Полный текст (104 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
نهاية الرتبة في طلب الحسبة
تأليف
محمد بن أحمد ابن بسام المحتسب
تحقيق
محمد حسن محمد حسن إسماعيل
أحمد فريد المزيدي
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
قال محمد بن بسام المحتسب: أحمد من الحمد له، والنعمة منه، والهداية به، والفضل من عنده، والصلاة على خير خلقه وبه نستعين، قال الله تعالى: ﴿الذين مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ [الحج: ٤١]، فأمر بذلك مع القدرة عليه، والتمكن منه، ومن الأمر بالمعروف أيضًا، تصفح أحوال السوقة في معاملاتهم، واعتبار موازينهم، وغشهم، ومراعاة ما تجري عليه أمورهم.
وقال ﵎: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون﴾ [المطففين: ١ - ٣]، وقال عز من قائل حكاية عن نبيه شعيب، ﵇: ﴿ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ [هود: ٨٥].
وقد رأيت المؤلفين من المتقدمين سبقوا إلى ذكر كثير مما يحتاج إليه وينتفع به، ولم أجد أحدًا منهم ذكر ما ينبغي ذكره من الغبن، والفحش، والغش، والخيانة بين الناس في المعاملات والمبايعات، والتنبيه على ذلك، والتحذير منه، حتى لا يكون ولا شيء منه بعون الله تعالى، فأحببت أن أؤلف عليه كتابًا فيه على ما تيسر من أنواع ذلك، رجاء لثواب الله، وجعلته أبوابًا، أذكر في كل باب منها ما يقربه ويشاكله، وبالله التوفيق.
* * *
стр. 3
فصول الأبواب
قال الشيخ الإمام الأوحد عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله الشيزري: أحمد الله على ما أنعم، وأستعينه فميا ألزم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي الأعظم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي الأكرم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، وبعد:
فقد سألني من استند لمنصب الحسبة، وقلد النظر في مصالح الرعية، وكشف أحوال السوقة، وأمور المتعيشين، أن أجمع له مختصرًا كافيًا في سلوك منهج الحسبة على الوجه المشروع؛ ليكون عمادًا لسياسته، وقوامًا لرياسته، فأجبته إلى ملتمسه، ذاهبًا إلى الوجازة لا إلى الإطالة، وضمنته طرفًا من الأخبار، وطرزته بحكايات وآثار، نبهت فيه على غش المبيعات، وتدليس أرباب الصناعات، وكشف سرهم المدفون، وهتكت سرهم المصون، راجيًا بذلك الثواب المنعم ليوم الحساب، وذكرت فيه الحرف المشهورة دون غيرها؛ لمسيس الحاجة إليها، وجعلته أبوابًا يحتذي المحتسب على أمثالها، وينسج على منوالها، وسميته: «نهاية الرتبة في طلب الحسبة»، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
الباب الأول: فيما يجب على المحتسب من شروط الحسبة ولزوم مستحباتها.
الباب الثاني: في النظر في الأسواق والطرقات.
الباب الثالث: في الخبازين.
الباب الرابع: في السقائين وغشهم.
الباب الخامس: في السوقة وغشهم.
الباب السادس: في جزاري الضأن والمعز والإبل، والقصابين وغشهم.
الباب السابع: في الشوائين.
стр. 4
الباب الثامن: في الهرائسيين.
الباب التاسع: في الزلبانيين.
الباب العاشر: في الرواسين وغشهم.
الباب الحادي عشر: في الطباخين وغشهم.
الباب الثاني عشر: في الحلوانيين وغشهم.
الباب الثالث عشر: في هرايس التمر ومطبوخ العدس.
الباب الرابع عشر: في الباقلانيين، أي الفوالين.
الباب الخامس عشر: في السماكين والسمك.
الباب السادس عشر: في باعة الصير والبوري والملح.
الباب السابع عشر: في قلائي السمك وسمك الطاجن.
الباب الثامن عشر: في صيادي الطيور والعصافير.
الباب التاسع عشر: في الطحانين وغشهم.
الباب العشرون: في الفرانين وصبيانهم.
الباب الحادي والعشرون: في الحطب والحطابين.
الباب الثاني والعشرون: في القصب والقصابين.
الباب الثالث والعشرون: في الجبس والجباسين.
الباب الرابع والعشرون: في الجير والجيارين.
الباب الخامس والعشرون: في الحمامات، وذكر قوامها، ومنافعها، ومضارها، وما يلزم حراسها، والبلانين، والمزينيين، والوقادين، وباعة النورة.
الباب السابع والعشرون: في الكتاتينيين.
الباب الثامن والعشرون: في الحريريين.
стр. 5
الباب التاسع والعشرون: في القطانين والندافين.
الباب الثلاثون: في القلانسيين وغشهم.
الباب الحادي والثلاثون: في الخياطة والخياطين وغشهم.
الباب الثاني والثلاثون: في سماسرة البز.
الباب الثالث والثلاثون: في البز والبزازين.
الباب الرابع والثلاثون: في الغسالين.
الباب الخامس والثلاثون: في القصارة والقصارين.
الباب السادس والثلاثون: في المطرزين.
الباب السابع والثلاثون: في الرفائين وغشهم.
الباب الثامن والثلاثون: في الصيادلة والعقاقير.
الباب التاسع والثلاثون: في الأشربة والمعاجين وما يضاف إلى ذلك.
الباب الأربعون: في العطر والعطارين.
الباب الحادي والأربعون: في الصيارف.
الباب الثاني والأربعون: في الصاغة والصياغة.
الباب الثالث والأربعون: في الأطباء والفصادين.
الباب الرابع والأربعون: في الكحالين والكحل.
الباب الخامس والأربعون: في المجبرين.
الباب السادس والأربعون: في الجرائحيين.
الباب السابع والأربعين: في البياطرة.
الباب الثامن والأربعون: في صباغي الحرير والغزل.
الباب التاسع والأربعون: في الخزارين صناع الشراك.
الباب الخمسون: في الأساكفة وصناع الأخفاف.
стр. 6
الباب الحادي والخمسون: في عمل الأسفاط.
الباب الثاني والخمسون: في عمل البطط.
الباب الثالث والخمسون: في الحناطين والعلافين.
الباب الرابع والخمسون: في صنعة الشرابات.
الباب الخامس والخمسون: في الحاكة والقزازين.
الباب السادس والخمسون: في الزنهار وغشه.
الباب السابع والخمسون: في الإبزار والإبزاريين.
الباب الثامن والخمسون: في السماسم وبائعيه.
الباب التاسع والخمسون: في الخشب وباعته.
الباب الستون: في الزفاتين.
الباب الحادي والستون: في الحدادين.
الباب الثاني والستون: في المساميريين وغشهم.
الباب الثالث والستون: في النحاسين وسباكي النحاس.
الباب الرابع والستون: في النجارين، والبنائين، والفعلة، والنشارين.
الباب الخامس والستون: في نجاري الضبب.
الباب السادس والستون: في نجاري المراكب.
الباب السابع والستون: في النخاسين باعة العبيد.
الباب الثامن والستون: في النخاسين باعة الدواب.
الباب التاسع والستون: في الطوابين وغشهم.
الباب السبعون: في دلالين العقارات.
الباب الحادي والسبعون: في تقديرات المراكب.
الباب الثاني والسبعون: في باعة الفخار.
стр. 7
الباب الثالث والسبعون: في شعابي البرام.
الباب الرابع والسبعون: في الزجاجين وغشهم.
الباب الخامس والسبعون: في معلمي الصبيان، ومعلمات البنات.
الباب السادس والسبعون: في الدهانين وغشهم.
الباب السابع والسبعون: في المكارية.
الباب الثامن والسبعون: في النحاتين، والمصولين في التراب.
الباب التاسع والسبعون: في كساحي السماد وحمالته.
الباب الثمانون: في الغرابيل ومناخل الشعر.
الباب الحادي والثمانون: في حافري القبور.
الباب الثاني والثمانون: في الوراقين والمبهرجين.
الباب الثالث والثمانون: في من يكتب الرسائل على الطريق والرقاع والدروج.
الباب الرابع والثمانون: في كتاب الشروط.
الباب الخامس والثمانون: في الوكلاء بأبواب القضاة وتدليسهم.
الباب السادس والثمانون: في الميازيب ومضرتها.
الباب السابع والثمانون: في إصلاح الجوامع والمساجد.
الباب الثامن والثمانون: فر قراء القرآن قدام الموتى.
الباب التاسع والثمانون: في غسالي الموتى، نفع الله بهم.
الباب التسعون: في المراصد والمراقب.
الباب الحادي والتسعون: في طباخي الولائم.
الباب الثاني والتسعون: في معرفة الموازين.
الباب الثالث والتسعون: في معرفة المكاييل.
الباب الرابع والتسعون: في معرفة مثاقيل الذهب وصنج الفضة.
стр. 8
الباب الخامس والتسعون: في معرفة الأرطال والقناطير.
الباب السادس والتسعون: في معرفة الأقساط.
الباب السابع والتسعون: في معاصير الزيت وغشهم.
الباب الثامن والتسعون: في التبن والتبانين.
الباب التاسع والتسعون: في القرط والقراطين.
الباب المائة: في الأنماط وصناعتها.
الباب الحادي والمائة: في صناع الأخمرة والحرير والوقايا.
الباب الثاني والمائة: في الحصر العبداني.
الباب الثالث والمائة: في الخيزرانيين.
الباب الرابع والمائة: في اللبود واللبادين.
الباب الخامس والمائة: في الأرجوان وصناعته.
الباب السادس والمائة: في العصار.
الباب السابع والمائة: في الأبارين.
الباب الثامن والمائة: في الحلفاء وعدده ورسومه.
الباب التاسع والمائة: في المحامل وصناعتها.
الباب العاشر والمائة: في الروايا والقرب.
الباب الحادي عشر والمائة: في الدباغين.
الباب الثاني عشر والمائة: في دباغي الكيمخت.
الباب الثالث عشر والمائة: في دباغ جلود البقر.
الباب الرابع عشر والمائة: في أهل الذمة.
الباب الخامس عشر والمائة: يشتمل على تفاصيل وجمل.
الباب السادس عشر والمائة: في ترتيب التعزير.
стр. 9
الباب السابع عشر والمائة: في مجالس الحكام.
الباب الثامن عشر والمائة: في مجالس الأمراء والولاة.
* * *
стр. 10
الباب الأول
فيما يجب على المحتسب من شروط الحسبة ولزوم مستحباتها
اعلم وفقك الله لما كانت الحسبة أمراً بمعروف، ونهياً عن منكر، وإصلاحاً بين الناس، وجب أن يكون المحتسب فقيهاً، عارفاً بأحكام الشريعة؛ ليعلم ما يأمر به وينهى عنه، فإن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، ولا مدخل للعقول في معرفة المعروف والمنكر إلا بكتاب الله ، وسُنة نبيه ﷺ ، ورُب جاهل يستحسن بعقله ما قبحه الشرع، فيرتكب المحظور وهو غير عالم به، ولهذا المعنى كان طلب العلم فريضة على كل مسلم، كما قال النبي ﷺ .
فأول ما يجب على المحتسب أن يعمل بما يعلم، ولا يكون قوله مخالفاً لفعله، فقد قال الله في ذم علماء بني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وروى أنس بن مالك، ﵁، أن النبي ﷺ قال: "رأيت ليلة
стр. 11
أسرى بي رجالاً تقرض شفاهم بالمقاريض، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم"، وقال الله مخبراً عن شعيب، ﵇، لما نهى قومه عن بخس الموازين ونقص المكاييل: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨]، ولا يكون المحتسب كما قال ابن همام السلولي:
(إذا نُصبوا للقول قالوا فأحسنوا ... ولكن حسن القول خالفه الفعل)
(وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها ... أفاويق حتى ما يدر لها ثعل)
وقال الآخر:
(لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم)
ويجب على المحتسب أن يقصد بقوله وفعله وجه الله تعالى، وطلب مرضاته، خالصاً مخلص النية، لا يشوبه في طويته رياء ولا مراء، ويجتنب في رياسته منافسة الخلق، ومفاخرة أبناء الجنس، لينشر الله تعالى عليه رداء القبول، وعلم التوفيق، ويقذف له في القلوب مهابة وجلالة، ومبادرة إلى قبول قوله بالسمع والطاعة، وقد قال النبي ﷺ : "من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله شرهم، ومن أرضى الناس بسخط الله وكله الله إليهم، ومن أحسن فيما بينه وبين الله، أحسن الله فيما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه".
стр. 12
وذكروا أن طغتكين أتابك سلطان دمشق، طلب له محتسباً، فذكر له رجل من أهل العلم، فأمر بإحضاره، فلما بصر به، قال له: إني وليتك أمر الحسبة على الناس، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: إن كان الأمر كذلك، فقم عن هذه الطراحة، وارفع هذا المسند الذي وراء ظهرك، فإنهما حرير، واخلع هذا الخاتم من إصبعك، فإنه ذهب، فقد قال النبي ﷺ في الذهب والحرير: "إن هذين حرام على ذكور أمتي، حلٌ لإناثها"، قال: فنهض السلطان عن طراحته، وأمر برفع مسنده، وخلع الخاتم من أصبعه، وقال: قد ضممت إليك النظر في أمور الشرطة، قال: فما رأى الناس محتسباً أهيب منه.
وينبغي للمحتسب أن يكون مواظباً على سنن رسول الله ﷺ من قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، هذا مع القيام على الفرائض والواجبات، فإن ذلك أزيد في توقيره، وأنفى للطعن في دينه. وقد حكى أن رجلاً حضر عند السلطان محمود يطلب الحسبة، فرأى شاربه قد غطى فاه من طوله، وأذياله تسحب على الأرض، فقال له: يا شيخ، اذهب فاحتسب على نفسك، ثم عد واطلب الحسبة على الناس.
وينبغي أن يكون شيمته الرفق في القول، وطلاقة الوجه، وسهولة الأخلاق عند أمره الناس ونهيه، فإن ذلك أبلغ في استمالة القلوب، وحصول المقصود، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقد حكى أن رجلاً دخل على المأمون، فأمره بمعروف ونهاه عن منكر، وأغلظ على المأمون في القول، فقال له المأمون: يا هذا، إن الله تعالى أمر من هو خير منك أن يلين القول لمن هو شر مني، فقال لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ
стр. 13
يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، ثم أعرض عنه، ولم يلتفت إليه، ولأن الرجل قد ينال بالرفق ما لا ينال بالتعنيف، كما قال النبي ﷺ : "إن الله رفيق يحب كل رفيق".
وليكن أيضاً متأنياً، غير مبادر إلى العقوبة، ولا يؤاخذ أحداً بأول ذنب يصدر، ولا يعاقب بأول زلة تبدو؛ لأن العصمة من الناس مفقودة، فيما سوى الأنبياء.
وإذا عثر بمن نقص المكيال، أو بخس الميزان، أو غش بضاعة، بما يأتي وصفه في أبوابه من أنواع الغشوش، استتابه عن معصيته، ووعظه وخوفه، وحذره العقوبة والتعزير، فإن عاد إلى فعله عزره على حسب ما يليق به من التعزير بقدر الجناية، ولا يبلغ به الحد.
ويتخذ له سوطاً، ودرّة، وغلماناً، وأعواناً، فإن ذلك أرعب للقلوب، وأشد خوفاً ويلازم الأسواق والدروب في أوقات الغفلة عنه، ويتخذ له فيها عيوناً يوصلون إليه الأخبار وأحوال السوقة، فقد ذكر أن على بن عيسى الوزير ببغداد وقع إلى محتسب كان في وقت وزارته، ذكروه له بأنه يكثر الجلوس في داره، فكتب له يقول: الحسبة لا تحتمل الحجبة، فطف بالأسواق تدر لك الأرزاق، وإن لزمت دارك صار الأصر كله عليك، والسلام. فإذا فعل المحتسب كذلك، فقد أوفى ما يجب عليه، والذي يجب له أيضاً على سلطانه إدرار الرزق عليه بما يكفيه، وبسط يده، وترك معارضته، وترك الشفاعة عنده في الخاصة والعامة.
ويكون متورعاً عن قبول الهداية من المتعيشين من أرباب الصناعات، فإن ذلك رشوة، قال النبي ﷺ : "لعن الله الراشي والمرتشي"، والتعفف عن ذلك أصون، ويُلزم أيضاً غلمانه وأعوانه، فإن علم أن أحداً منهم قبل رشوة، أو أخذ هدية، صرفه عنه؛ لتنتفي عنه المطلوب، وتنجلي عنه الشبهات.
ويجب عليه أن يجعل له نائباً على ساحل البحر مكان ترد إليه الغلة ليعلمه ما يرد إليه
стр. 14
في كل يوم، ويحتم على مخازن من غلته رسم عبور إلى وقت الحاجة؛ لأن ربما جرى بعد ذلك تفريط في أوجه، وهذا أمر جليل لا ينبغي الغفلة عنه، ولا التفريط فيه. ويلزم المحتسب بعد ذلك أن يفرق الغلة بالتعريف على مقدار ما في البلد، وينظر فيمن عنده من الناس، وذلك مأخوذ من الأحجار التي تطحن في البلد؛ لأن كل حجر فارسي يطحن في كل يوم وليلة ستة أرادب، فإذا جعلناها أقداحاً كانت خمسمائة قدح وستة وسبعين قدحاً، يقيت كل إنسان منها قدح، فهذه الأحجار يعرف بها عدد الناس في كل مدينة بالتقريب.
* * *
الباب الثاني
في النظر في الأسواق والطرقات
ينبغي أن تكون الأسواق في الارتفاع والاتساع على ما وضعته الروم قديماً، ولا يجوز لأحد من السوقة إخراج مصطبة دكانه عن سمت أركان السقائف إلى الممر الأصلي؛ لأنه عدوان وتضييق على المارة، فيجب على المحتسب إزالته والمنع من فعله، لما في ذلك من إلحاق الضرر بالناس، ويجعل لأهل كل صنعة سوقاً يختص بهم، تعرف صناعتهم، ومن كانت صناعته تحتاج إلى وقود نار، كالخباز، والجردقاني، فالمستحب أن يبعد حوانيتهم عن البرازين والعطارين، لعدم المجانسة بينهم وحصول الأضرار.
وينبغي للمحتسب ويستحب له أن يجعل له على أهل كل صنعة عريفاً من صالح أهلها، خبيراً بصناعتهم، بصيراً بغشوشهم وتدليسهم، مشهوراً بالثقة والأمانة، يكون
стр. 15
مشرفاً على أحوالهم، ويطالعه بأخبارهم، وما جلب إلى سوقهم من المتاجر والبضائع، وما تستقر عليه من الأسعار، وغير ذلك من الأسباب التي يلزم المحتسب معرفتها، لقوله ﷺ : "استعينوا على كل صنعة بصالح من أهلها".
ولا يجوز للمحتسب أن يسعر البضائع على أهلها، ولا أن يلزمهم بيعها بسعر معلوم، فقد غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقال الناس: يا رسول الله، سعِّر لنا، فقال ﷺ : "هو القابض والباسط والمسعّر، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطالبني بمظلمة في نفس ولا في مال".
وإنما إذا رأى المحتسب أحداً قد احتكر الطعام من سائر الأقوات، وهو أن يشتري في وقت الغلاء، ويتربص به ليزداد في ثمنه أكثر منه، ألزمه بيعه إجباراً؛ لأن الاحتكار حرام، والمنع من فعل الحرام واجب، وقد قال النبي ﷺ : "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون".
ولا يجوز تلقى الركبان، وهو أن تقدُم قافلة فيلتقيهم إنسان خارج البلد، فيخبرهم بكساد ما معهم ليبتاعه منهم رخيصاً، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، ونهى عن بيع السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق، فإن عثر المحتسب بمن يقصد ذلك، عزره وردعه عن فعله.
وينبغي أن يمنع أحمال الحطب، والحلفاء، وأحمال التبن، وروايا الماء، والرماد، وما أشبه ذلك، من الدخول إلى الأسواق، لما فيه من الضرر بلباس الناس، ويأمر أهل الأسواق بكنسها، وتنظيفها من الأوساخ، وغير ذلك مما يضر بالناس، فإن النبي ﷺ قال:
стр. 16
"لا ضرر ولا إضرار".
وأما الطرقات وأزقة الحارات، فلا يجوز لأحد إخراج جدار داره إلى الممر المعهود، وكذلك كل ما فيه أذية على السالكين، كمجاري الأوساخ الخارجة من الدور في زمن الصيف إلى وسط الطريق، فإنه يكلف بسده في الصيف، ويحفر له في داره حفرة يجمع فيها.
ولا يجوز التطلع إلى الجيران من الأسطحة والنوافذ، ولا أن يجلس الرجال في طرقات النساء من غير حاجة، فمن فعل ذلك عزره المحتسب، سيما إذا رأى رجلاً أجنبياً مع امرأة أجنبية يتحدثان في موضع خلوة، فإنه أكثر للتهمة في حقها، وإذا تكررت خيانة رجل من أهل السوق أدبه، فقد روى أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، أمر بضرب رجل وجب عليه الحد، فقال له وهو يضربه: قتلتني يا أمير المؤمنين، فقال له: الحق قتلك، قال: فارحمني، قال: لست أرحم بك ممن أوجب عليك الحد. فإن عاد إلى الخيانة أقامه من السوق.
* * *
الباب الثالث
في الخبازين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة من أهل صناعتهم، ويأمره أن يكتب له جريدة بأسمائهم وعدتهم، ويطالبوا برسومهم في كل يوم، ولا يسامحوا منها بشيء، ومتى سومحوا منها بشيء، كان ذلك سبباً للاضطراب في الأسواق وفساد الأحوال.
ويتفقد ما يغشون به الأخباز من دقيق الجلبان، والفول، فإنهما يسودانه، وكذلك
стр. 17
دقيق الحمص، فإنه يثقله ويفججه، وكذلك دقيق الشعير والسميذ ما يخفى نظرهما على وجهه، وأيضاً في كسره، وإذا لم ينضج الخبز أدب الخباز والفران جميعاً؛ لأن الخباز إذا أمر الفران ائتمر.
ويطالبون بنظافة أوعية الماء وتغطيتها، ونظافة المعاجن، وما يغطى به الخبز، وما يفرش تحته، ولا يعجن عجان بقدميه، ولا بركبتيه، ولا بمرافقه؛ لئلا تنحدر أعراق أبدانهم في العجين، وفي ذلك أيضاً احقار بالطعام، ويكون العجان متلثماً؛ لئلا يبدر من بصاقه أو مخاطه شيء في العجين إذا تكلم أو عطس، ولا يعجن إلا وعليه ملعبة، أو ثوب مقطوع الأكمام، ويشد جبينه بعصابة بيضاء لتمنع عرقه أن يقطر، ويحلق شعر ذراعيه كل قليل، وإذا عجن في النهار، فليكن عنده من ينش عنه الذباب، هذا كله بعد نخل الدقيق بالمنخل الصفيق.
وأما الجرذقانيون، فلا يضع أحد منهم في عجينه شيئاً من النطرون؛ لأنه يورث العطش، ويسهل البطن، ويورث البواسير. وينبغي أن يجعلوا عوضه الكمون الأبيض، وأن لا يحمي أحد منهم تنوره بساس الكتان، ولا بقرمة؛ لأنه يورث النسيان. وكذلك حوانيتهم التي توقد فيها التنانير، تكون سقوفها مرتفعة، وتفتح أبوابها، ويجعل في سقوفها منافس واسعة يخرج منها الدخان، وإذا فرغ من حموه مسحه بخرقة، ثم يسرع في الخبز، ويقرر بيع الخبز بلا غبن ولا حيف على الخباز ولا على الرعية. ويؤمرون أن يلا يخبزوا خبزاً إلى أن يختمر، فإن غير الخمير يثقل في الميزان، ويثقل في المعدة. وكذلك إذا كان قليل الملح، فإنهم يقصدون بذلك ثقله ووزانته.
وينبغي أن يرشوا على وجهه الأبازير الطيبة مثل الكمون الأبيض والأسود، والشونيز، والقرطم، وما أشبه ذلك، وكذلك في العجين، والمصطكي، وعرق الكافور، والشيبة، ويعتبر سعر الأقات ونقصانه، ويفتش على لوح الخبازين أوزانها على أطرافها، وإذا عرض حركة على الخبز أمرهم بعمل وظائفهم كلها خبزاً.
стр. 18
وبعد، فاعلم وفقك الله أن الحملة الدقيق الحواري ثلاثمائة رطل بالقلعى، وكذلك الخشكار، فإذا أردت معرفة مؤونة كل واحد منهم ووقوع خبزهم بالرطل القلعى أيضاً، فوجدت قمح الحملة الحواري مدخلها عشر ويبات ونصف قمحاً غلتا يصبح في سبعة ونصف، وطحينها ستة دراهم، ويلحقها في العجين والخبيز أربعة دراهم، ومن الخمير عشرون رطلاً، وخبزها ثلاثمائة وثمانون رطلاً بالقلعى، وعيار الحملة الخشكار من القمح نظير الحواري، وطحنها ثلاثة ونصف، ويلحقها أيضاً في العجين والخبيز أربعة دراهم، ومن الخمير عشرون رطلاً، ووقوع خبزها عليها في محاسبة الخبازين إذا احتيج إلى ذلك يوماً، وبالله التوفيق.
* * *
الباب الرابع
في السقائين وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، ويعرفه أنه لما كانت الأمواج تجيب الأوساخ والأقذار إلى الشطوط، وجب أن يكون السقاؤون يدخلون في الماء إلى أن يبعدوا عن الأوساخ، وألا يستقوا من مكان يكون قريباً من سقاية، ولا مستحم، ولا مجراة حمام، ومن اتخذ منهم رواية جديدة، فلينقل بها الماء إلى الطين أياماً، فإن ماءها يكون متغير الطعم
стр. 19
والرائحة من أثر الدباغ، فإذا زال التغير، أذن له المحتسب في بيع مائها.
وينبغي أن يكون في أوساطهم التبانين؛ ليستروا عوراتهم. وسقاة الماء بالكيزان أصحاب القرب، يؤمرون بنظافة أزيارهم، وصيانتهم بالأغطية، وتغطية قربهم التي يسقون منها في الأسواق بالميازر، ويمنعهم أن يسقوا بكيزانهم المجذم، والأبرص، وأصحاب العاهات والأمراض الظاهرة، وجلاء الكيزان النحاس كل ليلة، وتطييب شبابيكها بشمع المسك واللادن الطيب العنبري، وافتقاد الخوابى بالبخور، والغسل كل ثلاثة أيام.
* * *
الباب الخامس
في السوقة وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، ويأمر أحدهم أن لا يقدم فرشه خارجاً عن مصطبته بشيء، وأن يجعل فراش أكبرهم إلى داخل حانوته، وإذا أجلس البياع على ميزانه صبياً دون البلوغ، اشترط على معلمه أنه إذا بخس كانت العقوبة واقعة به دون صبيه، وبعد الشرط، فلا يمنع الصبي التعيش.
ويعبر موازينهم، وصنجهم، وأقداحهم، ويمنعوا من أن يكون في حوانيتهم دستان من الصنج، والأرطال حديد لا يكون في شيء منها حلقة أصلاً، ويختم بالخواتم الرصاص، ويكتب عليها المحتسب، ويرسم الختم بخطه، ويفتقد كل قليل، وربما جلدوا على اللفت وزنوا به في جملة الأرطال، وينبغي إذا شرع في الوزن أن يسكن الميزان، ويضع فيها البضاعة، ولا يهمز حافة الكفة بإبهامه، فإن ذلك بخس وتدليس.
ولا يكون في ميزانهم الفضة صنجة ثلاثة دراهم، ولا في ميزان الأرطال ثلث رطل؛ لأن الثلث يشابه النصف رطل، وكذلك صنجة الثلاثة تشابه الدرهمين، ويعتبر حبات القمح التي في موازينهم، فقد تنقع ويدس في أجسامها ما يزيد في ثقلها من أطراف الأبر وغيرها. وتكون كفات موازين الذهب والفضة خفافاً، ومساميرها فولاذاً. وتكون موازينهم الفضة من بين أيديهم حتى يشرف عليها من يزن أو يوذن له.
стр. 20
ويأمرهم أن يجعلوا ما يبيعون به من الدراهم في بطون موازينهم، ولا يتركوها في جملة ما في أيديهم من الصنج، بحيث ألا يكون فوق فراخ موازينهم إلا الصنج لا يغر. ولا ينقد أحد دراهم الناس وبين يديه جوز، أو لوز، ولا شيء من المكسرات، فربما يسقط فيها من دراهم الناس عند النقد، ويجمعها إذا انصرفوا. ويكون سائر ما يكتالون به مختوماً بالرصاص، ومنقوشاً في طرفها اسم الإمام؛ لئلا يبردوا رءوس المكاييل بعد العيار فتنقص. ويكون سائر ما يكال به سعة أسفله أو قريب منه، ويفتقدها بعد ذلك كل قليل؛ لئلا يصب فيها ما ينقصها مثل الجبس وغيره.
وربما حشيت أواقي الزيت التي يطوفون بها البيعة، والمكاييل، بالقير في أسفلها، ويقلعها إذا خاف. ويلزمون أن تكون موازين الأرطال متعرضة في قوس الدكان ليشاهد الزبون ما يحمل له من الأرطال عند الوزن والمأكولات. ويمنعهم أن لا يجعلوا في كفة الميزان خيطاً من حلفاء، فإنه يمنعها النزول، ويجنبها بسرعة الرجحان. ولا يكون لشيء من الأوزان خطافاً، فإن الغرض منه أن يعلق في الكفة القدامية، فتكون الخيانة بمقدار وزنه، وتكون جميع موازينهم وأوعيتهم التي لأطعمة الناس نظيفة مصونة بالأغطية والشد عليها.
ويمنعوا أن يسقوا الجبن السناري بالزيت الطيب، ولا بالشيرج؛ لأنه تدليس. وربما فجوه بأفواههم، فيكون ذلك ضرراً لمن يأكله. ولا يغسلوا الجبن الحيسى في مطاهر الحمامات. ويمنع من يرطب التمر بالماء، ومن يرش الماء الممزوج بعسل القصب على الرطب. وكذلك باعة الزيت يمنعون من فجه بالماء، وينهاهم عن بيع ما دون من البطيخ، والقثاء، والتين، والرطب، وما قد تناهى نضجه حتى يهرأ قشره من جميع ذلك. وتكون ملاعق بيع الصابون من خشب، فإن صدأ ملاعق الحديد يبقى في الصابون، فإن طبوعها محرقة لما يتعلق منه في الملابس.
ويعتبر عليهم الزيوت في زمن نفاقها، فإن الزيوت تغش بزيت القرطم في زمنه، إلا أن له دخاناً عظيماً في النار، وهو يخلط أيضاً في الشيرج لوقته، وكذلك زيت الخس، وهو يعرف بخفته في الوزن، ورقته في الوعاء، وشمه إذا مسح به على ظهر اليد. وقد يخلط الشيرج بالزيت للإنفاق إذا غلا سعره، وجسم الشيرج أخف من جسم الزيت، فلا يمكنهم من ذلك، فإنه غش وتدليس.
وإذا غشوا الخل بالماء، انحبس فيه خشيشة من الراس، فإنها تشرب الماء وتقبله دون
стр. 21
الخل، ومن معرفته أيضاً إذا صب الخل الحالص على الأرض نش، وإذا كان معيوباً لم ينش، ومن معرفته أيضاً خذ خوصة أطليها بدهن أو بزيت، ثم اغمسها في الخل، فإن خرجت وعليها الخل، ففيه الماء، وإن خرجت ملساء ليس عليها شيء، فليس فيه ماء.
وكذلك اللبن الحليب إذا كان فيه الماء اغمس فيه شعرة، فإنه لم يطلع منه عليها شيء، وإذا كان خالياً من الماء طلع اللبن عليها مكللاً، وكذلك إذا غمست فيه الريش، فإنه يشرب الماء دون اللبن فتمصه، فيخرج في فيك، وإذا كان بلا ماء، فإنك تمصها ما يخرج منها شيء، ومن معرفته أيضاً إذا قطر منه على خرقة سال كالدهن وجرى، وإذا لم يكن فيه ماء وقف، وسبيله أن لا يبيعه إلا الغنامة من ضروع الغنم إلى المشترى، وبيعه اللبن الحامض يعتقون عندهم المش الحامض، ثم يخلطونه بالطري، وهو أحد السمائم، ثم يبيعونه حامضاً، فيمنعون من ذلك، ويحلفون عليه، وتفتش دكاكينهم، ويلزمون بأن يكون بيعهم وشراؤهم بالقسط الجروى، وهو أربعة أرطال ونصف.
ويمنعون من عمل المريء المطبوخ وبيعه، فإن الفلاسفة يذكرون أنه يورث الجذام، ويعتبر عليهم غش المري الشعير الذي يعملون به من رُب الخروب، أو من عسل القصب، والملح، والكامون الأسود، والكاراويا، والشمار، ويبيعونه، فهو يبين في اليد من قلة ذكائه، وإنه يفسد ما يعمل به من الطعام، ويفسد طعمه ورائحته. ويمنعهم أن يدهنوا النبيدة البائتة بالزيت، وتباع في هيئة الطرية، فإن هذا تدليس. ويعتبر عليهم الكوامخ، والملوحات، والمخللات، فإنها كثيرة التغيير والاستحالة، فيخزنونها ويستحلون بيعها، فما وجد في شيء منها عتيق أو تغيير، رمى على المزابل.
ويفتقد أوعيتهم التي عندهم من الأوساخ، والتهاون بتركها مكشوفة، ولا يمكنون من ذلك، والسبب في فساد الكوامخ وحموضها وكرخها والدود المتولد فيها، أن تكون في الأصل قليلة الملح، والعلف بالعطائر، فتحمض، وربما خلطوه بغيره ففسد الكل، ويتولد فيه الدود، فيراعى ذلك بالعطر والذوق.
والبصل المخلل إذا طلع عليه الكرخ، وكان محبسه يابساً، يأمرهم بتنظيفه من قشره، ويلقى عليه الخل، فإنه ينصلح ويثبت، وإن كان جسمه ليناً، وفيه خمج، فينبغي أن يرمي. وإن تغير اللفت المخلل ولان جسمه، فيجب أن يرمي على المزابل. وكذلك
стр. 22
الكشك قد يعمل من القمح العتيق، ويسقى بماء الخمير، والمش، ويترك حتى يختمر ويحمض، فيعتبر هذا عليهم بالذوق والنظر والرائحة.
والبقالون يلزمون بيع جميع ما يبيعون من البقول بشداته التي يشترونه بها، ولا يحلوا حزمة يعملونها اثنتين، ولا شرش كبير يفرقونه حزماً صغاراً، ويبيعوا جميع البقول مغسولة منقية من الحشيش والطاقات المصغرة. ويأمرهم بقطع سعد أصول الخس. والفجل لا يباع إلا مغسولاً. وإذا بات عندهم شيء في دكاكينهم من الخضروات، فلا يخلطوه من طري يومه، ويمنعون من ذلك، فإن ذلك غش وتدليس. وينهاهم أيضاً عن غسل البصل والثوم الطري الأخضر، فإنه يزيده نتونة وزفرة، ويتفقد عليهم أرطالهم وموازينهم، ومن خالف هذا أدب.
* * *
الباب السادس
في جزاري الضأن، والمعز، والإبل، والقصابين وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، ثقة من أهل معيشتهم، ثم بعد ذلك يستحب أن يكون الجزار مسلماً، بالغاً، عاقلاً، يذكر اسم الله على كل ذبيحة، وأن يستقبل
стр. 23
القبلة، وأن ينحر الإبل معقولة من قيام، والبقر، والغنم مضجعة على الجانب الأيسر؛ لأن ذلك وردت به السنة عن النبي ﷺ . ويأمرهم أيضاً أن لا يجروا الشاة برجلها جراً عنيفاً، وأن لا يذبحوا بسكين كالة، فإن في ذلك تعذيباً للحيوان، وقد نهى رسول الله ﷺ عن تعذيب الحيوان.
ويلزمه في الذبح أن يقطع الودجين، والمريء، والحلقوم، ولا يشرع في السلخ بعد الذبح حتى تبرد الشاة ويخرج منها الروح؛ لأن ع مر بن الخطاب، ﵁، أمر
стр. 24
منادياً ينادي في المدينة: لا تسلخ شاة مذبوحة حتى تبرد. وتجوز الذكاة بكل شيء، إلا السن والظفر، فإن رسول الله ﷺ نهى عن الذكاة بهما. ويمنعهم أيضاً ألا يذبحوا جملاً يكون مقرح الجسم إلى أن يبرأ جميع ما فيه من القروح، وقد كان لأمير المؤمنين الحاكم بأمر الله في سجل مجلد في ديوان الإنشاء، بأن لا يذبح من البقر المخلوج الورك، والأعور، والأعمى، والمقلوع السن، والمريش العنق، والمجنون، والجرب، وكل مشقوق الحافر، والمقطوع، والمكوي، وكل شيء كانت عيوبه ظاهرة، والصحيح الرقاد، والمعلوفة إذا كان بها شيء من هذه العيوب المذكورة، فينهاهم المحتسب عن ذلك جميعه.
وينهاهم أن لا ينفخوا شاة بعد السلخ، فإن نكهة ابن آدم تغير اللحم وتزفره، ومنهم من يشق اللحم من الصفاقين، وينفخ فيه الماء، ولهم أيضاً أماكن يعرفونها في اللحم ينفخون فيها الماء، فيجب مراعاتها في ذلك، ومنهم من يشهر في الأسواق البقر السمان، ثم يذبح غيرها، وهذا تدليس.
وأما القصابون، فيمنعهم من إخراج توالي اللحم عن حد مصاطبه، بل تكون متمكنة في الدخول عند المصطبة الركنين، فلا يلاصقهم ثياب الناس فيضرون بها، ويأمرهم أن يفردوا لحوم المعز من لحوم الضأن، وأن لا يخلطوا بعضها ببعض، وينقطوا لحوم المعز بالزعفران؛ ليتميز من غيره، وتكون أذناب المعز معلقة على لحومها إلى آخر البيع، ولحم المعز يعرف برقة لحمه وعظمه، وبياض شحمه.
ويأمرهم بأن لا يلصقوا على سائر اللحوم شيئاً من القزدير، فإن الحكماء قد ذكروا بأنه يسممه، ولا يخلطوا اللحم السمين بالهزيل، بل يباع كل واحد منهما على حدته، ويمنعهم أيضاً أن لا يخلطوا شحم المعز بشحم الضأن، وعلامة شحم المعز صفو لونه وبياضه، وشحم الضأن تعلوه الصفرة، وكذلك بطون المعز لا تختلط ببطون الضأن، وكذلك الإليات تباع مفردة لا يخالطها جلد ولا لحم.
وإذا فرغ من البيع وأراد الانصراف، أخذ ملحاً مسحوقاً ونثره على القرمة؛ لئلا
стр. 25
تلحسها الكلاب، أو يدب عليها شيء من الهوام، فإذا لم يجد ملحاً، وإلا الأشنان. والمصلحة أن لا يشارك بعضهم بعضاً؛ لئلا يتفقون على واحد. ويمنعهم أيضاً من بيع اللحم بالحيوان؛ وهو أن يشتري الشاة بأرطال لحم معلومة، ويدفع إليه كل يوم ما يتفقان عليه من اللحم، فإن النبي ﷺ نهى عن ذلك.
* * *
الباب السابع
في الشوائين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، ويأمرهم أن لا يلطخوا الخروف والجدي بشيء من العسل ولا غيره من الحلاوات، فإنه ينفخ جسم البهيمة، كما يدخل النار من غير نضج. ومن علامة نضجه أن ينقص الربع، فينبغي أن يزن الشواء قل إنزاله إلى التنور، وبعد طلوعه منه، ومن علامة نضجه أيضاً أن يجذب كتفه، فإن جاء بسرعة، فهو المراد منه، وإلا ألزم بإعادته إلى النار، ومن علامته أيضاً أن يشق الورك، فإنه يوجد فيه عرق من الدم باقياً فيه.
وتكون خرافهم مقطوعة الملحات من أصلها، وكذلك الأعضاء، وإلا قطعوها بعد الوزن، وإذا عرف أوزانها نقصه من الوزن بعد شيه، ويفتقد ما يبقى عندهم منه بلا بيع في ليالي الصيف، فإنه كثيراً ما يتغير، فيرضونه مع الليمون المالح ويبيعونه، فيخفى رائحته وطعمه على مشتريه. وربما كسدت الرءوس على الرواسين، فتبتاعها منهم الشوائون، ويبروا لحمها على قرمهم قليلاً بعد قليل، ويبيعونه في جملة الشواء بسعره، فيراعى ذلك عليهم أشد مراعاة.
ويأمرهم أن لا يحموا تنانيرهم بساس الكتان أصلاً، ويفتش دكاكينهم كل وقت على الملاحي التي يسرقونها من ذبائح الناس، وكذلك شحوم الخراف وعصبانها، ويحتاط على جميع ذلك إلى أن ينزلوا الشواء إلى التنور، فإذا نزل طين عليه بطين كثيف نظيف، وكذلك رمانة الكتف التي تكون تحت الكتف، فإنهم يسرقونها، ويباشر أيضاً ما يسرقونه من السميذ، والأرز، واللبن.
стр. 26
ويأمرهم أن لا يؤخروا أشوية الناس عنهم في أوقاتها، فما كان من الشوائين الذين يتعيشون يدفع إليهم شواءهم ضحوة نهار، وأكثر الناس الظهر، ولمن كان صائماً عند المغرب، وكذلك أرباب المآتم، ومن اختار التأخير إلى آخر النهار؛ وإن أخر عن الناس أطعمتهم في هذه الأوقات المحدودة، فقد أضر بهم، واستحق عند ذلك الأدب بعد الإعذار إليه. ويمنع الشوائين من بيع الجدابة التي يعملونها من الماء الذي يقطر من الخراف مع يسير من شحومها ودمائها؛ لأنه تدليس، فينهوا عن ذلك، فمن عاد أدب وأشهر.
ويفتقد الطين الذين يطينوا به التنور، وربما عجنوه في أرض دكاكينهم، فإن الجيف تؤذي رائحته، وربما يسقط عنه عند فتح التنور، فيأمرهم بعجنه في قصرية نظيفة، ويفتقد إزياهم لتكون مصونة نظيفة.
* * *
الباب الثامن
في الهرائسيين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة من أهل صناعتهم، بصيراً بها، ويطالبهم بنظافة قدورهم وجميع آلاتهم بالغسل بكرة كل يوم بالأشنان، والماء الحار، وعيار الهرايس لكل قدح من القمح رطل واحد بالجروى من لحم البقر الطيب السمين، ومن لحوم الضأن لكل قدح ثماني أواق بالجروى. ويراعى العريف نظافة اللحم كل يوم بنفسه من الغدد، والعروق، والجلود، وينتفع في الماء والملح وقتاً طويلاً حتى يحمر الماء، ويلقى في القدور بحضرة العريف، ويختم عليها، فقد يضاف إلى الهرايس من الحيوان الذي ما له قيمة ويلقى في القدور، فإذا كان آخر الليل يشيل منها إلى دار من يُعينُه على فساد أطعمة الناس، فيجب أن لا يفرط في الختم، ولا يفتحها إلا العريف بعد وقوفه على صحة الختم، ويقطر من دهنها على بلاطة نقطاً، أو يغمس فيه ريشة، فإن كان فيه زيت أو شيرج، فإنه لا يجمد، وإن كان شحماً نقياً خالصاً عرف بجموده. ولا يمكنهم من العمل بلحوم البقر المعدة عندهم للمصلوقة، فربما عازهم اللحم الطري، فيكون ذلك عندهم، فلا يمكنون من ذلك، ولا من العمل باللحوم البائتة التي تغيرت رائحتها، ولا بلحوم
стр. 27
الوقايع التي تغيرت رائحتها، ويفتقد قدور الشحوم المسلية؛ لأنها ربما دارت، وكذلك قدور الزبد التي عند الباعة، فينبغي أن تراعى.
* * *
الباب التاسع
في الزلبانيين
ينبغي أن يطالبوا بنظافة آلاتهم كلها، وتغيير مقاليهم، فإنهم ربما أخذوا عظام البقر والجمال وغيرها يسلقونها، ويأخذون ما صفا من دهنها، وكذلك دهن الرءوس، ويخلطونه بالزيت، ويقلون به الزلابية، فإذا أردت معرفة ذلك، اغمس فيه ريشة، أو قطر منه شيئاً على بلاطة، أو على قليل من الماء، فإن كان فيه دهن جمد على الماء، وإن كان زيتاً خالصاً لم يجمد.
[وربما بقي في قدورهم شيء من الهريسة، فيخلطونه فيما يعمل من الغد، فيعتبر عليهم ذلك، وربما باعوا ما يفضل منهم لمن يخلطه في الكشك السوقي، فيراعى ذلك بشق النقانق قبل قليها، فإنه لا يخفى].
وينبغي أن يكون مقلى الزلابية من النحاس الأحمر الطيب، ويأمرهم بغسله كل يوم قبل أن يقلوا فيه، وهو أن يحرق فيه النخالة، ثم يدلكه بورق الصلق إذا برد، ثم يعاد إلى النار، ويجعل فيه قليل عسل، ثم يوقد حتى يحترق العسل، ثم يجلى بعد ذلك بالخزف، ثم يغسل ويستعمل، فإنه ينقى من وسخه وزنجاره.
ويكون ثلث دقيق الزلابية ناعماً وثلثه سميذاً؛ لأنه إذا أكثر فيه السميذ، زادت الزلابية بياضاً وخفة في الوزن ونضجاً، غير أن السميذ يشرب الزيت أكثر من الناعم، فلهذا يكرهونه.
وأجود ما قليت به الشيرج، فإن لم يكن، فالزيت الصافي، ولا يشرع في قليها حتى يختمر عجينها، وعلامة اختمارها أن تطفوا على وجه الزيت، والفطير منها يركد أيضاً في أسفل المقلى، والخمير أيضاً يبقى مجوفاً مثل الأنابيب، والفطير تكون مرصوصة وليس فيها تجويف، ولا يجعل في عجينها ملح؛ لأنها تؤكل بالحلاوة، فتقيء النفس إذا كانت بالملح.
стр. 28
وأما سواد الزلابية، فقد يكون من وسخ المقلاة، أو تكون مقلوة بالزيت المعاد، وهو الذي يقلى به، أو تكون فطيراً، وربما جازت عليها الناس لسوء الصناعة، فيعتبر المحتسب عليهم جميع ذلك، وينبغي أن تُصنع سلالاماً صغاراً لطافاً، ومتى حمض عجينها جعله خميراً.
* * *
الباب العاشر
في الرواسين وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم ثقة عارفاً بمعيشتهم، فيأمرهم أنهم إذا سلقوا الرءوس والأكارع يسمطونها بعد ذلك، حتى لا يبقى عليها شيء من الشعر، ويدقوا الرءوس على مقادمها؛ ليقع ما فيها من سائر الأوساخ والدود المتولد فيها، وتسوك تسويكاً نظيفاً، ويجعل في أفواهها شيئاً من الدارصيني والكرفس، ولا يخلطوا رؤوس الضأن برؤوس المعز، وعلامة رؤوس الضأن تحت كل عين ثقب يسمونه ماقا، وليس تحت عيون المعز. وربما كسدت عندهم، فيخلطونها بما يبعيونه من غد، وعلامة ذلك أن تُسل العظم الرقيق الذي في أصل المبلغ، وهو المسمى بالشوكة، وتشمه، فإن كان متغيراً، تعلم أنه بائت.
ويجب أن تكون أوعيتهم نظافاً مغطاة. ومنهم من يشتري دهن الأبدان القاطر من الشواء، ويخلطه بدهن الأكارع، ويسقى به الثريد، فيعتبر المحتسب عليهم ذلك، وأن لا يخرجوا الرءوس من الغمة إلى أن ينتهي نضجها، ويكون عنده الملح والدارصيني مسحوقاً ينثره عليها بعد البيع.
* * *
الباب الحادي عشر
في الطباخين وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم ثقة بصيراً عارفاً بمعيشتهم، ويطالبهم بنظافة آلاتهم كلها، وغسلها كل يوم بالماء الحار والأشنان، وأن لا يطبخوا بلحوم المعز، ولا بلحوم الجمال؛ لئلا يأكل من العليل فيزيد في علته، أو ناقه من مرض، فتكون سبباً لنكسته.
وينهوا عن حشو النقانق بكبود الجمال وكبود البقر، ولا بلحوم المعز، ولا بكبودها،
стр. 29
وإنهم أيضاً يجعلون من كل خمسة أرطال من البقر، رطلين من بياض البصل، ورطل دهن، ورطلين ماء، بعد دقها، فينبغي أن يعتبر عليهم ذلك بالشق عنها قبل أن تقلى، فإنه إذا قلاه نخسه في المقلى بالسفود ليفجره حتى يستر عيوبه ويسيل ما فيها من الغش، وكذلك غش السنبوسك يبين قبل قليله وبعد قليله، فإنه يغش بالباقلاء المقشر المنبت، وبيان البصل، فإذا فتحته رأيته عديم اللحم، وهو ما ذكرناه، فاعلم أنه مغشوش، وقد يعمل فيه من لحوم الأسماك المشوية والتوابل.
وإن طبخوا المعز، فعلامته في القدور سواده، وزهومته، ورقة سائر عظامه. ويمنعون من غش المضيرة بالدقيق لتعقد ويزيد في وزنها، وقد تعقد أيضاً بدقيق الأرز. ويتفقد عليهم كثرة الأدهان في قدورهم. ويغشوا أيضاً البهطة بالقلقاس، وقد يغشون به الهريسة أيضاً، وقد يغشون أيضاً الهرايس بالكروش المسلوقة المبشورة، ويسترون عيوبها بالشحوم. ويعتبر عليهم أيضاً العصبان، فإنهم يبيعونها الجزارون.
وينبغي أن يعتبر غسلهم بالشق، ويمنعوا أن تنقع في الماء قبل بيعها، ويؤمروا بنظافته، وحشوه بلحوم الخواصر، وقناقه بالنعنع، واليسير من السداب، ويحلفوا بالله العظيم أنهم إذا عملوا عصباناً من بطون المعز وباعوه، أن يعلموا الزبون بذلك، ويراعيه العريف أيضاً.
وقد وجدت في الرسالة التي تعرف بكيمياء الطبيخ، التي ألفها يعقوب بن إسحاق الكندي إلى المعتضد ألواناً تطبخ من غير لحم، وقلايا كبود من غير كبود، ومخ من غير مخ، ونقانق من غير لحم، وعجة من غير بيض، وجوذاب من غير جبن ولا أرز، وحلاوة من غير عسل ولا سكر، وألواناً كثيرة من غير عناصرها يطول شرحها، وليس يهتدي إلى دقة صناعتها، وخشيت من تدليس المتعيشين في الأسواق، فأمسكت عن صفتها خوفاً من التنبيه على عملها، رجاءً لثواب الله تعالى.
* * *
الباب الثاني عشر
في الحلوانيين وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة؛ لأن غش هذه الصنعة كثير جداً، فمن ذلك أن العسل النحل إذا كان نافقاً غالياً، غشوه برب العنب، وهو يعرف إذا جعل على النار،
стр. 30
فإن رائحة الرب تظهر، وكذلك العسل القصب إذا غلا غشوة بالدبس، فإن النوى يوجد في أسفل الوعاء. والفالوذج يُحلف صانعه ألا يطرح لكل رطل عسل إلا أوقيتين من النشأ، أن يكثر فالوذه، وأن لا يحشيه.
ومن الحلوى ما يغش بالدقيق، والنشا، ودقيق الأرز، ودقيق العدس، وبقشر السمسم، وربما عملواعوض العسل النحل القند، والسميذ مكان الخشخاش وغيره، ومنه ما يغش بالفتيت وبدقيق السندود، ومنه ما يمزج من النشا ليخفى سواده، والذي يغش منه بالدقيق، إذا ألقى في إناء زجاج وصب عليه الماء، ذات سكره، وصفا لونه، وركد دقيقه.
ومما يغش به من دقيق اللوزنيج المعزول واليابس، والقاهرية يغش حشوها بالدقيق، ويعجن بالدقيق أيضاً، وفي حشو القطايف أيضاً يسقى خبزه بالماء الحار حتى لا يشرب الدهن، وكذلك القطايف والمقلى يغش حشوه بالدقيق، ويسقى بخل القند عوضاً عن العسل النحل، وكذلك ناطف الخشخاش يغش بالسميذ، وإنه لا يبين في الخشخاش، وهو يطفو أيضاً على الماء.
والناطف الهياجي يغش أيضاً بالسميذ المقلى والبندق، والكشك الأبيض والأصفر يغشان بالفتيت، وهو يعود أيضاً على الماء، وكذلك البسندود يغش بالفتيت، وربما عمل بدقيق العدس، وكعب الغزال إذا كان أسمر اللون، فهو معمول من القند، وقد يدرج في النشا ليخفى أمره، وناطف المشاش أصفر وأبيض، وكذلك المزاج أصفر وأبيض، فما كان منه بقند عرفته بسواده، وما كان صافياً كان مزاجاً حسناً يباع كل منها بسعره، وما يساوي في الوقت.
والخشكنان الذي يخبز في التنور إن غشوه يقع عليهم في التنور عند خبيزه، والخشكنان المقلى يغش حشوه أيضاً بالدقيق، والمشبكة أيضاً تغش بحل القند عوضاً عن العسل النحل، والخبائص الرطبة والناغمة، فغشها أن يكون نشأها خارجاً عن الحد؛
стр. 31
لأن منهم من يعمل لكل رطل حلاوة رطل نشأ، ومنهم من يعمل مع كل رطل نصف رطل نشأ، وهذا هو الخطأ، فمن فعل هذا استتيب أول مرة، فإن عاد أدب وشهر.
ولا يمكنهم العريف أن يطرحوا لكل رطل حلاوة سوى أوقيتين نشأ لا غير، وهذه الخبايص الرطبة الكثيرة النشأ إن خفيت في منظرها وذوقها، فإنها إذا باتت حمضت، والفانيد الخزائني إذا عمل من الأجاجير كان صافياً حسناً شديد الحسن، وكذلك كعب الغزال إذا عمل من القند عرف بسمته، فيباع كل واحد منهما بما يساوي، وأجود ما عمل في السوق ما كان من السميذ، وما كان في العسل القصب، والماء ورد بالفستق لا غش فيه.
* * *
الباب الثالث عشر
في هرايس التمر ومطبوخ العدس
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بمعيشتهم، ويأمره أن يتقدم إليهم ويلزمهم بغسل جرارهم، وقدورهم، كل يوم بالماء الحار والأشنان، ويعتبر عليهم شغلهم، فمنهم من يعمل في الهرايس من التمر شيئاً يسيراً، ويلقى عليه من النوى المجموع من على المزابل والطرقات شيئاً كثيراً، ويطرح فيه خشباً يعرف بالقلم ليصبغه ويزيد في حمرته، ويطرح فيه شيء من النطرون، أو الكمون الأبيض لينون عنه، وهو أسلم من النطرون وأنفع منه، فينبغي أن يمنعوا من هذا ويحلفوا عليه.
ثم يعتبر جرارهم بعد ذلك، فإذا رأى شيئاً مما ذكرناه بعد ذلك، كسر ورمي في أتونات الحمام، ويؤدبون ويشهرون، وكذلك باعة حشو العدس، يتقدم أيضاً لهم ويأمرهم بنظافة أوعيتهم، وتغطيتها، ونظافة مياهها، ونظافة العدس قبل طبخه، ويحلفوا أن لا يخلطوا فيه ماء الحمص المسلوق بعد طلوعه من التنور ليكثره؛ لأنهم يفعلون هذا في وقت تحريك السعر وقلة العدس.
* * *
стр. 32
الباب الرابع عشر
في الباقلانيين، أي الفوّالين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بمعيشتهم، ويأمره أن يمنعهم من عمل الباقلاء المسوس، بل يكون جيداً طيباً، منقى من القديم، وهو يزيد في تنبته مثله، وكذلك الحمص السالم من التسوس قبل بله وقبل سلقه [ينظف] من الطين والحجارة، ولا يخلط ما بقي من أمسه مسلوقاً في حمص يومه، ويؤمرون أن ينشروا عليه الملح المطحون، والكمون الأبيض بعد بيعه؛ ليدفع مضاره، ويفتقد مكاييلهم فإنهم يأخذون قطعة خشب يحفرونها مكيالاً، فيكون مثاله طول شبر، والمحفور من داخلها أربعة أصابع فيغتر الناس بسعتها وطولها، ولا يعلمون ما المقدار المحفور منها، وهذا تدليس ظاهر لا يخفى.
وكذلك الترمس المسلوق، لا يسلق إلا بعد إقامته في الماء ثلاثة أيام لتزول مرارته، ويجاد سلقه، ويذر أيضاً عليه بعد بيعه الكمون المدقوق بالملح، وكذلك الباقلاء؛ ليعين على هضمه لفرط ثقله. ويتعاهد موازينهم، وصنجهم، ومكاييلهم، فإن صنجهم قد تتكاثف عليها الأوساخ، ومكاييلهم قد يصبوا فيها الجبس في أسفلها، أو خبز الفجل حتى تنقص، فيعتبر عليهم ذلك في سائر الأوقات.
وربما كان معهم أقداح صغار ليس لها عيار، يدعون أنهم يكتالون بها للصغار، وهي مما لا يقع عليها مقدار ولا تحديد، فيمنعون، من ذلك وتكسر، ومن شأنهم أن يكون عندهم ثلاثة أقداح، فلا يترك ذلك عندهم أصلاً، ولا ثلث درهم، ولا ثلث رطل أصلاً، جملة كافية.
* * *
الباب الخامس عشر
في السماكين والسمك
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً عارفاً بمعيشتهم، ويأمره أن يعتبر عليهم، فقد يموت السمك في الماء لفرط البرد وشدته، فيقذفه الأمواج إلى الشطوط، فيأخذونه في جملة ما
стр. 33
كان يصاد حياً، وهو ممنوع من أكله لانحراف مزاجه، وفساد طبعه قبل موته، فيمنعون من ذلك. وما بقي عند باعة السمك شيء وبات، جعل صيراً. وأرطال السماكين، فرسمها أن تكون زائدة على عيار غيرها أوقيتين، وتكون حديداً مختومة قطعة واحدة بلا حلقة، وإن كانت حجارة، فتكون مجلدة مختومة بالرصاص كما قدمنا ذكرها أولاً.
ويأمر باعته بمواصلة غسل حصرهم، وموازينهم، وجميع آلاتهم، وقفاف الحمالين أيضاً، ويرشوا عليها الملح عند انصرافهم لتنقطع رائحتها، فمن خالف ذلك، وكانت قفته من الحمالين منتنة أدب وأشهر، ومن اشترى سمكاً لنفسه، فليكن حمله في زنبيل معه، لكي لا يعدم به ثياب الناس في الأسواق، ومن وجد حاملاً سمكاً في يده، وضع في حجره تأديباً لغيره.
* * *
الباب السادس عشر
في باعة الصير والبورى والملح
أما الملح، إذا كان جريشاً، ينهوا عن تهميشه، فإن ذلك تدليس، ومكاييل الملح الجريش في المراكب، ودكاكين الملاحين، كلها حروية، فمن اشترى بالحروى وباع بالليتى، فقد ظلم وجار.
وأما البورى، فيعتبر عليهم الفائت منه، ويمنعهم من بيعه، وأن لا يخلطوا بعضها مع بعض، مثاله أن يكون ششف مع لاج، أو طوبار مع طرى، ولكن كل واحد منهما وحده. وينفض ما في خياشيمه من الملح قبل وزنه. ومن باع منه طرياً فأعطى فائتاً ألزم برده، وإعادة ما غرم عليه من حوائجه، وأن تكون أرطالهم كأرطال السماكين، زائدة من عين عيار غيرها أوقيتين، وأن يكون تحت يد كل واحد منهم قفة كبيرة لتقشير السمك، [وأخرى] لوضعه ولجمعه فيها، وإذا قشر السمك لصاحبه، فلا يشق بطنه إلا بإذن صاحبه، فإنهم يعملون تحت أيديهم الأوعية للمصران، ويأخذون بغير إذن صاحبه ويبيعونه، وهذا حرام، فيعتبر عليهم ذلك.
وأما الصيّر، فيعتبر عليهم ما ريح منه، أو ما داد من قلة ملحه، أو أن يبيعوا جنسين
стр. 34
مخلوطين، مثاله أن يبيعوا راى وهو مخلوط بغيره، فهو تدليس، فإنه يظهر لونه، وتزيد حمرته في رأي العين، فيكون بطعمه وذوقه بخلاف ذلك، ويمنعهم أن يشيل أحدهم الملوحة من المطر إلى الميزان بمرته، فهذا تدليس. ويجتهد في تغطية أوعيته. ويؤخذ عليهم أن لا يعملوا مرى صيراً غيره. ويمنعهم أن لا يعملوا عليه الشرش من ماء الفول المسلوق، فيمنعوا من ذلك، وأن لا ينقلوا من وعاء إلى وعاء، فإن ذلك يغيره ويزيد زفرته، وأن لا يبيع ملوحة جديدة قبل استحقاق أكلها، ومتى ظهر عليهم شيء من ذلك، أدبوا وأشهروا، فيؤمر بأن يفرك عليها بعد بيعها الصعتر الشامي.
* * *
الباب السابع عشر
في قلائي السمك وسمك الطاجن
ينبغي أني عرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بمعيشتهم، ويأمره أن يأمرهم أن لا يعملوا سمكاً بائتاً، ولا متغير الرائحة، وينظر إلى حمرة خيشومه، ويغسلوا آنيتهم كل وقت بالمار الحار والأشنان، وتدق حوائجه دقاً ناعماً، ويكون الدقاق متلثماً؛ لئلا يتكلم أو يعطس، فيقع بصاقه أو مخاطه في الحشو، ويكون عيار الحشو لكل طاجن إذا كان فيه سمك، ما قيمته عشرة أرطال، وتكون أبزاره معتبرة، ويكون فلفله ثمن أوقية، وكراويا ثمن قدح، وكزبرة ثمن قدح وثوم ثلث أوقية، وسماق ثمن قدح، وزيت طيب ثمن رطل، وطحينه نصف رطل، وماء ليمون نصف رطل، وخمس شدات بقدونس، وقليل صعتر نصف رطل شامي، وقلب بندق محمص مدقوق غير ناعم، فيعتبر عليهم ذلك، ويأمرهم بقلع عظمه وقت وزنه للمشتري، وأن لا يعملوا مع الحوائج شيئاً من الماء إلا ما يغسل به إناء الحوائج عند فراغه، ويكون ذلك بحضرة المحتسب أو نائبه.
وكذلك القلاؤون للسمك من باعته المقيمين في البلد، والمسافرين به إلى البلدان والأسواق، يطالبون بطراوة ما يبتاعونه من السمك، وبنظافته وغسله، ومواضع خياشيمه، ونظافة مقاليه، وطيب وزنه، وغسل أوعيته، وأن يقلى السمك قلياً واحداً بليغاً، بشرط أن لا يعاد إلى الطاجن مرة أخرى، إلا أن يختار ذلك المشتري لتسخينه. وأن ينثر عليه بعد بيعه الأبزار المدقوقة بالملح، ولا يخلطوا البائت بالطري، وعلامة الطري حمرة خياشيمه، والبائت ليس كذلك، وينبغي أن يفتقد العريف الطاجن كل وقت عند غيبة المحتسب؛ لئلا يقلوه بدهن الشحم المستخرج من بطون السمك؛ لأنهم يخلطونه مع
стр. 35
الزيت عند قليه، ويمنعهم أيضاً أن لا يقلوا بالزيت المعاد إذا كان متغير الرائحة، ولا يفسح لهم في شيء من ذلك.
* * *
الباب الثامن عشر
في صيادي الطيور والعصافير
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بمعيشتهم، ويمنعهم من نفخهم الطيور، لما فيه من الضرر والوسخ، ولا سيما إذا نفخه فتكون نكهته متغيرة، ويعتبر الميت منه، فربما خلطوه بالذي كان حياً، ومعرفته أن يلقى الجميع في الماء، فإن الميت يعوم، فمن ظهر عليه شيء من هذا أدب وشهر لكي يعتبر به غيره، وكذلك العصافير المأخوذة من على الدبق، وعصافير الذبح، فهي كثيرة ممن يموت في الشباك، فيوجب مراعاتها أيضاً، فإن الميت منها يعوم على الماء كما ذكرنا أولاً.
* * *
الباب التاسع عشر
في الطحانين وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، ويأمره أن يكون في كل طاحون ميزان من خشب نظير موازين الجبس، وأوزانه وكلابه كما شرطنا في موازين الجبس، يوزن به القمح إذا ورد، والدقيق إذا صدر، ويشد على أذن كل قفة لوح صغير، ويكتب فيه اسم صاحبها ووزنه، فإذا صح الوزن زالت التهمة وارتفع الشك، وتكون الحجارة التي يوزن بها القمح مجلدة معيرة مختومة بالرصاص، مكتوباً عليها بالحبر بخط المحتسب أوزانها، ويشترط على المتاجرين من الطحانين اعتدال موازين الحجارة؛ لأنها إذا رفعت خفت على الدواب وجرشت الدقيق، وإذا وضعت سحقت وأضرت بالدواب، وإنما يكون الميزان معتدلاً حتى لا يقع الضرر، ويصرح حال الدواب، ويطيب الدقيق من غير حيف على الجهتين.
ويحلفون أن لا يخونوا أحداً في قمحه، ولا في دقيقه، ومنهم من إذا وزن عليه زنبيل قمح، أفرغه في القادوس، وبلَّ أسفل الزنبيل بالماء، وأخذ بمقدار بلله من ذلك الدقيق، يفعل هذا بقفاف كثيرة، ويستحلون ذلك، فيحفلون أن لا يفعلوا ذلك، ولا يأمروا من يفعل لهم ذلك.
стр. 36
ثم يوصى بعد ذلك أرباب دواب العمل أن يتقوا الله تعالى في ترفيهها في كل يوم وليلة بحاجتها إلى الراحة والسكون، وأن لا يخاف على العمالة الشرعية الجاري بها العادة، فإن في ذلك مثوبة، وبقاء للنعمة، وإذا حسنت لهم وفيهم، ومع ترك الخيانة.
* * *
الباب العشرون
في الفرانين وصبيانهم
ينبغي أن يكون للفران مطرحتان، واحدة للخبز، وأخرى للسمك، لا يطرح فيها خبزاً جملة كافية، ويلزم بتوريد سائر ما يخبزه للخبازين ولأهل البلد، ولا يقبل من ذلك الخباز إذا قال له: جر يدك ليخرج خبزه غير نضيج ائتمر. ويكون فرنه نظيفاً، لا يسود أسافل الخبز، ولا يقربه لشيء من الرماد، وأن لا يوقد بشيء من الأزبال التي تجمع من على الأكوام، ومتى فعل هذا أدب ولطخ منه وجهه وأشهر، ولا يغسل، ويجعل عوضها قصارياً جداداً فيها المآكل كل يوم، ويهراق في آخره.
ويجددوا حشيش مكانسهم من غير حصر المساجد، ويكون على مصطبته التي يلقى عليها أخباز الناس حصيراً مصونة من التراث والأوساخ، وإذا شووا سمكاً أو لحماً، وشموا رائحته، أخذ منه قطعة بحضور صاحبه، ويجعلها تحت يده لمن يأتي إليه ويطالبه بالرائحة من النساء الحوامل، وإذا خبز طبقاً، وكان عليه مئزر أو خرقة، سلمها لصاحب الطبق، وإن كان صاحبه غائباً، جعلها تحت يده إلى أن يحضر، فإن لم يفعل كذلك، وعدم لأحد شيء، لوزمه غرامته.
وكذلك أخباز الناس تعد بحضور أربابها، وإذا غاب صاحب طبق أعد على من يشهد له به من الحاضرين. وغلمانهم الذين ينقلون إليهم أخباز الناس، ويدخلون بها إلى بيوتهم، يكونون دون البلوغ، وإذا جاءهم صبي بالغ صرفوه لحال سبيله يحمل في السواحل، وإذا أتاهم من يطلب ناراً اعتبروه، فإن كان صغيراً يعلمون أنه لا يحسن تدبرها ولا يحملها، فلا يعطوه شيئاً، ويمنعونه من ذلك، ومتى فعلوا بخلاف ذلك واحترف طفل صغير أدبوا وشهروا، وكذلك المداخن التي لأفرانهم يرفعون بنيانها بالبرابخ وتعلّى، بحيث يخرج دخانها مرتفعاً عن دور مجاوريهم، ومنهم من يخبز بعد فراغه من أخباز الناس وغلق فرنه للمزارين، فينبغي للعريف مباشرتهم في مثل هذه الأوقات.
* * *
стр. 37
الباب الحادي والعشرون
في الحطب والحطابين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً عارفاً، يأمر الحطابين الذين يبتاعونه للخزين إذا قدمت به المراكب، أن يتوقفوا عن الشراء إلى أن يكتفى الخبازون وأهل البلد، وما فضل عنهم وكسد اشتروه، وما كان منه حزماً موفر الشد، باع على حاله، وشده بما أطعم الله ورزق من غير حيف على الناس، ولا علمهم بالعدد كما جرت به العادة، ويتقدم إليهم بالمنع من حطاب النزاع البائت عليها وحولها؛ لأن قطعه يخلخل أرضها، ويفسد نظامها، ويكون سبباً لهجوم الماء وقلة نباتها، فيضر ذلك، فمن فعل منهم شيئاً من ذلك بعد الإنذار أشهر.
* * *
الباب الثاني والعشرون
في القصب والقصابين
ينبغي أن يكون عليهم عريفاً ثقة، يتقدم إلى أرباب مراكب القصب بأن يوفروا حزمهم كلها، ولا يحيلوا على صبيان المراكب، ولا يقبل لهم عذر. وعيار الحزمة خمسون قبضة بالإبهام والإصبع الوسطاني. وينبغي للمحتسب أن يختم لهم حزمة بثلاث خواتيم تكون عياراً لهم، على ما ذكرنا، ليسقط الحلف، ويزول العذر، وتكون عند العريف يطالبهم بها أبداً. ومتى جرى من أحد منهم بخس، رفع إلى المحتسب ليؤدبه ويشهره. ولا يبيع لأحد من الخزانيين شيئاً من القصب إلى أن يكتفى سائر أصحاب الأشغال والعمارات، ومهما فضل عن هؤلاء ابتاعوا للتجارة وخزنوه.
* * *
الباب الثالث والعشرون
في الجبس والجباسين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بمعيشتهم، ويتقدم إليهم ويأمرهم بإنضاج الجبس في الوقيد حتى يصفو، وتظهر منه رائحته كرائحة الطفل، وعلامة نضجه أنه إذا خلط بالماء لم يشتد لوقته، فإذا كان نيئاً لصق، وكذلك إذا صب على الحائط فنشف لوقته، فهو نيء، وإن بقى رطباً ساعة، فهو نضيج.
ويكون لهم موازين خشب نظير الطحانين، كما ذكرنا في أول الكتاب، وتكون أوزانها مسمرة من تحت العمود مواجهة الأرض، ولا تكون مسمرة في طرفي عمود
стр. 38
الميزان في طوله، وإلا متى اختار إبرازها إلى خارج، فيلحق المشتري الضرر في الزيادة عليه في بخسه بمقدار ما أخرجها. وتكون قفة العيار خمسة أرطال بالجروى، معيرة، مختومة بخاتم السلطان الرصاص، ومن فوقه بخط المحتسب، حتى لا يوزن بغيرها، ولأنهم ربما وزنوا في قفف في قعرها إبراش مخيطة، فيدخل بينها جبس، فتكون السرقة في كل وزنة عدد القفف، فينبغي مراعاة ذلك وقلة التغفل عنه، ومتى تخطوا إلى ذلك، أو إلى شيء منه، أدبوا وأشهروا ليكونوا شعفة لغيرهم.
وكذلك الوقاد إذا قصر في وقيد الجبس ونضجه أدب وأشهر، وكذلك الحجر الذي يعير به الجبس، يكون معيراً مختوماً، وقنطار الجبس جروى.
* * *
الباب الرابع والعشرون
في الجير والجيارين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بمعيشتهم، لا يمكنهم من ترك الحجارة، يعني ترابه الذي تفتت وقت كسره، حوالي المجيرة، ويكنسون حواليهم قبل إنزالها، ويستظهر عليهم ويباشرهم وكلما قل حمل الجير على المجيرة كان أجود للجير وشيّه، ويتقدم إليهم بإنضاجه، ليخف ويجود، وتقل حجارته وأذيته، وأن يكون لهم ميزان خشبة نظير موازين الجباسات، فإن دعت الحاجة إلى العيار، فيكون معيناً، وينقش وزن رمانته على صدره عند لسانه، وينقش أيضاً على الرمانة؛ لئلا تبدل برمانة أقل وزناً منها، وقنطار الجير ليتى، وإذا طلع في الجير حجارة أعيدت لصاحبه وأخذ وزنها.
* * *
الباب الخامس والعشرون
في الحمامات، وقوامها، وذكر منافعها ومضارها، وما يلزم حراسها، والبلانين، والمزينين، والوقادين، وباعة النورة
اعلم وفقك الله أنه قد ذكرنا في هذا الباب وفي اللذين قبله، أموراً ليست من قبيل الحسبة، وإنما ذكرها لعموم الانتفاع بها ومعرفتها، وهي لائقة بهذا الباب، ولعمري إن الحكمة ضالة كل حكيم، والفائدة حسنة حيث وجدت، قال بعض الحكماء: خير الحمام ما قدم بناؤه، واتسع هواؤه، وعذب ماؤه، وقدر الوقاد وقوده بقدر مزاج من أراد وروده. واعلم أن الفعل الطبيعي للحمام هو التسخين بهوائه، والترطيب بمائه، فالبيت الأول مبرد، والثاني مسخن مرتفع، والثالث مسخن مجفف.
стр. 39
والحكام يشتمل على منافع ومضار، فأما منافعها: فتوسع المسام، وتستفرغ الفضلات، وتحلل الرياح، وتحبس الطبع عن السهولة، وتنظف الوسخ والعرق، وتذهب الحكة، والجرب، والإعياء، وترطب الدماغ، وتجود الهضم، وتنضج النزلات والزكام، وتنفع من حمى يوم، ومن حمى الدق. وأما مضارها عند طول القيام فيها، فإنها تسقط شهوة الطعام، وتضعف الباه، وأعظم مضارها صب الماء الحار على الأعضاء الضعيفة، وقد تستعمل في الريق والخلو، فتجفف تجفيفاً شديداً، وتهزل، وتضعف.
وقد تستعمل الحمام على قرب عهد بالشبع فتسمن البدن، إلا أنها تحدث سدداً، وأجود استعمال الحمام على الشبع بعد الهضم الأول، فإنه يرطب البدن ويسمنه، ويحسن بشرته، فينبغي للمحتسب أن يأمر ضامن الحمام بنظافتها، وكنسها، وغسلها بالماء الطاهر، غير ماء الغسالة، يفعلون ذلك كل يوم مرتين، ويدلكون البلاط بالأشياء الخشنة؛ لئلا يتعلق به السدر، والخطمى، والصابون، فتزلق عليها أرجل الناس، ويغسلون الخزانة من الأوساخ المجتمعة في مجاريها، والعكر الراكد في أسفلها كل شهر مرة؛ لأنها إن تركت أكثر من ذلك، تغير الماء فيها في الطعم والرائحة.
ولا يسد الأنابيب بشعر المشاطة، بل يسدها بالليف والخرق الطاهرة. ويستحلفون بأن لا يخلوا في الأحواض ماء، ويخولها كل ليلة. وإذا استعملت مياه الأحواض، ولم ينضحوها، ولا يغسلوها، وأصبحوا ليسيبوا عليها الماء، وأراد المحتسب معرفة ذلك، جعل ماء الحوض وماء الميزاب في إنائين متساويين في السعة والوزن ويزنهما، فإن رجح ماء الحوض على ماء الميزاب فهو لابد، وقد يدركه أيضاً بشمه.
ويبخر الحمام بالفحم واللبان في كل يوم مرتين، لا سيما إذا شرع في كنسها وغسلها، ومتى بردت الحمام، فينبغي أن يبخرها بالخزامى، فإنه يحمي هواءها، ويطيب رائحتها، وفي أيام الشتاء يزيد في بخورها الميعة اليابسة. ويجب عليه تقديم استعماله سحراً، لما يحتاج إليه ما يتطهر قبل الصلاة. وتسد المنافس التي يدخل منها الدخان الذي يسمى الزنبور، فإن ذلك مضرة لعيون الناس ورءوسهم، ويأمر ضامن الحمام أيضاً بأن يجعل عنده ميازر يكريها أو يعيرها لمن يحتاج، فإن الغرباء والفقراء قد
стр. 40
يحتاجون إلى ذلك، فإن كشف العورة حرام، وقد لعن رسول الله ﷺ الناظر والمنظور، وكذلك ما يقلب به الماء، إما اصطال نحاس، وإما قطع خشب.
ويمنع من الدخول إليها الأجذم، والأبرص، وأصحاب العاهات الظاهرة، ولا يدع الأساكفة تغسل فيها الجلود، فإن الناس يتضررون برائحة الدباغ، وكذلك من كانت صنعته نقل السماد والجيف، وإلا أن يغتسل ويتنظف قبل أن يدخل إلى الحمام، وكذلك البوارين والسماكين.
ويلزم القومة بنظافتها، وغسل أعقاب أبوابها، وأن لا يقطعوا إطلاق مياه الطهور من أحواضها، وأن تكون محاكهم معروضة على النار، أو تنقع في الماء والملح كل ليلتين، ويعتنوا بجلاء الأحواض قبل انصرافهم، وإذا أخذ الحارس أجرة على حفظ ملابس الناس وعدم شيء منه، لزمه غرمه.
ولا يستقبل البلان الرأس ومنابت الشعر استقبالاً، ولا يأكل ما يغير نكهته، كالبصل والثوم، فإنه يضر الناس، ويلزمون في خلط الزرنيخ والجير أن يلقى على كل عشرة أوزان من الجير الأبيض وزناً واحداً من الزرنيخ الخالص، وإن قصّر عن ذلك أضرت النورة بالصفراوى، والعليل، وبالقلق لطول مكثها، فيعتبر النورة عليهم بريشة أو بصوفة تغمس فيها وتترك لحظة، فإن تلاشت، وإلا أدّب صاحبها بعد إنذاره وتحذيره، ويأمرهم أن لا يمكنوا الباعة من غسل الأجبان في مطاهر الحمامات.
وسبيل المزينين أن يصلحوا لحية كل أحد على مقدار ما يليق بوجهه، وأن يكون حديدهم رطباً قاطعاً، ويأمرهم أن لا يحلقوا رأس صبي دون البلوغ إلا بإذن وليه، ولا يحلقوا ذقن مخنث، ولا يزينوا له صدغاً، ولا لغيره من المردان والأحداث، وأن لا يعمقوا شرط الحجامة؛ لئلا يقطعوا ما تحتها من الشريانات الرقاق، فيشترط ذلك عند مواضع المحاجم، وهذا موجود قوي، مما يصيب الناس، وهذا التعميق في الشرط الحجامة سببه، فينبغي أن يعتبر على المزينين هذا الأمر بورقه سلق، أو بورقة موز تلصق على قطعة طين لين، ويتقدم المزين بشرط الورقة، فإن نفذ مشراطه إلى الطين أدب، وإن خفف كان علامة حذقه، وإنه إذا شرط لم يؤمل، فيكون ذلك سبباً للسلامة.
ويأمر المدلك أن يدلك يده بقشور الرمان؛ لتصير خشنة فيخرج الوسخ، ويستلذ بها الإنسان، ويمنع من دلوك الفول، والعدس، فإن ذلك طعام لا يجوز امتهانه، ويعتبر على
следующие страницы →