← Акыда

Акыда · id 36091

مختصر التحفة الاثني عشرية

محمود شكري الألوسي

Полный текст (339 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وإن الرجل إذا قال لامرأته «أنت طالق» أو «طلاق» ولو ألف مرة لا يقع الطلاق عندهم أبدا ما لم يقل «طلقتك». وقد عد الشارع هاتين الصيغتين من الطلاق الصريح أيضا، وإن كان أصل وضعها للإخبار بالطلاق، كما أن «طلقتك» كذلك. وهذه الألفاظ كلها مستعارة من الإخبار للإنشاء مثل «أنت حر» أو «عتيق» مع أنهم قائلون بوقوع الطلاق فيما إذا سأل رجل آخر: هل طلقت فلانة؟ فقال: نعم. مع أن الصريح فيه كون معنى الإخبار مرادا به الإنشاء، (١) وإلا فكيف يقع في جواب الاستفهام؟ ويقولون أيضا: لا يصح الطلاق إلا بحضور شاهدين كالنكاح، (٢) مع ان المعلوم قطعا من الشرع أن الإشهاد في الرجعة والطلاق مستحب لمحض قطع النزاع المتوقع، لا أن حضور الشاهدين شرط في الطلاق أو الرجعة كما في النكاح. وكان توارث جميع الأمة في حضور النبي ﷺ إلى زمان الأئمة على هذا، وهو أنهم لم يطلبوا حضور الشهود عند الطلاق قط. والفرق بين النكاح والطلاق بيّن، إذ الإعلان في النكاح ضروري حتى يميز عن الزنا ولا يتهم بها، فأقل حد الإعلان يثبت شاهدين كما تقرر في الشرع، بخلاف الطلاق إذ لا حاجة فيه إلى الإعلان لعدم التباسه بشيء حتى يميز، ولعدم التهمة في ترك الصحبة والجماع، فالطلاق كالبيع والإجارة وسائر العقود في إحضار الشهود لمخافة الإنكار. ويقولون أيضا: لا يقع الطلاق بالكنايات إن كان الزوج حاضرا، مع أنه لا خلاف بين حضوره وغيبته، (٣) بل هو خلاف قاعدة الشرع، فإن الشارع لم يعتبر في إيقاع الطلاق حضور الزوج وغيبته قط، بل في كل باب. فالفرق تشريع جديد من قبلهم. ويقولون أيضا: إذا نكح المجبوب - وهو مقطوع الذكر فقط - امرأة ثم طلقها بعد الخلوة الصحيحة لا تجب العدة عليها، مع أنهم قائلون بثبوت نسب الولد بهذا الرجل إن ولد منها. (٤) فاحتمال العلوق من هذا الرجل ثبت أيضا عندهم، فكيف لا تجب عليها العدة؟ فإن وجوبها إنما هو لمعرفة العلوق، ويمكن حصوله من هذا الرجل بناء على القواعد

стр. 247

الطبية، لأن محل المني ووعاءه الأنثيان لا الذكر فيحتمل أن يخرج منيه من منفذ الذكر عند المساحقة ويدخل في الفرج فيجذبه الرحم بسرعة فيتعلق الولد منه، لأن الرحم أشد اشتياقا للمني لعدم النضج التام بسبب انتفاء المحل. ويقولون أيضا: لا يقع الظهار إذا أراد الزوج بإيقاعه إضرار زوجته بترك الوطء، (١) مع أن الشارع قصد سد باب الإضرار بإيجاب الكفارة على المظاهر، فلو لم يقع الظهار ولم يجب شيء في الإضرار لزم المناقضة في مقصود الشارع. ومع ذلك فقولهم مخالف لنص الكتاب والأحاديث وآثار الأئمة، فإنها واقعة بلا تقييد ومروية بروايات مصححة في كتبهم. (٢) ويقولون أيضا: إن عجز المظاهر عن أداء خصال الكفارة - من تحرير رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا - فليصم ثمانية عشر يوما، وهذا القدر من الصوم يكفيه. (٣) ولا يخفى أن هذا الحكم تشريع جديد من قبلهم بخلاف ما أنزل الله. ويقولون أيضا: يشترط في اللعان كون المرأة مدخولا بها، (٤) مع أن لحوق العار بتهمة الزنا أكثر من غير الدخول بها، وقد تقرر أن اللعان لدفع عار التهمة، وأنه أيضا مخالف لقوله تعالى ﴿والذين يرمون المحصنات ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ الآية فقد ورد بغير تقييد الدخول. (٥) مسائل الإعتاق والأيمان يقولون لا يقع العتق بلفظ العتق. (٦) سبحان الله ما أغرب هذا الحكم حتى إنه ليضحك الثكلى ويسخر منه الصبيان. ويقولون أيضا: لا يقع العتق بلفظ فك الرقبة أيضا، (٧) مع أنه قد وقع في عدة مواضع من القرآن التعبير بهذا اللفظ عن العتق وصار حقيقة شرعية فيه كقوله تعالى ﴿فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة﴾ الآية.

стр. 248

ويقولون أيضا: لا يصح عتق عبد أو امة ذاهب بمذهب أهل الحق أو غيرهم مما هو مخالف لمذهب الاثني عشرية، (١) مع أنه لا دليل لهم على هذا لا من الكتاب ولا من السنة، وما ذاك إلا محض عناد وجهل بالمراد. ألا ترى أن عتق العبد الكافر صحيح فضلا عن أن يكون له مذهب، وقد ثبت إيمان أهل السنة في كتبهم. (٢) ويقولون أيضا: لو صار العبد مجذوما أو أعمى أو زمنا يعتق بنفسه من غير إعتاق مالكه. (٣) وهذا العتق بخلاف قواعد الشرع، إذ لا يخرج مال أحد عن ملكه بنفسه بمعيوبيته، ولأن سبب تشريع العتق هو نفع العبد وقد صار ههنا لمحض ضرره وهلاكه؛ لأنه حينئذ لا اقتدار له على الكسب ولا نفقة له على سيده. فإن قالوا قد يحصل للعبد نفع بذلك بسبب استراحته عن الخدمة، قلنا لا يجوز على المالك تكليف مثل هؤلاء. ويقولون أيضا: إن خرجت نطفة السيد من بطن الأمة صارت أم ولد، (٤) فعلى هذا يلزم صيرورة كل جارية موطوءة أم ولد لأن عادة النساء ذلك. ومما علم بالتجربة أنه يبقى في الرحم من النطفة قدر الانعلاق ويخرج ما زاد عليه، فحينئذ لو كان خروج النطفة دليلا لكان على عدم الانعلاق، فكيف تصير الأمة أم ولد بخروجها؟ ويقولون أيضا: لو رهن رجل أمته ووطئها المرتهن مطلقا وجاءت بولد من المرتهن صارت أم ولد له. (٥) مع أن وطء المرتهن محض الزنا إذ لا ملك له ولا تحليل، مع أن التحليل أيضا لا يوجب كونها أم ولد عند الفرقة أيضا. (٦) ويقولون أيضا: لا ينعقد يمين الولد بغير إذن الوالد في غير فعل الواجب وترك القبيح، وكذلك يمين المرأة بغير إذن الزوج فيهما. (٧) مع أن ذلك مخالف لصريح قوله تعالى ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ وقوله سبحانه ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾.

стр. 249

ويقولون أيضا: إن نذر أحد أن يمشى إلى الكعبة راجلا وحج يسقط عنه هذا النذر، نص عليه أبو جعفر الطوسي. (١) مع أنه مخالف لقوله تعالى ﴿وليوفوا نذورهم﴾ وقوله تعالى ﴿يوفون بالنذر﴾. ويقولون أيضا: يلزم النذر بقصد القلب من غير ان يتلفظ بلفظ النذر سرا وجهرا، ويسمونه نذر الضمير. (٢) مع أنه لا يلزم في الشرع شيء بقصد القلب من جنس ما لا بد فيه من القول كاليمين والنذر والنكاح والطلاق والعتاق والرجعة والبيع الإجارة والهبة والصداقة وغيرها. مسائل القضاء يقولون لا ينفذ قضاء القاضي في الحدود، بل لابد فيها من الإمام المعصوم. (٣) فيلزم تعطيل الحدود في زمن غيبة الإمام أو عدم تسلط الائمة كما كانت في الأزمنة الماضية كذلك. ولو كان موجودا في محل فمن يقيم الحدود في محل آخر؟ مع أن جميع العبادات والمعاملات والكفارات ليست موقوفة على حضور الإمام، فلتكن إقامة الحدود أيضا من ذلك. ويقولون أيضا: يشترط في القضاء علم الكتابة. (٤) مع أنه لا دليل عليه، بل إن الدليل قائم على خلافه، فإن خاتم النبيين ﷺ كان له منصب القضاء بلا ريب لقوله تعالى ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ ولم يتصف بالكتابة لقوله تعالى ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ مع أنه لم يلحقه قصور من ذلك. مسائل الدعوى يقولون تقبل دعوى امرأة ماتت ابنتها بانها تركت عند ابنتها المتوفاة متاعا أو خادما بالأمانة وذلك من غير بينة ولا شهود؛ نص عليه ابن بابويه. مع أنه مخالف لقوله تعالى ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم ياتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ ولقوله ﷺ «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». (٥) وأيضا لو قبلت الدعاوى من غير بينة لفسد الدين واختل نظام المسلمين.

стр. 250

ويقولون أيضا: لو ادعى أحد على عدوه بالزنا وليس عنده شهود على إثبات هذه الدعوى يحلف ولا يحد بالقذف؛ نص عليه شيخهم المقتول في (المبسوط). (١) مع أن الحلف لا اعتبار له في الحدود، ويجب حد القذف على مدعيه إذا عجز عن إقامة البينة، وكيف لا ينظر إلى العداوة التي هي سبب ظاهر للاتهام والكذب؟ مسائل الشهادة والصيد والطعام ويقولون: تقبل شهادة الصبي غير البالغ في القصاص. (٢) مع أن الطفل ليس له أهلية الشهادة، لقوله تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ ولا سيما باب القصاص الذي فيه إتلاف النفس. ويقولون أيضا: صيد أهل الكتاب حرام، (٣) وذبيحة أهل السنة ميتة، (٤) وكذا ذبيحة من لم يستقبل القبلة عند الذبح. (٥) وكل ذلك مخالف لقوله تعالى ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين﴾. ويقولون أيضا: لو اصطاد أحد بغير المعتاد من الآلة لا يصير الصيد مملوكا. (٦) مع أنه لا فرق بين الآلة المعتادة وغيرها. ويقولون أيضا: إن لبن الميتة وما لا يؤكل من الحيوان حلال. (٧) ويقولون أيضا: إن الخبز الذي عجن دقيقه بماء نجس طاهر؛ كما ذكر الحلي في (التذكرة). (٨) وأيضا يقولون: إن الطعام الذي وقع فيه زرق الدجاج واضمحل فيه طاهر جائز أكله، (٩) وكذا لو طبخ المرق أو نحوه بماء الاستنجاء أو وقع شيء من زرق الدجاج، وكذا ماء الغدير الذي استنجى فيه كثير من الناس ووقع فيه دم حيض أو نفاس أو مذي وودي وبال فيه الكلب فإنه طاهر يجوز استعماله للشرب وطبخ شيء به، (١٠) وكذا إذا طبخ شيء بماء وكان قدر نصفه دم مسفوح أو بول حمار أو فرس. مع أن كل ذلك مخالف لقوله تعالى ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾. ويقولون أيضا: إن من كان جائعا ولو غنيا فنهب طعاما من مالكه الذي يطلب عليه أزيد من الثمن المتعارف فأكله جائز. (١١)

стр. 251

مسائل الفرائض والوصايا يقولون: إن ابن الابن لا يرث مع وجود الأبوين، مع أن هذا مخالف (١) لقوله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ وولد الابن داخل في الأولاد بلا شبهة لقوله تعالى ﴿أبناءنا وأبناؤكم﴾ وقوله تعالى ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ وقوله تعالى ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ الآية، ومخالف أيضا لما ثبت عندهم من الأخبار الصحيحة. (٢) ويقولون أيضا: لا يرث أولاد الأم من دية المقتول، (٣) وكذا لا ترث الزوجة من العقار. (٤) مع أن النصوص عامة. ويقولون أيضا: إن أكبر أولاد الميت (٥) يخصص من تركة أبيه بالسيف والمصحف والخاتم ولباسه بدون عوض، (٦) مع أن ذلك أيضا مخالف لنص الكتاب. وبعضهم يجعل الجدات والأعمام وأبناءهم محرومين من الأرث. (٧) ويقولون في مسائل الوصايا: إن المظروف تابع للظرف، فلو أوصى لآخر بصندوق يدخل في الوصية ما فيه من النقود والمتاع. (٨) ويقولون أيضا: تصح الوصية بتحليل فرج الأمة لرجل إلى سنة أو سنتين. (٩) مسائل الحدود والجنابات ويقولون في مسائل الحدود: يجب الحد على المجنون لو زنى بامرأة غافلة. (١٠) وهو مخالف لما ثبت عندهم من قوله ﷺ «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق ... » الحديث. (١١) ويقولون أيضا: يجب الرجم على امرأة جامعها زوجها ثم ساحقت تلك المرأة بكرا وحملت تلك البكر، تحد البكر مائة جلدة، مع أن السحاق لم يقل أحد إنه زنا. (١٢) ويقولون أيضا: يجب حد القذف على مسلم قال لآخر با ابن الزانية وكانت أم المقذوف كافرة، (١٣) مع أن نص القرآن يخصص حد القذف بالمحصنات والكافرة ليست بمحصنة، بل يجب تعزيره لحرمة ولدها المسلم. ويقولون أيضا: لو قتل الأعمى مسلما معصوما لا يقتص منه، (١٤) مع أن آية القصاص عامة للأعمى وغيره.

стр. 252

ويقولون أيضا: لو جاع شخص وعند آخر طعام لا يعطيه لجائع يجوز للجائع أن يقتله ويأخذ طعامه ولا يجب عليه شيء من القصاص والدية، مع أن عدم الإطعام للجائع ليس مجوزا للقتل في شريعة من الشرائع. ويقولون أيضا: لو قتل ذمي مسلما يعطى ورثة المقتول مال القاتل كله، والورثة مخيرون في جعل الذمي عبدا لهم وفي قتله. وكذا إن كان للذمي أولاد صغار يجوز لورثة المقتول أن يتخذوهم عبيدا وإماء. (١) مع أن الآية تدل على القصاص فقط، ولا يجوز الجمع بين القصاص والدية فضلا عن أن يصير القاتل عبدا أو ورثته، وقد قال تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. ولنكتف بهذا المقدار لأن هذياناتهم في مسائل الدين لا تسع أسفار، فنسبتها إلى العترة المطهرة محض بهتان، لا يخفى على ذوي العرفان. الباب الثامن مطاعنهم في الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة المكرمين وحضرة الصديقة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم أجمعين أعلم أولا أنه لم يسلم أحد من الكلام عليه وإلقاء التهمة بين يديه. ولله در من قال ممن وقف على حقيقة الحال: قيل إن الإله ذو ولد ... قيل إن الرسول قد كهنا ما نجا الله والرسول معا ... من لسان الورى فكيف أنا؟ ومع هذا لا يخفى على ذوي الألباب أن مطاعن هؤلاء لفرقة الضالة أشبه شيء ينبح الكلاب، بل لعمري إنه لصرير أو طنين ذباب. وإذا أتتك نقيصتي (٢) من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل

стр. 253

فدونك فانظر فيها، وتأمل بظواهرها وخافيها. المطاعن الأولى في حق الصديق الأجل فمنها أنه صعد يوما على منبر رسول الله ﷺ ، فقال له السبطان «انزل منبر جدنا» (١) فعلم أن ليس له لياقة الإمامة. والجواب - على فرض التسليم - أن السبطين كانا إذ ذاك صغيرين، فإن الحسن ولد في الثالثة من الهجرة في رمضان والحسين في الرابعة منها في شعبان، والخلافة في أول الحادية عشرة، فأفعالهما إن اعتبرت بحيث تترتب عليها الأحكام لزم ترك التقية الواجبة، وإلا فلا نقص ولا عيب. فمن دأب الأطفال أنهم إذا رأوا أحدا في مقام محبوبهم ولو برضائه يزاحمونه ويقولون له قم عن هذا المقام، فلا يعتبر العقلاء هذا الكلام، وهم وإن ميزوا عن غيرهم لكن للصبي أحكاما، ولهذا اشترط في الاقتداء البلوغ إلى حد كمال العقل. ألا ترى أن الأنبياء لم يبعثوا إلا على رأس الأربعين إلا نادرا كعيسى، والنادر كالمعدوم. ومنها أنه درأ الحد عن خالد بن الوليد أمير الأمراء عنده ولم يقتص منه أيضا، ولهذا أنكر عليه عمر لأنه قتل مالك بن نويرة مع إسلامه ونكح امرأته في تلك الليلة ولم تمض عدة الوفاة. وجوابه أن في قتله شبهة، إذ قد شهد عنده أن مالكا وأهله أظهروا السرور فضربوا بالدفوف وشتموا أهل الإسلام (٢) عند وفاة النبي ﷺ ، (٣) بل وقد قال في حضور

стр. 254

خالد في حق النبي ﷺ قال «رجلكم أو صاحبكم كذا». (١) وهذا التعبير إذ ذاك من شعار الكفار والمرتدين. وثبت أيضا أنه لما سمع بالوفاة رد صدقات قومه عليهم وقال: قد نجوت من مؤنة هذا الرجل، فلما حكى هذا للصديق لم يوجب على خالد القصاص ولا الحد إذ لا موجب لهما. (٢) فتدبر. (٣) وعدم الاستبراء بحيضة لا يضر أبا بكر، وخالد غير معصوم، على أنه لم يثبت أنه جامعها في تلك الليلة في كتاب معتبر. (٤) وقد أجيب عنه بأن مالكا كان قد طلقها وحبسها عن الزواج على عادة الجاهلية مدة مضي العدة، فالنكاح حلال. ثم إن الصديق قد حكم في درء القصاص حكم رسول الله ﷺ إذ قد ثبت في التواريخ أن خالدا هذا أغار على قوم مسلمين (٥) فجرى على لسانهم «صبأنا صبأنا» أى صرنا بلا دين، وكان مرادهم أنا تبنا عن ديننا القديم ودخلنا الصراط المستقيم فقتلهم خالد، حتى غضب عبد الله بن عمر فأخبر النبي ﷺ فآسف وقال: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد»، ولم يقتص منه، (٦) [ولم يؤدهم] (٧) فالفعل هو الفعل. على أن الصديق أداهم الدية. ويجاب أيضا أنه لو توقف الصديق في القصاص طعنا لكان توقف الأمير في قتلة عثمان أطعن. وليس، فليس. وأيضا استيفاء القصاص إنما يكون واجبا لو طلبه الورثة. وليس،

стр. 255

فليس. بل ثبت أن أخاه متمم بن نويرة (١) اعترف بارتداده في حضور عمر مع عشقه له ومحبته فيه محبة تضرب بها الأمثال، وفيه قال: وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصعدها فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا (٢) ثم إن عمر ندم على ما كان من إنكاره زمن الصديق. (٣) والله ولي التوفيق. ومنها أنه تخلف عن جيش اسامة المجهز للروم مع أنه ﷺ أكد غاية التأكيد عليه حتى قال: جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف. (٤) وجوابه: إن كان الطعن (٥) من جهة عدم التجهيز فهذا افتراء صريح لأنه جهز وهيأ. وإن كان من جهة التخلف (٦) فله عدة أجوبة: الأول أن الرئيس إذا ندب رجلا مع جيش ثم أمره بخدمة من خدمات حضوره فقد استثناه وعزله. (٧) والصديق لأمره بالصلاة كذلك، فالذهاب إما ترك الأمر أو ترك الأهم وهو محافظة المدينة المنورة من الأعراب. الثاني أن الصديق قد انقلب له المنصب بعد وفاة النبي ﷺ لأنه كان من آحاد المؤمنين فصار خليفة النبي ﷺ فانقلبت في حقه الأحكام، ألا ترى كيف انقلبت أحكام الصبي إذا بلغ والمجنون إذا افاق والمسافر إذا أقام والمقيم إذا سافر، إلى غير ذلك. والنبي ﷺ لو عاش لما ذهب في جيش أسامة، فالخليفة لكونه قائما مقامه يكون كذلك. الثالث أن الأمر عند الشيعة ليس مختصا بالوجوب كما نص عليه المرتضى في (الدرر والغرر) فلا ضرر في المخالفة. (٨) وجملة "لعن الله من تخلف" مكذوبة لم تثبت في كتب السنة. (٩) الرابع أن مخالفة آدم ويونس لحكم الله تعالى بلا واسطة قد ثبت عند الشيعة، فالإمام لو خالف أمرا واحدا لاضير، فتدبر. ومنها أن النبي ﷺ لم يأمر أبا بكر قط أمرا مما يتعلق بالدين فلم يكن حريا بالإمامة. الجواب أن هذا كذب محض تشهد على ذلك السير والتورايخ. فقد ثبت تأميره

стр. 256

لمقاتلة أبي سفيان بعد أحد، وتأميره أيضا في غزوة بني فزارة كما رواه الحاكم عن سلمة بن الأكوع، وتأميره في العام التاسع ليحج بالناس أيضا ويعلمهم الأحكام من الحلال والحرام، (١) وتأميره أيضا بالصلاة قبيل الوفاة، (٢) إلى غير ذلك من مما يطول. ويجاب أيضا - على فرض التسليم - بأن عدم ذلك ليس لعدم اللياقة بل لكونه وزيرا ومشيرا على ما هي العادة. روى الحاكم عن حذيفة بن اليمان أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني أريد أن أرسل الناس إلى الأقطار البعيدة لتعليم الدين والفرائض كما كان عيسى أرسل الحواريين. فقال بعض الحضار: يا رسول الله مثل هؤلاء الناس موجودون فينا كأبي بكر وعمر، قال: إنه لا غنى لي عنهما، إنهما من الدين كالسمع والبصر. (٣) وأيضا قال ﷺ : أعطاني الله أربعة وزراء وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر. (٤) وأيضا لو كان عدم الإرسال موجبا لسلب اللياقة يلزم عدم لياقة الحسنين - معاذ الله تعالى من ذلك. ومنها أن أبا بكر ولّى عمر أمور المسلمين، مع أن النبي ﷺ ولاه على أخذ الصدقات سنة ثم عزله، فالتولية مخالفة. ويجاب بأن محض الجهالة أن يقال لانقطاع العمل عزل. وعلى تقدير العزل فأين النهي عن توليته كي تلزم المخالفة بالتولية؟ فافهم. ومنها أن النبي ﷺ جعله وعمر وتابعين لعمر بن العاص وأسامة أيضا، ولو كانا لائقين لأمّرهما. ويجاب بأن ذلك لا يدل على الأفضلية ونفي اللياقة، (٥) إذ المصلحة ربما اقتصت ذلك، فإن عَمرا كان ذا خديعة في الحرب ودهاء وحيلة عارفا بمكايد الأعداء، ولم يكن غيره فيها كذلك، كما يولى مثل هذا لقمع السارقين وعسس الليل ونحوهما من لا يولى لذلك من الأكابر. وأسامة استشهد أبوه على أيدي كفار الشام والروم فكان ذلك تسلية له وتشفية. وأيضا مقصود النبي ﷺ من ذلك إطلاع أبي بكر وعمر على حال التابع والمتبوع كما هو شأن تربية الحكيم خادمه، فلا تغفل.

стр. 257

ومنها أن أبا بكر استخلف والنبي ﷺ لم يستخلف، (١) فقد خالف. (٢) ويجاب بأن النبي ﷺ أشار بالاستخلاف، والإشارة إذ ذاك كالعبارة. وفي زمن الصديق كثر المسلمون من العرب، وهم حديثو عهد بالإسلام وأهله فلا معرفة لهم بالرموز والإشارات، فلا بد من التنصيص والعبارات، حتى لا تقع المنازعات والمشاجرات. وفي كل زمان رجال، ولكل مقام مقال. وأيضا عدم استخلاف النبي ﷺ إنما كان لعلمه بالوحي بخلافة الصديق كما ثبت في صحيح مسلم، ولا كذلك الصديق إذ لا يوحى إليه ولم تساعده قرائن فعمل بالأصلح للأمة، ونعم ما عمل، فقد فتح الفاروق البلاد، ورفع قدر ذوي الرشاد، وأباد الكفار (٣) وأعان الأبرار. ومنها أن أبا بكر كان يقول «إن لي شيطانا يعتريني، فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوموني». (٤) ومن هذا حاله لا يليق للإمامة. (٥) ويجاب بأن هذا غير ثابت عندنا، فلا إلزام. بل الثابت أنه أوصى عمر قبل الوفاة فقال: «والله ما نمت فحلمت، وما شبهت فتوهمت، وإني لعلى السبيل ما زغت، ولم آل جهدا. وإني أوصيك بتقوى الله تعالى» (٦) الخ. نعم قال في أول خطبة خطبها على ما في مسند الإمام أحمد: «يا أصحاب الرسول أنا خليفة الرسول فلا تطلبوا مني الأمرين الخاصين بالنبي ﷺ : الوحي والعصمة من الشيطان» ... وفي آخرها: «إني لست معصوما فإطاعتي فرض عليكم فيما وافق الرسول وشريعة الله تعالى من أمور الدين، ولو أمرتكم بخلافها فلا تقبلوه مني ونبهوني عليه». وهذا عين الإنصاف. ولما كان الناس معتادين عند المشكلات الرجوع إلى وحي إلهي وإطاعة النبي ﷺ كان لازما على الخليفة التنبيه على الاختصاص بالجناب الكريم. وأيضا روي في الكافي للكليني في رواية صحيحة عن جعفر الصادق أن لكل مؤمن شيطانا يقصد إغواءه. (٧) وفي الحديث المشهور ما يؤيد هذا أيضا فقد قال ﷺ «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن» فقالت الصحابة: حتى أنت يا رسول الله؟ قال «نعم، ولكن الله غلبني عليه لأسلم وآمن من شره». (٨) فأي طعن فيما ذكروه؟ والمؤمن يعتريه الشيطان بالوسوسة

стр. 258

فينتبه، قال تعالى ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾. نعم إن النقصان في اتباع الشيطان، وهو بمعزل عنه. (١) ومنها أنه روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «ألا إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقي الله المؤمنين شرها، فمن عاد بمثلها فاقتلوه» (٢) قالوا: ويؤيد هذه الرواية رواية البخاري في صحيحه فقد دلت صراحة على بيعة أبي بكر قد وقعت بغتة بلا تأمل ولا مشورة، وإنها غير تمسك بدليل، فلم يكن إماما بحق. والجواب أن هذا الكلام صدر من عمر في زجر رجل كان يقول إن مات عمر أبايع فلانا وحدي أو مع آخر كما كان في مبايعة أبي بكر ثم استقر الأمر عليها، فمعنى كلام الفاروق في رده لهذا القول أن بيعة رجل أو رجلين شخصيا من غير تأمل سابق ومراجعة أهل الحل والعقد ليست بصحيحة، وبيعة أبي بكر وإن كانت فجأة بسبب مناقشة الأنصار وعدم وجود فرصة للمشورة فقد حلت محلها وصادفت أهلها للدلائل على ذلك والقرائن على ما هنالك كإمامة الصلاة ونحوها. وهذا معنى «وقي الله المؤمنين شرها» فلا يقاس غيره به. (٣) وفي آخر هذه الرواية التي رواها الشيعة «وأيكم مثل أبي بكر» أي في الأفضلية والخبرية وعدم الاحتياج إلى المشورة. على أنه قد ثبت عند أهل السنة وصح أن سعد بن عبادة وأمير المؤمنين عليا والزبير قد بايعوه بعد تلك المناقشة واعتذروا له عن التخلف أول الأمر. ومنها أن أبا بكر كان يقول للصحابة: «إني لست بخير منكم وعلي فيكم». (٤) فإن كان صادقا في هذا القول لم يكن لائقا للإمامة البتة، إذ المفضول لا يليق مع وجود الفاضل. وإن كان كاذبا فكذلك إذ الكاذب فاسق والفاسق لا يصلح للإمامة. والجواب على فرض التسليم بما يجاب من قبلهم عما يثبت في الصحيفة الكاملة (٥) وهي من الكتب الصحيحة عندهم من قول الإمام السجاد ﵁ «أنا الذي أفنت الذنوب عمره» ... الخ. فإن كان صادقا بهذا الكلام لم يكن لائقا للإمامة أن الفاسق المرتكب للذنوب لا يصلح للإمامة، وكذا إن كان كاذبا لما مر. فما هو جوابهم فهو جوابنا. وزاد بعض الشيعة

стр. 259

على قول «إني لست بخير منكم» لفظ «أقيلوني أقيلوني» (١) فاعترض على هذا البهتان بأن أبا بكر قد استعفى عن الإمامة فلا يكون قابلا لها. (٢) والجواب - على فرض تسليمه - بما يجاب عما صح في كتب الشيعة من أن الأمير لم يكن يقبل الخلافة بعد شهادة عثمان إلا بعد أن كثر إلحاح المهاجرين والأنصار، (٣) على أنه لو صح ذلك عن أبي بكر لكان دليلا على عدم طمعه وحبه للرياسة والإمامة بل إن الناس قد أجبروه على قبولها. (٤) ومنها أن أبا بكر لم يعط فاطمة ﵂ من تركة أبيها ﷺ حتى قالت: يا ابن قحافة أنت ترث أباك وأنا لا أرث أبي؟ (٥) واحتج أبو بكر على عدم توريثها بما رواه هو فقط من قوله ﷺ «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» مع أن هذا الخبر مخالف لصريح قوله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ فإنه عام للنبي وغيره، ومخالف أيضا لقوله تعالى ﴿وورث سليمان داود﴾ وقوله تعالى ﴿فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ (٦) وجوابه أن أبا بكر لم يمنع فاطمة من الإرث لعداوة وبغض، بدليل عدم توريثه الأزواج المطهرات حتى ابنته الصديقة، بل السبب في ذلك سماعه للحديث بأذنه منه ﷺ ، وقد روى علماء السنة هذا الحديث عن حذيفة بن اليمان والزبير بن العوام وأبي الدرداء وأبي هريرة والعباس وعلي وعثمان وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص، فقولهم إن هذا الحديث رواه أبو بكر فقط غير مسلم عند أهل السنة. وروى الكليني في الكافي عن أبي البختري عن أبي عبد الله جعفر الصادق ﵇ قال «إن العلماء ورثة الأنبياء لم يرثوا ولم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر» (٧) وكلمة «إنما» تفيد الحصر لما هو مسلم عندهم، فثبت المدعى برواية المعصوم عندهم. أما كون هذا الحديث مخالفا للآيات فجهل عظيم، لأن الخطاب في ﴿يوصيكم﴾ لما عدا النبي ﷺ ، فهذا الخبر مبين لتعيين الخطاب لا مخصص، بل لو كان مخصصا للآية فأي ضرر فيه، فقد خصص من الآية الولد الكافر والرقيق والقاتل. ومما يدل على صحة هذا الخبر لدى أهل البيت أن تركة النبي ﷺ لما وقعت في أيديهم أخرجوا العباس وأولاده

стр. 260

ولم يورثوهم مما ترك ﷺ ، وكذا لم يورثوا أمهات المؤمنين. (١) وأما قوله تعالى ﴿ورث سليمان داود﴾ (٢) فالمراد النبوة. فقد روى الكليني عن أبي عبد الله «أن سليمان ورث داود وأن محمدا ورث سليمان»، (٣) فقد علم أن هذه وراثة العلم والنبوة، وإلا فوراثة نبينا مال سليمان لا يتصور لا شرعا ولا عقلا، ولو كان المراد وراثة سليمان مال داود فما وجه تخصيصه بالذكر مع أنه كان لداود ﵇ تسعة عشر ابنا (٤) بإجماع المؤرخين، وعلى ما ذكرنا يحمل قوله تعالى ﴿يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ إذ لا يتصور أن يكون يحيى وراثا لجميع بني إسرائيل بل هو وارث زكريا فقط فما فائدة ذكر ﴿ويرث﴾ الخ. (٥) هذا وأما إبقاء الحجرات في أيدي الأزواج المطهرات فلأجل كونها مملوكة لهن لا لكونها ميراثا، فإن النبي ﷺ بنى كل حجرة لزوجة من أزواجه ووهبها لهن فتحققت الهبة بالقبض وهي موجبة للملك كحجرة فاطمة وأسامة، ولذا أضاف الله تعالى البيوت لهن في حياة النبي ﷺ في قوله عز اسمه ﴿وقرن في بيوتكن﴾. ومنها قولهم أن أبا بكر لم يعط فاطمة رضي الله تعالى عنها فدكا (٦) وقد كان النبي ﷺ وهبها لها ولم يسمع دعواها الهبة ولم يقبل شهادة علي (٧) وأم أيمن (٨) لها فغضبت فاطمة ﵁ وهجرته، وقد قال النبي ﷺ في حقها: (٩) من أغضبها أغضبني. (١٠) الجواب أن ليس له أصل عند أهل السنة، بل ذكر البخاري في رواية عروة بن الزبير (١١) عن عائشة ﵂: طلبت فاطمة ﵂ فدكا من أبي بكر لا بطريق دعوى الهبة بل بطريق الميراث، (١٢) وعلى تقدير تسليم روايتهم فإن الهبة لا تتحقق إلا بالقبض، ولا يصح الرجوع عنها بعد تصرف المتهب في الموهوب، ولم تكن فدك في عهده ﷺ في تصرف فاطمة ﵂، بل كانت في يده ﷺ يتصرف فيها تصرف المالك فلم يكذبها أبو بكر في دعوى الهبة ولكن بين لها أن الهبة لا تكون سببا للملك ما لم يتحقق القبض فلا حاجة حينئذ إلى شهود، وما زعموا أنه صدر من علي كرم الله تعالى وجهه وأم أيمن محض إخبار، وأبو بكر لم يقض، لا أنه لم يقبل شهادتهما. على انه لو لم يقبلها وردها لكان له وجه، فإن نصاب الشهادة في غير الحدود والقصاص رجلان

стр. 261

أو رجل وامرأتان. وأما إغضابه إياها فلم يتحقق منه، إذ الإغضاب إنما هو جعل أحد غضبانا بالفعل أو القول قصدا، وكيف يقصد الصديق إغضاب تلك البضعة الطاهرة وقد كان يقول لها مرارا «والله با ابنة رسول الله إن قرابة رسول الله أحب إلي أن أصل من قرابتي» وليس الوعيد على غضبها، كيف لا وقد غضبت على الأمير زوجها مرارا كغضبها يوم سمعت بخطبة الأمير بنت أبي جهل لنفسه حتى أتت أباها ﷺ باكية فخطب إذ ذاك رسول الله ﷺ وقال «ألا إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ويربيني ما رأبها، فمن أغضبها أغضبني». (١) وكغضبها يوم ذهب الأمير إلى المسجد ونام على التراب ولذلك لقب بأبي تراب، فقد أتاها النبي ﷺ وقال لها: أين ابن عمك؟ قالت: غاضبني فخرج ولم يقل عندي. (٢) ومع ذلك فقد ثبت عند الفريقين أن غضب فاطمة قد شق على الصديق حتى رضيت عنه، فقد روى صاحب (محجاج السالكين) وغيره من الإمامية أن أبا بكر لما رأى أن فاطمة انقبضت عنه وهجرته ولم يتكلم بعد ذلك في أمر فدك كبر ذلك عنده فأراد استرضاءها فأتاها فقال لها صدقت با ابنة رسول الله فيما ادعيت، ولكني رأيت رسول الله ﷺ يقسمها فيعطي الفقراء والمساكين وابن السبيل بعد أن يؤتي منها قوتكم والصانعين بها. فقالت: افعل فيها كما كان أبي رسول الله ﷺ يفعل فيها. فقال: ولك الله على أن افعل ما كان يفعل ابوك. فقالت: والله لتفعلن؟ فقال: والله لفعلن ذلك. فقال: اللهم اشهد. فرضيت بذلك وأخذت العهد عليه. وكان أبو بكر يعطيهم منها قوتهم ويقسم الباقي على من ذكر. انتهى والله الهادي للصواب. (٣) ومنها أن أبا بكر ما كان يعلم بعض المسائل الشرعية، فقد أمر بقطع يد السارق اليسرى، وأحرق لوطيا، ولم يعلم مسألة الجدة والكلالة، فلا يكون لائقا للإمامة إذ العلم بالأحكام الشرعية من شروط الإمامة بإجماع الفريقين. (٤) الجواب عن الأمر الأول أن قطع يد السارق اليسرى في السرقة الثالثة موافق للحكم الشرعي. فقد روى الإمام محيي السنة البغوي في (شرح السنة) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ في حق السارق «إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده،

стр. 262

ثم إن سرق فاقطعوا رجله». (١) قال البغوي: اتفق أهل العلم على أن السارق أول مرة تقطع يده اليمنى، ثم إذا سرق ثانيا تقطع رجله اليسرى، ثم إذا سرق ثالثا تقطع يده اليسرى بناء على قول الأكثر، ثم إذا سرق رابعا تقطع رجله اليمنى ثم إذا سرق بعده يعزر ويحبس. والذى قطع أبو بكر يده اليسرى كان في المرة الثالثة فحكمه موافق لحكمة ﷺ . (٢) والجواب عن الثاني أن الصديق لم يحرق أحدا في حال الحياة، لأن الرواية الصحيحة إنما جاءت عن سويد عن أبي ذر أنه أمر بلوطي فضربت عنقه ثم أمر به فأحرق، (٣) وإحراق الميت لعبرة الناس جائز كالصلب، ولذلك فإن الميت لا تعذيب له بمثل هذه الأمور لعدم الحياة. وعلى فرض تسليم روايتهم فالذى يجيبون به عن إحراق علي بعض الزنادقة فهو جوابنا، وقد ثبت ذلك في كتبهم، فقد روى المرتضى الملقب عندهم بعلم الهدى في كتاب (تنزيه الأنبياء والأئمة) أن عليا أحرق رجلا أتى غلاما في دبره. (٤) والجواب عن الثالث أن هذا الطعن لا يوجب إلزام أهل السنة، إذ العلم بجميع الأحكام بالفعل ليس شرطا في الإمامة عندهم، بل الاجتهاد. ولما لم تكن النصوص مدونة في زمنه ولا روايات الأحاديث مشهورة في أيام خلافته استفسر من الصحابة. قال في (شرح التجريد) أما مسألة الجدة والكلالة فليست بدعا من المجتهدين، (٥) إذ يبحثون عن مدارك الأحكام ويسألون من أحاط بها علما، ولهذا رجع علي في بيع أمهات الأولاد إلى قول عمر، (٦) وذلك لا يدل على عدم علمه، بل هذا التفحص والتحقيق يدل على أن أبا بكر الصديق كان يراعي في أحكام الدين كمال الاحتياط ويعمل في قواعد الشريعة بشرائط الاهتمام التام. ولهذا لما أظهر المغيرة مسألة الجدة سأله: هل معك غيرك؟ (٧) وإلا فليس التعدد شرطا في الرواية، فهذا الأمر في الحقيقة منقبه عظمى له. وقد روى عبد الله بن بشر أن عليا سئل عن مسألة فقال «لا علم لي بها». (٨) جازى الله تعالى هذه الفرقة الضالة بعدله حيث يجعلون المنقبة منقصة. فرصاص من أحببته ذهب كما ... ذهب الذي لم ترض عنه رصاص

стр. 263

المطاعن الثانية في حق الفاروق ﵁ فمنها وهو عمدة مطاعنهم ما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه ﷺ قال في مرض موته يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام للصحابة الحاضرين في حجرته المباركة: «ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا» فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقالوا: ما له أهجر؟ استفهموه. فقال: «ذروني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه» فأمرهم بثلاث قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم». والثالثة إما أن سكت عنها، وإما أن قالها فنسيتها. (١) وهذه رواية أهل السنة الصحيحة وزعموا أنه يستفاد منها الطعن على عمر بوجوه: الأول أنه رد قول النبي ﷺ وأقواله كلها وحي لقوله تعالى ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ ورد الوحي كفر لقوله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (٢) والجواب على فرض تسليم أن هذا القول صدر من الفاروق فقط أنه لم يرد قوله ﷺ بل قصد راحته ورفع الحرج عنه ﷺ في حال شدة المرض، إذ كل محب لا يرضى أن يتعب محبوبه ولا سيما في المرض، مع عدم كون ذلك الأمر ضروريا، ولم يخاطب بذلك الرسول ﷺ بل خاطب الحاضرين تأدبا. وأثبت الاستغناء عن ذلك بقوله تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ وقد نزلت الآية قبل هذه الواقعة بثلاثة أشهر، وقد انسد باب النسخ والتبديل والزيادة والنقصان في الدين، فيتمنع إحداث شيء. وتأكيد المتقدم مستغني عنه لا سيما في تلك الحالة. ولو كان بيان المصلحة رد الوحي وقول الرسول للزم ذلك على الأمير أيضا، فقد روى البخاري الذي

стр. 264

هو أصح الكتب عند أهل السنة بعد القرآن بطرق متعددة أن الرسول ﷺ ذهب إلى بيت الأمير والبتول ليلة وأيقظها من مضجعها وأمرهما بصلاة التهجد مؤكدا، فقال الأمير: والله ما نصلي إلا ما كتب الله علينا أي الصلاة المفروضة، وإنما أنفسنا بيد الله، يعني لو وفقنا الله لصلاة التهجد لصلينا. فرجع النبي ﷺ وهو يضرب على فخذيه ويقول ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلا﴾ فقد رد الأمير قول الرسول، ولكن لما كانت القرائن الحالية دالة على صدق الأمير واستقامته لم يلمه النبي ﷺ . وروى البخاري أيضا أن النبي ﷺ لما تصالح مع قريش في الحديبية كتب الأمير كتاب الصلح وزاد لفظ «رسول الله» فامتنع الكفار عن قبوله وقالوا: لو سلمنا بهذا اللقب لما حاربناه وصددناه عن طواف البيت، فأمر النبي ﷺ عليا أن يمحو هذا اللفظ وأكد ذلك، فلم يمحه الأمير لكمال الإيمان وخالف الرسول في ذلك حتى محاه النبي ﷺ بيده الشريفة. وقد ثبتت مخالفة الأمير أيضا في كتبهم، فقد روى محمد بن بابويه في (الأمالي) والديلمي (١) في (إرشاد القلوب) أن رسول الله ﷺ أعطى فاطمة سبعة دراهم وقال: أعطيها عليا ومريه أن يشتري لأهل بيته طعاما فقد غلب عليهم الجوع، فأعطتها عليا وقالت: إن رسول الله ﷺ أمرك أن تبتاع لنا طعاما. فأخذها علي وخرج من بيته ليبتاع طعاما لأهل بيته فسمع رجلا يقول: من يقرض الملي الوفي؟ فأعطاه درهم. (٢) فقد خالف قول الرسول، وتصرف في مال الغير. ومع ذلك فأهل السنة لا يطعنون على الأمير بمثل هذه المخالفات، بل لا يعدون ذلك مخالفة. فكيف يطعنون على عمر بما هو أخف منها. (٣) وأما قولهم إن أقوال الرسول كلها وحي فمردود، لأن أقواله ﷺ لو كانت كلها وحيا فلم قال الله تعالى ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ وقال تعالى ﴿ولا تكن للخائنين خصيما﴾ وقال تعالى ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ وقال تعالى في المعاتبة عن أخذ الفدية من أسارى بدر (٤) ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ وأيضا يلزمهم أن الأمير أيضا قد رد

стр. 265

الوحي حين أمره النبي ﷺ بالتهجد ومحو اللفظ وابتياع الطعام مع أنهم لا يقولون بذلك. الثاني من وجوه الطعن أنه قال «أهجر» مع أن الأنبياء معصومون من هذه الأمور فأقوالهم وأفعالهم في جميع الأحوال والأوقات كلها معتبرة وحقيقة بالاتباع. والجواب عن هذا أنه من أين يثبت أن قائل هذا القول عمر؟ مع أنه قد وقع في أكثر الروايات «قالوا» بصيغة الجمع «استفهموه» على طريق الإنكار، فإن النبي لا يتكلم بالهذيان البتة وكانوا يعلمون أنه ﷺ ما خط قط بل كان يمتنع صدور هذه الصنعة منه ﷺ لقوله تعالى ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخط بيمينك﴾ ولذا قالوا فاسئلوه. وتحقيق ذلك أن الهجر في اللغة هو اختلاط الكلام بوجه غير مفهم، وهو على قسمين: قسم لا نزاع لأحد في عروضه للأنبياء ﵈ وهو عدم تبيين الكلام لبحة الصوت وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان كما في الحميات الحارة، وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا ﷺ كانت بحة الصوت عارضة له في مرض موته ﷺ . والقسم الآخر جريان الكلام غير المنتظم أو المخالف للمقصود على اللسان بسبب الغشي العارض بسبب الحميات المحرقة في الأكثر. وهذا القسم وإن كان ناشئا من العوارض البدنية ولكن قد اختلف العلماء في جواز عروضه للأنبياء، فجوزه بعضهم قياسا على النوم، ومنعه آخرون، فلعل القائل بذلك القول أراد القسم الأول؛ يعني أن هذا الكلام خلاف عادته ﷺ فلعلنا لم نفهم كلامه بسبب وجود الضعف في ناطقته، فلا إشكال. (١) الثالث من وجوه الطعن أنه رفع الصوت وتنازع في حضرة النبي ﷺ وقد قال تعالى ﴿يأيها الذين أمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾. (٢) والجواب أنه من أين يثبت أن عمر أول من رفع الصوت؟ وعلى تقديره فرفع صوته إنما كان على صوت غيره من الحاضرين لا على صوت النبي ﷺ المنهي عنه في الآية، والأول جائز والآية تدل عليه حيث قال ﴿كجهر بعضكم لبعض﴾، وقوله ﷺ في إحدى الروايات «قوموا عني» من قبيل قلة الصبر العارضة للمريض، فإنه يضيق صدره إذا وقعت منازعة في حضوره، وما يصدر

стр. 266

من المريض في حق أحد لا يكون محلا للطعن عليه، مع أن الخطاب كان لجميع الحاضرين المجوزين والمانعين. الرابع من أوجه الطعن أنه أتلف حق الأمة، إذ لو كتب الكتاب المذكور لحفظت الأمة من الضلالة ولم ترهم في كل واد يهيمون، ووبال جميع ذلك على عمر. (١) والجواب أنه إنما يتحقق الإتلاف لو حدث حكم من الله تعالى نافع للأمة ومنعه عمر. وقوله تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ الاية تدل على عدم الحدوث، بل لم يكن الكتاب إلا لمصالح الملك وتأكيد ما بلغه، وإلا فلا يتصور منه ﷺ أن يقول أو يكتب في هذا الوقت الضيق ما لم يكن قاله قط مع أن زمن نبوته امتد ثلاثا وعشرين سنة. وكيف يمتنع عن ذلك بمجرد منع عمر، ولم يقله لأحد بعد ذلك مع عدم وجود عمر. فإنه ﷺ قد عاش بعد ذلك خمسة أيام باتفاق الفريقين. (٢) فإن قيل: لو لم يكن ما يكتب أمرا دينيا فلم قال «لن تضلوا بعدي»؟ قلنا: للضلال معان، والمراد ههنا عدم الخطأ في تدبير الملك وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم، وتجهيز جيش أسامة منه، لا الضلالة والغواية عن الدين. فقد تبين لك بطلان ما طعنوا به، وأظهر لك فساده وقبيح كذبه. والحمد لله رب العالمين. (٣)

стр. 267

ومنها أن عمر قصد إحراق بيت سيدة النساء، وضربها على جنبها الشريف بقبضة سيفه حتى وضعت حملها بسبب ذلك. (١) والجواب أن هذه القصة محض هذيان وزور من القول وبهتان. ولذا قد أنكر صحتها أكثر الإمامية وأن روايتها عندهم غير صحيحة ولا مرضية. (٢) مع أن فعل عمر هذا لو فرض وقوعه فهو أقل مما فعله الأمير كرم الله تعالى وجهه مع أم المؤمنين عائشة الصديقة، مع أنه لم يلحقه طعن من ذلك عند الفريقين بناء على حفظ الانتظام في أمور الدنيا والدين: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا (٣) ومنها أن عمر أنكر موت الرسول ﷺ وحلف أنه لم يمت، حتى قرأ أبو بكر قوله تعالى ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾. (٤) والجواب أن ذلك من شدة دهشته بموت الرسول وكمال محبته له ﷺ حتى لم يبق له في ذلك الحين شعور بشيء، وكثيرا ما يحصل الذهول بسبب تفاقم المصائب وتراكم الشدائد، لأن النسيان والذهول من اللوازم البشرية. ألا ترى أن يوشع - مع كونه نبيا معصوما - نسي أن يخبر موسى بفقد الحوت مع المكتل. بل إن موسى ﵇ مع كونه من أولي العزم - قد نسي معاهدته مع الخضر على عدم السؤال ثلاث مرات. وقال تعالى في حق آدم ﴿فنسي ولم نجد له عزما﴾ وقد روى أبو جعفر الطوسي عن عبيد الله الحلبي (٥) أن الإمام أبا عبد الله ﵇ كان يسهو في صلاته ويقول في سجدتي السهو «بسم الله وبالله، وصلى الله على محمد وآله وسلم» (٦) فأي ذنب لابن الخطاب بدهشته من هذا الأمر العظيم وأي طعن عليه بسبب ما حصل له من فقد محبوبه ﷺ ؟ فتبا لكم أيها الفرقة الضالة فقد نال الشيطان من عقولكم حتى صرتم شياطين أمثاله. ومنها أن عمر كان لا يعلم بعض المسائل الشرعية التي هي شرط في الإمامة والخلافة؛ كأمره برجم الحامل من الزنا، فرده الأمير وقال له: إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها، فندم حينئذ وقال: «لولا علي لهلك عمر.» (٧) وكما أراد رجم أمرأة مجنونة

стр. 268

فرده الأمير بقوله ﷺ «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق»، وكإتمامه عدد الضربات في حد ابنه أبي شحمة بعد أن مات في أثناء الحد، مع أن الميت غير معقول، وكعدم علمه بحد شرب الخمر حتى قرره بمشورة الصحابة ورأيهم. والجواب عن الأول أن عمر ﵁ لم يكن على علم بحمل المرأة لأن هذا أمر لا يدرك بالبصر إلا بعد تمام مدة الحمل وما يقاربه، والأمير كان مطلعا على ذلك وأخبر بحملها فنبه عمر إلى ذلك فشكره، والقضاء على ظاهر الحال لا يوجب النقص في الإمامة، بل ولا في النبوة. ألا ترى أن موسى ﵇ أخذ برأس أخيه الكبير ولحيته مع أنه نبي وأهانه حين لم يطلع على حقيقة الآمر، وقال النبي ﷺ «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، وإن بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار»، (١) وقد روي عند الفريقين أن النبي ﷺ أمر عليا بإقامة الحد على امرأة حديثة بنفاس فلم يقم عليها الحد خشية أن تموت، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «أحسنت، دعها حتى ينقطع دمها» (٢) فقد تبين أن عدم الاطلاع على حقيقة الحال غير الجهل بالمسائل الشرعية. وعن الثاني أن عمر ﵁ لم يكن واقفا على جنونها أيضا، فقد روى الإمام أحمد عن عطاء بن السايب عن أبي ظبيان الحصين بن جندب الجنبي أن امرأة أتوا بها مأخوذة إلى عمر بجريمة الزنا فحكم برجمها بعدما ثبت، فقادوها للرجم، فإذا علي لاقاهم في الطريق فسألهم: أين تذهبون بهذه المرأة؟ فقالوا: إن الخليفة أمر برجمها لثبوت الزنا عنده، فأخذها الأمير من أيديهم وجاء بها إلى عمر وقال: هذه المرأة مجنونة من بني فلان أنا أعلمها كما هي، وقال «رفع القلم عن المجنون حتى يفيق» فمنع عمر من رجمها. (٣) فقد علم أن عمر كان يعلم أن المجنونة لا ترجم، ولكن لم يكن له علم بجنونها. وعن الثالث: بأنه كذب وبهتان ولم يصح عند الفريقين، بل الثابت في الروايات الصحية أن المحدود بقى حيا بعد الحد، نعم قد غشي عليه أثناء الحد، ولذا توهم الناس موته. (٤) وعن الرابع أن عدم العلم بشيء لم يحدث من قبل ولم يعين في الشرع حكمه ليس محلا للطعن، لأن العلم تابع المعلوم، وحد شارب الخمر لم يكن في عهده ﷺ معينا ومقررا، بل كانوا يضربون

стр. 269

الشارب بالنعال والجرائد والأسواط، وقد خمن الصحابة ذلك من زمن أبي بكر بأربعين ضربة، (١) وقد تعدد شرب الخمر في خلافة عمر فجمع الصحابة كلهم وشاورهم في ذلك فقال الأمير وعبد الرحمن بن عوف ينبغي أن يكون كحد القذف ثمانين جلدة، لأن السكران يزول عقله بالسكر فربما يسب أحدا ويشتمه، فارتضى جميع الصحابة ذلك الاستنباط وأجمعوا عليه، وقد ذكر هذه القصة ابن المطهر الحلي أيضا في (منهاج الكرامة) (٢) وبما ذكرنا من أن عمر زاد حد الخمر بقول الأمير اندفع الخامس. هذا مع أن معرفة جميع الأحكام الشرعية بالفعل ليست شرطا للإمامة، بل ولا النبوة، فقد كانت توحى إلى النبي ﷺ الأحكام الشرعية على حسب الوقائع، والإمام يعلم بعض الأحكام بالاجتهاد، وربما يخطئ فيه، كما روى الترمذي عن عكرمة أن عليا أحرق قوما ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: «لو كنت أنا لقتلتهم»، فبلغ ذلك عليا فقال: «صدق ابن عباس»، (٣) والله تعالى الهادي. ومنها أن عمر درأ حد الزنا عن المغيرة بن شعبة مع ثبوته بالبينة وهي أربعة رجال، ولقن الرابع كلمة تدرأ الحد فقد قال له لما جاء للشهادة: أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلا من المسلمين. (٤) والجواب أن درء الحد إنما يكون بعد ثبوته، ولم يثبت لعدم شهادة الرابع كما ينبغي، وتلقينه الشاهد كذب وبهتان من أهل العدوان، إذ قد يثبت في التواريخ المعتبرة كتاريخ البخاري وابن الأثير وغيرهما أنه لما جاء الرابع وهو زياد ابن ابيه قالوا له: أتشهد كأصحابك؟ قال: أعلم هذا القدر، إني رأيت مجلسا ونفسا حثيثا وانتهازا ورأيته مستبطنها - أى مخفيها تحت بطنه - ورجلين كأنهما أذنا حمار، فقال عمر: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا. (٥) وقد وقع ذلك بمحضر الأمير وغيره من الصحابة. فأين التلقين يا أرباب الزور المفترين؟ ولفظ «أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلا من المسلمين» (٦) إنما قاله المغيرة في ذلك الحين كما هو حال الخصم مع الشهود، ولا سيما إذا كان يترتب عليه

стр. 270

حكم موجب لهلاكه. على أن عمر لو درأ الحد لكان فعله لفعل المعصوم، (١) فقد روى ابن بابويه في (الفقيه) أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين ﵇ وأقر بالسرقة إقرارا موجبا للقطع، فلم يقطع يده، (٢) والله تعالى الهادي. ومنها أن عمر لم يعط أهل البيت سهمهم من الخمس الثابت بقوله تعالى ﴿واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ فقد خالف حكم الله تعالى. (٣) والجواب أن فعل عمر موافق لفعل النبي ﷺ . وتحقيقه أن أبا بكر وعمر كانا يخرجان سهم ذوي القربى من الخمس ويعطيانه لفقرائهم ومساكينهم (٤) كما كان ذلك في زمن النبي ﷺ . وعليه الحنفية (٥) وجمع كثير من الإمامية. (٦) وذهب الشافعية إلى أن لهم خمس الخمس يستوى فيه غنيهم وفقيرهم، ويقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ويكون بين بني هاشم والمطلب دون غيرهم. (٧) والأمير أيضا عمل كعمل عمر فقد روى الطحاوي والدارقطني عن محمد بن إسحق أنه قال: سألت أبا جعفر محمد [بن علي] بن الحسين [بن علي بن أبي طالب] (٨): إن أمير المؤمنين على بن أبي طالب لما ولى أمر الناس كيف كان يصنع في سهم ذوي القربى؟ فقال: سلك به والله مسلك أبي بكر وعمر. (٩) إلى غير ذلك من رواياتهم، فإذا كان فعل عمر موافقا لفعل النبي ﷺ والأمير كيف يكون محلا للطعن؟ ومن يضلل الله فلا هادي له، نسأله تعالى السلامة من الغباوة والوله. ومنها أن عمر أحدث في الدين ما لم يكن منه كصلاة التراويح وإقامتها بالجماعة، فإنها بدعة كما اعترف هو بذلك، وكل بدعة ضلالة. وقد روى عن النبي ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد عليه». (١٠) والجواب أنه قد ثبت عند أهل السنة بأحاديث مشهورة متواترة أنه ﷺ صلة التراويح بالجماعة مع الصحابة ثلاث ليالي من رمضان جماعة ولم يخرج في الليلة الرابعة وقال «إني خشيت أن تفرض عليكم» (١١) فلما زال هذا المحذور بعد وفاته ﷺ أحيى عمر هذه السنة السنية. (١٢) وقد ثبت في أصول الفريقين أن «الحكم إذا

стр. 271

كان معللا بعلة نص الشارع يرتفع ذلك الحكم إذا زالت العلة» (١) وأعترف عمر بكونها بدعة حيث قال «نعمت البدعة هي» فمراده أن المواظبة عليها بالجماعة شيء حديث لم يكن في عهد النبي ﷺ ، وما ثبت في زمن الخلفاء الراشدين والأئمة المطهرين مما لم يكن في زمنه ﷺ لا يسمى بدعة، ولو سميت بدعة فهي حسنة، والحديث مخصوص بإحداث ما لم يكن له أصل في الشرع. (٢) ومعلوم أن الشيعة لم يعتقدوا بدعية صلاة الشكر يوم قتل عمر ﵁، وهو اليوم التاسع من ربيع الأول، وتعظيم النيروز، (٣) وتحليل فروج الجواري، وحرمان بعض الأولاد من بعض التركة، (٤) إلى غير ذلك من الأمور التي لم تكن في زمنه ﷺ بناء على زعمهم أن الأئمة أحدثوها. أما أن لا يعتقد أهل السنة بدعية ما أحدثه عمر فلأنه عندهم كالأئمة عند الشيعة لقوله ﷺ «ومن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليك بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» والله سبحانه الهادي. ومنها أن عمر منع من متعة النساء ومتعة الحج، مع أن كلتا المتعتين كانتا في زمنه ﷺ ، فنسخ حكم الله تعالى وحرم ما أحله سبحانه، بدليل ما ثبت عند أهل السنة من قوله «متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وانا أنهى عنهما». (٥) والجواب أن أصح الكتب عند أهل السنة الصحاح الست، وأصحها البخاري ومسلم، وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع وسبرة بن معبد الجهني أنه ﷺ قد حرم

стр. 272

هو المتعة بعد ما كان أحلها ورخصها لهم ثلاثة أيام، (١) وجعل تحريمها إذ حرمها مؤبدا إلى يوم القيامة. ومثل هذه الرواية في الصحاح الأخر، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من كتب أهل السنة رواية الأئمة عن الأمير بتحريمها. (٢) فإن ادعت الشيعة أن ذلك كان في غزوة خيبر ثم أحلت في غزوة الأوطاس (٣) فمردود، لأن غزوة جيبر كانت مبدأ تحريم لحوم الحمر الأهلية لا متعة النساء، فقد روى جمع من أهل السنة عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن الأمير كرم الله تعالى وجهه أنه قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي بتحريم المتعة» (٤) فقد علم أن تحريم المتعة كان في عهد رسول الله ﷺ مرة أو مرتين، فالذى بلغه النهي امتنع عنها ومن لا فلا، ولما شاع في عهد عمر ارتكابها أظهر حرمتها وأشاعها وهدد من كان يرتكبها. وآيات الكتاب شاهدة على حرمتها وقد سبق ذلك في المسائل الفقهية فتذكر فما في العهد من قدم. والجواب عن متعة الحج - أعنى تأدية أركان العمرة مع الحج في سفر واحد في أشهر الحج قبل الرجوع إلى بيته - أن عمر لم يمنعها قط، ورواية التحريم عنه افتراء صريح. نعم إنه كان برى إفراد الحج والعمرة أولى من جمعها في إحرام واحد وهو القران، أو في سفر واحد وهو التمتع، وعليه الإمام الشافعي وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وغيرهم لقوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله - إلى قوله - فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ الآية، فأوجب سبحانه الهدى على المتمتع لا على المفرد جبرا لما فيه من النقصان، كما أوجبه تعالى في الحج إذا حصل فيه قصور ونقص، لأنه ﷺ حج في حجة الوداع مفردا واعتمر في عمرة

стр. 273

القضاء (١) وعمرة جعرانة (٢) كذلك ولم يحج فيها بل رجع إلى المدينة مع وجود المهلة. وأما ما رووا من قول عمر «وأنا أنهى عنهما» فمعناه أن الفسقة وعوام الناس لا يبالون بنهي الكتاب وهو قوله تعالى ﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ وقوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ إلا أن يحكم عليهم الحاكم والسلطان ويجبرهم على مراعاة ما أمروا به وما نهوا عنه فلذلك أضاف النهي إلى نفسه، فقد تبين لك ولله تعالى الحمد زيف أقوالهم وظهر لك مزيد ضلالهم، والحق يعلو وكلمة الصدق تسمو. المطاعن الثالثة في حق ذى النورين وثالث العمرين ﵁ - فمنها أن عثمان ولى وأمر من صدر منه الظلم والخيانة وارتكاب الأمور الشنيعة كالوليد ابن عقبة (٣) الذي شرب الخمر وأم الناس في الصلاة وهو سكران وصلى الصبح أربع ركعات

стр. 274

ثم قال: هل أزيدكم؟ وولى معاوية الشام التي هي عبارة عن أربع ممالك فتقوى حتى أنه نازع الأمير وبغى عليه في أيام خلافته. (١) وولى عبد الله بن سعد مصر فظلم أهلها ظلما شديدا حتى اضطرهم إلى الهجرة إلى المدينة وخرجوا عليه. وجعل مروان وزيره وكاتبه فمكر في حق محمد بن أبي بكر وكتب مكان اقبلوه اقتلوه. (٢) ولم يعزلهم بعد الاطلاع على أحوالهم حتى تضجرت الناس منه فآل أمره إلى أن قتل، ومن كان في هذا حاله فهو غير لائق بالإمامة. (٣) والجواب أن الإمام لابد له أن يفوض بعض الأمور إلى من يراه لائقا لما هنالك بحسب الظاهر، إذ ليس له علم الغيب، فإنه ليس بشرط في الإمامة عند أهل الحق. وقد كان عماله ظاهرا مطيعين له منقادين لأوامره. (٤) وقد ثبت في التاريخ أنهم خدموا الإسلام وشيدوا الدين، فقد فتحوا بلادا كثيرة حتى وصلوا غربا إلى الأندلس وشرقا إلى بلخ (٥) وكابل، (٦) وقاتلوا برا وبحرا، واستأصلوا أرباب الفتن والفساد من عراق العجم وخراسان. وقد عزل بعض من تحقق لديه بعد ذلك سوء حاله كما عزل الوليد. (٧) ومعاوية

стр. 275

لم يبلغ في زمنه حتى يستحق العزل، بل قد أجرى خدمات كثيرة، كما غزا الروم وفتح منها بلادا متعددة. (١) وأما الشكايات التي وقعت على عبد الله بن سعد فمن تزوير عبد الله ابن سبأ وتسويلاته. وبالجملة لم يكن لعثمان قصور مما هنالك، وحاله مع عماله كحال الأمير مع عمله، إلا أن عمال عثمان كانوا منقادين لأوامره ومطيعين له بخلاف عمال الأمير. ومن راجع ما سلف منا من خطب الأمير في حق أتباعه وجنده وأشياعه تبين له صدق هذا الكلام، وأن لا عتب على ذى النورين في ذلك ولا ملام. وقد كتب الأمير كرم الله تعالى وجهه إلى المنذر بن الجارود العبدي «أما بعد فصلاح أبيك غرني وظننت أنك تتبع هداه وتسلك سبيله، فإذا أنت - فيما نما إلي عنك - لا تدع لهواك انقيادا، ولا تبقى لآخرتك عتادا. تغمر دنياك بخراب آخرتك، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك» إلى آخر ما قال. (٢) ومثل هذا كثير في ذلك الكتاب. فكما أن الأمير لا يلحقه طعن بسبب ما وقع

стр. 276

من عماله، كذلك عثمان. وإلا فما الفرق؟ والله سبحانه الموفق للهداية وبه نستعيذ من الضلالة والغواية. ومنها أن عثمان أدخل الحكم (أبا مروان) بن العاص (١) المدينة وقد أخرجه رسول الله ﷺ . والجواب أن الرسول ﷺ إنما أخرجه لحبه المنافقين وتهيجه الفتن بين المسلمين ومعاونته الكفار، (٢) ولما زال الكفر والنفاق بعد وفاته ﷺ وقوي الإسلام في خلافة الشيخين لم يبق محذور من إرجاعه إليها. وقد سبق مما هو مقرر عند الفريقين أن الحكم إذا علل بعلة ثم زالت زال. وعدم إرجاع الشيخين إياه لما حصل عندهما من ظن بقائه

стр. 277

على ما كان عليه في زمن الرسول ﷺ ، وقد ارتفع ذلك عن عثمان زمن خلافته لأن الحكم كان ابن أخيه. على أن عثمان قال اعترضوا عليه بذلك: إني كنت أخذت الإذن من رسول الله ﷺ في مرض موته على دخول الحكم المدينة وعدم قبول أبي بكر ذلك مني لطلبه شاهدا آخر على إذنه ﷺ له بالدخول المدينة، وكذلك عمر، ولما أدت النوبة إلى عملت بما علمت. (١) وأيضا قد ثبت أن الحكم قد تاب في آخر عمره من النفاق ومما كان يفعله من التزوير والاختلاق، والله تعالى الهادي إلى طريق السداد، ومنه التوفيق والرشاد. ومنها أن عثمان وهب لأهل بيته وأقاربه كثيرا من المال، وصرف من بيت المال مصارف كثيرة في غير محلها مما يدل على إسرافه، كما اعطى الحكم مائة ألف درهم (٢) وأعطى مروان خمس إفريقية (٣) [وسعيد بن] العاص (٤) ثلاث مائة ألف درهم وذلك لما جاء من مكة، (٥) إلى غير ذلك من الإسراف الوافر والبذل المتكاثر، ومن كان بهذه الأحوال كيف يستحق الإمامة من بين الرجال. (٦) والجواب - على فرض التسليم - أن عثمان ﵁ بذل ذلك من كيسه لا من بيت المال، فإنه كان من المتمولين قبل أن يكون خليفة، ومن راجع كتب السير أقر بهذا الأمر، فقد كان ﵁ يعتق في كل جمعة رقبة، ويضيف المهاجرين والأنصار، ويطعمهم في كل يوم. وقد روي عن الإمام الحسن البصري أنه قال: إنى شهدت منادي عثمان ينادي «يا أيها الناس اغدوا على أعطياتكم، فيغدون فيأخذونها وافرة، يا أيها الناس اغدوا على أرزاقكم، فيغدون فيأخذونها وافية حتى والله لقد سمعته أذناي يقول: اغدوا على كسوتكم، فيأخذون الحلل» (٧) ومن راجع كتب التواريخ

стр. 278

علم درجة سخائه رضي الله تعالى عنه، ولم ينقل عن أحد الإنفاق في سبيل الله تعالى موجب للطعن، (١) والله تعالى الهادي. (٢) ومنها أن عثمان قد عزل في خلافته جمعا من الصحابة عن مناصبهم كما عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة (٣) ونصب مكانه عبد الله بن عامر، (٤) وعزل عمرو بن العاص (٥) عن مصر

стр. 279

ونصب مكانه عبد الله بن سعد (١) مع أنه قد ارتد في عهد الرسول ﷺ ولحق بمشركي مكة وأباح ﷺ دمه يوم الفتح حتى تكفله عثمان فأسلم. (٢) وعزل عمار بن ياسر (٣) عن الكوفة وعبد الله بن مسعود عن قضائها. (٤) والجواب أن عزل العمال ونصبهم من وظيفة الخلفاء والأئمة، ولا يلزمهم إبقاء العمال السابقين على حالهم. نعم لا ينبغي العزل من غير سبب وعزل هؤلاء كان لسبب، وقد فصل ذلك في كتب التواريخ فراجعها. ومنها أن عثمان درأ القصاص (٥) عن عبيد الله بن عمر وقد قتل الهرمزان ملك الأهواز الذي أسلم في زمن عمر بعد ان اتهمه في مشاركة من قتل عمر، (٦) مع أن القاتل كان أبا لؤلؤة فقط وقد قتل أيضا جنيفة النصراني لاتهامه بذلك. وقد اجتمع الصحابة عليه ليقتص من عبيد فلم يوافقوهم وأدى ديتهم عنه فخالف حكم الله فليس يليق

стр. 280

للإمامة. والجواب أن القصاص لم يثبت في تلك الصور، لأن ورثة الهرمزان لم يكونوا في المدينة بل كانوا في فارس، ولما أرسل عليهم عثمان لم يحضروا المدينة خوفا كما ذكر المرتضى في بعض كتبه. (١) وشرط حضور جميع ورثة المقتول كما ذهبت إليه الحنفية، فلم يبق إلا الدية، وقد أعطاها من بيت المال لا من القاتل، ولأن بنت أبي لؤلؤة كانت مجوسية وجفنة كان نصرانيا وقد قال ﷺ «لا يقتل مسلم بكافر» (٢) وهذا ثابت عندهم. (٣) على أنه لو اقتص عثمان من عبيد الله لوقعت فتنة عظيمة لأن بني تيم وبني عدي كانوا مانعين من القتل، وكانوا يقولون لو اقتص عثمان من عبيد الله لحاربناه، ونادى عمرو بن العاص وهو رئيس بني سهم فقال: أيقتل أمير المؤمنين أمس ويقتل ابنه اليوم؟ لا والله لا يكون هذا أبدا. (٤) وهذا كما ثبت عندهم من أن الأمير لم يقتص من قتله عثمان خوفا من الفتنة. (٥) ومنها أن عثمان غير سنة رسول الله ﷺ لأنه صلى اربع ركعات في منى مع أنه ﷺ كان يقصر الصلاة الرباعية في سفره دائما. وقد أنكر عليه الجماعة من الصحابة ذلك الفعل. (٦) والجواب أن عثمان ما كان إذ ذك مسافرا لأنه تزوج في مكة وتبوأ منزلا فيها وأقام في تلك البقعة المباركة، ولما طلع الأصحاب على حقيقة الحال زال عنهم الإنكار والإشكال. (٧) ومنها أن عثمان قد وهب لصحابه ورفقائه كثيرا من أراضى بين المال وأتلف حقوق المسلمين. والجواب أنه كان يأذن لهم بإحياء أراضي الموات، ومن يحيى الموات فهي له لقوله ﵊: «موتان الأرض لله ولرسوله فمن أحيا منها شيئا فهو له» (٨) ولم يهب لأحد أرضا معمورة مزروعة كا يعلم ذلك من التاريخ. (٩)

стр. 281

ومنها أن الصحابة كلهم كانوا راضين بقتله ويتبرأون منه حتى تركوه بعد قتله ثلاثة أيام بلا دفن. (١) والجواب أن هذا كله كذب صريح وبهتان فضيح على الصبيان فضلا عن ذوي العرفان، (٢) ألا ترى أن طلحة والزبير وعائشة الصديقة ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃ قد قاتلوا لأجل طلب القصاص لعثمان، وقد ثبت في التواريخ عند الفريقين أن الصحابة كلهم لم يألوا جهدا في دفع البلوى عنه حتى استأذنوا منه في قتال المحاصرين فلم يجوز لهم، (٣) وكانوا مهما تمكنوا يوصلون إليه الماء ويفرجون عنه.

стр. 282

وجاء زيد بن ثابت الأنصار وقال شبابهم له: إن شيء ت كنا أنصار الله مرتين. (١) وجاء عبد الله بن عمر مع المهاجرين وقال: إن الذين خرجوا عليك قد أمنوا سيوفنا، واستأذنه لقتالهم فلم يؤذن له. (٢) وكان السبطان (٣) وعبد الله بن عمر (٤) وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر بن ربيعة (٥) وأبو هريرة (٦) وغيرهم من الصحابة معه في دار وكانوا يدافعون عنه كلما هجم عليه أهل البغي والعدوان ولم يأذن لهم ولا لأحد بقتالهم. وقد ثبت في نهج البلاغة من كلام الأمير أنه قال «والله قد دفعت عنه» (٧) إلى غير ذلك. (٨) وقد شيع جنازته جماعة من الصحابة والتابعين ودفنوه بثيابه الملطخة بالدم ليلا ولم يؤخروه. وقد حضرت الملائكة جنازته لما روى الحافظ الدمشقي مرفوعا عن النبي ﷺ أنه قال «يوم موت عثمان تصلي عليه ملائكة السماء» قال الراوي: قلت يا رسول الله عثمان خاصة أو الناس عامة؟ قال: عثمان خاصة. (٩) ونسبة هجوه وبغضه إلى الصحابة كذب وزور، وذلك في غاية الظهور. فقد روى الديلمي وهو من المعتبرين عند الشيعة في (المنتقى) عن الحسن بن علي قال «ما كنت لأقاتل بعد رؤيا رأيتها: رأيت رسول الله ﷺ واضعا يده على العرش، ورأيت أبا بكر واضعا يده على منكب رسول الله ﷺ ، ورأيت عمر واضعا يده على منكب أبي بكر، ورأيت عثمان واضعا يده على منكب عمر، ورأيت دما دونه، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: دم عثمان يطلبه الله تعالى به». (١٠) وروى ابن السمان عن قيس بن عباد قال سمعت عليا يوم الجمل يقول «اللهم إنى أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاءوني

стр. 283

للبيعة فقلت: ألا أستحي من الله أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال له رسول الله ﷺ : ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة، إني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل في الأرض لم يدفن بعد، فانصرفوا. فلما دفن رجع الناس يسألون البيعة فقلت: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه. ثم جاءت عزيمة فبايعت. قال: فقالوا «يا أمير المؤمنين» فكأنما صدع قلبي» (١) وروى ابن السمان أيضا عن محمد بن الحنفية أن عليا قال يوم الجمل «لعن الله قتلة عثمان في السهل والجبل» وعنه أن عليا بلغه أن عائشة تلعن قتلة عثمان فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه فقال «وأنا ألعن قتلة عثمان، لعنهم الله في السهل والجبل» مرتين أو ثلاثا. (٢) إلى غير ذلك من أقوال أهل البيت وسائر الصحابة مما يدل على مزيد حبهم له وتأسفهم على مصيبته. وهذا الكتاب لا يحتمل ذكر ذلك على سبيل التفصيل، وتأخير دفنه إلى ثلاثة ايام زور وبهتان كما يعلم مما ذكرنا من البيان. كيف وقد أجمع المؤرخون على أن شهادته ﵁ بعد العصر يوم الجمعة لعشر خلون من ذي الحجة، ودفن في البقيع ليلة السبت ﵁ وأرضاه، وجعل الغرف العالية مستقرة ومثواه، ونسأله تعالى أن يحشرنا في زمرتهم، ويميتنا على محبتهم. المطاعن الرابعة في حق أم المؤمنين وحبيبة حبيب رب العالمين عائشة الصديقة وزوج مفخر العوالم على الحقيقة منها أنها خرجت من المدينة إلى مكة (٣) ومنها إلى البصرة ومعها ما يزيد عل ستة عشر ألف رجل من العسكر. وقد قال تعالى في الأزواج المطهرات ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ فأمرهن بالسكون في البيوت، ونهاهن عن الخروج من بيوتهن. (٤) والجواب أن الأمر باستقرارهن في البيوت والنهي عن الخروج منها ليس بمطلق، ولو كان مطلقا لما أخرجهن رسول الله ﷺ بعد نزول الآية إلى الحج والعمرة

стр. 284

والغزوات ولا رخص لهن بزيارة الوالدين وعيادة المريض وتعزية أقاربهن. واللازم باطل فكذا الملزوم. والمراد من هذا الأمر والنهي تأكيد التستر والحجاب بأن لا يدرن ولا يتسكعن في الطرق والأسواق كنساء العوام، ولا منافاة بين السفر وبين التستر والحجاب، ألا ترى أن المخدرات من نساء الأمراء والملوك يخرجن من بلد إلى بلد ومعهن جمع من الخدم والأتباع. ولا سيما إذا كان السفر متضمنا لمصلحة دينية ودنيوية كالجهاد والحج والعمرة. وسفر أم المؤمنين كان من هذا القبيل، لأنها خرجت لإصلاح ذات البين وأخذ القصاص من قتلة عثمان ﵁ المقتول ظلما وعدوانا، وذلك لا يعد تبرجا. ويجاب أيضا بأن ما طعنوا به أم المؤمنين وجد في فاطمة ﵁ أيضا لما ثبت في كتبهم بطريق التواتر أن الأمير قد أركب فاطمة على مطية وطاف بها (١) في محلات المدينة ومساكن الأنصار طالبا منهم الإعانة على ما غصب من حقها زمن خلافة الصديق ﵁. (٢) ويجاب أيضا بأن جميع رجال المؤمنين أبناء لأزواج النبي ﷺ بالاتفاق، (٣) وجميع من كان مع الصديقة في سفرها فهم أبناؤه. ولذا طلبت القصاص من القتلة، فلا إشكال ولا قيل ولا قال. وسيأتي قريبا بيان هذه القصة مفصلا إن شاء الله تعالى. ومنها أن عسكر عائشة لما أتوا البصرة نهبوا بيت المال وأخرجوا عامل الأمير عثمان بن حنيف الأنصاري مهانا، مع أنه من صحابة رسول الله ﷺ . والجواب أن هذه الأمور لم تقع برضاء عائشة ولا علمت بذلك، حتى أنها لما علمت ما جرى في حق عثمان بن حنيف اعتذرت له واسترضته. (٤) ومثل هذا وقع لعسكر الأمير مع أبي موسى الأشعري فقد أحرقوا بيته ونهبوا متاعه لما دخلوا الكوفة (٥) ومنهم مالك الأشتر. (٦) ومنها أن عائشة أفشت سر النبي ﷺ ، قال تعالى ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير﴾. (٧) والجواب أن إفشاء السر وقع من حفصة

стр. 285

لا غير بإجماع المفسرين، وذلك أنها رأت النبي ﷺ مع مارية في فراشها من ثقب الباب، وقال لها إني حرمت مارية على نفسي فاكتميه ولا تفشيه، فذهبت حفصة وبشرت عائشة بذلك. (١) ومن مزيد فرحها اشتبه عليها الأمر فظنت أن الذي أمرت بكتمانه هو ما رأته من الشق لا التحريم. وقد عد ذلك الإفشاء من حفصة معصية وقد تابت عنها، وقد ثبت ذلك في تفاسير الشيعة كمجمع البيان للطبرسي. (٢) ومنها أن عائشة قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة (٣) وما رأيتها قط ولكن كان رسول الله ﷺ يكثر ذكرها. (٤) والجواب أن الغيرة محبوبة في النساء، ولا مؤاخذة على الأمور الجبلية. نعم لو صدر قول أو فعل مخالف للشرع للغيرة تتوجه الملامة. وفي الحديث الصحيح إن بعض أمهات المؤمنين غارت على الأخرى حين أرسلت إلى رسول الله ﷺ طعاما لذيذا وكان النبي ﷺ إذ ذاك في بيت من تغار وأخذت الطبق من يد خادمها فضربت به على الأرض حتى انكسر [الإناء] (٥) وانصب الطعام فقام رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام بنفسه فاجتناه وجمعه من الأرض وقال «قد غارت أمكم» (٦) ولم يعاتبها ولم يوبخها، فكيف يسوغ لأفراد الأمة أن يجعلوا أمهات المؤمنين هدفا لسهام مطاعنهم؟ والله الموفق. ومنها أن عائشة كانت تقول في آخر الحال: قاتلت عليا ووددت أني كنت نسيا منسيا. (٧) والجواب أن هذه الرواية ما صحت بهذا اللفظ، والذى صح أنها تذكر يوم الجمل وتبكي بكاءا شديدا حتى يبتل محجرها (٨) المبارك بالدموع لاستعجالها وترك التأمل ولم تحقق من قبل أن ماء الحوأب (٩) واقع في أثناء السبيل أم لا. وعلى تقدير صدور ذلك
следующие страницы →