Полный текст (263 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
ـ[ما يجوز للشاعر في الضرورة]ـ
المؤلف: القزاز القيرواني المتوفى ٤١٢ هـ
حققه وقدم له وصنع فهارسه: الدكتور رمضان عبد التواب، الدكتور صلاح الدين الهادي
الناشر: دار العروبة، الكويت - بإشراف دار الفصحى بالقاهرة
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه أستعين
قال أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي:
هذا كتابٌ أذكر فيه، إن شاء الله، ما يجوز للشاعر عند الضرورة، من الزيادة والنقصان، والاتّساع في سائر المعاني، من التقديم والتأخير، والقلب والإبدال، وما يتصل بذلك من الحجج عليه، وتبيين ما يمرّ من معانيه، فأردّه إلى أصوله، وأقيسه على نظائره، وهو باب من العِلْم لا يَسَعُ الشاعرَ جهلُه، ولا يستغني عن معرفته؛ ليكون له حجَّةً لما يقع في شعره، مما يضطر إليه من استقامة قافية، أو وزن بيت، أو إصلاح إعراب.
وذلك أن كثيراً ممن يطلب الأدب، وأخذ نفسه بدراسة الكتب، إذا مرَّ به بيتٌ لشاعر من أهل عصره، أو لطالب من نظرائه، فيه تقديم أو تأخير، أو زيادة أو نقصان، أو تغيير حركة عما حفظ، من الأصول المؤلفة
стр. 3
له في الكتب، أخذ في التشنيع عليه، والطعن على علمه، والإجماع على تخطئته.
ولو نظر بعين الحق، لعلم أن ذلك لا يُخَرَّج إلا من وجهين: إما أن يكون ذلك جائزاً، لعلل تغيَّبت عنه، لم يبلغ النهاية من علمها، وهو كذلك، ووهمه الذي لعلَّه إن نُبِّه عليه، أو أعاد نظره فيه، رجع عنه إلى الصواب، وتخطاه إلى مالا مَطْعَنَ فيه من الكلام، إذ كان غير معصوم من الخطأ، ولا ممنوع من الزَّلَل.
فليس للناظر في الأصول مع تأخره عن الإحاطة بسائر الفروع، الهجومُ على ما لَعلَّه جائز عند المتقدمين في العلم، الناظرين بعين الحقّ؛ كأخذهم على أبي نواس، في قوله:
نَبِّه نَدِيمَك قد نَعَسْ ... يَسْقيكَ كأساً في غَلَسْ
قالوا: كان الوجهُ يَسْقِكَ؛ لأنه جواب الأمر، وهو جزمٌ، تسقط له الباءُ من يسقيك، كما تقول في مثله: ارْمِ زَيْداً يَرْمِك، فتحذف الياء للجزم.
وهذا على ما أُصِّل في الكتب المختصرات على ما قيل، غير أن لجوازه وجهاً من العربية، وهو أن الشاعر له أن يُجْرِيَ المعتلّ مُجرى السالم، فيتوهم
стр. 4
أن الياء كانت متحركةً، وأنه أسكنها للجزم على أصل ما يفعل في السالم.
ومثله قوله الشاعر:
ثم نادِي إذا دخلت دِمَشْقاً ... يا يزيدَ بن خالدِ بن يزيدِ
فقال: نادِي وهو أمرٌ، فأثبت الياء على ما ذكرنا، وهو كثير يمرُّ في داخل الكتاب؛ لأن هذا موضعُ اختصار.
وأُخذ أيضاً عليه قولُه:
كَمَنَ الشَّنْآنُ فيه لنا ... ككُمون النار في حَجَرِهْ
قالوا: والنار مؤنثة، فكان الوجهُ أن يقول: ككمون النار في حجرها. وهذا ظاهِرُهُ على ما قالوا، ولكنَّ العربَ تتَّسع، فتذكِّر المؤنث لمعنى تُخْرِجه له، يَئُول به إلى التذكير؛ كما قال امرؤ القيس:
بَرَهْرَهَةٌ رَخْصَةٌ رُؤْدَةٌ ... كخُرعوبةِ البانةِ المنفطرْ
стр. 5
فذكَّر الخُرعوبةَ والبانةَ، لأنه يريد الغصنَ أو نحوه من المذكر. وكما قال الآخر:
لو كان مِدْحةُ حَيٍّ مُنْشِراً أحداً ... أحيَا أباكنَّ يا لَيْلَى الأَمادِيحُ
فقال: منشراً وهو للمِدحة فذكّر؛ لأنه يريد المدح أو غيره، مما هو في معناه من المذكّر. وكثير مثل هذا يُذكر في مواضعه.
هذا، على أن بعض النحويين يقول: كل ما لا رُوح له، يجوز تذكيرُه وتأنيثه. وهذا، وإن لم يكن بشيء، فقد ذكرنا ما يعضدّه من شعر العرب، ونذكر فيما يُستقبل أكثر من هذا.
على أن بيت أبي نواس له وجه، لا ضرورة فيه، وهو أن الكُمون مذكَّر مضاف إلى النار، فيرد الهاء عليه، فكأنه قال: ككمون النار في حجر الكمون، أي في الحجر الذي يكمن فيه النار.
стр. 6
وأخذ عليه قوله:
كيف لا يُدْنيك مِن أمَلٍ ... مَنْ رسولُ الله من نَفَرِهْ
قالوا: وهذا قلب المعنى، وإنما الوَجْهُ: مَنْ هو مِنْ نفر رسول الله. وهذا ليس فيه نَقْصٌ، لأنه إذا كان من نفر رسول الله، فرسول الله من نفره.
ومنه قول الآخر:
وما زال في الإسلام من آل هاشمٍ ... دعائمُ عِزٍّ لا تُرَامُ ومَفْخَرُ
بهاليلُ منهم جعفرٌ وابنُ أُمِّه ... عَلِيٌّ ومنهم أحمدُ المتخيَّرُ
فجعل مَنْ ذَكَرَ منهم، كما جعل الأوّل محمّداً ﷺ ، من نفر الممدوح.
وأُخذ عليه قوله:
شَمُولٌ تخطَّاها المنونُ فقد أتتْ ... سِنُونٌ لها في دّنِّها وسِنُونُ
تُراثُ أناسٍ عن أناس تُخُرِّمُوا ... توارَثَها بعد البنين بَنُونُ
стр. 7
فقالوا: رفع نون الجميع. وهذا قد ذكره النحويون أنه يجوز في اضطرار الشعر، وأن العرب تُجرى النُّون الزائدة مُجرى الأصلية، فتعربها، وتجعله بمنزلة كلمة واحدة.
وكأخذهم على أبي تمام:
من كلِّ أظمَى الثَّرى والأرضُ مُخْلِفَةٌ ... ومقشعرُّ الرُّبا والشمسُ في الحَمَلِ
قالوا: والوجه ظمآن الثرى؛ لأن الواحدة ظمأى، كعطشان وعَطْشَى.
وإن كان كما زعموا، فإن للشاعر أن يَرُدَّ مذكّر فَعْلَى إلى مذكّر فعلاء؛ إذ كان كل واحد منهما مقيساً على صاحبه؛ وذلك أن فَعْلاَن هذا مضارع لفَعْلاء، فالألف والنون في آخره، كالهمزة والألف في آخر فَعلاء، وخالفوا بين مذكّره ومؤنثه، كما خالفوا بين مذكّر أفعل ومؤنثه في اللفظ. فلما اضطر أجرى مذكر فَعْلى مُجرى مذكر فَعلاء.
وأيضاً فإن العرب تقول: رُمْحٌ أظمَى، إذا كان أسمر، وقَناةٌ
стр. 8
ظميَاءُ، إذا كانت كذلك، فجوز أن يكون المعنى: من كل أسود الثرى والأرض مُخلفة، ألا تراه أسْوَدَ لِمَحْلِهِ، وذلك يدل على الجَدْب، فيكون هذا لا ضرورة فيه.
وأُخذ عليه قوله:
أظنُّ دموعَها سَنَنَ الفَريدِ ... وَهَي سِلْكاه من نَحْرٍ وجِيدِ
قالوا: فالسَّنَنُ الطريق، وأضاف إليها الفريد، وشبه الدموع بها. وكان الوجه أن يقول: أظن دموعها الفريد؛ لأنه هو الذي يشبه الدموع، لا طريقُه، وإنما أراد: أظن سَنَنَ دموعها سَنَنَ الفريد؛ يريد أن يشبّه تتابُعَ الدموع، وهو سَنَنَُه، بتتابع الفريد، إذا وهي سِلْكُه.
ومثل هذا في شعر العرب كثير، منه قول الشاعر:
وشرُّ المنايا مَيِّتٌ وَسْطَ أهلِه ... كُهلْك الفَتى قد أسْلَم الحَيَّ حاضِرُهْ
فقال: وشر المنايا ميّت، وإنما يريد: وشر المنايا منية ميت، كما
стр. 9
قال هذا: أظن دموعها سنن الفريد، يريد: أظن سنن دموعها.
وأخذهم على أبي الطيب أحمد بن الحسين:
أُحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِ ... لُيَيْلَتُنا المَنُوطةُ بالتّنادِ
قالوا: فغلط في هذا البيت في وجوه منها: أنه صرف أحاد، والعرب لا تعربه، وإنما تجعله مبنياً؛ كقول الشاعر:
. . . . . . . . . . . ... أُحادَ أُحادَ في الشّهر الحَرَامِ
وقال: سداس، والعرب لم تجاوز في العَدَد رُباع
стр. 10
وقال: لييلتنا، والعرب إذا صغرت ليلة قالت: لُيَيْلِِيَة، فحذف هذا الياءَ من آخره.
فأما قوله: أحادٌ، فهو وجه الكلام هاهنا، ولا يكون غيرُه، وليس هو مما قال الشاعر في قوله:
. . . . . . . . . . . . ... أُحادَ أُحادَ في الشهر الحرام
وذلك أن العرب إذا قالت هذا، فكأن فيه معنى الموالاة، وكان ممنوعاً من الصرف؛ لأنه يجتمع فيه علّتان: إحداهما العَدْل، والأخرى أنه يؤدي عن معنى آخر؛ وذلك إذا قال: جاءني القوم مثنى مثنى كان معدولاً عن اثنين، يؤدي عن معنى: اثنين اثنين. ولما قال هذا الشاعر: أحاد كان معناه: واحد في ستة أم ستة في واحد، فهو معدول عن واحد يؤدي عن معنى واحد، فليس فيه إلا علة واحدة، فلذلك انصرف، كما أن طُوَالاً معدول عن طويل، وهو بمعنى طويل، فهو منصرف.
وأما قولهم: إن العرب لم تجاوز في العَدد رُباع، ادِّعاء منهم؛
стр. 11
لأن القياس لا يمنعه، وإنما جاء في القرآن إلى رُباع، فأما في الكلام فلا أرى مانعاً يمنعه. على أنه قد أتى في الشعر عُشار، وهو قول الكميت:
فلم يَستريثُوك حتى جَمَعْ ... تَ فوقَ الرِّجال خِصالاً عُشارَا
فإذا كان القياس يعطيه، وقد جاء في الشعر ما يجوز رُباع، دل على أن قوله: سداس جائز.
وأما قولهم: كان يلزمه أن يثبت في آخر ليلة الياء في التصغير، على ما يفعل العربُ، فهذا تشعيث؛ وذلك أن العرب لما قالت في جمع ليلة: ليالي، جاءوا بياء في الجمع لم يكن في الواحد، قالوا: كأنه جمع ليلاة،
стр. 12
فلما صغّروا جعلوا التصغير بمنزلة الجمع، لأنهما من واد واحد، والزيادة فيهما من مكان واحد، فزادوا الياء كأنهم صغروا ليلاةً، فقالوا: لُيَيْلِيَة، فإذا صغّره شاعر على اللفظ، كان حسناً، بل لا يمتنع في الكلام فضلاً على الشعر.
والعرب تقول في تصغير رَجُل: رُجَيْل ورُوَيْجل، فمن صغّره رُجَيْلاً، صغره على لفظه، ومن قال: رُوَيْجِل قال: معنى رجل وراجل واحد، فصغّره على المعنى، فليس في هذا البيت على هذا مطعنٌ.
وأخذ عليه في قوله:
وا حَرَّ قَلباهُ ممّن قلبُه شَبِمُ ... ومَنْ بجسمي وحالي عنده سَقَمُ
قالوا: فالغلط في هذا البيت من وجهين:
أحدهما: أنه وصل المندوب، وحرَّك الهاء، وهي هاء إنما تدخل في الوقف، وهي ساكنة أبداً إذا قلت: وا زيداهْ، وا عمراهْ فإذا وصلت أسقطت الهاء، فقلت: وا زيدَ بن عمرو.
стр. 13
والوجه الثاني: أنه أسقط الياء من المضاف إليه، وهو موضع لا تسقط فيه الياء؛ لأنه إذا قال: يا غلامِ أسقط الياء، فإذا قال: يا غلامَ غلامي لم يجُز إسقاطُها؛ فقوله: وَا حَرَّ قَلْبَاهُ بمنزلة: يا غُلامَ غُلامياه، فكما لا يجوز إسقاط الياء من الآخِر، كذا لا يجوز إسقاطها من القلب.
وهذا أيضاً يجوز في اتساع كلام العرب، أما إثبات الهاء في الوقف، ووصلها، فقد جاء في شعر العرب، وهو قول بعضهم:
وامَرْحَبَاهُ بحمار عَفراءْ
إذا أتى قدّمتُه لما شاءْ
من الشِّعِير والحشيشِ والماءْ
وكذلك قوله الآخر:
وا مَرْحبَاهُ بحمار ناجيَهْ
إذا أتى قدَّمتُه للسَّانِيهْ
стр. 14
فَوصَل الهاءَ وحرَّك.
فأما حذف الياء، فقد أجازه بعض النحويين، واحتج بأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد، فكما جاز حذف الياء من الأول، جاز حذفها من الثاني، ولا أرى هذا بالوجه، ولكن أراه جائزاً في مثل هذا البيت، وغير جائز في غيره؛ وذلك أن قول الشاعر: وا حَرَّ قلباهُ ليس بمنزلة: وا غلام غلامياه إلا في الإضافة، وبينهما فرق، وذلك أن هذا إنما التفجّع فيه
على الثاني، وليس الأول، فيه تفجُّع، فإذا قال: وا حَرَّ قلباهُ فكأنه قال: وا قلباه؛ لأنه هو معناه، فأجاز حذف الياء، كما يجيزها في قوله: وا قلباه وإذا قال: وا غلامَ غلامياه، فالتفجّع على الغلام الأول، فلذلك لم يجز حذف الياء من الثاني، وهذا بيّن إن شاء الله.
وأخذ عليه قوله:
هَذِي بَرَزْتِ فهجْتِ رَسِيسا ... ثم انصرفتِ وما شفيتِ نَسِيسا
قالوا: ولا يجوز إسقاط حرف النداء مع النكرة والمبهم؛ لا يجوز:
стр. 15
رَجُلُ، وأنت تريد: يا رَجُلُ. ولا: هذا وأنت تريد: يا هذا؛ لأنهم جعلوا يا عوضاً مما حذفوا، وأيضاً فإنه يلتبس بالخبر.
وهذا كله لا يلزم، قد أجاز حذفَ حرف النداء في هذا كله بعضُ البصريين، وأنشد في النكرة:
جارِيَ لا تستنكرِي عَذِيري
قالوا: يريد يا جارية.
وحكى في مَثل العرب: افْتَدِ مَخْنُوقُ وأْطرِقْ كَرَا؛ يريد يا مخنوقُ وياكَرَا؛ يعني الكروان.
стр. 16
فأما احتجاجهم بأنها عِوَضٌ، فلو لَزِمَ ما حُذفت مع المعارف، إذا قلت: يا عَبْدَ الله وعَبْدَ الله لأنها عِوضٌ من الفِعْل.
فأما قولهم: يلتبس بالخبر، فإن جوابه يمنع من ذلك، ألا ترى أن البيت: هذِي برزتِ، فلو كان خبراً لم يَجُز أن يكون الجواب هكذا، وكذا كل ما كان من هذا الباب.
وأخذ عليه قوله:
جَلَلاً كما بي فَلْيَكُ التَّبريحُ ... أغذاء ذا الرَّشَأ الأغنِّ الشِّيحُ
قالوا: إنما يقال: لم يَكُ زيدٌ عاقلاً ولم يَكُ في الدار زيدٌ، فإذا لقي الألف واللام، رجعت النون، فقلت: لم يكن الرجل.
وهذا كلام العرب، غير أن لها فيه اتساعاً، وهي أنها تمنع شيئاً لوجوه غيره، وربما اتسعت فجمعت بينهما؛ كما قال بعضهم: اللَّهُمَّ، ويا للَّهُمَّ، فأدخل الياء في النداء مع الميم، وهي ممتنعة معها، وقد جاء هذا في الشعر.
стр. 17
وكذا تَمْنَعُ دخولَ (يا) مع الألف واللام إذا كانتا في الاسم، وقد جاء ذلك في الشعر.
وتَقلِبُ هذا المعنى، فتحذف شيئاً لعدم غيره، وربما حذفته وذلك محذوف أيضاً، كما كان أولاً؛ كقولهم: قاضٍ والقاضِي، فإذا دخلت الألف واللام، منعتِ التنوينَ، فعادت الياءُ، وإذا سقطتا دخل التنوين، فحذِفت الياءُ، فيقولون: هذا القاضِ والغازِ وأنشدوا:
فطِرْتُ بمُنْصُليِ في يَعْمَلاتٍ ... دَوَامِي الأيْدِ يخبِطْنَ السَّرِيحاَ
стр. 18
فقال: الأيد، والوجه أن يقول: الأيدي، لأن الياء تثبت مع دخول الألف واللام، فلما اضطُرَّ حذف الياء مع وجودهما، وذلك أنه أدخلهما على محذوف، وأبقاهما على الحذف، فكذا هذا حذف النون كما تفعل العرب، فلما أتى بالألف واللام ترك ذلك الحذف، وهذا بيِّن في هذا البيت.
وأخذ عليه قوله:
ابْعَدْ بَعِدْتَ بياضاً لا بياضَ له ... لأنت أسودُ في عيني من الظُّلَمِ
قالوا: كيف قال هذا وهو في معنى التعجب؟ وأنت لا تقول: هذا أسود من هذا، إنما هو أشَدّ سواداً من هذا، كما تقول: ما أشدّ سوادَه، لا تقول: ما أسوده.
وهذا أيضاً كما قالوا في أصول العربية، إلا أن الشاعر له أن يجريه مجرى الثلاثي من الأفعال، كما قال الأول:
أبيضُ من أخت بني إباضِ
جاريةٌ في رمضانَ الماضِي
стр. 19
تقطِّع الحديثَ بالإيماضِ
فقال: أبيض من كذا، وهو مثل قول الشاعر: لأنت أسود في عيني. وأخذ عليه قوله:
بعثتُ إليه من لساني حديقةً ... سقاهَا الحِجَى سَقْيَ الرياضَ السحائبِ
قالوا: كيف يفرّق بين المضاف والمضاف إليه ثم يخفضه، وإنما كان الوجه أن يقول: سقْيَ السحائبِ الرياضَ أو سَقْي الرياضِ السحائبُ، كما تقول: عجبتُ من ضرب زيدٍ عمراً ومن ضرب عمرٍو زيدٌ، إذا كان زيد في كل هذه فاعلاً، كما كانت السحائب فاعلة.
стр. 20
ويستحيل أن تقول: مِنْ ضَرْبِ عمرًا زيدٍ، كما قلت: سَقْيَ الرياضَ السَّحائبِ.
والعرب تفرَّق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الشعر؛ كما قال الشاعر:
كما خُطَّ الكتابُ بكف يوماً ... يهودِيًّ يقاربُ أو يُزِيلُ
فخفض يهودياًّ بإضافة الكف إليه، وفرق باليوم بينهما، وهو كثير يمر في الكتاب، فحمل هذا الشاعر هذا البيت على ذلك، فأجازه في الأسماء، تشبيهاً بالظروف، فهذا لا ينكر في الشعر لاتساع العرب فيه.
ولم نقصد في هذا الكتاب إلى العيوب التي تجري في الشعر، مما يؤخذ على الشعراء في غير النحو، ولو قصدت إلى ذلك، وذكرت كلَّ ما أخذ على الشعراء في كل فنًّ، لعظم ما أردت تقليله، وصعُب ما قصدت تسهيلَه، وبَعُدَ ما أمّلت تقريَبه؛ إذ كانت فنون الشعر كثيرةً، وطرق العيوب
стр. 21
موجودة، وإنما قصدت إلى فنًّ، الناس إليه أحوجُ منهم إلى غيره، ومعرفتهم له ألزم، والفائدة فيه أعظمُ، فاقتصرت عليه، ولم ألتفت إلى ما سواه من العيوب؛ مثل قولهم في المعاني المَعيبات، كأخذهم على امرئ القيس قوله:
أغرَّكِ منّي أن حُبَّك قاتِلي ... وأنكِ مهما تأمري القلبَ يفعلِ
قالوا فإذا لم يكن هذا غارًّا، فبأيّ شيء تغتر؟ وأين هذا من قوله:
فإن تك قد ساءتكِ منّي خليقةٌ ... فسُلََّي ثيابي من ثيابك تَنْسُلِ
فقد ناقض في البيتين، فادعى في أحدهما التجلّد، وفي الثاني الاستسلام والطاعة.
стр. 22
ومثل قول طرفه:
أُسْدُ غاب فإذا ما شربُوا ... وهبوا كلّ أَمُونٍ وطِمِرّ
قالوا: والبخيل في مثل هذه الحال يفعل ما افتخر هذا به، فلا فَضْلَ له ولا فخر في هذا البيت، حتى يكون مثل قول عنترة:
فإذا شربتُ فإنّني مستهلكٌ ... مالي وعِرضي وافرٌ لم يُكْلَمِ
وإذا صحوتُ فما أقصَّرُ عن نَدًى ... وكما علمتِ شمائِلي وتكرُّمِي
فأخبر أنه في حال صَحْوِه يفعلُ ما يفعلُ في حال شربه، وبهذا يكمُلُ الفخر، ويعلو الذًًَّكْرُ.
وكقول نابغة بني ذبيان، وقد أنشده حَسَّانٌ قولَه:
لنا الجَفَنات الغُرُّ يلمعنَ بالضُّحى ... وأسيافُنا يقطُرِنَ من نَجْدةٍ دَمَا
стр. 23
ما صنعت شيئاً! قللت أمركم؛ فقلت: لنا الجفنات والجِفان أكثر، والغُرّ والبِيض أحسن، ويلمعن ويشرقن أجود، وبالضُّحى والدُّجى أبلغ، وقلت: وأسيافنا والسيوف أكثر، وقلت: يقطرن ويسكبن أجود.
وكقول بعض المحدثين: قصَّر جرير في قوله:
إنّ العيونَ التي في طَرْفها مرضٌ ... قتَلْنَنَا ثم لم يحيينَ قتلانَا
стр. 24
فقال: في طرفها، فأضاف الجمع إلى الواحد، والطَّرْف هو العين، فكأنه قال: إنّ العيون التي في عينها مرض، وقال: قتلننا ثم لم يحيين قتلانا فجاء بما ليس في العادات، من الإحياء بعد القتل.
وقال: أحسن منه قولي:
لا شيَء أعجبُ من عَيْنيكِ إنّهما ... لا يَضعفانِ القُوَى إلاّ إذا ضَعُفا
وكذا قال في قول النابغة:
وإنّك كالليل الذي هو مُدْرِكي ... وإن خِلْتُ أن المنتأَى عنك واسِعُ
إن هذا ليس بغاية في التبالغ؛ لأنه جاء بما لَهُ قسيِمٌ يفعل مثل فِعْلِه، وهو أن النهار يُدرك ما يدرك الليلُ؛ وإنما كان يتم له ما قَصَدَ، لو أتى بشيء لا قسيم له.
стр. 25
وذكر أن قوله:
كأنّه الدهرُ في إدراك غايته ... أو المنايا إذا جاءتْ على عَجَلِ
أبلغ منه؛ لأنه جاء بما لا قسيم له.
وقال: ومنه قولي:
همْ للعُداةِ كآجالٍ مُسَوَّمةٍ ... إن حاولوا فَوْتَها آلُوا ولم يَئِلُوا
وقال: الآجال لا يفوتها شيء، ولا قسيم لها، فهي أبلغ من الليل؛ إذ كان النهارُ قَسِيمَه.
وما هو في هذه العيوب إلا كما حدثنا أبو علي الحسين بن إبراهيم الآمدي، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش، قال: أخبرنا محمد بن يزيد المبرد، قال: تلاحَى مسلم بن الوليد وأبو نواس،
стр. 26
فقال مسلم: ما أعلَم كل بيتاً يخلو من سقط، فقال أبو نواس: اذكر شيئاً من ذلك، قال: بل أنشد أنت أيَّ بيت شئت، فأنشده:
ذكر الصَّبُوحَ بِسُحْرَةٍ فارتاحا ... وأملَّه ديكُ الصَّباحِ صِياحاَ
فقال مسلم: قف عند هذا. لم أمله ديك الصباح، وهو يبشِّره بالصَّبوح، وهو الذي ارتاح إليه؟
فقال أبو نواس: فأنشدني أنت، فأنشده:
عاصَى الشبابَ فراحَ غير مفنَّدِ ... وأقام بين عزيمةٍ وتجلُّدِ
فقال أبو نواس: ناقضتَ، ذكرت أنه راح، والرواح لا يكون إلاّ بالانتقال من مكان إلى مكان، ثم قالت: وأقام بين عزيمة وتجلد، فجعلته منتقلاً مقيماً في حال، وهذا منتقض.
قال أبو العباس: وكلا البيتين صحيح، ولكن من طلب عيباً وجده ومن طلب مخرجاً لم يفته.
стр. 27
وقد أُخذ على الشعراء هذا وأمثاله كثيراً، وكان الأصمعيُّ مُغْزًى بذلك، وهو الذي قال: أخطأ زهير في قوله:
فتُنْتَج لكم غلمانَ أشأمَ كلّهم ... كأحمرِ عادٍ ثم تُرْضِعْ فَتْفطِمِ
فقال: إنما هو أحمر ثمود، وخُطِّئ الأصمعي في هذا، وقيل: العرب تسمى ثموداً عاداً الثانية، يدلك على ذلك قول الله : ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾، فجعلها ثانية. وقال قيس بن سعد بن عُبادة:
أردتُ لكيما يعلَم الناسُ أنّها ... سراويلُ قيسٍ والوفودُ شُهودُ
وأن لا يقولوا غاب قيسٌ وهذه ... سراويلُ عادِيٍّ نمتْهُ ثَمُودُ
стр. 28
فجعل من نََمَتْهُ ثمودُ عاديّاً؛ لأنهم يسمون ثمودَ عاداً:
وكذا خطَّأ الشماخ في قوله، ووصف الناقة:
فنعم المجتدَى رتَكتْ إليه ... رَحَى حَيْزُومها كَرَحَى الطَّحينِ
فقال: هذا عيبٌ أن تكون الكِرْكِرة واسعةً، فيكون الْحِملُ لذلك ضاغطاً. وخُطِّئ الأصمعي في هذا؛ لأنه إنما أراد أنها صلبة تطحن الحَصَى، كما تفعل الرَّحَى بالحَبِّ، والعرب تستعمل ذلك ومن أجله قالت ليلى الأخيلية:
كأنّ فتى الفتيان توبةَ لم يُنِخْ ... قلائصَ يفحصْن الحَصَى بالكراكِرِ
ويروى: تطْحَنَّ، فجعلها هذا بمنزلة الرَّحى تطحن الحَصَى، وهو أبلغ في الصلابة.
وكذا قال: أخطأ ذو الرمة في قوله، وذكر الكلابَ والثورَ:
حتى إذا دوَّمتْ في الأرض راجَعَهُ ... كِبْرٌ ولو شاء نجَّى نفسَه الهَرَبُ
стр. 29
قال: وإنما التدويم في السماء؛ يقال: دوَّم الطائرُ في السماء، ودَوَّى الرَّجُلُ في الأرض، إذا ذهب فيها. وأُنكِر هذا على الأصمعي وقيل: أصل التدويم الاستدارة، وأصله الدُّوَّامة وذلك
يكون في الأرض والسماء.
وأخذ على لبيد قوله:
ومقامٍ ضَيِّق فَرَّجْتُه ... بمَقَامِي ولساني وجَدَلْ
لو يقومُ الفِيلُ أو فيّالُه ... زَلَّ عن مثل مَقامي وزَحَلْ
قالوا: ظنَّ أن الفيّال من أشدَ الناس، فغلط؛ وإنما يريد: لو يقوم الفيلُ أو الفيلُ وفيالُه. ثم حذف، كما قال الله : ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى ماِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، والمعنى: إلى مائة ألف، أو مائة ألف ويزيدون، وقَصَدَ ذِكر الفيل؛ لأنه أقوى الوحش وأعظمُه.
стр. 30
وأُخذ على المرقّش قولُه، وذكر امرأة:
صحا قلبُه عنها على أن ذِكْرَةً ... إذا خطرتْ دارتْ به الأرضُ قائِمَا
قالوا: فيكف يصحو عنها من إذا ذُكِرَتْ دارت به الأرضُ. وهذا أيضاً من العنف؛ لأنه يريد أن تَرَك طِلابها، على أنه في هذه الحال من الوَجْد بها.
وأخذ على زهير قولُه، وذكر الضفادع:
يخرجن من شَرَباتٍ ماؤُها غَدِقٌ ... على الجَذُوع يَخَفْنَ الغَمَّ والغَرَقَا
قالوا: ليس خروج الضفادع من الماء، مخافة الغَمِّ والغَرَق؛ إذ كانت حياتهنّ إنما تكون مع كثرة الماء. وهذا أيضاً ليس بعيب، وإنما أراد التبالغ، أن يخبر أنّ هذه الضفادعَ التي إنما حياتها مع كثرة الماء، قد زاد
стр. 31
الماء عليها، حتى صارت تهرُب منه، وجعل ذلك خوف الغَمِّ والغَرَق، لأنه عادةُ مَنْ هَرَبَ من الماء من الحيوان، وهذا على الاستعارة والإفراط.
وأُخذ على النابغة قولُه، وذكر الثور:
يحيدُ عن أسْتِنٍ سُودٍ أسافلُه ... مثلَ الإِماء الغَوادِي تَحْمِلُ الحُزَما
قالوا: هذا غلط؛ لأن الإماء إنما يحمِلْنَ الحُزَم رواحاً، وهنّ يَغْدُون لجمع الحطب واحتج بعضهم لهذا وقال: معناه مثل الإماء الغوادي لِحَمْل الحُزَم رواحاً، أي تفعل هذا لهذا، وله وجه في العربية.
وأُخذ على أبي النجم قوله في صفة الفرس:
стр. 32
يَسْبَحُ أُخْرَاهُ ويطفُو أوَّلُهْ
قالوا: اضطراب مآخيره عيبٌ يمنعه من الجَرْي.
وأخذ على رؤبة قولُه:
كنتم كَمَن أدخلَ في جُحْرٍ يَدَا
فأخطأ الأفْعَى ولاقَى الأسْوَدَا
قالوا: فجعل الأفعى دون الأسود، وهي أخبث منه وأشد عند العرب. وهذا أيضاً ليس بعيب، إذ كان إنما خلص من شر إلى شر، وليس من الشر قليل.
وأُخذ عليه قولُه:
ليتَ المُنَى والدَّهْرَ جَرْيُ السُّمَّه
стр. 33
قالوا: وهذا غلط، تقول العرب: ذهَبَ فلانٌ في السُّمَّهَى، أي في الباطل. وهذا يجوز أن يتوهم به جمع السُّمَّهى، فيجعل السُّمَّه بمنزلة الجمع، وإن لم يستعمل، إذ كان للشاعر من الاتساع ماهو أكثر من هذا.
وأُخذ عليه قوله:
أو فضةٌ أو ذَهَبٌ كِبريتُ
قالوا: سمع بالكبريت الأحمر، فظن أنه ذَهَبٌ، وهذا أيضاً له وجه؛ وذلك أن العرب تقول: هو أعزٌّ من الكِبريتِ الأحمر، فتصفه
стр. 34
بالحمرة، وتصف الذهب بالحمرة فتقول: هو ذهب أحمر، فأراد بقوله: أو ذهب كبريت أي أحمر، فيجعل قوله: كبريت، يؤدي عن أحمر، كما قال الشاعر:
وأنت سيِّدُها المذكورُ قد علمت ... ذاك العمائمُ يوم الخندق السيِّدُ
يريد أصحاب العمائم، فجاء بها وبصفتها، وهو يريدها، وكذا هذا جاء بالاسم، وهو يريد النعت.
وأُخذ على أبي النجم قولُه، وذكر بعيراً:
أخْنَسُ في مِثِل الكِظام مَخْطِمُهْ
قالوا: والأخنس القصير المشافر من الإبل، وهو عَيْبُ؛ وإنما توصف المشافر بالسُّبُوطة. والكِظام: هي السواقي التي يجري فيها الماء.
وأُخذ على أبي ذويب قولُه، وذكر الفَرَسَ:
قَصَر الصَّبُوحَ لها فشرَّجَ لَحْمَها ... بالنَّيَّ فهي تثُوخ فيها الإصْبَعُ
стр. 35
فمعنى شَرَّجَ لَحْمَها: جعله شَرِيجين شحماً ولحماً، وتثوخ تغيب، ومعناه: تسوخ. وهذا من أقبح ما يوصف به الخيل، إنما توصف بشدة البَضْعَة، وصلابة اللحم.
وأُخذ على المرار العدوي قولُه في صفة النَّخْل:
كأنّ فُروعَها في ظِلِّ ريحٍ ... جَوَارٍ بالذَّوائبِ يَنْتَصِينَا
فمعنى ينتصين: يأخذ بعضهم بنواصي بعض، يريد أنه قد قَرُب بعضه من بعض، فالتفَّت فروعه، وهذا عيبٌ؛ لأن النخل إذا تباعد كان أجودَ له، وأصحَّ لثمره، والعرب تقول: قالت نخلةٌ لأخرى: أَبْعِدي ظِلِّي من ظِلِّك، أحْمِلْ حَمْلِي وحَمْلك.
وأُخذ على أبي نواس قولُه في صفة الأسد:
كأنما عينه إذا نَظَرَتْ ... بارزَةَ الجَفنِ عينُ مَخْنُوقِ
стр. 36
قالوا: فوصفه بالجُحوظة، وإنما يوصف الأسدُ بغُؤور العين، ولذلك قال أبو زبيد:
كأنّما عينُه وقبانِ في حَجَرٍ ... قِيضَا انْقِياضاً بأطرافِ المناقيرِ
وأُخذ عليه قولُه في صفة الناقة:
كأنّما رِجْلُها قفا يَدِها ... رِجْلُ وُليدٍ يلهُو بدَبُّوقِ
قالوا: وإذا كانت الناقة كذلك، كان بها عُقَّالٌ، وهو من أسوأ العيوب، كذا أُخذ عليه في صفة الدار:
كأنَّها إذا خَرِسَتْ جَارِمٌ ... بين ذَوِي تَفْنِيدِه مُطْرِقُ
قالوا: فشبه ما لا ينطق أبداً بما ينطق، وإنما كان يجب أن يشبه الساكت بما لا ينطق أبداً، وهذا مثل قول الآخر:
стр. 37
كأنّ نيرانهم من فوقِ حَسْنِهِمُ ... مُعَصْفَرَاتٌ على أرْسانِ قَصَّارِ
فوصف النار بالثياب المعصفرات، وإنما كان يجب أن يصف الثياب بالنار.
ومما أخذ عليهم من جهة الغلط في الألفاظ، قول ابن أحمر، وذكر امرأة:
لم تَدْرِ ما نسجُ اليَرَندج قبلَها ... ودِرَاسُ أعوصَ دارسٍ مُتَجَدِّدِ
قالوا: فاليرندج: جِلد أسود لا ينسج.
وقال من رد هذا: اليرندج ضرب من الخِفاف السُّود، والنسج هاهنا بمعنى المعالجة والعمل؛ يصف أنّها لا تدري ما يَعمل به الناسُ، ولا ما يعالجون به صنائعَهم. وأعوص
بمعنى عويص. ودارس بمعنى مدارس، أي هي لم تدارس الناس في العويص.
стр. 38
وأُخذ على حميد بن ثور قولُه:
لما تخايلتِ الحُمولُ حَسِبْتُها ... دوماً بأيلة ناعماً مكمُومَا
قالوا: فأخطأ؛ لأن الدَّوْم شجر المُقْل، وهو لا يُكَمّ ومن يحتج لهذا يرويه: نخلاً.
وأُخذ على كعب بن زهير قولُه، وذكر ناقة فقال:
ضَخْمٌ مُقَلَّدُها فَعْمٌ مُقَيَّدُها ... . . . . . . . . . . . .
فوصف المُقَلَّد بأنه ضخم، والنَّجائِب إنما تُوصف بدقة المَذْبَح.
وعِيب على المتلمّس قولُه:
وإني لأُمْضِي الهمَّ عند احتضارِه ... بناجٍ عليه الصَّيْعَرِيَّةُ مِكْدَمٍ
стр. 39
ولما سمعه طرفة يقول هذا، قال: اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ، أي صار ناقة، فذهب قوله مَثَلاً، وإنما عيب عليه؛ لأنه ذكر أنه يُمضِي الهم بفَحْلٍ من الإبل، وجعل عليه الصَّيْعَرِيَّة، وهي سِمَةٌ لا تكون إلا على الإناث؛ فلذلك قال طرفه: استنوق الجمل، أي صار بهذه السِّمَةِ ناقةً.
وعيب على الأعشى قولُه:
وقد غدوتُ إلى الحانوت يتبَعُنِي ... شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ
قالوا: فهذه الألفاظ كلها بمعنى واحد، وهذا عيب.
وقال قوم: هي مختلفة المعاني؛ فالمِشَلّ: السريع السَّوْق.
стр. 40
والشَّلُول: الخفيف الذي يُسرع في حوائجهم. والشُّلْشُل: الذكي والشَّوِل: الرافع يده.
وعيب على أبي ذؤيب قولُه، وذكر الدُّرَّةَ:
فجاء بها ما شئتَ من لَطَمِيَّةٍ ... يدومُ الفُراتُ فوقها ويَمُوجُ
قالوا: والدُّرَّة لا تكون في الماء الفرات وإنما تكون في الماء الملح.
وأُخذ على أبي النجم قولُه، وذكر الراعي:
صلْبُ العَصَا جافٍ عن التعزُّلِ
قالوا: وليس بهذا يُوصف الراعي، إنما يُوصف بِلينِ العَصَا، كما قال الراعي:
ضعيفُ العَصَا بادِي العُروق تَرَى له ... عليها إذا ما أجْدَبَ القومُ إصْبَعَا
следующие страницы →