← Акыда

Акыда · id 36091

مختصر التحفة الاثني عشرية

محمود شكري الألوسي

Полный текст (339 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فمن الآيات قوله تعالى ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا بعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾. (١) الحاصل أن الله تعالى وعد المؤمنين الصالحين - الحاضرين وقت النزول - بالاستخلاف والتصرف، كما جعل داود ﵇ الوارد في حقه ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ وغيره من الأنبياء، وبإزالة الخوف من الأعداء الكفار والمشركين، وبأن يجعلهم في غاية الأمن حتى يخشاهم الكفار ولا يخشون أحدا إلا الله تعالى، وبتقوية الدين المرتضى بأن يروجه ويشيعه (٢) كما ينبغي. ولم يقع هذا المجموع إلا زمن الخلفاء الثلاثة لأن المهدي ما كان موجودا وقت النزول، والأمير وإن كان حاضرا لكن لم يحصل له رواج كما هو حقه بزعم الشيعة، بل صار أسوأ وأقبح من عهد الكفار كما صرح به المرتضى في (تنزيه الأنبياء والأئمة) (٣) مع أن الأمير وشيعته كانوا يخفون دينهم خائفين هائبين من أفواج أهل البغي دائما (٤). وأيضا الأمير فرد من الجماعة، ولفظ الجمع حقيقة في ثلاثة أفراد ففوق، والأئمة الاخرون لم يوجد فيهم مع عدم قصورهم تلك الأمور كما لا يخفى، وخلف الوعد ممتنع اتفاقا، فلزم أن الخلفاء الثلاثة كانوا هم الموعودين من قبله تعالى بالاستخلاف وأخويه (٥) وهو معنى الخلافة الراشدة المرادفة للإمامة. وقال الملا عبد الله المشهدي في (إظهار الحق) بعد الفحص الشديد يحتمل أن يكون «الخليفة» بالمعنى اللغوي و «الاستخلاف» الإتيان بأحد بعد آخر كما ورد في حق بنى إسرائيل ﴿عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض﴾ والمعنى الخاص مستحدث بعد الرحلة. جوابه: أن الاستخلاف غير مستعمل في الكلام بالمعنى اللغوي،

стр. 142

والقاعدة الأصولية للشيعة أن الألفاظ القرآنية ينبغي أن تحمل على المعاني الاصطلاحية الشرعية حتى الإمكان، لا على المعاني اللغوية. وإلا فالشرعية كلها تفسد ولا يثبت حكم كما لا يخفى. وأيضا كيف يصح تمسكهم بحديث «أنت مني» الخ المنضم إليه ﴿اخلفني في قومي﴾ وكيف التمسك بحديثهم «يا علي أنت خليفتي من بعدي» (١)؟ ولقد سعى المدققون من الشيعة في الجواب عن هذه الآية وتوجيهها، وأحسن الأجوبة عندهم اثنان: الأول أن «من» للبيان لا للتعبيض، و «الاستخلاف» الاستيطان. قلنا: حمل «من» الداخلة على الضمير على البيان مخالف للاستعمال وبعيد عن المعنى في الآية الكريمة وإن قال به البعض، سلمنا لكن لا يضرنا لأن المخاطبين هم الموعودون بتلك المواعيد وقد حصلت لهم، إلا أن الاستخلاف غير معقول للكل حقيقة، فالحصول للبعض حصول للكل باعتبار المنافع. وأيضا قيد «اعملوا الصالحات» وكذا «الإيمان» يكون عبثا إذ الاستيطان يحصل للفاسق وكذا الكافر. وأيضا حاشا القرآن من العبث. الثاني أن المراد الأمير فقط وصيغه الجمع للتعظيم أو مع أولاده خوف. قلنا يلزم تخلف الوعد كما لا يخفى، إذ لم يحصل لأحد منهم تمكين دين وزوال خوف، والناس شاهدة على ذلك. (٢) وانظر أيها المنصف الحصيف واللوذعي الشريف إلى ما قاله الإمام مما ينحسم فيه الإشكال في هذا المقام؛ ذكر في (نهج البلاغة) للمرتضى الذي هو أصح الكتب عندهم أن عمر بن الخطاب لما استشار الأمير عند انطلاقه لقتال فارس وقد جمعوا للقتال، أجابه «إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله تعالى الذي أظهره، وجنده الذي أعده وأمده،

стр. 143

حتى بلغ ما بلغ وطلع، ونحن على وعد من الله تعالى حيث قال عز اسمه ﴿وعد الله الذين أمنوا﴾ وتلا الآية، والله تعالى منجز وعده وناصر جنده. ومكان القيم بالأمر في الإسلام مكان النظام من الخرز فإن انقطع النظام تفرق الخرز، ورب متفرق لم يجتمع، والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع، فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك. إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا: هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك. فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله هو أكرم لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكرهه. وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة» (١) انتهى بلفظه. فتدبر فقد ارتفع الإشكال واتضح الحال والحمد لله رب العالمين. ومنها قوله تعالى ﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما﴾ المخاطب بهذه الآية بعض القبائل ممن تخلف عن الرسول ﷺ في غزوة الحديبية لعذر بارد وشغل كاسد، (٢) وقد أجمع الفريقان أنه لم يقع بعد نزول هذه الآية إلا غزوة تبوك، ولم يقع فيها لا القتال ولا الإسلام، فتعين الغير. والداعي ليس جناب الرسول ﵊ لا محالة، فلا بد أن يكون خليفة من الخلفاء الثلاثة الذين وقعت الدعوة في عهدهم كما في عهد الخليفة الأول لمانعي الزكاة أولا وأهل الروم آخرا، وفي عهد الخليفة الثاني والثالث كما لا يخفى على المتتبع. فقد صحت خلافة الصديق لأن الله تعالى وعد وأوعد، ورتب كلا على الإطاعة والمعصية. فهلا يكون ذلك المطاع المنقاد له بالوجود إماما؟ المنصف يعرف ذلك. وقد تخبط ابن المطهر الحلي وقال: «يجوز أن يكون الداعي

стр. 144

الرسول ﵊ في تلك الغزوات التي وقع فيها القتال، ولم ينقل لنا». وإذ فتح هذا الباب يقال كذلك: يجوز عزل الأمير بعد الغدير ونصب أبي بكر وتحريض الناس على اتباعه، ولم ينقل لنا. فانظر وتعجب. وقال بعضهم: الداعي هو الأمير، فقد دعا إلى قتال الناكثين والقاسطين والمارقين. (١) ويقال فيه: إن قتل الأمير إياهم لم يكن لطلب الإسلام بل لانتظام أحوال الإمام، ولم ينقل في العرف القديم والجديد أن يقال لإطاعة الإمام (إسلام) ولمخالفته (كفر). ومع هذا نقل الشيعة روايات صحيحة عن النبي ﷺ في حق الأمير أنه قال: إنك يا علي تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. وظاهر أن المقاتلة على تأويل القرآن لا تكون إلا بعد قبول تنزيله، وذلك لا يعقل بدون الإسلام، بل هو عينه، فلا يمكن المقاتلة على التأويل على الإسلام بالضرورة وهو ظاهر. ومنها قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾. مدح الله تعالى في هذه الآية الكريمة الذين قاتلوا المرتدين بأكمل الصفات وأعلى المبرات، وقد وقع ذلك من الصديق وأنصاره بالإجماع، لأن ثلاث فرق قد ارتدوا في آخر عهده ﵇. (٢) الأولى بنو مدلج قوم أسود العنسي ذى الخمار الذي ادعى النبوة في اليمن وقتل على يد فيروز الديلمي، الثانية بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب المقتول في أيام خلافة الصديق على يد وحشي، الثالثة بنو أسد قوم طليحة بنى خويلد المتنبئ، ولكنه آمن بعد أن أرسل النبي ﷺ خالدا وهرب منه إلى الشام. وقد ارتد في خلافة الصديق سبع فرق: بنو فرازة قوم عيينة بن حصن، وبنو غطفان قوم قرة بن سلمة، وبنو سليم قوم ابن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر، وبنو كندة قوم أشعث بن قيس الكندي، وبنو بكر في البحرين. وارتدت فرقة في زمن عمر - رضي الله تعالى عنه - والتحقت بالنصارى إلى الروم. وقد استأصل الصديق كل فرقة وأزعجهم واستردهم

стр. 145

إلى الإسلام كما أجمع عليه المؤرخون كافة. ولم يقع للأمير ذلك، بل كان متحسرا على ما هنالك، وكم قال «ابتليت بقتال أهل القبلة» كما رواه الإمامية، وتسمية منكري الإمامة مرتدين مخالفة للعرف القديم والحديث. على أن المنكر للنص غير كافر (١) كما قال الكاشي وصاحب الكافي. (٢) وانظر إلى ما قال الملا عبد الله صاحب (إظهار الحق) ما نصه: «فإن قيل فإن لم يكن النص الصريح ثابتا كما في باب خلافة الأمير فالإمامية كاذبون، وإن كان لزم أن يكون جماعة الصحابة مرتدين والعياذ بالله تعالى، أجيب أن إنكار النص الذي هو موجب للكفر إنما هو اعتقاد أن الأمر المنصوص باطل وإن كذبوا في ذلك التنصيص رسول الله ﷺ ، حاشا. أما لو تركوا الحق مع علمهم بوجوبه للأغراض الدنيوية وحب الجاه فيكون ذلك من الفسوق والعصيان لا غير» ثم قال «فالذين اتفقوا على خلافة الخليفة الأول لم يقولوا إن النبي ﷺ نص عليها لأحد أو قال بما لا يطابق الواقع فيها، معاذ الله، بل منهم من أنكر بعض الأحيان تحقق النص، وأول بعضهم كلام الرسول ﷺ تأويلا بعيدا» انتهى كلامه. وأيضا قال الأمير في بعض خطبه المروية عنه عندهم «أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل» (٣) وأيضا قد منع السب كما تقدم، وسب المرتد غير منهي عنه. قطعنا النظر وسلمنا أن الأمير قاتل المرتدين، فالمقاتل لهم زمن الخليفة الأول شريك في المدح أيضا، وإلا لزم الخلف لعموم من في الشرط والجزاء كما تقرر في الأصول. والمقاتل هو (٤) وأنصاره لا الأمير، إذ لم يدافع أحدا منهم ولا عساكره، إذ هم (٥) غير موصوفين بما ذكر، فلكم «أنبئتُ بُسرا قد اطلع اليمن، وإني والله لا أظن هؤلاء القوم سيدالون منكم (٦) باجتماعهم

стр. 146

على باطلهم وتفرقكم عن حقكم. وبمعصيتكم إمامكم في الحق، وطاعتهم إمامهم في الباطل. وبأدائهم الأمانة إلى أصحابهم. وخيانتكم، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم. فلو ائتمنت أحدكم على قعب (١) لخشيت أن يذهب بعلاقته. اللهم قد مللنهم وملوني وسئمتهم وسئموني، فأبدلني خيرا منهم وأبدلهم بي شرا مني. اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح بالماء. لوددت والله لو أن لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم (٢) هنالك لو دعوت أتاك منهم ... فروارس مثل أرمية (٣) الحميم (٤) ويقول في خطبة أخرى: أحمد الله على ما قضى من أمر، وقدر من فعل، وعلى ابتلائي بكم أيتها الفرقة التي إذا أمرت لم تطع، وإذا دعوت لم تجب. ثم قال بعد كلام: وإنى لصحبتكم قالٍ وبكم غير كثير ... » (٥) الخ. والنهج مملوء من أمثال هذه الكلمات، ومحشو من مثل هذه الشكايات. فانظر هل يمكن تطبيق الأوصاف القرآنية على هؤلاء الأقوام (٦) وهل يجتمع النقيضان! (٧) وكلام الله كاذب، أم كلام الإمام؟ (٨) وأيضا يستفاد من سياق الآية وسباقها أن فتنة المرتدين تدفع بسعي القوم الموصوفين ويتحقق صلاح الدين، إذ الآية سيقت لتسلية قلوب المؤمنين وتقويهم، ولإزالة خوفهم من المرتدين وفتنتهم، ولم تنته مقاتلات الأمير إلا إلى الضد كما لا يخفى. هذا وبقيت آيات كثيرة وأدلة غزيرة تركناها اكتفاء بما ذكرناه، واعتمادا على أن المنصف يكفيه ما سطرناه. وأما أقوال العترة فمنها ما أورده المرتضى في (نهج البلاغة) عن أمير المؤمنين من كتابه الذي كتبه إلى معاوية وهو: «أما بعد فإن بيعتي يا معاوية لزمتك وأنت بالشام، فإنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وعلى ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا

стр. 147

للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضا، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه فإن آبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى.» (١) ومنتهى ما أجاب الشيعة عن أمثال هذه أنه من مجاراة الخصم ودليل الزامي، وهو تحريف لا ينبغي لعاقل ولا يليق بفاضل، إذ فيه غفلة وإغماض عن أطراف الكلام الزائدة على قدر الإلزام، إذ يكفى فيه بيعة أهل الحل والعقد كما لا يخفى. وأيضا الدليل الإلزامي مسلم عند الخصم، ومعاوية لا يسلم ما ذكر، ويرشدك إلى ذلك كتبه إلى الأمير كما هو مذكور عند الإمامية وغيرهم، (٢) فمذهبه كما يظهر منها أن كل مسلم قرشي مطلقا إذا كان قادرا على تنفيذ الأحكام وإمضاء الجهاد وحماية حوزة الإسلام وحفظ الثغور ودفع الشرور وبايعه جماعة من المسلمين من أهل العراق أو من أهل الشام أو من المدينة المنورة فهو الإمام. وإنما لم يتبع الأمير لاتهامه له بقتله عثمان (٣) وحفظ أهل الجور والعصيان، وكان يعتقده قادرا على تنفيذ الأحكام وأخذ القصاص الذي هو من عمدة أمور شريعة سيد الأنام وذلك بزعمه ومقتضى فهمه. ومن أجلى البديهات أن بيعة المهاجرين والأنصار التي لم تكن خافية على معاوية قط لو حسبها معتدا بها لم يذكر في مجالسه ومكاتيبه قوادح الأمير، بل خطأ تلك البيعة أيضا بالصراحة كما هو معروف من مذهبه على ما لا يخفى على الخبير. فما ذكر في مقابلته من بيعة المهاجرين والأنصار دليل تحقيقي مركب من المقدمات الحقة فيثبت المطلوب. ومنها ما في (النهج) أيضا عن الأمير «لله بلاد أبي بكر لقد قوم الأود، (٤) وداوَى العلل، وأقام السنة، وخلّف البدعة، وذهب نقي الثوب قليل العيب، أصاب خيرها واتقى شرها، أدى لله طاعة واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طريق متشعبة لا يهتدي فيها الضال، ولا يستيقن المهتدي». (٥) وقد حذف الشريف صاحب النهج حفظا لمذهبه لفظ

стр. 148

(أبي بكر) وأثبت بدله (فلان) وتأبى الأوصاف إلا أبا بكر، ولهذا الإبهام اختلف الشراح فقال البعض هو أبو بكر وبعض هو عمر، ورجح الأكثر الأول وهو الأظهر فقد وصفه من الصفات بأعلى مراتبها، فناهيك به وناهيك بها. وغاية ما أجابوا أن مثل هذا المدح كان من الإمام لاستجلاب قلوب الناس لاعتقادهم بالشيخين أشد الاعتقاد، ولا يخفى على المنصف أن فيه (١) نسبة الكذب [إلى المعصوم] (٢) لغرض دنيوي مظنون الحصول، بل كان اليأس منه (٣) وفي الحديث الصحيح «إذا مدح الفاسق غضب الرب»، (٤) وأيضا أية ضرورة تلجئه إلى هذه التأكيدات والمبالغات؟ وكان يكفيه أن يقول: لله بلاد فلان قد جاهد الكفر والمرتدين، وشاع بسعيه الإسلام، وقام عماد المسلمين، ووضع الجزية، وبنى المساجد، ولم تقع في خلافته فتنة ولا بقي فيها معاند. ونحو ذلك. وفرق بين هذا والسلوك في هاتيك المسالك. وأيضا في هذا المدح العظيم الكامل تضليل الأمة وترويج للباطل، وذلك محال من المعصوم، (٥) بل كان الواجب عليه بيان الحال لمن بين يديه بموجب الحديث الصحيح «اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس» (٦) فانظر وأنصف. وأجاب بعض الإمامية أن المراد من (فلان) رجل من الصحابة مات في عهد النبي ﷺ واختار هذا القول الراوندي، (٧) وانظر هل يمكن لغيره

стр. 149

- ﷺ في زمنه الشريف تقويم الأود، ومداواة العلل وإقامة السنة وغيرها؟ وهل يعقل أن رجلا مات وترك الناس فيما ترك والنبي ﷺ موجود بنفسه وذاته الأنيسة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم وزور جسيم. (١) وقال البعض: غرض الإمام من هذه العبارة توبيخ عثمان والتعريض به، فإنه لم يذهب على سيرة الشيخين. وفيه: أما أولا فالتوبيخ يحصل بدون هذه الكذبات فما الحاجة إليها؟ وأما ثانيا فسيرة الشيخين إن كانت محمودة فقد ثبتت إمامتها وإلا فالتوبيخ على عثمان بتركها لا ينبغي، وأما ثالثا فهذه من خطبات الكوفة، (٢) فما الموجب لعدم الصراحة بالتوبيخ: «أنا الغريق فلا أخشى من البلل». (٣) ومنها ما نقله علي بن عيسى الإربلي الاثنا عشري (٤) في كتابه (كشف الغمة في معرفة الأئمة) أنه «سُئل الإمام أبو جعفر عن حلية السيف هل تجوز؟ فقال: نعم، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه بالفضة. فقال الراوي: أتقول هذا؟ فوثب الإمام عن مكانه فقال: نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله قوله في الدنيا والآخرة» (٥) ومن الثابت أن مرتبة الصديقية بعد النبوة، ويشهد لها القرآن، والآيات كثيرة، منها قوله تعالى ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ ولا أقل من كونها صفة مدح فوق الصالح، وإذا قال المعصوم (٦) في رجل إنه صالح ارتفع عنه احتمال الجور والفسق والظلم والغضب، وإلا لزم الكذب وهو محال، فكيف يعتقد فيه غضب الإمامة وتضييع حق الأمة؟ ولعمرك المعتقد داخل في عموم هذا الدعاء، ويكفيه جزاء. وغاية ما أجابوا أنه تقية (٧) وأنت تعلم أن وضع السؤال يعلم منه أن السائل شيعي، فلم التقية منه وهذا التأكيد؟ وبعضهم أنكر هذا الكلام، والنسخ شاهدة لنا وإن لم يوجد في البعض فالبعض الآخر كاف، والنسخ كثيرة والروايات في هذا الباب أكثر والله أعلم.

стр. 150

ولنذكر بعض الأدلة المأخوذة من الكتاب وأقوال العترة الأنجاب مما يوصل إلى المطلوب بأدنى تأمل: الأول أن الله تعالى ذكر جماعة الصحابة الذين كانوا حاضرين حين انعقاد خلافة أبي بكر الصديق وممدين له وناصرين له في أمور الخلافة ملقبا لهم في مواضع من تنزيله قال تعالى ﴿أولئك هم الفائزون﴾ وقال تعالى ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ (١) وقال تعالى ﴿حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ (٢) فإجماع مثل هؤلاء الأقوام على منشأ الجور والآثام محال وإلا لزم الكذب وهو كما ترى. الثاني أن الله تعالى وصف الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - بقوله عز اسمه ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ فكيف يرتكبون ذلك فيلزم الخلف وهو محال. الثالث أن الله تعالى قال في المهاجرين ﴿أولئك هم الصادقون﴾ بعد قوله سبحانه ﴿للفقراء المهاجرين﴾ الآية (٣) وجميعهم قائلون بخلافة الصديق، ولو لم تكن حقة لزم الخلف في الآية وهو محال. الرابع أن جماعة كثيرين من الصحابة قد وقع اتفاقهم على خلافة أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - وكل ما يكون متفقا عليه لجماعة الأمة فهو حق وخلافه باطل بما ذكره الرضى في (نهج البلاغة) مرويا عن الأمير في كلام له «الزموا السواد الأعظم فإن يد الله على الجماعة وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب». (٤) الخامس أن قوما جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقتلوا آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وأقاربهم ولم يراعوا حقهم نصرة لله تعالى ورسوله ﷺ وقد حضروا هذه البيعة ولم يخالفوا فلا بليق بهم ما نسب. وكيف يرضى بذلك العاقل. السادس أن أمير المؤمنين لما سئل عن أحوال الصحابة الماضين وصفهم بلوازم الولاية وقال كما في نهج البلاغة: «كانوا إذا ذكروا الله هملت (٥) أعينهم حتى تبل جباههم ومادوا

стр. 151

كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفا من العقاب ورجاء للثواب» وقال أيضا «كان أحب اللقاء إليهم لقاء الله وإنهم يتقلبون على مثل الجمر من ذكر معادهم» فالانكار من هؤلاء والإصرار على مخالفة الله والرسول ﷺ من المحالات. السابع ما ذكر في الصحيفة الكاملة للسجاد من الدعاء لهم ومدح متابعيهم ولا احتمال للتقية في الخلوات وبين يدي رب البريات ونصه «اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ خير جزائك الذين قصدوا سمتهم وتحروا وجهتهم ومضوا في قفو أثرهم والائتمام بهداية منارهم يدينون بدينهم على شاكلتهم (١) لم يثنهم ريب في بصيرتهم (٢) ولم يختلج شك في صدورهم» إلى آخر ما قال. (٣) فالإصرار من هؤلاء الأخيار على كتمان الحق وتجويز الظلم والجور على عترة سيد الخلق ﷺ لا يقول به عاقل ولا يفوه به كامل. الثامن ما أورده الكليني في الكافي في باب السبق إلى الإيمان (٤) بروايات أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله ﵇ أنه قال «قلت له إن الإيمان درجات ومنازل يتفاضل المؤمنون فيها عند الله. قال نعم. قلت صفه لي رحمك الله حتى أفهمه، قال: إن الله سبق بين المؤمنين كما يستبق بالخيل يوم الرهان ثم فضلهم على درجاتهم في السبق إليه فجعل كل امرئ منهم على درجة سبقه ولا ينقصه فيها من حقه ولا يتقدم مسبوق سابقا ولا مفضول فاضلا تفاضل بذلك أوائل الأمة وأواخرها. ولو لم يكن للسابق إلى الإيمان فضل على المسبوق إذا للحق آخر هذه الأمة أولها، نعم ولتقدموهم إذ لم يكن لمن سبق إلى الإيمان فضل على من أبطأ عنه ولكن بدرجات الإيمان قدم الله السابقين وبالإبطاء عن الإيمان أخر الله المؤخرين، لأنا نجد من المؤمنين من الآخرين من هو أكثر علما من الأولين وأكثرهم صلاة وصوما وحجا وزكاة وجهادا وإنفاقا ولو لم تكن سوابق يفضل الله بها المؤمنين لكان الآخرون بكثرة العمل متقدمين على الأولين ولكن أبى الله

стр. 152

عز وجل أن يدرك آخر درجات الإيمان أولها ويقدم فيها من أخّر الله أو يؤخر فيها من قدم الله. قلت: أخبرني عما ندب الله المؤمنين إليه من الاستباق إلى الإيمان. فقال: قول الله ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله﴾ وقوله تعالى ﴿السابقون السابقون أولئك المقربون﴾ وقوله تعالى ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ (١) فبدأ بالمهاجرين على درجة سبقهم ثم ثنى بالأنصار ثم ثلث بالتابعين لهم بإحسان، فوضع كل قوم على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده ثم ذكر ما فضل الله به أولياءه بعضهم على بعض فقال عز من قائل ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم فوق بعض درجات﴾ الآية وقال تعالى ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ وقال تعالى ﴿انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض﴾ وقال تعالى ﴿وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا﴾ إلى آخر الحديث وقال في آخره «فهذا ذكر درجات الإيمان ومنازله عند الله ». (٢) فقد علم من هذا الحديث أن المهاجرين والأنصار كانوا في أعلى الدرجات من الإيمان ولم يصل غيرهم إلى ما وصلوا لقوله تعالى ﴿أولئك المؤمنون حقا﴾ وقوله تعالى ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ الآية. فكيف يصدر ممن كانوا كذلك الإصرار على ما لا يرضاه الله تعالى من المسالك؟ التاسع أن الأمير كرم الله تعالى وجهه قد مدح الشيخين ودعا لهما حسبما ثبت عند الفريقين وقد نقل شراح نهج البلاغة كتاب الأمير إلى معاوية وقد قال فيه بعد ما ذكر أبا بكر وعمر «لعمري إن مكانيهما لعظيم وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد رحمها الله تعالى وجزاهما بأحسن ما عملا» (٣) فكيف يتصور صدور مثل ذلك عن المعصوم لو كانا غاصبين ظالمين؟ معاذ الله من ذلك، ونسأله سبحانه العصمة عما يعتقده أولئك. هذا والكتب ملأى من أمثال هذه العبارات والأدلة القطعيات. وفيما ذكر كفاية لمن حلت بقلبه الهداية. والسلام على من اتبع الهدى، وخشي عواقب الردى.

стр. 153

(في إبطال ما استدل به الرافضة على مذهبهم) (الآيات القرآنية) وههنا كلام مفيد شريف، وبحيث رائق لطيف: اعلم أن الشيعة استدلوا على إثبات إمامة الأمير بلا فصل بدلائل كثيرة وتحقق بعد الفحص والتفتيش في كتبهم أن أكثرها قائمة في غير محل النزاع، وأنها مسروقة من أهل السنة. وتحقيق ذلك أن دلائلهم في هذا المطلب ثلاثة أقسام: الأول الآيات والأحاديث الدالة على فضائل الأمير وأهل البيت، وقد استخرجها أهل السنة في مقابلة الخوارج والنواصب الذين تجاسروا على الأمير - رضي الله تعالى عنه - ونسبوا إليه ما هو بريء منه، وذكروها في معرض الرد عليهم. والشيعة قد أوردوا تلك الدلائل في إثبات إمامة الأمير - رضي الله تعالى عنه - بلا فصل، وقصدوا بذلك الرد على أهل السنة. ولما جاء المتأخرون وقد أخذوا من أهل السنة والمعتزلة شيئا من علم الأصول والكلام وحصل لهم نوع ما من الملكة والقدرة على الخصام، غيروا الأدلة التي كانت هدفا للاعتراضات والأسئلة وأصلحوها بزعمهم بعض المقدمات وزيادة ما اشتهوه من موضوع الروايات، وما دروا أن ذلك زاد في الفساد، وأبطل لهم المقصود والمراد، ورجعوا إلى ما فروا منه، ووقعوا فيما انهزموا عنه، وأكثر دلائلهم من هذا القبيل. الثاني الدلائل الدالة على إمامة الأمير بكونه خليفة بالحق وإماما بالإطلاق في حين من الأحيان، وقد أقامها أيضا أهل السنة في مقابلة المذكورين المنكرين لإمامته، وما يستفاد منها إلا كون الأمير مستحقا للخلافة الراشدة بلا تعيين وقت ولا تنصيص باتصال زمانها بزمان النبوة أو انفصاله عنه. ولا ينبغي لأهل السنة أن يتصدوا لرد هذه الدلائل وجوابها فإنها عين مذهبهم. الثالث الدلائل الدالة على إمامته بلا فصل مع سلب استحقاق الإمامة عن غيره من الخلفاء الراشدين، وهذه الحقيقة مختصة بمذهب الشيعة، وهم منفردون باستخراجها، وهي مخدوشة المقدمات كلها، بحيث يكذب مقدماتها الثقلان: الكتاب والعترة. فنحن نذكر في هذه الرسالة بعضها من القسمين الأولين، ونبين القسم الأخير بالاستيعاب والاستيفتاء، وننبه فيها على منشأ الغلط وموقعه لتعلم حقيقة دلائلهم.

стр. 154

ولا يخفى أن مقدمات تلك الدلائل ومبادئها لا بد أن تكون مسلمة الثبوت عند أهل السنة، إذ الغرض من إقامتها إلزامهم، فعلى هذا إما أن تكون تلك الدلائل من آيات الكتاب والأحاديث المتفق عليها أو الدلائل العقلية المأخوذة من المقدمات المسلمة عند الفريقين، أو من مطاعن الخلفاء الثلاثة التي يوردونها. وأما المطاعن فسيأتي الكلام عليها في باب مفرد. أما الأيات فمنها قوله تعالى ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون﴾ تقرير استدلالهم بهذه الأية ما يقولون من أن أهل التفسير أجمعوا على نزولها في حق الأمير (١) إذ أعطى السائل خاتمه في حالة الركوع (٢) وكلمة (إنما) مفيدة للحصر، ولفظ (الولي) بمعنى المتصرف في الأمور. وظاهر أن المراد

стр. 155

ههنا التصرف العام في جميع المسلمين المساوي للإمام بقرينة ضم ولايته إلى ولاية الله ورسوله فثبتت امامته وانتفت إمامة غيره للحصر المستفاد وهو المدعى. (١) أجاب عنه أهل السنة بوجوه: الأول النقض بأن هذا الدليل كما يدل على نفي إمامة الأئمة المتقدمين كما قرر يدل كذلك على سلب الإمامة عن الأئمة المتأخرين بذلك التقرير بعينه، فلزم أن السبطين ومن بعدهما من الأئمة الأطهار لم يكونوا أئمة. فلو كان استدلال الشيعة هذا يصح لفسد تمسكهم بهذا الدليل، إذ لا يخفى أن حاصل هذا الاستدلال بما يفيد في مقابلة أهل السنة مبني على كلمة الحصر، والحصر كما يضر أهل السنة يكون مضرا للشيعة أيضا، لأن إمامة الأئمة المتقدمين والمتأخرين كلهم تبطل به البتة. ومذهب أهل السنة وإن بطل بذلك لكن مذهب أهل الشيعة ازداد في البطلان أكثر منه، فإن لأهل السنة نقصان الأئمة الثلاثة، وللشيعة نقصان أحد عشر إماما، ولم يبق إماما سوى الأمير. ولا يمكن أن يقال الحصر إضافي بالنسبة إلى من تقدمه، لأنا نقول: إن حصر ولاية من استجمع هذه الصفات لا يفيد إلا إذا كان حقيقيا، بل لا يصح لعدم استجماعها فيمن تأخر عنه كما لا يخفى. وإن أجابوا عن هذا النقص بأن المراد حصر الولاية في جنابه في بعض الأوقات - يعني في وقت إمامته لا وقت إمامة السبطين ومن بعدهما - قلنا فمذهبنا أيضا هذا أن الولاية العامة محصورة فيه وقت إمامته لا قبله وهو زمن خلافة الخلفاء الثلاثة. فإن قالوا إن الأمير لو لم يكن في عهد الخلفاء الثلاثة صاحب ولاية عامة يلزمه نقص بخلاف وقت إمامة السبطين فإنه لم يكن حيا لم تصر إمامة غيره موجبة للنقص في حقه، لأن الموت دافع لجميع الأحكام الدنيوية. قلنا: هذا استدلال آخر غير ما هو بالآية، لأن مبناه على مقدمتين: الأولى أن كون صاحب الولاية العامة في ولاية الآخر ولو في وقت من الأوقات نقص له، الثانية أن صاحب الولاية العامة لا يلحقه نقص بأى وجه وأي وقت كان. وهاتان المقدمتان أنى تفهمان من الآية؟ وتسمى هذه الصنعة في عرف المناظرة فرارا، بأن ينتقل من دليل إلى دليل آخر من غير انفصال المناقشة في مقدمات الدليل الأول فرارا أو إثباتا.

стр. 156

سلمنا وأغمضنا عن هذا الفرار أيضا، ولكن نقول: إن هذا الاستدلال أيضا منقوض بالسبطين، فإنهما في زمن ولاية الأمير لم يكونا مستقلين بالولاية بل كانا في ولاية الآخر وأيضا منقوض بالأمير فإنه في عهد النبي ﷺ كان كذلك، فلا نقض لصاحب الولاية العامة بكونه في بعض الأوقات في ولاية الآخر، ولو كان نقصا بالغرض للحق صاحب الولاية العامة أيضا فبطل الاستدلال الذي فروا إليه بجميع المقدمات. الجواب الثاني ذكره الشيخ إبراهيم الكردي (١) وغيره من أهل السنة أن ولاية الذين آمنوا غير مرادة في زمان الخطاب البتة بالإجماع، لأن زمن الخطاب عهد النبي ﷺ والإمامة نيابة للنبوة بعد موت النبي، فلما لم يكن زمن الخطاب مرادا لا بد أن يكون ما أريد به زمانا متأخرا عن موت النبي ﷺ ، ولا حد للتأخير سواء كان أربع سنين أو بعد أربع وعشرين، فقام هذا الدليل في غير محل النزاع ولم يحصل منه مدعى الشيعة وهو كون إمامة الأمير بلا فصل. وهذا بالنظر الإجمالي، وإن نظرنا في مقدمات هذا الدليل بالتفصيل منعنا أولا إجماع المفسرين على نزولها فيما قالوا، بل اختلف علماء التفسير في سبب نزول هذه الآية فروى أبو بكر النقاش (٢) صاحب التفسير المشهور عن محمد الباقر ﵇ أنها نزلت في المهاجرين والأنصار. وقال قائل نحن سمعنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب قال الإمام: هو منهم. (٣) يعني أن أمير المؤمنين داخل أيضا في المهاجرين والأنصار ومن جملتهم. وهذه الرواية أوفق بلفظ «الذين» وصيغ الجمع في صلات الموصول وهي: ﴿يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾. وروى جمع من المفسرين عن عكرمة أنها نزلت في شأن أبي بكر، ويؤيد هذا القول الآية السابقة الواردة في قتال المرتدين. وأما القول بنزولها في حق علي بن أبي طالب ورواية قصة السائل وتصدقه

стр. 157

بالخاتم في حالة الركوع فإنما هو الثعلبي فقط وهو متفرد به (١) ولا يعد المحدثون أهل السنة روايات الثعلبي قدر شعيرة، ولقبوه بحاطب ليل، فإنه لا يميز بين الرطب واليابس، وأكثر رواياته في التفسير عن الكلبي (٢) عن أبي صالح، (٣) وهي ما يروى في التفسير عندهم. (٤) وقال القاضي شمس الدين ابن خلكان (٥) في حال الكلبي: إنه كان من أتباع عبد الله بن سبأ الذي كان يقول إن علي بن أبي طالب لم يمت وإنه يرجع إلى الدنيا. وينتهي بعض روايات الثعلبي إلى محمد بن مروان السدى الصغير وهو كان رافضيا غاليا يعلمونه من سلسلة الكذب والوضع. وأورد صاحب (لباب التفسير) أنها نزلت في شأن عبادة بن الصامت إذ تبرأ من حلفائه الذين كانوا هودا على رغم عبد الله بن أبي وخلافه (٦) فإنه لم يتبرأ منهم ولم يترك حمايتهم وطلب الخير لهم. وهذا القول أنسب بسياق الآية فإن سياقها ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء﴾ لأن هذه الأية بعد تلك الآية. وقال جماعة من المفسرين إنها نزلت في حق عبد الله بن سلام. (٧) ونقول ثانيا: إن لفظ «الولي» (٨) تشترك فيه المعاني الكثيرة: المحب، والناصر، والصديق، والمتصرف في الأمر. ولا يمكن أن يراد من اللفظ المشترك معنى معين إلا بقرينة خارجة، والقرينة ههنا من السباق يعني ما سبق هذه الآية (٩) فهو مؤيد لمعنى الناصر، لأن الكلام في تقوية قلوب المؤمنين وتسليتها وإزالة الخوف عنها من المرتدين، والقرينة من السياق - يعني ما بعد هذه الآية - معينة لمعنى المحب والصديق وهو قوله تعالى

стр. 158

﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا﴾ الآية المذكورة، لأن أحدا لم يتخذ اليهود والنصارى والكفار أئمة لنفسه، وهم ما اتخذ بعضهم بعضا إماما، وكلمة «إنما» المفيدة للحصر تقتضي هذا المعنى أيضا لأن الحصر إنما يكون فيما يحتمل اعتقاد الشركة والتردد والنزاع من المظان، ولم يكن بالإجماع وقت نزول هذه الآية تردد ونزاع في الإمامة وولاية التصرف، بل كان في النصرة والمحبة. وثالثا إن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وهي قاعدة أصولية متفق عليها بين الفريقين، (١) فمفاد الآية حصر الولاية العامة لرجال معدودين داخل فيهم الأمير أيضا لأن صيغ الجمع وكلمة «الذين» من ألفاظ العموم أو مساوية لها باتفاق الإمامية كما ذكره المرتضى في (الذريعة) (٢) وابن المطهر الحلي في (النهاية)، فحمل الجمع على الواحد متعذر، وحمل العام على الخاص خلاف الأصل ولا يصح ارتكابه بلا ضرورة. فإن قالت الشيعة إن الضرورة متحققة ههنا إذ التصدق على السائل في حالة الركوع لم يقع من أحد غيره (٣) قلنا أين ذكرت في هذه الآية هذه القصة بحيث يكون مانعا من حمل الموصول وصلاته على العموم؟ بل جملة ﴿وهم راكعون﴾ معطوفة على الجمل السابقة، وصلة للموصول، أي الذين هم راكعون، أو حال من ضمير يقيمون الصلاة. (٤) وأيا ما كان معنى الركوع فهو الخشوع لا الركوع الاصطلاحي. فإن قالت الشيعة حمل الركوع على الخشوع حمل لفظ على غير المعنى الشرعي في كلام الشارع وهو خلاف الأصل، قلنا: لا نسلم، كيف والركوع بمعنى الخشوع مستعمل في القرآن أيضا كقوله تعالى ﴿واركعي مع الراكعين﴾ مع أن الركوع الاصطلاحي لم يكن بالإجماع في صلاة من قبلنا من أهل الشرائع، وقوله تعالى ﴿وخر راكعا﴾ وظاهر أن الركوع المصطلح ليس فيه خرور وسقوط بل هو انحناء مجرد ولا يمكن الخرور مع تلك الحالة بخلاف الخشوع. (٥) وقوله تعالى ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾، ولا يخفى أن المقصود من الآمر ليس مجرد الانحناء الذي هو ركوع اصطلاحي. ولما كان الخشوع معنى مجازيا متعارفا لهذا اللفظ جاز حمله عليه بلا ضرورة أيضا كما هو

стр. 159

مقرر في محله. (١) وأيضا نقول حمل ﴿يؤتون الزكاة﴾ علي تصدق بالخاتم على السائل كحمل لفظ الركوع على غير معناه الشرعي، فما هو جوابكم فيه فهو جوابنا في الركوع، بل ذكر الركوع بعد إقامة الصلاة مؤيد لنا ومرجح لتوجيهنا حتى لا يلزم التكرار، وذكر الزكاة بعد إقامة الصلاة مضر لكم إذ في عرف القرآن حيثما وقعت الزكاة مقرونة بالصلاة يكون المراد منها زكاة مفروضة لا التصدق مطلقا. (٢) ولو حملنا الركوع على معناه الحقيقي لكان مع ذلك حالا من ضمير «يقيمون» الصلاة أيضا وعاما لجميع المؤمنين لأنه احتراز عن صلاة اليهود الخالية عن الركوع، (٣) وفي هذا التوجيه غاية اللصوق بالنهي عن موالاة اليهود الوارد بعد هذه الآية. وأيضا لو كان حالا من ﴿يؤتون الزكاة﴾ لما بقي صفة مدح، بل يوجب في مفهوم ﴿يقيمون الصلاة﴾ قصورا بينا، إذ المدح والفضيلة في صلاة كونها خالية عما لا يتعلق بها من الحركات، لأن مبناه على السكون والوقار سواء كانت تلك الحركات قليلة أو كثيرة، غاية الأمر أن الكثيرة مفسدة للصلاة دون القليلة ولكن تورث قصورا في معنى إقامة الصلاة البتة، ولا يجوز حمل كلام الله تعالى على التناقض والتخالف، ومع هذا لا دخل لهذا القيد بالإجماع لا طردا ولا عكسا في صحة الإمامة، فيتعلق حكم الإمامة بهذا القيد يلزم منه اللغو في كلام الباري تعالى كما يقال مثلا إنما يليق بالسلطنة من بينكم من له ثوب أحمر. ولو تنزلنا عن هذه كلها لقلنا: إن هذه الآية إن كانت دليلا لحصر الإمامة في الأمير تعارضها الآيات الأخر في ذلك، فيجب الاعتداد بها، كما يجب على الشيعة أيضا اعتبار تلك المعارضات في إثبات الأئمة الأطهار الآخرين، والدليل إنما يتمسك به غذ سلم عن المعارض، وتلك الآيات المعارضات هي الآيات الناصة على خلافة الخلفاء الثلاثة المحررة فيما سبق. ومن العجائب أن صاحب (إظهار الحق) قد أبلغ سعيه الغاية القصوى في تصحيح هذا الاستدلال بزعمه، وليست كلماته في هذا المقام إلا قشورا بلا لب بالمرة، فمن جملة ما قال: إن الأمر بمحبة الله ورسوله يكون بطريق الوجوب والحتم

стр. 160

لا محالة، فالأمر بمحبة المؤمنين وولايتهم المتصفين بتلك الصفات المذكورة أيضا بطريق الوجوب، إذ الحكم في كلام واحد موضوعه متحدا ومحموله متحدا أو متعددا ومتعاطفا فيما بينهما، لا يمكن أن يكون بعضه واجبا وبعضه مندوبا، إذ لا يجوز أخذ اللفظ في استعمال واحد بالمعنيين، فبهذا المقتضى تصير مودة المؤمنين وولايتهم المتصفين بتلك الصفات واجبة أيضا، وتكون مودتهم ثالثة لمودة الله ورسوله الواجبة على الإطلاق بدون قيد وجهة، فلو أخذ أن المراد بالمؤمنين المذكورين كافة المسلمين وكل الأمة باعتبار أن من شأنهم الاتصاف بتلك الصفات لا يصح، لأن معرفة كل منهم يكون متعذرا لكل واحد من المكلفين فضلا عن مودتهم، وأيضا قد تكون المعاداة لمؤمن بسبب من الأسباب مباحة بل واجبة. فالمراد به يكون المرتضى، انتهى كلامه. وهو كما ترى يدل على مقدار فهم مدعيه، إذ مع تسليم مقدماته أين اللزوم بين الدليل والمدعى؟ وأي استلزام له بالمطلوب؟ لأن الحاصل على تقدير تعذر مودة الكل ثبوت مودة البعض مطلقا لا معينا، فكيف يتعين أن يكون الأمير مرادا بذلك البعض؟ لأن هذا التعيين وهو المتنازع فيه لم يثبت بعد بدليل، ولا يثبت بهذه المقدمات المذكورة بالضرورة، وثبوت ذلك لا يستلزم ثبوت المتعين، فاستنتاج المتعين بدليل منتج للمطلق لا يكون إلا جهلا وحماقة ظاهرة. نعم يريدون بهذه الترهات ترويج دعاويهم عند الجهلة السفهاء، ولنناقش تلك المقدمات فنقول: لا يخفى على من له أدنى تأمل أن موالاة جميع المؤمنين من جهة الإيمان عامة بلا قيد ولا جهة، وإنها في الحقيقة موالاة لإيمانهم دون ذواتهم، ولو أنه يباح أو يجب عداوة بعض لبعض بسبب من الأسباب لم يكن للموالاة الإيمانية مضرة أصلا لاختلاف الجهة. ونحن نحكّم الشيعة في هذه المسألة: إن أهل مذهبهم يتحابون فيما بينهم بجهة التشيع، وتلك المحبة عامة بدون

стр. 161

قيد وجهة، ومع هذا قد يتباغضون ويعادي بعضهم بعضا للمعاملات الدنيوية، فهل تبقى موالاة التشيع بحالها أو لا؟ ولو فهموا من هذه الآية كون هذا المعنى محذورا ومحالا لأمكن لهم أن يغمضوا أعينهم عن القرآن كله، وما يقولون في هذه الآية ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله﴾ وأمثالها؟ ولو كانت الموالاة الإيمانية لجميع المؤمنين العامة للمطيع والعاصي ثالثة لمحبة الله ولرسوله فأية استحالة عقلية تلزمها؟ نعم إنما المحذور كون أنواع الموالاة الثلاثة في مرتبة واحدة في الاصالة، وليس الأمر كذلك، إذ محبة الله تعالى هي أصل، ومحبة رسوله بالتبع والمحبة العامة للمؤمنين بتبع التبع، لم يبق بينها مساواة أصلا، واتحاد القضية في الموضوع والمحمول ههنا ليس متحققا، أما عدم الاتحاد في المحمول فظاهر، وأما في الموضوع فلأن ما يصدق عليه وصفه بالأصالة غير ما يصدق عليه وصفه بالتبعية بناء على أن الولاية من الأمور العامة، كما بين آنفا، بل غرضه منه ترهيب عوام أهل السنة بمحض التكلم باصطلاح أهل الميزان (١) لئلا يقدحوا في كلامه وليتحترزوا عن القدح بظن أنه منطقي، ولهذا قال هو متنبها على قبحه «أو متعددا ومتعاطفا» ولكن لم يفهم من هذا القدر أن هذه المقدمة القائلة بوجوب المولاة في صورة التعدد والعطف تكون ممنوعة، لأن العطف موجب للتشريك في الحكم لا في جهة الحكم. مثاله من العقليات: إنما الموجود في الخارج الواجب والجوهر والعرض. ومن الشرعيات قوله تعالى ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾ مع أن الدعوى على الرسول واجبة وعلى غيره مندوبة ولهذا قال الأصوليون: القرآن في النظم لا يوجب القرآن في الحكم، وعدوا هذا النوع من الاستدلال في المسالك المردودة. وإن تنزلنا عن هذا أيضا فالأظهر أن اتحاد نفس وجوب المحبة ليس محذورا وإنما المحذور الاتحاد في الرتبة والدرجة في الأصالة والتبعية وهو غير لازم. وأيضا قد جعل محبة المؤمنين من حيث الإيمان موقوفة على معرفة كل

стр. 162

فرد منهم بخصوصه وليست كل كثرة تمنع أن تلاحظ بعنوان الوحدة ولو كانت غير متناهية فضلا عن غيرها. مثلا إذا قلنا: كل عدد هو نصف مجموع حاشيتيه إما فرد وإما زوج ففي هذا الحكم وقع التوجه إلى جميع مراتب الأعداد إجمالا ولا شبهة أن مراتبها غير متناهية. وفي قولنا: كل حيوان حساس وقع الحكم على جميع أفراد الحيوان مع أن أنواعه بأسرها غير معلومة لنا فضلا عن الأوصاف والأشخاص. فلا شعور لهذا القائل بالملاحظة الإجمالية التي تكون حاصلة للصبيان والعوام ولا يفرق بين العنوان والمعنون. ولو لم يقبل هذه التقريرات ولم يضع إليها لكونها من العلم المعقول فنسأل عن المسلمات الدينية ونقول: إن ترك الموالاة من الكفار بل عداوتهم كلهم أجمعين من حيث الكفر واجبة أم لا؟ فإن اختار الشق الأول يلزمه ذلك المحذور بعينه إذ معرفة كل منهم غير حاصلة فضلا عن عداوتهم وإن آثر الشق الثاني فكيف يثبت عداوة يزيد وابن زياد وأمثالهما؟ وبماذا يجيب عن الآيات القرآنية مع أن فرقة المؤمنين يكون معرفتهم وامتيازهم من جهة الإيمان حاصلة وأنواع الكفر ليست معلومة أصلا حتى يمكن لنا أن نميز أنواع الكفار فضلا عن أشخاصهم؟ وأيضا منقوض بوجوب موالاة العلوية الداخلة في اعتقادهم ومعرفة أشخاصهم وأعدادهم مع انتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها التي ليس تعذرها أقل من تعذر موالاة المؤمنين عموما. ومن جملة ما قال إنه يظهر من بعض أحاديث أهل السنة أن بعض الصحابة التمسوا من الرسول ﷺ الاستخلاف كما ذكر في مشكاة المصابيح عن حذيفة قال: «قالوا يا رسول الله لو استخلفت؟ قال: لو استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه وما أقرأ كم عبد الله فاقرأوه» (١) رواه الترمذي. وهكذا استفسروا منه ﵇ عن الحري بالإمامة عن علي قال: «قيل يا رسول الله من يؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا في الدنيا راغبا في الآخرة وإن تؤمروا عمر تجدوه قويا أمينا لا يخاف في الله لومة لائم وإن تؤمروا عليا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الصراط المستقيم» (٢) رواه أحمد، وهذا الالتماس والاستفسار يقتضي كل منهما وقوع التردد في حضرته ﷺ عند نزول الآية فلم يبطل مدلول «إنما» انتهى كلامه. ولا يخفى على

стр. 163

العاقل ما فيه من الضعف والخروج عن الجادة إذ محض السؤال والاستفسار لا يقتضي وقوع التردد. نعم لو وقع النزاع فيما بينهم بعد المشاورة في تعيين ولي الأمر وبيانه ﷺ لهم لتحقق مدلول «إنما» بأن ما وفرق ما بينهما. وعلى تقدير تسليم التردد من أين لنا العلم بكونه قبل نزول الآية أو بعده، ولو كان قبل النزول فهل هو متصل أو منفصل؟ ولو كان متصلا فهل اتصاله اتفاقي أو سببي للنزول؟ وليس للاحتمالات دخل في أسباب النزول لأنه ليس بأمر عقلي فلا يمكن إثباته إلا بخبر صحيح. على أنه لم يذكر أحد من مفسري الفريقين كون التردد سببا للنزول فقد علم أنه لم يكن متصلا وهكذا الحال لو كان بعد نزول الآية. والظاهر أن الحديث الوارد ينافي كلمة «إنما» لأن جوابه ﷺ حين الاستفسار عمن يليق للخلافة فكأنه قال إن استحقاق الخلافة ثابت لكل من هؤلاء الثلاثة البررة الكرام ولكن أشار ﷺ إلى تقديم الشيخين بتقديمهما في الذكر فالسؤال والجواب منه ﷺ ينافيان كون «إنما» في الآية مفيدة حصر الخلافة في المرتضى كرم الله تعالى وجهه. وإلا فإن كانت الآية متقدمة يلزم الرسول للقرآن وإن كانت مؤخرة كون القرآن مكذوبا للرسول ﷺ ولا يمكن أن يدعى ههنا أن أحدهما ناسخ للآخر لأن كلا من الحديث والآية من باب الإخبار الذي لا يحتمل النسخ. وأيضا لا يعلم المتقدم منهما والعلم بتأخر الناسخ شرط في النسخ. فحينئذ إذا لم يمكن الجمع بينهما لا يعمل بهما معا. فإن قالوا إن الحديث من أخبار الآحاد فلا يصح التمسك به في مسألة الإمامة نقول وكذلك لا يجوز التمسك به في إثبات التردد والنزاع أيضا ومع هذا فإن التمسك بالآية موقوف على ثبوت التردد والنزاع فتمسك الشيعة بهذه الآية كان باطلا أيضا لأن التمسك بالآية التي تتوقف دلالتها على خبر الواحد لا يجوز في مسألة الإمامة أيضا. وأيضا قال ﷺ في الحديث الأول إن الاستخلاف ترك الأصلح في حق الأمة فلو كانت آية ﴿إنما وليكم الله﴾ دالة على الاستخلاف الذي هو ترك الأصلح لزم صدور ترك الأصلح من الله تعالى وهو محال. فالحديث الأول أيضا لتمسكهم بهذه الآية في هذا الباب.

стр. 164

ومنها (١) قوله تعالى ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ قالت الشيعة في تقرير الاستدلال بهذه الآية: إن المفسرين أجمعوا على نزول هذه الآية في حق علي وفاطمة والحسن والحسين - رضي الله تعالى عنهم - وهي تدل عل عصمتهم دلالة مؤكدة، وغير المعصوم لا يكون إماما. (٢) ولا يخفى أن المقدمات المذكورة ههنا مخدوشة كلها: أما الأولى: - فكون (إجماع المفسرين) على ذلك ممنوعا روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنها نزلت في نساء النبي ﷺ . وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق: إن قوله تعالى ﴿إنما يريد الله ليذهب﴾ الآية نزلت في نساء النبي ﷺ . (٣) والظاهر من ملاحظة سياق الآية وسباقها إنما هو هذا لأن أولها ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء﴾ إلى قوله ﴿والحكمة﴾ (٤) خطاب للأزواج المطهرات وأمر ونهي لهن، فذكر حال الآخرين بجملة معترضة بلا قرينة ولا رعاية نكتة ومن غير تنبيه على انقطاع كلام سابق وافتتاح كلام جديد مخالف لوظيفة البلاغة التي هي أقصى الغاية في كلام الله تعالى فينبغي أن يعتقد تنزهه عن تلك المخالفة. وإضافة البيوت إلى الأزواج في قوله ﴿بيوتكن﴾ تدل على أن المراد من ﴿أهل البيت﴾ في هذه الآية إنما هو الأزواج المطهرات، إذ بيته ﷺ لا يمكن أن يكون غير ما يسكن فيه أزواجه من البيوت. وقال عبد الله المشهدي الشيعي: إن كون البيوت جمعا في بيوتكن وإفراد أهل البيت يدل على أن بيوتهن غير بيت النبي ﷺ ولو كن أهل البيت لوقع الكلام: اذكرن ما يتلى في بيتكن. انتهى كلامه. ولا يخفى ركاكة هذا الكلام وفساده لأن إفراد البيت في أهل البيت الذي هو اسم جنس ويجوز إطلاقه على كثير وقليل إنما هو باعتبار إضافته للنبي ﷺ فإن بيوت الأزواج المطهرات كلهن باعتبار

стр. 165

هذه الإضافة بيت واحد وكون البيوت جمعا في ﴿بيوتكن﴾ باعتبار إضافتها إلى الأزواج المطهرات اللائي كن متعددات. وما قال هذا القائل بعد ذلك لا يبعد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل وإن طال كما وقع قوله تعالى ﴿قال أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل﴾ ثم قال بعد تمام هذه الآية ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ قال المفسرون ﴿وأقيموا الصلاة﴾ عطف على ﴿أطيعوا﴾ انتهى كلامه. فهو أرك وأسخف من كلامه السابق فإن وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بأجنبي من حيث الإعراب الذي يتعلق بوظيفة النحاة يجوز بلا شبهة ولكن لا يضرنا لأن المغايرة ووقوع الأجنبي باعتبار موارد الآيات اللاحقة والسابقة تلزم فيما نحن فيه وهذا هو المنافي للبلاغة لا ذلك وما نقل عن بعض المفسرين من أن أقيموا الصلاة معطوف على أطيعوا الرسول فهو صريح الفساد إذ وقع لفظ وأطيعوا الرسول بعد أقيموا الصلاة أيضا بالعطف فلزم عطف الشيء على نفسه، إذ لا احتمال للتأكيد أصلا لوجود حرف العطف. ثم قال كلاما أشد ركاكة من الأول وذلك قوله «إن بين الآيات مغايرة إنشائية وخبرية، لأن آية التطهير جملة ندائية وخبرية وما قبلها وما بعدها من الأمر والنهي جمل إنشائية وعطف الإنشائية على الخبرية لا يجئ فإنه ممنوع» ألا ترى أن آية التطهير ليست جملة ندائية بل النداء وقع بينهما وهو قوله سبحانه ﴿أهل البيت﴾ وعلى تقدير كونها ندائية كيف تكون خبرية لأن النداء من أقسام الإنشاء دون الخبر كما لا يخفى، ومع هذا أين حرف العطف في آية التطهير؟ كيف وهي تعليل للأمر بالإطاعة في قوله تعالى ﴿وأطعن الله ورسوله﴾ ووقوع تعليل الإنشائية بالخبرية في كل القرآن والأحاديث الشريفة وكلام البلغاء مشهور، مثل: اضرب زيدا إنه فاسق، أطعني يا غلام إنما أريد أكرمك. وإن أراد عطف ﴿واذكرن﴾ فما عطف عليه وهو ﴿أطعن﴾ و ﴿قرن﴾. والأوامر الأخر السابقة كلها جمل إنشائية فلا يلزم عطف الخبر على الإنشائية. ومن هنا قلة ممارسة علمائهم لعلم العربية. وأما إيراد ضمير جمع المذكر في ﴿عنكم﴾ فبملاحظة لفظ الأهل، فإن العرب تستعمل صيغ التذكير في المؤنث التي يلاحظونها بلفظ التذكير إذا أرادوا التعبير عنها بتلك

стр. 166

الملاحظة وهذه قاعدة لهم في محاوراتهم وقد جاء هذا الاستعمال في التنزيل أيضا كقوله تعالى خطابا لسارة امرأة الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾ وقوله ﴿قال لأهله امكثوا﴾ حكاية لخطاب موسى ﷺ لامرأته. وما روي في سنن الترمذي والصحاح الأخر أن النبي ﷺ دعا هؤلاء الأربعة وأدخلهم في عباءة ودعا لهم بقوله «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» وقالت أم سلمة: أشركني فيهم أيضا، قال «أنت على خير وأنت على مكانك». (١) فهو دليل صريح على أن نزولها كان في حق الأزواج فقط وقد أدخل النبي ﷺ هؤلاء الأربعة - رضي الله تعالى عنهم - بدعائه المبارك في تلك الكرامة ولو كان نزولها في حقهم لما كانت الحاجة إلى الدعاء، ولم كان رسول الله ﷺ يفعل تحصيل الحاصل؟ ومن ثمة يجعل أم سلمة شريكة في هذا الدعاء وعلم في حقها هذا الدعاء تحصيل الحاصل؟ ولكن ذهب محققو أهل السنة إلى أن هذه الآية وإن كانت واقعة في حق الأزواج المطهرات فإنه بحكم «العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب» (٢) داخل في بشارتها هذه جميع أهل البيت وكان دعاؤه ﷺ في حق هؤلاء الأربعة نظرا إلى خصوص السبب، (٣) ويؤيده ما ورد في الرواية الصحيحة للإمام البيهقي من مثل هذه المعاملة بالعباس وأبنائه أيضا، ويفهم منه أنما كان غرضه ﷺ بذلك أن يدخل جميع أقاربه في لفظة «أهل البيت» الواردة في خطاب الله تعالى: أخرج البيهقي عن أبي أسيد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب «يا أبا الفضل لا ترم منزلك أنت وبنوك غدا حتى آتيك فإن لي بكم حاجة» فانتظروه حتى جاء بعد ما أضحى فدخل عليهم فقال: السلام عليكم فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. قال: كيف أصبحتم؟ قالوا: بخير نحمد الله. فقال لهم: تقاربوا. فزحف بعضهم إلى بعض حتى إذا أمكنوا اشتمل عليهم بملاءة ثم قال «يا رب هذا عمي وصنو أبي وهؤلاء أهل بيتي استرهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه» قال فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت وقالت: آمين آمين آمين. (٤) وروى ابن ماجه أيضا هذا الحديث مختصرا. (٥) والمحدثون الآخرون أيضا

стр. 167

رووا هذه القصة بطرق متعددة في اعلام النبوة. وما قال عبد الله المشهدي المذكور «إن البيت بيت النبوة، ولا شك في أن أهل البيت لغة شامل الأزواج بل للخدام من الإماء اللاتي يسكن في البيت أيضا، وليس المراد هذا المعنى اللغوي الوسعة بالاتفاق، فالمراد من أهل البيت خمسة آل العبا الذين خصصهم حديث الكساء» انتهى كلامه. وفيه أن المعنى اللغوي لو كان مرادا بهذه الوسعة لا يلزم محذورا إلا ذلك العموم في العصمة الثابتة عند الشيعة بهذه الآية، ولما لم يتفق أهل السنة مع الشيعة في فهم العصمة من هذه الآية لم يتفقوا معهم في نفي هذا العموم، ولتخصيص أهل السنة العصمة بالرسول أبدلت الخمسة بالأربعة فتدبر. وأيضا عدم كون المعنى اللغوي مرادا بهذه الوسعة من أجل أن القرائن الدالة من الآيات السابقة واللاحقة معينة للمراد، وأيضا يخصص العقل هذا اللفظ باعتبار العرف والعادة بمن يسكنون في البيت لا بقصد الانتقال، ولم يكن التحول والتبدل والتحول بانتقالهم من ملك إلى ملك في الهبة والبيع والإجازة والإعتاق، وإنما يدل التخصيص فائدة أخرى ظاهرة وهي ههنا دفع مظنة عدم كون هؤلاء الأشخاص في أهل البيت نظرا إلى أن المخاطبات فيها هن الأزواج فقط. وأما الثانية فلأن دلالة هذه الآية على العصمة مبنية على عدة أبحاث: أحدها كون كلمة ﴿ليذهب عنكم الرجس﴾ أي محل لها من الأعراب: مفعول له ليريد أو مفعول به؟ (١) الثاني معنى «أهل البيت» ما هو؟ (٢) الثالث أي مراد من «الرجس» (٣). وفي هذه المباحث كلام كثير محله في كتب التفاسير. وبعد اللتيا (٤) والتي إن كان ليذهب مفعول به وأهل البيت منحصرين في هؤلاء الأربعة والمراد من الرجس مطلق الذنوب فدلالة الآية على العصمة غير مسلمة بل هي تدل على عدمها إذ لا يقال في حق من هو طاهر إني أريد أن أطهره ضرورة امتناع تحصيل الحاصل. وغاية ما في الباب أنهم محفوظون من الذنوب بعد تعليق الإرادة بإذهابها، قد ثبت ذلك بالآية على أصول أهل السنة لا على أصول مذهب الشيعة، لأن وقوع مراد الله لزم إرادته تعالى عندهم: فرب أشياء يريد الله

стр. 168

وقوعها ويمنعه الشيطان من أن يوقع ذلك! ولو كانت إفادة معنى العصمة مقصودة لقيل هكذا: إن الله أذهب عنكم الرجس أهل البيت، الآية. وأيضا لو كانت هذه الكلمة مفيدة للعصمة ينبغي أن يكون الصحابة لا سيما الحاضرين في غزوة بدر قاطبة معصومين لأن الله تعالى قال في حقهم في مواضع من التنزيل ﴿ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ وقال ﴿ليطهركم به وليذهب عنكم رجس الشيطان﴾ وظاهر أن إتمام النعمة في الصحابة كرامة زائدة بالنسبة إلى ذينك اللفظين، ووقوع هذا الاتمام أدل على عصمتهم، لأن إتمام النعمة لا يتصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان. فليتأمل فيه تأملا صادقا لتظهر فيه حقيقة الملازمة وبيان وجهها وبطلان اللازم مع فرض صدق المقدم، فالتخصيصات المحتملة في لفظ التطهير وإذهاب الرجس صارت هباءً منثورا. أما الثانية فلأن «غير المعصوم لا يكون إماما» مقدمة باطلة يكذبها الكتاب وأقوال العترة. سلمنا، ولكن ثبت من هذا الدليل صحة إمامة الأمير، أما كونه إماما بلا فصل (١) فمن أين؟ إذ يجوز أن أحدا من السبطين يكون إماما قبله ولا محذور فيه، والتمسك بالقاعدة التي لم يقل بها أحد دليل العجز، إذ المعترض لا مذهب له. ومنها (٢) قوله تعالى ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ فإنها لما نزلت قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجب علينا مؤدتهم؟ قال: علي وفاطمة وأبناؤها. (٣) فذكر الشيعة في تقديرها مقدمات فاسدة مؤيدة لمطلبهم وهي «أهل البيت واجبة المحبة، وكل من كان كذلك فهو واجب الإطاعة، فعلي واجب الإطاعة وهو معنى الإمام. وغير علي لا تجب فلا تجب إطاعته». (٤) وأجيب عن هذا القياس الفاسد بأن المفسرين اختلفوا في المراد من هذه الآية اختلافا فاحشا، فالطبراني والإمام أحمد رويا عن ابن عباس هكذا، ولكن ردهما المحدثون بأن سورة الشورى بتمامها مكية، (٥) ولم يكن هنالك الإمامان الحسن والحسين، وما كانت فاطمة - رضي الله تعالى عنها - متزوجة بعلي - رضي الله تعالى عنه -. وقد وقع في سند هذه الرواية بعض الغلاة من الشيعة ولعله حرف ذلك. والذي رواه البخاري عن ابن عباس أن

стр. 169

القربى من بينه وبين النبي ﷺ قرابة، وجزم قتادة (١) والسدي الكبير وسعيد بن جبير بأن معنى الآية: لا أسألكم على الدعوة والتبليغ من أجر إلا المودة لأجل قرابتي بكم. (٢) وهذه الرواية أيضا في صحيح البخاري عن ابن عباس، (٣) ومذكورة بالتفصيل أن قريشا لم يكن بطن من بطونهم إلا وقد كان للنبي ﷺ قرابة بهم، فيذكرهم تلك القرابة وأداء حقوقها بطلبه منهم لا أقل من ترك إيذائه وهو أدنى مراتب صلة الرحم، فالاستثناء منقطع. وقد ارتضى جمع من المفسرين المتأخرين كالإمام الرازي وغيره بهذا المعنى. (٤) لأن المعنى الأول ليس مناسبا لشأن النبوة بل هو من شيمة طالب الدنيا بأن يفعل شيئا ويسأل على ذلك ثمرة لأولاده وأقاربه، ولو كان للأنبياء مثل هذه الأغراض لم يبق فرق بينهم وبين أهل الدنيا ويكون ذلك موجبا لتهمتهم فيلزم نقص الغرض من بعثتهم. وأيضا المعنى الأول مناف لقوله تعالى ﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله﴾ وقوله تعالى ﴿أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون﴾ وقوله تعالى ﴿وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ وغير ذلك من الآيات. (٥) وأيضا حكى الله في سورة الشعراء عن أنبيائه المذكورين فيها نفي سؤال الأجر، فلو سأل خاتم الأنبياء أجرا من الأمة تكون مرتبته دون مرتبة أولئك الأنبياء، (٦) وهو خلاف الإجماع. وثانيا لا نسلم الكبرى وهي «كل واجب المحبة فهو واجب الإطاعة» وكذا لا نسلم هذه المقدمة «كل واجب الإطاعة صاحب الإمامة التي هي بمعنى الرئاسة العامة». فأما الأول فلأنه لو كان وجوب المحبة مستلزما لوجوب الإطاعة يلزم أن يكون جميع العلويين واجبي الإطاعة، لأن شيخهم ابن بابويه ذكر في كتاب (الاعتقادات) أن الإمامية «أجمعوا» على وجوب محبة العلوية. وأيضا يلزم أن تكون سيدتنا فاطمة ﵂ إمامة بهذا الدليل، وهو خلاف الإجماع. وأيضا يلزم كون من هؤلاء الأربعة إماما في عهد النبي ﷺ ، والسبطين إمامين في زمن خلافة الأمير، وهو باطل بالاتفاق. وأما الثاني فلأن كل واجب الإطاعة لو كان صاحب الخلافة الكبرى يلزم أن يكون كل نبي في زمنه صاحب الخلافة الكبرى، وهذا أيضا باطل، لأن شموئيل ﵇ كان نبيا واجب الإطاعة وكان طالوت صاحب الزعامة الكبرى بنص الكتاب. وثالثا لا نسلم انحصار وجوب المحبة في الأشخاص

стр. 170

الأربعة المذكورين، بل يجب في غيرهم أيضا. روى الحافظ أبو طاهر السلفي (١) في مشيخته عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «حب أبي بكر وشكره على كل أمتي». وروى ابن عساكر عنه نحوه. (٢) ومن طريق آخر عن سهل بن سعد الساعدي نحوه. (٣) وأخرج الحافظ عن عمر بن محمد بن خضر الملا في سيرته عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى فرض عليكم حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، كما فرض عليكم الصلاة والزكاة والصوم والحج» (٤) وروى ابن عدي عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال «حب أبي بكر وعمر من الإيمان وبغضهما كفر» (٥) وروى الترمذي أنه أتي بجنازة رجل إلى رسول الله ﷺ فلم يصل عليه وقال «إنه كان يبغض عثمان، فأبغضه الله». (٦) وهذه الروايات لم يسلمها الشيعة لكونها في كتب أهل السنة فيثبت وجوب محبة الخلفاء الثلاثة بقوله تعالى ﴿يحبهم ويحبونه﴾ فإنه نزل في حق المقاتلين لأهل الردة بالإجماع، والخلفاء الثلاثة كانوا سادة أولئك المجاهدين وقادتهم، ومن كان الله يحبه فهو واجب المحبة. على أن قياسهم بعد تسليم صحة مقدماته لا يستلزم النتيجة المذكورة جزما، لأن صغراه «أهل البيت واجبو المحبة» وكبراه «وكل واجب المحبة واجب الإطاعة» وبعد ترتيبها على الشكل الأول حصلت النتيجة هذه «أهل البيت واجبو الإطاعة» لا تلك النتيجة. وهذه النتيجة عامة، وثبوت العام لا يستلزم ثبوت الخاص بخصوصه، والنتيجة العامة المذكورة ليست مطلوبة للمستدل ولا مدعاة بل محتملة له، والمطلوبة غير حاصلة من الدليل فالتقريب غير تام. ولو فرضنا الاستلزام لا يحصل مدعاه أيضا لأن كون الأمير إماما بلا فصل غير حاصل من الدليل، والحاصل كونه إماما مطلقا وهو غير مدعاه فلا يتم تقريبه أيضا. ومنها آية المباهلة، وطريق تمسكهم بها أن قوله تعالى ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم﴾ الخ، لما نزل خرج النبي ﷺ من منزله محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشى خلفه وعلي خلفها وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمّنوا. (٧) فقد علم بذلك أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين وبأنفسنا الأمير، وإذا صار الأمير نفس الرسول. وظاهر أن المعنى الحقيقي مستحيل، فالمراد كونه مساويا له، فمن كان مساويا لنبي الزمان فهو أفضل وأولى بالتصرف بالضرورة من غيره، لأن المساوي للأفضل

стр. 171

الأولى بالتصرف يكون مثله، فيكون إماما، إذ لا معنى للإمام إلا الأفضل الأولى بالتصرف. (١) وفي هذا التمسك خلل بوجوه: الأول - أنا لا نسلم أن المراد بأنفسنا الأمير، بل المراد نفسه ﷺ ، وما قاله علماؤهم في إبطاله «إن الشخص لا يدعو نفسه» فكلام مستهجن، إذ شاع وذاع في العرف القديم والجديد أن يقال دعته نفسه إلى كذا، ودعوت نفسي إلى كذا، ﴿فطوعت له نفسه قتل أخيه﴾، وأمرت نفسي، وشاورت نفسي، إلى غير ذلك من الاستعمالات الصحيحة الواقعة في كلام البلغاء، فكان معنى ﴿ندع أنفسنا﴾ نحضر أنفسنا. وأيضا لو قررنا الأمير من قبل النبي لمصداق ﴿أنفسنا﴾ فمن نقرره من قبل الكفار لمصداق ﴿أنفسكم﴾ في أنفس الكفار مع أنهم مشتركون في صيغة «ندعو» ولا معنى لدعوة النبي إياهم وأبناءهم بعد قوله ﴿تعالوا﴾. فعلم أن الأمير داخل في الأبناء حكما، كما أن الحسنين داخلان في الأبناء كذلك لأنهما ليسا بابنين حقيقة، ولأن العرف يعد الختن [ابنا] (٢) من غير ريبة في ذلك. (٣) وأيضا قد جاء لفظ النفس بمعنى القريب والشريك في النسب والدين، كقوله تعالى ﴿يخرجون أنفسهم من ديارهم﴾ أي أهل دينهم، ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾، ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا﴾ فلما كان للأمير اتصال بالنبي ﷺ وسلم في النسب والقرابة والمصاهرة واتحاد في الدين والملة وكثرة المعاشرة والألفة بحيث قال في حقه «علي مني وأنا من علي» وهذا غير بعيد، فلا يلزم المساواة كما لا يلزم في الآيات المذكورة. الثاني - أنه لو كان المراد مساواته في جميع الصفات يلزم اشتراكه في خصائص النبوة وغيرها من الأحكام الخاصة به، وهو باطل بالإجماع لأن التابع دون المتبوع. وأيضا لو كانت الآية دليلا لإمامته لزم كون الأمير إماما في زمنه ﷺ وهو باطل بالاتفاق، وإن قيدوا بوقت دون وقت فالتقييد لا دليل عليه في اللفظ فلا يكون مفيدا للمدعى، إذ هو غير متنازع فيه، لأن أهل السنة يثبتون أيضا إمامة الأمير في وقت دون وقت فلم يكن هذا الدليل قائما في محل النزاع أيضا.

стр. 172

ومنها قوله تعالى ﴿إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ قالت الشيعة في تقرير الاستدلال بها: ورد في الخبر المتفق عليه عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال «أنا المنذر وعلي الهادى» (١) ولا يخفى ضعفه لأن هذه رواية الثعلبي، ولا اعتبار لمراوياته في التفسير (٢) فكيف يستدل بها على الإمامة؟ وعلى تقدير الصحة فلا دلالة لهذه الآية على إمامة الأمير ونفيها عن غيره أصلا، لأن كون رجل «هاديا» لا يستلزم أن يكون «إماما» ولا نفي الهداية عن الغير، وإن دل بمجرد الهداية على الإمامة تكون الإمامة المصطلحة لأهل السنة وهي بمعنى القدوة في الدين مرادة، وهو غير محل النزاع، قال الله تعالى ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا﴾ (٣) وقال ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ إلى غير ذلك. ومنها قوله تعالى ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾ قالت الشيعة (٤) في الاستدلال بها: روى عن أبي سعيد الخدري مرفوعا أنه قال: وقفوهم إنهم مسئولون عن ولاية علي بن أبي طالب. (٥) ولا يخفى أن نحو هذا التمسك في الحقيقة بالروايات لا بالآيات، وهذه الرواية واقعة في فردوس الديلمي (٦) الجامع للأحاديث الضعيفة الواهية، ومع هذا قد وقع سندها الضعفاء والمجاهيل الكثيرون بحيث سقطت عن قابلية الاحتجاج بها، لا سيما في هذه المطالب الأصولية. ومع هذا فإن نظم الكتاب مكذب لها، لإن هذا الحكم في حق المشتركين بدليل ﴿وما كانوا يعبدون من دون الله﴾ والكفار والمشركون يكون السؤال لهم أولا عن الشرك وعبادة غير الله تعالى لا عن ولاية علي! وأيضا نظم الكتاب يدل على أن السؤال يكون لهم بمضمون

стр. 173

هذه الجملة الاستفهامية ﴿ما لكم لا تناصرون﴾ توبيخا وزجرا لا عن شيء آخر. ولهذا أجمع القراء على ترك الوقف على ﴿مسئولون﴾. ولئن سلمنا صحة الرواية وفك النظم القرآني يكون المراد بالولاية المحبة، وهي لا تدل على الزعامة الكبرى التي هي محل النزاع. ولو كانت الزعامة الكبرى مرادة أيضا لم تكن هذه الرواية مفيدة للمدعى، لأن مفاد الآية وجوب اعتقاد إمامة الأمير في وقت من الأوقات وهو عين مذهب أهل السنة، وقد أورد الواحدي في تفسيره هذه الرواية وفيها المتن هكذا عن ولاية علي وأهل البيت، وظاهر أن جميع أهل البيت لم يكونوا أئمة عند الشيعة،، فتعين حمل الولاية على المحبة إذ الولاية لفظ مشترك ويتعين أحد المعنيين أو المعاني للمشترك بالقرائن الخارجية، وبالجملة إن السؤال عن محبة الأمير وإمامته قائل به أهل السنة ولا نزاع فيه بين الفريقين، وإنما النزاع في أن الأمير كان إماما بلا فصل ولم يكن أحد من الصحابة مستحقا للإمامة، ولا مساس لهذه الآية بهذا المطلب، فالتقريب غير تام. ومنها ﴿السابقون السابقون أولئك المقربون﴾ قالت الشيعة: روى عن ابن عباس مرفوعا أنه قال: السابقون ثلاثة، فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب ياسين، والسابق إلى محمد ﷺ علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه -. (١) ولا يخفى أن هذا أيضا تمسك بالرواية، ومدار إسناد هذه الرواية على أبي الحسن الأشقر وهو ضعيف بالإجماع، قال العقيلي: وهو شيعي متروك الحديث، (٢) ولا يبعد أن يكون هذا الحديث موضوعا إذ فيه من إمارات الوضع أن صاحب ياسين لم يكن أول من آمن بعيسى بل برسله كما يدل عليه نص الكتاب، وكل حديث يناقض مدلول الكتاب في الأخبار والقصص فهو موضوع كما هو المقرر عند المحدثين. (٣) وأيضا انحصار السباق في ثلاثة رجال غير معقول فإن لكل نبي سابقا بالإيمان به لا محالة. وبعد اللتيا والتى أية ضرورة أن يكون كل سابق صاحب الزعامة الكبرى وكل مقرب إماما؟ وأيضا لو كانت هذه الرواية صحيحة لكانت مناقضة للأية صراحة، لأن الله تعالى قال في حق السابقين ﴿ثلة من الأولين وقليل من الآخرين﴾ والثلة هو الجمع الكثير (٤) ولا يمكن أن يطلق على الاثنين جمع

стр. 174

ولا على الواحد قليل أيضا، فعلم أن المراد بالسبق من الآية عرفى أو إضافى شامل للجماعة الكثيرة لا حقيقي بدليل أن الآية الأخرى ﴿السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ والقرآن يفسر بعضه بعضا. وأيضا ثبت بإجماع أهل السنة والشيعة أن أول من آمن حقيقة خديجة - رضي الله تعالى عنه -، (١) فلو كان مجرد السبق بالإيمان موجبا لصحة الإمامة لزم أن تكون سيدتنا المذكورة حرية بالإمامة، وهو باطل بالإجماع. وإن قيل إن المانع كان متحققا في خديجة وهو الأنوثة قلنا كذلك في الأمير فقد كان المانع متحققا قبل وصول وقت إمامته، ولما ارتفع المانع صار إماما بالفعل، وذلك المانع هو إما وجود الخلفاء الثلاثة الذين كانوا أصلح في حق الرياسة بالنسبة إلى جنابه عند جمهور أهل السنة، أو إبقاؤه بعد الخلفاء الثلاثة وموتهم قبله عند التفضيلية فإنهم قالوا: لو كان إماما عند وفاة النبي ﷺ لم ينل أحد من الخلفاء الإمامة وماتوا في عهده وقد سبق في علم الله تعالى أن الخلفاء أربعة فلزم الترتيب على الموت. وبالجملة تمسكات الشيعة بالآيات من هذا القبيل. (الأدلة الحديثية) وأما الأحاديث التي تمسك بها الشيعة على هذا المدعى فهي اثنا عشر حديثا: الأول: حديث غدير خم المذكور عندهم بشأن عظيم ويحسبونه نصا قطعيا في هذا المدعى، حاصله أن بريدة بن الحصيب الأسلمي روى أنه ﷺ لما نزل بغديرخم حين المراجعة عن حجة الوداع - وهو موضوع بين مكة والمدينة - أخذ بيد علي وخاطب جماعة المسلمين الحاضرين فقال: يا معشر المسلمين ألست أولى من انفسكم؟ قالوا بلى. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. (٢) قالت الشيعة في تقرير الاستدلال بهذا الحديث: إن المولى بمعنى الأولى بالتصرف، وكونه أولى بالتصرف عين الإمامة. (٣) ولا يخفى أن أول الغلط في الاستدلال هو إنكار أهل العربية قاطبة ثبوت ورود المولى بمعنى الأولى. بل قالوا لم يجئ قط المفعل بمعنى أفعل في موضع ومادة أصلا فضلا عن هذه المادة بالخصوص، إلا أن أبا زيد اللغوي جوز هذا متمسكا فيه بقول أبي عبيدة (٤) في تفسير ﴿هي مولاكم﴾ أولى بكم. (٥) لكن جمهور أهل العربية خطاؤه في هذا التجويز

стр. 175

والتمسك قائلين بأن هذا القول لو صح لزم أن يقال مكان فلان أولى منك مولى منك، وهو باطل منكر بالإجماع. وأيضا قالوا: إن تفسير أبي عبيدة بيان الحاصل لمعنى يعني النار مقركم ومصيركم والموضع اللائق بكم، لا أن اللفظ المولى ثمة بمعنى الأولى. (١) الثاني أن المولى لو كان بمعنى الأولى أيضا لا يلزم أن تكون صلته بالتصرف، كيف تقرر الصلة ومن أية لغة؟ إذ يحتمل أن يكون المراد: أولى بالتصرف، كما في قوله تعالى ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا﴾ وظاهر أن أتباع إبراهيم لم يكونوا أولى بالتصرف في جنابه المعظم. الثالث أن القرينة البعدية تدل صراحة على أن المراد من الولاية المفهومة من لفظ «المولى» أو «الأولى» المحبة، وهي قوله «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه»، ولو كان المراد من المولى المتصرف في الأمور أو الأولى بالتصرف فقال: اللهم وال من كان في تصرفه وعاد من لم يكن كذلك، وذكر المحبة والعداوة دليل صريح على أن المقصود إيجاب محبته والتحذير عن عداوته، لا التصرف وعدمه. وظاهر أن النبي ﷺ علم الناس ولقنهم أدنى الواجبات بل السنن والآداب بحيث يفهم المعاني المقصودة من ألفاظها الواردة في قوله الشريف كل من كان حاضرا أو غائبا بعد معرفته بلغة العرب من غير تكلف، وهذا في الحقيقة هو كمال البلاغة، وهو المقتضى لمنصب الإرشاد والهداية أيضا. ولو اكتفى في مثل هذه المقدمة العمدة بنحو هذا الكلام الذي لا يحصل المعنى المقصود أصلا بطبق القاعدة اللغوية ووفقها لثبت في حق النبي ﷺ قصور البلاغة في الكلام بل المساهمة في التبليغ والهداية وهو محال والعياذ بالله تعالى، فعلم أن مقصوده ﷺ بهذا يعني محبة علي فرض كمحبته ﵇، وعداوته حرام كعداوته ﵇، وهذا هو مذهب أهل السنة ومطابق لفهم أهل البيت في ذلك، كما أورد أبو نعيم عن الحسن

стр. 176

المثنى ابن الحسن السبط الأكبر سألوه عن حديث «من كنت مولاه» هل هو نص على خلافة علي؟ قال لو كان النبي ﷺ أراد خلافته بذلك الحديث لقال هكذا: يا أيها الناس هذا ولي أمري والقائم عليكم من بعدي فاسمعوا وأطيعوا. ثم قال الحسن: أقسم بالله أن الله تعالى ورسوله لو آثرا عليا لأجل هذا الأمر ولم يمتثل علي لأمر الله ورسوله به ولم يقدم على هذا الأمر لكان أعظم الناس خطأ بترك امتثال ما أمر الله ورسوله به. قال رجل: أما قول رسول الله ﷺ «من كنت مولاه فعلي مولاه؟» قال الحسن: لا والله، إن رسول الله لو أراد الخلافة لقال واضحا وصرح بها كما صرح بالصلاة والزكاة وقال: يا أيها الناس إن عليا ولي أمركم من بعدي والقائم في الناس بأمري. (١) وأيضا في هذا الحديث دليل صريح على اجتماع الولايتين في زمان واحد، إذ لم يقع التقييد بلفظ «بعدي» بل سوق الكلام لتسوية الولايتين في جميع الأوقات من جميع الوجوه كما هو الأظهر، وشركة الأمير للنبي ﷺ في التصرف ممتنعة فهذا أدل على أن المراد وجوب محبته، إذ لا محذور في اجتماع محبتين، بل إحداهما مستلزمة للأخرى، وفي اجتماع التصرفين محذورات كثيرة كما لا يخفى. (٢) وإن قيدتموه بما يدل على إمامته في المآل دون الحال فمرحبا بالوفاق، لأن أهل السنة أيضا قائلون بذلك في حين إمامته. وأما وجه تخصيص الأمير بالذكر دون غيره فلما علمه النبي ﵇ بالوحي من وقوع الفساد والبغي في زمن خلافته وإنكار بعض الناس لإمامته. وكذلك فسر بعض الشيعة «الأولى» الواقع في صدر الحديث بالأولى بالتصرف، وهو باطل، والمراد الأولى في المحبة، يعني ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم في المحبة؟ لتتلائم أجزاء الكلام، ولفظ الأولى قد ورد في غير موضع بحيث لا يناسب أن يكون معناه الأولى بالتصرف أصلا كقوله تعالى ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾، ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ فإن سوق هذا الكلام لنفي نسب الأدعياء عمن يثبتونه، وبيانه أن زيد بن حارثة لا ينبغي أن يقال في حقه زيد بن محمد لأن نسبة النبي ﷺ إلى جميع المسلمين كالأب الشفيق بل أزيد، وأزواجه أمهات أهل الإسلام، (٣) والأقرباء

стр. 177

في النسب أحق وأولى من غيرهم، وإن كانت الشفقة والتعظيم للأجانب أزيد، (١) ولكن مدار النسب على القرابة في الأدعياء، وهي مفقودة في الأدعياء، وحكم ذلك في كتاب الله، ولا دخل ههنا لمعنى الأولى بالتصرف في المقصود أصلا. (٢) وقد أورد بعض المدققين منهم دليلا على نفي المحبة، وهو أن محبة الأمير أمر مفاد حيث كان ثابتا في ضمن آية ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ فلو أفاد هذا الحديث ذلك المعنى أيضا كان لغوا، ولا يخفى فسداه، أولم يفهموا أن بيان محبة أحد في ضمن عموم شيء وإيجاب محبته بخصوص أمر آخر فرق بينهما لا يخفى على العقلاء. مثلا لو آمن أحد بجميع أنبياء الله ورسله، ولم يتعرض لاسم محمد ﷺ بخصوصه في الذكر، لم يكن إسلامه معتبرا. وفي هذا تكون محبة الأمير بشخصية مقصودة بالوجوب، وفي الآية يكون وجوبها مفادا بوصف الإيمان الذي هو عام. ولو فرضنا اتحاد مضمون الآية والحديث لا يلزم اللغو أصلا لأن وظيفة النبي أن يؤكد مضامين القرآن لإلزام الحجة وإتمام النعمة. (٣) ومن تدبر الكتاب والسنة لا يتكلم بمثل هذا الكلام. وإلا فتأكيدات النبي وتقريراته في أبواب الصلاة والزكاة وتلاوة القرآن ونحو ذلك كلها تصير لغوا والعياذ بالله. وعند الشيعة أيضا دعوى التنصيص على إمامة الأمير وتأكيده ثابتة، (٤) فيلزم على تقدير صحة هذا القول أن يكون ذلك كله حشوا. وسبب هذه الخطبة الذي ذكره المؤرخون وأهل السير يدل على أن المقصود منها كان إلزام المحبة للأمير، ولأن جماعة الصحابة الذين كانوا متغيبين مع الأمير في سفر اليمن كبريدة الأسلمي وخالد بن الوليد وغيرهما من المشاهير بعد ما رجعوا من سفرهم من الأمير، فتكلم النبي ﷺ في حقه هكذا، وقد أورد هذه القصة محمد بن إسحق وغيره من أهل السير مفصلة. الحديث الثاني: روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب أنه ﷺ لما استخلف الأمير في غزوة تبوك على أهل بيته من النساء وتركه فيهن وقد توجه هو إلى تلك الغزوة، قال الأمير: يا رسول الله أتخلِفني في النساء والصبيان؟ فقال النبي ﷺ له: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي». (٥) قالت الشيعة: إن

стр. 178

المنزلة اسم جنس مضاف إلى العلم فيعم جميع المنازل لصحة الاستثناء، وإذا استثني مرتبة النبوة فثبت للأمير جميع المنازل الثابتة لهارون، ومن جملتها صحة الإمامة، وافتراض الطاعة أيضا لو عاش هارون بعد موسى، لأن هارون كانت له هذه المرتبة في عهد موسى، فلو زالت عنه بعد وفاته لزم العزل، وعزل النبي ﷺ ممتنع للزومه الإهانة المستحيلة في حقه فثبتت هذه المرتبة للأمير أيضا وهي الإمامة. (١) والجواب عن ذلك بوجوه: الأول - أن اسم الجنس المضاف إلى العلم ليس من ألفاظ العموم عند جميع الأصوليين، (٢) بل هم صرحوا بأنه للعهد في غلام زيد وأمثاله، (٣) لأن تعريف الإضافة المعنوية باعتبار العهد أصل، وفيما نحن فيه قرينة موجودة وهي قوله «أتخلفني في النساء والصبيان» يعني أن هارون كما كان خليفة لموسى حين توجه هو إلى الطور كذلك صار الأمير خليفة للنبي ﷺ إذ توجه إلى غزوة تبوك، والاستخلاف المقيد بهذه الغيبة لا يكون باقيا بعد انقضائها كما لم يبق في حق هارون أيضا. ولا يمكن أن يقال انقطاع هذا الاستخلاف عزل موجب للإهانة في حق الخليفة لأن انقطاع العمل ليس بعزل، والقول بأنه عزل خلاف العرف واللغة، ولا تكون صحة الاستثناء دليلا للعموم إلا إذا كان متصلا، وههنا منقطع بالضرورة، لأن قوله «إنه لا نبي بعدي» جملة خبرية، وقد صارت تلك الجملة بتأويلها بالمفرد بدخول إن في حكم (إلا عدم النبوة) وظاهر أن عدم النبوة ليس من منازل هارون حتى يصح استثناؤه لأن المتصل يكون من جنس المستثنى منه وداخلا فيه والنقيض لا يكون من جنس النقيض وداخلا فيه، فثبت أن هذا المستثنى منقطع جدا، ولأن من جملة منازل هرون كونه أسن من موسى وأفصح منه لسانا وكونه شريكا معه في النبوة وكونه شقيقا له في النسب، وهذه المنازل غير ثابتة في حق الأمير بالنسبة إلى النبي ﷺ إجماعا بالضرورة، فإن جعلنا الاستثناء متصلا وحملنا المنزلة على العموم لزم الكذب في كلام المعصوم. الثاني - أنا لا نسلم أن الخلافة بعد موت موسى كانت من جملة منازل هرون، لان هرون كان نبيا مستقلا في التبليغ، ولو عاش بعد موسى أيضا لكان ولم تزل عنه

стр. 179

هذه المرتبة قط، وهي تنافي الخلافة لأنها نيابة للنبي ولا مناسبة بين الأصالة والنيابة في القدر والشرف، فقد علم أن الاستدلال على خلافة الأمير من هذا الطريق لا يصح أبدا. وأيضا أن النبي ﷺ لما شبه الأمير بهارون - ومعلوم أن هارون كان خليفة في حياة موسى بعد غيبته، وصار يوشع بن نون وكالب بن يوقنا (١) خليفة له بعد موت موسى - لزم أن يكون الأمير أيضا خليفة في حياة النبي ﷺ بعد غيبته لا بعد وفاته، بل يصير غيره خليفة بعد وفاته حتى يكون التشبيه على وجه الكمال، إذ حمل التشبيه في كلام الرسول على النقصان غاية عدم الديانة والعياذ بالله. ولو تنزلنا قلنا ليس في هذا الحديث دلالة على نفي إمامة الخلفاء الثلاثة، غاية ما في الباب أن استحقاق الإمامة يثبت به للأمير ولو في وقت من الأوقات، وهو عين مذهب أهل السنة، فالتقريب به أيضا غير تام. (٢) الحديث الثالث: رواه مرفوعا أنه قال «إن عليا مني وأنا من علي، وهو ولي كل مؤمن بعدي» وهذا الحديث باطل، لأن في إسناده أجلح (٣) وهو شيعي متهم في روايته. وأيضا غير مقيد بالوقت المتصل بزمان وفاته ﷺ ، ولفظ «بعدي» يحتمل الاتصال والانفصال (٤) وهو مذهب أهل السنة القائلين بأن الأمير كان إماما مفترض الطاعة بعد النبي ﷺ في وقت من الأوقات. الحديث الرابع: رواه أنس بن مالك أنه كان عند النبي ﷺ طائر قد طبخ له وأهدي إليه فقال «اللهم ائتني بأحب الناس إليك يأكل معي هذا الطير» فجاءه علي. (٥) وهذا الحديث قد حكم أكثر المحدثين بأنه موضوع، وممن صرح بوضعه الحافظ شمس الدين الجزري، (٦) وكذلك الذهبي في تلخيصه. (٧) ومع هذا فهو غير مفيد للمدعى أيضا، لأن القرينة تدل على أن المراد بأحب الناس إلى الله في الأكل مع النبي ﷺ . ولا شك أن الأمير كان أحبهم إلى الله في هذا الوصف، لأن أكل الولد ومن حكمه مع الأب يكون موجبا لتضاعف اللذة بالطعام. وإن سلمنا أن يكون المراد بأحب الناس مطلقا فإنه لا يفيد المدعى أيضا، إذ لا يلزم أن يكون أحب الخلق إلى الله صاحب الرئاسة العامة، فكأين من أولياء

стр. 180

وأنبياء كانوا أحب الخلق إلى الله ولم يكونوا ذوي رئاسة عامة، كزكريا ويحيى وشمويل الذي كان طالوت في زمنه صاحب رئاسة عامة بنص إلهي، وأيضا يحتمل أن أبا بكر لعله لم يكن في ذلك الحين حاضرا في المدينة المنورة والدعاء كان خالصا بالحاضرين دون الغائبين بدليل قوله «اللهم ائتني» لأن إحضار الغائب من مسافة بعيدة في آن قصير لا يعقل إلا طريق خرق العادة، والأنبياء لا يسألون الله خرق العادة إلا في وقت التحدي، وإلا لما احتاجوا في الحرب والقتال إلى تهيئة الأسباب الظاهرة. ويحتمل أن يراد التبعيض بذلك كما في قولهم فلان أعقل الناس وأعلمهم وأفضلهم. وعلى تقدير دلالته على المدعى لا يقاوم الأخبار الصحاح الدالة على خلافة أبي بكر وعمر، مثل «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» (١) وغير ذلك. الحديث الخامس: رواية جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» (٢) وهذا الخبر أيضا مطعون فيه، قال يحيى بن معين: لا أصل له، (٣) وقال البخاري إنه منكر، وليس له وجه صحيح. (٤) وقال الترمذي إنه منكر غريب. (٥) وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. (٦) وقال ابن دقيق العيد: لم يثبتوه. (٧) وقال النووي والذهبي والجزري إنه موضوع. (٨) فالتمسك بالأحاديث الموضوعة مما لا وجه له، إذ شرط الدليل اتفاق الخصمين عليه. ومع هذا ليس مفيدا لمدعاهم إذ لا يلزم أن من كان باب مدينة العلم فهو صاحب رئاسة عامة بلا فصل بعد النبي ﷺ ، غايته أن شرطا من شروط الإمامة قد تحقق فيه بوجه أتم، ولا يلزم من تحقيق شرط واحد وجود المشروط بالشروط الكثيرة، مع أن ذلك الشرط كان ثابتا في غيره أيضا أزيد منه برواية أهل السنة مثل «ما صب الله شيئا في صدرى إلا وقد صببته في صدر أبي بكر» (٩) ونحو «لو كان بعدي نبي لكان عمر» (١٠) فإذا اعتبرت روايات أهل السنة فليتعبر كلها، وإلا فلا ينبغي أن يقصد إلزامهم برواية واحدة من رواياتهم. الحديث السادس: وهو ما رواه الإمامية مرفوعا أنه ﷺ قال «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في بطشه، وإلى
следующие страницы →