← Адаб

Адаб · id 36088

ما يجوز للشاعر في الضرورة

القيرواني، القزاز

Полный текст (263 стр.). Показаны 246–263 · переход к 251.

стр. 246

من آله، كما قال المتنبي: فاللهُ يُسْعِدُ كلَّ يَوْمٍ جَدَّهُ ... ويَزِيدُ من أعدائهِ في آلِهِ وقد رأى محمد بن يزيد هذا جائزاً في الكلام، وقال: المضمرُ عَقِيبُ المظهر وكما جاز في المظهر، وجب أن يكون جائزاً في المضمر. ورآه غيرُه من ضرورة الشعر على ما ذكرنا. ١٢٨ - ومما يجوز له: المجازاة بإذا، وذاك أن إذا لما يستقبل من الزمان، إذا قال القائل: إذا أكرمتني أكرمتك، فالإكرام معلوم، غير أنه لم يقع، وقوله : ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ﴾ وقتٌ معلومٌ لم يقع، ولا يكون حرف المجازاة إلاّ والفعلُ بَعْدَهُ لا يُدْرَى أيقع أم لا، فإذا اضطر الشاعر جاز له أن يجازي بإذا؛ لأنها تشبه حروف الشرط بردّها الماضي إلى المستقبل. فمما جاء من الشعر قول الشاعر: إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان وَصْلُها ... خُطَانَا إلى أعدائِنا فَنُضَارِبِ

стр. 247

جَزَم نضارب ردَّاً على موضع كان، وكان، في موضع جزم جواباً لإذا. وقال آخر: تَرْفَعُ لي خِنْدِفٌ والله يرفعُ لي ... ناراً إذا خَمَدَتْ نيرانُهم تَقِدِ

стр. 248

جَزَم تقد، لأنه جواب لإذا. وقال آخر: إذا لم تَزَلْ في كلِّ دارٍ عَرَفْتَها ... لها وَاكِفٌ من دَمْعِ عَيْنَيْكَ تَسْجمِ فجرم تزل بإذا!! ١٢٩ - ومما يجوز له: إضمارُ الهاء مع الحروف التي لا يجوز وقوعُها على ما بعدها؛ مثل قول الشاعر: إنّ مَنْ لام في بَنِي بنتِ حَسَّا ... نَ أَلُمْهُ وأعْصِهِ في الخُطُوبِ فأضمر الهاء مع إنّ، لأنها لا يجوز أن تقع على مَنْ للشرط؛

стр. 249

لأن الشرط والاستفهام، لا يعمل فيهما ما قبلهما، فاحتاج إلى إضمار الهاء لتقع عليها إنّ. وكذا قول الآخر: ولكنَّ مَنْ لا يَلْقَ أمْراً يَنُوبُهُ ... بُعدَّتِهِ يَنْزِلْ به وَهوَ أعْزَلُ أضمر الهاء مع لكنّ، كما فعل مع إن. وكذا قول الآخر: إنَّ مَنْ يَدْخُلِ الكنيسةَ يوماً ... يَلقَ فيها جآذِراً وظِباَء بمعنى: أنّه، والكناية عن الحديث. وكذا قول الآخر: فلو أنّ حُقَّ اليومَ منكم إقامةٌ ... وإن كانَ سَرْحٌ قد مَضَى فَتَسَرَّعَا

стр. 250

يريد: فلو أنه حُقَّ اليوم؛ لأن أنّ لا تقع على الفعل، فأُضمر لها اسمٌ تقع عليه. ١٣٠ - ومما يجوز له: حذفُ جواب رُبَّ، زعم سيبويه عن الخليل أنه وجد في أشعار العرب رُبَّ لا جواب لها، وقال: من ذلك قول الشماخ: ودَاوِيَّةٍ قَفْرٍ تَمَشَّى نَعَامُها ... كَمَشْيِ النَّصَارى في خِفافِ اليَرَنْدَجِ قال: لأنّه لما حَذَف جوابَ رُبّ، عرف المعنى، يريد: قطعتها. قال: فهذه القصيدة التي فيها هذا البيت، لم يجئ فيها جواب لِرُبَّ وقال غيره: إلى جَنْب هذا البيت في كل الروايات: قطعتُ إلى مَعْرُوفِها مُنكَراتِها ... وقد خَبَّ آلُ الأمْعَزِ المتَوَهِّجِ

стр. 251

١٣١ - وما يجوز له: الاجتزاء بحرف من الكلمة يُدَلّ به على سائرها، كما قال الشاعر: بالخيرِ خيراتٍ وإنْ شَرَّاً فَا ولا أُريّد الشرَّ إلاّ أنْ تَا يريدون: وإن شَرّاً فَشَرٌّ، ولا أريد الشر إلا أن تريد وإلا أن تشاءَ. ومثله: نادَوْهُم أنْ ألْجِمُوا ألاَ تَا قالُوا جميعاً كُلُّهم بَلَى فَا

стр. 252

يريدون: ألا تركبون؟ قالوا: بلى فاركبوا. ١٣٢ - ومما يجوز له: بدل الهمزة حرفاً من حروف اللين في موضع البدل، فإذا تم ذلك، حذف الحرف للجزم، من ذلك قول الشاعر: جَرِئٌ مَتَى يُظْلَمْ يُعاقِبْ بظُلْمِهِ ... سَرِيعاً وإلا يُبْدَ بالظُّلم يَظْلِمِ كان الأصل: وإلاَّ يُبَدَأ بالظلم، فوقعت الهمزة ساكنةً بالشرط، وقبلها فتحة، واحتاج إلى بَدَلِها، فأبدلها ألفاً كما يقول في رأس وكأس: راس وكاس، فلما صارت ألفاً حذفها للجزم، وأبقى الفتحة تدلّ على حذفها. ١٣٣ - ومما يجوز له أن يُخفّف الهمزة بالبدل، إذا كانت ساكنة، ثم لا يحذف الحرفَ الذي هو بدلٌ منها للجزم، كما قال الشاعر: عَجِيتُ من لَيْلاكَ وانتِيابَها

стр. 253

من حيثُ زارتنِي ولم أُورَا بِها فإنما يريد: ولم أُوأَرْ بها، قلب الهمزة فردّها بعد الراء، وقدَّم الراء، فصارت: ولم أورَأْ بها، فسكنت الهمزة قبلها مفتوحٌ، فأبدلت ألفاً، فصارت: أَورَا، فلم يحذف الألف للجزم، وأبقاها على لفظها. ومعنى: أُوأرُ: أشعر، يقال: ما أُوأَرْتُ به، أي ما شعرت به. ١٣٤ - ومما يجوز له: إضافة الواحد والاثنين في العدد إلى ما يُبيِّنهما من الجنس، كما يفعل في الثلاثة والأربعة، فتقول: واحدُ رجالٍ واثنا رجال كما تقول: ثلاثةُ رجال وأربعةُ رجالٍ؛ لأن الأصل ذلك، ولكن اجتزءوا برجُل ورَجُلين، فإذا اضطر الشاعر ردّ إلى الأصل؛ فمن ذلك قول الشاعر: كأنّ خُصْيَيْه من التَّدَلْدُلِ

стр. 254

ظُرْفُ جِرَابٍ فيه ثِنْتَا حَنْظِل فقل: ثَنْتا حَنْظَل، يريد حنظلتين. ١٣٥ - ومما يجوز له: قَلْبُ هذا المعنى، وإضافةُ العَدَدِ إلى واحد، وأجازوا في الشعر أن يقول: جاءني خمسةُ رَجُلٍ وخَمْسُ امرأةٍ كما قال الشاعر: قد جَعَلَتْ مَيٌّ على الظِّرارِ خَمْسَ بَنَانٍ قانئ الأظْفارِ

стр. 255

والبنَانُ واحد، فأضاف الخَمْسَ إليه. وقال سيبويه: سألت الخليل عن ثلاثة كِلاَب فقال: يجوز في الشعر، يشبهونه بثلاثة قرود، معنى هذا الكلام أن العدد فيما دون العشرة إنما يضاف إلى الجمع القليل، ولا يضاف إلى الكثير، إلا أن يكون لم يأت لما بُيِّنَ به العدد جمعٌ قليل؛ مثل قولهم: ثلاثة شُسُوع؛ لأنه جمع كثير، ولم يأت لشِسْعٍ جمعٌ قليل، فاضطّروا إلى هذا الجمع؛ فالمعنى: ثلاثةٌ من الشُّسُوع؛ فلذلك قال سيبويه: يشبّهونه بثلاثة قرود؛ لأنه لم يأت له جمعٌ قليلٌ، فلما قالوا: كلاب وأكلب، كان الوجه أن يقولوا: ثلاثة أكلب؛ فإن قال الشاعر: كلاب، وجاء به على غير ما يجب، فإنما يجوز على التشبيه بما لم يأتِ له جمعٌ قليلٌ، ويراد: ثلاثةٌ من الكلاب. ١٣٦ - ومما يجوز له أن يضيفَ اثنين إلى اثنين؛ فيقول: أشْبَعْتُ

стр. 256

بَطْنَيْهما، والوجه أن يقول: أشبعتُ بطونهما. كما قال : ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، ولهذا عِلَلٌ، فإذا احتاج الشاعر ردّ إلى التثنية، كما قال: نَمَا في فُؤَادَيْنَا من الشّوق والهَوَى ... فَيُجْبَرُ مُنْهَاضُ الفؤاد المشعَّفُ وكان الوجه أن يجمع الفؤاد. ١٣٧ - ومما يجوز له: حذف همزة تكون أصلاً في الكلمة؛ كما قال الشاعر: ويْلٌ أمِّها في هواءِ الجوِّ طالبةً ... ولا كهذا الذي في الأرضِ مطلوبُ فحذف الهمزة من أمّها.

стр. 257

قال أبو إسحاق: ما أعرف لهذا نظيراً في كلام العرب إلا شيئاً حكاه الفرّاء، من قولهم: أَيْشٍ عِندَكَ، يريد: أي شيء عندك. وقال قوم في هذا البيت: إنما هو: وَىْ مفصولة، ولالاُمِّها، بضم اللام، على أن تكون ألقيتَ حركة الهمزة على اللام وحذفتها. وهذا أيضاً لا يصلح إلا إذا كان الحرفُ الذي قبل الهمزة ساكناً فأما إذا كان متحرّكاً، لم يكن هذا من شرائطها. ١٣٨ - ومما يجوز له: بنيانُ التثنية على ألفٍ في الرفع والنصب والجر؛ فيقول: جاءني الرجُلانِ ومررت بالرجُلانِ ورأيت الرجُلانِ؛ كما قال الشاعر: تَزَوَّدَ مِنّا بين أُذناه ضَرْبَةً ... دَعَتْهُ إلى هابِي التّرابِ عَقِيمِ وكما قال الآخر: أيَّ قَلُوصٍ راكبٍ تَرَاهَا

стр. 258

طارُوا عَلاهُنَّ فِطِرْ عَلاهَا واشدُدْ بأقْوَى حَقَبٍ حَقْوَاهَا ناجِيةً وناجِياً أباهَا فجاء في هذا الرجز ببدل الياء ألفاً في عَلَيْها، وبنيان التثنية على الألف في حقواها، وألزم الألف في أباها. وقد ذكر قوم أن هذا كله يجوز في الكلام، وقالوا: منه قوله : ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾، ومَنْ جعل هذا من اضطرار الشعر، اعتلّ لتلك القراءة، بما قد شرحته في كتاب الحروف على وجهه.

стр. 259

١٣٩ - ومما يجوز له: الإخبار عن الاثنين اللذين لا يفارق أحدهما الآخر، كما يخبر عن الواحد؛ من ذلك قول الشاعر: سأجزيكَ خِذْلاناً بتَضْيِيعَي الهَوَى ... إليك وخُفَّا زَاحِفٍ تقطرُ الدَّمَا فقال: تقطر ولم يقل: تقطران؛ لأن كلَّ واحد من الخفّين لا يفارق صاحبه. وقال آخر: وكأنَّ بالعَيْنَيْنِ حَبَّ قَرَنْفُلٍ ... أو سُنُبلاً كُحِلَتْ به فانْهَلَّتِ وكان الوجه أن يقول: كُحِلَتَا؛ فأفرد لأنهما لا يفترقان، فالإخبار عن إحداهما يدل على أنه يريد بالتثنية.

стр. 260

١٤٠ - ويجوز له قلب هذا؛ فيجوز أن يخبر عن الواحد منهما بالتثنية كما قال الشاعر: وَعَيْنٌ لها حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... شُقّتْ مآقِيها مِن أُخُرْ فابتدأ بذكر عين واحدة؛ ثم أخبر عن الاثنتين. وقال الآخر: تُسائِلُ بابنِ أحْمَرَ مَنْ رَآهُ ... أعارَتْ عَيْنُهُ أمْ لَمْ تَعارَا فلما استفهم عن الواحدة، عطف بالاثنين في قوله: أمْ لمْ تَعَارَا. ١٤١ - ومما يجوز له: حذف الألف من هاؤلاء فيقولون:

стр. 261

هؤلاء، كما قال الشاعر: تَجَلَّدْ لا تَقُلْ هَوْلاءِ هذا ... بَكَى لمّا بَكَى أسَفاً وعِيَّا قال الفراء: فَعَلَ هذا، لأن الواو ساكنة وقبلها ألف ساكنة. فحذف الألف لالتقاء الساكنين. ١٤٢ - ومما يجوز له: قلب الهمزة في مثل: نَأَى ونَاءَ، كما قال الشاعر: سنُثْنِي عليه بالَّذي هو أهْلُه ... وإن شَحَطتْ دارٌ وناَء مَزَارُها ١٤٣ - ومما يجوز له أن يقول في الثّالث: ثالِي، فيبدل إذا احتاج إلى ذلك، وكذا في سائر أسماء العدد المشتقة من أفعالها، كما قال الشاعر: يِفْدِيكَ يا زُرْعَ أبِي وخالِي قد مرَّ يومانِ وهذا الثّالِي

стр. 262

فإنما أراد: الثالث. وقال آخر: كم للمنازِل من شَهْرٍ وأعوامِ ... بالمُنْحَنَي بينَ أنهارٍ وآجَامِ مَضَى ثلاثُ سِنينَ مُنْذُ حلَّ بها ... وعامَ حُلَّتْ وهذا التابعُ الخامِي وإنما يريد: الخامس. وقال آخر: بُوَيْزِلُ أعوامٍ أذاعَتْ بخَمْسَةٍ ... وتَجْعَلُنِي إن لم يَقِ اللهُ سادِيَا يريد: سَادٍساً. وقال آخر: يا عَفْرَ قد عَثيتِ بالفَسَادِ خمسةُ أعوامٍ وهذا السَّادي

стр. 263

وقال آخر: وقد مَرَّت به من بعد عَهْدِي ... ثمانيةٌ وهذا العامُ تاسِي يريدك تاسعاً. هذا، وما قدمنا يجوز للشاعر في شعره؛ لضيق الشِّعر، وما يوجبه الوزن والروِيّ، ومن كان متكلّما فهو في فسحة من لفظه، أن يضطر إلى معيب منه، ونحن وإن لم نُحِط بكل ما يجوز له، فقد جئنا بأكثره، وكلام العرب آخذٌْ بعضُه برقاب بعضٍ، ففي ما جئنا به دليل على ما شذّ عنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل. هذا آخر ما ألّفه أبو عبد الله محمد بن جعفر التميمي النحوي، مما يجوز في ضرورة الشعر، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وسلّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.