← Адаб

Адаб · id 36088

ما يجوز للشاعر في الضرورة

القيرواني، القزاز

Полный текст (263 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قالوا: فوصفه بالجُحوظة، وإنما يوصف الأسدُ بغُؤور العين، ولذلك قال أبو زبيد: كأنّما عينُه وقبانِ في حَجَرٍ ... قِيضَا انْقِياضاً بأطرافِ المناقيرِ وأُخذ عليه قولُه في صفة الناقة: كأنّما رِجْلُها قفا يَدِها ... رِجْلُ وُليدٍ يلهُو بدَبُّوقِ قالوا: وإذا كانت الناقة كذلك، كان بها عُقَّالٌ، وهو من أسوأ العيوب، كذا أُخذ عليه في صفة الدار: كأنَّها إذا خَرِسَتْ جَارِمٌ ... بين ذَوِي تَفْنِيدِه مُطْرِقُ قالوا: فشبه ما لا ينطق أبداً بما ينطق، وإنما كان يجب أن يشبه الساكت بما لا ينطق أبداً، وهذا مثل قول الآخر:

стр. 37

كأنّ نيرانهم من فوقِ حَسْنِهِمُ ... مُعَصْفَرَاتٌ على أرْسانِ قَصَّارِ فوصف النار بالثياب المعصفرات، وإنما كان يجب أن يصف الثياب بالنار. ومما أخذ عليهم من جهة الغلط في الألفاظ، قول ابن أحمر، وذكر امرأة: لم تَدْرِ ما نسجُ اليَرَندج قبلَها ... ودِرَاسُ أعوصَ دارسٍ مُتَجَدِّدِ قالوا: فاليرندج: جِلد أسود لا ينسج. وقال من رد هذا: اليرندج ضرب من الخِفاف السُّود، والنسج هاهنا بمعنى المعالجة والعمل؛ يصف أنّها لا تدري ما يَعمل به الناسُ، ولا ما يعالجون به صنائعَهم. وأعوص بمعنى عويص. ودارس بمعنى مدارس، أي هي لم تدارس الناس في العويص.

стр. 38

وأُخذ على حميد بن ثور قولُه: لما تخايلتِ الحُمولُ حَسِبْتُها ... دوماً بأيلة ناعماً مكمُومَا قالوا: فأخطأ؛ لأن الدَّوْم شجر المُقْل، وهو لا يُكَمّ ومن يحتج لهذا يرويه: نخلاً. وأُخذ على كعب بن زهير قولُه، وذكر ناقة فقال: ضَخْمٌ مُقَلَّدُها فَعْمٌ مُقَيَّدُها ... . . . . . . . . . . . . فوصف المُقَلَّد بأنه ضخم، والنَّجائِب إنما تُوصف بدقة المَذْبَح. وعِيب على المتلمّس قولُه: وإني لأُمْضِي الهمَّ عند احتضارِه ... بناجٍ عليه الصَّيْعَرِيَّةُ مِكْدَمٍ

стр. 39

ولما سمعه طرفة يقول هذا، قال: اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ، أي صار ناقة، فذهب قوله مَثَلاً، وإنما عيب عليه؛ لأنه ذكر أنه يُمضِي الهم بفَحْلٍ من الإبل، وجعل عليه الصَّيْعَرِيَّة، وهي سِمَةٌ لا تكون إلا على الإناث؛ فلذلك قال طرفه: استنوق الجمل، أي صار بهذه السِّمَةِ ناقةً. وعيب على الأعشى قولُه: وقد غدوتُ إلى الحانوت يتبَعُنِي ... شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ قالوا: فهذه الألفاظ كلها بمعنى واحد، وهذا عيب. وقال قوم: هي مختلفة المعاني؛ فالمِشَلّ: السريع السَّوْق.

стр. 40

والشَّلُول: الخفيف الذي يُسرع في حوائجهم. والشُّلْشُل: الذكي والشَّوِل: الرافع يده. وعيب على أبي ذؤيب قولُه، وذكر الدُّرَّةَ: فجاء بها ما شئتَ من لَطَمِيَّةٍ ... يدومُ الفُراتُ فوقها ويَمُوجُ قالوا: والدُّرَّة لا تكون في الماء الفرات وإنما تكون في الماء الملح. وأُخذ على أبي النجم قولُه، وذكر الراعي: صلْبُ العَصَا جافٍ عن التعزُّلِ قالوا: وليس بهذا يُوصف الراعي، إنما يُوصف بِلينِ العَصَا، كما قال الراعي: ضعيفُ العَصَا بادِي العُروق تَرَى له ... عليها إذا ما أجْدَبَ القومُ إصْبَعَا

стр. 41

أي أثراً حسناً. وقال قوم: إنما أراد بقوله: صلب العصا صفة نفسه، أي هو صلب الظهر، وجعل العصا مكان ذكر قناة الظهر. و مما أخذ على الشعراء من فساد المعاني قول الأخطل يهجو زُفَر بن الحارث: بني أمية إني ناصحٌ لكمُ ... فلا يبيتنَّ فيكم آمناً زُفَرُ مُرْتَبِئاً كارتباء اللَّيث منتظرٌ ... لوقعةِ كائنٍ فيها له جَزَرُ ذُكِرَ أن الأخطل مرَّ بقوم يتذاكرون الشعر والشعراء، ولم يذكروه ولا شيئاً من شعره، فقال: ما كنت أظنّ أنّي أعيشُ، حتى أرى قوماً يذكرون الشعراء والشِّعْرَ، ولا يذكرونني ولا شيئاً من شعري، ثم أقبل عليهم فقال: أعرفتموني؟ قالوا: نعم، قال: فلم أغفلتم ذِكْرِي وذِكْرَ شعري؟ قالوا: وبِمَ استحققتَ أن تُذكر؟ قال: وبِمَ استحققتُ أن أُغفَل؟ قالوا:

стр. 42

لأنك أردت أن تهجُوَ فمدحتَ، قلتَ لما هجوتَ زُفَرَ بن الحارث: وذكروا البيتين، ثم قالوا: وأي مدح أكثر من هذا؟ تهدّدتَ به بني أمية، وهم الخلفاء، وجعلته ممن يكون له وَقْعَةٌ، ولا تكون الوقعة إلا لمن يُتَّقَى، ولم تَرْض حتى جعلته ممن يكون له جَزَرٌ إذا أوقع، وهذا غاية المدح، وقلت تمدح ابن منجوف فهجوته، في قولك: قد كنتُ أحسبُه قَيْناً وأُنْبَؤُهُ ... فالآن طُيِّرَ عن أثوابه الشَّرَرُ ما هذا من المدح، أما كان لك في الكلام مذهبٌ أحسنُ من هذا؟ كأنه لم يرتفِعْ عندك إلا حيث لم يكن قَيْناً، وقد ذكرتَ أنك أنت

стр. 43

رفعته بشعرك عن أن يكون قيناً! وهذا من أقبح العيوب، ومعنى هذا الكلام أنه كان يقال لرهطه القيون، يقول: فلما مدحتَه طار الشَّرَرُ عن أثوابه! وأُخذ على جميل قولُه: فلو تركتْ عقلِي معي ما طلبتُها ... ولكن طَلابِيهَا لما فاتَ من عَقْلِي قالوا: فذكر أنه إنما طلبها، لأخذها لعَقْلِه، ولولا ذلك ما طلبها. وهذا عيب في المعنى. وإنما الحَسَنُ قولُ الآخر: أبكي وقد ذَهَبَ الفؤادُ وإنّما ... أبكى لفقدِك لا لفقدِ الذَّاهبِ وأُخذ على كُثيّر قولُه: أريدُ لأنسى ذِكْرَها فكأنّما ... تُمَثَّلُ لي لَيْلَى بكلِّ سَبِيلِ

стр. 44

قالوا: فذكر أنه يريد نِسْيَانَها، وإنما يردُّه إليها تمثيلُها له. وكقولهم في قول الآخر: طرقتْكَ صائِدةُ القُلوب وليس ذا ... وقتُ الزِّيارة فارجعي بسَلاَمِ قالوا: وأي وقت أحسن للزيارة من الطُّروق؟ وما كان من حقّها عليه أن يتلقّاها بالرُّحْب والبِشْر، إذ تلقّاها بالطَّرْد والإِنكار. وأُخذ على امرئ القيس قولُه: فمثلِكِ حُبْلَى قد طرقتُ ومُرضِعاً ... فألهيتُها عن ذي تمائِمَ مُحْوِلِ قالوا: ولا فائدة هاهنا في ذكر الحُبْلَى والمُرضع، وهذا ليس بعيب، والفائدة في ذكر الحُبْلَى والمُرضع بيِّنة؛ وذاك أن الحُبْلَى لا ترغب في الرَّجُل، والمرضع مشغولة بولدها، فإذا كان هاتان ألهاهما بطُرُوقه، فهو لغيرهما من النساء أشدُّ إلهاءً.

стр. 45

وأخذ على النابغة قولُه، وذكر ناقةً: تَخُبُّ إلى النّعمان حتى تنالَهُ ... فِدىً لك من رَبٍّ طَرِيفي وتَالِدِي وكنتُ امرءاً لا أمدحُ الدَّهْرَ سُوقَةً ... فلستُ على خيرٍ أتاكَ بحاسِدِ قالوا: فامتنَّ عليه بِمَدْحِه، وجعله خيراً أتاه لا يحسدُه عليه. وأُخذ على الأخطل قوله: وقد جعل اللهُ الخلافةَ منهم ... لأبيضَ لا عارِي الخِوَان ولا جَدْبِ قالوا: وهذا لا يجوز أن تمدح به الملوك. أما في أفعالها ما يُمدح سوى خِصْب الخِوان! قالوا: وغلط أبو النجم في وصف ورود الماء في قوله، وذكر الإبل: جاءت تَسَامَى في الرَّعيل الأوَّلِ والظّلُّ عن أخفافِها لم يفضُلِ

стр. 46

قالوا: يريد أنه أوْرَدَها في الهاجِرة، والعرب إنّما تصفُ الوِرْدَ غَلَساً، والماء باردٌ، كما قال الشاعر: فَوَرَدْنَ قبلَ الصَّباحِ الفاتِقِ وكقول الآخر: . . . . . . . . . . . . . ... فَوَرَدْت قبلَ تبيُّنِ الأَلُوَانِ وأُخذ على النابغة قولُه: إذا ما غَزَوْا بالجيش حَلَّق فوقَهم ... سحائبُ طَيْرٍ تهتدِي بعَصَائبِ جوانِجُ قد أيقنَّ أنّ قِبيلَهُ ... إذا ما التقى الجمعانِ أوّلُ غالِبِ قالوا: وكيف يعلم الطيرُ الغالبَ من الفريقين. وهذا ليس بعيب؛

стр. 47

لأنه إفراط في المدح، وذلك أنه يصِفُ كثرةَ ما يصحب الطيرُ جيوشَهم، وأنها تعلم منهم الغَلَبَةَ، فكأنها قد وَثِقت بنصرَهم، وأيقنت بذلك. وأُخذ عليه قوله في صفة السُّيوف: تُقدُّ السَّلُوقِيّ المضاعفَ نَسْجُهُ ... ويُوقِدْنَ بالصُّفَّاح نارَ الحُبَاحِبِ قالوا: وهذا من الإفراط الذي لا يجوز؛ لأنّه جعل السيوف تَقُدّ ما ذَكَرَ، ثم تصيب الحجارة، فتوقِدُ النارَ. وقد احتُجَّ لهُ أنه يريد بذلك الخيل، وأنه رجع إلى ذكرها، يريد أنها تضرب بحوافرها، فتوقد النار لصلابتها. وأُخذ على الأعشى قولُه: ويأمُر لليَحْمُومِ كلَّ عَشِيَّةٍ ... بقَتٍّ وتَعْليقٍ فقد كادَ يَسْنَقُ

стр. 48

قالوا: وما في هذا مما يُمدح به الملوك؟ وهل أحدٌ يضيِّعُ فرسَه؛ حتى يكون هذا مدحاً للملك؟ وفيه لَعَمرِي مَدْحٌ، وذاك أن الملوك كانت تجعل بالقرب من مواضعها فرساً مُعَدّاً لما يتخوَّفونه، فأخبر الأعشى بذلك، وأنه يقرََّب منه الفرسَ، فيأمر بعَلْفِهِ وافتقاده، وذلك لحَزْمِهِ وشجاعته. وأُخذ على أبي نواس قولُه: وأخفتَ أهلَ الشِّرك حتى أنَّه ... لَتخافُك النُّطفُ التي لم تُخْلَقِ وكذا قوله: حتّى الذي في الرَّحْمِ لم يَكُ صورة ... بفؤادِهِ خَوْفِه خَفَقَانُ

стр. 49

قالوا: جَعَل لم يُخلق بعد، ولم يُصَوَّر فؤاداً، وهذا من الإفراط. والأخْذُ على الشعراءِ كثيراً لم طَلَبَ مثل هذا، وإنما قَصَدْنَا إلى ضَرْب من عيوب الشعر، أردنا أن نقدّمه أمام ما نحن ذاكروه، مما يجوز للشاعر في شعره من غامض العربية ومستنكرها في المنثور؛ ليكون فيما أخبرنا حجَّةٌ لهذا وأمثاله؛ إذ كانت عيوبه أكثر من أن يتضمَّنها كتابٌ، أو يحيطَ بها خطاب، من الفساد في المعاني، والخطأ في اللغة، واللحن في دقائق العربية؛ وفساد التشبيه، والتقديم والتأخير، ووضع الشيء غير موضعه، واختلاف القوافي، وما يجوز فيها من الإكفاء والإقواء، وغير ذلك. فالإكفاء: هو اختلاف إعراب الأبيات؛ كقول النابغة:

стр. 50

قالت بنُو عامرٍ خالُوا بني أسدٍ ... يا بُؤْسَ للجهل ضرَّاراً لأقوامِ ثم قال فيها: تبدو كواكبُه والشمسُ طالعةٌ ... لا النُّور نورٌ ولا الإظلامُ إظلامُ فخفض ورفع. وكذا قال: مِنْ آل مَيَّةَ رائحٌ أو مُغْتَدِ ... عَجْلانَ ذا زادٍ وغيرَ مُزَوَّدِ ثم قال فيها: زعم البوراحُ أنَّ رِحلتنا غَداً ... وبذاك خَبَّرنَا الغُدافُ الأسْوَدُ

стр. 51

خفض ورفع أيضاً. وهذا من أقبح العيوب، ولا يجوز لمن كان مولَّداً هذا، لأنه إنما جاء في شعر العرب على الغلط، وقلة المعرفة به، وأنه يجاوز طبعه ولا يشعر به، ألا ترى أن النابغة غُنِّي له به، فلما سمع اختلاف الصوت بالخفض والرفع، فطن له ورجع عنه. و الإقواء: نقصانُ حرفٍ من فاصلة البيت، مأخوذٌ من قُوى الحَبْل، وهي طاقاتُه التي يُفْتَل عليها، فإذا أسقط الشاعر حرفاً، فكأنّه مثلُ الذي أذهب قُوّةً من حبله، وهو مثل قول الشاعر: حنَّت نوارُ ولات هنَّا حَنَّتِ ... وبَدَا الذي كانت توارُ أجنَّتِ

стр. 52

لما رأتْ ماَء السَّلا مشرُوباً ... والفرْثَ يُعْصَرُ في الإناء أَرَنَّتِ فنقص من قوله: لما رأت ماء السّلا مشروباً عن العروض الأولى. ومثله قوله الآخر: إنِّي كبِرْتُ وإنَّ كلَّ كبيرٍ ... مما يُظَنُّ به يَمَلُّ ويفْْتُرُ وكذا قول الآخر: أبعدَ مقتلِ مالكِ بنِ زُهَيْرٍ ... يرجُو النِّساءُ عواقبَ الأَطْهارِ

стр. 53

ومن عيوب القوافي: السِّناد ، وهو: أن يختلف أردافُ القوافي، كقوله: . . . . . . . . . . . . . . . ... كأنَّ عيونهنَّ عيونُ عِينِ ثم قال: . . . . . . . . . . . . . . . ... وأصْبَحَ رأسُه مِثْلَ اللُّجَيْنِ

стр. 54

فكسر ما قبل الياء في الأول، وفتح في الثاني، وهو كثير. ومن عيوبه: الإيطاء، وهو: إعادة القافية. ومن عيوبه: الإجازة، وهي عند قوم: اختلاف حركات الرِّدف في الشعر المقيَّد، كقول امرئ القيس: . . . . . . . . . . . . . . ... لا يَدَّعِي القومُ أنِّي أفِرّْ

стр. 55

ثم قال: . . . . . . . . . . . . . . ... وكندةُ حَوْلِي جميعاً صُبُرْ ثم قال: . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . ألحقتَ شَراً بشَرّْ فكسر ما قبل الرَّوِيّ وضم وفتح، وهو عيب. وقال قوم: هو اختلاف القوافي في الحروف التي تتقارب مخارجها، وهو أن تكون دالاً وطاءً، أو نوناً وميماً، كقول بعض العرب: يا رب جَعْدٍ لو تَدْرِينْ ... يضربُ ضربَ السُّبُطِ المقادِيمْ

стр. 56

وكقول الآخر: واللهِ لولا شيخُنا عَبَّادُ ... لكَمَرُونا عِندها أو كادُوا فَرْشَطَ لمّا كُرِه الفِرشاطُ ... بفَيْشَةٍ كأنّها مِلْطاطُ فجاء الأول بالنون والميم، وجاء هذا بالدال والطاء. وهذه الحروف تتقارب مخارجها. ومثله قول الآخر: قُبِّحْتِ من سالفةٍ ومن صُدُغْ ... كأنّها كُشْيَةُ ضَبٍّ في صُقُعْ

стр. 57

وكقول الآخر: كأنّها والعهدُ مُذْ أقياظِ ... أسُّ جراميزَ على وجَاذِ يصف داراً، فالجُرْمُوز: الحوض الصغير. وأُسُّه: بقيّته. والوِجَاذُ: جمع وَجْذٍ، وهو مستنقع الماء. وكذا قول الآخر: كأن أصوات القَطَا المُنْقَضِّ ... بالليل أصواتُ الحَصَى المُنْقَزِّ

стр. 58

وهذا كثير، إن تقصَّيتُه طال الكتاب، وخرج عما قصدته من الاختصار، ولكن نرجع إلى ما أخرته، مما يجوز للشاعر في شعره، إذ كان فيما ذكرنا كِفايةٌ لمن أراد الاطلاع على عيوب الشعر، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ١ - اعلم أن كل اسم كان حقه في الإعراب أن يكون منصرفاً، ولكن مُنِعَتْ من الصرف أسماءٌ لِعِلَلٍ فيها. فإذا اضطر شاعر جاز له صَرْفُ ما لا ينصرف؛ لأنه يردّه إلى أصله، فمن ذلك قول الشاعر: فَلْتَأْتِينْكَ قصائدٌ وليَرْكَبَنْ ... جيشٌ إليك قوادمَ الأكْوَار فصرف قصائد وهو جمع ثالثُ حروفه ألِفٌ، وبعد الألف حرفان.

стр. 59

وهذا المثال لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، لأن الجمعَ أثقلَ من الواحد، ولأن هذا الجمعَ غايةُ الجُموع فاجتمعت فيه علَّتان، فامتنع من الصرف لذلك، ولكنَّ أصلَه أن ينصرف لتمكّن الأسماء في الإعراب، فكأن الشاعر لما صرفه، رَدّه إلى أصله. ٢ - ومما يجوز للشاعر: تنوين الاسم المفرد في النداء، فاختلف النحويون فيه، فقال قوم: إذا اضطر الشاعر إلى تنوينه، نَوَّنَ ورَفَعَ، بمنزلة مالا ينصرف من الأسماء، فإذا انصرفَ تُرِك على ما كان عليه من الإعراب ونُوِّن. وقال قوم: إذا نُوِّنَ نُصب، يرد إلى أصل المنادى في الإعراب؛ لأن أصله النصب، إذ كان في المعنى مفعولاً، وإنما صُمَّ المفردُ لقلة تمكُّنِه، ووقوعه موقع المضمر، قالوا: فليس رَفْعُه إعراباً، فيبقى عليه إذا نُوِّن. بل يَرْجع به التنوين إلى أصله. وحجّة الذين تركوه مرفوعاً: اطِّراد الضَّمِّ في المنادى المفرد، حتى كأنه فيه إعراب، فإذا نُوِّن بقي على ما هو عليه.

стр. 60

ومن هذا قول الشاعر: سلام الله يا مَطَرٌ عليها ... وليس عليك يا مَطَرُ السَّلامُ فيُنْشد على ما ذكرنا، بالرفع والنصب. وكذا قول الآخر: يا عديّاً لقلبكَ المهتاج ... . . . . . . . . . . . . . يجوز فيه الرفع والنصب، على ما ذكرنا. ٣ - ويجوز للشاعر أن يُجري المعتل من الأفعال مُجْرَى السالم، فيجزم

стр. 61

ولا يحذف حروف الاعتلال. وذاك أن العرب استثقلت الحركات في الياء والواو، فحذفتها عنهما، وأبقتهما سواكنَ في الرفع، إذا قلت: هو يدعو وهو يرمي. فإذا جزمت حذفتهما، فقلت: لم يدع ولم يرم. فإذا احتاج الشاعر، أجْرَى هذا المعتلَّ مُجْرَى السالم، فأثبت الياء في الجزم، كأنَّه يتوهَّم أنها كانت متحرِّكة فسكَّنها، كما قال الشاعر: ألمْ يأتِيك والأنباءُ تَنْمِي ... بما لاقت لَبُون بني زِيادِ

стр. 62

فقال: ألم يأتيك والوجه: ألم يأتِكَ. ولكن أجراه على ما ذكرنا. ومثله قوله الآخر. ثم نادِي إذا دخلتَ دِمَشْقاً ... يا يزيدَ بن خالدِ بن يَزيدِ فأثبت الياء في نادِى، وهو موضع تسقط فيه الياء. وجاء في ذوات الواو في قوله: هجوثَ زَبَّان ثم جئتَ معتذراً ... من سَبِّ زَبَّانَ لم تَهْجُو ولم تَدَعِ فقال: لم تهْجُو، والوجه: لم تَهْجُ. ولكن أثبت على أصل ما ذكرنا. ٤ - ومما يجوز له: إدخال النون في الواجب، وحقّها أن تدخل في غير الواجب، من الأمر والنهي والاستفهام والمجازاة؛ لأن هذه كلَّها غيرُ واجبات. فإن اضطر الشاعرُ جاز له أن يدخلها في الواجب؛ كما قال الشاعر:

стр. 63

ربما أوفيتُ في عَلمٍ ... ترفَعَنْ ثوبِي شَمَالاتُ قال: تَرْفَعَنْ، وليس هذا موضع النون. ٥ - ومما يجوز له: إثبات الألف من (أنا) في الوصل. وحقها أن تسقطَ في الوصل، وتثبتَ في الوقف، وذاك أن الاسم من أنا: أنَ وإنما زيدت الألف للوقف، فيجعل الشاعر الوصل في هذا كالوقف؛ مثل قوله: فكيف أنا وانتحالي القَوَافِ ... يَ بعد المشيب كَفَى ذاك عَارَا وأنكر هذا قوم، وقالوا: الرواية: فكيف يكون انتحالي القوافي.

стр. 64

٦ - ويجوز له: أن يردّ الألفَ التي تسقط من الفعل لالتقاء الساكنين، إذا قلت: رمت هند كذا، فإذا ثنّيت قلت: الهندان رَمَتَا. فإذا اضطر الشاعرُ قال: رَمَاتا، فرد الحرف الذي سقط، لتحرك التاء، وتقول: لما تحركت التاء عاد الحرفُ، وإن لم يكن ذلك الأصلَ. ولكن قد جاء في الشعر. قال امرؤ القيس: لها مَتْنَتانِ خَظَاتا كما ... أكبَّ على سَاعِدَيْه النَّمِرْ وكان الوجه أن يقول: خَظَتا، غير أنه لما حرَّك التاء لدخول ضمير الاثنين، ردّ الحرف الذي سقط لالتقاء الساكنين.

стр. 65

وقد زعم قومٌ أنه يريد: خظاتان، وأنه نعت للمَتْنَتَيْنِ؛ قالوا: ولكن أسقط النون، كما أسقطها الشاعر من قوله: أبني كُليبٍ إن عَمَّيّ اللَّذا ... قتلا الملوكَ وفكَّكا الأَغْلالاَ فقال: اللَّذَا، والوجه: اللَّذان فكذا هذا قال: خظاتا وهو يريد خظاتان. وهذا القول عند أكثرهم ليس بشيء؛ لأن النون سقطت من اللَّذا لطول الاسم، إذ كان لابد من صلة، وهذا فليس مثله. وذكر قوم أن النون حُذفت منه؛ لأنه يريد الإضافة إلى الكاف من

стр. 66

كما، وهي بمعنى مِثْل. وأحسن هذه الأقوال ما قدمنا. ومثله قول الآخر: ما كان إلاَّ طَلَق الإهمادِ حتى تحاجَزْنَ على الرُّوَّادِ تحاجَُ الرِّيِّ ولم تَكادِ فلما أطلق القافية، ردّ الألفَ التي تُحذف لالتقاء الساكنين. ٧ - ويجوز للشاعر أن يُثَقِّل في الوقف؛ مثل قوله: بِبازِلٍ وَجْنَاءَ أو عَيْهَلِّ

стр. 67

فثقَّل اللام وكسر، وإنما هذا شيءٌ تفعلُه العربُ في الوقف؛ ليَدُلَّ على أن الحرف الذي تَقف عليه كان محرَّكاً؛ لأن المدغم لا يكون ساكناً؛ إذ كان حرفين أحدهما ساكن، فيستحيل أن يكون الآخَر ساكناً، فلما اضطر الشاعر أجراه في الوصل مُجراه في الوقف. ومثله قول الآخر: ضَخْمٌ يَحبُّ الْخُلُقَ الأَضْخَمَّا وأصله: الأضْخَمَ، ولكن ثقَّله في الوقف وأجراه في الوصل ذلك المُجْرَى. وبضعهم يرويه: الإضْخَمَّا بكسر الهمزة، فلا تكون فيه ضرورة؛

стр. 68

لأنهم بَنَوْه بناء إرْزَبٍّ، وهو من أبنية العرب، وذاك إنما كان الأضْخََمَ ولكن ثقِّل في الوقف، لِما ذكرنا، وكان حقُّه في الوصل أن يذهب منه الإدغام، ولكن أجراه في الوصل مُجراه في الوقف للضرورة. ومثله في الآخر: في عامِنا ذَا بَعْدَ ما أخْصَبَّا يريد: أخْصَبَ، فشدّد وزاد الألف للإطلاق، على ما ذكرنا. ٨ - ومما يجوز له: الإتيانُ بالفعل مُعرّىً من الضمير، وقبله اسم مرفوع بالابتداء، والهاء مضمرةٌ مع الفعل، وهو مثل قولك: زَيْدٌ ضَرَبْتُ وهذا لا يكون في الكلام، ولكن يكون في الشعر عند الضرورة. ومنه ما أنشده سيبويه: قد أصبحتْ أُمُّ الخِيار تَدَّعِي عَلَيِّ ذنباً كُلُّه لم أصْنَعِ

стр. 69

فرفع: كلُّه، ولا عائد في: أصنع، فكأنه أراد: كلُّه لم أصنعه أو كلُّه غير مصنوع. وكذا أنشدوا قول امرئ القيس: فأقبلت زَحْفاً على الرّكبتينِ ... فَثَوبٌ نسيتُ وثوبٌ أجُرّْ برفع الثوب، وتعرية: نسيت وأجرّ من العائد، كأنه يريد: نسيتُه وأجرُّه. ومثله قول الآخر: فيومٌ علينا ويومٌ لنا ... ويومٌ نُساءُ ويومٌ نُسَرّْ

стр. 70

فأضمر الهاء على قول من يجعلُه مفعولاً على السَّعة، فكأنه قال: فيومٌ نساؤُه ويوم نُسَرُّه. ومن جعله ظرفاً أراد: فيومٌ نُساءُ فيه، ويومٌ نُسرُّ فيه. وكذا قول الآخر: ثلاثٌ كلُّهن قتلتُ عَمْداً ... فأخْزَى الله رابعةٌ تعودُ فأضمر الهاء أيضاً ورفع. وقد أنكر بعضُ أهل النظر هذا، ولم يُجِزْه في كلامٍ ولا شِعْرٍ، وقال: لا ضرورة في هذا؛ لأن المنصوب بزنة المرفوع، فلو نصب لم ينكسر الشعر، وقال: كذا ينشده أكثر الناس منصوباً. ونحن لا ندفع ما رواه سيبويه، على ثقته وعلمه، مع قوله: سمعناه من العرب مرفوعاً. ٩ - ومما يجوز له: أن يجعل اسم كان نكرةً، وخبرها معرفةً، إذا اضطر إلى ذلك، وذلك غير جائز في الكلام، وذلك أن تقول: كان رجلٌ زيداً فيجوز في الشعر ولا يجوز في غيره، وذلك أن اسم كان بمنزلة الابتداء، فكما كان الأَولى أن يبتدئ المتكلم بالمعرفة، ثم يخبر عنها، كان ذلك في كان.

стр. 71

ومنه قول حسان: كأنَّ سَبِيئَةً من بيتِ رَأْسِ ... يكون مِزاجَهَا عَسَلٌ وماءٌ فجعل العَسَل اسم كان، والماء معطوفاً عليه، ونصب المزاج وهو معرفة، فجعله الخبر وقدّمه. وكذا قوله: فإنك لا تبالِي بعدَ حَوْلٍ ... أظبيٌ كان أمَّك أم حِمَارُ فنصب الأمّ، جعلها خبراً، وجعل الظبي والحمار اسمَ كان، وهما نكرتان.

стр. 72

وكذا أنشد النحويون: ألا مَنْ مُبْلغٌ حسّان عَنِّي ... أسِحْرٌ كان طِِبًّك أم جُنُونُ فنصب الطبّ وجعله خبراً، وجعل السحر والجنون اسم كان وهما نكرتان. وأنشدوا أيضاً: أسكرانُ كان ابنَ المَرَاغة إذا هَجَا ... تميماً بجوَفِ الشَّام أم متساكِرُ وقال سيبويه: فهذا إنشاد بعضهم، وأكثرهم ينصب سكرانَ، ويرفع الطِّبَّ، وينصب سِحْراً، ويرفع متساكراً، وجنونا على قطع وابتداء، كأنه قال: أم هو متساكرُ.

стр. 73

وزعم بعض أهل النظر أن هذا لا يجوز، وأن قوله: يكون مزاجُها بالرفع وعسلا بالنصب، يجعله خبر كان، ويرفع ماء على الاستئناف، كأنه قال: وماء كذلك. وقال في قوله: أسكرانُ كان ابن المراغة إذا هجا ... . . . . . . . . . . . . . النصب في سكران يجعله خبر كان متقدماً، وترفع ابن المراغة تجعله اسمها، وترفع متساكراً على ما قال سيبويه، كأن قال: أم هو متساكر. وقال في قوله: . . . . . . . . . . . . . . . . ... أسحرٌ كان طبَّك أم جنونُ النصب في السحر يجعله خبر كان، ويرفع الطب يجعله اسم كان، ويرفع الجنون على الاستئناف أيضاً، كأنه قال: أم هو جنون. وقال في قوله: . . . . . . . . . . . . ... أظبيٌ كان أمَّك أم حمارُ لم يجعل هاهنا اسم كان نكرة؛ لأن في كان ضمير الظبي والضمير لا يكون إلا معرفة، فهو اسم كان، والأم الخبر، فكأنك جعلت اسمها معرفة وخبرها معرفة، وهذا حسن في الكلام، إذ قلت: كان زيد أخاك وكان أخوك زيداً تجعل أيُّهما شئت اسم كان، إذا كانا معرفتين.

стр. 74

قال: ويرفع حماراً على القطع والاستئناف، كأنك قلت: أم هو حمار. ومن أجاز الأول له حجج على هذا، إن شئت أن تراها؛ طلبتها في كتابنا المؤلف في الحروف، تجدها على وجهها، إن شاء الله، لأن هذا موضع اختصار، إذ كان القصد فيه ذكر ما يجوز للشاعر، لا استقصاء العلل. ١٠ - ومما يجوز له: أن يؤنّث المذكّر، إذا كان مضافاً إلى مؤنث، أو هو من سببه، كما أنشد النحويون: لما أتى خَبَرُ الزُّبير تواضَعَتْ ... سُورُ المدينة والجبالُ الْخُشَّعُ فأنث السور لما أضافه إلى المدينة، فكأنه قال: تواضعتِ المدينةُ.

стр. 75

ومثله: مَشَيْن كما اهْتزَّت رماحٌ تسفَّهَتْ ... أعالِيَها مَر الرِّياحِ النَّواسِمِ فأنث المَرَّ؛ إذ كان من الرياح، فكأنه قال: تسفهت أعاليها الرياح. ومثله: إذا بعضُ السِّنينَ تَعَرَّقَتَنا ... كَفَى الأيتامَ فقدُ أبِي الَيَتِيمِ فأنث البعضَ؛ لإضافته إلى السِّنين، كأنه قال: إذا السنون تعرقتنا. ومثله: طولُ اللَّيالي أسرعتْ في نَقْضِي
следующие страницы →