Полный текст (263 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أبدلت تاءً، لتدُلَّ على التأنيث.
واستدلوا على ذلك بأنّ النسب إليه كَلَوِيٌّ، فيرجع إلى الواو، وكِلاَ عندهم واحدُ كَمِعىً. وهذا البيت عندهم من اضطرار الشعر.
٩٧ - ومما يجوز له: إدخال أنْ في جواب كاد، والوجهُ أن لا تَدْخلَ، إذا قلت: كاد زيدٌ يقومُ؛ لأنها وُضعت للمقاربة، وقد أجازوا إدخال أنْ معها، وشبّهوها بعَسَى؛ فقال الشاعر:
قد كاد من طُولِ البِلَى أن يَمْصَحَا
فأدخل أنْ في الجواب، وحقّها الحذف.
стр. 212
٩٨ - ومما يجوز له: وضعُ الكلام غيرَ موضعه، كما قال الشاعر:
صَدَدْتِ فأطْوَلْتِ الصُّدودَ وقَلَّما ... وِصالٌ على طُول الصُّدُودِ يَدُومُ
أي: وقلَّما يدومُ وصالٌ على طُول الصُّدود.
ويجوز له أيضاً من التقديم والتأخير مالا يكون مثله في الكلام؛ وذلك مثل قول الأول:
وما مِثْلُه في النَّاس إلاَّ مُمَلَّكاً ... أبو أمِّه حَيٌّ أبوه يقارِبُهْ
يريد: وما مثلُه حَيٌّ يقاربُه إلا مُمَلَّكٌ، أبو أمِّ ذلك المملَّك أبُوه، فدلّ بهذا على أنه خالُه؛ ونصَبَ مملَّكاً، لأنه استثناء مقدم.
стр. 213
٩٩ - ومما يجوز له، وهو من أقبحِ الضرورات: تصحيح حروف الاعتلال، قبل الألف التي تكون بدلا من التنوين في النصب؛ وذاك أنهم يشبهونها بالهاء؛ فيقولون: سِقايا في: سقاءٍ، كما يقولون: سِقاية فيصححون الياء ولا يبدلون منها همزة مع الألف التي هي عوض من التنوين كما يفعلون مع الهاء؛ ومن ذلك قول الشاعر:
إذا ما المرء صَمَّ فلم يُكَلَّم ... وأعيا سَمْعُه إلا نِدايَا
ولاعَبَ بالعشِيِّ بِنى بنيِه ... كفِعْلِ الهرِّ يلتمس العَظَايا
يلاعبُهم وَوَدُّوا لو سَقَوْهُ ... من الذِّيفان مُتْرَعةً إنايَا
فأبْعَدهُ الإلهُ ولا يُؤَبَّى ... ولا يُعْطَى من المرضِ الشِّفَايَا
فأبقى الياء على ما كانت عليه مع الهاء، والحق أن يبدل منها همزة؛ فيقال:
стр. 214
النداء، والعَظَاء، وإناء، والشّفاء، وهذا من أقبح ضرورة عندهم؛ إذ كان لا أصل له في كلامهم.
١٠٠ - ومما يجوز له: بَدَلُ الهمزة في الموضع الذي لا يقوم فيه الشعر بتحقيقها ولا بتخفيفها؛ وذاك إذا كان قبله متحرك، وأصلها أنها إذا كانت متحركة بالفتح وقبلها فتحة، جعلت بَيْنَ بَيْنَ، ومعنى بَيْنَ بَيْنَ: بَيْنَ الحرف الذي منه حركتها وبين الهمزة، وإذا جعلتها بَيْنَ بَيْنَ، لم ينقص من وزن المحقّقة شيئا؛ فإذا كان الشاعر لا يقوم له الوزن بذلك، أبدل منها، وذلك مثل قوله:
سَالَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ الله فاحشةً ... ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بما سَالَتْ ولم تُصِبِ
فأبدل من الهمزة ألفاً، وكان هذا موضع بَيْنَ بَيْنَ.
стр. 215
ومثله قول الآخر:
راحتْ بمسلَمَةَ البغالُ عشِيَّةً ... فارْعَيْ فَزَارَةُ لا هَنَاكِ المرتَعُ
فقال: لا هَنَاكِ، فأبدل من الهمزة ألفاً، والأصل ما ذكرنا.
وكذا قول الآخر:
ولا يَرْهَبُ ابنُ العَمِّ عِشْتُ صَوْلَتِي ... ولا أخْتَتِي من صَوْلَةِ المُتَهدِّدِ
وكان الأصل هاهنا: ولا أخْتَتِيُّ، وليس هو موضعَ بَدَلٍ؛ لأن الهمزة أيضاً إذا كانت مضمومة أو مكسورة، كانت مع أيِّ حركة قبلها بَيْنَ بَيْنَ في حال التخفيف.
وإنما يقع البدل فيها، إذا كانت مفتوحة وكان ما قبلها مضموماً أو مكسوراً؛ كقولك: هذا صاحبُ أبيكَ، فإن أردت تخفيفها قلت: هذا صاحبُ وَبِيكَ، وكذا: مررت بصاحبِ يَبيكَ، فتبدل مع
стр. 216
المكسورة ياء، ومع المضمومة واواً، فإذا خالفت هذا كانت في حال التخفيف تُجعل بَيْنَ بَيْنَ، فلما اضطر الشاعر أبدل فيما ذكرنا، وليس هو موضعَ بَدلٍ.
١٠١ - ومما يجوز له: إدخالُ الفاء في جواب الواجب، والنصب بها، كما قال الشاعر:
سأتركُ منزلِي لبني تميم ... وأَلْحَقُ بالعراقِ فأسترِيحَا
فنصب وهو إيجاب، وإنما ذاك عندهم للضرورة؛ لأن القائل إذا قال: أَمَا تأتيني فتكرمَنِي، كان معناه ما يكون منك إتيانٌ فأنْ تكرِمَنِي، فإذا قال في الواجب: أنت تأتيني فتُكرمَنِي، كان معناه: أنت تأتيني فأنْ تكرِمَني، وهو من أقبح الضرورات.
стр. 217
ومنه قول الآخر:
لنا هَضْبَةٌ لا يدخلُ الذُّل وسْطَهَا ... ويأوِي إليها المستجيرُ فَيُعْصَما
فنصب بالفاء على ما ذكرنا.
وقد نَفَى هذا أكثرُهم، وقال: هو غير جائز، وقال الرواية: لِيُعْصَمَا فينصبُ بلام كي.
وكذا زعموا قول الآخر: فأستريحا، إنما يروونه: لأستريحا على لام كي أيضاً.
١٠٢ - وقد جعل قوم من الضرورات: إعرابَ بعضِ الكلام على معنىً يدلُّ عليه اللفظ، كقول الشاعر:
فكرَّت تَبْتَغِيه فَوَافَقَتْهُ ... على دَمِهِ ومَصْرَعِه السِّباعَا
стр. 218
فنصب السِّباع؛ لأنه دخل في الموافقة، فكأنه قال: فوافقت السِّباعَ على دَمِه ومَصْرَعِه.
ومثل قول الآخر:
لَنْ تَرَاها ولو تأمَّلْتَ إلاّ ... ولها في مَفَارِق الرأس طِيبَا
فَنَصَبَ الطِّيبَ؛ لأنه داخلٌ في الرؤية.
وكذا قول الآخر:
وَجَدْنا الصَّالحين لهم جزاءٌ ... وجنَّاتٍ وعيناً سَلْسَبِيلاَ
فنصب لأنه دخل فيما وَجَدَ، فانتصب على المعنى، وقد أجاز هذا أكثر الناس في الكلام، وأدخله بعضُهم في الضرورات فذكرناه.
стр. 219
١٠٣ - ومما يجوز له أن يُنَوِّن قبل وبعد، ويضمّ، وإن شاء نَصَبَ؛ كما قال الشاعر:
ونحن قَتلْنَا الأزْدَ شًنُوَءةٍ ... فما شَرِبُوا بعدٌ على لَذَّةٍ خَمْرَا
وهي هاهنا معرفةٌ، وإذا كانت نكرة جاز إعرابُها وتنوينُها، وإنما تُبنى في حال المعرفة، وإنما بنيت على الضم عند البصريين؛ لأنه قد كان يدخلها في حال الإعراب الفتح والجرّ فأعطيت في حال البناء ما ليس لها في حال الإعراب.
وقيل: لمّا غايةً أُعطيتْ غايةَ الحركات.
وقيل: لمّا أشبهت المنادَى المفرد، أُعطيتْ حركتَه.
وقيل: لمّا تضمّنت معناها ومعنى المضاف إليه، أعطيتْ أقوى الحركات.
стр. 220
وقيل: لو فُتحت أشبهت المضافَ، ولو كُسِرت أشبهت الإضافة إلى المتكلم بحذف الياء، فضمت لذلك.
فأما الضَّمُّ بالتنوين، والنصبُ به في حال البناء. فهو اضطرار عند البصريين، وأكثرهم لا يجيزه، وهذا البيت عنده ليس بحجة؛ وذاك أن حذف التنوين في البيت جائز في العروض؛ لأنه من الطويل، والطويل يدخله الكفّ وهو ذهاب النون من مفاعيلن، فيبقى مفاعيلُ، فإذا أسقط التنوين في هذا، كان مثلَ ما ذكرنا، والذي أجازه شبّهه بالنداء المفرد، إذا اضطُرّ إلى تنوينه، نُوِّن مضموماً.
١٠٤ - ومما يجوز له: رد ما حذف من (ما) في الاستفهام، إذا وصلتها بحروف الجر، إذا قلت: عَلامَ تَشْتُمُنِي؟ وفِيم تَغْضَبُ عَلَيَّ؟، فإذا اضطر الشاعر ردَّ المحذوف، كما قال
الشاعر:
عَلاَما قام يَشْتُمني لَئِيمٌ ... كخِنْزيرٍ تَمرَّغَ في رَمادِ
стр. 221
فرد الألف المحذوفة في الاستفهام.
١٠٥ - ومما يجوز له: سكون الميم في (لِمَ) في الاستفهام، إذا قلت: لِمَ فَعَلْتَ ذاك؟، فتحرك الميم، ويجوز للشاعر أن يسكن الميم في مثل هذا؛ ومنه قول الشاعر:
فَلِمْ دَفَنْتُم عُبيدَ اللهِ في جَدَثٍ ... وَلِمْ تَعَجَّلْتُمُ ولِمْ تَرُوحُونَا
فأسكن لِمْ في الموضعين اضطراراً.
١٠٦ - ومما يجوز له أن يحذف النون التي تأتي مع نون الرفع في الفِعل؛ وذلك في مثل قولك في الشعر: القوم يضربوني ويأمروني، والأصل: يضربونني ويأمرونني، وذاك لأنه اجتمع نونان، فحذفت إحداهما استخفافاً، ومنه قول الشاعر:
стр. 222
تَرَاهُ كالثُّغامِ يُعَلُّ مِسْكاً ... يَسُوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْني
والوجه أن يقول: إذا فلينَنِي، فتكون النون الأولى علامةَ رفعِ الفعل، والثانية هي التي تكون مع الياء في اسم المتكلم المنصوب.
ومثله قول الآخر:
أبِالموتِ الذي لابُدَّ أنِّي ... مُلاقٍ لا أباكِ تُخَوِّفِينِي
فحذف إحدى النونين، على ما ذكرنا.
стр. 223
وقد زعم بعض النحويين أن هذا يجوز في الكلام، ومنه قراءة بعض القُرَّاء: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ بنون واحدة خفيفة؛ قال: والأصل: تأمرونَنِي، فحذف لاجتماع النونات. وأكثر القُرّاء على تشديد النون والإدغام، وهو الوجه.
١٠٧ - ومما يجوز له في الاضطرار: الإتيان باسم، وهو يريد غيره ولكن فيما أتى به بعضُ الدليل على ما يريد؛ مثل قول الشاعر:
صَبَّحْنَ من كاظِمَةَ الخُصَّ الخَرِبْ
يحملْنَ عَبّاسَ بْنَ عبد المطَّلِبْ
يريد: عبدَ الله بن عبّاس؛ فذكر أباه مكانه اضطراراً.
وكذا قال الآخر:
أرى الخَطَفَى بَذَّ الفرزدقَ شِعرُه ... ولكنّ خيراً من كليبٍ مجاشِعُ
стр. 224
أراد: أرى جريراً، فتركه وجاء باسم أبيه.
وكذا قول الآخر:
عَشيَّةَ فَرَّ الحارِثيُّونَ بعد ما ... قَضَى نَحْبَهُ من مُلْتَقَى الموتِ هَوْبَرُ
قالوا: وإنما يريد: يزيدَ بن هوْبَر.
ومثله قول أوس بن حجر:
فهل لكمُ فيها إليَّ فإنّني ... طبيبٌ بما أعْيَا النَّطَاسِيَّ حِذْيَمَا
وإنما هو في قولٍ: ابن حِذْيَم، وهو طبيب كان في الجاهلية.
стр. 225
١٠٨ - ومما يجوز له: تغيير الأسماء، كما قال الأول:
. . . . . . . . . . . . . . . ... ونسج سُلَيْمٍ كُلَّ قضَّاَء ذائِلِ
يريد بقوله: سُلَيْم: سُليمان، وبقوله: قضّاء أي مُحْكمة، وهي التي فُرِغ من عملها، يريد دِرْعاً.
ومثله قول الآخر:
. . . . . . . . . . . . . . . ... جَدْلاََء مُحْكَمةٍ من نَسْجِ سَلاَّمِ
يريد أيضاً: سُليمان، وهما يريدان بذكر سليمان أباه؛ لأنه أول مَنْ عَمِلَ الدَّروع، فغيّر الاسم هذا التغيير، وأراد داود فذكر سليمان.
١٠٩ - ومما يجوز له: حذف مَنْ، لأن معناها في الكلام، وذلك مع مِنْ، وفِي، كما قال الشاعر:
стр. 226
فَضَلُّوا ومنه دَمْعُهُ غالِبٌ له ... وآخرُ يُثْنِي عَبْرَةَ العَين بالمَهْلِ
يريد: ومنهم مَنْ دَمْعُهُ غالبٌ له، فحذف مَنْ مع مِنْ، لأن في الكلام دليلاً عليها.
وكذلك قول الآخر:
لو قُلْتَ ما في قَوْمها لم تِيثَمِ
يفضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ
أي مَنْ يَفْضُلُها، فحذف أيضاً مع في على ما ذكرنا.
وقد أجاز هذا أكثرهم في الكلام، ولم يجعله اضطراراً، فأجاز أن يقول الرجلُ: فِينا يقولُ
ذاك، ومِنَّا لا يقولُه، يريد: مَنْ يقولُ ذاك، ومن لا يقوله، ويدل على هذا قوله جلّ وعزّ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾، والمعنى: وما منَّا إلا مَنْ له مقام معلومٌ، فحذف مَنْ لَمَّا كان سياق الكلام يدلّ على حذفها.
стр. 227
١١٠ - ومما يجوز له على قول بعض النحويين: زيادة مِنْ في الشعر، مثل قول الشاعر:
يا شاةَ مَنْ قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ له ... حَرُمَتْ عَلَيَّ ولَيْتَها لم تَحْرُمِ
هكذا رواه قوم، ورواه آخرون: ما، وكلا الروايتين عندهم أنّ مَنْ وما فيهما زائدة، وأن المعنى: يا شاةَ قَنَصٍ.
وأنكر هذا بعض النحويين، وقال: لا يجوز أن يقع في الكلام زيادة لغير معنىً، ومعنى الرواية بِمَنْ عندهم: يا شاة من يقتنص، فكأنه قال: يا شاةَ مُقْتَنِصٍ.
١١١ - ومما يجوز له أن يُجري الوصل مُجْرَى الوقف في مَنْ في الاستفهام عن النكرة؛ وذلك إذا قال الرجلُ: رأيتُ رَجُلاً، قلت:
стр. 228
مَنَا، وإذا قال: مررتُ برجلٍ قلت: مَنِي، وإن قال: جاءني رجلٌ قلت: مَنُو، وفي التثنية: مَنَانِ ومَنَيْنِ وفي الجمع: مَنُونَ ومَنِينَ، كل هذا في الوقت، فإذا وصل قال: مَنْ يا هذا؟ في كل الوجوه من التثنية والجمع، غير أن الشاعر يجوز له أن يُجرِي الوصل مُجْرَى الوقف في هذا، كما قال الأول:
أتَوْا نارِي فقلتُ مَنُونَ أنتمْ ... فَقَالُوا الجِنَّ قلتُ عِمُوا ظَلاما
فقال: مَنُونَ أنتم فوصل، وكان الوجه أن يقول: مَنْ أنتم ولكن اضطرّ للوزن، فأجْرَى الوصل مُجْرَى الوقف، ورواه قوم هنا:
أتْوا نارِي فقلتُ مَنُونَ قالوا ... سَرَاةُ الجنِّ قلت عِمُوا ظَلامَا
стр. 229
فلم يجعلوا فيه ضرورة؛ لأنه لا وصل هاهنا، فبناء الكلام على الوقف.
١١٢ - ومما يجوز له: إدخال النون في الشرط والمجازاة مع عدم ما؛ وذاك أنّ العرب إنما تُدخلها في الشرط مع ما؛ فيقولون: إمَّا تَذْهَبَنَّ أذهبْ مَعَكَ ومَتَى تَذْهَبَنَّ أذهبْ مَعَكَ؛ فيُلزمون ما النونَ هاهنا؛ كما ألزموا اللام في القسم في قوله: واللهِ لَتَذهَبنَّ، فلا يجوز في القسم حذفها، ويجوز مع ما.
وإذا اضطر الشاعر جاز له حذف ما والإتيان بالنون، كما قال الشاعر:
مَنْ يَثْقَفَنْ منهم فليس بآيِبٍ ... أبَداً وقَتْلُ بني قُتيبةَ شَافِي
فأدخل النون في يثقفنْ، وليس ثم ما، وهو عندهم من الاضطرار.
стр. 230
١١٣ - ومما يجوز له: تقديم هاء التنبيه على بعض الكلام، كما قال الشاعر:
ونحنُ اقْتَسَمْنَا المالَ نِصفين بَيْنَنا ... فقلتُ لها هذا لها ها وذَا لِيَا
فقدم الهاء على واو العطف، والتقدير: فقلتُ لها هذا لها وهذا ليا. ففصل الهاء من هذا، وحال بينها وبين ذا بالواو التي هي العطف، وكذا قول الآخر:
تعلَّمَنْ هَا لَعَمرُ الله ذا قَسَماً ... فاقصِدْ بذَرْعِكَ وانظرْ أيْنَ نَنْسَلِكُ
وإنما أراد: تعلّمَنْ لَعَمْرُ الله، هذا ما أُقسم به، ففصل الهاء من
стр. 231
هذا ووصلها بتلعّمن، وفرق بينها وبين ذا بلعمر الله.
١١٤ - ومما يجوز له: تقديم واو العطف على المعطوف عليه، كما قال الشاعر:
جَمَعْتَ وفُحْشاً غِيبَةً ونَميمَةً ... خِصالاً ثلاثاً لَسْتَ عنها بمُرْعَوِي
وإنما يجوز هذا عند أكثرهم في المنصوب، ولا يجوز في المجرور عند جميعهم، ولا يجوز أن تقول: مررتُ وعمروٍ بزيدٍ، وذاك لأن الفعل لا يدلّ عليه، ويقبح عندهم في المرفوع، إذا قلت: قام وزيدٌ عمرو.
فإذا قالوا: فيك وعَيْبٌ شَرٌّ وعليكَ ورحمةَ الله السَّلامُ، يريدون: فيك شر وعيب وعليك السلام ورحمة الله لم يجزه
стр. 232
البصريون في شعر ولا غيره، وأجازه الكوفيون في الشعر وعلته عند البصريين أن هذه الأسماء ترتفع بالابتداء، فكما لا يجوز: وعمرو زيدٌ منطلقان كذا لا يجوز هذا.
وأنشد الكوفيون في جوازه قولَ الشاعر:
ألا يا نخلَةً من ذات عِرْقٍ ... عليكِ ورحْمَةُ اللهِ السَّلامُ
يريد: عليكِ السَّلامُ ورحمةُ الله، وهذا لا يجوز عند البصريين، على ما ذكرنا.
١١٥ - ومما يجوز له: حذف الياء، وهي لام الفعل، اجتزاء بالكسرة كما قال الشاعر:
стр. 233
ليس تَخْفَى أسَارَتِي قَدْرَ يَوْمٍ ... ولَقَدْ تُخْفِ شٍيمتي إعْسَارِي
أراد: تُخْفي، فحذف الياء لغير جزم، ولكن وجد الكسرة تدل عليها، فحذفها اجتزاء بها.
ومثله قول الآخر:
كفَّاكَ كَفٌّ ما تُلِيق دِرْهَمَا
جُوداً وأخرى تُعْطِ بالسَّيف الدَّمَا
أراد: تُغطِي، فحذف على ما ذكرنا.
وكذا قول الآخر:
ولا أدْرِ من ألْقَى عليه ثيابَهُ ... ولكنّه وقد سُلَّ عن ماجدٍ مَحْضِ
стр. 234
يريد أدرِي، فحذف الياء اجتزاء بالكسرة، على ما ذكرنا.
١١٦ - ومما يجوز له: تحريك الواو في الجمع، وذلك أن العرب، إذا جمعت على فُعُلٍ ما كان عينه ياءً، ضَمُّوا الياء؛ فقالوا: دَجَاج بُيُضٌ فمن سكَّن قال: بِيضٌ، فإذا كان من ذوات الواو ولم يجز تحريك الواو بالضم وأجازوه في الشعر؛ قال الشاعر:
أغرُّ الثنايا أحَمُّ اللّثا ... تِ تَمْنَحُهُ سُوُكُ الإِسْحِلِ
فحرك الواو بالضم على الأصل، وهذا لا يجوز في الكلام استثقالاً للضمة في الواو.
١١٧ - ومما يجوز له: قطع الألف واللام من الكلمة، فيجعلونها كلمةً
стр. 235
واحدةً يعتدُّونها فيها كما قال الشاعر:
قلتُ لطاهِينا المُطَرِّي في العَمَلْ
دَعْ ذا وعَجِّلْ ذا وألْحِقْنَا بِذَلْ
بالشَّحم إنّا قد مَللنا ذا بَجَلْ
فقطع اللام وأعادها في الكلمة الثانية، وكذلك تقول فيما لم يكن مدغماً: جاءني ال، ثم تقول: حارث، فتقطع الألف واللام منه وتجعلهما بمنزلة حرف على حدته، ثم تبتدئ الاسم بعدهما، وإنما يقع هذا عند التذكّر والفِكرة.
١١٨ - ومما يجوز له عند الكوفيين: حذف ألف الاستفهام، وليس في الكلام عليها دليل، وأنشدوا:
стр. 236
ثمّ قالوا تُحبُّها قلتُ بَهراً ... عَدَدَ الرَّمْلِ والحَصَى والتُّرابِ
معناه عندهم: أتحبّها، وهذا لا يجوز عند البصريين، ومعنى البيت عندهم: الإيجاب، كأنه يقول: أنت تحبّها.
وأنشدوا في الحذف أيضاً:
إنْ كنتَ أزْنَنْتَني بها كِذباً ... جَزْءٌ فلاقيتُ مِثْلَها عَجِلاَ
أفْرَحُ أن أُرْزَأ الكِرامَ وأنْ ... أُورَثَ ذَوْداً شَصَائِصاً نَبَلا
стр. 237
قالوا: يريد: أأفْرَحُ، وغيرهم يقول: معناه الحكاية، كأنه يقول: أفرح أن أرزأ الكرام.
١١٩ - ومما يجوز له: الإتيان بالاسم المنفصل في موضع المتصل؛ كما قال الشاعر:
إليكَ حتّى بَلَغْتُ إيَّاكَا
والوجه أن يقول: حتى بلغتك.
وكذا قول لآخر:
كأنَّا يومَ قُرَّى إنَّما نَقْتُلُ إيَّانَا
стр. 238
والوجه: إنما نقتل أنفسنا، ولكن جاء بالضمير المنفصل بعد الفعل.
١٢٠ - ومما يجوز له: حذف الواو من قولك: إيّاك وزَيْداً، ولا يجوز أن تقول: إيّاك زيداً، كما لا يجوز أن تقول: رأسَكَ الجِدارَ، حتى تقول: والجدارَ، وذلك أن الثاني ينصب بفعلٍ ثانٍ غير فعل الأول، فكأنه عطفُ الفعل على الفعل، وأجازوا حذف الواو في الشعر، وأنشدوا:
فإيَّاكَ إيَّاكَ المِراَء فإنّه ... إلى الشَّرِّ دَعَّاءٌ وللشَّرِّ جالِبُ
وبعضهم إنما جاز هذا عنده، ومن أجل تكرير إياك، كأنه جعل إحداهما عوضاً من الواو.
وقوم يجعلون المِراءَ بمعنى: أن تماري، فيكون المعنى: إياك من أجل أن تماري.
стр. 239
١٢١ - ومما يجوز له عند الكوفيين: إذا اضطر إلى ضمير المنصوب جعله في موضع المجرور، كما قال الشاعر:
فأجْمِلْ وأحْسِنْ في أسيركَ إنه ... أسيرٌ ولم يأسِرْ كإيَّاك آسِرُ
وهذا لا يجوز عند البصريين؛ لأن كل واحد من هذه المضمرات عَلَمٌ لما جُعِلَ له، فلا يجوز تغييرها.
١٢٢ - ومما يجوز له: ما أبْيَضَهُ وهذا أبيضُ من هذا؛ ومنه قول الشاعر:
أمّا الملوكُ فأنت اليومَ ألأمُهُمْ ... لُؤْماً وأبيضُهم سِربالَ طبَّاخِ
وهذا بمعنى التعجّب، وكذا أنشدوا:
стр. 240
أبيضُ مِنْ أُخْتِ بني إباضِ
جاريةٌ في رمضانَ الماضِي
تُقَطِّعُ الحديثَ بالإيمَاضِ
فقال: أبيض من، وهو بمعنى التعجب، وإنما يجوز عند البصريين: أنت أشدُّ بياضاً من فلان، ولا يجوز هذا عندهم، وهو جائز عند الكوفيين.
١٢٣ - ومما يجوز له أنّ العربَ تُبدل من الياء المشدّدة جيما؛ فتقول: تميميٌّ أنا، تميميجٌّ أنا فإذا احتاج الشاعر أبدل من الخفيفة، كما قال الراجز:
يا ربِّ إن كنتَ قبلتَ حِجَّتِجْ
فلا يزالُ شاحِجٌ يأتيك بِجْ
стр. 241
أراد: حِجَّتِي ويأتيك بي، فأبدل من الياء الخفيفة جيما.
ومنهم من يبدلها من الألف، كما أبدلها من الياء، وأنشدوا:
حتى إذا ما أمْسَجَتْ وأمْسَجَا
يريد: أمسَت وأمسى، فأبدل من الألف جيماً، كما أبدلها من الياء.
١٢٤ - ومما يجوز له عند الكوفيين: أن يولي الضمير المتصل إلاّ وذاك أنك تقول: ما كلّمني إلا أنت، وإذا نصبت قلت: ما كلّمت إلا إيّاكَ فأجازوا: إلاَّكَ، وأنشدوا:
فما أُبالي إذا ما كنتِ جَارتَنَا ... إلاّ يجاوِرَنَا إلاّكِ دَيَّارُ
стр. 242
فقال: إلاَّكِ، والوجه أن يقول: إلا أنتِ، ورواية مَنْ لَمْ يُجِزْ هَذَا:
. . . . . . . . . . . . . . ... ألاَّ يُجاوِرَنا سِوَاكِ دَيَّارُ
١٢٥ - ومما يجوز له: الزيادةُ في الأسماء المنقوصة، غير ما حذف منها، يتوهمّون ذلك عوضاً مما حذفوا؛ كما قالوا في: فمٍ في الشعر: فَمٌّ فشددوا الميم،، كأنهم توهمّوا أن زيادة الميم على الميم، عِوَضٌ من المحذوف ومنه قول الشاعر:
يا ليتَها قد خرجتْ من فَمِّهْ
ريحٌ تنالُ الأنفَ قبْل شَمِّهْ
стр. 243
فشدد الميم على ما ذكرنا.
ومثله قول الآخر:
يا أيَّها السائِلُ عن كَمْ كَمِّهْ
فشدد الميم في كَمْ، لأنه يجعله بمنزلة الأسماء المحذوفة، ويجعل تشديد الميم بمنزلة ما
حذف.
١٢٦ - ومما يجوز له: إجراءُ ما لا يكون إلا ظرفاً، مُجرى غيره من الأسماء؛ من ذلك أنّ سواك لا يكون إلاّ ظرفاً؛ تقول: جاءني رجلٌ سِواكَ أي يقوم مقامك، وزيد سواك مثله منصوب على الظرف؛ لأنه لم يتمكن في الأسماء فإذا جعلته بمعنى غير، أدخلته في الأسماء، وأدخلت عليه حروف الجرّ، كما قال الشاعر:
تَجَانَفُ عن جّوِّ اليمامة ناقتِي ... وما قَصَدَتْ من أهلها لِسِوَائِكَا
стр. 244
فأدخل لامَ الجرّ عليها، وجعلها بمعنى غير على ما ذكرنا.
قال سيبويه في باب ما يجوز للشاعر: وجعلوا مالا يَجْرِي في الكلام إلا ظرفاً، بمنزلة غيره من الأسماء، وأنشد ما ذكرنا، وقال بعده: فَعَل ذلك؛ لأن معنى سواء معنى غير.
١٢٧ - ومما يجوز له: وصلُ المضمر بما يرجع مع المضمر إلى أصله وذاك أن أصل كاف التشبيه مِثْل، فإذا قلت: أنت كزيد جاز، وكان المعنى: أنت مثل زيد، فإذا أضمرت زيداً وجب أن تقول: أنت مثلُه، ويجوز للشاعر أن يقول: أنت كه؛ كما قال الراجز:
وأُمَّ أوْعَالٍ كَهَا أو أقْرَبَا
стр. 245
أي: مثلها.
وكما قال أيضاً:
فلا تَرى بَعْلاً ولا حَلائِلَا
كَهُو ولا كَهُنَّ إلا حاَظِلاَ
فوصل الضمير بالكاف، وكان الوجه أن يرجع إلى الأصل.
وكذا ما كان له أصلٌ نحْوُه؛ فإذا قلت: هذا ذو الجُمَّة، تريد: صاحبها، فإذا أضمرت قلت: هذا صاحبها، ولو جاء في الشعر: ذُوها جاز على ما ذكرنا.
وكذا: زيد من آل فلان، فإذا أضمرت، وجب أن تقول: من أهله، لأن أصل آل: أهل. ويجوز للشاعر أن يقول:
стр. 246
من آله، كما قال المتنبي:
فاللهُ يُسْعِدُ كلَّ يَوْمٍ جَدَّهُ ... ويَزِيدُ من أعدائهِ في آلِهِ
وقد رأى محمد بن يزيد هذا جائزاً في الكلام، وقال: المضمرُ عَقِيبُ المظهر وكما جاز في المظهر، وجب أن يكون جائزاً في المضمر. ورآه غيرُه من ضرورة الشعر على ما ذكرنا.
١٢٨ - ومما يجوز له: المجازاة بإذا، وذاك أن إذا لما يستقبل من الزمان، إذا قال القائل: إذا أكرمتني أكرمتك، فالإكرام معلوم، غير أنه لم يقع، وقوله : ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ﴾ وقتٌ معلومٌ لم يقع، ولا يكون حرف المجازاة إلاّ والفعلُ بَعْدَهُ لا يُدْرَى أيقع أم لا، فإذا اضطر الشاعر جاز له أن يجازي بإذا؛ لأنها تشبه حروف الشرط بردّها الماضي إلى المستقبل.
فمما جاء من الشعر قول الشاعر:
إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان وَصْلُها ... خُطَانَا إلى أعدائِنا فَنُضَارِبِ
стр. 247
جَزَم نضارب ردَّاً على موضع كان، وكان، في موضع جزم جواباً لإذا.
وقال آخر:
تَرْفَعُ لي خِنْدِفٌ والله يرفعُ لي ... ناراً إذا خَمَدَتْ نيرانُهم تَقِدِ
стр. 248
جَزَم تقد، لأنه جواب لإذا.
وقال آخر:
إذا لم تَزَلْ في كلِّ دارٍ عَرَفْتَها ... لها وَاكِفٌ من دَمْعِ عَيْنَيْكَ تَسْجمِ
فجرم تزل بإذا!!
١٢٩ - ومما يجوز له: إضمارُ الهاء مع الحروف التي لا يجوز وقوعُها على ما بعدها؛ مثل قول الشاعر:
إنّ مَنْ لام في بَنِي بنتِ حَسَّا ... نَ أَلُمْهُ وأعْصِهِ في الخُطُوبِ
فأضمر الهاء مع إنّ، لأنها لا يجوز أن تقع على مَنْ للشرط؛
стр. 249
لأن الشرط والاستفهام، لا يعمل فيهما ما قبلهما، فاحتاج إلى إضمار الهاء لتقع عليها إنّ.
وكذا قول الآخر:
ولكنَّ مَنْ لا يَلْقَ أمْراً يَنُوبُهُ ... بُعدَّتِهِ يَنْزِلْ به وَهوَ أعْزَلُ
أضمر الهاء مع لكنّ، كما فعل مع إن.
وكذا قول الآخر:
إنَّ مَنْ يَدْخُلِ الكنيسةَ يوماً ... يَلقَ فيها جآذِراً وظِباَء
بمعنى: أنّه، والكناية عن الحديث.
وكذا قول الآخر:
فلو أنّ حُقَّ اليومَ منكم إقامةٌ ... وإن كانَ سَرْحٌ قد مَضَى فَتَسَرَّعَا
стр. 250
يريد: فلو أنه حُقَّ اليوم؛ لأن أنّ لا تقع على الفعل، فأُضمر لها اسمٌ تقع عليه.
١٣٠ - ومما يجوز له: حذفُ جواب رُبَّ، زعم سيبويه عن الخليل أنه وجد في أشعار العرب رُبَّ لا جواب لها، وقال: من ذلك قول الشماخ:
ودَاوِيَّةٍ قَفْرٍ تَمَشَّى نَعَامُها ... كَمَشْيِ النَّصَارى في خِفافِ اليَرَنْدَجِ
قال: لأنّه لما حَذَف جوابَ رُبّ، عرف المعنى، يريد: قطعتها.
قال: فهذه القصيدة التي فيها هذا البيت، لم يجئ فيها جواب لِرُبَّ
وقال غيره: إلى جَنْب هذا البيت في كل الروايات:
قطعتُ إلى مَعْرُوفِها مُنكَراتِها ... وقد خَبَّ آلُ الأمْعَزِ المتَوَهِّجِ
следующие страницы →