← Акыда

Акыда · id 36091

مختصر التحفة الاثني عشرية

محمود شكري الألوسي

Полный текст (339 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ومنها أن الصحابة كلهم كانوا راضين بقتله ويتبرأون منه حتى تركوه بعد قتله ثلاثة أيام بلا دفن. (١) والجواب أن هذا كله كذب صريح وبهتان فضيح على الصبيان فضلا عن ذوي العرفان، (٢) ألا ترى أن طلحة والزبير وعائشة الصديقة ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃ قد قاتلوا لأجل طلب القصاص لعثمان، وقد ثبت في التواريخ عند الفريقين أن الصحابة كلهم لم يألوا جهدا في دفع البلوى عنه حتى استأذنوا منه في قتال المحاصرين فلم يجوز لهم، (٣) وكانوا مهما تمكنوا يوصلون إليه الماء ويفرجون عنه.

стр. 282

وجاء زيد بن ثابت الأنصار وقال شبابهم له: إن شيء ت كنا أنصار الله مرتين. (١) وجاء عبد الله بن عمر مع المهاجرين وقال: إن الذين خرجوا عليك قد أمنوا سيوفنا، واستأذنه لقتالهم فلم يؤذن له. (٢) وكان السبطان (٣) وعبد الله بن عمر (٤) وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر بن ربيعة (٥) وأبو هريرة (٦) وغيرهم من الصحابة معه في دار وكانوا يدافعون عنه كلما هجم عليه أهل البغي والعدوان ولم يأذن لهم ولا لأحد بقتالهم. وقد ثبت في نهج البلاغة من كلام الأمير أنه قال «والله قد دفعت عنه» (٧) إلى غير ذلك. (٨) وقد شيع جنازته جماعة من الصحابة والتابعين ودفنوه بثيابه الملطخة بالدم ليلا ولم يؤخروه. وقد حضرت الملائكة جنازته لما روى الحافظ الدمشقي مرفوعا عن النبي ﷺ أنه قال «يوم موت عثمان تصلي عليه ملائكة السماء» قال الراوي: قلت يا رسول الله عثمان خاصة أو الناس عامة؟ قال: عثمان خاصة. (٩) ونسبة هجوه وبغضه إلى الصحابة كذب وزور، وذلك في غاية الظهور. فقد روى الديلمي وهو من المعتبرين عند الشيعة في (المنتقى) عن الحسن بن علي قال «ما كنت لأقاتل بعد رؤيا رأيتها: رأيت رسول الله ﷺ واضعا يده على العرش، ورأيت أبا بكر واضعا يده على منكب رسول الله ﷺ ، ورأيت عمر واضعا يده على منكب أبي بكر، ورأيت عثمان واضعا يده على منكب عمر، ورأيت دما دونه، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: دم عثمان يطلبه الله تعالى به». (١٠) وروى ابن السمان عن قيس بن عباد قال سمعت عليا يوم الجمل يقول «اللهم إنى أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاءوني

стр. 283

للبيعة فقلت: ألا أستحي من الله أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال له رسول الله ﷺ : ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة، إني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل في الأرض لم يدفن بعد، فانصرفوا. فلما دفن رجع الناس يسألون البيعة فقلت: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه. ثم جاءت عزيمة فبايعت. قال: فقالوا «يا أمير المؤمنين» فكأنما صدع قلبي» (١) وروى ابن السمان أيضا عن محمد بن الحنفية أن عليا قال يوم الجمل «لعن الله قتلة عثمان في السهل والجبل» وعنه أن عليا بلغه أن عائشة تلعن قتلة عثمان فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه فقال «وأنا ألعن قتلة عثمان، لعنهم الله في السهل والجبل» مرتين أو ثلاثا. (٢) إلى غير ذلك من أقوال أهل البيت وسائر الصحابة مما يدل على مزيد حبهم له وتأسفهم على مصيبته. وهذا الكتاب لا يحتمل ذكر ذلك على سبيل التفصيل، وتأخير دفنه إلى ثلاثة ايام زور وبهتان كما يعلم مما ذكرنا من البيان. كيف وقد أجمع المؤرخون على أن شهادته ﵁ بعد العصر يوم الجمعة لعشر خلون من ذي الحجة، ودفن في البقيع ليلة السبت ﵁ وأرضاه، وجعل الغرف العالية مستقرة ومثواه، ونسأله تعالى أن يحشرنا في زمرتهم، ويميتنا على محبتهم. المطاعن الرابعة في حق أم المؤمنين وحبيبة حبيب رب العالمين عائشة الصديقة وزوج مفخر العوالم على الحقيقة منها أنها خرجت من المدينة إلى مكة (٣) ومنها إلى البصرة ومعها ما يزيد عل ستة عشر ألف رجل من العسكر. وقد قال تعالى في الأزواج المطهرات ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ فأمرهن بالسكون في البيوت، ونهاهن عن الخروج من بيوتهن. (٤) والجواب أن الأمر باستقرارهن في البيوت والنهي عن الخروج منها ليس بمطلق، ولو كان مطلقا لما أخرجهن رسول الله ﷺ بعد نزول الآية إلى الحج والعمرة

стр. 284

والغزوات ولا رخص لهن بزيارة الوالدين وعيادة المريض وتعزية أقاربهن. واللازم باطل فكذا الملزوم. والمراد من هذا الأمر والنهي تأكيد التستر والحجاب بأن لا يدرن ولا يتسكعن في الطرق والأسواق كنساء العوام، ولا منافاة بين السفر وبين التستر والحجاب، ألا ترى أن المخدرات من نساء الأمراء والملوك يخرجن من بلد إلى بلد ومعهن جمع من الخدم والأتباع. ولا سيما إذا كان السفر متضمنا لمصلحة دينية ودنيوية كالجهاد والحج والعمرة. وسفر أم المؤمنين كان من هذا القبيل، لأنها خرجت لإصلاح ذات البين وأخذ القصاص من قتلة عثمان ﵁ المقتول ظلما وعدوانا، وذلك لا يعد تبرجا. ويجاب أيضا بأن ما طعنوا به أم المؤمنين وجد في فاطمة ﵁ أيضا لما ثبت في كتبهم بطريق التواتر أن الأمير قد أركب فاطمة على مطية وطاف بها (١) في محلات المدينة ومساكن الأنصار طالبا منهم الإعانة على ما غصب من حقها زمن خلافة الصديق ﵁. (٢) ويجاب أيضا بأن جميع رجال المؤمنين أبناء لأزواج النبي ﷺ بالاتفاق، (٣) وجميع من كان مع الصديقة في سفرها فهم أبناؤه. ولذا طلبت القصاص من القتلة، فلا إشكال ولا قيل ولا قال. وسيأتي قريبا بيان هذه القصة مفصلا إن شاء الله تعالى. ومنها أن عسكر عائشة لما أتوا البصرة نهبوا بيت المال وأخرجوا عامل الأمير عثمان بن حنيف الأنصاري مهانا، مع أنه من صحابة رسول الله ﷺ . والجواب أن هذه الأمور لم تقع برضاء عائشة ولا علمت بذلك، حتى أنها لما علمت ما جرى في حق عثمان بن حنيف اعتذرت له واسترضته. (٤) ومثل هذا وقع لعسكر الأمير مع أبي موسى الأشعري فقد أحرقوا بيته ونهبوا متاعه لما دخلوا الكوفة (٥) ومنهم مالك الأشتر. (٦) ومنها أن عائشة أفشت سر النبي ﷺ ، قال تعالى ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير﴾. (٧) والجواب أن إفشاء السر وقع من حفصة

стр. 285

لا غير بإجماع المفسرين، وذلك أنها رأت النبي ﷺ مع مارية في فراشها من ثقب الباب، وقال لها إني حرمت مارية على نفسي فاكتميه ولا تفشيه، فذهبت حفصة وبشرت عائشة بذلك. (١) ومن مزيد فرحها اشتبه عليها الأمر فظنت أن الذي أمرت بكتمانه هو ما رأته من الشق لا التحريم. وقد عد ذلك الإفشاء من حفصة معصية وقد تابت عنها، وقد ثبت ذلك في تفاسير الشيعة كمجمع البيان للطبرسي. (٢) ومنها أن عائشة قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة (٣) وما رأيتها قط ولكن كان رسول الله ﷺ يكثر ذكرها. (٤) والجواب أن الغيرة محبوبة في النساء، ولا مؤاخذة على الأمور الجبلية. نعم لو صدر قول أو فعل مخالف للشرع للغيرة تتوجه الملامة. وفي الحديث الصحيح إن بعض أمهات المؤمنين غارت على الأخرى حين أرسلت إلى رسول الله ﷺ طعاما لذيذا وكان النبي ﷺ إذ ذاك في بيت من تغار وأخذت الطبق من يد خادمها فضربت به على الأرض حتى انكسر [الإناء] (٥) وانصب الطعام فقام رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام بنفسه فاجتناه وجمعه من الأرض وقال «قد غارت أمكم» (٦) ولم يعاتبها ولم يوبخها، فكيف يسوغ لأفراد الأمة أن يجعلوا أمهات المؤمنين هدفا لسهام مطاعنهم؟ والله الموفق. ومنها أن عائشة كانت تقول في آخر الحال: قاتلت عليا ووددت أني كنت نسيا منسيا. (٧) والجواب أن هذه الرواية ما صحت بهذا اللفظ، والذى صح أنها تذكر يوم الجمل وتبكي بكاءا شديدا حتى يبتل محجرها (٨) المبارك بالدموع لاستعجالها وترك التأمل ولم تحقق من قبل أن ماء الحوأب (٩) واقع في أثناء السبيل أم لا. وعلى تقدير صدور ذلك

стр. 286

منها فلا ضير، إذ قد صح عند أهل السنة صدور مثل هذا اللفظ عن الأمير كرم الله تعالى وجهه لما طاف على القتلى من الطرفين فقال «يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا» وهو يضرب فخذيه. ومنها أنها زينت يوما جارية كانت عندها وقالت: لعلنا نصطاد بها شابا من شباب قريش بأن يكون مشغوفا بها. (١) والجواب أن هذه الرواية وردت عن وكيع بن الجراح [عن العلاء بن عبد الكريم] (٢) عن عمار بن عمران عن امرأة من غنم عن عائشة ﵂، وعمار بن عمران والامرأة مجهولان فلا تقبل هذه الرواية. (٣) والحاصل أن هذا الخبر لا صحة له عند أهل السنة بل لا ورود له. وعلى تقدير وروده عند الشيعة فبمقتضى قواعد الأصول عند الفريقين أنه غير مقبول لما ذكرنا. ولا يخفى على من يعرف ما لهم في هذا الباب من المصنفات أن جميع مطاعنهم واعتراضاتهم من قبيل هذه الهذيانات. نسأل الله تعالى التوفيق والهداية، والعصمة من الضلالة والغواية. مطاعنهم في الصحابة رضي الله تعالى عنهم على سبيل العموم منها أن أكثر الصحابة انفضوا عن رسول الله ﷺ إلى العير التي جاءت من الشام وتركوه وحده في خطبة الجمعة وتوجهوا إلى اللهو واشتغلوا بالتجارة، وذلك دليل على عدم

стр. 287

الديانة. (١) والجواب أن هذه القصة إنما وقعت في بدء زمن الهجرة، ولم يكونوا إذ ذاك واقفين على الآداب الشريعة كما ينبغي، وكان للناس مزيد رغبة في الغلة، وظنوا أن لو ذهبت الإبل يزيد الغلاء ويعم البلاء، ولم يخرجوا جميعهم بل كبار الصحابة كأبي بكر وعمر كانوا قائمين عنده ﷺ كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولذا لم يشنع عليهم ولم يوعهم سبحانه بعذاب ولم يعاتبهم الرسول ﷺ أيضا. (٢) ومنها أن أهل السنة رووا في صحاحهم عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ «سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد. فيقال: إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم». (٣) والجواب أنا لا نسلم أن المراد بالأصحاب ما هو المعلوم في عرفنا، بل المراد بهم مطلق المؤمنين به ﷺ المتبعين له، وهذا كما يقال لمقلدي أبي حنيفة أصحاب أبي حنيفة ولمقلدي الشافعي أصحاب الشافعي وهكذا وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع. وكذا يقول الرجل للماضين الموافقين له في مذهب أصحابنا، مع أن بينه وبينهم عدة من السنين. ومعرفته ﷺ لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم، فقد جاء في الخبر أن عصاة هذه الأمة يمتازون يوم القيامة من عصاة غيرهم كما أن طائعيهم يمتازون عن طائعي غيرهم، وجذبهم إلى ذات الشمال كان تأديبا لهم وعقابا على معاصيهم. ولو سلمنا أن المراد بهم ما هو معلوم في العرف فهم الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق -

стр. 288

رضي الله عنه -. (١) وقوله ﷺ «أصحابي أصحابي» لظن أنهم لم يرتدوا كما يؤذن به ما قيل في جوابه من أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. (٢) فإن قلت: إن «رجالا» في الحديث كما يحتمل أن يراد منه من ذكرت من مرتدي الأعراب يحتمل أن يراد ما زعمته الشيعة. أجيب: إن ما ورد في حقهم من الآيات والأحاديث وأقوال الأئمة مانع من إرادة ما زعمته الشيعة. أما الآيات فكقوله تعالى ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم﴾ وقوله تعالى ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم﴾ وقوله تعالى ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ وقال تعالى ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى. وأما الأحاديث فقوله ﷺ «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (٣) وقوله ﷺ «الله الله في أصحابي» (٤) الحديث، إلى غير ذلك من الأخبار التي يضيق عنها المقام، وأما أقوال الأئمة فقد مر لك شيء منها، ولا مساغ للتخصيص الذي يزعمه الشيعة بوجه من الوجوه. ومنها أن كثيرا من الصحابة فر من الزحف في غزوتي أحد وحنين، والفرار من الزحف من أكبر الكبائر. (٥) والجواب أن الفرار يوم أحد كان قبل النهي، ولئن قلنا كان بعده فهو معفو عنه بدليل قوله تعالى ﴿ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾ (٦) وأما الفرار يوم حنين فبعد تسليم أنه كان فرارا في الحقيقة معاتبا عليه، لم يصرّ عليه أولئك المخلصون بل انقلبوا وظفروا بدليل قوله تعالى

стр. 289

﴿ثم أنزل الله سكينته على رسول الله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين﴾. (١) ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: كما أمرنا الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ : كلا بل تتنافسون ثم تتدابرون ثم تتباغضون ثم تنطلقون إلى مساكن المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض» (٢) فإن هذا صريح في وقوع التنافس والتدابر والتباغض فيما بين الصحابة. والجواب أن الخطاب وإن كان للصحابة لكن باعتبار وقوع ذلك فيما بينهم وهو لا يستدعي أن يكون منهم. ويدل على ذلك أن الصحابة إما مهاجرون أو أنصار، والحديث صريح في أن أولئك الفرقة ليسوا مهاجرين، والواقع ينفي كونهم من الأنصار لأنهم ما حملوا المهاجرين على التحارب. فتعين أنهم من التابعين، وقد وقع ذلك منهم، فإنهم حملوا المهاجرين على التحارب بينهم كمالك الأشتر وأضرابه، ولا كلام لنا فيهم. ومنها أن الصحابة قد آذوا عليا وحاربوه، وقد قال ﷺ «من آذى عليا فقد آذاني». (٣) والجواب أن تلك المحاربات كانت لأمور اجتهادية فلا يلحقهم طعن من ذلك. ولا بد ههنا من التفصيل، ليتبين من هو على الحق ممن سلك التضليل فأقول: اعلم أن أعظم ما تداولت الألسن من الاختلاف الواقع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما وقع في زمن الأمير كرم الله تعالى وجهه، فنشأ منه وقعتان عظيمتان: وقعة الجمل، ووقعة

стр. 290

صفين. والأصل الأصيل لذلك قتل عثمان. ﵁، وأنكر الهشامية (١) تلك الوقعتين، وإنكار ذلك مكابرة لا يلقى لها سمع، لأن الخبر متواتر في جميع مراتبه. (وقعة الجمل) وتلخيص الأولى أنه لما قتل عثمان ﵁ عنه صبرا توجع المسلمون، فسار طلحة والزبير وعائشة - وكان قد لقيها الخبر وهي مقبلة من عمرتها - نحو البصرة، (٢) فلما علم علي كرم الله وجهه بمخرجهم اعترضهم من المدينة لئلا يحدث ما يشق عصا الإسلام، ففاتوه، وأرسل ابنه الحسن وعمارا يستنفران أهل المدينة وأهل الكوفة، ولما قدموا البصرة استعانوا باهلها وبيت مالها، حتى إذا جاءهم الإمام كرم الله تعالى وجهه حاول الصلح واجتماع الكلمة وسعى الساعون بذلك، فثار قتلة عثمان وكان ما كان. (٣) وانتصر علي كرم الله تعالى وجهه، وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس إلى صلاة العصر لعشر خلون من جمادى الآخرة. (٤) ولما ظهر علي ﵁ جاء إلى أم المؤمنين ﵁ فقال «غفر الله لك» قالت «ولك. وما أردت إلا الإصلاح» (٥) ثم أنزلها دار عبد الله بن خلف وهي أعظم دار في البصرة على صفية (٦) بنت الحارث أم طلحة الطلحات. (٧) وزارها بعد ثلاث ورحبت به وبايعته وجلس عندها فقال رجل: يا أمير المؤمنين إن بالباب رجلين ينالان من عائشة فأمر القعقاع بن عمر أن يجلد كل واحد منهما مائة جلدة وأن يجردهما من ثيابهما ففعل. (٨) ولما أرادت الخروج من البصرة بعث إليها بكل ما ينبغى من مركب وزاد ومتاع وأذن لمن نجا من الجيش أن يرجع إلا أن يحب المقام، وأرسل معها

стр. 291

أربعين امرأة وسير معها أخاها محمدا. ولما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي كرم الله تعالى وجهه فوقف على الباب في الهودج فودعت الناس ودعت لهم وقالت: «يا بني لا يغتب (١) بعضكم بعضا، إنه ما كان بيني وبين علي بن أبي طالب ﵁ في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه لمن الأخيار» فقال علي كرم الله تعالى وجهه «صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها زوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة» (٢) وسار معها مودعا أميالا، وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم. (٣) وكانت رضي الله تعالى عنها بعد ذلك إذا ذكرت ما وقع تبكي حتى تبل خمارها. (٤) ففي هذه المعاملة من الأمير كرم الله تعالى وجهه دليل على خلاف ما تزعمه الشيعة من كفرها (٥) - وحاشاها ﵂ وفي ندمها وبكائها على ما كان دليل على أنها لم تذهب إلى ربها إلا وهي نقية من غبار المعركة، على أن في كلامها ما يدل على أنها كانت حسنة النية في ذلك. وقال غير واحد إنها اجتهدت ولكنها أخطات في الاجتهاد ولا إثم على المجتهد المخطئ بل أجر على اجتهاده وكونها رضي الله تعالى عنها من أهل الاجتهاد مما لا ريب فيه. (٦) نعم قالت الشيعة إنه يبطل اجتهادها أنه ﷺ قال يوما لأزواجه كأني بإحداكن تنبحها كلاب الحوأب، (٧) فإياك أن تكوني أنت يا حميراء. (٨) والحوأب كجعفر منزل بين

стр. 292

البصرة ومكة قيل نزلته عائشة ونبحتها كلابه فتذكرت الحديث وهو صريح في النهي ولم ترجع. والجواب عن ذلك أن الثابت عندنا أنها لما سمعت ذلك وتحقيقه من محمد بن طلحة همت بالرجوع إلا أنها لم توافق عليه ومع هذا شهد لها مروان بن الحكم مع ثمانين رجلا من دهاقين تلك الناحية أن هذا المكان مكان آخر وليس الحوأب، (١) على أن «إياك أن تكوني يا حميراء» ليس موجودا في الكتب المعول عليها عند أهل السنة. (٢) فليس في الخبر نهي صريح ينافي الاجتهاد، على أنه لو كان فلا يرد محذورا أيضا لأنها اجتهدت فسارت حين لم تعلم أن في طريقها هذا المكان، ولو أنها علمت لم يمكنها الرجوع لعدم الموافقة عليه. وليس في الحديث بعد هذا النهي أمر بشيء لتفعله، فلا جرم مرت على ما قصدته من إصلاح ذات البين المأمورة به بلا شبهة. وأما طلحة والزبير ﵄ فلم يموتا إلا على بيعة الإمام كرم الله تعالى وجهه. أما طلحة فقد روى الحاكم (٣) عن ثور بن مجزأة أنه قال: مررت بطلحة يوم الجمل في آخر رمق فقال لي: من أنت؟ قلت: من أصحاب أمير المؤمنين علي ﵁، فقال: ابسط يدك أبايعك، فبسطت يدي فبايعني وقال: هذه بيعة علي، وفاضت نفسه. فأتيت عليا ﵁ فأخبرته فقال: الله أكبر صدق الله تعالى ورسوله ﷺ أبى الله سبحانه أن يدخل طلحة الجنة إلا وبيعتي في عنقه. (٤) وأما الزبير ﵁ فقد ناداه علي كرم الله تعالى وجهه وخلا به وذكره قول النبي ﷺ له: لتقاتلن عليا وأنت له ظالم، فقال: لقد أذكرتني شيئا أنسانيه الدهر، لا جرم، لا أقاتلك أبدا، (٥) فخرج من العسكرين نادما وقتل بوادي السباع مظلوما قتله همرو بن جرموز. (٦) وقد ثبت عند الفريقين أنه (٧) جاء بسيفه واستاذن على الأمير كرم الله تعالى وجهه فلم يأذن له، فقال: أنا قاتل الزبير، فقال: أبقتل ابن صفية تفتخر؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول «بشر قاتل ابن صفية بالنار». (٨) وأما عدم قتله فلقيام الشبهة

стр. 293

على ما قيل، ونظيره ما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي عن الحسن أن أناسا من الصحابة ﵁ ذهبوا يتطرقون، (١) فقتل واحد منهم رجلا قد فر وهو يقول: إني مسلم، فغضب رسول الله ﷺ غضبا شديدا ولم يقتل القاتل. (٢) وكذا قتل أسامة ﵁ فيما أخرجه السدي رجلا يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلامه رسول الله ﷺ جدا ولم يقبل عذره وقال له: كيف أنت ولا إله إلا الله؟ ونزل قوله تعالى ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا﴾ الآية. (٣) وأجاب آخرون بأن العلماء اختلفوا في أنه هل يجب على الحاكم القصاص إذا لم يطلبه الولي أم لا؟ ولعل الأمير كرم الله تعالى وجهه ممن لا يرى الوجوب بدون طلب ولم يقع. وروي أيضا أن الأمير ﵁ قال لما جاءه عمر بن طلحة بعد موت أبيه «مرحبا بابن أخي، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين﴾» (٤) وهذا ونحوه يدل على أنهما رضي الله تعالى عنهما لم يذهبا إلا طاهرين متطهرين. (وقعة صفين) وأما تلخيص الواقعة الثانية فقد ذكر المؤرخون أن معاوية ﵁ كان قد استنصره ابنا عثمان ﵁ ووكلاه في طلب حقهما من قتلة أبيهما، فلما بلغه فراغ علي كرم الله تعالى وجهه من وقعة الجمل ومسيره إلى الشام خرج عن دمشق حتى ورد صفين في نصف المحرم فسبق إلى سهولة المنزل وقرب من الفرات، فلما ورد الأمير ﵁ دعاهم إلى البيعة فلم يفعلوا، وطلبوا منه قتلة عثمان - وكانوا قد انحازوا

стр. 294

إلى عسكره، ولهم عشائر وقبائل ومع هذا لم يمتازوا بأعيانهم - فمال ﵁ إلى التأخير حتى يمتازوا ويتحقق القاتل من غيره، فأبى معاوية إلا تسليم من يزعمونه قاتلا. (١) وكثر القيل والقال حتى اتهم بنو أمية الأمير كرم الله تعالى وجهه بأنه الذي دلس على قتلة عثمان ﵁، وكان كرم الله تعالى وجهه قد تصرف بسلاح عثمان فقال لذلك قائلهم: (٢) ألا ما لليلى لا تغور كواكبه ... إذا غار نجم لاح نجم يراقبه بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم (٣) ... ولا تنهبوه لا تحل مناهبه بني هاشم لا تعجلونا فإنه ... سواء علينا قاتلوه وسالبه وإنا وإياكم وما كان منكم ... كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعبه (٤) بني هاشم كيف التقاعد بيننا ... وعند علي سيفه وحرائبه لعمرك لا أنسى ابن أروى (٥) وقتله ... وهل ينسين الماء ما عاش شاربه هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما فعلت يوما بكسرى مرازبه وكان الأمير كرم الله تعالى وجهه يلعن القتلة ويقول «يا معاوية، لو نظرت بعين عقلك دون عين هواك لرأيتني أبرأ الناس من قتلة عثمان». (٦) وتصرفه ﵁ بسلاحه لأنه كان من الأشياء الراجعة إلى بيت المال، وحكمه إذ ذاك كحكم المدافع في زماننا في أن حق التصرف في ذلك للإمام. ثم إنه قد وقع الحرب بينهم مرارا وبقى كرم الله تعالى وجهه بصفين ثلاثة أشهر وقيل سبعة وقيل تسعة، وجرى ما تشيب منه الرءوس وتهون معه حرب البسوس، (٧) وليلة الهرير أمرها شهير، (٨) وآل الأمر إلى التحكيم، وحدث من ذلك ما أوجب ترك القتال مع معاوية والاشتغال بأمر الخوارج، وذلك تقدير العزيز العليم. (٩)

стр. 295

وأهل السنة إلا من شذ يقولون: إن عليا كرم الله تعالى وجهه في كل ذلك على الحق لم يفترق عنه قيد شبر، وإن مقاتليه في الوقعتين مخطئون باغون وليسوا بكافرين خلافا للشيعة، ولا فاسقين خلافا للعمرية أصحاب عمر بن عبيد من المعتزلة. وأما أن الحق مع علي كرم الله تعالى وجهه فغني عن البيان، وأما كون المقاتل باغيا فلأن الخروج على الإمام الحق بغي، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية. (١) وقد قتله عسكر معاوية. وقوله حين أخبر بذلك «قتله من أخرجه» (٢) مما لا يلتفت إليه، وإلا لصح أن يقال إن رسول الله ﷺ قاتل حمزة وأضرابه ممن قاتل معه ﷺ . وكذا قول من قال: المراد من الفئة الباغية الفئة الطالبة أي لدم عثمان، فلا يدل الخبر على البغي بالمعنى المذموم. (٣) وأما كونه ليس بكافر فلما في نهج البلاغة أن عليا كرم الله تعالى وجهه خطب يوما فقال: «أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والإعوجاج والشبهة» (٤)، وقوله تعالى ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يجب المقسطين﴾ فسمى الله تعالى الطائفتين المقتتلين (مؤمنين) وأمر بالإصلاح بينهما. وأجاب بعض الشيعة عن الآية بأنها في قتال المؤمنين بعضهم مع بعض دون القتال مع الإمام والنعي عليه، والخطاب فيها للأئمة أمروا أن يصلحوا بين طائفتين

стр. 296

من المؤمنين اقتتلوا فيما بينهم، وأن يقاتلوا إذا بلغت إحداهما حتى تفيء. (١) ولا يخفى ما في هذا الجواب من الوهن وعدم نفعه للمجيب أصلا، لأن الأمر الثاني يستدعي أن يكون القتال مع الإمام ضرورة فافهم. ومما يدل على أن المحارب غير كافر صلح الحسن ﵁ مع معاوية، وهو مما لا مجال لإنكاره. (٢) وقد روى المرتضى وصاحب (الفصول المهمة) من الإمامية أنه لما أبرم الصلح بينه ﵁ وبين معاوية خطب (٣) فقال: «إن معاوية نازعني حقا لي دونه، فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة، وقد كتنم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها ولم أرد بذلك إلا صلاحكم» (٤) انتهى. وفي هذا دلالة ظاهرة على إسلام الفريق المصالح وأن المصالحة لم تقع إلا اختيارا، ولو كان المصالح كافرا لما جاز ذلك ولما صح أن يقال «فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة» أه. فقد قال ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾. ويدل على وقوع ذلك أختيارا أيضا ما رواه صاحب (الفصول) عن أبي مخنف (٥) من أن الحسين ﵁ كان يبدي كراهة الصلح ويقول لو جز أنفي كان أحب إلى مما فعله أخي. (٦) فإنه لا معنى لهذا الكلام لو لم يكن وقوع الصلح من أخيه ﵄ اختيارا فإن الضرورات تبيح المحظورات وهو ظاهر. وبعد هذا كله قد ثبت عند جمع أن معاوية ﵁ ندم على ما كان منه في المقاتلة والبغي على الأمير كرم الله تعالى وجهه واتفق أن بكى عليه كرم الله تعالى وجهه. فقد أخرج ابن الجوزي عن أبي صالح قال: قال معاوية لضرار: صف لي عليا. فقال: أوتعفيني. قال: بل تصفه. فقال: أوتعفيني. قال: لا أعفيك. قال: أما ولابد فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس

стр. 297

بالليل وظلمته. كان والله غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفه ويخاطب نفسه. يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما خشن. كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه - إلى أن قال - لا يطمع القوى في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه يقول: يا دنيا يا دنيا ألي تعرضت أم بي تشوقت؟ هيهات هيهات، غري غيري قد بتتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطوك كبير، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق. قال: فذرفت دموع معاوية، فما يملكها وهو ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء. ثم قال معاوية: رحم الله تعالى أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ فقال: حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها. (١) انتهى. وما يذكره المؤرخون من أن معاوية ﵁ كان يقع في الأمير كرم الله تعالى وجهه بعد وفاته ويظهر ما يظهر في حقه ويتكلم بما يتكلم في شأنه مما لا ينبغي أن يعول عليه أو يلتفت إليه، لأن المؤرخين ينقلون ما خبث وطاب، ولا يميزون بين الصحيح والموضوع والضعيف، وأكثرهم حاطب ليل لا يدرى ما يجمع. (٢) فالاعتماد على ذلك في مثل هذا المقام الخطر والطريق الوعر والمهمة القفر الذي تضل فيه القطا وتقصر دونه الخطا مما لا يليق بشان عاقل فضلا عن فاضل، وما جاء من ذلك في بعض روايات صحيحة وكتب معتبرة رجيحة فينبغي أيضا التوقف عن قبوله والعمل بموجبه، لأن له معارضات مسلمة في الصحة والثبوت. على أن من سلم من داء التعصب بما يندفع به الطعن عن أولئك السادة الأماثل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 298

الباب التاسع في ذكر ما اختص بهم ولم يوجد في غيرهم من فرق الإسلام (في ذكر بعض خرافاتهم) فمن ذلك إنكارهم كرامات الأولياء، وإقامتهم حفلات العزاء والنياحة والجزع، وتصوير الصور، وضرب الصدور وما أشبه ذلك مما يصدر في العشرة الأولى من المحرم. ويعتقدون أن ذلك مما يقرب به إلى الله تعالى وتكفر به سيئاتهم وما يصدر عنهم من الذنوب في السنة كلها، وما دروا أن ذلك موجب لطردهم من رحمة الله تعالى، كيف لا وفيه هتك لبيت النبوة واستهزاء بهم، ولله تعالى در من قال: (١) هتكوا الحسين بكل عام مرة ... وتمثلوا بعداوة وتصوروا ويلاه من تلك الفضيحة إنها ... تطوى وفي أيدي الروافض تنشر ومن ذلك أنهم يجعلون من الدقيق شبح إنسان، ويملآون جوفه دبسا أو عسلا، ويسمونه باسم عمر، ثم يمثلون حادث قتله ويشربون ما فيه من عسل بزعم أنه دم عمر. ويتشاءمون من يوم الاثنين، (٢) وكذا من عدد الأربعة لئلا يذهب الوهم إلى أن الخلفاء أربعة. ويتفاءلون بعدد الاثني عشر. ولكن خواصهم يظهرون عدم الاستحسان لمثل هذه الأمور فلا حاجة بنا إلى صرف المداد في ردها. ومن ذلك مزيد أوهامهم وكثرة خطإهم باعتقاد أن كل مخالف عدو مع أن المخالف أعم من العدو مطلقا. فإنه إذا قصد شخصان مقصدا واحدا واختلفا في الطريق إليه كيف يحكم بكون أحدهما عدوا للآخر. وأيضا قد ثبت في كتب الشيعة أن أبا مخنف يروي عن الإمام الحسين في باب صلح الإمام الحسن مع معاوية أنه كان ينكر على هذا الصلح، وكان يقول لو جدع أنفي كان أحب إلي مما فعله أخي. فلو كانت المخالفة موجبة للعداوة يلزم أن يكون الإمام الحسين عدوا للإمام الحسن، معاذ الله من ذلك الاعتقاد الفاسد والكفر الصريح.

стр. 299

وكاعتقادهم عدم وجود المتنافيين في شيء في وقتين، ولذا قالوا إن الخلفاء الثلاثة ليسوا بمؤمنين، بناء على أنهم كانوا كافرين فلا يليقون للإمامة. (١) وهذا غلط ظاهر، إذ عدم اجتماع المتنافيين مشروط باتحاد الزمان وغير ذلك من الوحدات الثماني المذكورة في المنطق. وكاعتقادهم أن الفرع مشارك للأصل في الأحكام، ولذا اعتقدوا العصمة في الأئمة بناء على أنهم خلفاء المعصوم، واعتقدوا أن الأئمة أفضل من الأنبياء بناء على أنهم نواب أفضل الأنبياء، مع أن النبي مبلغ بالذات، والعصمة من خواص المبلغ، ولا يلزم أن يكون نائب شخص مثله في جميع صفاته، وإلا لزم مساواة التابع للمتبوع. وكاعتقادهم أن من سمي بغيره فله مثله في الحكم، ولذا تراهم يسمون شخصا بيزيد أو شمر فيهينونه ويظهرون له العداوة، قال تعالى ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ والنار حارة وليس لفظها كذلك، وهو يتحاشون من التسمية بعبد الله وعبد الرحمن، ويستحسنون التسمية بكلب علي وكلب حسين وما أشبه ذلك. وقد قال النبي ﷺ إن أحسن الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن. (٢) وكتوهم بطلان ما لا دليل عليه، كما أنكروا فضائل الصحابة بناء على عدم ثبوتها في كتبهم. (٣) مع أن نفس الأمر غير تابع للعلم والجهل، ولو تليت عليهم آيات الله لولوا ﴿وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون﴾ ومن ذلك مزيد تعصبهم كترجيحهم الرواية لضعيفة على القوية التي توافق مخالفهم. (٤) وكزعمهم أن من في قلبه حب علي يدخل الجنة ولو كان يهوديا أو نصرانيا أو مشركا، وأن من يحب الصحابة يدخل النار ولو كان صالحا وفي قلبه محبة أهل البيت. ولذا حكم رضي الدين اللغوي (٥) أحد كبار الشيعة بكون زنينا بن إسحاق النصراني من أهل الجنة بسبب مدحه الأمير وأهل البيت بقوله: عدي وتيم لا أحاول ذكرهم ... بسوء ولكني محب لهاشم وما تعتريني في علي وأهله ... إذا ذكروا في الله لومة لائم

стр. 300

يقولون ما بال النصارى تحبهم ... وأهل النهي من عربهم الأعاجم فقلت لهم إنى لأحسب حبهم ... سرى في قلوب الخلق حتى البهائم (١) وجميع فرق الشيعة يترضون على ابن فضلون اليهودي (٢) لقوله: رب هب لي من المعيشة سؤلي ... واعف عني بحق آل الرسول واسقني شربة بكف علي ... سيد (الأوصياء) بعل البتول مع أن حب آل البيت غاية الأمر أنه عبادة، وقد اشترط لقبولها الإيمان لقوله تعالى ﴿ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له لكاتبون﴾ وأيضا إن نجاة الكفار ودخولهم الجنة عند الشيعة محال كما سبق في العقائد، وقوله تعالى ﴿ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾. وكتعصبهم في تسمية أمة محمد ﷺ «الأمة الملعونة» (٣) ولم يلتفتوا إلى قوله تعالى ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ ويلزمهم من ذلك أنهم ليسوا من أمة محمد، وإلا يلزمهم لعن أنفسهم وإخراج أهل البيت من الأمة. وكترجيحهم لعن عمر وسائر الصحابة والعياذ بالله على ذكر الله وسائر العبادات، (٤) وقد ثبت في كتبهم أن لعن الشيخين - في كل صباح ومساء - موجب لسبعين حسنة. (٥) وقد قال تعالى ﴿ولذكر الله أكبر﴾.

стр. 301

وكإنكارهم كون رقية وأم كلثوم زوجتي عثمان بنتي النبي ﷺ وأن خديجة أمهما. (١) مع أنه مخالف لقوله تعالى ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك﴾ ولما ذكر في (نهج البلاغة) من معاتبة الأمير لعثمان على تغييره سيرة الشيخين بقوله «قد بلغت من صهره ما لم ينالا» (٢) أي الشيخين. وروى أبو جعفر الطوسي في (التهذيب) عن الإمام جعفر الصادق أنه كان يقول في دعائه «اللهم صل على رقية بنت نبيك، اللهم صل على أم كلثوم بنت نبيك». (٣) وروى الكليني أيضا أن رسول الله ﷺ تزوج خديجة وهو ابن بضع وعشرين سنة فولد منها قبل مبعثه ﷺ «القاسم ورقية وزينب وأم كلثوم، وبعد المبعث الطيب والطاهر وفاطمة». (٤) وأورد في رواية أخرى أنه لم يولد له بعد المبعث إلا فاطمة وأن الطيب والطاهر ولدا قبل المبعث. وكقولهم إن أبا بكر وعمر وعثمان منافقون، مع أن الأمير اقتدى بهم في الأوقات الخمسة زمن خلافتهم، وقال تعالى ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾. وكقولهم إن الآيات المشعرة بمدح الصحابة من المهاجرين والأنصار وأم المؤمنين كلها متشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله. (٥) وكقولهم إن أهل السنة شر من اليهود والنصارى، ذكر ذلك ابن المعلم وغيره. (٦) ﴿إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ فيا ليت شعري أين ذهب إيمان أهل السنة بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، ومحبتهم لأهل البيت الطاهرين والأئمة الزاكين وصلاتهم وزكاتهم حجهم وجهادهم، وكيف يكون من أشرك بالله تعالى وكفر برسوله ﷺ أرجح من هؤلاء؟ وما أشبه قولهم بقول اليهود في عهد النبي ﷺ إن الكافرين أهدى من المؤمنين؛ قال تعالى ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا﴾.

стр. 302

ومن تعصباتهم أن أهل السنة عندهم أنجس من اليهود والنصارى، حتى لو أصاب البدن شيء منهم غسلوه، مع أن المتلطخ بالغائط والعذرة عندهم ليس بنجس. ومن تعصباتهم أنهم يرون أن الإبتداء بلعن أبي بكر وعمر بدل التسمية في كل أمر ذي بال أحب وأولى. ويقولون: كل طعام لعن عليه الشيخان سبعين مرة كان فيه زيادة البركة. (١) ولا يخفى على من له بصيرة أن هؤلاء لا إيمان لهم ولا دين، بل هم من زمرة الشياطين، ﴿وكذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾ (القول بالتقية) ومن خصائصهم القول بالتقية بالمعنى الذي لا يريده أهل السنة من قوله تعالى ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ (٢) وتحقيق ذلك على وجه البسط أن التقية محافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء. (٣) والعدو قسمان: الأول من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة، ومن هنا صارت (التقية) قسمين: أما القسم الأول في العداوة المبنية على اختلاف الدين فالحكم الشرعي فيه أن كل مؤمن وقع في محل لا يمكن له أن يظهر دينه لتعرض المخالفين وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه، ولا يجوز له أصلا أن يبقى هناك ويخفي دينه ويتشبث بعذر الاستضعاف، فإن أرض الله واسعة. نعم إن كان ممن له عذر شرعي في ترك الهجرة كالصبيان والنساء والعميان والمحبوسين والذين يخوفهم المخالفون بالقتل أو قتل الأولاد أو الآباء أو الأمهات تخويفا يظن معه إيقاع ما خوفوا غالبا، سواء كان هذا القتل بضرب العنق أو بحبس القوت أو بنحو ذلك، فإنه يجوز له المكث مع المخالف والموافقة بقدر الضرورة، ويجب عليه أن يسعى في الحيلة للخروج والفرار بدينه. وإن كان التخويف بفوات المنفعة أو بلحوق المشقة التي يمكنه تحملها كالحبس مع القوت والضرب غير المهلك فإنه لا يجوز له موافقتهم، وفي صورة

стр. 303

الجواز أيضا فإن موافقتهم رخصة، وإظهار مذهبه عزيمة، فلو تلفت نفسه بذلك فإنه شهيد قطعا. ومما يدل على أنها رخصة ما روي عن الحسن أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم. ثم دعا الآخر فقال له أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إنى أصم، قالها ثلاثا وفي كل يجيبه بأني أصم، فضرب عنقه. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضله، فهنيئا له، وأما الآخر فقد رحمه الله تعالى فلا تبعة عليه. (١) وأما القسم الثاني في العداوة المبينة على الأغراض الدنيوية فقد اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه، فقال بعضهم: تجب لقوله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ وبدليل النهي عن إضاعة المال. وقال قوم: لا تجب إذ الهجرة عن ذلك المقام مصلحة من المصالح الدنيوية. ولا يعود من تركها نقصان في الدين لاتحاد الملة، وعدوه القوي المؤمن لا يتعرض له بالسوء من حيث هو مؤمن. وقال بعضهم: الحق أن الهجرة هنا قد تجب أيضا إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه أو هتك حرمته بالإفراط، ولكن ليست عبادة وقربة حتى يترتب عليها الثواب، فإن وجوبها محض مصلحة دنيوية لذلك المهاجر لا لإصلاح الدين فيترتب عليها الثواب، وليس كل واجب يثاب عليه لأن التحقيق أن كل واجب لا يكون عبادة، بل كثير من الواجبات لا يترتب عليه ثواب كالأكل عند شدة الجوع والاحتراز عن المضرات المعلومة أو المظنونة في المرض، فهذه الهجرة في مصالح الدنيا ليست كالهجرة إلى الله تعالى ورسوله ﷺ فتكون مستوجبة لفضل الله تعالى وثواب الآخرة. وعدّ قوم من باب التقية مداره الكفار والفسقة والظلمة وإلانة الكلام والتبسم في وجوههم والانبساط معهم وإعطائهم لكف أذاهم وقطع لسانهم وصيانة العرض منهم، ولا يعد ذل من باب الموالاة المنهي عنها، بل هي سنة وأمر مشروع، فقد روى الديلمي عن النبي ﷺ أنه قال «إن الله أمرني بمداراة الناس، كما أمرني بإقامة الفرائض» (٢) وفي رواية «بعثت بالمداراة» (٣) وفي الجامع «سيأتيكم ركب مبغضون،

стр. 304

فإذا جاءوكم فرحبوا بهم» (١) وروى ابن أبي الدنيا (٢) «رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى مداراة الناس» (٣) وفي رواية البيهقي «رأس العقل المداراة» (٤) وأخرج الطبراني «مداراة الناس صدقة» (٥) وفي رواية له «ما وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة» (٦) وأخرج ابن عدي وابن عساكر «من عاش مداريا مات شهيدا، قوا بأموالكم أعراضكم، وليصانع أحدكم بلسانه عن دينه» (٧) وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: استأذن رجل على رسول الله ﷺ وأنا عنده، فقال رسول الله ﷺ «بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة» ثم أذن له فألان له القول، فلما خرج قلت: يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول، فقال: «يا عائشة إن من شر الناس من يتركه الناس - أو يدعه الناس - اتقاء فحشه» (٨) وفي البخاري عن أبي الدرداء «إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم» وفي رواية الكشميهني «وإن قلوبنا لتقليهم» وفي رواية ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحرمي بزيادة «ونضحك إليهم» إلى غير ذلك من الأحاديث. ولكن لا ينبغي المداراة إلى حيث يخدش الدين ويرتكب المنكر ويسيء الظنون. هذا كله على مذهب أهل السنة، وبقي قولان لفئتين متباينتين من الناس وهم الخوارج والشيعة: أما الخوارج فذهبوا إلى أنه لا تجوز التقية بحال، ولا يراعى المال وحفظ النفس والعرض في مقابلة الدين أصلا. ولهم تشديدات في هذا الباب عجيبة، منها أن احدا لو كان يصلي وجاء سارق أو غاصب ليسرق أو يغصب ماله الخطير لا يقطع الصلاة بل يحرم عليه قطعها، وطعنوا على بريدة الأسلمي صاحب رسول الله ﷺ أنه كان يحافظ على فرسه في صلاته كيلا يهرب. (٩) ولا يخفى أن هذا المذهب من التفريط بمكان. وأما الشيعة فكلامهم مضطرب في هذا المقام، فقال بعضهم إنها جائزة في الأقوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح، ولا تجوز في الأفعال كقتل المؤمن ولا يكون فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه فساد في الدين. وقال المفيد: إنها قد تجب أحيانا، وقد يكون فعلها في وقت افضل من تركها، وقد يكون تركها افضل من فعلها. وقال أبو جعفر الطوسي: إن ظاهر الروايات يدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس. (١٠) وقال غيره: إنها واجبة عند الخوف على المال أيضا، (١١) ومستحبة لصيانة العرض

стр. 305

حتى يسن لمن اجتمع مع أهل السنة أن يوافقهم في صلاتهم وصيامهم وسائر ما يدينون به. ورووا عن بعض ائمة أهل البيت «من صلى وراء سني تقية فكأنما صلى وراء نبي». (١) وفي وجوب قضاء تلك الصلاة عندهم خلاف. وكذا في وجوب قضاء الصوم على من أفطر تقية حيث لا يحل الإفطار قولان أيضا. (٢) وفي أفضلية التقية من سني واحد صيانة لمذهب الشيعة عن الطعن خلاف أيضا. وأفتى كثير منهم بالأفضلية، ومنهم من ذهب إلى جواز - بل وجوب - إظهار الكفر لأدنى مخافة أو طمع، ولا يخفى أنه من الإفراط بمكان. وحملوا أكثر أفعال الأئمة - مما يوافق مذهب أهل السنة ويقوم به الدليل على رد مذهب الشيعة - على التقية، وجعلوا هذا أصلا أصيلا واستوى عليه دينهم وهو الشائع الآن فيما بينهم. (٣) حتى نسبوا ذلك للأنبياء ﵈، (٤) وجل غرضهم من ذلك إبطال خلافة الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم، ويأبى الله تعالى ذلك، ففى كتبهم ما يبطل كون أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه ونبيه ﵁ ذوى تقية، بل ويبطل أيضا فضلها الذي زعموه. ففي كتاب (نهج البلاغة) الذي هو في زعمهم أصح الكتب بعد كتاب الله أن الأمير كرم الله تعالى وجهه قال: «علامة الإيمان إيثارك الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك» (٥) وأين هذا من تفسيرهم قوله تعالى ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ بأكثركم تقية؟ (٦) وفيه أيضا أنه كرم الله تعالى وجهه قال «إني والله لو لقيتهم واحدا وهم طلاع الأرض (٧) كلها ما بليت ولا استوحشت، وإني من ضلالتهم التي هم فيها والهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربي، وإلى لقاء الله وحسن ثوابه لمنتظر راج» (٨) وفي هذا دلالة على أن الأمير لم يخف وهو منفرد من حرب الأعداء وهم جموع،

стр. 306

ومثله لا يتصور أن يتأتى منه ما فيه هدم الدين. وروى العياشي عن زرارة بن أعين عن أبي بكر بن حزم أنه قال توضأ رجل ومسح على خفيه فدخل المسجد [فصلى] (١) فجاء علي كرم الله تعالى وجهه فوجأه على رقبته فقال: ويلك تصلى وأنت على غير وضوء؟ فقال: أمرني عمر، فأخذ بيده فانتهى إليه ثم قال: انظر ما يقول هذا عنك - ورفع صوته على عمر - فقال عمر: أنا أمرته بذلك. (٢) فانظر كيف رفع الصوت ولم يتاقه. وروى الراوندي شارح نهج البلاغة ومعتقد الشيعة في كتاب الخرائج والجرائح (٣) عن سلمان الفارسي أن عليا بلغه عن عمر أنه ذكر شيعته فاستقبله في بعض طرق بساتين المدينة وفي يد علي قوس فقال يا عمر بلغني عنك ذكرك لشيعتي، فقال: أربع على صلعتك. فقال علي: إنك ههنا؟ ثم رمى بالقوس على الأرض فإذا هي ثعبان كالبعير فاغرا فاه وقد أقبل نحو عمر ليبتلعه، فقال عمر: الله الله يا أبا الحسن، لا عدت بعدها في شيء، فجعل يتضرع، فضرب بيده على الثعبان فعادت القوس كما كانت، فمضى عمر إلى بيته. قال سلمان: فلما كان الليل دعاني علي فقال: سر إلى عمر، فإنه حمل إليه مال من ناحية المشرق، وقد عزم أن يخبئه فقل له: يقول لك علي: أخرج ما حمل إليك من المشرق ففرقه على من هو لهم ولا تخبئه فأفضحك. قال سلمان: فمضيت إليه وأديت الرسالة، فقال: أخبرني عن أمر صاحبك من أين علم به؟ فقلت: وهل يخفى عليه مثل هذا؟ فقال: يا سليمان اقبل عني ما أقول لك، ما علي إلا ساحر، والصواب أن تفارقه وتصير من جملتنا. قلت: ليس كما قلت، لكنه

стр. 307

ورث من أسرار النبوة ما قد رأيت منه، وعنده أكثر من هذا. قال: ارجع إليه فقل: السمع والطاعة لأمرك. فرجعت إلى علي، فقال: أحدثك عما جرى بينكما؟ فقلت: أنت أعلم مني. فتكلم بما جرى بيننا ثم قال: إن رعب الثعبان في قلبه إلى أن يموت. (١) وفي هذه الرواية ضرب عنق التقية أيضا، إذ صاحب هذه القوس تغنيه قوسه عنها ولا تحوجه أن يزوج ابنته أم كلثوم (٢) من عمر خوفا منه وتقية. (٣) وروى الكليني عن معاذ بن كثير (٤) عن أبي عبد الله أنه قال: إن الله أنزل على نبيه ﷺ كتابا، فقال جبريل: يا محمد هذه وصيتك إلى النجباء فقال: ومن النجباء يا جبريل؟ فقال: علي بن أبي طالب وولده. وكان على الكتاب خواتم من ذهب، فدفعه رسول الله ﷺ إلى علي وأمره أن يفك خاتما منه فيعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسن ففك منه خاتما فعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسين ففك خاتما فوجد فيه أن أخرج قومك إلى الشهادة فلا شهادة لهم إلا معك واشتر نفسك من الله تعالى، ففعل. ثم دفعه إلى علي بن الحسين ففك خاتما فوجد فيه أن اطرق واصمت والزم منزلك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين، ففعل. ثم دفعه إلى ابنه محمد بن علي ففك خاتما فوجد فيه: حدث الناس وأفتهم وانشر علوم أهل بيتك وصدق آباءك الصالحين ولا تخافن أحدا إلا الله تعالى فإنه لا سبيل لأحد عليك. ثم دفعه إلى جعفر الصادق ففك خاتما فوجد فيه: حدث الناس وأفتهم ولا تخافن إلا الله تعالى وانشر علوم أهل بيتك وصدق آباءك الصالحين فإنك في حرز وأمان، ففعل. ثم دفعه إلى موسى وهكذا إلى المهدي. (٥) رواه من طريق آخر عن معاذ أيضا عن أبي عبد الله وفي الخاتم الخامس: وقل الحق في الأمن والخوف، ولا تخش إلا الله تعالى. (٦) وهذه الرواية أيضا

стр. 308

صريحة بأن أولئك ليس دينهم كما تزعمه الشيعة. وروى سليم بن قيس الهلالي الشيعي من خبر طويل أن أمير المؤمنين قال: «لما قبض رسول الله ﷺ ومال الناس إلى أبي بكر فبايعوه حملت فاطمة وأخذت بيد الحسن والحسين ولم تدع أحدا من أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلا ناشدتهم الله تعالى حقي ودعوتهم إلى نصرتي، فلم يستجب لي من جميع الناس إلا أربعة: الزبير وسلمان وأبو ذر والمقداد.» (١) وهذه تدل على أن التقية لم تكن واجبة على الإمام، لأن هذا الفعل عند من بايع أبا بكر ﵁ فيه ما فيه. وفي كتاب أبان بن عياش أن أبا بكر بعث قنفدا (٢) إلى علي حين بايعه الناس ولم يبايعه علي وقال: انطلق إلى علي وقل له أجب خليفة رسول الله ﷺ . فانطلق فبلغه، فقال له: ما أسرع ما كذبتم على رسول الله ﷺ وارتددتم والله ما استخلف رسول الله ﷺ غيري. (٣) وفيه أيضا: «أنه لما لم يجب علي غضب عمر وأضرب النار بباب علي وأحرقه ودخل فاستقبلته فاطمة وصاحت: يا أبتاه، يا رسول الله. فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها المبارك ورفع السوط فضرب به درعها فصاحت: يا أبتاه. فأخذ علي بتلابيب عمر وهزه ووجأ أنفه ورقبته». (٤) وفيه أيضا أن عمر

стр. 309

قال لعلي: بايع أبا بكر، قال: إن لم أفعل ذلك؟ قال: إذا لأضربن عنقك. قال: كذبت والله يا ابن صهاك (١) لا تقدر على ذلك، أنت ألأم وأضعف من ذلك. (٢) فهذه الروايات تدل صريحا أن التقية بمراحل من ذلك الإمام، إذ لا معنى لهذه المناقشة والمسابة مع وجوب التقية. وروى محمد بن سنان (٣) أن أمير المؤمنين قال لعمر: يا مغرور، إنى أراك في الدنيا قتيلا بجراحة عبد أم معمر، (٤) تحكم عليه جورا فيقتلك، ويدخل بذلك الجنان على رغم منك» (٥) ورورى أيضا أنه قال مرة لعمر: «إن لك ولصاحبك الذي قمت مقامه هتكا وصلبا، وتخرجان من جوار رسول الله ﷺ فتصلبان على شجرة يابسة فتورق فيفتتن بذلك من ولاكما، ثم يؤتى بالنار التي أضرمت لإبراهيم ويأتي جرجيس (٦) ودانيال (٧) وكل نبي وصديق فتصلبان فيها فتحرقان وتصيران رمادا، ثم تأتى ريح فتنسفكما في اليم نسفا». (٨) فانظر بالله عليك من يروي هذه الأكاذيب (٩) عن الإمام كرم الله تعالى وجهه، هل ينبغي له أن يقول بنسبة التقية إليه؟ سبحان الله! إن هذا لهو العجب العجاب والداء العضال. ومما يرد قولهم أن زكريا ويحيى والحسين ليس لهم عند الله كرامة وفضل لأنهم لم يفعلوا التقية، ويلزم أن يكون جميع المنافقين في عهده ﷺ في أعلى المراتب من الكرامة.

стр. 310

سبحانك هذا بهتان عظيم. ﴿ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ وأيضا أن التقية لا تكون إلا لخوف، والخوف قسمان: الأول الخوف على النفس وهو منتف في حضرات الأئمة بوجهين: أحدهما أن موتهم الطبيعي باختيارهم كما أثبت هذه المسألة الكليني في (الكافي) وعقد لها بابا وأجمع عليها سائر الإمامية. (١) وثانيهما أن الأئمة يكون لهم علم بما كان ويكون، (٢) فهم يعلمون آجالهم وكيفيات موتهم وأوقاته بالتفصيل والتخصيص، فقبل وقته لا يخافون على أنفسهم، ولا حاجة بهو إلى أن ينافقوا في دينهم ويغروا عوام المؤمنين. القسم الثاني خوف المشقة والإيذاء البدني والسب والشتم وهتك الحرمة، ولا شك أن تحمل هذه الأمور والصبر عليها وظيفة الصلحاء، فقد كانوا يتحملون البلاء دائما في امتثال أوامر الله تعالى، وربما قابلوا السلاطين الجبابرة. وأهل البيت النبوي أولى بتحمل الشدائد في نصرة دين جدهم ﷺ . (٣) وأيضا لو كانت التقية واجبة فلم توقف إمام الأئمة كرم الله تعالى وجهه عن بيعة خليفة رسول الله ﷺ ستة اشهر؟ وماذا منعه من أداء الواجب أول وهلة؟ (٤) ومما يرد قولهم في نسبة التقية إلى الأنبياء ﵈ بالمعنى الذي أرادوه قوله تعالى في حقهم ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا﴾ وقوله سبحانه لنبيه ﷺ ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ وقوله تعالى ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يجب الصابرين﴾ إلى غير ذلك من الآيات. نعم لو أرادوا بالتقية المداراة التي أشرنا إليها لكان لنسبتها إلى

стр. 311

الأنبياء والأئمة وجه، وهذا أحد محملين لما أخرجه عند بن حميد عن الحسن أنه قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة. (١) والثاني حمل التقية على ظاهرها وكونها جائزة إنما هو على التفصيل الذي ذكرناه. وإنما ذكرت لك ما ذكرت، وحررت في هذا المقام ما حررت، من الدلائل القطعية والبراهين الجلية، لينقطع عرق التقية التي هي أساس مذهب الشيعة وعماد كل قبيحة وشنيعة. (الأنبياء وولاية علي) ومن تعصباتهم انهم يقولون إن الله تعالى أرسل جميع الأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام لولاية علي. (٢) وكان علي من جميع الأنبياء سرا، ومع نبينا ﷺ جهرا، كما رواه ابن طاوس وغيره. (٣) وانه لولا علي لم تخلق الأنبياء كما رواه ابن المعلم عن محمد بن الحنفية. (٤) وأن درجة علي فوق درجة الأنبياء والرسل يوم القيامة، (٥) وأنهم يحشرون مع شيعته، (٦) وأنهم متدينون بمحبته كما رواه ابن طاوس أيضا. (٧) ومن اعتقد خلاف ذلك فهو كافر بزعمهم. وأنت تعلم أن هذا مخالف لجميع الشرائع، وبداهة العقل، وآيات الكتاب. (٨) نسأل الله تعالى السلامة من مثل هذه العقائد الباطلة لدى أولي الألباب. ومن تعصباتهم أنهم يقولون: إن الله تعالى قد أمر الكرام الكاتبين يوم قتل عمر أن يرفعوا الأقلام ثلاثة أيام عن جميع الخلائق فلا يكتبون ذنبا على أحد، كما رواه علي ابن مظاهر الواسطي عن أحمد بن إسحاق القمي عن العسكري عن النبي ﷺ فيما حكاه عن ربه ﷻ . (٩) ولا يخفى كذب هذه الرواية وبطلانها، إذ يلزم أن من زنى بأمه أو سب الأمير أو عبد الأوثان في تلك الأيام ومات فيها دخل الجنة بلا حساب وفاز بالنعيم

стр. 312

من غير عقاب وقد قال تعالى ﴿ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ وكثير من روايات الأئمة توافق هذه الآية، ولكن من أضله الله تعالى لا تنفعه الهداية. ومن تعصباتهم أنهم يقولون: إنما أخذ النبي ﷺ أبا بكر معه حين هاجر من مكة لئلا يعلم كفار قريش بخروجه وطريق ذهابه. (١) ويرده قوله تعالى ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ فقد حكى الله تعالى حزنه على الرسول وتسلية الرسول ﷺ له. وقال عبد الله المشهدي أحد روساء الشيعة: الحق أن هذا الاحتمال، أي إخراج الرسول له لئلا يعلم كفار قريش بخروج النبي ﷺ بعيد جدا ولعل النبي ألف صحبته لسبقه في الإسلام وملازمته للرسول ﷺ . وقال المفسر النيسابوري: (٢) ثم إننا لا ننسى أن اضطجاع علي على فراشه ﷺ طاعة وفضيلة، إلا أن صحبة أبي بكر أعظم، لأن الحاضر أعلى من الغائب، ولأن عليا ما تحمل المحنة إلا ليلة واحدة وأبو بكر مكث في الغار أياما، وإنما اختار عليا للنوم في فراشه لأنه كان صغيرا لم تظهر منه دعوة بالدليل والحجة وجهاد بالسيف والسنان، بخلاف أبي بكر فإنه دعا في جماعة إلى الدين، وقد ذب عن الرسول ﷺ بالنفس والمال، وكان غضب الكفار على أبي بكر أشد من غضبهم على علي، ولهذا لم يقصدوا عليا بضرب وألم لما عرفوا أنه مضطجع. انتهى.

стр. 313

ومن هذيانتهم أنهم يقولون: المراد من دابة الأرض في القرآن أمير المؤمنين، وقد فسر الكليني بذلك قوله تعالى ﴿وإذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون﴾. ويزعم أنه روى ذلك عن أبي جعفر عن أمير المؤمنين أنه قال «أنا الدابة التي تكلم الناس» (١) مع أن الدابة حسبما تدل عليه الآية ستخرج قبل قيام الساعة، (٢) ورجعة الأمير التي يزعمونها في عهد الإمام المهدي، وبينه وبين قيام الساعة أمد بعيد وزمان مديد، (٣) وبالله تعالى العجب، وما أجرأ هؤلاء الكفرة على سوء الأدب! (٤) (في مشابهتهم لليهود والنصارى) ولنذكر لك ههنا فائدة تتعلق بحالهم وتزيد بصيرة في ضلالهم. إن مذهب الشيعة له مشابهة تامة ومناسبة عامة مع فرق الكفرة والفسقة الفجرة؛ أعني اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين. (مشابهتهم لليهود) أما مشابهتهم لليهود فلأن اليهود قالت: لا تصلح الإمامة إلا لرجل من آل داود ﵇، وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا لردل من ولد علي بن أبي طالب ﵁. (٥) وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال وينزل بسبب من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي وينادي مناد من السماء. (٦) واليهود تؤخر صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم، وكذلك الرافضة يؤخرونها. (٧) واليهود تنود في الصلاة، وكذلك الرافضة. (٨) واليهود لا ترى على النساء عدة، وكذلك الرافضة. (٩) واليهود حرفوا التوراة، وكذلك الرافضة حرفوا القرآن. (١٠) واليهود يبغضون

стр. 314

جبريل ﵇ ويقولون هو عدونا من الملائكة، وكذلك صنف من الروافضة يقولون: غلط جبريل ﵇ بالوحي إلى محمد ﷺ ، وإنما بعث علي كرم الله تعالى وجهه. (١) واليهود كانوا يبغضون الصحابة، وكذلك الرافضة. (٢) إلى غير ذلك. (مشابهتهم للنصارى) وأما مشابهتهم للنصارى فلأن النصارى أحدثوا كثيرا من الأعياد، وكذلك الرافضة. كيوم مقتل عمر وعثمان وما أشبه ذلك. (٣) والنصارى يصورون صورة عيسى ومريم ويضعون ذلك في كنائسهم ويعظمونها ويسجدون لها، فكذلك الرافضة فإنهم يصورون صور الأئمة ويعظمونها بل يسجدون لها ولقبورهم وما جرى مجرى ذلك. (٤) (مشابهتهم للصابئين) وأما مشابهتهم للصابئين فلن الصابئين كانوا يحترزون عن أيام يكون القمر بها في العقرب أو الطرف أو المحاق، وكذلك الرافضة. (٥) وكانت الصابئة يعتقدون أن جميع الكواكب فاعلة مختارة، وأنها هي المدبرة للعالم السفلي، وكذلك الرافضة. (٦)

стр. 315

(مشابهتهم للمشركين) وأما مشابهتهم للمشركين فلأنهم يعظمون قبور الأئمة ويطوفون حولها، بل ويصلون إليها مستدبرين القبلة، إلى غير ذلك من الأمور التي يستقل لديها فعل المشركين مع أصنامهم. (١) وإن حصل لك ريب من ذلك فاذهب يوم السبت (٢) إلى مرقدي موسى الكاظم ومحمد الجواد ﵁ فانظر ماذا ترى، ومع ذلك فهذا معشار ما يصنعون عند قبر الأمير كرم الله تعالى وجهه ومرقد الإمام الحسين ﵁، ومما لا يشك ذو عقل في إشراكهم والعياذ بالله تعالى. (مشابهتهم للمجوس) وأما متشابهتهم للمجوس فلأن المجوس يزعمون أن خالق الخير يزدان وخالق الشر أهرمن وكذلك الروافض يزعمون [أن] الله تعالى خالق الخير فقط، والإنسان والشيطان خالقان الشر. ولهذا قال الأئمة في حقهم «إنهم مجوس هذه الأمة» كما مر في الإلهيات. وكذلك تعظيمهم للنيروز (٣) وغير ذلك، أعاذنا الله تعالى من سلوك هاتيك المسالك. (خاتمة) ومن استكشف عن عقائدهم الخبيثة وما انطووا عليه، علم أن ليس لهم في الإسلام نصيب، وتحقق كفرهم لديه ورأى منهم كل أمر عجيب، واطلع على كل أمر غريب، وتيقن أنهم قد أنكروا الحسي، وخالفوا البديهي الأوّلي. ولا يخطر بالهم عتاب ولا يمر على أذهانهم عذاب أو عقاب. فإن جاءهم الباطل أحبوه ورضوه، وإذا جاءهم الحق كذبوه وردوه: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون﴾ ولقد غشى على

стр. 316

قلوبهم الران فلا يعون ولا يسمعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولقد تعنتوا بالفسق والعصيان في فروع الدين وأصوله، فصدق ظن إبليس فاتبعوه من دون الله ورسوله. فيا ويلهم من تضييعهم الإسلام ويا خسارتهم مما وقعوا فيه من حيرة الشبه والأوهام. فلو التفت إلى ما هم عليه في هذا الزمان، لوجدتهم في صريح من الضلال والخسران، لأنهم إلى الحق لا يلتفتون، ولا بمثل ذلك يعبأون، بل هم بالدين يستهزئون. ولو أنك ذكرت لهم شيئا من مثالبهم، وصرحت بشيء من عيوبهم، أخذتهم العزة بالإثم، وصار ذلك عندهم من أنكر المناكر، حيث إنهم قد فرحوا بما عندهم من الجهل، وما انطووا عليه من خبث السرائر، حتى كأنهم للدنيا خلقوا، فهم لها في جميع أحوالهم يعملون، وعلى دقائق شيء ونها بأفكارهم يغوصون، وبالمتاعب وتحمل المشاق فيها إلى الموت يترددون، لبئس ما كانوا يصنعون. فالاشتغال بعلومهم، ورد ما ادعوه في كتبهم من أصولهم وفروعهم، أولى ممن خالف أهل الحق بإعداد العدد، وأحق من هؤلاء بما نستمده من كل برهان وسند. كيف لا وهم قد وافقونا في لباسنا، وزاحمونا في أملاكنا، ونفثوا بسحرهم في أسلاكنا، بحيث ما ألقوه من الدسائس في عباراتهم، ويذهب على كثير من الناس ما يصدر عنهم من لحن القول في محاوراتهم، حتى أن كثيرا منهم يبرأ من بدعته، ويلتزم ما التزمه أهل السنة في طريقته، بحيث تخفى حاله على كل أحد، ولا يتبين أمره إلا لمن عرف ونفذ، فيتوصل بذلك إلى شبه ودسائس يلقيها في كلامه لجل إضلال مخاطبه من حيث لا يشعر بمقصوده ولا يدرى بمرامه. فمنهم من ألف كتابا في مناقب الإمام الشافعي وأودع فيه من الدسائس الرافضية ما يخفى إلا على المتبحر. ومنهم من ألف في مذاهب المجتهدين وذكر فيا ما يخالف مذهبهم قصدا إلى ترويج مذهبه وإبطال مذهب أئمة الدين. فهم أعداء أنبياء الله تعالى ورسله، والمحرفون لكلام الشريعة عن موضعه ومحله. ولعمر الله إن هؤلاء الطغام الحيارى أضر على عوام المسلمين من اليهود والنصارى. فالحذر الحذر منهم، والفرار الفرار منهم. والزم أيها الأخ الطالب للنجاة من الارتباك في ورطة الشبه والتمويه، وعليك بالسلوك في طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلال وشبه

стр. 317

المبتدعين ولا تغتر بتوافر الملحدين، وكثرة الهالكين. وكن حريصا على التفتيش عما كان عليه الصحابة من الأحوال متبعا ما كانوا يتحرونه من الأعمال، فهم السواد الأعظم، الواقفون من الهداية المحمدية على ما لم نعلم. ومنهم يعرف الحسن من القبيح، والمرجوح من الرجيح. فمن اتبع غير سبيل المؤمنين (١)، فهو الحقيق بوعيد رب العالمين. قال تعالى تعليما لعباده وتذكيرا ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾. ومن نظر بعين بصيرته، وأمعن الفكر في طريق الاتباع وحقيقته، فحاد وابتدع، وللهوى والأطماع اتبع، كان كحاطب ليل أو متحير يدعو على نفسه بالثبور والويل، وقال تعالى في بيان طريق الهدى وتفضيله ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ فحث سبحانه على اتباع سبيله الذي هو الكتاب والسنة، ونهى جل شانه عن اتباع السبل مبينا بأن ذلك سبب للتفرق والمحنة. ولذلك ترى أهل السنة قد لزموا سبيلا واحدا، ولم تر منهم زائغا عما به وحائدا. وأما أهل البدع والأهواء وذوو الضلال والافتراء فقد افترقوا في سبلهم على حسب معتقداتهم الفاسدة، وتشتتوا على مقتضى آرائهم الكاسدة، فهم على ما زعموه مصرون، وكل حزب بما لديهم فرحون. فإذا الواجب علينا معاشر أهل السنة اتباعه ﷺ في جميع اقواله، والتأسي به في سائر أفعاله وأحواله، والاقتداء بما كان عليه أصحابه، فإنهم المبلغون عنه ﷺ وأحبابه، لأن من اقتدى بأولئك الأعلام، فقد اقتدى به ﷺ . وما أخبث رجلا ترك سبيل السنة الشارحة للكتاب، واستبدل بالنعيم المقيم العذاب ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة في الدنيا أو يصيبهم عذاب أليم﴾. روى البخاري في صحيحه عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل

стр. 318

بعد هذا الخير من شر؟ قال ﷺ : نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، وتعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». فيا له من حديث اشتمل على علوم أخبر بها الصادق الأمين، وأبان عن فوائد جليلة تفيد العلم اليقين: منها حرص الصحابة ﵁ على علم ما يستقيم به دينهم المتين، ومنها أن أول خير يقع في أمته فيه كدورة تذهب بصفائه، وفيه تغيير يغاير ما أمروا باقتفائه. ومنها أن يكون بعد ذلك دعاة من الأشرار، من أجابهم قذفوه والعياذ بالله تعالى في النار، فهم كذابون دجالون، ضالون مضلون. روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتوكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يضلونكم» أخرجه الإمام مسلم وغيره. ولقد صدق عليهم قوله تعالى ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾ ومنها أن النبي ﷺ أمر من أدرك الزمان أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم، وهم الذين اتبعوا سنته ولازموا طريقته، فإن لم يكن لهم جماعة وكانوا غرباء فالواجب عليهم العزلة عن تلك الفرق كلها. ثم حرض ﷺ على هذا الاعتزال الذي فيه سلامة الدين بقوله على سبيل المبالغة «ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت» وأنت على هذا العمل، معرض عن كل ما يفسد عليك دينك الذي هو رأس مالك، صابر على تلك المعاطب والمهالك. وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال «أوصيكم

стр. 319

بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» فقد أوصانا ﷺ بلزوم سنته وسنة الخلفاء الراشدين الذين هم على طريقته. إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة والأخبار الرجيحة التي تحث على اتباع الكتاب وسنة الرسول ﷺ ، فإنهما إلى سبيل العليم العلام. ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي الأمي وآله وصحبه أجمعين تم بحمد الله هذا المختصر وقد سماه علامة العراق السيد محمود شكري الألوسي ﵀ المنحة الإلهية تلخيص ترجمة التحفة الاثني عشرية والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

стр. 320

خاتمة: حملة رسالة الإسلام الأولون وما كانوا عليه من المحبة والتعاون على الحق والخير وكيف شوه المغرضون جمال سيرتهم روى الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه (ك ٦٢ ب ١) عن عمران بن حصين ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم (قال عمران بن حصين: فلا أدرى أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا، (١) ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن». وروى البخاري مثله بعده عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ . وحديث هذا عند الإمام أحمد أيضا في مسنده، وفي صحيح مسلم، وفي سنن الترمذي. وروى مسلم مثله في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين ﵂.
следующие страницы →