← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36087

فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (649 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

يكون موجباً بحيث لم يسبق بنفي ولا شبه النفي [يُنْصَبُ] أي المستثنى، وهو فعل مضارع مغير الصيغة ونائب الفاعل ضمير مستتر جوازاً يعود إلى ما، فالذي أتى من بعد إلا يُنصب هو المستثنى، [يُنْصَبُ] بمجموع هذه الشروط الثلاثة، ونصبه حينئذٍ يكون واجباً مطلقاً سواء كان الاستثناء متصلاً أو منقطعاً، متصلا كقام القوم إلا زيداً، أو منقطعاً كقام القوم إلا حماراً. والفرق بين الاستثناء المتصل والمنفصل أن المتصل ما كان من جنس المستثنى منه. والمنقطع ما لم يكن من جنس المستثنى منه. فنحو: قام القوم إلا زيداً نحكم على الاستثناء هنا بأنه متصل لأن زيدا من جنس القوم، ونحو: قام القوم إلا حماراً نحكم على الاستثناء بأنه منقطع لأن الحمار ليس من جنس القوم، وهذا من باب التقريب وإلا ففيه بعض النظر. [يُنْصَبُ] والعامل في المستثنى اختلف فيه على ثمانية أقوال، أقواها قولان: الأول: أنَّ العامل إلا فقط، وهذا مذهب ابن مالك ﵀ وهو ظاهر الألفية حيث قال: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ ... ....................... نَسَبَ النصب والاستثناء إلى إلا نفسها، حينئذ تقول: قام القوم إلا زيداً، فقام القوم فعل وفاعل، وإلا حرف استثناء، وزيدا

стр. 562

مستثنى منصوب بإلا ونصبه فتحة ظاهرة على آخره. الثاني: وهو مذهب كثير من النحاة المتأخرين أنه منصوب بالفعل الذي قبله بواسطة إلاَّ، فتقول: قام القوم إلا زيداً، زيداً منصوب على الاستثناء والعامل فيه الفعل المتقدم، حينئذٍ نقول قام القوم قام فعل لازمٌ ولا ينصب مفعولاً به، وهل نقول: الفعل اللازم لا ينصب مطلقاً أو لا ينصب مفعولاً به؟ الجواب: لا ينصب مفعولاً به، ولا يُنفى عنه النصب مطلقاً، بل قد ينصب التمييز والحال والعامل فيهما فعل لازم، والذي معنا هنا أن المستثنى منصوب بالفعل اللازم لكن بواسطة إلا. [فَما أتَى مِن بعْدِ إلاَّ يُنْصَبُ] وجوباً مع جميع هذه الشروط الثلاثة، والناصب له إلاَّ، الحرف وحده عند ابن مالك ﵀، وقيل: الفعل بواسطة إلا. [تَقُولُ قَامَ القَومُ إِلاَّ عَمْرَا] هذا مثال مستوفٍ للشروط الثلاثة، كلامٌ تامٌّ ذُكر فيه المستثنى منه وهو القوم، موجَب لم يتقدمه حرف سلب أو شبهه، والاستثناء واقع بعد إلاَّ، وهو استثناء متصل. [وَقَدْ أَتَانِي النَّاسُ إِلاَّ بَكْرَا] أتاني أتى فعل ماض، والناس فاعل، والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وإلا حرف استثناء، وبكراً منصوب على الاستثناء، وحكم النصب هنا واجبٌ لاستيفاء الشروط الثلاثة: كونه تامًّا، كونه موجبًا، كونه مستثنى بإلا، وهذان مثالان للاستثناء المتصل، وهو ما كان المستثنى من جنس المستثنى منه، ومنه قوله تعالى: ((فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ (٢٤٩))) [البقرة:٢٤٩] فشربوا

стр. 563

فعل ماضٍ، والواو فاعل وهو مستثنى منه، وقليلاً منصوب على الاستثناء لكونه مستثنى بإلا، والجملة مثبتة. وقوله: ((فَسَجَدَالْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلاَّ إِبْلِيْسَ)) [الحجر:٣٠] هذا فيه تفصيل على القول بأن إبليس من الملائكة فهو استثناء متصل، وعلى القول بأنه ليس منهم فهو استثناء منقطع. وَإِنْ بِنَفْيٍ وَتَمَامٍ حُلِّيَا ... فَأَبْدِلَ اوْ بِالنَّصْبِ جِيءْ مُسْتَثْنِيَا كَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ ... الاَّ صَالِحُ ... أَوْ صَالِحًا فَهْوَ ... لِذَيْنِ صَالِحُ الحال الثانية من أحوال المستثنى بإلا: جواز نصبه راجحاً أو مرجوحاً، وأشار إليها بقوله: [فَأَبْدِلَ اوْ بِالنَّصْبِ جِيءْ مُسْتَثْنِيَا] فأو للتخيير بين الإبدال والنصب، لذلك قلنا المستثنى بإلا في هذه الحالة الثانية جائزُ النصبِ سواء كان راجحاً أو مرجوحاً. قال ﵀: [وَإِنْ بِنَفْيٍ] أو نهي أو استفهام، فليس الحكم مختصا بالنفي فقط، [وَتَمَامٍ حُلِّيَا] الألف للإطلاق، والضمير يعود إلى الكلام، يقال: حلَّاها تحليةً ألبسها حَلْياً أي الحُلي أو وصفها ونعتها،، فكأنه جعل الأصل في الكلام الإيجاب ثم كُسي وأُلبس النفي، فدلَّ على أنه ليس موجبًا لأن الأصل الإيجاب، فإذا دخل عليه نفيٌ كأنه كُسي ثوباً أو حلية، [وَتَمَامٍ حُلِّيَا] التمام هو أن يكون الكلام تاماًّ بمعنى أن يُذكر المستثنى منه، إذاً الشرط الأول أن يكون الاستثناء بإلا، والشرط الثاني تمام الكلام، أن يكون المستثنى منه مذكوراً في الكلام، وهذان الشرطان في الحالة الثانية وفي الحالة الأولى أيضاً، والذي تخلَّف هو الإيجاب، وهذا هو الفرق بين المسألتين وجوب

стр. 564

النصب وعدم النصب أنه انتفى عن الحالة الثانية الإيجاب وكُسي النفي أو الاستفهام أو النهي، فحينئذٍ نقول: الكلام غير موجَبٍ هذا هو المراد هنا أن يكون الكلام غيرَ موجب مع بقية الشرطين المذكورين في الحالة الأولى. قال: [فَأَبْدِلَ اوْ بِالنَّصْبِ جِيءْ مُسْتَثْنِيَا] يعني ائتِ بالمستثنى مُبدَلاً مما قبله بدلَ بعضٍ من كل، أو ائت به منصوباً على الاستثناء على الأصل، ولكن النصب على الاستثناء هنا ليس بواجب بل هو جائز، ومع هذه الشروط الثلاثة فليس الحكم منصبا على الاستثناء مطلقا كما هو في الحالة الأولى، بل لابد من تفصيل في حالة الاستثناء، لأننا ذكرنا في الحالة الأولى أنه يجب النصب سواء كان الاستثناء متصلاً أو منفصلاً. وهنا الحكم يختلف، فننظر إلى نوع الاستثناء هل هو متصل أو منقطع؟ حينئذٍ إذا كان الكلام غيرَ موجب فنقول: لا يخلو الاستثناء من إحدى حالتين: الأولى: أن يكون الاستثناء متصلا، فحينئذٍ يجوز في المستثنى وجهان: الوجه الأول: الإتباع، أن يُجعل تابعًا للمستثنى منه، فيُعرب بدلا منه بدلَ بعضٍ من كل عند البصريين، أو عطف نسق عند الكوفيين. الوجه الثاني: النصب على الاستثناء، لكنه جوازاً لا وجوباً، وهو محفوظ، ولكنَّ الأوَّل أجود منه، مثَّل هنا بقوله: [كَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ الاَّ صَالِحُ] لم حرف نفي وجزم وقلب، ويقم فعل مضارع مجزوم بلم

стр. 565

وجزمه سكون آخره، وأحدٌ فاعل وهو المستثنى منه، وهو مذكور، إذاً الكلام تام، وهو غير موجب، وإلا حرف استثناء، فالاستثناء بإلا، وصالح وهو المستثنى يجوز فيه وجهان، لأن الاستثناء هنا متصل، لأنَّ صالحا من جنس المستثنى منه وهو أحدٌ الذي أُثبت له القيام، حينئذٍ نقول: إلا صالحٌ على الإتباع، فيُعرب بدل بعض من كل، لأن أحد كل، وصالح بعض منه، كما قلنا في قوله: (((((((عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ (٩٧))) [آل عمران:٩٧] فالمستطيع بعض من الناس، حينئذٍ نحكم عليه بأنه مستثنى وحكمه الإتباع أُتبع ما قبله على أنه بدل بعض من كل. [أَوْ] أي وإن شئت قل: إلا [صَالِحًا] بالنصب، وهو وجه محفوظ في لغة العرب، ونصبه على الاستثناء على الأصل، وما جاء على الأصل لا يُسأل عنه. والحاصل أن الاستثناء المتصل من كلام منفي فيه وجهان: الإبدال والنصب على الاستثناء، والإتباع أجود من النصب على الاستثناء. [فَهْوَ] أي المستثنى [لِذَيْنِ] أي النصب والإتباع [صَالِحُ] لها، لكن لا على السواء بل الأوَّل مُقدَّم، ولذلك قال: [فَأَبْدِلَ] قدم الإبدال على النصب، وإذا قُدِّم أمرٌ على أمر آخر فالأوَّل أرجحُ من الثاني. الثانية: أن يكون الاستثناء منقطعاً، فأهل الحجاز يوجبون النصب، فيقولون: ما قام القوم إلا حماراً بالنصب وجوباً ولا يجوز

стр. 566

عندهم الإتباع، فلا يصح ما قام القوم إلا حمارٌ، لأنك لو قلت: إنه بدل بعض من كل لأنه جزءٌ منه وفي الحقيقة ليس جزءاً منه، ليس جزءاً من القوم فحينئذٍ وجب النصب، قال تعالى: ((مَالَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ (١٥٧))) [النساء:١٥٧] بالنصب وجوبا لأن اتِّباع الظنِّ ليس من جنس العلم. وبنو تميم يجيزون الوجهين: الإتباع والنصب فيجوز عندهم: ما قام القوم إلا حماراً، وما قام القوم إلا حمارٌ. وحاصل هذه الحالة: إذا كان الكلام تاما غير موجبٍ فإن كان الاستثناء متصلا جاز فيه وجهان: النصب على الاستثناء، والإتباع على أنه بدل بعض من كل، وإن كان منقطعاً فعند أهل الحجاز واجب النصب، وعند تميم يجوز فيه الوجهان. إذًا التفرقة بين المتصل والمنقطع هذا على لغة أهل الحجاز. وعند تميم يجوز فيه الوجهان مطلقا يستوي عندهم الاستثناء المتصل والمنقطع. ومثال النفي قوله تعالى: (ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ (٦٦))) [النساء:٦٦] قرأ السبعة غير ابن عامر بالرفع على الإبدال من الواو في فعلوه، وقرأ ابن عامر وحده بالنصب على الاستثناء، إذًا ما فعلوه إلا قليلٌ منهم، إلا قليلا، بالنصب على الاستثناء وبالرفع على البدلية.

стр. 567

ومثال النهي قوله تعالى: (((وَلَايَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ (٨١))) [هود:٨١] ولا يلتفت هذا نهي، وقوله: إلا امرأتك قُرئ بالوجهين، قرأ أبو عمرو وابن كثير بالرفع على الإبدال من أحد إلا امرأتُك، وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء ويحتمل وجهين: إما أن يكون مستثنى من أهلك في أول الآيات قوله (((فَأسْرِ بأهلك بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ (٨١))) [هود:٨١] فيكون النصب واجباً، لأنه كلام تام موجب وذُكر المستثنى منه فحينئذٍ يجب النصب. وإما أن يكون مستثنى من أحد فيكون جائز النصب، وقرأ الأكثر على الوجه المرجوح، لأن القرآءة سنة متبعة، ومرجعها الرواية لا الرأي. فيكون النصب جائزا لا واجباً. ومثال الاستفهام قوله تعالى: (ومن يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦))) [الحجر:٥٦] ومَن استفهام، وقوله: إلا الضالون استثناء، من حيث اللغة يجوز الوجهان: إلا الضالون، وإلا الضالين لأنه استثناء بإلا والكلام تام ولكنه غير موجب لسبْقه بالاستفهام. ومن يقنط الفاعل ضمير مستتر تقديره هو، وهو المستثنى منه، فهو مذكور في الكلام، إلا الضالون هذا مستثنى من الفاعل المستتر، فيجوز فيه الرفع على البدلية، ويجوز فيه النصب على الاستثناء، والقراءة سنة متَّبعة.

стр. 568

الحالة الثالثة من أحوال المستثنى بإلا: ما يُسمَّى بالاستثناء المفرَّغ، ولا يكون إلا من كلام منفي، ولم يذكر فيه المستثنى منه، لأنهم رتبوا الشروط على حسب الكلام فوجوب النصب مع استيفاء الشروط الثلاثة، وجوازه بإسقاط شرط الإيجاب فقط في الحالة الثانية، فصار منفياً، والذي بقي هو الاستثناء بإلا ولا بد أن يبقى معنا هذا الشرط، إذًا الذي بقي ويمكن إسقاطه هو شرط ذكر المستثنى منه، وهذا هو الاستثناء المفرَّغ ولا يكون إلا من كلام منفي لم يذكر فيه المستثنى منه. أَوْ كَانَ نَاقِصًا فَأَعْرِبْهُ عَلَى ... حَسَبِ مَا يَجِيءُ فِيهِ العَمَلاَ [أَوْ] للتنويع والتقسيم [كَانَ] هو أي الكلام [نَاقِصًا] هذا مقابل لقوله [إِذَا الكَلاَمُ تَمَّ] لأن الكلام إما أن يكون تاماً وهذا بذكر المستثنى منه، وإما أن يكون غير تام وهذا يسمى الناقص، بأن يُسقط المستثنى منه، ولم يَذكر النفي أو الإيجاب لأنه لا يكون ناقصًا إلا إذا كان منفيا، فلا يكون ناقصًا وهو موجب لامتناعه، قالوا: يمتنع أن يقول: رأيت إلا زيداً، هذا مستحيل لا يمكن أن يقع، رأيت إلا زيداً، يعني رأيت كلَّ الناس إلا زيداً، وهذا لا يحصل لأنه يستحيل أن يكون رأى كل الناس واستثنى زيداً، لكن ما رأيت إلا زيداً، هذا ممكن أن تنفى الرؤية عن الناس كلهم، ولا تثبت إلا لزيد. ولا تقول أيضًا: ضربت إلا زيداً، معناه ضربتُ كلَّ الناسِ إلا زيداً، لم يقع عليه الضرب، هذا أيضاً مستحيل، استحالة ضربك جميع الناس غير زيدٍ. إذًا علمنا أنه غير تام لعدم ذكر المستثنى منه

стр. 569

وأنه لا يكون إلا منفياً، فما حكمه؟ قال: [فَأَعْرِبْهُ] وهذا أمر وهو للوجوب [عَلَى حَسَبِ مَا يَجِيءُ فِيهِ العَمَلاَ] أي يُعطَى ما يستحقه - أي المستثنى الذي يقع بعد إلا- يُعطَى ما يستحقه لولم توجد إلاَّ، فإذا قال: ما قام إلاَّ زيدٌ، نقول: هذا استثناء مفرَّغ لعدم ذكر المستثنى منه، فننظر لما بعد إلاَّ كأنها لم توجد في الكلام، فتعربه فاعلا، فتقول: ما قام إلا زيدٌ، ما حرف نفي، وقام فعل ماض، وإلا حرف استثناء ملغاة، وزيدٌ فاعل، إذاً ما بعد إلاَّ تعربه كما لو لم تكن إلا موجودة, ولذلك سمي مفرغاً لأن ما قبل إلاَّ قد تفرغ لطلب ما بعدها. [فَأَعْرِبْهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَجِيءُ فِيهِ العَمَلاَ] أي على حسب ما يطلبه العامل، إنْ طَلبه فاعلاً رَفعَه على الفاعلية، وإنْ طلبه مفعولاً به نصَبه على المفعولية، وإنْ طلبه مجروراً بحرف جر جُرَّ بحرف الجر، وسيمثل لها كلها، والاستثناء حينئذٍ يكون من لفظٍ عامٍ محذوف يعني لا بُدَّ من تقديره، وهذا مما يذكره النحاة من المواضع التي يجب فيها حذف الفاعل، فنحو: ما قام إلاَّ زيدٌ، من جهة المعنى لا بد من مراعاة الاستثناء؛ لأن إلاَّ أُلغيت من جهة العمل، وعندما نقول: إلاَّ ملغاة، إنما ألغيت من جهة العمل وأما من جهة المعنى فلا بُدَّ أن يكون للاستثناء أثر، فإذا قيل: ما قام إلاَّ زيدٌ، تقديره ما قام أحد إلا زيدٌ، فأحد هذا هو المستثنى منه المحذوف. كَمَا هَدَى إِلاَّ مُحَمَّدٌ وَمَا ... عَبَدتُّ إِلاَّ اللهَ فَاطِرَ السَّمَا

стр. 570

[كَمَا هَدَى إِلاَّ مُحَمَّدٌ] أي كقولك أو مثل قولك: ما هدى إلا محمد، يعني ما هدى هداية الإرشاد والدلالة في النصح والتوجيه والإخلاص إلا محمدٌ ﷺ لأنها بَلَغَتِ الغاية، ولا يَعْدِلُه أو يساويه أحدٌ مهما كان، فما نافية، وهدى فعل ماض، وإلاَّ أداة استثناء ملغاة يعني من جهة العمل وأما المعنى فلها أثرها، ومحمدٌ فاعل لهدى، والتقدير: ما هدى أحد إلا محمدٌ، حينئذٍ يكون الاستثناء في المعنى من اسم عام محذوف واجب الحذف. [وَمَا عَبَدتُّ إِلاَّ اللهَ فَاطِرَ السَّمَا] أي خالق السماء، فما حرف نفي، وعبدت فعل وفاعل، وهو يطلب مفعولاً، وإلا أداة استثناء ملغاة، ولفظ الجلالة منصوب على المفعولية، فنعربه مفعولاً به ولا نقول: مستثنى أو منصوب على الاستثناء، لأن الاستثناء هنا استثناء مفرَّغ بمعنى أنَّ العامل الذي قبل إلا قد تفرَّغ لطلب ما بعد إلاَّ فنصبه على أنه مفعول به له، وفاطر السماء بدل أو عطف بيان. وَهَلْ يَلُوذُ العَبْدُ يَوْمَ الحَشْرِ ... إِلاَّ بِأَحْمَدَ شَفِيْعِ البَشَرِ [وَهَلْ يَلُوذُ] لاذ به لجأ إليه وعاذ به وبابه قال، [وَهَلْ يَلُوذُ العَبْدُ يَوْمَ الحَشْرِ إِلاَّ بِأَحْمَدَ شَفِيْعِ البَشَرِ] والمقصود هو الشفاعة العظمى، [وَهَلْ] استفهام، إذاً الكلام غير موجب، لأنَّ غير الموجب هنا ما سبقه نفي أو استفهام أو نهي، [إِلاَّ بِأَحْمَدَ] ما بعد إلاَّ سُلِّط عليه ما يتعدَّى به يلوذ، لأن يلوذ من لاذ به أي لجأ إليه، فلا يتعدى بالباء، وأحمد لما كان واقعًا بعد إلا في استثناء مفرَّغ سُلِّط عليه العامل يلوذ فدخل عليه حرف الجر وهو الباء، كأنه قال: يلوذ

стр. 571

بأحمد ﵊. إذاً ذَكَر لك ثلاثة أمثلة رفعًا ونصبًا وجرًّا، لأن الاستثناء المفرَّغ أن يكون العامل الذي قبل إلاَّ مسلَّطا على ما بعد إلا، كأنَّ إلا لم تذكر أصلا ولذلك دخل حرف الجر هنا بعد إلا. إذاً هذه ثلاثة أحوال للمستثنى بإلاَّ: وجوب النصب، وجواز النصب، وأن يُعطى المستثنى الذي بعد إلا على حسب ما يقتضيه العوامل. ثم شرع في بقية الأدوات، وأدوات الاستثناء غير إلاَّ على ثلاثة أقسام: الأول: ما يخفض دائماً يعني يَجُرُّ ما بعده، وهو غير وسوى، حينئذٍ يكون المستثنى مجروراً دائماً. والثاني: ما ينصب دائماً، وهو ليس ولا يكون. والثالث: ما يخفض تارة وينصب تارة أخرى، وهو عدا وحاشا وخلا. وسيذكرها الناظم متتالية، قال ﵀: وَحُكْمُ مَا اسْتَثْنَتْهُ غَيرُ وَسِوَى ... سُوَى سَوَاءٌ أَنْ يُجَرَّ لاَ سِوَى [وَحُكْمُ] مبتدأ، و [أَنْ يُجَرَّ] أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر المبتدأ. حكم ما استثنته يعني حكم المستثنى بغيرٍ وسوى أن يكون مجرورا، فما بعد غير وما بعد سوى هو المستثنى، تقول: قام

стр. 572

القوم غيرَ زيدٍ، فزيدٍ هو المستثنى، لأنك أخرجت زيدًا من القوم، أو جئت بغير وهو قول متصل للدلالة على أنَّ زيدًا غيرُ مراد بالقول الأول على القولين، وقام القوم كلام موجب تام، وغيرَ بالنصب على الحالية أو الاستثناء عند بعضهم، وهو مضاف وزيد بالخفض مضاف إليه، والمضاف إليه يكون دائمًا مخفوضًا، لذلك قال هنا: [وَحُكْمُ مَا اسْتَثْنَتْهُ غَيرُ] لأن غير من أدوات الاستثناء، [وَسِوَى] أي وما استثنته سوى، فهي من أدوات الاستثناء، [أَنْ يُجَرَّ] أي المستثنى، فالضمير يعود على المستثنى، ويجر بإضافة غيرٍٍ وسوى إليه، فتقول: قام القوم غيرَ زيدٍ، وقام القوم سِوى زيدٍ، وقد ذكرنا في أول الباب أن المستثنى من المنصوبات في بعض أحواله، وهذه الحالة التي يكون فيها المستثنى ليس منصوباً على الأصل، وإنما يكون مخفوضا، [لاَ سِوَى] أي لا غيرُ، ليس له حالة أخرى، وإنما يكون دائما مخفوضا، هذا حكم المستثنى. وأما حكم غير وسوى فإنها تأخذ حكم ما بعد إلاَّ، وما بعد إلاَّ قد يكون واجب النصب، وقد يكون جائزَ النصب، وقد يكون بحسب العوامل، فحكم الذي يقع بعد إلا هو الذي يعطى للفظة غير وسوى، فإذا قلت: قام القوم غيرَ زيد، نقول: يجب نصب غير هنا، لأن الكلام تام موجب، وإذا كان الكلام تامًّا موجبًا فما بعد إلا يكون منصوباً، حينئذ نقول: قام القوم غيرَ .. بالنصب، وحكم نصب غير هنا واجب، لأننا نقابلها بما بعد إلاَّ فلو قلت: قام القوم إلا زيداً، فحكم زيد هنا واجب النصب، إذاً تأخذ هذا الحكم وتعطيه لغير، إذا كان الكلام تامًّا

стр. 573

موجباً، فتقول: قام القوم غيرَ زيدٍ. وإذا قلت: ما قام القوم غيرَ زيدٍ وغيرُ زيدٍ، يصح الوجهان، لأنَّ الكلام إذا كان تاما منفيا فما بعد إلاَّ له وجهان إذا كان الاستثناء متصلا: إما النصب على الاستثناء، وإما الإتباع لما قبله على أنه بدل بعض من كل، فحينئذٍ إذا وقعت غير في كلام تام غير موجب جاز فيها الوجهان، فتقول: ما قام القوم غيرَ زيد بالنصب على الحالية، وما قام القوم غيرُ بالرفع على البدلية، فيجوز فيه الوجهان، وتقول: ما قام القوم غيرَ حمارٍ، بالوجهين أيضًا على مذهب التميميين، وعلى مذهب الحجازيين غيرَ بالنصب وجوبًا. وإذا قلت: ما قام غيرُ زيدٍ، فيجب رفع غير؛ لأنك تقول: ما قام إلا زيدٌ، فيجب رفع زيد، وما رأيت غيرَ زيدٍ فيجب نصب غير، وما مررت بغيرِ زيد، يتعين الجر بحرف الجر. والحاصل: أن حكم غير في الإعراب حكم ما بعد إلا، وحكم ما بعد إلا له ثلاثة أحوال: وجوب النصب، وجواز النصب، وعلى حسب العوامل، تنظر للفظة غير فنعطيها حكم ما بعد إلا، وإعرابها إذا نصبْتها فالأصح أنك تعربها حال، وجوَّز بعضهم النصب على الاستثناء، وإذا رفعت تعربها بدل بعض من كل. ولا نمثل بسوى لأن الإعراب لا يظهر على سوى، وحكم سوى حكم غير فتأخذ حكمها على الأصح على ما عليه الجمهور.

стр. 574

النوع الثاني: ولم يذكره الناظم وهو ما ينصب دائماً، وهو ليس ولا يكون، تقول: قام القومُ ليس زيداً، وقام القوم لا يكون زيداً، هذا واجب النصب دائما لا يكون إلا منصوباً، لأن المنصوب هنا خبر ليس، وخبر ليس دائما يكون منصوباً، والمنصوبُ بلا يكون خبرٌ لها وخبرها دائماً منصوب، ولذلك يُعرب خبرًا ولا يعرب مستثنى، والاستثناء هنا معنوي قام القوم ليس زيداً، قام القوم فعل وفاعل، وليس فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر وجوباً يعود على البعض المفهوم من الكل، وزيداً خبر ولا تقل مستثنى. وقام القوم لا يكون زيداً، قام القوم فعل وفاعل، ولا نافية، ويكون فعل مضارع ناسخ واسمه ضمير مستتر وجوباً تقديره هو يعود على البعض المفهوم من الكل السابق، وزيداً خبر يكون منصوب دائماً لا يجوز خفضه إلا إذا دخلت عليه الباء وهي حرف جر زائد فحينئذ يكون منصوباً تقديرا. وَانْصِبْ أَوِ اجْرُرْ مَا بِحَاشَا وَعَدَا ... خَلاَ قَدِ اسْتَثْنَيْتَهُ مُعْتَقِدَا فِي حَالَةِ النَّصْبِ بِهَا الفِعْلِيَّهْ ... وَحَالَةِ الجَرِّ بِهَا ... الحَرْفِيَّهْ تَقُولُ قَامَ القَوْمُ حَاشَا جَعْفَرَا ... أَوْ جَعْفَرٍ فَقِسْ لِكَيْمَا تَظْفَرَا النوع الثالث: ما ينصب تارة ويخفض تارة أخرى، ولذلك قال: [وَانْصِبْ أَوِ اجْرُرْ] فجوَّز الوجهين، لأنه قال: [وَانْصِبْ] وهو فعل الأمر، والأصل فيه أنه يقتضي الوجوب ثم جَوَّز الوجه الثاني بقوله: [أَوِ اجْرُرْ] فجعله قرينة صارفة عن الوجوب، فالمراد به النصب لكن لا على جهة الوجوب، وأو للتنويع، لكن هذا الحكم

стр. 575

إذا لم يكن ثَمَّ مانع منه، وهو إذا لم تدخل عليه ما، فحينئذٍ يكون جائزاً. وأما إذا دخلت عليه ما فيتعين النصب. [مَا بِحَاشَا وَعَدَا خَلاَ قَدِ اسْتَثْنَيْتَهُ] ما اسم موصول بمعنى الذي، وجملة قد استثنيته صلة الموصول، وبحاشا وما عطف عليه متعلق بقوله استثنيته، إذاً المستثنى يكون منصوباً إذا دخلت عليه حاشا وعدا وخلا، قال: [مُعْتَقِدَا] يعني حالة كونك معتقداً في حالة النصب [بِهَا الفِعْلِيَّهْ] بأن تعتقد أنَّ خلا وحاشا وعدا أفعال ماضية، وهذا يكون محلُّه القلب، فتقول: قام القوم عدا زيداً، معتقداً فعليَّة عدا، وقام القوم حاشا زيداً، معتقداً فعلية حاشا، وقام القوم خلا زيداً، معتقداً فعلية خلا، [وَحَالَةِ الجَرِّ بِهَا الحَرْفِيَّهْ] فكما يجوز النصب بها يجوز الخفض بها، فتقول: قام القوم عدا زيدٍ، وقام القوم خلا زيدٍ، وحاشا زيدٍ، إذاً نصبت وجررت بها واللفظ واحد. والمشهور عند النحاة التفصيل في عدا وخلا وحاشا، وحاشا المشهور عندهم أنها لا تصحب أي لا تدخل عليها ما، فحينئذٍ يجوز فيها الوجهان مطلقا، تقول: قام القوم حاشا زيداً وحاشا زيدٍ. ولا تصحبها ما المصدرية، وإعرابه قام القوم فعل وفاعل، وحاشا فعل ماضٍ لأنك نصبت بها معتقداً فعليتها، فإذا نظرت إلى ما بعد حاشا إذا كان منصوباً فحينئذ كانت حاشا فعلاً ماضيًا، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره هو يعود على البعض المفهوم من الكل السابق، وزيداً مفعول به ولا تقول مستثنى، ويجوز قام القوم حاشا زيدٍ بالخفض، فحاشا حرفُ جرٍّ مثل مِن وعن وإلى صارت حرف جر

стр. 576

بالنظر إلى ما بعدها لأنك جررت بها فإذا جررت بها فتعتقد حينئذ حرفيتها، فصارت حاشا حرف جر، وزيدٍ اسم مجرور بحاشا، ولا تقل مستثنى، لكن في المعنى في الحالتين نصبت أو جررت في المعنى ما بعدها يكون مستثنى مما قبله، هذا في حاشا. وأما عدا وخلا فهذه قد تتقدمها ما المصدرية فتقول: قام القوم ما عدا زيدًا وما خلا زيدًا، فإذا سبقتها ما المصدرية تعينت فعليتها، ولا يجوز الجر بها إلا قليلا قال ابن مالك: ... وانْجرارٌ قد يردْ .. فهو قليلٌ لكنَّه مسموع، والمشهور المقيس عليه أن ما إذا تقدمت على عدا وخلا وجب النصب، ولا يجوز الجر فلا يصح ما عدا زيدٍ ما خلا زيدٍ، لأن ما المصدرية لا تدخل إلاَّ على الأفعال ولا تدخل على الحروف، فإذا دخلت على عدا عينت أنها فعل، فنصب ما بعدها، وإذا دخلت على خلا عينت أنها فعل ونصب ما بعدها، ولا يجوز الجر على الأصح، وإذا لم يتقدمها ما صارت مثل حاشا وهي التي ذكرها الناظم هنا قد تنصب بها وتعتقد أنها فعل، وقد تخفض بها وتعتقد أنها حرف، لذلك التفصيل يكون في خلا وعدا دون حاشا. وَانْصِبْ أَوِ اجْرُرْ مَا بِحَاشَا وَعَدَا ... خَلاَ قَدِ اسْتَثْنَيْتَهُ مُعْتَقِدَا انصب أو اجرر ما قد استثنيته أي المستثنى بحاشا وعدا وخلا، ولم يذكر تعيَّن النصب فيما إذا تقدمت ما المصدرية على عدا وخلا، وهاتان الحالتان فيما إذا لم تتقدم ما المصدرية، وحاشا هذه قال بعضهم أنها قد تتقدمها ما المصدرية، فتقول: ما حاشا لكنه قليل،

стр. 577

وابن مالك قال: ولاَ تَصْحَبُ مَا. وقوله: في حالة النصب متعلق بقوله معتقداً، وبها متعلق بقوله النصب، والفعلية مفعول به والعامل فيه معتقداً الفعلية أي فعليتها فأل نائبة عن المضاف إليه. أي معتقداً فعليتها في حالة النصب بها، ومعتقدا حرفيتها في حالة الجر بها، إذاً مردُّها إلى القلب والاعتقاد. [تَقُولُ قَامَ القَوْمُ حَاشَا جَعْفَرَا أَوْ جَعْفَرٍ] حاشا جعفرا نَصَبَ بحاشا على أنها فعل، والدليل على أنها فعل ما بعدها، إذًا تحكُم على حاشا أو خلا أو عدا إذا لم تتقدمها ما تحكم عليها بما بعدها إن كان منصوباً فهي فعل؛ لأن الفعل هو الذي ينصب في الأصل، والفاعل حينئذٍ يكون ضميراً مستتراً واجب الاستتار يعود على البعض المفهوم مما سبق، فجعفراً مفعول به ولا تقل مستثنى، أو حاشا جعفرٍ بالخفض على أن حاشا حرف جر. [فَقِسْ] أي فقس على ما مضى، والقياس هو إلحاق فرع بأصل، والأصل هنا يكون هو القاعدة، والمثال يكون موضِّحًا لتلك القاعدة، فحينئذٍ إذا جاءك مثال فتلحق المثال بالمثال والنظير بالنظير [لِكَيْمَا تَظْفَرَا] تظفرا فعل مضارع، والألف للإطلاق، منصوب بكي، لأن اللام قد سبقتها لفظاً، فحينئذٍ كي نفسها هي الناصبة، إذاً المستثنى في بعض أحواله من المنصوبات.

стр. 578

بَابُ لاَ أي هذا باب بيان لا النافية للجنس، والمراد به اسم لا أي باب بيان اسم لا، لأنَّ اسم لا هو الذي يكون منصوباً لفظاً أو محلاً، وأما الخبر فهو مرفوع، لأنه في مقام تعداد المنصوبات، والمراد هنا بلا النافية للجنس، وتُسمَّى لا التبرئة أي تبرئة الجنس من الخبر، يقال برَّأتُه أُبَرِّؤُه إذا نفيت عنه حكم الخبر، وحينئذٍ تكون لا هذه نافية لاسمها نحو: لا رجلَ، وهي ليست نافية للرجل نفسه وإنما نافية للخبر الذي وصف به الرجل، فنحو: لا رجل في الدار، يعني لا وجود للرجل في الدار، ولذلك قال النحاة: لا رجل في الدار دلت لا على نفي الكينونة في الدار عن جنس الرجل لا على نفي الرجل، لأن الرجل ذات، والذوات الأصل فيها أنها لا تنفى، وإنما ينفى حكم الذات، وحكمُ الذات معنىً من المعاني، والمراد حينئذٍ بلا النافية للجنس لا الدالةُ على التنصيص على سبيل الاستغراق، لأنَّ لا تحتمل أنها دالة على نفي الوحدة مع احتمال نفي الجنس، وقد تكون دالة على التنصيص على نفي الجنس، فإذا قلت: لا رجلٌ في الدار، فهذه لا التي تعمل عمل ليس، وهي نافية، ولكن النفي هنا يحتمل أنه نفي للوحدة فحينئذٍ يصح أن تقول: لا رجلٌ بل رجلان أو بل رجال، ويحتمل أنه نفي للجنس، أي جنس الرجل ليس موجوداً في الدار، وحينئذ لا يصح أن تقول: لا رجلٌ في الدار بل رجلان أو بل رجال، لأنك نفيت جنس الرجال، حقيقة الرجل

стр. 579

ليست موجودة في الدار، ويصح أن تقول: لا رجلٌ في الدار بل امرأة، لأنك نفيت جنس الرجال وهذا لا يناقض أن تثبت جنس الإناث، فحينئذٍ لا النافية التي تعمل عمل ليس هذه محتملة لنفي الجنس، وليست نصاً في نفي الجنس، وإذا أريد التنصيص لفظاً بأن الجنس منفيٌّ، ولا يحتمل غيره جئت بالاسم مبنيا مع لا فقلت: لا رجلَ، بالبناء على الفتح، ولا هنا نصٌّ في استغراق النفي، ولذلك قيل: بني اسمها لأنه ضمن معنى من الاستغراقية، والأصل لا مِن رجلٍ، ورجل نكرة في سياق النفي فتعم، وإذا دخلت عليها من الاستغراقية صارت نصاً في العموم يعني ليست ظاهرة فيه، فلا رجلَ نصٌّ في العموم، لأنها على تقدير من الاستغراقية، ومعلوم أن النكرة عند الأصوليين إذا كانت في سياق النفي أو الشرط أو الاستفهام أنها تعمُّ ظاهرًا لا نصاً، وإذا سبقتها من الاستغراقية حينئذ تكون نصا في العموم، والفرق بين الظاهر والنص، أن الظاهرَ يحتمل التخصيص، والنص لا يحتمل التخصيص، ومنه قوله تعالى: (((وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ (٦٢))) [آل عمران:٦٢] فهذا العموم لا يَحتمل التخصيص، ومثله قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود:٦] لا يحتمل التخصيص، لأنه نصٌّ في العموم، والدليل على أنه نص ليس كون النكرة في سياق النفي فحسب، لأنها حينئذ تكون ظاهرة في العموم محتملة للتخصيص، وأما الدلالة على أنها نص في العموم بحيث لا يحتمل إخراج فرد من أفرادها دخول منْ الاستغراقية على النكرة، وهذا الباب له تعلق

стр. 580

بأصول الفقه لأنه من ألفاظ العموم. إذاً المراد النافية للجنس على سبيل التنصيص لتخرج لا العاملة عمل ليس. ولا النافية للجنس مما حُملت على إنَّ وأخواتها، يعني تعتبر من النواسخ التي تدخل على المبتدأ والخبر، فتدخل على المبتدأ فتنصبه على أنه اسم لها، والنصب قد يكون لفظاً أو محلاًّ كما سيأتي، وعلى الخبر فترفعه أي لا - على الصحيح- على أنه خبر لها. قال الناظم: اِنْصِبْ بِلاَ مُنَكَّرًا مُتَّصِلاَ ... مِنْ غَيرِ تَنْوِينٍ إذَا أَفْرَدتَّ لاَ [اِنْصِبْ] محلاًّ أو لفظاً، فمحلا فيما إذا كان اسم لا مفرداً لأنَّه مبنيٌّ معها، فحينئذٍ يكون النصب للمحل، ولفظاً فيما إذا كان اسم لا مضافاً أو شبيها بالمضاف، [اِنْصِبْ بِلاَ] أي النافية للجنس، إذاً لا تدخل معنا لا الناهية ولا الزائدة ولا النافية للجنس احتمالا، وهذا هو الشرط الأول أن تكون لا نافية للجنس. [مُنَكَّرًا] وهذا الشرط الثاني أن يكون اسمها وخبرها نكرتين، وقوله: منَكَّراً ليس متعلقا بالاسم فحسب، بل لا بُدَّ أن يكون الاسم نكرة والخبر كذلك نكرة، فلا تعمل في معرفة لأنها على تقدير من، ومن الاستغراقية مختصة بالنكرات. [مُتَّصِلاَ] أي تكون لا مباشرة للنكرة أي اسمِها، فلا يفصل بين لا واسمها أيُّ فاصل ولو بخبرها، ولو ظرفاً أو جاراً ومجروراً، فلا يُقبل الفصل بين لا ومدخولها مطلقًا. وهذا هو الشرط الثالث.

стр. 581

فإذا وجدت هذه الشروط الثلاثة حينئذٍ تكون لا عاملة عمل إنَّ، أُلحقت لا النافية للجنس بإنَّ التي تختص بالمبتدأ والخبر، قالوا: لأنَّ لا مؤكدة، وإنَّ مؤكدة، ولكنَّ التأكيد في باب إنَّ للإيجاب، والتأكيد في باب لا للنفي، حينئذ حُمِل الضدُّ على ضده، كذلك لا ملازمة للصدر كما أنَّ إنَّ ملازمة للصدر، ولا مختصة بالجملة الاسمية يعني لا تدخل على الجملة الفعلية مثل إنَّ لا تدخل إلا على الجملة الاسمية، إذاً لثلاثة أمور حُملت لا النافية للجنس على إنَّ فعملت عمل إنَّ، ولذلك قال ابن مالك: عَمَلَ إنَّ اجْعَلْ لِلاَ ..... ... ...................... عمل إنَّ وهو نصب المبتدأ على أنه اسم لها ورفع الخبر على أنه خبرٌ لها هذا العمل اجعَله للا، حمْلاً للا على إنَّ في الثلاثة الأمور المذكورة. حينئذٍ قوله: [اِنْصِبْ بِلاَ] إذا وجدت هذه الشروط الثلاثة، وكانت مفردةً غير مكرَّرة كما قال: إذا أفردتَ لا، فنحمل قوله: [اِنْصِبْ] على الوجوب لفظًا أو محلا، فيجب النصب إذا توفرت هذه الشروط الثلاثة مع عدم تكرار لا، فيقال: لا رجلَ في الدار، النصب هنا واجب محلاًّ، وقولك: لا صاحبَ علمٍ ممقوتٌ، ولا طالعًا جبلاًً حاضرٌ، فالنصب هنا واجب لفظًا. وإن انخرم الشرط الأول بأن كانت لا غير نافية للجنس فإما أن تكون ناهية اختصت حينئذٍ بالفعل المضارع وجزمته، نحو: لا

стр. 582

تشركْ بالله، أو تكون زائدةً لم تعمل شيئًا كما في قوله تعالى: (ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ (١٢))) [الأعراف:١٢] وهذه لا تختص بالفعل، أو تكون نافية للوَحدة عملت عمل ليس كما في قولك: لا رجلٌ في الدار بل رجلان. وإن انخرم أحد الشرطين الأخيرين لم تعمل ووجب تكرارها، فإذا لم يكن اسمها وخبرها نكرتين وجب إهمالها فلا تعمل في معرفة؛ لأنه كما سبق أنها على تقدير من الاستغراقية، ومن الاستغراقية تختص بالنكرة فلا تدخل على المعرفة، فتقول: لا زيدٌ في الدار ولا عمرو، وقال تعالى: ((لَافِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧))) [الصافات:٤٧] فتعين إهمالها، ولا يجوز إعمالها. وقوله: [مِنْ غَيرِ تَنْوِينٍ] هذا يحتمل أن مراده به اسم لا المضاف لأنك تقول: لا صاحبَ علم، فهنا نصبت من غير تنوين، وأما اسم لا الشبيه بالمضاف، نحو: لا طالعًا جبلاً فهنا نصبت مع التنوين، ولا رجلَ نُصب اسم لا محلاًّ والتنوين لا يدخل الإعراب المحلِّي، وإنما يكون تابعاً للفظ، وذلك [إذَا أَفْرَدتَّ لاَ] أي لا المفردة وهي التي لم تتكرر. تَقُولُ لاَ إِيمَانَ لِلمُرْتَابِ ... وَمِثْلُهُ لاَ رَيْبَ فِي الكِتَابِ [تَقُولُ] فيما استجمع للشروط السابقة [لاَ إِيمَانَ لِلمُرْتَابِ وَمِثْلُهُ لاَ رَيْبَ فِي الكِتَابِ]

стр. 583

إذا علمنا هذا نقول اسم لا له ثلاثة أحوال: إما أن يكون مفرداً، وإما أن يكون مضافاً، وإما أن يكون شبيها بالمضاف، فالمفرد في باب لا: ما ليس مضافاً ولا شبيها بالمضاف، والمضاف واضح، والشبيه بالمضاف: ما اتصل به شيء من تمام معناه، يعني ما كان عاملاً فيما بعده، فالأول يكون منوَّنا فيتعلَّق به إما مرفوع أو منصوب أو جار ومجرور، تقول: لا طالعًا جبلاً حاضرٌ، فطالعًا اسم لا شبيهٌ بالمضاف لأنه عملَ النصب فيما بعده، إذًا تعلَّق به شيءٌ - وهو المنصوب- من تمام معناه لأن كل معمول يتعلق بعامله فهو متممٌّ له من جهة المعنى، وتقول: لا قبيحًا فعلُه مذموم، فقبيحًا اسم لا شبيهٌ بالمضاف لأنه تعلق به مرفوع وهو من تمام معناه، وتقول: لا خيرًا من زيدٍ عندنا، فخيراً اسم لا شبيهٌ بالمضاف لأنه تعلق به الجار والمجرور من زيدٍ، إذًا الشبيه بالمضاف في باب لا ما اتصل به شيء من تمام معناه، إما أن يكون مرفوعًا أو منصوبًا أو جارًّا ومجرورًا، وما عدا ذلك فهو مضاف نحو: لا صاحبَ علمٍ ممقوت، فهذا مضاف ومضاف إليه. والمفرد في باب لا ما ليس مضافاً ولا شبيها بالمضاف، حينئذٍ يأخذ حكم المفرد في باب الإعراب، ويدخل فيه هنا المثنى والجموع بأنواعها، فيكون مفرداً في هذا الباب. ثم اسم لا المضاف والشبيه بالمضاف منصوب لفظاً، فنحو: لا صاحبَ علمٍ ممقوتٌ، لا نافية للجنس، وصاحبَ علمٍ اسمها منصوب بلا ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، وصاحبَ مضاف وعلم مضاف إليه، وممقوت خبر لا. ونحو: لا طالعًا جبلاً حاضر،

стр. 584

لا نافية للجنس، وطالعًا اسم لا منصوب بها ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر، وجبلا مفعول به للوصف، وحاضر خبر لا. وأما المفرد فهو في اللفظ مبنيٌّ، ويُبنى على ما ينصب به لو كان معربا، فإن كان مفردًا في باب الإعراب كرجل أو جمع تكسير فيبنى على الفتح لأنه لو نُصب جمع التكسير لنصب بالفتحة، ولو نُصب رجل وهو مفرد في باب الإعراب لنصب بالفتحة، فتقول: لا رجلَ، رجلَ اسم لا وهو مفرد مبني على الفتح، لماذا بُني على الفتح؟ لأنه لو أُُعرب ونُصب تقول: رأيت رجلاً نصبته بالفتحة، إذاً يبنى مع لا على الفتح، وتقول: رأيت رجالاً، نصبته بالفتحة، فإذا دخلت عليه لا بُني معها على الفتح، فتقول: لا رجالَ، والمثنى وجمع التصحيح يُبنيان مع لا على الياء لأنه لو نُصب وهو مُعرب لنصب بالياء، تقول: لا مسلمَين في الدار، مسلمين اسم لا مبني معها، مبني على الياء لأنه مثنى لو أعرب نصبًا لأُعرب بالياء، وتقول: لا مسلمِين في الدار، فمسلمِين مفرد هنا وهو جمع تصحيح، اسم لا مبني على الياء في محل نصب، لأنه لو أُعرب نصْبًا لكان إعرابه بالياء، جمع المؤنث السالم، نحو: لا مسلماتِ فالأفصح أن يكون مبنيًا على الكسر لأنه لو نصب لنصب بالكسرة، وجوَّز بعض النحاة - لوروده سماعاً - أن يكون مبنيا على الفتح لا مسلماتَ، فيجوز فيه الوجهان، إذًا المفرد في باب لا ما ليس مضافًا ولا شبيهًا بالمضاف فيشمل رجلا ورجالا ومسلمَين ومسلمين ومسلمات يشمل هذه الأنواع كلها، وحُكمه أنه يُبنى على ما ينصب

стр. 585

به لو كان معربا، قبل دخول لا، ولكن يكون في محل نصب، وفي اللفظ يكون مبنياً فتقول: لا رجلَ في الدار، لا نافية للجنس، ورجلَ اسمها مبني على الفتح في محل نصب، و [تَقُولُ لاَ إِيمَانَ لِلمُرْتَابِ] لا نافية للجنس، وإيمان اسم لا مبني معها على الفتح في محل نصب، وبني على الفتح لأنه مفرد، والمفرد في باب لا ما ليس مضافاً ولا شبيهاً بالمضاف فيبنى على ما ينصب به لو كان معرباً. وللمرتاب جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، فلا عاملة النصب في محل اسمها، وهي عاملة الرفع في الخبر، لأنها تعمل في الجزئين على الصحيح. أما البناء معها فأكثر النحاة على أنه لتركبها مع اسمها تركيب خمسة عشر، [وَمِثْلُهُ] أي المثال السابق [لاَ رَيْبَ فِي الكِتَابِ] لا نافية للجنس، وريب اسمها مبني على الفتح في محل نصب، لأنها تعمل عمل إنَّ، فالأصل فيها أنَّها تعمل لفظاً ومحلاَّ مثل لا صاحبَ علمٍ، لا طالعًا جبلاً هذا الأصل فيها ولكن لما ركِّبت مع ما بعدها وهو المفرد تركيب خمسة عشر بُني اسمها، وعلى القول الآخر بأنه ضُمِّنَ معنى مِن الاستغراقية، فحينئذٍ نقول: بُني لتضمنه معنى حرف، في الكتاب جار ومجرور متعلِّق بمحذوف خبر لا. وَيَجِبُ التَّكْرَارُ وَالإِهْمَالُ ... لَهَا إِذَا مَا وَقَعَ انْفِصَالُ إذا كان مدخول لا معرفة نحو: لا زيدٌ في الدار ولا عمرُو، حينئذٍ يجب إهمالها مع التكرار عند غير المبَرِّد وابن كيسان إشعارًا بإلغائها، وجب إهمالها يعني لا تعمل عمل إنَّ مع تكرارها إذا لم

стр. 586

يكن مدخولها نكرة، وكذلك إذا فُصل بين لا واسمها وجب الإهمال والتكرار، والناظم هنا جعل وجوب التكرار والإهمال مقيَّداً بعدم الاتصال فقط، والأصحُّ أنه شامل للشرطين، وهو نفي كون الاسم نكرة وذلك إذا كان معرفة، أو متصلاً بها وذلك إذا كان منفصلاً، فقال: [وَيَجِبُ] الرفع على الابتداء لضعفها بالفصل، و [التَّكْرَارُ] يعني تكرار لا مرة أخرى، [وَالإِهْمَالُ لَهَا] يعني أن لا تعمل عمل إنَّ، وذلك [إِذَا مَا وَقَعَ انْفِصَالُ] بينها وبين اسمها كقوله تعالى: ((لَافِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧))) [الصافات:٤٧] الأصل لا غولَ فيها، فحينئذٍ تعمل عمل إنَّ يبنى معها على الفتح، ولكن لماَّ فُصِلَ بالخبر بين لا واسمها، وجب الإهمال فقال: لا فيها غَولٌ بالرفع للفصل بين لا واسمها، وتقول: لا زيدٌ في الدار ولا عمروٌ، وجب الإهمال لتخلَّف الشرط الثاني وهو كون اسم لا نكرة، فحينئذٍ يكون ما بعدها مرفوعًا على أنه مبتدأ، لا زيدٌ في الدار فلا نافية للجنس ملغاة، وزيدٌ مبتدأ مرفوع بالابتداء، وفي الدار متعلِّق بمحذوف خبر، فتكون الجملة مستقلة كأنها لم تدخل عليها لا، [وَيَجِبُ التَّكْرَارُ وَالإِهْمَالُ لَهَا] يعني يجب التكرار تكرار لا فيما إذا لم تتصل باسمها [إِذَا مَا وَقَعَ انْفِصَالُ] أو إذا وقع اسم لا نكرة عند غير المبرد وابن كيسان إشعاراً بإلغائها، إذا كُرِّرت لا حينئذٍ هذا فيه إشعار، وهو أمر ظاهر بأنَّ لا ملغاةٌ، حينئذٍ وجب الإهمال ورفع ما بعدها على أنه مبتدأ، وقوله [إِذَا مَا] ما زائدة يعني إذا وقع انفصال، قال بعضهم:

стр. 587

يَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ ... مَا بَعْدَ إِذَا زَائِدَهْ تَقُولُ فِي المِثَالِ لاَ فِي عَمْرِو ... شُحٌّ وَلاَ بُخْلٌ إِذَا مَا اسْتُقْرِي [تَقُولُ فِي المِثَالِ لاَ فِي عَمْرِو شُحٌّ وَلاَ بُخْلٌ] هذا مثل: لا فيها غولٌ، هنا اسم لا في الأصل نكرة لا شُحَّ في عمروٍ، لكن لَمَّا فُصِل بين لا واسمها النكرةِ بالخبر وهو جار ومجرور وجب الإهمال والتكرار، فقوله: لا في عمروٍ شحٌ فَصل بالخبر وهو جار ومجرور ومعلوم أنهم يتوسعون في المجرورات والظروف مالا يتوسعون في غيرهما، فإذا بطل عملها مع الفصل بالجار والمجرور وهو خبر، فغيره من باب أولى وأحرى، وحينئذِ مثال الناظم فيه إشارة إلى أنَّه إذا كان الفاصل بين لا واسمها بالخبر وهو جار ومجرور فغيره من باب أولى، فإذا قيل: لا قائمٌ رَجلٌ على التقديم والتأخير، فيبطل عملها حينئذٍ. [إِذَا مَا اسْتُقْرِي] ما زائدة، وأقرَى واستقرى إذا طلب ضيافةً يعني إذا طُلبتْ منه الضيافة فلا بخل ولا شح. هذه الأحكام السابقة للا إذا لم تكرَّر أصالة، أما إذا كُرِّرت ابتداء فحينئذ قال: وَجَازَ إِنْ تَكَرَّرَتْ مُتَّصِلَهْ ... إِعْمَالُهَا وَأَنْ تَكُونَ مُهْمَلَهْ تَقُولُ لاَ ضِدَّ لِرَبِّنَا وَلاَ ... نِدَّ وَمَنْ يَأْتِ بِرَفْعٍ فَاقْبَلاَ إن تكررت لا مع مباشرة النكرة جاز إعمالها وجاز إلغاؤها، فعدم التَّكرار موجب للعمل، والتكرار مجوِّز للعمل، حينئذٍ إذا قيل: لا رجلَ في الدار، نقول: الإعمال واجب، وإذا كُررت لا مع

стр. 588

بقية الشروط نحو: لا رجل في الدار ولا امرأة، نقول: إعمالها جائز، إعمال لا في الموضعين جائز وليس بواجب، والتكرار مجوِّز له وللإهمال فتقول: لا رجلَ في الدار ولا امرأةَ، ولا رجلٌ في الدار ولا امرأةٌ، وهذا كما في المثال المشهور لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، هنا تكررت لا ودخلت على نكرتين لا حول هذه وُجدت فيها الشروط، ولا قوة وجدت فيها الشروط أيضًا، فنقول: إن تكررت لا مع النكرة جاز في النكرة الأولى وجهان: الفتح والرفع، الفتح على أنَّها أعملت على أصلها، فتقول: لا حولَ لا نافية للجنس، وحولَ اسمها مبني على الفتح في محل نصب، وحينئذٍ جاز في الثاني ثلاثة أوجه: الوجه الأول: الفتح على الإعمال لتركبه مع لا الثانية، فتكون الثانية عاملة عمل إنَّ. فتقول: لا حولَ ولا قوّةَ، قوةَ مبني على الفتح في محل نصب، لأن لا نافية للجنس، واسمها نكرة، وهو متصل بها، فوجدت الشروط لكن الإعمال جائز وليس بواجب. الوجه الثاني: النصب عطفًا على محلِّ اسم لا، وتكون لا الثانية زائدة بين العاطف والمعطوف عليه. فتقول: لا حَولَ ولا قوةًً بالنصب، فالواو حرف عطف، ولا زائدةٌ، وقوةًَ معطوف على محل اسم لا، لأنك تقول لا حولَ هذا مبني على الفتح في محل نصب، حينئذٍ يجوز العطف عليه بالنصب فتقول: لا حولَ ولا قوةًَ بالنصب ولا تصير ملغاة، وحينئذٍ راعيت المحل عند العطف.

стр. 589

الوجه الثالث: الرفع، وهذا فيه ثلاثة أوجه أحسنها أن تكون لا الثانية عاملة عمل ليس فتقول: لا حولَ ولا قوةٌ، ولا قوةٌ بالرفع فالواو حرف عطف، ولا نافية تعمل عمل ليس، وقوةٌ بالرفع اسم لا، وخبرها محذوف، أو خبرها المذكور وهو بالله، ويُقدَّر للأول. إن أعملتها مستقلةً أو أعملتها عمل ليس صارت جملتين، وإذا عطفتَ على محل اسم حول صارت جملة واحدة، لا حولَ ولا قوةَ، ولا حولَ ولا قوةٌ هاتان جملتان، ولا حولَ ولا قوةًَ، هذه جملة واحدة. إذا رفعت الأول وأبطلت إعمالها فقلت: لا حولٌ فهذا جائز، لأنه مع وجود الشروط والتكرار يجوز الإهمال، فحينئذٍ لا يجب العمل، فلا نافية للجنس، وحولٌ مبتدأ، وسَوَّغ الابتداء به كونه في سياق النفي، وحينئذٍ الثاني يجوز فيه وجهان: الفتح إعمالا للا، فتقول: لا حَوْلٌ ولا قوةََ، أو الرفع، كما سبق. ولا يجوز لا حَوْلٌ ولا قوةً بالنصب هذا ممتنع، لأنَّك جَوَّزت النصب في الثاني عطفاً على محل اسم لا، فقلت: لا حولَ ولا قوةً عطفت على محل حول وهو النصب، وهنا ليس عندنا اسم لا، ليس عندنا منصوب لا لفظاً ولا محلاًّ فسقط هذا الاحتمال. إذاً يجوز في الأول وجهان: الرفع والبناء على الفتح، ويجوز في الثاني خمسةُ أوجه، ولا حولَ ولا قوةََ إلا بالله، ولا حولَ ولا قوةٌ إلا بالله، ولا حولَ ولا قوةًً إلا بالله، ولا حولٌ ولا قوةََ إلا بالله، ولا حولٌ ولا قوةٌ إلا بالله.

стр. 590

وهذا هو الذي ذكره هنا في قوله: [وَجَازَ إِنْ تَكَرَّرَتْ مُتَّصِلَهْ] باسمها وهو نكرة [إِعْمَالُهَا] والأصل وجوب الإعمال لكن لَمَّا تكرَّرت صار جائزاً لا واجباً، [وَأَنْ تَكُونَ مُهْمَلَهْ] عن الإعمال فتكون ملغاة، وما بعدها مبتدأ، تقول في مثال ذلك [لاَ ضِدَّ لِرَبِّنَا وَلاَ نِدَّ] أعمل لا في الموضعين، لا ضِدَّ لا نافية للجنس، وضدَّ اسمها مبني على الفتح في محل نصب، ولِرَبِّنَا جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، وَلاَ نِدَّ على إعمال الثاني مثل لا حولَ ولا قوةََ، [وَمَنْ يَأْتِ بِرَفْعٍ] للأول فيقول: لا ضدٌ ولا ندٌّ [فَاقْبَلاَ] يعني فاقبل منه ذلك، والألف هذه إما مبدلة عن نون التوكيد الخفيفة وإما للإطلاق، وكونها مبدلة أولى. والناظم قد اختصر المسائل هنا وقد بيناها فيما سبق.

стр. 591

بَابُ المُنَادَى أي هذا باب بيان حقيقة المنادى، وإن كان المنادى في الأصل من باب المفعول به، ولذلك ابن هشام ﵀ لما ذكر المفعول به في (قطر الندى) قال: ومنه المنادى، ومنه أي من المفعول به، فأصل المنادى أنه مفعول به، لأن قولك: يا زيدُ، أصله: أدعو زيدًا، حُذِفَ الفعل أدعو، وأُنيب مُنابه يا وهي حرف نداء، ثم بُني بعد ذلك، ولذلك نقول في إعراب: يا زيدُ، يا حرف نداء، وزيدُ منادى مبني على الضم في محل نصب، لأن أصله المفعول به. إذًا المنادى جزء من المفعول به، ولذلك بعضهم لا يذكره استقلالاً. وسبق أن بعض النحاة يرى أنَّ المنادى: يا زيدُ، مما تألف الكلام فيه من اسم وحرف، وهذا منسوب لأبي علي الفارسي، لأنه كما سبق أن الكلام مُرَّكب إما من اسم وفعل، أو من اسمين، هذا أقل ما يتركب منه الكلام، من اسمين أو اسم وفعل، ولا يتركب من فعلين، ولا من حرفين، وهذا متفق عليه، ولا من حرف وفعل على الصحيح، ولا من حرف واسم كذلك، وأبوعلي الفارسي استثنى باب المنادى على جهة الخصوص، وقال: قد يتركب الاسم والحرف فيكون كلاماً مفيداً تاماً، ولا نفتقر هنا إلى مسند ومسند إليه، لأن قولك: يا زيدُ، أفاد فائدة تامة، وإذا أفاد فائدة تامة حينئذٍ يستلزم التركيب المعتبر في حد الكلام، فإذا وجدت الفائدة التامة حينئذٍ

стр. 592

نقول وجد التركيب، ولذلك نقول: الفائدة التامة تستلزم التركيب ولا عكس، قد يكون الكلام مركباً ولكنه ليس مفيداً فائدة تامة وإن أفاد بعض الفائدة، وهي الفائدة الناقصة أو الفائدة التركيبية، فنحو: إنْ قام زيد، هذا مفيد، لكنها فائدة ناقصة، فإن قلت: إن قام زيد قمت، صار مفيدًا فائدة تامة، والمعتبر في حد الكلام عند النحاة أن يفيد فائدة تامة، ولا يمكن أن توجد هذه الفائدة التامة إلا وهو مركَّب، فحينئذٍ كلما وجدت الفائدة التامة وجد التركيب ولا عكس، قد يوجد التركيب وتوجد الفائدة التامة، وقد يوجد التركيب وتنتفي الفائدة التامة، ولمَّا كان قوله: يا زيد مفيدًا فائدة تامة قال أبو علي الفارسي: قد يتركب الكلام من حرف واسم، وهذا خاص بباب النداء، لوجود الفائدة التامة، وهذه تستلزم التركيب المعتبر في حَدِّ الكلام، فلمَّا وجدت الفائدة التامة بقوله: يا زيد وهو منادى قال: إذًا يتركب الكلام من اسم وحرف، لكن أجيب بأن هذا فرع لا أصل، يا زيدُ أفاد فائدة تامة، نعم لكنه لا باعتبار ذاته وإنما باعتبار أصله، لأن التأصيل والتقعيد إنما يكون باعتبار الأصول لا باعتبار الفروع، فحينئذٍ قولك: أدعو زيداً، هو الأصل وهو جملة فعلية، وأفاد فائدة تامة، إذًا المنادى ليس كلاماً باعتبار كونه مركباً من حرف واسم، وإنما بالنظر إلى أصله وهو أنه مؤلف من فعل وفاعل ومفعول به. [بَابُ المُنَادَى] المنادى اسم مفعول، من نُودي يُنادَى مناداة، والمنادى من أقسام المفعول به الذي حُذف عامله وجوباً، ولهذا كما

стр. 593

ذكرت أن بعضهم لا يخصه ببحث وإنما يجعله قسماً من أقسام المفعول به، لأنه من المفعول به الذي حُذف عامله وهو هنا أدعو، وأصله أدعو زيداً، حذف أدعو وأنيب منابه حرف النداء يا، وجوباً لأنه لا يجوز الجمع بين النائب وما أنيب عنه، لا يجوز الجمع بين النائب وهو يا وما أنيب عنه وهو أدعو، ولذلك وجب الحذف. المنادى مشتق من النداء، وهو لغةً الطلب مطلقاً بحرف أو بغيره. واصطلاحاً عند النحاة: الطلب بيا أو إحدى أخواتها، وإن قلت: المطلوب إقباله بيا أو إحدى أخواتها، فلا بأس، المطلوب لأنه منادى والنداء هو الطلب، والمنادى هو المطلوب، إقباله بيا أو إحدى أخواتها، ويا أم الباب يعني هي التي تكون أصلاً في النداء، ولذلك تدخل على كل منادى، فكل منادى يصح أن تدخل عليه يا، وتتعين في نداء اسم الله ، يقال: يا الله، ولا يصح دخول غير يا على لفظ الجلالة، لذلك صارت أم الباب، ولذلك تحذف كما قال الحريري: وحَذْفُ يَا يَجُوزُ في النِّدَاءِ ... كَقَوْلِهِمْ رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي وبعضهم خص الحذف بيا، ولكن الهمزة أيضًا على الصحيح قد تحذف. أو إحدى أخواتها أي نظائرها في المعنى، ونقول: نظائرها في المعنى، ولا نقول: في العمل كما قلنا في باب إنَّ وأخواتها أي نظائرها

стр. 594

في العمل، وباب كان وأخواتها أي نظائرها في العمل، وهنا نقول يا وأخواتها أي نظائرها في المعنى لا في العمل لأنها ليست عاملة، الهمزة وأي وأيا وغيرها هذه في المعنى مثل يا ينادى بها، كما ينادى بيا، ولا عمل لها على الصحيح وإنما العامل هو الفعل المحذوف، فزيد من قولك: يا زيدُ في محل نصب، والذي أدَّى إلى كون المنادى المفرد العلم في محل نصب هو تعلقه بالفعل المحذوف وجوباً، وهو أدعو، والعرب إذا حذفت شيئا قد تجعله نسياً منسياً فلا يلتفت إليه، وقد تحذف الشيء وتعامله معاملة الموجود، فكأنه موجود فحينئذٍ يتعلق بالمعنى ويكون عاملاً. وحروف النداء ثمانية: الهمزة، وأي مقصورتين، وممدودتين، نحو: أزيدُ، وآزيدُ، وأي زيْدُ، وآي زَيْدُ، بالمد والقصر وهذه أربعة، ويا، وأيا، وهيا، ووا، وإن كان المشهور أن وا تستعمل في الندبة على جهة الخصوص. إِنَّ المُنَادَى فِي الكَلاَمِ يَأْتِي ... خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ لَدَى النُّحَاةِ المنادى الذي يصح دخول يا عليه خمسةُ أنواع باستقراء كلام العرب، لا يخرج عنها، وله حالان من جهة الإعراب والبناء: حالة بناء، وحالة إعراب وهي النصب، [إِنَّ المُنَادَى] إنَّ حشوكما سبق بيانه، لأن إنَّ للتوكيد، وإنما يؤكد الكلام الذي يقع فيه إنكار أو تردد أو شك من المخاطب، أو ما نُزِّلَ مُنَزَّلَةَ المُتَردِّد أو الشاك، وما عدا ذلك فلا يصِحُّ دخول إنَّ عليه، لأنها للتأكيد، والتأكيد إنما يؤتى به لغرض لأنه زيادة في الكلام، والزيادة الأصل فيها أنها تأتي لمعنى،

стр. 595

والمعنى هنا غير مراد، [فِي الكَلاَمِ] جملة النداء يا زيد هل هي كلام؟ نقول: نعم هي كلام؟ وهل هي كلام من جهة اللفظ أو من جهة المعنى أو من جهة اللفظ والمعنى؟ نقول: من جهة اللفظ والمعنى؛ لأنك لو قلت: من جهة اللفظ فقط (يا زيدُ) نقول: الكلام لا يتألف من حرف واسم، إذًا هو كلام لكن ليس من جهة تركُّبه من اسم وحرف فقط، بل لا بد من اعتبار المعنى، وهذا المعنى يكون مراداً من العامل المحذوف وجوباً. [إِنَّ المُنَادَى] اسم إنَّ، وخبرها قوله: [خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ لَدَى النُّحَاةِ] باستقراء كلام العرب لأنَّ البحث بحث النحاة. المُفْرَدُ العَلَمُ ثُمَّ النَّكِرَهْ ... أَعْنِي بِهَا المَقْصُودَةَ المُشْتَهِرَهْ [المُفْرَدُ العَلَمُ] المفردُ بدل من خمسة، ويصح أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره أوَّلها المفرد، ويصح أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي منها المفرد، فهذه ثلاثة أوجه، كلها جائزة، والأولى أن يُعرَب بدل مُفَصَّلٍ من مُجمَل، لأن جَعْل الكلام متصلاً بعضُه ببعض كأنه جملة واحدة أولى من فصله وقطعه، لأن جعله خبرًا لمبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف يصيره جملة مستقلة وليس مرتبطاً بالجملة السابقة، وإذا أعربته بدل مفصل من مجمل، حينئذٍ صار كالجزء من الجملة السابقة، وربْط الكلام بعضه ببعض أولى من فصله، وهذه قاعدة عندهم. [المُفْرَدُ] هذا يُقيَّد بباب المنادى، لأنه ذكر المفرد تحت عنوان (باب المنادى)، وكل مصطلح ذُكر تحت باب معين عند النحاة أو عند غيرهم من أرباب الفنون، فإنما يحمل على

стр. 596

معناه في ذلك الفن إن كان له معنى عام بل وفي جميع الفنون، وإن كان له معنى خاص في باب مُعَيَّن يحمل على المعنى الخاص الذي اندرج تحت ذلك الباب، وهنا المفرد يتنوع عند النحاة باختلاف الأبواب، فهو في باب الإعراب له معنى خاص، وفي باب المثنى والجمع له معنى خاص، وفي باب الإضافة له معنى خاص، وهنا في باب المنادى المفرد هو عين المفرد في باب لا النافية للجنس وهو ما ليس مضافاً ولا شبيهاً بالمضاف. فالمضاف كقولك: غلام زيد، وسيأتينا أن الإضافة نسبة تقييدية توجب جرَّ الثاني منهما أبدا. وزيدٌ علما ليس بمضاف، غلامٌ ليس بمضاف، والزيدان ليس بمضاف، والزيدون ليس بمضاف، ورجال ليس بمضاف، إذًا دخل تحت قولنا: ما ليس مضافاً: المفرد، والمثنى، والجمع بأنواعه، سواء كان جمع تكسير، أو جمع تصحيح لمذكر أو لمؤنث. ولا شبيها بالمضاف: يعني ما أشبه المضاف وهو ما اتصل به شيء من تمام معناه: أن يكون عاملاً في اللفظ، يعني لا يتم معناه إلا بذكر ذلك المتعلِّق، نحو: يا طالعًا جبلاً، يا حرف نداء، وطالعًا اسم فاعل، منصوب لأنه منادى، وهو مفعول به في الأصل إذ أصله أدعو طالعًا جبلاً، واسم الفاعل يعمل فيما بعده، وهنا اعتمد على النداء فقد سبَقه حرف ندا فحينئذٍ يعمل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، أي طالعًا هو، وجبلاً مفعول به، نقول: جبلاً تعلَّق بقوله: طالعاً، لو نظرت في حد الشبيه بالمضاف: ما تعلق به شيءٌ من تمام معناه، يعني لا يتم المعنى إلا بذكره، فإذا قيل: يا طالعًا، طالعاً ماذا؟ لا يتم المعنى هنا، وليس

стр. 597

كقولك: يا طالعَ جَبَلٍ مضاف ومضاف إليه، وإنما هو منفصل عن المضاف إليه بالتنوين تقول: يا طالعاً ... يحتمل معانٍ فإذا قلت: طالعًا جبلاً تَمَّ المعنى، حينئذ صار جبلاً معمولا لطالعًا شبيها بالمضاف، لأنه لو حُذف التنوين وأضيف لصار مضافًا، فتقول: يا طالعَ جبلٍ صار من القسم الأول، ومثله يا ضاربًا زيداً، يا ضاربَ زيدٍ فلو حذف التنوين صار مضافًا، لذلك هو شبيه بالمضاف لأنه منفصل، وإلا لو نظرنا إلى المضاف نفسه نحو: غلامُ زيدٍ، هذا مضاف ومضاف إليه أيضًا المضاف تعلق به شيء من تمام معناه، فغلام لا يتم معناه إلا بكلمة زيد، إذًا تعلق به شيء من تمام معناه، لكن مرادهم هنا أن يكون ثَمَّ انفصال بين الكلمتين، والانفصال هنا حاصل بالتنوين، لأن التنوين يدل على كمال الكلمة وانفصالها عما بعدها، فإذا قيل: يا طالعًا، لا يمكن أن يكون ثَمَّ مضاف ومضاف إليه لأن التنوين قد وُجِدَ في آخر الكلمة الأولى، ومعلوم أنه إذا أضيف اسم إلى اسم وَجَب حذف التنوين من المضاف كما قال ابن مالك: نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا ... مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَطُورِ سِينَا فحينئذٍ يجب حذف التنوين؛ لأنه يدل على كمال الكلمة، وهنا غلام زيد نقول: زيد المضاف إليه تعلق بغلام المضاف، وهو شيء تَمَّم معنى المضاف، لأن المضاف لا يتم معناه إلا بالمضاف إليه، فحينئذٍ ما الفرق بين المضاف والشبيه بالمضاف؟ نقول: الفرق بينهما أن الجزء الأول من الشبيه بالمضاف يكون منفصلاً تامَّ الانفصال

стр. 598

عن الثاني من جهة اللفظ، وهو لُحوق التنوين به الذي يدل على الانفصال، وإلا لو نظرت إلى الحد: ما اتصل به شيء من تمام معناه. فهو ينطبق على النوعين. إذًا المفرد: ما ليس مضافاً ولا شبيها به. قال: [العَلَمُ] هذا نعت للمفرد، فحينئذٍ يختص هذا النوع الأول من الأنواع الخمسة بالأعلام، فيشمل: زيد، والزيدَان، والزيدون، والهندات، لأنه مفرد في هذا المقام. وإن خصَّ بعض النحاة - كالصبان وغيره -المفرد العلم هنا بزيد فقط، وأما الزيدان والزيدون فيدرجان في النكرة المقصودة، لأنه يقال: يا زيدان، ويا زيدون، فيا زيدان تثنية زيد، وزيد وهو علم إذا ثُنِّيَ وجب سلب العلمية عنه، فوجب تنكيره، لأنه لا يصح تثنية المعرفة، إذًا تُثنى النكرات، والمعارف لا تثنى، حينئذٍ إذا أردت تثنيةَ زيدٍ، أوجمعَ زيدٍ فلا بُدَّ أوَّلاً من سلبه العلمية، فتقدر في نفسك الشيوع وهو معنى النكرة، ثم بعد ذلك تُلحق به ألف الاثنين، أو واو الجماعة فتقول: زيدان، ولذلك صح دخول أل عليه، لأنه يرد أنَّ زيدًا لا يصح دخول أل عليه لأن المعرفة لا تُعرَّف، فلا يصح أن يقال: الزَّيدْ، ونقول: الزيدان، والزيدون، دخلت أل على المثنى وعلى الجمع، وهو جمعُ وتثنيةُ علمٍ مفرد، نقول: لأنه سُلب العلمية فصار نكرة، فزيد بالإجماع معرفة، الزَّيدان بأل معرفة، وزيدان بدون أل نكرة، والزيدان معرفة كزيد، لكن الزيدان معرفة بأل، وزيدٌ معرفة بالعلمية، ولذلك أخرج الصبان يا زيدان، ويا زيدون من المفرد العلم وجعله في النكرة المقصودة، نحو: يا رجلُ إذا أريد به معيَّن كما

стр. 599

سيأتي. والمفرد العلم كقوله سبحانه: ((((((((((يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا (٣٢))) [هود:٣٢] فنوح مفرد علم. [ثُمَّ النَّكِرَهْ] ثم هنا ليست على بابها، يعني لا تفيد التراخي وإنما المراد بها الترتيب الذكري، وسبق بيان حقيقة النكرة، والنكرة في باب المنادى قسمان: نكرة مقصودة، ونكرة غير مقصودة، [أَعْنِي بِهَا] لما كانت النكرة محتملة للنوعين، وهو قد أطلق اللفظ العام وأراد به الخاص، فلا بُدَّ من الاحتراز لدفع الوهم فأتى بالعناية، وكما سبق أن الأكثر في اصطلاح المؤلفين أنهم إذا أرادوا تفسير المفرد أتوا بأي التفسيرية، وقد تستعمل أي في تفسير الجمل، وإذا أرادوا الجمل أتوا بأعني أو يعني بالفعل المضارع وقد يأتون بأي، لكن الأكثر في المفرد أي، والأكثر في الجمل أعني أو يعني، إذًا [أَعْنِي بِهَا] أي أقصد بها أي بالنكرة، فالضمير يعود على النكرة، [المَقْصُودَةَ] أي النكرة المقصودة، [المُشْتَهِرَهْ] عند النحاة في هذا الباب، لأنهم لا يقَسمون النكرة إلى مقصودة وغير مقصودة إلا في هذا المقام، والمراد بالمقصودة هنا أنها معرفة، ولذلك ذكرناها فيما سبق أنها النوع السابع مما أضافه ابن مالك ﵀ على أنواع المعارف، فهي تُعَدُّ من المعارف، وتعريفها عارض بسبب الإقبال والقصد والنية لأنه لما أقبل على الشخص فقال: يا رجلُ لمعين أراد هنا من اتصف بالرجولة لكنه عيَّن المخاطب، وإلا فاللفظ يصدق على كل من اتصف بمفهوم هذا اللفظ، فإذا أقبل على شخص معين فقال يا

стр. 600

رجل، فحينئذٍ نقول: هذه نكرة لكنها مقصودة، فالمخاطب مُعيَّن، لكنه لو قال: يا رجل، وكان أمامه جمع ولم يقصد بقلبه واحدًا بعينه فهذه نكرة لكنها غير مقصودة. والفرق بينهما يأتي من جهة اللفظ، ويأتي من جهة المعنى، أما من جهة اللفظ فإذا كان الإنسان مخاطَبا فقيل له: يا رجلُ وبناها على الضم، وأنا أسمع هذا الكلام أعلم أنه نكرة مقصودة، وإذا نصبها فقال: يا رجلاً فهي غير مقصودة، وأما المتكلم فحينئذٍ لا يتعين إلا بالنية والقلب فقط، إذا أراد أن يتكلم ثم يأتي بنكرة متى يبنيها ومتى ينصبها؟ نقول: القصد والإقبال هو الذي يعين. إذًا تعريفها عارض بسبب القصد والإقبال، وقيل: بأل محذوفة ونابت عنها يا لكنه ضعيف، والأول أرجح. المنادى في هاتين الحالتين - المفرد العلم والنكرة المقصودة - يبنى على الضم، فإذا كان المنادى مفردًا علمًا فحكمه البناء على الضم، وإذا كان نكرة مقصودة فحكمه البناء على الضم، فحينئذٍ يستحق المنادى البناء بأمرين: إفراده وتعريفه، والمراد بتعريفه أن يكون المراد به معينًا سواء كان معرفة قبل النداء أو بعد النداء، مثال المعرفة قبل النداء وبعده زيد فهو علَم قبل النداء، وإذا نودي بيا فقيل: يا زيدُ بقي كما هو على حاله من العلمية، خلافًا لمن قال: سُلِبَ العلمية ثم رجعت عليه، والصواب أنه علم قبل دخول حرف النداء، وعَلَم بعد دخول حرف النداء. ومثال المعرفة بعد النداء رجل، فهو نكرة، فإذا قيل: يا رجلُ تعرفت النكرة بالنداء أي بعد النداء، وأما قبل النداء فهي نكرة، ومعرفة بعد النداء بسبب القصد والإقبال عليه، يا رجل تريد به معينًا، يبنى في
следующие страницы →