، [بِالضَّمِّ] فيما إذا كان العلم المفرد مفردًا، وفيما إذا كانت النكرة المقصودة مفردة أيضًا، نحو: يا زيد، ويا رجل، [أَوْ مَا يَنُوبُ عَنْهُ] أي عن الضمِّ وهو الألف في المثنى، والواو في جمع المذكر السالم، فتقول: يا زيدان ويا زيدون، فيبنى في الأول المثنى بالألف، ويبنى في الثاني جمع التصحيح بالواو، كذلك في النكرة يا رجلُ، ويا رجلان، ويا رجال. [فَالأَوَّلاَنِ ابْنِهِمَا بِالضَّمِّ] ومحلهما النصب، فالبناء يكون تابعًا للفظ، وأما المحل فهذا للنصب، لأنَّ العامل المحذوف لم يُجْعل نَسيًا منسيًّا، فالعامل المحذوف وهو الفعل لم يُترك ويُهجر، بل له اعتبار وله معنى على القاعدة المطردة عند العرب أنهم إذا حذفوا الشيء في الغالب أنه يجعل له حظ في اللفظ أو في المعنى، وهنا في اللفظ يا زيدُ ليس له حظ وإنما في المعنى بأن يجعل المنادى مبنيًّا على الضمِّ في اللفظ في محل نصب في المعنى، لأنَّ أصله أدعو زيدا، وقوله: [بِالضَّمِّ] سواء كان الضم ظاهرًا أو مقدرًا، لأنه قد ينادى المعرب

стр. 605

فتقول: يا زيدُ بناؤه على ضم ظاهر، ولكن لو قلت: يا سيبويهِ، فسيبويهِ: قبل دخول يا هو مبني كما قال ابن مالك: وجُملْةٌ، وما بِمَزْجٍ رُكِّبَا ... ذَا إِنْ بِغَيْرِ وَيْهِ تَمَّ أُعْرِبَا فإن تم بويه فهو غير معرب بل مبني على الكسر، فسيبويه مركب مزجي مبني على الكسر لأنه مختوم بويه، إذا قيل: يا سيبويهِ منادى علم مفرد فحينئذٍ يبنى على الضم، سيبويْه بالكسر على الأصل ونجعل الضم مقدرًا، فنقول: يا سيبويْهِ يا حرف نداء، وسيبويه مفرد علم مبني على ضمٍّ مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة البناء الأصلي وهو الكسر. ومثله يا حذامِ، فحذامِ مبني على الكسر أيضا فتقول: حذامِ مفرد علم منادى مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة البناء الأصلي وهو الكسر. إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوْهَا ... فَإِنَّ القَولَ مَا قَالَتْ حَذَامِ [يَا ذَا الفَهْمِ] يعني يا صاحب الفهم، يا حرف نداء، وذا منادى منصوب بالألف لأنه من الأسماء الستة، وذا مضاف، والفهم مضاف إليه، والفهم هو إدراك معاني الكلام، يا صاحب الفهم، لأن المسائل تحتاج إلى فهم. وأما علة البناء هنا فقيل: لمشابهة العلم المفرد والنكرة المقصودة كاف الخطاب، أشبهت النكرة المقصودة كاف الخطاب، أصلها أناديك من حيث الإفراد والتعريف والخطاب ووقوعهما موقعهما، وهذا البناء

стр. 606

عارض وليس بأصلي، وبعض النحاة يجعل علة البناء مطردة في الأصلي والعارض وهي شبَه الحرف، وبعضهم يُفَصِّل - وهو أجود - بأن يجعل البناء الأصلي اللازم الذي هو من أصل الكلمة أن يكون لشبه الحرف كما قال ابن مالك: - والاِسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي ... لِشَبَهٍ مِنَ الحُرُوفِ مُدْنِيْ وما عدا ذلك فلا نحتاج أن نقول: إنه لشبه الحرف كحذامِ وسيبويه وأحد عشر، حينئذٍ مثل هذه الألفاظ ليس البناء فيها أصليًا وإنما هو بناء عارض، فلا نحتاج التكلف فنجعل البناء هنا لشبه الحرف لكن المشهور البناء هنا في باب المنادى لشبه النكرة المقصودة والعلم المفرد بكاف الخطاب لوقوعهما موقعه، وأنهما مفردان كما أن كاف الخطاب مفردة، وأنهما معرفتان مثلها. [تَقُولُ] في المثال على ما سبق [يَا شَيْخُ] هل هذا نكرة مقصودة أو غير مقصودة؟ نقول: نكرة مقصودة، وكيف عرفنا أنها نكرة مقصودة؟ لأنها مبنية، إذا سمعت الكلام تستطيع أن تحكم، لكن يشترط أن يكون المتكلم نحويًا، فإذا قال: يا شيخُ بالبناء على الضم بعد يا النداء عرفت أنه نكرة مقصودة إن كان عالما بالنحو. وإن قال: يا شيخًا بالنصب لفظًا فهو نكرة غير مقصودة. وهنا قال: [يَا شَيْخُ] فهو مثال للنكرة المقصودة، يا حرف نداء، وشيخُ منادى مبني على الضمِّ في محل نصب. [وَيَا زُهَيْرُ] يا حرف نداء، وزهير مفرد علم مبني على الضم في محل نصب، إذًا هذان نوعان الحكم فيهما البناء. [وَالبَاقِي فَانْصِبَنَّهُ] الذي هو المضاف، والشبيه

стр. 607

بالمضاف، والنكرة غير المقصودة، فهذه الثلاثة الأشياء حكمها كما قال: [فَانْصِبَنَّهُ] هذا أمر مؤكد يعني حكمه النصب لفظًا، والفاء فاء الفصيحة، ويحتمل أنها واقعة في خبر المبتدأ، لأنَّ المبتدأ هنا اسم فاعل محلى بأل، والقاعدة عندهم أنَّ المبتدأ إذا كان من صيغ العموم أو ما فيه العموم جاز دخول الفاء في الخبر، فهنا الباقي أي الذي بقي، وأل هذه موصولية وهي من صيغ العموم، لأنَّ الموصولات من صيغ العموم، إذًا الباقي مبتدأ وهو عامٌّ فجاز دخول الفاء في خبره، ولذلك يصح أن يقال: الباقي انصبنَّه على قول الجمهور من صحة وقوع الجملة الإنشائية الطلبية خبرًا عن المبتدأ وهو الصواب. [فَانْصِبَنَّهُ] أي الباقي ومنه المضاف، ولكن يرد السؤال هل كل مضاف يصح نداؤه؟ استثنى النحاة نوعًا واحدًا وهو المضاف إلى كاف الخطاب، ولذلك قال بعضهم: جميع الأسماء المضافة يجوز أن تكون منادى إلا المضاف إلى ضمير الخطاب مطلقًا سواء كان مفردًا يعني ضميرًا للواحد، أو للاثنين، أو للجماعة، فلا يصح أن يقال: يا غلامَك، لأنَّ يا هذه تجعل الكلام للمخاطب فحينئذ صار غلام مخاطب، وإضافة غلام النكرة إلى حرف خطاب يدل على أنه غير مخاطب، وهذا تناقض، لأن الأصل في المضاف والمضاف إليه المغايرة، وهذا هو الأصل قال ابن مالك: وَلاَ يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوْهِمًا إِذَا وَرَدْ هذه القاعدة ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى أي لا يكون المضاف والمضاف إليه متحدين في المعنى، فإذا ورد من كلام العرب

стр. 608

ما ظاهره كذلك قال: وأوِّل موهما إذا ورد أي وجب تأويله عند البصريين، فغلامَك إذا نصبناه على النداء، صار غلام مضاف وهو مخاطب، وإضافته إلى الضمير ضمير الخطاب تدل على أنه غير مخاطب، إذًا هو مخاطَبٌ غيرُ مخاطَبٍ، للعلة السابقة من حيث إنه منادى صار غلام مخاطبًا ومن حيث إنه مضاف إلى ضمير الخطاب صار غير مخاطب، لأن غلامًا أضيف إلى ضمير الخطاب فلزم أن يكون غير مخاطب، فيلزم من ذلك التناقض. [فَانْصِبَنَّهُ] والعامل فيه الفعل المحذوف على قول الجمهور، وقيل: يا النداء لسده مسد الفعل، والصواب الأول. [لاَ غَيْرُ] يعني ليس غير، وغيرُ أي لا غَيْرَ النصب، أو لا غيره حذف المضاف إليه ونوي معناه فبينت على الضم مثل قبل وبعد. والحاصل أنَّ المنادى خمسة أنواع: المفرد العلم، والنكرة المقصودة، وهذان حكمهما البناء على ما يرفعان به لو كانا مُعْرَبيْن، والمضاف والشبيه بالمضاف والنكرة غير المقصودة وحكمها النصب لفظًا ومعنى.

стр. 609

بَابُ المَفْعُولِ لأَجْلِهِ أي هذا باب الشيء الذي فُعِلَ من أجله شيء آخر، فالمفعول لأجله هو الذي فُعِلَ لأجله شيء آخر، والضمير في لأجله إما أن يعود على أل لأنها اسم موصول، وقيل على موصوف محذوف، أي الشيء الذي فُعِل لأجله شيء آخر، وهذا قبل جعل هذا التركيب عَلَمًا، وأما بعد جعله عَلَمًا، وصار علما مركَّبا منقولاً من اسم المفعول ومتعلِّقه، إلى العلمية وهو ما سيذكره الناظم. [بَابُ المَفْعُولِ لأَجْلِهِ] ويقال له: المفعول من أجله، والمفعول له، هذه ثلاثة أسماء والمعنى واحد، والثالث هو المشهور قال: - وَهْوَ الَّذِي جَاءَ بَيَانًا لِسَبَبْ ... كَيْنُونَةِ العَامِلِ فِيهِ وَانْتَصَبْ والأولى أن يعرَّف بأنه المصدر المعلِّلُ لحدث شاركه وقتًا وفاعلاً. فكل قيد من هذه القيود هي مأخوذة في حدِّ المفعول له، إن وجدت مجتمعه حينئذٍ صحَّ تسميته مفعولاً لأجله، وإن فُقِدَ منها واحد ولو مع وجود البقية انتفى كونه مفعولاً لأجله. فيشترط فيه أن يكون مصدرًا، فإن لم يكن مصدرًا فلا يكون مفعولاً لأجله، ويُشترط فيه أن يكون مُعلِّلاً، يعني ذُكِرَ لعلة ولسبب، لذا قال: الذي جاء بيانا لسبب، فإن لم يكن كذلك انتفى كونه مفعولاً لأجله، لحدث مشارك له في الوقت والفاعل فلا بُدَّ من المشاركة، الاتحاد زمنًا وفاعلاً فإن لم يتحدا زمنًا

стр. 610

انتفى كونه مفعولاً لأجله، ومثال المستجمع للشروط قوله تعالى: (يجعلون أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ (١٩))) [البقرة:١٩] فحذرَ منصوبٌ على أنه مفعول لأجله، وهو مصْدر، ومُعَلِّل للحدث المشارك له وهو يجعلون. وضابط المفعول لأجله أنه يصح أن يقع جواب لِمَ، ذكره الحريري فقال: وَغَالِبُ الأَحْوالِ أَنْ تَرَاه جَوَابَ لِمْ فَعَلْتَ مَا تَهَوَاهُ لِمَ يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق؟ جوابه: حذرَ الموت، إذًا صحَّ أن يقع جواباً للِمَ، فحذرَ نقول: هذا مصدر وهو منصوب، ذُكِرَ علَّةً وسبباً لجعل الأصابع في الآذان، وقوله: أصابعهم، مجاز مرسل، المراد به أطراف الأصابع، ولا يجعلون الأصابع كلَّها، يسمى مجازاً مرسلاً لإطلاق الكل مرادًا به الجزء، وزمنه وزمن الجعْل واحد، وفاعلهما واحد وهم الكافرون إذًا وجدت الشروط، فإذًا حذرَ مصدر منصوب على المفعولية لأجله وهو معلل لحدث شاركه، وزمن الجعل واحد مع الحذر، والفاعل واحد، وهم الكافرون، وصحَّ وقوعه في جواب لِمَ؟. فلو فقد المعلل شرطا من هذه الشروط انتفى كونه مفعولاً لأجله، ووجب جره بحرف دال على التعليل، والأكثر أن يكون اللام، مثال ما فَقَدَ المصدرية قوله تعالى: ((هُوَالَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا (٢٩))) [البقرة:٢٩] لكم الكاف حرف خطاب، والمخاطَبون هم علة الخلق، لِمَ خلق ما في الأرضِ؟ لكم أنتم أي للمخاطبين، لكنه ليس بمصدر، فالكاف ليس بمصدر بل هو لفظ جامد، فالضمائر كلها جوامد ليست من المشتقات، إذًا المخاطبون هم علة الخلق، وخُفِضَ ضميرهم باللام لأنه ليس مصدرًا، ولا يصحُّ أن

стр. 611

يقال: جئتك السمْن، يعني جئت من أجل أن آخذ السمن، اتفاقاً لا يصح وإنما يجب جره بلام دالة على التعليل، فتقول: جئتك للسمن، لأنَّ السمن ليس بمصدر. ومثال ما فَقَدَ اتحاد الزمن، قول الشاعر: فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَومٍ ثِيَابَهَا ... لَدَى السِّترِ إِلاَ لِبْسَةَ الْمُتَفَضِّلِ فنوم مصدر، ونضَّت يعني خلعت لنوم، فالفاعل واحد، والنوم علة لخلع الملابس، وهل الزمن واحد؟ نقول: لا، لأنَّ الخلع سابق على النوم، فهي لا تخلع وتنام في وقتٍ واحدٍ، وإنما الخلع أوَّلا ثم النوم، إذًا أحدهما سابق على الآخر، ففقد اتحاد الزمن، لا بُدَّ أن يكون زمن الخلع وزمن المصدر وهو النوم واحدًا، وهنا الزمن مختلف، لأنَّ الخلع سابق على النوم. ومثله جئتك اليوم للإكرام غداً، وجب جره باللام، فالمجيء وقع اليوم، والإكرام الذي هو علة المجيء سيقع غداَ إذًا افترقا. ومثال ما فَقَدَ اتحاد الفاعل، نحو: جاء زيد لإكرام عمرٍو له، ففاعل الإكرام وفاعل المجيء مختلف، فالإكرام الذي هو علة للمجيء لم يصدر من فاعل واحد، وإنما صدر من فاعلين، فاعل المجيء ليس هو عينه فاعل الإكرام، ففاعل الإكرام عمرو، وفاعل المجيء المتكلم. وقال الشاعر: وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ ... كَمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلهُ القَطْرُ

стр. 612

فإنَّ الذكرى هي علة عُروِّ الهزة، وزمنهما واحد، ولكن اختلف الفاعل، ففاعل العرو هو الهزة، وفاعل الذكرى هو المتكلم، لأنَّ المعنى لذكري إيَّاكِ، فلمَّا اختلف الفاعل خفض باللام. هذه شروط أربعة لا بُدَّ من توفرها في المفعول لأجله، حينئذٍ يجوز نصبه على المفعولية، فهذه الشروط لجواز النصب على المفعولية لا لإيجابه. وَهْوَ الَّذِي جَاءَ بَيَانًا لِسَبَبْ ... كَيْنُونَةِ العَامِلِ فِيهِ وَانْتَصَبْ كَقُمْتُ إِجْلاَلاً لِهَذَا الحِبْرِ ... وَزُرْتُ أَحْمَدَ ابْتِغَاءَ البِرِّ [وَهْوَ] أي المفعول لأجله عاد الضمير على المضاف إليه وهو جائز على الصحيح، [الَّذِي] اسم موصول يصدق على المصدر وهو اسم، فحينئذ لا يكون المفعول لأجله فعلاً ولا حرفًا إنما يختص بالأسماء، ولذلك من علامات الأسماء: كونها مفعولاً له، فكلُّ ما اختص من العناوين التي تمر بك من الابتداء أو الخبر أو التمييز أو الحال إذا قيل: هذا مختص بالاسم فحينئذٍ تجعل هذا العنوان من علامات الأسماء، لا يقع الفعل مفعولاً له، ولا يقع الحرف مفعولاً له، فإذا وقع اللفظ مفعولاً له تجعل هذا المحلَّ الذي هو مفعولٌ له من علامات الأسماء، فتقول مثلاً قوله تعالى: (حَذَرَ الْمَوْتِ) هذا اسم وعلامة اسميته مع كونه مضافا، كونه مفعولاً له، فتجعل من العلامات كونه مفعولاً له، لأن المفعول له لا يكون إلا اسمًا، إذًا [الَّذِي] هنا يصدق على الاسم، ويعيَّن بالمصدر حينئذٍ خرج

стр. 613

الفعل والحرف، [جَاءَ] أي أتى وثبت، [بَيَانًا لِسَبَبْ] يعني ذُكر علة، والسبب والعلة بمعنى على المشهور، قال في المراقي: وَمَعَ عِلَّةٍ تَرَادَفَ السَّبَبْ ... وَالفَرْقُ بَعْضُهُمْ إِلِيْهِ قَدْ ذَهَبْ [جَاءَ بَيَانًا لِسَبَبْ] أي المفعول له سبب حامل للفاعل على الفعل، نحو: قمتُ إجلالاً لك، فإجلالاً هذا سبب لحمل الفاعل على القيام، فحينئذ صار المفعول له سببًا للفاعل، من أجل أن يفعل الفعل الذي هو القيام، فإجلالاً من قولك: قمت إجلالاً لك مفعول له، وهو سبب وعلة حمَل الفاعل على إيجاد القيام، إذًا سبب وجود القيام إجلال الفاعل للمخاطب، [بَيَانًا لِسَبَبْ كَيْنُونَةِ العَامِلِ فِيهِ] يعني وقوع الفعل الواقع من الفاعل، والمراد بالفعل هنا الفعل اللغوي يعني لِمَ وَقع ووُجِد وكان هذا الحدث وهو القيام؟ نقول: علته وسببه هو المفعول لأجله. [وَانْتَصَبْ] هذا بيان لحكم المفعول له، لما ذكر لك حقيقته وهي حاصلة بالحد أو بالرسم حينئذٍ يسأل السائل: ما حكمه؟ ومعلوم مِن وضع هذا الباب في ضمن الأسماء المنصوبة أن حكمه النصب، [وَانْتَصَبْ] جوازاً لا وجوباًً إذا وجدت الشروط السابقة: كونه مصدرًا، ومعللاً لحدث شاركه وقتاً وفاعلاً، إذا وجدت هذه الشروط حينئذٍ نحكم عليه بأنه يجوز نصبه على أنه مفعول له وليس بواجب، ويجوز جره بحرفٍ دالٍّ على التعليل، فحينئذٍ جُعِل هذا الباب من المنصوبات لأن المنصوبات على قسمين:

стр. 614

ما يجب نصبه، وما يجوز نصبه - كما ذكرناه في المستثنى - أن بعضه يجب نصبه، وبعضه يجوز نصبه، جواز النصب راجحاً أو مرجوحاً، كذلك المفعول لأجله كلُّه جائز النصب وليس بواجب النصب، [وَانْتَصَبْ] جوازاً مع وجود الشروط السابقة، فالشروط إنما هي للجواز لا للوجوب، فإذا لم تنصبه فجُرَّه بحرف دالٍّ على التعليل، والأكثر أن يكون باللام، وليس مختصًّا باللام بل (مِنْ) و (الباء) و (في) قد تكون للتعليل أيضًا. [كَقُمْتُ إِجْلاَلاً لِهَذَا الحِبْرِ] أي كقولك أو مثلُ: قُمْتُ إِجْلاَلاً لِهذَا الحِبْرِ، الحِبْر، والحَبرْ يجوز فيه الوجهان، ولكن في النظم يُكسَر أولى من أجل قوله: (البِرِّ)، قمت فعل وفاعل، وإجلالاً مفعول له، مفعول لأجله، مفعول من أجله، جاء بياناً لسبب وقوع القيام، ولو قيل لك لم قمتَ؟ تقول: إجلالاً لهذا الحِبْر، حينئذٍ وقع في جواب لِمَ؟ وهي إنما يسأل بها عن التعليل والسبب، فحينئذٍ وقع هذا المصدر إجلالاً لأنه مصدر أَجَلَّ يُجِلُّ إجْلالاً، مصدر وقع جواب لِمَ؟ حينئذٍ مع بقية الشروط وهي اتحاد الزمن واتحاد الفاعل نقول: جائزٌ نصبه، ويصح أن يقال: قمت لإجلالٍ، فاللام حرف جر، وإجلالٍ مجرور باللام وجره كسرة ظاهرة على آخره، إذًا انتقل من النصب إلى الجر مع وجود الشروط. والحِبْرِِ هو العالم. [وَزُرْتُ أَحْمَدَ ابْتِغَاءَ البِرِّ] زرت فعل وفاعل، وأحمد مفعول به، ابتغاء البرِّ مفعول لأجله، ذُكر علة وسببًا للزيارة، لِمَ زرت أحمد؟ نقول: ابتغاء البر والفضل والإحسان، مع وجود الشروط وهي اتحاد الفاعل واتحاد الزمن وكونه مصدرًا وذُكر علة لوقوع الفعل

стр. 615

وهو الزيارة، فمع استيفاء هذه الشروط جاز نصبه على أنه مفعول لأجله، ويجوز جره باللام لابتغاءِ البرِّ فحينئذٍ يكون جاراً ومجروراً متعلق بقوله: زرت. قوله: [قُمْتُ إِجْلاَلاً] وقوله: [وَزُرْتُ أَحْمَدَ ابْتِغَاءَ البِرِّ] فيه إشارة إلى أنَّ الفعل إذا كان لازمًا فهو لا ينصب مفعولا به، وإذا لم ينصب مفعولاً به ليس معناه أنه لا ينصب حالا، ولا تمييزًا، ولا مفعولاً لأجله، ولا مفعولا معه، بل ينصب كلَّ ما ذُكر، وإنما الممنوع هو نصب المفعول به فقط، والدليل قوله: قمت إجلالاً، فإجلالاً مفعول لأجله، والعامل فيه قام، وهو فعل لازم، إذًا الفعل اللازم قد ينصب، نقول: هل الفعل اللازم لا ينصب مطلقاً؟ نقول: لا بل قد ينصب، ولكنه لا ينصب مفعولاً به، وإنما يجوز نصبه للحال أو التمييز أو المفعول لأجله، فقوله: [قُمْتُ إِجْلاَلاً] هذا مثال المفعول لأجله المنصوب بفعل لازم، وقوله: [وَزُرْتُ أَحْمَدَ ابْتِغَاءَ البِرِّ] زرت أحمدَ هذا متعدٍّ، وابتغاءَ البِرِّ منصوب بفعل متعدٍّ على أنه مفعول لأجله. إذًا من المثالين تأخذ قاعدة: وهي أن الفعل اللازم لا ينصب مفعولاً به، ويجوز أن ينصب ما عدا المفعول به. وأن قوله: إجلالاً، وابتغاء البر، فيه تنويع للمفعول لأجله، فقد يكون مجردًا غير محلى بأل، ولا مضافًا مثل إجلالاً فهو مجرد من أل ومن الإضافة، وهذا يجوز فيه النصب والجر باللام، النصب كقول الناظم: [قُمْتُ إِجْلاَلاً] وجره باللام نحو: قمت لإجلالٍ

стр. 616

لهذا الحبر، ولكن النصب أرجح من الجر. وقد يكون مضافًا كمثال الناظم [وَزُرْتُ أَحْمَدَ ابْتِغَاءَ البِرِّ] حينئذٍ يجوز فيه الوجهان: النصب، والخفض بلام التعليل، وليس أحدهما أرجح من الآخر، بل هما على السواء، إذًا يستوي أن يقال: زرتُ أحمدَ ابتغاءَ البرِّ بالنصب، مع قولك: زرتُ أحمدَ لابتغاء البِرِّ. وقد يكون المفعول لأجله محلى بأل نحو: ضربت ابني التأديب، فالتأديب مفعول لأجله وهو محلى بأل، وهذا يجوز فيه الوجهان، ولكن الخفض بالحرف أرجح، عكس الأول الذي هو المجرد من أل والإضافة، فقولك: ضربت ابني للتأديب، أرجحُ من قولك: ضربت ابني التأديبَ. والحاصل أنَّ المفعول لأجله له أحوال ثلاثة: الأولى: أن يكون مجرداً عن أل والإضافة هذا يجوز فيه الوجهان: النصب والخفض باللام، والنصب أرجح، ودليل الترجيح كثرة السماع. الثانية: أن يكون مضافاً، وهذا يجوز فيه الوجهان على السواء، لا يترجح أحدهما على الآخر. الثالثة: ولم يذكرها الناظم وهي أن يكون المفعول لأجله محلَّى بأل، وهذا يجوز فيه الوجهان: النصبُ، والجر بلام التعليل، والثاني أرجح.

стр. 617

بَابُ المَفْعُولِ مَعَهُ أي هذا باب بيان حقيقة المفعول معه، لا بُدَّ دائمًا أن تقدر بيان حقيقة أو حد أو ماهية كذا، لأنَّ المراد هنا بيان الحقيقة أولاً، وهذا إنما يحصل بالحد، والكشف عن هذه الحقيقة ثم بعد ذلك يبيِّن الحكم وهو كونه منصوبًا أو مرفوعًا أو مخفوضًا. [بَابُ المَفْعُولِ مَعَهُ] الضمائر هذه كلها له ولأجله، ومعه، وبه الأصل أنها تعود إلى أل الموصولة، أو إلى موصوف محذوف تقديره باب الشيء الذي فُعِلَ معه، يعني باب المفعول معه الذي يُذكر لبيان مَنْ فُعِلَ معه الفعلُ، فالمفعول معه حينئذٍ يكون اسما للذات المذكورة بعد الواو نحو: سرتُ والنيلَ، فالنيلَ الذات نفسها هي المفعول معه، إذًا [بَابُ المَفْعُولِ مَعَهُ] أي باب بيان حقيقة المفعول معه، وهو الذي يُذْكر لبيان من فُعِلَ معه الفعل أي المذكور لبيان الذات التي فَعل الفاعلُ الفعلَ بمصاحبتها، فحينئذٍ إذا فُسِّر بهذا المعنى يكون المفعول اسمًا للذات التي تقع بعد الواو التي تكون نصًّا في المعية، [بَابُ المَفْعُولِ مَعَهُ] ذكره الناظم هنا في المنصوبات فهو مقيس، ورأي سيبويه ﵀ وإن كان الجمهور على خلافه- أنَّ باب المفعول معه كله مسموع وليس بمقيس، وإذا كان مسموعًا حينئذٍ يُدْرَس للحكم على ما نُقل من كلام العرب وما عداه فلا، لا يقاس عليه، يعني ليس كالسابق

стр. 618

المفعول لأجله، والمفعول به، هذا ليس الحكم فيه مُنْصَبًّا على ما نُقِلَ عن العرب فقط، وإنما أنت تعلم القواعد التي استنبطت من كلام العرب فحينئذٍ تقيس عليها: إِنَّمَا النَّحْوُ قِيَاسٌ يُتَّبَعْ إذًا صار قواعد عامة كقواعد أهل الأصول، وكالقواعد الفقهية، حينئذٍ يستنبط منها المتكلم من تلك القواعد أحكام آحاد المسائل، وهذه الآحاد يجريها على سنن تلك القواعد، أما على رأي سيبويه فلا، إنما يُذكر ويبين للحكم به على ما نقل عن العرب، وليس لك أن تُنشئ من عِنْدك مفعولا معه، لكن الجمهور على خلافه، ولذلك يذكرون المفعول معه هنا. وَهْوَ اسْمٌ انْتَصَبَ بَعْدَ وَاوِ ... مَعَيَّةٍ فِي قَوْلِ كُلِّ رَاوِي [وَهْوَ] أي المفعول معه، ودائمًا يُرجع الناظم الضمير إلى المضاف إليه، وهذا محلُّ نزاعٍ بين النحاة هل يجوز عوْدُ الضمير على المضاف إليه؟ نقول: نعم يجوز ذلك، وهنا الضمير يعود على المفعول معه، بَابُ هذه كلمة، والمَفْعُولِ مَعَهُ كلها مركبة كلمة ثانية، إذًا مؤلَّفٌ من كلمتين لأنَّ المفعول معه صار عَلَمَا كأصول الفقه مثلاً، فحينئذٍ أرجع الضمير إلى المضاف إليه، وقيل: المضاف والمضاف إليه كالكلمة الواحدة، فحينئذٍ لا يجوز عود الضمير على بعض الكلمة كما أنه لا يصح عود الضمير على دال زيْد، ولا ياء زيد، ولا زاي زيد اتفاقًا، قالوا: زيد كلمة واحدة، ولا يصح عوْد الضمير على جزءٍ منها، كذلك ما نُزِّلَ مُنَزَّلةَ الكلمة كالمضاف والمضاف إليه،

стр. 619

لا يجوز عوْد الضمير على المضاف إليه، لكن الصواب جوازه، وهو وارد في القرآن وهو أفصح ما يكون من لغة العرب. [وَهْوَ اسْمٌ] خرج به الفعل والحرف، فلا يكون الفعل مفعولاً معه، ولا يكون الحرف مفعولاً معه، إذًا صار المفعول معه من علامات الأسماء، [اسْمٌ] أي صريح، فلا يكون المفعول معه اسمًا مؤولاً بالصريح، [اسْمٌ] خرج به الفعل المضارع المنصوب بعد واو المعية؛ لأن مفهومه الجمع، وأنْ وما دخلت عليه في تأويل مصدر وهو اسم، لكنه في الاصطلاح لا يكون مفعولاً معه، نحو: لا تأكل السمكَ وتشربَ اللبن، هذا مثال مشهور، وتشربَ بالنصب والعامل فيه أنْ مضمرة وجوبًا بعد واو المعية، إذًا هذه الواو تدل على الجمع، وإذا نظرت إلى المعنى في المثال: لا تأكل السمك مع شربك اللبن، فالنهيُ هنا مسلط على الجمع بينهما، لا تجمع بين أكل السمك وشرب اللبن، ولك أن تُفْرِدَ أحدهما عن الآخر، تأكل السمك ولا تشرب معه لبن، وتشرب اللبن ولا تأكل معه سمك، لأن المنهي عنه هو القِران وهو الجمع بينهما، إذًا قوله: [اسْمٌ] خرج به الفعل، فحينئذٍ ما وقع بعد واو الجمع، وهي الواو الدالة على المعية، وهو الفعل المضارع، فهذا فيه معنى المفعول معه، لكنه لا يُسمَّى في الاصطلاح مفعولاً معه، إنما خُصَّ المفعول معه بالأسماء، حينئذٍ إذا أفاد من الأفعال ما أفاده المفعول معه لا يسمى مفعولاً معه، وإن كان يؤوَّل بالمصدر. كالمثال السابق لا تأكل السمك وتشربَ اللبنَ يعني لا تأكل السمك شارباً اللبن صار حالا، ولذلك ذكرنا أنَّ الإعراب في الفعل المضارع لم

стр. 620

يكن أصلاً، لإمكان الاستغناء عن الإعراب بالتصريح بالاسم، لأنَّ علة إعراب الفعل المضارع هي اعتوار معانٍ مختلفةٍ على الفعل الواحد على الصيغة الواحدة يميزها الإعراب، والاسم كذلك، لكن الاسم كان الإعراب فيه أصلاً لأنه لا يمكن أن يُمَيِّز المعاني المختلفة المتعاقبة على صيغة واحدة إلا الإعراب فليس له نائب، أما الفعل المضارع فله نائب وهو التصريح بالاسم، لذلك قولهم: لا تأكل السمك وتشربَ وتشربِ وتشربُ، فيه ثلاثة أوجه، هذه المعاني مختلفة، فتختلف المعاني والصيغة واحدة وهي: تشرب والمعاني مختلفة، والذي ميَّز هذا عن ذاك هو الإعراب، فالمعنى لا تأكل السمك وتشربَ، على الجمع، وتشربِ على الجزم حينئذٍ كلٌ منهما منهي عنه على حدة، وتشربُ هذا إذنٌ وإباحة في الشرب وأكل السمك، فاختلفت المعاني والذي ميَّز بعضها عن بعض هو الإعراب، لكن لمَّا لم يكن الإعراب مخصصًّا بالتمييز وجاز إنابة غير الإعراب عنه صار فرعاً لا أصلاً، لأنه يمكن أن يقال: لا تأكل السمك ولك شُرْبُ اللبن، أباح لك الثاني بصيغة غير الفعل المضارع المرفوع، ولا تأكل السمك شارباً اللبن جاء بالحال بدلاً من الفعل المضارع المنصوب، ولا تأكل السمك ولا تشربِ اللبن صرَّح بلا الناهية، لذلك صار فرعاً لا أصلاً. والحاصل: أن قوله: وتشربَ لا يسمى في الاصطلاح مفعولاً معه، وإن أدَّى معنى المفعول معه، لكونه فعلاً وشرطُ المفعول معه أن يكون اسمًا. كذلك الجملة الحالية إذا قيل: يشترط في المفعول

стр. 621

معه أن يكون اسمًا، فلو جاءت الجملة الحالية مفيدة معنى مع، فلا تسمى مفعولا معه، وإن أفادت معنى المعية، نحو: جاء زيدٌ والشمسُ طالعةٌٌ، وإعرابه: جاء فعلٌ ماضٍ، وزيدٌ فاعل، والواو واو الحال، والشمس طالعة مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب حال، وهذا في قوةِ قولك: جاء زيدٌ مع طلوع الشمس، صار طلوع الشمس قيدًا ووصفًا لزيد، وهو أنَّ فعله وقع مع طلوع الشمس، وصار قيدًا لعامله، لكن ليس مفعولا معه، لأنه جملة، والشرط أن يكون اسماً. [وَهْوَ اسْمٌ] فضلة ليخرج نحو: اشترك زيدٌ وعمروٌ، فما بعد الواو هنا عُمْدة، لأن الفعل اشترك يقتضي اثنين، لا يقع الاشتراك إلا بين اثنين، لا يقال: اشتراك زيدٌ فحسب، بل لا بد من الثاني: اشترك زيدٌ وعمروٌ، فما بعد الواو في المعنى فاعل، لكن في الاصطلاح لا يسمى فاعلا، ولذلك تقول: اشترك زيد وعمرو اشترك فعل ماض، وزيد فاعل، وعمروٌ الواو عاطفة تفيد معنى مع، لأنَّ الاشتراك هنا وقع من اثنين، إذًا فيه معنى المعية، وعمرو معطوف على زيد، والمعطوف على المرفوع مرفوع، ففي الاصطلاح عندهم لا يُسمى فاعلاً، لكنه في المعنى فاعل كما هو ظاهر. ومثله تضاربَ زَيْدٌ وعمروٌ، كلٌ منهما فاعل ومفعول، لكنه في المعنى لا في الاصطلاح، فزيدٌ فاعل وعمروٌ معطوف عليه، لكن في المعنى إذا قيل: تضارب نأخذ من الصيغة تضارب أن كلَّ واحدٍ منهما ضاربٌ ومضروب، لأنَّ تضارب على وزن تفاعل فتفهم من الصيغة أن

стр. 622

الحدث فيه اشتراك بين اثنين، فكل منهما ضارب ومضروب، إذًا تضارب زيد فزيد فاعل اصطلاحاً، لكنه في المعنى مفعول به، لأنه وقع عليه جزء من الضرب، وعمروٌ معطوف على ما سبق لكنه في المعنى أيضًا فاعل ومفعول به، فاعل لأنه أوقع ضربًا على زيد، ومفعول لأنَّ زيدًا أوقع عليه ضربًا، إذًا في الاصطلاح قد يكون الشيء فاعلاً ويكون أيضاً مفعولاً به في المعنى، وقد يكون في الاصطلاح مفعولاً به، ويكون أيضًا فاعلاً في المعنى، وإنما هذه التي يذكرها النحاة كلها من باب الاصطلاحات، تمييزا للكلمات المنقولة عن العرب، كل لفظ وضع له اصطلاح خاص. إذًا قوله: [اسْمٌ] فضلة، احترزنا به عما وقع بعد الواو المفيدة للمعية من قولك: اشترك زيد وعمرو، فإنه عمْدة. [انْتَصَبَ] هذا بيان لحكمه وهو النصب، وكل مفعول معه فهو منصوب، والنصب هنا واجب لا جائز، [انْتَصَبَ] يعني لا يكون مرفوعًا، ولا مخفوضًا، إنما يتعين فيه النصب، وناصبه الفعل المذكور قبله على رأي جمهور البصريين وبعض الكوفيين أنَّ الناصب له هو الفعل الذي قبله، نحو: سرتُ والنيلَ، فالنيل مفعول معه، والناصب له سار وهو فعلٌ ماضٍ، وأنا سائرٌ والنيلَ، فالنيل مفعول معه منصوب بالوصف وهو سائر، لأنَّ فيه معنى الفعل وحروفه، فيه معنى الفعل لأنه دال على ذات متصفة بصفة، لأنه مشتق، وفيه حروف الفعل سار فهي موجودة في سائر، فأصول المادة موجود فيه، فحينئذ يكون الناصب للمفعول

стр. 623

معه هو الفعل، أو ما فيه معنى الفعل وحروفه، فحينئذٍ إذا لم يسبق بفعل فلا يكون مفعولا معه، وإذا سُبق بما فيه معنى الفعل دون حروفه لا يكون مفعولاً معه، بل لا بد أن يكون العامل فيه إما الفعل، وإما ما فيه معنى الفعل وحروفه، فإذا انتفى هذان العاملان انتفى المفعول معه، فنحو: كلُّ رجلٍ وضيعتُه يعني كل رجل مع ضيعته، فالواو واو المعية لكن ضيعته لا يجوز نصبه على أنه مفعول معه، لأنه لم يسبقه لا فعل ولا ما فيه معنى الفعل وحروفه، فحينئذٍ نقدر كل رجل وضيعته مقترنان، فكل مبتدأ، وهو مضاف ورجل مضاف إليه، وضيعته معطوف على كل، والمعطوف على المرفوع مرفوع، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره مقترنان، ولا يجوز نحو: هذا لك وأباك بالنصب، فالواو واو المعية، وأباك لا يصح نصبه على أنه مفعول معه، لأنه وإن سبق بما فيه معنى الفعل؛ لأنَّ هذا اسم إشارة فيه معنى الفعل وهو أُشيرُ لكنه ليس فيه حروف الفعل، حينئذ الذي يعمل إما أن يكون فيه معنى الفعل وحروفه كسائر ونحوه، وإما أن يكون فيه معنى الفعل دون حروفه، وهو يعمل فقد ينصب الحال أو التمييز ونحوه، والذي يكون عاملاً في المفعول معه هو القسم الأول ما فيه معنى الفعل وحروفه، والقسم الثاني ما فيه معنى الفعل دون حروفه لا يصح أن ينصب مفعولا معه، فحينئذ هذا لك وأباك لا يصح النصب، وإنما تقول: هذا لك ولأبيك بالجر، ولذلك عبر بعضهم بأن شرط المفعول معه أن يكون مسبوقًا بفعل أو ما فيه معنى الفعل

стр. 624

وحروفه، فهو شرط والشرط ينتفي المشروط بانتفائه، فالناصب هو الفعل كما ذكرناه، وليس الواو كما ذهب إلى ذلك عبد القاهر الجرجاني أن الواو هي الناصبة، وهذا ضعيف. [بَعْدَ وَاوِ مَعَيَّةٍ] المفعول معه لا يقع إلا بعد واو المعية، خرج به ما وقع بعد معَ، نحو: جاء زيد معَ عمروٍ، وهي نصٌّ في المعية، والأصل أنَّ مع في اللغة تدل على المصاحبة في المكان أو في الزمان، ومصاحبة كل شيء بحسبه، إذاً جاء زيد مع عمرو دلت على المصاحبة والجمعية، وليس عمرًا مفعولا معه، لأنَّ الشرط أن يقع بعد واو المعية. وخرج أيضًا ما بعد الباء نحو: بعت الدار بأثاثها، فالباء هنا بمعنى مع، أي بعت الدار مع أثاثها، فأثاثها ليس مفعولا معه، فلا بُدَّ أن يكون المفعول معه قد وقع بعد واو المعية، فإذا وقع بعد مع أو ما يفيد معنى مع أيْ معنى المعية كالباء مثلا نقول: هذا ليس بمفعول معه. [بَعْدَ وَاوِ مَعَيَّةٍ] لكن ليس كل واو معية، لأنَّ واو المعية قد تكون محتملة للعطف والمعية، إذًا قد تفيد معنى مع احتمالا، وقد تفيده نصًّا يعني لا يصحُّ أن يراد بها العطف، [بَعْدَ وَاوِ مَعَيَّةٍ] يعني بعد واو أريد بها التنصيص على المعية، فإذا قيل: جاء زيد وعمرو، فالواو حرف عطف وهي تشعر بالمعية، لكنها ليست نصًّا فيها، وخاصة إذا أريد بالواو مجرد العطف ولا تريد أنه جاء معه، ولذلك ذكرنا أن الواو لمطلق الجمع، قد يكون مرادا به الترتيب، وقد لا يكون مرادًا به الترتيب، بل عكس الترتيب، وقد ينوي بها المتكلم المعية، وتكون ظاهرة فيها، ولذلك

стр. 625

جوزوا على ضعف أن يقال: جاء زيدٌ وعمرًا بالنصب على أنه مفعول معه، لكنه مرجوح لاحتمال أن تكون الواو لمجرد العطف، والأصل في الواو أنها للعطف، فحينئذ ما دار بين أصله مع احتمال شيء آخر فالأولى أن يحمل على أصله فيرجح الرفع على النصب، وإذا قيل: مزجت ماءً وعسلاً، المثال فيه معنى المعية، لكن المعية هنا ليست من الواو وإنما من العامل، فالمزج هنا مفهوم من العامل وليس من الواو، إذًا خرج بقوله: [بَعْدَ وَاوِ مَعَيَّةٍ] أيضًا ما إذا كانت الواو للعطف والمعيةُ فُهمت من العامل كالمثال السابق. [فِي قَوْلِ كُلِّ رَاوِي] الأصل راوٍ بحذف الياء لأنه منقوص منون، ولكن رجعت الياء عند الوقف، لحذف التنوين، والراوي أي الناقل للغة العرب، لأنَّ اللغة الأصل فيها النقل كما قال السيوطي: وَعُرِفَتْ بِالنَّقْلِ لاَ بِالعَقْلِ ... فَقَطْ بِلِ اسْتِنْبَاطِهِ مِنْ نَقْلِ وعرفت أي اللغة بالنقل، وقد يكون متواترًا، وقد يكون آحادًا، فبعض الكلمات منقولة تواترًا كالسماء والأرض والماء والجمل والبعير والحمار هذه منقولة بالتواتر، وبعضها منقول بالآحاد لم ينقل عن كل العرب وإنما عن بعض وأفراد مثل خندريس، وزهزقت وهلقمت، فهذه كلمات ليست مشهورة في لغة العرب إنما نقلها يكون بالآحاد.

стр. 626

نَحْوُ أَتَى الأَمِيرُ وَالجَيْشَ قُبَا ... وَسَارَ زَيدٌ وَالطَّرِيقَ هَارِبَا [نَحْوُ] أي مثل قولك [أَتَى الأَمِيرُ وَالجَيْشَ قُبَا] أتى فعل ماض، والأمير فاعل، والجيشَ الواو للمعية، والجيشَ بالنصب على أنه مفعول معه، ويصح فيه الرفع ويصح فيه النصب، لكن إذا نصب فهو مفعول معه قطعًا، وإذا رفع فليس مفعولاً معه، وإنما خرج عن كونه مفعولاً معه، لاحتمال العطف، قد يرجح التنصيص على المعية فينتصب ما بعدها، ولإمكانه إيقاع الفعل من المعطوف والمعطوف عليه صح الرفع، إذاً والجيش منصوب على أنه مفعول معه، ويجوز الرفع على العطف، لأنه يصح أن يكون فاعلاً من جهة المعنى، لأن الإتيان يصح أن يكون من الأمير ويكون من الجيش، إذاً صحَّ إيقاع الفعل وهو الإتيان من المعطوف والمعطوف عليه، فحينئذٍ صار مشاركاً للأول فصح الرفع، فيقال: جاء الأمير والجيشُ، والنية هي التي تعين المراد بالنسبة للمتكلم، وأما إذا كنت تقرأ فاحمله على العطف أولى، و [قُبَا] محل معروف بالمدينة النبوية. فالواو حينئذ إذا نصب ما بعدها تكون بمعنى مع، وعاطفة إذا رفعت ما بعدها والذي يعين هذا أو ذاك هو نية المتكلم، فأنت ما الذي تريده؟ هل تريد الإخبار بأنَّ الفعل قد وقع من الاثنين، أو يكون الفعل قد وقع من الأمير والجيشُ مصاحبٌ له؟ أنت الذي تحدد، وأما أنا فإذا سمعتُ أو قرأتُ فلي أن أحمل على أي المحملين إذا لم يكن قرينة ظاهرة.

стр. 627

[وَسَارَ زَيدٌ وَالطَّرِيقَ هَارِبَا] سار فعلٌ ماضٍ، وزيد فاعل، والطريق الواو واو المعية والطريقَ بالنصب على أنه مفعول معه، وهنا يتعين النصب لأن الطريق لا يسير، فلا يصح إيقاع السير من المعطوف والمعطوف عليه، إذًا لا يمكن حمل الواو هنا على العطف، فتتعين الواو للمعية، ومثله استوى الماء والخشبة هذا المثال المشهور استوى الماء يعني ارتفع الماء والخشبة مع الخشبة، فالخشبة لم ترتفع وإنما ارتفع الماء فقط، وهاربًا حال من زيد. إذاً مثل بمثالين فالأول فيه إشارة إلى أن المفعول معه قد يجوز عطفه على ما قبله، وقد لا يجوز كما في المثال الثاني، هذه ضوابط المفعول معه وهو يعد من النواصب.

стр. 628

المَخْفُوضَاتُ مِنَ الأَسْمَاءِ لَمَّا أنهى الكلام على المنصوبات شرع في القسم الثالث، وهو المخفوضات؛ لأن التقسيم عندهم ثلاثي، المرفوعات، ثم المنصوبات، ثم المخفوضات، وقدَّموا المرفوعات لأنَّ منها ما هو عمدة كالمبتدأ، والخبر، والفاعل، ونائبه، ثم المنصوبات لأنَّ منها ما يكون منصوبًا بالفعل، والفعل هو الأصل في العمل بخلاف المخفوض وهو الأخير لأنه لا يكون أثرًا للفعل. قوله: [مِنَ الأَسْمَاءِ] هل هو قيد للاحتراز عن الأفعال والحروف أو لبيان الواقع؟ نقول: لبيان الواقع لأنَّ الخفض لا يدخل الأفعال ولا يدخل الحروف، قوله: [المَخْفُوضَاتُ مِنَ الأَسْمَاءِ] أخرج المرفوعات، والمنصوبات من الأسماء، هذا محتمل، ولكن الظاهر أنه ليس للاحتراز لأنَّ الطالب سيدرس أوَّلاً المرفوعات ثم يتلوها المنصوبات ثم إذا جاء عند المخفوضات يعلم أنه ليس احترازًا عن المرفوعات والمنصوبات. [المَخْفُوضَاتُ مِنَ الأَسْمَاءِ] المخفوضات جمع مخفوضة أو مخفوض، والمخفوض من الاسم هو ما اشتمل على علامة الخفض وهو الكسرة أو ما ناب عنها. فنحو: مررت بزيدٍ، فزيدٍ: اسم مخفوض لأنه اشتمل على الكسرة، ونحو: مررت بالزيدين، فالزيدين اسم مخفوض لأنه اشتمل على علامة الخفض وهي الياء النائبة عن الكسرة وهلم جرا.

стр. 629

والاسم المخفوض إما أن يكون مخفوضًا بحرف، أو باسم وهو المضاف، فالمخفوض بالحرف كقولك: مررت بزيدٍ، والمخفوض بالمضاف نحو: جاء غلامُ زيدٍ، فزيدٍ مخفوض كما أن قولك بزيد مخفوض، والعامل فيه هو حرف الجر الباء، والعامل في زيد من قولك جاء غلامُ زيد هو غلام على الأصح، فالعامل في المضاف إليه هو المضاف، وليس الحرف المقدر في المعنى لأنه على معنى حرف كما سيأتي، نقول: التقدير لا يجعله عاملاً لأنَّ حرف الجر إعماله وهو ملفوظ به ضعيف، فكيف إذا صار مقدرًا أو محذوفًا؟! فيكون من باب أولى أن لا يعمل، وهذه علة عدم إعمال حرف الجر محذوفًا لأنَّ إعماله وهو ملفوظ به ضعيف نحو: مررت بزيد، فالباء حرف جر، وهو عامل ضعيف وهو ملفوظ به، فكيف إذا قُدِّر فقيل: غلام زيد على معنى اللام، فتكون اللام هي الخافضة، فأولى أن يكون ضعيفًا فلا يعتمد حينئذ في تعليق العمل به، بل الصواب أنَّ المضاف إليه مخفوض بعين المضاف وهو اسم. والقول بأنَّ الإضافة التي هي معنىً من المعاني هي العامل في المضاف إليه نقول: هذا أيضًا قول ضعيف؛ لأنه متى ما دار جعل العامل إما لفظيًّا أو معنويًّا فجعله لفظيًّا أولى وأحرى.

стр. 630

بَابُ الإِضَافَةِ لم يذكر الخفض بالحرف لعله إحالة إلى ما سبق وهو حروف الجر التي ذكرها أولا. [بَابُ الإِضَافَةِ] الإضافة مصدر، وليس المراد بالإضافة المعنى المصدري بل المضاف والمضاف إليه، فحينئذ يكون من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول مجازًا. واسم المفعول المراد به هنا هو المضاف المطلق، ليشمل المقيَّد بحرف جر وغيرَ المقيَّد، لأنَّ المضاف نوعان: مضاف، ومضاف إليه، والقدر المشترك بينهما هو المضاف، وهنا أراد المضاف من حيث هو بقطع النظر عن كونه مضافًا أو مضافًا إليه، [بَابُ الإِضَافَةِ] أطلق المصدر وأراد اسم المفعول أي المضاف، وهو المضاف والمقيَّد بالجار، لكن حمله على المقيَّد بالجار أولى، لأنه يتكلم عن المخفوضات، والتعميم في مثل هذا الموضع كما صنعه البعض فيه نوع إيهام، لأنه لا يتكلم عن المضاف، لأن المضاف يكون بحسب العوامل الداخلة عليه، فإن دخل عليه عامل يقتضي الرفع رُفِع، وإن دخل عليه عامل يقتضي النصب نُصِب، وإن دخل عليه عامل يقتضي الجر جُرَّ، فتقول: جاء غلامُ زيدٍ غلامُ بالرفع وهو مضاف، لأنَّ إعرابه بحسب العوامل الداخلة عليه، ورأيت غلامَ زيدٍ غلامَ بالنصب لأنه دخل عليه عامل يقتضي النصب، ومررت بغلام بالجر لأنه دخل عليه عامل يقتضي الجر وهو الباء، أما زيد من نحو: غلام زيد هو محل البحث عند النحاة في مثل هذا الموضع.

стр. 631

[بَابُ الإِضَافَةِ] الإضافة لغة: مطلق الإسناد ومنه قول الشاعر: فَلمَّا دَخَلْنَاهُ أَضَفْنَا ظُهُورَنَا ... إِلَى كُلِّ حَارِيٍّ جَدِيدٍ مُشَطَّبِ أضفنا ظهورنا يعني أسندنا ظهورنا، وأما الإضافة في الاصطلاح: فهي إسنادُ اسمٍ إلى غيره بتنزيل الثاني منزلة تنوينه أو ما يقوم مقامه. إسناد اسم إلى غيره لأنَّ الإسناد المراد به النسبة والارتباط والعلاقة بين اسمين، فكلما أُسند لفظ إلى لفظ نقول: وُجد ارتباطٌ وعلاقةٌ بينهما، هذه العلاقة قد تكون تامة، وقد تكون جزئية تقييدية، فإذا كانت تامة يُعَنون لها عند النحاة والمناطقة بالنسبة التامة أو النِّسَبِ الكلية، وضابطها ما كانت النسبة أو الارتباط أو الاجتماع أو التعلق بين المبتدأ والخبر، وبين الفعل والفاعل، وما عدا ذلك فكلُّ ارتباطٍ بين كلمتين فهي نسبة تقييدية ليست تامة، لأنَّ الارتباط هنا بين اللفظين: إما أن تكون الإفادة على وجه التمام أولا؛ أي لا على وجه التمام، والإفادة هي ما أفاد فائدة تامة، وهذا ما وُجد فيه شرط الكلام أن يكون مسندًا ومسندًا إليه، وما كان مفيدًا لا على وجه التمام كالمركب الإضافي، والمركب التقييدي، والمركب الإسنادي المسمى به مثلاً كلُّ مركبٍ لا ينطبق عليه حدُّ الكلام يسمى الارتباط بين اللفظين نسبة تقييدية، كالحيوان الناطق، وتقول: جاء زيدٌ العالمُ، هذا مثال يصلح للنسبتين فجاء زيد، هنا حصلت نسبة تامة، وهي إسناد المجيء إلى زيد، وصار الكلام تامًّا، إذًا بينهما ارتباطٌ وعلاقةٌ وأفاد فائدة تامة لأنَّ جاء هذا مسند، وزيد

стр. 632

مسند إليه، وأما زيد العالم فزيد فاعل والعالم صفة له، فبينهما ارتباط قطعًا لأنه صفة مع موصوفها، وبينهما ارتباط وعلاقة ونسبة، ولكن هذه النسبة ليست تامة بل ناقصة تقييدية، لأنها لا تفيد فائدة الكلام الفائدة التامة، فحينئذٍ المركب الإضافي من النوع الثاني، وهو ما كانت فيه النسبة تقييدية، لذا قال: إسناد اسم إلى غيره لتنزيل الثاني منزلة التنوين من الأول، تقول: غلامٌ، وهو اسم نكرة، وتنوينه تنوين تمكين، إذا أضفته وجب حذف التنوين فتقول: غلامُ زيدٍ نُزِّل زيد المضاف إليه من الأول المضاف منزلة التنوين، لأنه يجب عند الإضافة إضافة الاسم الأول إلى الثاني حذف التنوين من الأول؛ لأن الثاني نزل منزلة الجزء من الأول، ولذلك لما صار زيد كالجزء من غلام أخذ التنوين من الأول فصار في آخره على الدال، لأنه صار كالكلمة الواحدة، إذًا نزل الثاني منزلة التنوين مما قبله، أو مما ينوب عنه تقول: جاء غلاما زيدٍ فغلاما زيد أَصله غلامان مثنى فلما أضيف غلامان وجب حذف التنوين، وليس عندنا تنوين بل ما يقوم مقام التنوين وهو النون، فلما كانت النون قائمة مقام التنوين حذفت عند الإضافة كما يحذف التنوين، فقيل: جاء غلاما زيد، ومثله كاتبوا القاضي، أصله كاتبون حذفت النون وهي عوض عن التنوين في الاسم المفرد من أجل الإضافة ولذلك قال بن مالك: نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا ... مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَطُورِ سِينَا

стр. 633

يجب حذف التنوين من المضاف، ويجب حذف النون التالية للإعراب يعني حرف الإعراب، احترازًا من نون حينٍ وشياطينَ وبساتينَ فإنه لا يجب حذفها تقول: شياطينُ الإنسِ فلا تحذف النون، لأن النون هنا متلوة بالإعراب وليست تالية للإعراب، بل هي متلوة، وغلامان النون هنا تالية للإعراب وقعت بعد حرف الإعراب وهو الألف، وشياطينُ الضمة بعد النون فصارت النون متلوة بالإعراب وليست تالية للإعراب. ولذلك يجب تجريد المضاف من التنوين ومن النون التي هي علامة الإعراب لقيام المضاف إليه مقامه، ومنه والمقيمي الصلاة قال تعالى: (إِنَّكُمْ لذائقوا الْعَذَابِ) [الصافات:٣٨] والأصل ذائقون ثم أضيف فقيل: ذائقوا العذابِ. فالإضافة لا تجتمع مع التنوين، لأنه يدل على كمال الاسم، والإضافة تدل على نقصانه، ولا يكون الشئ كاملا ناقصًا، ولا مع النون التالية للإعراب، ولا مع أل. الخَفْضُ بِالحَرْفِ وَبِالإِضَافَهْ ... كَمِثْلِ زُرْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَهْ المضاف لا يكون إلا اسمًا، ولذلك عدَّ السيوطيُّ في الأشباه والنظائر أن المضاف والمضاف إليه من علامات الأسماء، فلا يكون المضاف إلا اسمًا، ولا يكون المضاف إليه إلا اسمًا، لأنَّ المضاف إليه حلَّ محل التنوين أو النون التالية للإعراب، إذًا المضاف إليه حل محل التنوين من المضاف، والتنوين يدخل الأسماء فقط، وأيضًا الغرض من الإضافة في الأصل هو التعريف، والذي يقبل التعريف هو الاسم فحسب، فإذا قيل: غلامُ زيدٍ أفاد زيد المضافُ إليه المضافَ

стр. 634

النكرةَ في الأصل أفاده تعريفًا، إذًا اكتسب المضاف من المضاف إليه التعريف، وهذا هو الأصل في فائدة الإضافة جيء بها من أجل التعريف، والفعل لا يقبل التعريف، حينئذٍ صح أن يحصر المضاف في الاسم. والأصل في المضاف إليه أن يكون اسمًا أيضًا لأنه محكوم عليه في المعنى، ولا يحكم إلا على الأسماء، فإن قيل: قد تقع الجملة في محل جر مضاف إليه، نقول: المضاف إليه إما أن يكون اسمًا صريحًا أو مؤولا بالصريح، فحينئذٍ المضاف إليه إذا وقع جملة فعلية أو اسميه أُرجع إلى الاسم، وصارت القاعدة مطردة أنَّ المضاف إليه لا يكون إلا اسمًا. [الخَفْضُ] للاسم كائن [بِالحَرْفِ] أي حرف الجر، وأل للعهد الذكري لأنه ذكر فيما سبق عند قوله: وبحروف الخفض، والخفض مبتدأ، وبالحرف جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، فالخفض يكون بالحرف كقولك: مررت بزيد، فزيدٍ اسم مجرور بالباء، وهو حرف جر، فالعامل فيه نفس الباء، سواء كان الحرف أصليًّا أم زائدًا أو شبيهًا بالزائد؛ لأنَّ حروف الجر على ثلاثة أقسام: النوع الأول: ما هو حرفُ جرٍّ أصليٍّ، وهو الذي يدل على معنىً وضع له في لغة العرب كمِن وعن إذا استعملت في مواضعها، وتحتاج إلى متعلَّق تتعلق به وهو ينحصر فيه قول القائل: لاَ بُدَّ لِلَّجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ ... بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي إذًا ليس كلما مرَّ بك جار ومجرور تقول: الجار والمجرور متعلق بكذا، وإنما تنظر في الحرف هل استعمل في معناه الذي وضع له في لغة العرب أم لا؟ فحينئذ إذا كان كذلك تقول الجار والمجرور

стр. 635

متعلق بكذا وإلا فلا. النوع الثاني: حرف الجر الزائد، وهو الذي لا معنى له ولا يحتاج إلى متعلَّق، وقولهم: لا معنى له، ليس المراد به أنه سُلب عنه المعنى بالكلية، وإنما لم يستعمل في معناه الذي وضع له في لغة العرب، ونمثل بالقرآن قال تعالى: ((هَلْمِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ)) [فاطر:٣] والقرآن يُنزل على قواعد العرب المشهورة، فإذا ثبت في لغة العرب القول بالزيادة فلا مانع بأن يقال في القرآن ما هو حرف زائد لكن بالزيادة التي اصطلح عليها أهل اللغة، وليس المراد بالزيادة أنه يُمحى من القرآن ويحذف، لم يقل أحدٌ من العقلاء بهذا، وإنما مرادهم بالحرف الزائد هو الذي ليس له معنىً غير التوكيد، هكذا نص الخضري في حاشيته على ابن عقيل عند قولهم الباء حرف جر زائد في البسملة، ليس له معنىً غير التوكيد، إذًا له معنىً، ولكن المعنى الذي دل عليه في هذا التركيب غير المعنى الذي وضع له أصالة وابتداءًا في لغة العرب، فالحرف مِن في الآية لم يستعمل في أحد المعاني الموضوعة لها لغة، ولم تأت لأيِّ معنىً وضع له في لغة العرب إلا كونها أفادت التوكيد، فحينئذٍ هي زائدة ((هَلْ مِنْ خَالِقٍ (٣))) [فاطر:٣] فخالقٍ اسم مجرور بمن في اللفظ، لكنه في الحقيقة ليس بمجرور بمن، قد يُظَنُّ أنَّ مِن خالقٍ جار ومجرور متعلق بكذا، نقول: لا ليس كذلك، بل تقول: من حرف جر زائد، وإذا أردت أن تخرج عن العهدة فتقول: من صلة أو توكيد، قال بعضهم:
следующие страницы →