إلى الإيمان وميل الكافرين إلى الكفر وميل أهل الطاعة إليها وميل أهل الفسق إليه؛ كل يرجح في قلبه ما له ميل إليه ويخلقه الله تعالى على يده. فجزاء الخير والشر بناء على علمه تعالى في إيجادهم لو فرض إليهم، فهم وإن لم يكونوا خالقين لأفعالهم حقيقة ولكن لا شبه في خلقهم تقديرا، فلو جعل الكافر قادرا على خلق أفعاله لخلق الكفر. وكذا لو كان المؤمن يعطى القدرة على هذا الأمر لخلق الإيمان. وعلى هذا القياس في جميع الأفعال والأقوال. (١) والجزاء المبني على علمه في حق كل ليس ظلما عند الشيعة لأن جزاء أطفال المشركين بهذه الوتيرة عندهم بلا تفاوت. روى ابن بابويه عن عبد الملك بن سنان قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن أطفال المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم. (٢) وروى عن وهب بن وهب (٣) عن [جعفر بن محمد (٤)] عن أبيه عن أبي عبد الله أيضا أنه قال: أولاد الكفار في النار. (٥) فإذا لم يكن عذاب الصبي غير المكلف لكونه كافرا وعاصيا في علم الله تعالى من غير أن يوجد فيه شاهد هذا العلم من ميل النفس وهواها ظلما، لم يكن ظلما تعذيب المكلف على فعله الذي يوجده ويخلقه بوفق إرادته وهوى نفسه لأجل أنه يفعل هذا الفعل ويخلقه لو قدر عليه. (٦)
وهذا الوجه مصرح به ومبين في روايات الأئمة في كتب الشيعة: روى الكليني وابن بابويه وآخرون منهم عن الأئمة أن الله خلق بعض عباده سعيدا وبعض عباده شقيا لعلمه بما كانوا يعملون. (٧) ليتأمل في لفظ «كانوا» فإنه يفيد صريحا معنى الفرض والتقدير. وروى الكليني وغيره من الإمامية عن أبي بصير أنه قال: كنت بين يدي أبي عبد الله ﵇ جالسا فسأله سائل فقال: جعلت فداك با ابن رسول الله، من أين لحق الشقاء بأهل المعصية حتى حكم لهم بالعذاب على عملهم في علمه؟ فقال أبو عبد الله: أيها السائل، علم الله لا يقوم له أحد من خلقه بحقه، فلما حكم بذلك وهب لأهل المحبة القوة على طاعته ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله ووهب لأهل المعصية القوة على معصيتهم بسبق علمه فيهم ومنعهم إطاقة القبول منه فوافقوا ما سبق لهم من علمه تعالى ولم يقدروا أن يأتوا حالا
стр. 107
تنجيهم من عذابه لأن علمه أولى بحقيقة التصديق وهو معنى شاء ما شاء وهو سره. (١) وروى الكليني عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله ﵇ أن قال: إن الله خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه فمن خلقه سعيدا لم يبغضه أبدا وإن عمل سوءا أبغض عمله وإن خلقه شقيا لم يحبه أبدا وإن عمل صالحا أحب عمله. (٢) ولو كان الجزاء على خلق عمله من عنده الواقع موافقا لهوى العبد ظلما يلزم أن يكون خلق نفسه وقواه مع تسليط الشيطان عليه ومنع الألطاف وإطاقة القبول في حقه ظلما أيضا. وقد وقع صريحا في الروايات المذكورة هذه الجمل: ووهب له قوة المعصية ومنع عنه إطاقة القبول ولم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم. وقد ورد أيضا في الروايات السابقة عن أبي عبد الله أنه قال: إذا أراد الله بعبد سوءا نكت في قلبه نكنة سوداء الحديث المتقدم. وظاهر أن العبد يكون على هذا مضطرا وملجئا بفعل المعصية لعدم قدرته على الطاعة والعبادة بهذه المعاملة التي عامل الله بها في حق عبده.
(الطريق الثاني) أن الجزاء ليس على العمل حتى يكون دخل العبد ضرورة، بل على ميل قلبه وهو نفسه الذي يقارن كل عمل من الخير والشر، ولهذا رفع عن العباد السهو والنسيان والخطأ والإلزام، مع أن صدور سوء الفعل يكون من العبد في هذه الحالات أيضا، ولكن لما لم يكن قلبه وهوى نفسه بذلك الفعل يعفى عنه ذلك الصدور ولهذا يجزي على نية الخير والشر وإن لم يعمل ففي الكافي للكليبي عن السكوني عن أبي عبد الله ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ «نية المؤمن خير من عمله ونية الكافر شر من عمله». (٣) ووجه كونها خيرا وشرا إنما هو مدار الجزاء عليها. وفيه أيضا عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال: إن العبد المؤمن الفقير ليقول يا رب ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير فإذا علم الله ذلك منه بصدق نيته كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب لو عمله، ولهذا جعل الرياء والسمعة محبطين لثواب العمل كما ذكره مفصلا في باب الرياء في الكافي. (٤) من ذلك ما روى عن يزيد بن خليفة
стр. 108
قال: قال أبو عبد الله: كل رياء شرك، إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس ومن عمل لله كان ثوابه على الله. (١) وأيضا قد ورد في الحديث المتفق عليه (٢) أن الندامة هي التوبة. (٣) فقد علم أن مدار تأثير العمل على ميل القلب وهوى النفس ولما ذهبت شهوة العمل في حالة الندامة ذهب أثرها أيضا ولو بعد مدة وزمان طويل. وفي الكافي عن أبي جعفر ﵇ قال: كفى بالندم توبة. (٤) وأيضا عن أبي عبد الله قال: إن الرجل ليذنب فيدخله الله به الجنة. قلت: يدخله الله بالذنب الجنة؟ قال: إنه يذنب فلا يزال منه خائفا ماقتا لنفسه فيرحمه الله ويدخله الجنة. (٥) وإذا كان مدار الجزاء على النية وميل النفس واستحسان القلب فإن خلق الله أفعالا على وفق إرادة العبد وميله وهوى نفسه وجازى العبد على ذلك فلم يكن ظلما. نعم يتصور الظلم لو كان خلق أفعال العبد ابتداء من دون تخلل إرادته وميله كأفعال الجمادات من نحو إحراق النار وقتل السم وقطع السيف وكسر الحجر، وإذا كانت أفعال العباد تابعة لإرادتهم وأهواء أنفسهم كان لهم دخل في تلك الأعمال فوجدوا منها حظا فذاقوا جزاءها بحسب ذلك، وهذا هو معنى الكسب والاختيار عند التحقيق. (٦)
هذا وإذا قيل إن ذلك الميل وهوى النفس من خلقه وإيجاده إذ ظاهر أن العبد لا قدرة له على إيجاده والله سبحانه إذا خلق الميل والهوى فلم يؤاخذ العبد على ذلك ويجازيه؟ فجوابه أن هذه الشبهة مع اعتقاد أن العباد خالقون لأفعالهم أيضا واردة على الشيعة، لأن الدواعي الواردة على جميع الأسباب والمبادئ لصدور الفعل من القدرة والقوة والحواس والجوارح بل وجود العبد الذي هو أصل الأصول للأفعال كلها مخلوقة لله تعالى بالبداهة والإجماع ولا دخل فيها للعبد أصلا. وتحقيق المقام أن الاختيار لما قارن الفعل وتوسط معه صار ذلك الفعل اختياريا وخارجا من حريم الاضطرار وموردا للمدح والذم ومحلا للثواب والعقاب وكون الاختيار باختياره ليس ضروريا بل هو محال للزوم التسلل إذ ليس لأحد في المشاهدة قدرة على خلق الاختيار أصلا في غيره وصعب على العقل فهم هذا المعنى بالقياس لفقدان النظر الجزئي، ولكنه إذا خلى نفسه حتى يبعد عن شوائب الأوهام
стр. 109
ومأخوذية المألوفات ويحصل له الصفوة بعد ذلك يجزم بأن مدار كون العقل اختياريا على وجود الاختيار لا على إيجاد الفعل ولا على إيجاد الاختيار. مثلا لو أراد عبدُ أحدٍ أن يأبق، وأبلغه الآخر إلى مقصده بعد ما أطلع على إرادة قلبه وميله بإظهاره أو بوجه آخر، يكون هذا الإباق منسوبا إلى ذلك العبد عند العقل البتة، وإن كانت مباشرة الفعل حاصلة من الغير ومبنى قلب العبد حاضر له من نفسه.
فإذن ظهر لك أن ليس الفرق في اعتقاد أهل السنة والشيعة بذلك إلا هذا القدر: إن أهل السنة يعتقدون أن اختيار العبد محفوف من كلا الجانبين بفعل الله تعالى: من الجانب الفوقاني بخلق الاختيار والإرادة والهوى وميل النفس، ومن الجانب التحتاني بخلق الفعل. والشيعة يعتقدون أن اختياره من الجانب الفوقاني بفعل الله تعالى لا من الجانب التحتاني وهو خلق الفعل فإنهم يقولون إن خلق الفعل وظيفة العبد. وعلى العاقل هنا أن يتأمل، فإن الجانب الفوقاني للاختيار إذا كان في يد الغير لزم الجبر ونشأ الإشكال في أمر الجزاء والثواب والعقاب، فترك البديهة العقلية التي هي قاضية باستحالة صدور الإيجاد من الممكن عن اليد مجانا ثم الانغماس في الدجل الشيطاني أي لطف يكون له؟ (١) وقد نقل سابقا برواية صاحب المحاسن وهو البرقي (٢) وبرواية الكليني عن أبي الحسن الكاظم أنه قال لا يكون شيء إلا ما شاء الله وأراد. وقد روي عن رئيس فقهاء أهل السنة أبي حنيفة الكوفي أنه قال: قلت لأبي جعفر بن محمد الصادق: يا ابن رسول الله هل فوض الله الأمر إلى العباد؟ فقال: الله أجل من أن يفوض الربوبية إلى العباد. فقلت: هل أجبرهم على ذلك؟ فقال: الله أعدل من أن يجبرهم على ذلك. فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: الله أعدل من أن يجبرهم على ذلك. فقلت: كيف ذلك؟ فقال: بين بين، لا جبر ولا تفويض ولا إكراه ولا تسليط. (٣) وضع أهل السنة بناء مذهبهم على هذه الرواية في مسألة خلق الأفعال، حيث يعتقدون نفي الخلق عن العباد ولا خلق إلا لله، ويثبتون الكسب لهم مطابقا لإرشاد الإمام الصادق. وهذه
стр. 110
الرواية بعينها في كتب الإمامية، فقد روى محمد بن يعقوب الكليني عن أبي عبد الله أنه قال: لا جبر ولا تفويض ولكن بين أمرين. (١) وروى الكليني أيضا عن إبراهيم عن أبي عبد الله مثل ذلك. (٢) أيضا عن أبي الحسن محمد بن الرضا نحوه. (٣) وأولَ علماء الشيعة هذه الروايات المذكورة الموافقة لأهل السنة صريخا فقالوا المراد من أمر بين أمرين خلق القوة والقدرة والتمكين على الفعل لا الدخل في إيجاد الفعل. ولا يفهمون أن سؤال السائل عما إذا كان، وأين يذهبون بجواب الإمام مجردا وأي عاقل سأل عن تفويض خلق القوة والقدرة على العمل فإنه بديهي البطلان، وإنما البحث والنزاع إن كان ففي خلق الفعل فجواب الإمام يجعلونه لغوا مهملا بتوجيههم هذا معاذ الله من ذلك. ومع هذا لا يجدي هذا التوجيه نفعا لأن هذا التفويض يوجد في نفيه أيضا علة البحث والاعتراض، ومع قطع النظر عن ذلك فإن أهل السنة في أيديهم روايات صريحة مستخرجة من كتب الشيعة تحسم مادة التأويل. منها الرواية التي أوردها صاحب (الفصول) من الإمامية فيه وصححها عن إبراهيم بن عياش أنه قال: سأل رجل الرضا أيكلف الله العباد ما لا يطيقون؟ فقال: هو أعدل من ذلك.
قال: فيقدرون على الفعل كما يريدون؟ قال: هم أعجز من ذلك. (٤) فقد نفى الإمام القدرة صريحا في هذا الحديث الصحيح. ومنها ما في (نثر الدرر): سأل الفضل بن سهل بن موسى الرضا في مجلس المأمون فقال: يا أبا الحسن، الخلق يجبرون؟ قال: الله أعدل أن يجبر ثم يعذب. قال فمطلقون؟ قال: الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه. (٥) وإذ اتضح مخالفة علمائهم في عقيدتهم للأئمة فاستمع ما لقبهم به الأئمة من الألقاب السيئة، فقد روى محمد بن بابويه في كتاب التوحيد عن أبي عبد الله أنه قال: القدرية مجوس هذه الأمة أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه عن سلطانه. وفيهم نزلت هذه الآية ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾. (٦) وروى الكليني عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله: شاء وأراد وقدر وقضى؟ قال: نعم. قلت: وأحب؟ قال: لا. (٧)
الحادي عشر منها: أن العبد ليس له اتصال مكاني وقرب جسماني بالله تعالى ممكنا
стр. 111
وما يتصور في حقه من القرب فإنما هو بالدرجة والمنزلة عنده تعالى ورضوانه عنه فقط. وهذا هو مذهب أهل السنة. وقد ثبت في الأخبار الصحيحة المروية عن العترة الطاهرة بروايات الشيعة أن الأئمة قد نفوا عن الله تعالى المكان والاتصال والأين وغيرها. وقال أكثر فرق الإمامية بالقرب المكاني والصوري، ويحملون المعراج على الملاقاة المتعارفة الجسمانية. روى ابن بابويه في كتاب (المعراج) عن حمران بن أعين عن أبي جعفر ﵇ أنه قال في تفسير قوله تعالى ﴿ثم دنى فتدلى﴾ أدنى الله نبيه ﷺ فلم يكن بينه وبينه إلا قفص من لؤلؤ فيه فراش يتلألأ من ذهب فأراه صورة فقيل: يا محمد أتعرف هذه الصورة؟ قال: نعم هذه صورة علي بن أبي طالب. (١)
الثاني عشر منها: أن رؤية الله تعالى ممكنة عقلا وسيراه المؤمنون بعيون رءوسهم جزما ويتشرفون في الجنة بهذه النعمة بحسب مراتبهم، (٢) والكافرون والمنافقون محرومون منها. وهذا هو مذهب أهل السنة. وتمسكهم على هذا المطلب بالنقل والعقل: أما النقل فقوله تعالى حكاية عن موسى ﴿رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ ووجه الاستدلال به أمران: الأول أن سؤال موسى الرؤية يدل على إمكانها لأن العاقل - فضلا عن النبي - لا يطلب المحال ولو بتكليف الغير، ولا مجال للقول بجهل موسى ﵇ بالاستحالة، فإن الجاهل بما لا يجوز على الله تعالى لا يصلح من النبوة هداية الخلق إلى العقائد الحقة والأعمال الصالحة. ولا ريب في نبوة موسى وأنه كبار الأنبياء وأولي العزم. وأيضا أن يقال إنما سأل موسى الرؤية بتكليف القوم حيث قالوا ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ وقالوا ﴿أرنا الله جهرة﴾ ولتبكيتهم إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب عليه أن يجهلهم ويزيح شبهتهم كما فعل بهم لما قالوا ﴿اجعل لنا إلها﴾ الآية. وأيضا لو كان سألها بتكليفهم لقال «رب أرهم ينظروا إليك». والثاني أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل، وهو أمر ممكن في نفسه والمعلق على الممكن ممكن لأن معنى التعليق الإخبار بوقوع المعلق عند
стр. 112
وقوع المعلق به، والمحال لا يثبت على شيء من التقادير الممكنة. وأيضا ما صح عن النبي ﷺ أنه قال: «إنكم سترون ربكم عيانا يوم القيامة كما ترون هذا القمر لا تضامون» (١) وهذه الرؤية متعدية إلى مفعول واحد فهي من رأي العين لا من رأي القلب. ووجه الاستدلال به أن الرؤية لو كانت محالا لما بشر النبي بها المؤمنين لأن بشارته متحتمة الوقوع والمحال لا يمكن وقوعه، والتشبيه المذكور في الحديث تشبيه الرأي بالرأي (٢) في الحالتين دون المرئي بالمرئي. وقوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾. والنظر المتعدي بإلى هو بمعنى الرؤية و «إلى» ههنا حرف جر لا اسم مفرد، وليس النظر متعديا إليه بنفسه فإن النظر يكون حينئذ بمعنى الانتظار وهو غم ونقمة كما قيل «الانتظار موت أحمر» (٣) لا نغمة ومسرة، وقد سبقت الآية في بشارة المؤمنين بنعيم الجنة وسرورها، والانتظار يوجب الغم ولا يناسب سياق الآية.
وأما العقل فهو أنا نرى الأعراض - كالألوان والأضواء وغيرهما - والجواهر - كالطول والعرض - في الجسم فلا بد له من علة مشتركة بينهما بل من شيء مشترك بينهما يكون المتعلق الأول للرؤية وذلك الأمر إما الوجود أو الحدوث أو الإمكان، والأخيران عدميان لا يصلحان لتعلق الرؤية بهما فلم يبق إلا الوجود وهو مشترك بين الواجب والممكنات فيجوز رؤيته عقلا، والمراد بالوجود مفهوم مطلق الوجود الحقيقي وما به الموجودية. وبالجملة إن المعتمد في مسألة الرؤية إجماع الأمة - قبل حدوث المبتدعين - على وقوعها، وهو مستلزم لجوازها، وعلى كون الآية الكريمة محمولة على الظاهر المتبادر منها.
وقد أنكر الرؤية جميع فرق الشيعة - إلا المجسمة منهم - وقالوا يستحيل رؤيته تعالى. وعقيدتهم هذه مخالفة للكتاب والعترة. (٤) أما الكتاب فقوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ وقوله تعالى في الكفار ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ فعلم أن المؤمنين لا يكون لهم حجاب عن ربهم، وقوله تعالى ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة
стр. 113
ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾ فقد علم أن المؤمنين والصلحاء هؤلاء سيكون لهم نظر وكلام من الله تعالى، إلى غير ذلك من الآيات. الثاني أن متمسك هؤلاء المنكرين في نفي الرؤية ليس إلا الاستبعاد وقياس الغائب على الشاهد واشتباه العاديات بالبديهيات، وغاية سوء الأدب ممن يؤول آيات الكتاب بمجرد استبعاد عقله الناقص، ويصرفها عن الظاهر ولا يتفكر ولا يتأمل في معانيها. وفي آية ﴿لاتدركه الأبصار﴾ (١) نفي للإدراك الذي هو بمعنى الإحاطة لا نفي الرؤية. ولا يستلزم نفيه نفيها، لأن الإدراك والرؤية متباينان في الحقيقة. وبملاحظة إسناده إلى الأبصار بوجه أخص منها فإنه إبصار وانكشاف المرئي التام بالبصر. والإدراك في اللغة الإحاطة بدليل قوله تعالى ﴿حتى إذا أدركه الغرق﴾ وقوله ﴿قال أصحاب موسى إنا لمدركون﴾ ونفي أحد المتباينين لا يستلزم نفي الآخر، وكذا نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. وأما ما يرادف العلم فهو المصطلح لا غير، لأن الإدراك بمعنى العلم والإحساس ليس في اللغة أصلا، ولا شك أن الإحاطة نقص له تعالى فنفيها مدح، والرؤية ليست كذلك. فعلى هذا معنى الآية: إن الله تعالى لا تحاط ذاته المقدسة بحاسة البصر. ولو فرضنا كون الإدراك بمعنى الرؤية لكان نفيها في الآية بناء على العادة. وظاهر أن رؤيته تعالى بحيث كل ما أراد فيراه، ولا يمكن لأحد أن يراه ما لم يره الله ذاته تعالى، وقد وقع في كلامه تعالى نفي العادة بالإطلاق كقوله تعالى ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ وبالإجماع يجوز رؤية الجن والشياطين بطريق خرق العادة، ولهذا استعظم واستبعد سؤال الكفار رؤية الملائكة مع أنهم يراهم الأنبياء والصلحاء والمؤمنون. وأيضا ليس النفي في الآية عاما في الأوقات، فلعله مخصوص ببعض الحالات، ولا في الأشخاص، فإنه في قوة قولنا لا كل بصر يدركه، مع أن النفي لا يوجب الامتناع.
أما العترة فقد روى ابن بابويه عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله فقلت: أخبرني عن الله هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم. (٢) إلى غير ذلك من الأخبار.
стр. 114
الباب الرابع في النبوة
العقيدة الأولى: اعلم أن الشيعة يعتقدون أن بعث الأنبياء واجب على الله تعالى. (١) ولا يليق ذلك بمرتبة الربوبية والألوهية، فإن الله هو الحاكم الموجب على عباده، فمن يحكم عليه بوجوب شيء؟ نعم تكليف العباد وبعثة الأنبياء واقع حتما ولكن بمحض فضله وكرمه، بحيث لو لم يفعل ذلك لم يكن لهم مجال شكاية، فإذا فعل فهو عين فضله ومحض رحمته، وهذا هو مذهب أهل السنة. ولو كان بعث الأنبياء واجبا عليه تعالى لم يمتن ببعثهم في كثير من الآيات، قال تعالى: ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان﴾ وقال تعالى ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم﴾ الآية وغيرها من الأيات. وظاهر أنه ليس في أداء الواجب منه. وأيضا لو كان واجبا لما سأله إبراهيم وطلب منه البعث في ذريته وبناء على كونهم مكلفين ووجوب تكليفهم قال: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم﴾ الآية لأن الدعاء بما هو واجب الوقوع لغو لا معنى له، والأنبياء منزهون عن اللغو.
واعلم أن الإمامية لا بد عندهم أن لا يخلو زمان من نبي أو وصي قائم مقامه، وهو يعلمون أن بعث النبي أو نصب الوصي واجب عليه تعالى. (٢) ولا يعتقد أهل السنة وجوب شيء على البارى تعالى.
وعقيدة الشيعة هذه مخالفة للكتاب والعترة. أما الكتاب فلأن كثيرا من آياته تدل على وجود زمن الفترة وخلوه عن النبوة وآثارها، كما قال الله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترةٍ من الرسل﴾ وغيرها من الآيات. وأيضا تدل آيات كثيرة بالصراحة على ختم النبوة كقوله تعالى ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾.
стр. 115
وفي إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع عشر) قال عيسى للحواريين «وأنا أطلب لكم من أبي أن يمنحكم ويعطيكم فارقليط ليكون معكم دائما إلى الأبد» وفارقليط في اللغة العبرية بمعنى روح الحق واليقين، وهو لقب نبينا ﷺ . وأما أخبار الأئمة في هذا الباب فأزيد من الحد والإحصاء، وقد تواتر عن الأمير في صفة الصلاة على النبي في كتب الإمامية هذه العبارة «اللهم داحي المدحوات وفاعم المسموكات، اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك على محمد عبدك ورسولك الخاتم لما سبق»، (١) وأيضا ورد في بعض خطب الأمير المتواترة عند الشيعة هذه العبارة «أرسله على فترة من الرسل، وطول هجعه بين الأمم» (٢) إلى أن قال «وأمين وحيه وخاتم وبشير رحمته ونذير نقمته». (٣) وهذه الخطبة كما تدل على ختم النبوة كذلك تدل على وقوع الفترة أيضا، ومعنى الفترة إنما هي ان لا يكون نبي ولا قائم مقامه في الزمان، ولو أريد في معنى الفترة عدم نبي في الزمان فقط يلزم أن يكون زمن الأمير بعد وفاة النبي ﷺ أيضا زمان الفترة، وأنت تعلم أن حكم زمان الفترة بنبي آخر الزمان لدوام شريعته إلى يوم القيامة فلا يصح أن يقال بالفترة بعد وفاته ﷺ .
العقيدة الثانية: أن الأنبياء أفضل من جميع خلق الله حتى الملائكة المقربين، (٤) ولا يمكن أن يستوي غير النبي في الثواب والقرب والمنزلة عند الله تعالى، فضلا عن أن يكون أفضل منه. وهذا هو مذهب أهل الحق وجميع فرق الإسلام إلا المعتزلة في الملائكة المقربين، والإمامية في الأئمة الأطهار. ولهم في هذه المسالة تنازع وتخالف كثير فيما بينهم، ولكنهم أجمعوا على أن الأمير أفضل من غير أولي العزم من الرسل والأنبياء، وليس بأفضل من خاتم النبيين عليه وعليهم السلام. (٥) وأما غيره من سائر أولي العزم فقد توقف فيه بعضهم كابن المطهر الحلي وغيره، ويعتقد بعضهم أنه مساو لهم وهذا مخالف لما ورد عن الأئمة، وأن من قال غير ذلك فهو ضال. (٦) وروى ابن بابويه عن الصادق ما ينص على أن الأنبياء أحب
стр. 116
إلى الله تعالى من علي. (١) ولكتاب الله لأنه يدل في جميع آياته على اصطفاه الأنبياء وأختيارهم على جميع العالم، والعقل يدل صريحا على أن جعل النبي واجب الإطاعة وجعله أمرا وناهيا وحاكما على الإطلاق والإمام نائبا وتابعا له لا يعقل بدون فضيلة النبي عليه، ولما كان هذا المعنى موجودا في حق كل نبي ومفقودا في حق كل إمام أفضل من نبي أصلا بل يستحيل، لأن النبي متوسط بين العبد والرب في إيصال الفيضان إليهم فالذي يستفيض منه لو كان أفضل منه أو مساويا له لزم أن يكون أرفع منه في إيصال الفيض، ومفيضا له أو مشتركا معه في الإيصال، وهذا خلف.
وهم يقولون إن الإمامية نيابة النبوة، (٢) ومعلوم أن مرتبة النيابة لن تبلغ مرتبة الأصالة أبدا فضلا عن أن تفوقها، ومتمسكهم في هذا الباب عدة شبهات واهية ناشئة من عدة أخبار أثبتها متقدموهم في كتبهم فحكموا بموجبها. وقد تبين حال رواتهم ورجالهم وكيفية الحكم بصحة الخبار الصادرة من علمائهم التي لا يستقيم الاحتجاج بها على وفق القواعد الأصولية لأنها معارضة للإجماع القطعي قبل ظهور المخالف، فلا يجوز القول بظاهر تلك الروايات بل يجب أن تؤول. وأيضا هي معارضة للروايات الآخر كرواية الكليني عن زيد بن علي وابن بابويه عن الصادق المذكورة آنفا، وخبر الواحد - وإن كان بلا معارض أيضا - ظني لا يتمسك به في أصول العقائد بل هو عند محققي الشيعة الإمامية كابن زهرة (٣) وابن أدريس (٤) وابن البراج (٥) والشريف المرتضى (٦) وأكثر قدمائهم غير صالح للاحتجاج به، (٧) وقد اختار متأخروهم هذا المذهب، ولهذا لم يعدوا أخبار الآحاد في الدلائل بل أوجبوا ردها خصوصا في الاعتقادات. قال ابن المطهر الحلي في (مبادئ الوصول إلى علم الأصول): إن خبر الواحد إذا اقتضى علما ولم يوجد في الأدلة القاطعة ما يدل عليه وجب رده. (٨) وظاهر أن مدلول هذه الروايات ليس موجودا في الدلائل
стр. 117
القطعية، بل خلافه يوجد، ومع قطع النظر عن هذه الأمور كلها لا دلالة أيضا لتلك الروايات على المدعَى.
ولنذكر عدة من شبهاتهم ونبين عدم دلالتها على مدعاهم فنقول:
(الشبهة الأولى) أن الأئمة كانوا أزيد من الأنبياء علما فيكونون أفضل منهم رتبة أيضا، لأة الله تعالى يقول: ﴿قل هل يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون﴾ وقد روى الراوندي عن أبي عبد الله قال: إن الله فضل أولي العزم من الرسل على الأنبياء بالعلم، وورثنا علمهم وفضلنا عليهم، وعلم رسول الله ﷺ ما لا يعلمون، وعلمنا علم رسول الله ﷺ ، وتلا الآية المذكورة. (١)
(الجواب) عن هذه الشبهة بأن هذا الخبر بعد تسليم صحته يدل على زيادة الأئمة في العلم واستيعابهم علوم المرسلين لأن المتأخر يكون مطلعا على علم المتقدم وناظرا فيه فيحيط بعلمه، بخلاف المعاصر والمتقدم فإنه لا يمكن له ذلك، مثاله أن النحوى في هذا العصر يكون مطلعا على مسائل (اللباب) (٢) و (الوافي) (٣) وتصانيف ابن مالك (٤) وابن هشام (٥) والأزهري (٦) وغيرهم ممن سبقوا من النحاة، ويكون بلا شبهة علمه بمسائل النحو أزيد من علم كل هؤلاء المذكورين، لأن كل واحد منهم لم يكن مطلعا على المسائل المستخرجة لغيره والأفكار الناشئة من طبعه البتة، وقد تقرر أن الصناعات إنما تتكامل بتلاحق الأفكار، وهذا النحوي المتأخر حصل له الوقوف على كل منها، ومع هذا لا تكون رتبته في النحو مساوية لرتبة أحد من أولئك العلماء فضلا عن أن يتقدم عليهم، لأن الرسوخ في العلم وتعمق النظر والغوص والفكر ومعرفة المسائل بدلائلها ودراية المآخذ لكل دقيقة واستخراج المسائل النادرة بقوة الفحص والتتبع في كلام العرب بالأصالة فضيلة لا يبلغها أصلا الاستيعاب والغوص بتلك المسائل. وكذا المنطقي في هذا الزمان لا يكون مساويا في المرتبة للمعلم الأول والمعلم الثاني والشيخ الرئيس فضلا عن أن يقال إنه أفضل منهم وسابقهم في الدرجة، مع أنه يعلم مستخرجات كل منهم بحيث لم يكن لكل منهم الاضطلاع بها أصلا. والذي قرأ العروض لا يفوق الخليل بن أحمد. سلمنا لا يلزم من كثرة العلم كثرة الثواب، ومدار الفضل عند الله على كثرة
стр. 118
الثواب لا على كثرة العلم، وإلا فيلزم تفضيل الخضر على موسى وهو خلاف الإجماع. سلمنا ولكن كثرة العلم الموجبة لكثرة الثواب هو العلم الذي يكون مدار الاعتقاد والعمل عليه لا العلوم الزائدة، وذلك العلم هو المراد في الآية المذكورة، وكل نبي كان ذلك العلم حاصلا له بوجه أتم. ولو كان للأئمة أو لغيرهم من العلماء فضل وزيادة في العلم يكون ذلك في العلوم الاخر. والدليل على هذا المدعى أن كل نبي لو لم يكن العلم الذي عليه مدار الاعتقاد والعمل حاصلا له بوجه أتم يخرج عن عهدة التبليغ وبيان الأحكام، وكيف يتم غرض البعثة.
ومع قطع النظر عن هذه الأمور كلها لا يذهب عليك ما في هذه الرواية من الخلل والفساد، فإن توريث الأئمة علم الأنبياء وتفضيلهم عليهم بذلك التوريث كما ذكر فيها يلزم منه أن يكون الأئمة أفضل من نبينا ﷺ أيضا، إذ وجه التفضيل وهو توريث العلم ههنا أيضا، وهو فاسد البتة بالإجماع. (١)
وثانيا علم الأئمة لتعلمهم علم رسول الله ﷺ تابع وفرع لعلمه، وعلم الأنبياء أصل وأول وبالذات، وما بالتبع لا يبلغ درجة ما بالذات، وحيث قال تعالى ﴿وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسوله﴾ وقال أيضا ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول﴾ الآية. يتبين منه أن غير الأنبياء ليس لهم علم مثل علم الأنبياء، فبطل عنه التساوي والزيادة بالطريق الأولى. ومع هذا فالاستشهاد بالآية المذكورة أغرب لأن معناها عدم الاستواء بين العالم والجاهل كما هو الظاهر، والأنبياء ما كانوا جاهلين بالإجماع، وغاية ما في الباب تسليما أن الأئمة كان علمهم زائدا على علم الأنبياء، لا أن الأئمة علماء والأنبياء جهال، معاذ الله من ذلك.
(الشبهة الثانية) أنهم تمسكوا برواية الحسن بن كبش عن أبي ذر قال: نظر النبي ﷺ إلى علي بن أبي طالب وقال: هذا خير الأولين والآخرين من أهل السماوات والأرضين. (٢) وأيضا برواية عن أبي وائل عن عبد الله بن عباس قال حدثنا رسول الله ﷺ قال: قال لي جبريل: علي خير البشر، من أبى فقد كفر». (٣)
الجواب عنها بأن هذه الروايات قد تفرد
стр. 119
الإمامية بها، وحال رواتهم قد اتضح سابقا، (١) ومع هذا هاتان الروايتان ساقطتان من الاعتبار عند الإمامية أيضا وليس لهما سند صحيح، لأن الحسن بن كبش ومن بعده من الرواة كلهم مجاهيل وضعفاء كما نص عليه علماء رجالهم، (٢) ومع هذه كلها لا تنطبق على المدعى لأن التخصيص بغير الأنبياء في مثل هذه العمومات شائع في كلام الرسول ﷺ ، فلو لم يذكر في موضع واحد اعتمادا على غيره مما ذكر فيه فيكون ذلك التقيد ملحوظا فيه أيضا قياسا على ذلك الغير، والعام المخصوص لا يكون حجة في القطعيات لكونه ظنيا فلا يعبأ به في الاعتقادات. سلمنا العموم في الأشخاص، ولكن لا نسلم العموم في الأوقات، لأن الأمير لم تكن هذه الخيريات العامة حاصلة له في عهد النبي ﷺ بلا نزاع، لكون النبي أفضل منه البتة، ولكونه داخلا في البشر الأولين والآخرين، فالمراد غير ذلك الوقت، والمراد من الأولين والآخرين والبشر من كانوا في وقته، وهو صحيح عند أهل السنة لأنه أفضل البشر في زمن خلافته ولا نزاع لا حد فيه ولا محذور.
(الشبهة الثانية) أنهم تمسكوا برواية لسعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي في كتاب (القصاص) عن أبي جعفر ﵇، وبرواية الكليني في (الكافي) عن أبي عبد الله ﵇ أنهما قالا في تفسير قوله تعالى ﴿قل الروح من أمر ربي﴾ هو خلق أعظم من جبريل وميكائيل لم يكن مع أحد ممن مضى غير محمد، وهو مع الأئمة يوفقهم ويسددهم. (٣)
الجواب عنها بأن الحديث الأول قد وقع في سنده هشام بن سالم ومعلوم أنه كان مجسما وملعونا من حضرات الأئمة. وفي سند الحديث الثاني أبو بصير وهو قد اعترف بكذبه على الأئمة وإفشاء أسرارهم. سلمنا الصحة ولكن فحوى هذا الحديث منافية لعصمة النبي والأئمة، لأن المحتاج إلى المؤدب والناصح إنما هو من لا يكون معصوما، ولهذا ليست الملائكة محتاجة إلى المؤدب فلزم من تلك الرواية أن النبي ﷺ والأئمة كان لهم نقصان
стр. 120
ظاهر في العصمة بالنسبة إلى الأنبياء السابقين حاصلا فإنهم كانوا كاملين في العصمة موفقين مسددين من أنفسهم غير محتاجين في ذلك إلى من سواهم من المخلوقات، وما كان للنبي والأئمة افتقار إلى من يؤدبهم في كل وقت وينبههم ويسدد بالصواب، معاذ الله من هذا الاحتمال الفاسد في جنابه.
وأيضا نقول كون الروح مع النبي هل هو شرط لعصمته أو لا؟ فعلى الأول يلزم أن لا يكون الأنبياء السابقون الذين لم يكن الروح معهم معصومين، وهو باطل بالإجماع. وعلى الثاني يلزم أن لا يكون النبي والأئمة معصومين في حد أنفسهم فإنهم كانوا محتاجين إلى تأديب الروح إياهم ولزم تفضيل الأنبياء على النبي والأئمة إذ كانوا معصومين بلا مصاحبة الروح وهؤلاء بمعيته. ولقد تناقض شيخهم ابن بابويه فقال في كتاب (الاعتقاد): إن الله لم يخلق افضل من محمد والأئمة، وهؤلاء أحب أحباء الله، وإن الله يحبهم أكثر من غيرهم من جميع خلقه وبريته. (١) ثم هو قد روى في كتاب (الأمالي) برواية صحيحة في ضمن خبر طويل في قصة تزويج سيدتنا فاطمة بالأمير ﵃ اعن الصادق عن آبائه أن الله تعالى قال لسكان الجنة من الملائكة وأرواح الرسل ومن فيها: ألا إني زوجت أحب النساء إلى من أحب الرجال إلي بعد النبيين. (٢) وهذه الرواية تنادى بأعلى صوت: إن الأنبياء أحب إلى الله من الأمير لكونه أحب إليه بعدهم. ولا عذر لابن بابويه في هذا التناقض الصريح والتهافت القبيح إلا أن يقول «ليس للكذاب حفظ» (٣) لا غير.
العقيدة الثالثة: أن الأنبياء معصومون من التقول وقول الكذب والبهتان مطلقا عمدا كان أو سهوا، قبل النبوة أو بعدها. وقال الإمامية: يجوز لهم ذلك من البهتان وقول الكذب، بل يجب عليهم تقية، (٤) مع أن الكذب لو جاز على الأنبياء ولو تقية لم يبق الوثوق والاعتماد على قولهم وانتفض غرض البعثة. ولو كانت التقية جائزة للأنبياء لما أمكن تبليغ أحكام الله تعالى للناس بالضرورة، لأن الاحتياج إلى التقية في أول الأمر الذي لا يكون لهم فيه ممد وناصر أكثر وأمس، ولو أظهروا في ذلك الوقت خلاف حكم الله تعالى
стр. 121
مخافة إيذاء القوم متى يعلم حكم الله بعد ذلك؟ وكيف يتصور علمه؟ فيجب عليهم أن يبلغوا كل ما أمرهم بتبيلغه لقوله تعالى ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك﴾ الآية ولو لحقهم مخافة، كما قال تعالى ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا﴾ ولو كان الأنبياء فعلوا بالتقية لما عاداهم الكفار وكذبوهم وآذوهم وجادلوا قومهم ليلا ونهارا وصبروا على ما أصابهم من القتل والضرب والشتم وغير ذلك، فثبت أن التقية ليست جائزة لهم أصلا.
العقيدة الرابعة: أن الأنبياء لابد لهم من معرفة الواجبات الإيمانية قبل البعثة وبعدها بالضرورة، لأن الجهل بالعقائد موجب للكفر، ومعاذ الله أن يكون هذا الجهل لجنابهم الأقدس. نعم إنهم لا يحصل لهم علم بوجود الحكام الشرعية بدون ورود الوحي إليهم، وقد ورد باعتبار عدم هذا العلم قوله تعالى ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾، وقد أجمع على هذه العقيدة جماهير المسلمين واليهود والنصارى، إلا الإمامية فإنهم قالوا لا تكون معرفة أصول العقائد حاصلة للأنبياء حين البعثة بل وقت المناجاة والمكالمة، (١) معاذ الله من هذا الاعتقاد الباطل الذي بطلانه بديهي لا يحتاج إلى دليل.
العقيدة الخامسة: أن الأنبياء معصومون من صدور ذنب يكون الموت عليه هلاكا خلافا للإمامية فإنهم رووا في حق بعض الأنبياء صدور هذا الذنب منه. روى الكليني عن أبن أبي يعفور أنه قال سمعت أبا عبد الله يقول وهو رافع يده إلى السماء: رب لا تكلني إلى نفسى طرفة عين ولا أقل من ذلك، فما كان بأسرع من أن تحدر الدمع من جوانب لحيته، ثم أقبل علي فقال: يا ابن أبي يعفور إن يونس بن متى وكله الله إلى نفسه أقل من طرفة عين فأحدث ذلك، قلت: فبلغ به كفرا أصلحك الله؟ فقال: ولكن الموت على تلك الحال كان هلاكا. (٢)
واعلم أن ما يظهر من نص الكتاب في أمر يونس أنه ذهب عن قومه بلا إذن ربه فعوتب على هذا الامر، وأيضا تعجل في الدعاء على قومه ولم يتحمل شدائد إيذائهم وتكذيبهم كما ينبغي لأولي العزم. وظاهر أن هذين الأمرين ليسا بذنب فضلا
стр. 122
عن أن يكونا كبيرة فلأن يونس قد قامت عنده قرائن قوية على أن قومه لن يؤمنوا به فدعا عليهم، وأيضا خاف بعد انكشاف العذاب عنهم أن يؤذوه إيذاء شديدا ويكذبوه تكذيبا صريحا حيث لم يلحق العذاب على وفق وعده فلهذا هرب وفر منهم ولم ينتظر حكم الله فيه. ولما كان منصب الأنبياء أعلى وأرفع عوتب على هذا القدر عتابا شديدا وأدب ونبه، وما ورد في القرآن المجيد في حقه ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ فهو مشتق من القدر بمعنى التضييق والأخذ الشديد من قبيل قوله تعالى ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ لا من القدرة حيث يثبت فساد عقيدته. (١) والدليل الصريح على هذا ما وقع بعده ﴿فنادى في الظلمات﴾ إذ لن يصح تخريج الدعاء والنداء على معنى القدرة، بخلاف ذلك المعنى المذكور فإنه ألصق به. فحاصل المعنى على ما قلنا أنه ظن أنا لن نضيق عليهم ولن نأخذهم أخذا شديدا في العقاب فتاب واستغفر لما فعله رجاء للقبول، واعتراف يونس بالظلم على نفسه حيث قال ﴿إني كنت من الظالمين﴾ إنما هو لهضم النفس والتضرع في جنابه تعالى والعلم القليل كثير كما هو دأب الصالحين أو لأجل ترك الأولى فانه في حق الأنبياء في حكم المعصية والظلم في حق عوام الناس.
العقيدة السادسة: أن آدم ابو البشر كان صفي الله بريئا من الحسد والبغض معصوما من الإصرار على معصية الله تعالى. وهذا مذهب أهل السنة لقوله تعالى ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ وقوله تعالى ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾ وقوله تعالى ﴿إن الله اصطفى أدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾. وقد وصفه الشيعة بالحسد والبغض وسائر الخصال الذميمة وأنه مصر على عصيان الله تعالى، وما ثبت لإبليس من القبائح كالحسد وترك امتثال الأمر بالسجود وغير ذلك مما حصل له بسبب آدم يثبته الشيعة لآدم بسبب الأئمة، فإنه حسدهم ولم يقر بولايتهم.
روى ابن بابويه في عيون أخبار الرضا عن الإمام الرضا أنه قال إن آدم لما أكرمه الله بسجود الملائكة له وإدخال الجنة قال في نفسه أنا أكرم الخلق، فنادى : ارفع رأسك يا آدم فانظر
стр. 123
إلى ساق عرشي، فرفع رأسه فوجد فيه مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله أمير المؤمنين وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. فقال آدم: يا رب من هؤلاء؟ فقال : هؤلاء من ذريتك وهم خير منك ومن جميع خلقي، ولولاهم ما خلقتك وما خلقت الجنة والنار ولا السماء ولا الأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد فأخرجك عن جواري، فنظر إليهم بعين الحسد فسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهى الله تعالى عنها.
وروى ابن بابويه أيضا في عيون الأخبار عن المفصل بن عمر أبي عبد الله قال: لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة قال لهما ﴿وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ فنظرا إلى منزلة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم فوجداها أشرف المنازل التي في الجنة فقالا: ربنا لمن هذه المنزلة؟ فقال الله : ارفعوا رءوسكم إلى ساق عرشي، فرفعا رأسهما فوجدا أسماء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الجبار ﷻ ، فقالا: يا ربنا ما أكرم هذه المنزلة عليك، وما أحبهم إليك، وما أشرفهم لديك. فقال الله تعالى: لولاهم ما خلقتكما، هؤلاء خزنة علمي وأمنائي على سرى إياكم أن تنظرا إليهم بعين الحسد وتتمنيا منزلتهم عندي ومحلهم من كرامتي فتدخلا من ذلك في نهيى وعصياني فتكونا من الظالمين. فوسوس إليهما الشيطان فدلاهما بغرور وحملهما على تمني منزلتهم، فنظرا إليهم بعين الحسد فخذلا.
لذلك ينبغي للعاقل أن يتامل في مدلول هذين الخبرين فإنهما - كما ذكر - فيهما ما فيهما من إهانة آدم وتحقيره، إذ الحسد مطلقا من المذمومات والقبائح وأمراض القلب وأسقام الروح بإجماع جميع أهل الملل والنحل، خصوصا حسد الأكابر والأخيار من عباد الله فإنه كبيرة من عمدة الكبائر، وهم ينسبونه إلى آدم خاصة بعد تقييد الله وتأكيده التام له في منعه. ففي مذهبهم لم يبق فرق بين آدم وإبليس، فإن ما فعله إبليس في حقه فعله آدم في حق أولاده، بل إن فعل آدم صار أقبح من فعل أبليس، فإن إبليس لم يكن له علاقة بآدم من وجه بل كانت المباينة
стр. 124
بينهما بالكلية بخلاف آدم فإنه كان بينه وبين هؤلاء الكبار علاقة الأبوة والنبوة، فلزم أن قطيعة رحم القريب وحسد الأولاد الذي هو من المحالات العادية في سلامة الفطرة قد نسب إلى نبي هو أول الأنبياء وكان قبلة الملائكة وساكن الجنة، معاذ الله من ذلك. فهذا هو حال آدم وفعله في حق العباد عند الإمامية، وأما معاملته في حق الله تعالى فنشرحها على طبق ما عندهم من الرواية الأخرى: روى محمد بن الحسن الصفار عن أبي جعفر: قال الله تعالى لآدم وذريته التي أخرجها من صلبه: ألست بربكم وهذا محمد رسول الله ﷺ وعلي أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة امري، وأن المهدي أنتقم به من أعدائي وأُعبد به طوعا وكرها؟ قالوا اأقررنا وشهدنا، وآدم لم يقر ولم يكن له عزم على الإقرار به. ولا يخفى أن هذا الخبر قد ذكر فيه كفر آدم صريحا، إذ لزمه كفر الجحود، وهو نوع أشد من أنواع الكفر الأربعة. وتكفير نبي قد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وقال في حقه ﴿إن الله اصطفى آدم﴾ وأمر الملائكة بالسجود له، كم له بعدٌ عن الدين والإيمان؟ وقد أنكر الشريف المرتضى خير الميثاق في كتابه بالدرر والغرر حمية للإسلام في الجملة، وحكم بوضع ذلك الخبر واختراعه، وأخرج ابن الصفار وشيوخه عن دائرة الإيمان، ولله الحمد.
والعجب من علماء هذه الفرقة أنهم لا يتأملون في نظم الكتاب ولا يجدون أن محل العتاب على آدم ليس إلا أكل الشجرة المنهي عنه فقط، وما هو كبيرة بالإجماع، ولو أن هذه الأمور وقعت منه لكان على الله أن يجعل تلك الأمور محل العتاب لا أكل الشجرة المنهي عنه، وكان يخبر بها دونه، ليكون لأبي بكر وعمر وعثمان عبرة في ذلك فيجتنبوا أمثال هذه القبائح. (١)
وقد لوحظ في كتبهم رواية أخرى أيضا عن الإمامية في ترك العهد الذي كان على آدم. وروى ابن الصفار المذكور في قوله تعالى ﴿ولقد عهدنا إلى آدم﴾ قال عهد الله إلى آدم في محمد والأئمة من بعده، فترك ولم يكن له عزم أنهم كذا.
стр. 125
وأصل الحقيقة أن ابن الصفار هذا كان رجلا علجا من علوج المجوس، وكان اسم جده فرخ، وهو كان يعد من موالي موسى بن عيسى الأشعري، وقد بقى في طينته الخبيبثة المجوسية، غاية الأمر أنهم كانوا يتسترون بالتشيع. والدليل الصريح على هذا أن ابن الصفار يروي عن الأئمة روايات تقدح بالحقيقة في الأئمة أيضا كالأخبار المذكورة، لأن كل طائفة من طوائف المليين من اليهود والنصارى والمسلمين قد أجمعوا على فضيلة أبي البشر آدم وكرامته على الله تعالى واصطفائه على العالمين. وإذا انتشر مثل هذه الروايات عنه في العالم يعتقد الناس قاطبة في حق الأئمة بطلان إمامتهم وعدم حقيتها، بل عدم ديانتهم، وينفرون عنهم بهذه الكلمات، ويحدث في الإسلام ابتلاء عظيم، ويحصل للمجوس مدعاهم وأماني قلوبهم من زوال نور الإسلام. وبحمد الله قد أطلع أهل السنة على خباثة هؤلاء القوم وطرحوا رواياتهم، ولكن الشيعة لما اضلهم الشيطان عن طريق الصواب وتركهم تبعا لهؤلاء الشيوخ المضلين، جعلوا دينهم وإيمانهم على رواية هؤلاء الكفرة، وبدلوا إيمانهم في سبيل متابعة أولئك الأبالسة، ومن يضلل فما له من هاد.
العقيدة السابعة: أن أحدا من الانبياء لم يستعف عن الرسالة قط ولم يعتذر في أداء أحكام الله تعالى أصلا، وهذا هو مذهب أهل السنة. وقال الإمامية إن بعض أولي العزم من الرسل استعفوا عن الرسالة وأظهروا الاعتلال وعدم الموافقة وبينوا العذر، منهم موسى - على نبينا وعليه السلام - فإنه لما قال له تعالى وناداه بلا واسطة أحد يا موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون، قال موسى في جوابه: أعفني من هذا الأمر إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري من المباحثة ولا ينطلق لساني أيضا لكونه العقدة فيه فيقصر في تقرير المطلب، ولهم علي ذنب بما قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلوني بدله، فأرسل هرون أخي هو أفصح مني لسانا واجعله رسولا إلى فرعون. والإمامية يخرجون هذه المعاني من آيات الكتاب ويفهمونها من كلام الله تعالى، مع أن الاستعفاء عن الرسالة متضمن لرد الوحي ومستلزم لعدم الانقياد وترك الامتثال لأمر الله تعالى، والأنبياء معصومون عن مثل هذه الأمور. وأنت تعلم أنهم لا محل لهم بالتمسك في آيات الكتاب الوادرة في أحوال
стр. 126
موسى، بل تلك الآيات عند التأمل معَجزة لهم ومكذبة لدعواهم هذه، لأن موسى لم يقل عنه فيما حكي عنه في القرآن المجيد هذا القول ولو بمعناه «اعفني من هذا الأمر» أصلا، ولم يذكر من قبله فيه قط، وكذا هذا القول «أرسل هرون بالرسالة إليهم بدلا مني». وهذه كلها ناشئة من سوء فهم علماء هذه الفرقة وشدة وقاحتهم. نعم قد بين سخافة تكذيب قوم فرعون وخوف قتلهم إياه قبل أداء الرسالة وضيق صدره وقصور لسانه ولكن لا من جهة الاستعفاء والاعتلال بل لطلب العون على امتثال الأمر وتمهيد العذر في طلب المعين، وهذا عين الحجة لقبوله لا على رده ودفعه. وفي آية ﴿واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري﴾ ورد تفسير هذا بأن غرض موسى كان اشتراك أخيه بنفسه في أمر الرسالة لا المدافعة عن نفسه ولا جعل هرون في مكانه. وكذا قوله أخاف أن يكذبون وأخاف أن يقتلون إنما كان لمحض استدفاعه البلاء عن نفسه واستجلابه الحفظ من رب الأرض والسماء لا دفع هذا المنصب العالي عن نفسه. نعوذ بالله تعالى من سوء الفهم والظن لا سيما في حق الأنبياء وخصوصا أولي العزم.
العقيدة الثامنة: أن المبعوث من عند الله تعالى إلى الخلق كافة هو محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب بن هاشم ﷺ لا على بن أبي طالب بن عبد المطلب وأن جبريل أمين الله على وحيه الذي جاء به إلى النبي ﷺ من عند ربه لا من نفسه ولم يخن في أداء الرسالة قط. وخالفت الغرابية إحدى فرق الشيعة في ذلك، ولا يمكن الاحتجاج عليهم بالكتاب لأنه وصل النبي ﷺ بواسطة جبرائيل وهو غير مقبول عندهم، ولا بقول الأئمة لأن شهادتهم لجدهم وشرفه يعود إليهم، بل لا بد من أن يحتج عليهم بالتوراة لأنها نزلت دفعة واحدة في الطور بلا واسطة أحد مكتوب على الألواح ولم يكن فيها دخل لجبريل. قال الله تعالى في سفر التكوين من التوراة لإبراهيم: إن هاجر تلد، ويكون
стр. 127
من ولدها من يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخشوع (١) ولم يكن ذلك الولد إلا محمد ﷺ وحده لأن عليا كرم الله وجهه كان في زمن الخلفاء الثلاثة مغلوبا خائفا مظلوما. (٢) وفي سفر التثنية منها: يا موسى إني مقيم لبني إسماعيل نبيا وأجرى قولي في فيه ويقول لهم ما آمره به. (٣) وهذا النبي لا بد أن يبعث في بني إسماعيل، وعلي بن أبي طالب لم يبلغ قط ما أمر الله تعالى بل هو من أتباع نبي وقته فليس ذلك النبي إلا محمد بن عبد الله. وفي الزبور: يا أحمد فاضت الرجمة على شفتيك من أجل ذلك أبارك عليك فتقلد السيف فإنه بهاؤك وحمدك الغائب وبوركت كلمة الحق فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك سهامك مسنونة والأمم يجرون تحتك كتاب حق الله من اليمن والتقديس من جبل فاران وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه وملك الأرض ورقاب الأمم. (٤) وفي موضع آخر منه لقد انكسفت السماء من بهاء أحمد وامتلأت الأرض من حمده. (٥) إلى غير ذلك من نصوص الإنجيل مما هو مذكور في الترجمة. وعندي أن هذا مما لا حاجة إلى إقامة الحجة على بطلانه ومن أنكر شمس الضحى فليترك مع شيطانه. (٦)
стр. 128
العقيدة التاسعة: أن معراج النبي ﷺ إلى السماوات بشخصه حق، وليس لأحد من أهل عصره مشاركة له في ذلك لقوله تعالى ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ وقوله تعالى ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى - إلى قوله تعالى - لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾. وكتب الامامية مشحونة من كلام الأئمة في ذلك. وخالفت أكثر فرق الشيعة في هذه المسألة فبعضهم أنكر - وهم الإسماعيلية والمعمرية والذمية - أصلَ المعراج مستدلين بشبهات الفلاسفة من استبعاد الحركة السريعة وخرق السماوات وقد برهن عليها في كتاب الكلام. وبعضهم، وهم المنصورية، أنكر الاختصاص وقالوا إن أبا منصور العجلي قد صعد أيضا بجسده في اليقظة إلى السماوات وشافه الله تعالى وكالمه ومسح الله تعالى بيده فوق رأسه، والعجلي هذا هو الذي أخرجه الإمام الصادق من بيته وطرده ثم ادعى الإمامة لنفسه. ومن الإمامية من يقول بمشاركة الأمير في المعراج ومنهم من قال لا لكن رأى وهو في الأرض ما رآه النبي ﷺ على العرش - سبحانك هذا بهتان عظيم! إذ لو كانت تلك الرؤية ممكنة من الأرض لم كلف النبي ﷺ إلى الصعود؟ فيلزم على هذا تفصيل الأمير على النبي ﷺ وقد تبين بطلانه.
العقيدة العاشرة: نصوص الكتاب وسنن النبي ﷺ كلها محمولة على معانيها الظاهرة وأن التكاليف لم ترتفع. وذهب فرق كثيرة من الشيعة كالسبعية والخطابية والمنصورية والمعمرية والباطنية والقرامطة والرزامية إلى أن كل ما ورد في الكتاب والسنة من الوضوء والتيمم والصلاة والصوم والزكاة والحج والجنة والنار والقيامة والحشر ونحوها غير محمولة على ظاهرها بل هي إشارات إلى أشياء أخر لا يعلمها إلا الإمام المعصوم، كقول السبعية
стр. 129
إن الوضوء موالاة الإمام، والتيمم الأخذ من المأذون في غيبة الإمام، والصلاة عبارة عن الرسول الناطق بالحق بدليل أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والغسل عبارة عن تجديد العهد للإمام، والجنة هي سقوط التكاليف الشرعية، والنار مشقة حمل التكاليف والعمل بالظواهر. وأما القائلون بارتفاع التكاليف الشرعية بالكلية فهم المنصورية القائلون من لقي إمام الوقت سقط عنه جميع التكاليف بنفسها فيفعل حينئذ ما يشاء، لأن الجنة عبارة عن الإمام، وبعد الوصول لا يبقى تكليف. والحميرية (١) القائلون إن أمر الشيعة مفوض إلى حجة الوقت، فإن شاء أو زاد أو نقص.
العقيدة الحادية عشرة: أن الله تعالى لم يرسل ملكا إلى أحد في الأرض من البشر بعد خاتم النبيين ﷺ . وقالت الإمامية كان الأمير يوحى إليه، والفرق بين وحي الرسل وبين وحي الأمير أن الرسول كان يشاهد الملك والأمير يسمع صوته فقط. روى الكليني في الكافي عن السجاد أن علي بن أبي طالب كان محدثا وهو الذي يرسل الله إليه الملك فيكلمه ويسمع الصوت ولا يرى الصورة. (٢) وهذه الرواية كذب مع أنه يناقضها الروايات الأخر الثابتة عندهم عن الأئمة. منها أن الرسول ﷺ قال: أيها الناس لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات. ومنها ما كان الباري تعالى أنزله من الكتاب المختوم بخواتم الذهب إلى نبي الزمان وهو أوصله إلى الأمير والأمير أوصله إلى الإمام الحسن وهكذا إلى المهدي وكان السابق يوصى اللاحق أن يفك خاتما واحدا من ذلك الكتاب ويعمل بما فيه، فإذا كان الأمر كذلك لم يكن حاجة إلى إرسال الملك والإيحاء. وذهبت طائفة من الإمامية إلى
стр. 130
أن سيدة النساء فاطمة غلبها السلام كان يوحى إليها بعد وفاة النبي ﷺ . وقد جمع ذلك الوحي وسماه (مصحف فاطمة) (١) وأكثر الوقائع الآتية وفتن هذه الأمة مذكورة فيه والأئمة إنما يخبرون الناس بأخبار الغيب من ذلك المصحف، سبحانك هذا بهتان عظيم وقول وخيم.
العقيدة الثانية عشرة: أن الإمام لا يجوز له أن ينسخ حكما من الأحكام الشرعية ولا يبدله. وذهبت الإمامية إلى جواز ذلك مستدلين بروايات مفتراة على الأئمة، منها مارواه ابن بابويه القمي عن أبي عبد الله أنه قال: إن الله تعالى آخى بين الأرواح في الأزل قبل أن يخلق الاجسام بألفي عام، فلو قد قام قائم أهل البيت وَرَّثَ الأخَ من اللذين آخى بينهما في الأزل ولم يورّث الأخ من الولادة. ومما يدل على كذب هذه الرواية أن التكاليف الشرعية لما كانت لازمة لعامة الناس لا بد أن تكون منوطة بالعلاقة الظاهرة والأمور الجلية كالتوالد والقرابة ونحوهما مما يدركه البشر، والمؤاخاة الأزلية لا يدركها العقل، ونص الإمام لا يمكن في كل فرد فرد. والحاصل أن هذه العقيدة مخالفة لظاهر العقل لأن الإمام خليفة النبي في ترويج الشريعة وتعليمها، فإن كان له دخل في تبديل الأحكام وتغييرها فقد خالفه، مع أنه ليس بشارع. وكذا النبي لقوله تعالى ﴿شرع لكم من الدين﴾ وقوله تعالى ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾. نسأله تعالى أن يعصمنا من مثل هذا الزلل ويوفقنا إلى ما يحب من القول والعمل.
стр. 131
الباب الخامس في الإمامة
وفيه ست تنبيهات
التنبيه الأول: اعلم أن أول ما اختلف فيه من مسائل هذا الباب كون نصب الإمام واجبا على العباد أو على الله تعالى. فأهل السنة على الأول، والشيعة على الثاني. (١) والفطرة شاهدة للأول إذ كل فرقة تقرر لأنفسهم رئيسا من بينهم، وكذا الشرع أيضا إذ الشارع قد أوضح شرائط الإمام وأوصافه ولوازمه بوجه كلي كما هو شأنه في الأمور الجبلية كالنكاح ولوازمه مثلا. وأيضا لا معنى للوجوب عليه تعالى بل هو مناف للألوهية والربوبية كما هو مقرر في محله. (٢) وأيضا كل ما يتعلق بوجود الرئيس من أمور المكلفين - من إقامة الحدود والجهاد وتجهيز الجيوش إلى غير ذلك - واجب عليهم، فلا بد وأن يكون نصب الرئيس واجبا عليهم، لأن مقدمة ما يجب على أحد واجبة عليه. ألا ترى أن الوضوء وتطهير الثوب وستر العورة واجب على المصلي كالصلاة، لا عليه تعالى، وهذا ظاهر. (٣) وأيضا إن تأملنا علمنا أن نصب الإمام من قبل الباري يتضمن مفاسد كثيرة، لأن آراء العالم مختلفة وأهواء نفوسهم متفاوتة، ففي تعيين رجل لتمام العالم في جميع الأزمنة إلى منتهى بقاء الدنيا إيجاب لتهييج الفتن، وجر لأمر الإمامة على التعطيل ودوام الخوف والتزام الاختفاء كما وقع للجماعة الذين يعتقد الشيعة إمامتهم، فمع هذا قولهم «نصب الإمامة لطف» في غاية السفاهة يضحك عليه، إذ لو كان لطفا لكان بالتأييد والإظهار لا بغلبة المخالفين والانتصار، فإذا لم يكن التأييد في البين، لم يكن النصب لطفا كما يظهر لذي عينين.
وما أجاب عنه بعض الإمامية - بأن وجود الإمام لطف، وتصرفه وتمكينه لطف آخر، (٤) وعدم تصرف الأئمة إنما هو من فساد العباد وكثرة الفساد، فإنهم خوفوهم ومنعوهم بحيث تركوا من خوفهم على أنفسهم إظهار الأمامة، وإذا ترك الناس نصرتهم لسوء اختيارهم فلا يلزم قباحة
стр. 132
في كونه واجبا عليه تعالى، والاستتار والخوف من سنن الأنبياء فقد اختفى ﷺ في الغار خوفا من الكفار (١) - ففيه غفلة عن المقدمات المأخوذة في الاعتراض، إذ المعترض يقول: الوجود بشرط التصرف والنصرة لطف، وبدونه متضمن لمفاسد. فالواجب في الجواب التعرض لدفع لزوم المفاسد، ولم يتعرض له كما لا يخفى. وأيضا يرد على القائل بكونه لطفا آخر ترك الواجب عليه تعالى، وهذا أقبح من ترك النصب. وأيضا يقال عليه: هذا اللطف الآخر إما من لوازم النصب أو لا، فعلى الأول لزم من تركه ترك النصب لن ترك اللازم يستلزم ترك الملزوم.
وأيضا ما ذكره من تخويف الناس للأئمة غير مسلم، وهذه كتب التواريخ المعتبرة في البين. وأيضا التخويف الموجب للاستتار إنما هو إذا كان بالقتل، وهذا لا يتصور في حق الأئمة لأنهم يموتون باختيارهم كما أثبت ذلك الكليني في الكافي وبوب له. (٢) وأيضا لا يفعل الأئمة أمرا إلا بإذنه تعالى، فلو كان الاختفاء بأمره تعالى وقد مضت مدة والخفاء هو الخفاء، فلا لطف بلا امتراء. (٣)
وأيضا إن كان واجبا للتخويف لزم ترك الواجب في حق الذين لم يكونوا كذلك كزكريا (٤) ويحيى (٥) والحسين، (٦) وإن لم يكن واجبا بأن كان مندوبا لزم على من اختفى ترك الواجب الذي هو التبليغ لأجل مندوب، وهو فحش. وإن كان أمر الله تعالى مختلفا بأن كان في حق التاركين بالندب مثلا وفي حق المستترين بالفرض لزم ترك الأصلح الواجب بزعم الشيعة في أحد الفريقين، وهو باطل. (٧) ولا يمكن أن يقال الأصلح في حق كل ما فعل، لأنا نقول إن الإمام بوصف الأمامة لا يصح اختلاف وصفه كالعصمة، لأن اختلاف اللوازم يستلزم اختلاف الملزومات، فيلزم أن
стр. 133
لا يكون أحد الفريقين إماما فلا يكون الأصلح في حقهم إلا أحد الحالين وإلا لزم اجتماع النقيضين كما أن الموضوع إذا كان مأخوذا بالوصف العنواني فثبوت المحمول له بالضرورة بشرط الوصف يكون لازما ويمتنع حمل نقيضه عليه كما لا يخفى. وأيضا نقول: الاختفاء من القتل نفسه محال لأن موتهم باختيارهم! وإن كان من خوف إيذاء البدن يلزم أن الأئمة فروا من عبادة المجاهدة وتحمل المشاق في سبيل الله تعالى وهذا بعيد عنهم ومع هذا لا معنى لاختفاء صاحب الزمان بخصوصه (١)
فإنه يعلم باليقين أنه يعيش إلى نزول عيسى ولا يقدر أحد على قتله وأنه سيملك الأرض بحذافيرها، (٢) فبأي شيء يتخوف ويختفي؟ ولماذا لم يظهر الدعوة ويتحمل المشقة كما فعله سيد الشهداء؟ وما قاله المرتضي في كتابه (تنزيه الأنبياء والأئمة) من أنه فرق بين آبائه الكرام فإنه مشار إليه بأنه مهدي قائم صاحب السيف قاهر للأعداء منتقم منهم مزيل للدولة والملك عنهم فله مخافة لا تكون لغيره (٣) فكلام لا لب فيه لأن خوف القتل نفسه قد غلب عليه ومع هذا معلوم له باليقين أن أحدا لن يقتله أبدا. وأيضا ألا يعلم أن المخالفين لا يقبلون من أحد دعوى المهدوية
стр. 134
قبل ألف سنة وأن المهدي يظله السحاب لا سقف السرداب، (١) وأنه يظهر في مكة لا في سر من رأى، (٢) ويدعو الناس بعد الأربعين من عمره لا في زمن الطفولة ولا في الشيخوخة. (٣)
على أن السيد محمد الجنفوري (٤) في الهند ولم يقتل ولم يخوف وأيضا قد كثر محبوه وناصروه في زمن الدولة الصفوية (٥) أكثر من رمل الصحارى والحصى، فالاختفاء مناف لمنصب الإمامة الذي مبناه على الشجاعة والجرأة فهلا خرج وصبر واستقام إلى أن ظفر وهلا كان القوم الذين قال الله تعالى فيهم ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين﴾
ثم ما حكى أولا من قصة الغار واستتار سيد الأبرار من خوف الكفار (٦) فكلام واقع في غير موقعه لأن استتاره ﵊ لم يكن لإخفاء دعوى النبوة بل كان من جنس التورية في الحرب لأجل أن الكفار لا يطلعون على مقصده ولا يسدون الطريق عليه وهذا أيضا كان ثلاثة أيام (٧) فقياس ما نحن فيه عليه غاية الحماقة والوقاحة ففرق واضح لا يخفى على من له أدنى عقل بين الاختفاء الذي كان مقدمة لظهور الدين والغلبة على الكافرين وبين الاختفاء الذي لازمه الخذلان وترك الدعوة وانتشار الطغيان. فالأول تلوح مياه الهمة من أسرته (٨) وتتبلج أقمار النصرة من تحت طرته (٩) بخلاف الثاني فغبار الجبن يلوح على خده والفرار عن الدعوة موسوم على حده فأي فرقة سخرها الإمام لنفسه في هذه الغيبة وأي ملك ملكه؟ ولو ابتغى صاحب الزمان فرصة ثلاثمائة سنة مكان ثلاث ليالي وعوض الغار سرداب سر من رأى وبدل المدينة المنورة دار المؤمنين قم ودار الإيمان كاشان (١٠) وبدل الأنصار شيعة فارس والعراق قائلا بأني في هذه الصورة أجمع الأسباب وأتخذ الأصحاب ثم خرج لكشف الغمة وإصلاح حال الأمة لتحمل أهل السنة وغيرهم هذه الشرائط. وأنى ذلك فليست هذه إمامة بل هي لعمرك قيامة.
وقد ترك الشيخ مقداد صاحب (كنز العرفان) من المتأخرين طريق القدماء وقال: كان
стр. 135
الاختفاء لحكمة استأثر بها الله تعالى في علم الغيب عنده. ويرد عليه أن هذا الدعاء مجرد يمكن أن يقال مثله في كل أمر يكون مناقضا للطف، فلا يثبت اللطف في شيء! وبه يفسد كلام الشيعة كله، لأن مبنى أدلتهم عليه، يقولون إن أمر كذا لطف واللطف واجب عليه تعالى! فليتأمل. والله سبحانه يحق الحق وهو يهدي السبيل.
التنبيه الثاني: اعلم أن قول الله تعالى ﴿ابعث لما ملكا نقاتل في سبيل الله﴾ وقوله تعالى ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ وقوله تعالى ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا﴾ إلى غير ذلك من الآيات يدل على أن هداية الناس والصبر على مشقة مخالطتهم من لوازم الإمامة، وكذا الجهاد في سبيل الله، والعقل يحكم بذلك. وقد قال أمير المؤمنين «لابد للناس من أمير برٍ أو فاجر. يعمل في إمرته المؤمن ويستمع فيها الكافر، ويبلغ فيها الأجل وتأمن فيها السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر ويستراح من فاجر» كذا في نهج البلاغة. ولا يمكن حمله على التقية، لما ذكره في نهج البلاغة من أنه - رضي الله تعالى عنه - قاله لما سمع قول الخوارج «لا إمارة» فلا محل للتقية في مقابلتهم، فتأمل في هذا الكلام، وتفكر في هذا المقام تر الفلاح أوضح من الصباح، وأن الحق عند أصحاب الجنة وأهل السنة. والله تعالى أعلم.
التنبيه الثالث: العدالة شرط الإمامة، لا العصمة بمعنى امتناع صدور الذنب كما في الأنبياء، خلافا للشيعة ولا سيما الإمامية والإسماعيلية قالوا: لا بد منها علما وعملا، وهو مخالف للكتاب والعترة.
أما الكتاب فقوله تعالى ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾ فكان واجب الطاعة بالوحي، ولم يكن معصوما بالإجماع. (١) وقوله تعالى ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ فكان قبل النبوة إماما وخليفة، (٢) وصدر منه ما صدر، ويدل على ذلك قوله تعالى ﴿فعصى آدم ربه فغوى﴾ وقوله ﴿ثم اجتباه ربه﴾ والاجتباء في قوله تعالى في حق يونس ﴿فاجتباه ربه فجعله من الصالحين﴾ الاصطفاء للدعاء وعذره
стр. 136
ورده إليه لا الاستنباء، إذ قد ثبت قبل بقوله تعالى ﴿وإن يونس لمن المرسلين إذ أبقى إلى الفلك المشحون﴾ بخلاف ما نحن فيه، كذا قيل، فليتأمل. وأما أقوال العترة فقد أسلفنا قول الأمير «لابد للناس» الخ وأيضا روى في الكافي ما قال الأمير لأصحابه «لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست آمن أن أخطئ» (١) والحمل على المشورة الدنيوية يأباه الصدر كما لا يخفى. وأيضا روى صاحب الفصول عن أبي مخنف (٢) أنه قال: كان الحسين يبدي الكراهة من صلح أخيه الحسن مع معاوية ويقول: لو جز (٣) أنفي كان أحب إلي مما فعله أخي. (٤) وإذا خطأ أحد المعصومين الآخر ثبت خطأ أحدهما بالضرورة لامتناع اجتماع النقيضين.
وأيضا في الصحيفة الكاملة (٥) للسجاد «وقد ملك الشيطان عناني في سوء الظن وضعف اليقين، وإني أشكو سوء محاورته لي وطاعة نفسي له» فظاهر أنه - على الصدق والكذب - مناف للعصمة. (٦)
ومن أدلتهم على العصمة أن الإمام لو لم يكن معصوما لزم التسلسل. بيان الملازمة أن المحوج للنصب هو جواز الخطأ للأمة، فلو جاز الخطأ عليه أيضا لافتقر إلى آخر وهكذا، فيتسلسل. (٧)
ويجاب بمنع أن المحوج ما ذكر، بل المحوج تنفيذ الأحكام ودرء المفاسد وحفظ بيضة الأسلام مثلا، ولا حاجة في ذلك إلى العصمة، بل الاجتهاد والعدالة كافيان. ولما لم يكن إثم على التابع إذ ذاك استوى جواز الخطأ وعدمه. سلمنا لكن التسوية ممتنعة بل تنتهى السلسلة إلى النبي. سلمنا لكنه منقوض بالمجتهد النائب عن الإمام في الغيبة عند الإمامية، (٨) وليس بمعصوم إجماعا فيلزم ما لزم، والجواب هو الجواب.
ومن الأدلة أيضا أنه حافظ للشريعة (٩) فكيف الخطأ؟ ويجاب بالمنع، بل هو مروج، والحفظ بالعلماء لقوله تعالى ﴿الربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء﴾ (١٠) وقوله تعالى ﴿كونوا ربانيين بما كنتم تدرسون﴾. وأيضا إذا كان الحفظ بالعلماء زمن الفترة وفي الغيبة على ما في كشكول الكرامة للحلي (١١) ففي الحضور كذلك. سلمنا، لكن الحفظ بالكتاب والسنة والإجماع، لا بنفسه، ويمتنع الخطأ في هذه الثلاثة،
стр. 137
والآراء لا دخل لها في صلب الشريعة، فلا ضرورة في حفظها. سلمنا، ولكن ذلك منقوض بالنائب. (١) وقد يقال بأن وجود المعصوم لو كان ضروريا للأمن من الخطأ لوجب أن يكون في كل قطر بل في كل بلدة، إذ الواحد لا يكفي للجميع بل هو مستحيل بداهة لانتشار المكلفين في الأقطار، والحضور مستحيل عادة، ونصب نائب لا يفيد لجواز الخطأ وعدم إمكان التدارك لا سيما في الغيبة والوقائع اليومية إذ الإطلاق ممنوع، وعلى تسليمه الإعلام إما برسول (٢) ولا عصمة، أو بكتاب والتلبيس جائز. على أن الفهم إنما هو استعمال قواعد الرأي وضوابط القياس، والكل مظنة الخطأ، فلا يحصل المقصود إلا بنصب معصوم في كل قطر وهو محال.
التنبيه الرابع: الإمام لا يلزم أن يكون منصوصا من الباري تعالى، لأن نصبه واجب على العباد كما تقدم، فتعيين الرئيس مفوض إليهم، وهو الأصلح لهم. وقالت الإمامية لا بد أن يكون منصوصا من قبله تعالى، كما أن نصبه واجب عليه تعالى. (٣) وهذا مخالف للعقل والنقل. أما الأول فقد مر، وأما الثاني فلقوله تعالى ﴿وجعلناهم أئمة﴾، ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة﴾، ﴿وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض﴾ إلى غير ذلك، ولم يكن في احد من تلك الفرق نص بل كان برأي أهل الحد والعقد، فمعنى الجعل إلقاء اختياره في قلوب مسموعي القول فينصبوه، فإن عدل فعادل وإلا فجائز. وقد قيس طالوت بعصا الملوك فساواها فملك (٤) كما لا يخفى على المتتبع فافهم، والله تعالى اعلم.
التنبيه الخامس: لا يلزم أن يكون الإمام أفضل أهل العصر عنده تعالى، إذ قد خلف طالوت وداود وشمويل موجودان. نعم لا بد لأهل الحد والعقد من نصب الأفضل رياسة وسياسة لا عبادة ودراسة. والشيعة على خلاف هذا. وقد علمت ردهم إجمالا. واشترطوا ما اشترطوا لنفي الخلافة عن الثلاثة لعدم العصمة والنص، وفي الأفضلية مجال بحث. وهذه نبذة يسيرة في الرد، وسيأتي التفصيل في إثبات الخلافة إن شاء الله تعالى.
стр. 138
التنبيه السادس: وهذا أهم التنبيهات: اعلم أن الإمام بعد رسول الله ﷺ بلا فصل أبو بكر الصديق بإجماع أهل الإسلام، وقد تفردت الشيعة بإنكار ذلك، (١) وقالوا الإمامة كذلك لعلي - رضي الله تعالى عنه -، وعند أهل الحق له بعد الثلاثة، ثم لابنه الحسن - رضي الله تعالى عنه -، والصلح لمصالح رآها وهو اللائق بذاته الكريمة لا لخوف من جند كما افترى المفترون. إذ قد ورد في كتب الشيعة خطبة يقول فيها «إنما فعلت ما فعلت إشفاقا عليكم» (٢) وقد ثبت في أخرى أوردها المرتضى وصاحب الفصول أنه قال لما انبرم الصلح بينه وبين معاوية «إن معاوية قد نازعني حقا لي دونه، فنظرت الصلح للأمة وقطع الفتنة. وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها، ولم أرد بذلك إلا صلاحكم» (٣) فهاتان الخطبتان تدلان على أن الصلح للمصلحة لا للعجز وعدم الناصر، والثانية أيضا تدل بالصراحة على إسلام الفريق الثاني، لأن المصالحة لأهل الكفر والردة لمخافة الفتنة لا تجوز، بل ترك قتالهم وغلبتهم هو الفتنة لقوله تعالى ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين له﴾ وأيضا قد سبق ما كان يقوله الحسين في صلح الحسن، أفنسي أن الضرورات تبيح المحظورات. ثم إظهار الكراهة لخلاف المصلحة المعقولة للكارة لا تكون قبيحة، وأيضا الاختلاف بين أكابر الدين في المصالح المنجر إلى عدم الرضا لا يقدح في أحد الجانبين، فليحفظ. ثم لا يغتر بما يقوله أهل الزور على أهل السنة من أنهم يقولونه بخلافة معاوية بعد الشهيد، وحاشا وكلا بل هم يقولون
стр. 139
بصحة خلافته بعد صلح الحسن إلا أنه غير راشد (١)
والراشدون هم الخمسة، (٢) بل قالوا إنه باغ. (٣)
فإن قلت إذا ثبت بغيه لم لا يجوز لعنه؟ جوابه: إن أهل السنة لا يجوزون لعن مرتكب الكبيرة مطلقا، فعلى هذا لا تخصيص بالباغي لأنه مرتكب كبيرة أيضا، على أنه إذا كان باغيا بلا دليل، وأما كان بغيه بالاجتهاد ولو فاسد فلا إثم عليه فضلا عن الكبيرة ويشهد لهم قوله تعالى ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾. والأمر بالشيء نهى عن ضده عند الإمامية، فالنهي عن اللعن واضح. نعم ورد اللعن في الوصف في حق أهل الكبائر مثل قوله تعالى ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ وقوله تعالى ﴿فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ لكن هذا اللعن بالحقيقة على الوصف لا على صاحبه، ولو فرض عليه يكون وجود الإيمان مانعا والمانع مقدم كما هو عند الشيعة، (٤) وأيضا وجود العلة مع المانع لا يكون مقتضيا، فاللعن لا يكون مترتبا على وجود الصفة حتى يرتفع الإيمان المانع، وقوله تعالى ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولأخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا إنك رءوف رحيم﴾ نص في طلب المغفرة وترك العداوة بحيث جعل على الإيمان من غير تقييد، ويشهد لهم ما تواتر عن الأمير من نهي لعن أهل الشام، قالت
стр. 140
الشيعة والنهي لتهذيب الأخلاق وتحسين الكلام كما يدل قوله في هذا المقام «إني أكره لكم أن تكونوا سبابين»، (١) وأهل السنة يقولون هو مكروه للإمام فينبغي كراهته لنا وعدم محبوبيته وجعله قربة وإن لم نعلم وجه الكراهة. وأيضا روي في نهج البلاغة عنه - رضي الله تعالى عنه - ما يدل صراحة على المقصود، وهو أنه لما سمع لعن أهل الشام خطب وقال «إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والإعوجاج والشبهة والتأويل». (٢) فإذا صحت الروايتان في كتب الإمامية حملنا الأولى على من كان يلعنهم بالوصف وهو جائز، لا مطلقا بل لمن يبلغ الشريعة كالأنبياء، إذ قد يستعمل لبيان قباحة تلك الصفات، وأما الغير في حقه مكروه، لأنه لو اعتاده لخشي في حق من ليس أهلا له، وحملت الثانية على من يلعن أهل الشام بتعيين الأشخاص غافلا عن منع الإيمان، فأعملنا الروايتين لأن الأصل في الدلائل الإعمال دون الإهمال.
وقال بعض علماء الشيعة: البغي غير موجب للعن على قاعدتنا، لأن الباغي آثم، لكن هذا الحكم مخصوص بغير المحارب للأمير، وأما هو فكافر عندنا بدليل حديث متفق عليه عند الفريقين أنه ﷺ قال للأمير: «حربك حربي» (٣) وأنه قال لأهل العبا: «أنا سلم لمن سالمتم حرب لمن حاربتم» (٤) وحرب الرسول كفر بلا شبهة فكذا حرب الأئمة.
قال أهل السنة هذا مجاز للتهديد والتغليط، بدليل ما حكم الأمير من بقاء إيمان أهل الشام وإخوتهم في الإسلام، على أن قوله «حرب الرسول كفر» ممنوع، إذ قد حكم على آكل الربا بحرب الله ورسوله معا قال تعالى ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ وعلى قطاع الطريق كذلك قال تعالى ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية فلم لم تحكم الشيعة بكفر هؤلاء؟ (٥)
هذا ولنرجع إلى ما كنا فيه، ولنورد عدة آيات قرآنية وأخبار عن العترة تدل على المرام، وتوضح المقام. وتفسد أصل الشيعة، وتبطل هذه القاعدة الشنيعة. وبالله تعالى الاستعانة والتوفيق، ومنه يرجى الوصول إلى سواء الطريق.
стр. 141
فمن الآيات قوله تعالى ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا بعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾. (١) الحاصل أن الله تعالى وعد المؤمنين الصالحين - الحاضرين وقت النزول - بالاستخلاف والتصرف، كما جعل داود ﵇ الوارد في حقه ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ وغيره من الأنبياء، وبإزالة الخوف من الأعداء الكفار والمشركين، وبأن يجعلهم في غاية الأمن حتى يخشاهم الكفار ولا يخشون أحدا إلا الله تعالى، وبتقوية الدين المرتضى بأن يروجه ويشيعه (٢) كما ينبغي. ولم يقع هذا المجموع إلا زمن الخلفاء الثلاثة لأن المهدي ما كان موجودا وقت النزول، والأمير وإن كان حاضرا لكن لم يحصل له رواج كما هو حقه بزعم الشيعة، بل صار أسوأ وأقبح من عهد الكفار كما صرح به المرتضى في (تنزيه الأنبياء والأئمة) (٣) مع أن الأمير وشيعته كانوا يخفون دينهم خائفين هائبين من أفواج أهل البغي دائما (٤). وأيضا الأمير فرد من الجماعة، ولفظ الجمع حقيقة في ثلاثة أفراد ففوق، والأئمة الاخرون لم يوجد فيهم مع عدم قصورهم تلك الأمور كما لا يخفى، وخلف الوعد ممتنع اتفاقا، فلزم أن الخلفاء الثلاثة كانوا هم الموعودين من قبله تعالى بالاستخلاف وأخويه (٥) وهو معنى الخلافة الراشدة المرادفة للإمامة.
وقال الملا عبد الله المشهدي في (إظهار الحق) بعد الفحص الشديد يحتمل أن يكون «الخليفة» بالمعنى اللغوي و «الاستخلاف» الإتيان بأحد بعد آخر كما ورد في حق بنى إسرائيل ﴿عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض﴾ والمعنى الخاص مستحدث بعد الرحلة. جوابه: أن الاستخلاف غير مستعمل في الكلام بالمعنى اللغوي،
стр. 142
والقاعدة الأصولية للشيعة أن الألفاظ القرآنية ينبغي أن تحمل على المعاني الاصطلاحية الشرعية حتى الإمكان، لا على المعاني اللغوية. وإلا فالشرعية كلها تفسد ولا يثبت حكم كما لا يخفى. وأيضا كيف يصح تمسكهم بحديث «أنت مني» الخ المنضم إليه ﴿اخلفني في قومي﴾ وكيف التمسك بحديثهم «يا علي أنت خليفتي من بعدي» (١)؟ ولقد سعى المدققون من الشيعة في الجواب عن هذه الآية وتوجيهها، وأحسن الأجوبة عندهم اثنان: الأول أن «من» للبيان لا للتعبيض، و «الاستخلاف» الاستيطان. قلنا: حمل «من» الداخلة على الضمير على البيان مخالف للاستعمال وبعيد عن المعنى في الآية الكريمة وإن قال به البعض، سلمنا لكن لا يضرنا لأن المخاطبين هم الموعودون بتلك المواعيد وقد حصلت لهم، إلا أن الاستخلاف غير معقول للكل حقيقة، فالحصول للبعض حصول للكل باعتبار المنافع. وأيضا قيد «اعملوا الصالحات» وكذا «الإيمان» يكون عبثا إذ الاستيطان يحصل للفاسق وكذا الكافر. وأيضا حاشا القرآن من العبث. الثاني أن المراد الأمير فقط وصيغه الجمع للتعظيم أو مع أولاده خوف. قلنا يلزم تخلف الوعد كما لا يخفى، إذ لم يحصل لأحد منهم تمكين دين وزوال خوف، والناس شاهدة على ذلك. (٢)
وانظر أيها المنصف الحصيف واللوذعي الشريف إلى ما قاله الإمام مما ينحسم فيه الإشكال في هذا المقام؛ ذكر في (نهج البلاغة) للمرتضى الذي هو أصح الكتب عندهم أن عمر بن الخطاب لما استشار الأمير عند انطلاقه لقتال فارس وقد جمعوا للقتال، أجابه «إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله تعالى الذي أظهره، وجنده الذي أعده وأمده،
стр. 143
حتى بلغ ما بلغ وطلع، ونحن على وعد من الله تعالى حيث قال عز اسمه ﴿وعد الله الذين أمنوا﴾ وتلا الآية، والله تعالى منجز وعده وناصر جنده. ومكان القيم بالأمر في الإسلام مكان النظام من الخرز فإن انقطع النظام تفرق الخرز، ورب متفرق لم يجتمع، والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع، فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك. إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا: هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك. فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله هو أكرم لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكرهه. وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة» (١) انتهى بلفظه. فتدبر فقد ارتفع الإشكال واتضح الحال والحمد لله رب العالمين.
ومنها قوله تعالى ﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما﴾ المخاطب بهذه الآية بعض القبائل ممن تخلف عن الرسول ﷺ في غزوة الحديبية لعذر بارد وشغل كاسد، (٢) وقد أجمع الفريقان أنه لم يقع بعد نزول هذه الآية إلا غزوة تبوك، ولم يقع فيها لا القتال ولا الإسلام، فتعين الغير. والداعي ليس جناب الرسول ﵊ لا محالة، فلا بد أن يكون خليفة من الخلفاء الثلاثة الذين وقعت الدعوة في عهدهم كما في عهد الخليفة الأول لمانعي الزكاة أولا وأهل الروم آخرا، وفي عهد الخليفة الثاني والثالث كما لا يخفى على المتتبع. فقد صحت خلافة الصديق لأن الله تعالى وعد وأوعد، ورتب كلا على الإطاعة والمعصية. فهلا يكون ذلك المطاع المنقاد له بالوجود إماما؟ المنصف يعرف ذلك.
وقد تخبط ابن المطهر الحلي وقال: «يجوز أن يكون الداعي
стр. 144
الرسول ﵊ في تلك الغزوات التي وقع فيها القتال، ولم ينقل لنا». وإذ فتح هذا الباب يقال كذلك: يجوز عزل الأمير بعد الغدير ونصب أبي بكر وتحريض الناس على اتباعه، ولم ينقل لنا. فانظر وتعجب. وقال بعضهم: الداعي هو الأمير، فقد دعا إلى قتال الناكثين والقاسطين والمارقين. (١) ويقال فيه: إن قتل الأمير إياهم لم يكن لطلب الإسلام بل لانتظام أحوال الإمام، ولم ينقل في العرف القديم والجديد أن يقال لإطاعة الإمام (إسلام) ولمخالفته (كفر). ومع هذا نقل الشيعة روايات صحيحة عن النبي ﷺ في حق الأمير أنه قال: إنك يا علي تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. وظاهر أن المقاتلة على تأويل القرآن لا تكون إلا بعد قبول تنزيله، وذلك لا يعقل بدون الإسلام، بل هو عينه، فلا يمكن المقاتلة على التأويل على الإسلام بالضرورة وهو ظاهر.
ومنها قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾. مدح الله تعالى في هذه الآية الكريمة الذين قاتلوا المرتدين بأكمل الصفات وأعلى المبرات، وقد وقع ذلك من الصديق وأنصاره بالإجماع، لأن ثلاث فرق قد ارتدوا في آخر عهده ﵇. (٢) الأولى بنو مدلج قوم أسود العنسي ذى الخمار الذي ادعى النبوة في اليمن وقتل على يد فيروز الديلمي، الثانية بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب المقتول في أيام خلافة الصديق على يد وحشي، الثالثة بنو أسد قوم طليحة بنى خويلد المتنبئ، ولكنه آمن بعد أن أرسل النبي ﷺ خالدا وهرب منه إلى الشام. وقد ارتد في خلافة الصديق سبع فرق: بنو فرازة قوم عيينة بن حصن، وبنو غطفان قوم قرة بن سلمة، وبنو سليم قوم ابن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر، وبنو كندة قوم أشعث بن قيس الكندي، وبنو بكر في البحرين. وارتدت فرقة في زمن عمر - رضي الله تعالى عنه - والتحقت بالنصارى إلى الروم. وقد استأصل الصديق كل فرقة وأزعجهم واستردهم
стр. 145
إلى الإسلام كما أجمع عليه المؤرخون كافة. ولم يقع للأمير ذلك، بل كان متحسرا على ما هنالك، وكم قال «ابتليت بقتال أهل القبلة» كما رواه الإمامية، وتسمية منكري الإمامة مرتدين مخالفة للعرف القديم والحديث. على أن المنكر للنص غير كافر (١) كما قال الكاشي وصاحب الكافي. (٢) وانظر إلى ما قال الملا عبد الله صاحب (إظهار الحق) ما نصه: «فإن قيل فإن لم يكن النص الصريح ثابتا كما في باب خلافة الأمير فالإمامية كاذبون، وإن كان لزم أن يكون جماعة الصحابة مرتدين والعياذ بالله تعالى، أجيب أن إنكار النص الذي هو موجب للكفر إنما هو اعتقاد أن الأمر المنصوص باطل وإن كذبوا في ذلك التنصيص رسول الله ﷺ ، حاشا. أما لو تركوا الحق مع علمهم بوجوبه للأغراض الدنيوية وحب الجاه فيكون ذلك من الفسوق والعصيان لا غير» ثم قال «فالذين اتفقوا على خلافة الخليفة الأول لم يقولوا إن النبي ﷺ نص عليها لأحد أو قال بما لا يطابق الواقع فيها، معاذ الله، بل منهم من أنكر بعض الأحيان تحقق النص، وأول بعضهم كلام الرسول ﷺ تأويلا بعيدا» انتهى كلامه.
وأيضا قال الأمير في بعض خطبه المروية عنه عندهم «أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل» (٣) وأيضا قد منع السب كما تقدم، وسب المرتد غير منهي عنه. قطعنا النظر وسلمنا أن الأمير قاتل المرتدين، فالمقاتل لهم زمن الخليفة الأول شريك في المدح أيضا، وإلا لزم الخلف لعموم من في الشرط والجزاء كما تقرر في الأصول. والمقاتل هو (٤) وأنصاره لا الأمير، إذ لم يدافع أحدا منهم ولا عساكره، إذ هم (٥) غير موصوفين بما ذكر، فلكم «أنبئتُ بُسرا قد اطلع اليمن، وإني والله لا أظن هؤلاء القوم سيدالون منكم (٦) باجتماعهم