Полный текст (104 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ثم يوصى بعد ذلك أرباب دواب العمل أن يتقوا الله تعالى في ترفيهها في كل يوم وليلة بحاجتها إلى الراحة والسكون، وأن لا يخاف على العمالة الشرعية الجاري بها العادة، فإن في ذلك مثوبة، وبقاء للنعمة، وإذا حسنت لهم وفيهم، ومع ترك الخيانة.
* * *
الباب العشرون
في الفرانين وصبيانهم
ينبغي أن يكون للفران مطرحتان، واحدة للخبز، وأخرى للسمك، لا يطرح فيها خبزاً جملة كافية، ويلزم بتوريد سائر ما يخبزه للخبازين ولأهل البلد، ولا يقبل من ذلك الخباز إذا قال له: جر يدك ليخرج خبزه غير نضيج ائتمر. ويكون فرنه نظيفاً، لا يسود أسافل الخبز، ولا يقربه لشيء من الرماد، وأن لا يوقد بشيء من الأزبال التي تجمع من على الأكوام، ومتى فعل هذا أدب ولطخ منه وجهه وأشهر، ولا يغسل، ويجعل عوضها قصارياً جداداً فيها المآكل كل يوم، ويهراق في آخره.
ويجددوا حشيش مكانسهم من غير حصر المساجد، ويكون على مصطبته التي يلقى عليها أخباز الناس حصيراً مصونة من التراث والأوساخ، وإذا شووا سمكاً أو لحماً، وشموا رائحته، أخذ منه قطعة بحضور صاحبه، ويجعلها تحت يده لمن يأتي إليه ويطالبه بالرائحة من النساء الحوامل، وإذا خبز طبقاً، وكان عليه مئزر أو خرقة، سلمها لصاحب الطبق، وإن كان صاحبه غائباً، جعلها تحت يده إلى أن يحضر، فإن لم يفعل كذلك، وعدم لأحد شيء، لوزمه غرامته.
وكذلك أخباز الناس تعد بحضور أربابها، وإذا غاب صاحب طبق أعد على من يشهد له به من الحاضرين. وغلمانهم الذين ينقلون إليهم أخباز الناس، ويدخلون بها إلى بيوتهم، يكونون دون البلوغ، وإذا جاءهم صبي بالغ صرفوه لحال سبيله يحمل في السواحل، وإذا أتاهم من يطلب ناراً اعتبروه، فإن كان صغيراً يعلمون أنه لا يحسن تدبرها ولا يحملها، فلا يعطوه شيئاً، ويمنعونه من ذلك، ومتى فعلوا بخلاف ذلك واحترف طفل صغير أدبوا وشهروا، وكذلك المداخن التي لأفرانهم يرفعون بنيانها بالبرابخ وتعلّى، بحيث يخرج دخانها مرتفعاً عن دور مجاوريهم، ومنهم من يخبز بعد فراغه من أخباز الناس وغلق فرنه للمزارين، فينبغي للعريف مباشرتهم في مثل هذه الأوقات.
* * *
стр. 37
الباب الحادي والعشرون
في الحطب والحطابين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً عارفاً، يأمر الحطابين الذين يبتاعونه للخزين إذا قدمت به المراكب، أن يتوقفوا عن الشراء إلى أن يكتفى الخبازون وأهل البلد، وما فضل عنهم وكسد اشتروه، وما كان منه حزماً موفر الشد، باع على حاله، وشده بما أطعم الله ورزق من غير حيف على الناس، ولا علمهم بالعدد كما جرت به العادة، ويتقدم إليهم بالمنع من حطاب النزاع البائت عليها وحولها؛ لأن قطعه يخلخل أرضها، ويفسد نظامها، ويكون سبباً لهجوم الماء وقلة نباتها، فيضر ذلك، فمن فعل منهم شيئاً من ذلك بعد الإنذار أشهر.
* * *
الباب الثاني والعشرون
في القصب والقصابين
ينبغي أن يكون عليهم عريفاً ثقة، يتقدم إلى أرباب مراكب القصب بأن يوفروا حزمهم كلها، ولا يحيلوا على صبيان المراكب، ولا يقبل لهم عذر. وعيار الحزمة خمسون قبضة بالإبهام والإصبع الوسطاني. وينبغي للمحتسب أن يختم لهم حزمة بثلاث خواتيم تكون عياراً لهم، على ما ذكرنا، ليسقط الحلف، ويزول العذر، وتكون عند العريف يطالبهم بها أبداً. ومتى جرى من أحد منهم بخس، رفع إلى المحتسب ليؤدبه ويشهره. ولا يبيع لأحد من الخزانيين شيئاً من القصب إلى أن يكتفى سائر أصحاب الأشغال والعمارات، ومهما فضل عن هؤلاء ابتاعوا للتجارة وخزنوه.
* * *
الباب الثالث والعشرون
في الجبس والجباسين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بمعيشتهم، ويتقدم إليهم ويأمرهم بإنضاج الجبس في الوقيد حتى يصفو، وتظهر منه رائحته كرائحة الطفل، وعلامة نضجه أنه إذا خلط بالماء لم يشتد لوقته، فإذا كان نيئاً لصق، وكذلك إذا صب على الحائط فنشف لوقته، فهو نيء، وإن بقى رطباً ساعة، فهو نضيج.
ويكون لهم موازين خشب نظير الطحانين، كما ذكرنا في أول الكتاب، وتكون أوزانها مسمرة من تحت العمود مواجهة الأرض، ولا تكون مسمرة في طرفي عمود
стр. 38
الميزان في طوله، وإلا متى اختار إبرازها إلى خارج، فيلحق المشتري الضرر في الزيادة عليه في بخسه بمقدار ما أخرجها. وتكون قفة العيار خمسة أرطال بالجروى، معيرة، مختومة بخاتم السلطان الرصاص، ومن فوقه بخط المحتسب، حتى لا يوزن بغيرها، ولأنهم ربما وزنوا في قفف في قعرها إبراش مخيطة، فيدخل بينها جبس، فتكون السرقة في كل وزنة عدد القفف، فينبغي مراعاة ذلك وقلة التغفل عنه، ومتى تخطوا إلى ذلك، أو إلى شيء منه، أدبوا وأشهروا ليكونوا شعفة لغيرهم.
وكذلك الوقاد إذا قصر في وقيد الجبس ونضجه أدب وأشهر، وكذلك الحجر الذي يعير به الجبس، يكون معيراً مختوماً، وقنطار الجبس جروى.
* * *
الباب الرابع والعشرون
في الجير والجيارين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بمعيشتهم، لا يمكنهم من ترك الحجارة، يعني ترابه الذي تفتت وقت كسره، حوالي المجيرة، ويكنسون حواليهم قبل إنزالها، ويستظهر عليهم ويباشرهم وكلما قل حمل الجير على المجيرة كان أجود للجير وشيّه، ويتقدم إليهم بإنضاجه، ليخف ويجود، وتقل حجارته وأذيته، وأن يكون لهم ميزان خشبة نظير موازين الجباسات، فإن دعت الحاجة إلى العيار، فيكون معيناً، وينقش وزن رمانته على صدره عند لسانه، وينقش أيضاً على الرمانة؛ لئلا تبدل برمانة أقل وزناً منها، وقنطار الجير ليتى، وإذا طلع في الجير حجارة أعيدت لصاحبه وأخذ وزنها.
* * *
الباب الخامس والعشرون
في الحمامات، وقوامها، وذكر منافعها ومضارها، وما يلزم حراسها، والبلانين، والمزينين، والوقادين، وباعة النورة
اعلم وفقك الله أنه قد ذكرنا في هذا الباب وفي اللذين قبله، أموراً ليست من قبيل الحسبة، وإنما ذكرها لعموم الانتفاع بها ومعرفتها، وهي لائقة بهذا الباب، ولعمري إن الحكمة ضالة كل حكيم، والفائدة حسنة حيث وجدت، قال بعض الحكماء: خير الحمام ما قدم بناؤه، واتسع هواؤه، وعذب ماؤه، وقدر الوقاد وقوده بقدر مزاج من أراد وروده. واعلم أن الفعل الطبيعي للحمام هو التسخين بهوائه، والترطيب بمائه، فالبيت الأول مبرد، والثاني مسخن مرتفع، والثالث مسخن مجفف.
стр. 39
والحكام يشتمل على منافع ومضار، فأما منافعها: فتوسع المسام، وتستفرغ الفضلات، وتحلل الرياح، وتحبس الطبع عن السهولة، وتنظف الوسخ والعرق، وتذهب الحكة، والجرب، والإعياء، وترطب الدماغ، وتجود الهضم، وتنضج النزلات والزكام، وتنفع من حمى يوم، ومن حمى الدق. وأما مضارها عند طول القيام فيها، فإنها تسقط شهوة الطعام، وتضعف الباه، وأعظم مضارها صب الماء الحار على الأعضاء الضعيفة، وقد تستعمل في الريق والخلو، فتجفف تجفيفاً شديداً، وتهزل، وتضعف.
وقد تستعمل الحمام على قرب عهد بالشبع فتسمن البدن، إلا أنها تحدث سدداً، وأجود استعمال الحمام على الشبع بعد الهضم الأول، فإنه يرطب البدن ويسمنه، ويحسن بشرته، فينبغي للمحتسب أن يأمر ضامن الحمام بنظافتها، وكنسها، وغسلها بالماء الطاهر، غير ماء الغسالة، يفعلون ذلك كل يوم مرتين، ويدلكون البلاط بالأشياء الخشنة؛ لئلا يتعلق به السدر، والخطمى، والصابون، فتزلق عليها أرجل الناس، ويغسلون الخزانة من الأوساخ المجتمعة في مجاريها، والعكر الراكد في أسفلها كل شهر مرة؛ لأنها إن تركت أكثر من ذلك، تغير الماء فيها في الطعم والرائحة.
ولا يسد الأنابيب بشعر المشاطة، بل يسدها بالليف والخرق الطاهرة. ويستحلفون بأن لا يخلوا في الأحواض ماء، ويخولها كل ليلة. وإذا استعملت مياه الأحواض، ولم ينضحوها، ولا يغسلوها، وأصبحوا ليسيبوا عليها الماء، وأراد المحتسب معرفة ذلك، جعل ماء الحوض وماء الميزاب في إنائين متساويين في السعة والوزن ويزنهما، فإن رجح ماء الحوض على ماء الميزاب فهو لابد، وقد يدركه أيضاً بشمه.
ويبخر الحمام بالفحم واللبان في كل يوم مرتين، لا سيما إذا شرع في كنسها وغسلها، ومتى بردت الحمام، فينبغي أن يبخرها بالخزامى، فإنه يحمي هواءها، ويطيب رائحتها، وفي أيام الشتاء يزيد في بخورها الميعة اليابسة. ويجب عليه تقديم استعماله سحراً، لما يحتاج إليه ما يتطهر قبل الصلاة. وتسد المنافس التي يدخل منها الدخان الذي يسمى الزنبور، فإن ذلك مضرة لعيون الناس ورءوسهم، ويأمر ضامن الحمام أيضاً بأن يجعل عنده ميازر يكريها أو يعيرها لمن يحتاج، فإن الغرباء والفقراء قد
стр. 40
يحتاجون إلى ذلك، فإن كشف العورة حرام، وقد لعن رسول الله ﷺ الناظر والمنظور، وكذلك ما يقلب به الماء، إما اصطال نحاس، وإما قطع خشب.
ويمنع من الدخول إليها الأجذم، والأبرص، وأصحاب العاهات الظاهرة، ولا يدع الأساكفة تغسل فيها الجلود، فإن الناس يتضررون برائحة الدباغ، وكذلك من كانت صنعته نقل السماد والجيف، وإلا أن يغتسل ويتنظف قبل أن يدخل إلى الحمام، وكذلك البوارين والسماكين.
ويلزم القومة بنظافتها، وغسل أعقاب أبوابها، وأن لا يقطعوا إطلاق مياه الطهور من أحواضها، وأن تكون محاكهم معروضة على النار، أو تنقع في الماء والملح كل ليلتين، ويعتنوا بجلاء الأحواض قبل انصرافهم، وإذا أخذ الحارس أجرة على حفظ ملابس الناس وعدم شيء منه، لزمه غرمه.
ولا يستقبل البلان الرأس ومنابت الشعر استقبالاً، ولا يأكل ما يغير نكهته، كالبصل والثوم، فإنه يضر الناس، ويلزمون في خلط الزرنيخ والجير أن يلقى على كل عشرة أوزان من الجير الأبيض وزناً واحداً من الزرنيخ الخالص، وإن قصّر عن ذلك أضرت النورة بالصفراوى، والعليل، وبالقلق لطول مكثها، فيعتبر النورة عليهم بريشة أو بصوفة تغمس فيها وتترك لحظة، فإن تلاشت، وإلا أدّب صاحبها بعد إنذاره وتحذيره، ويأمرهم أن لا يمكنوا الباعة من غسل الأجبان في مطاهر الحمامات.
وسبيل المزينين أن يصلحوا لحية كل أحد على مقدار ما يليق بوجهه، وأن يكون حديدهم رطباً قاطعاً، ويأمرهم أن لا يحلقوا رأس صبي دون البلوغ إلا بإذن وليه، ولا يحلقوا ذقن مخنث، ولا يزينوا له صدغاً، ولا لغيره من المردان والأحداث، وأن لا يعمقوا شرط الحجامة؛ لئلا يقطعوا ما تحتها من الشريانات الرقاق، فيشترط ذلك عند مواضع المحاجم، وهذا موجود قوي، مما يصيب الناس، وهذا التعميق في الشرط الحجامة سببه، فينبغي أن يعتبر على المزينين هذا الأمر بورقه سلق، أو بورقة موز تلصق على قطعة طين لين، ويتقدم المزين بشرط الورقة، فإن نفذ مشراطه إلى الطين أدب، وإن خفف كان علامة حذقه، وإنه إذا شرط لم يؤمل، فيكون ذلك سبباً للسلامة.
ويأمر المدلك أن يدلك يده بقشور الرمان؛ لتصير خشنة فيخرج الوسخ، ويستلذ بها الإنسان، ويمنع من دلوك الفول، والعدس، فإن ذلك طعام لا يجوز امتهانه، ويعتبر على
стр. 41
باعة الدلوك ما يغشون به، فمن ذلك ما يغشون به السدر بالرمل، وبخبز الفجل، والحناء بالرمل، وقد يغشون خبز الفجل بزبل الدواب المطحون، والأشنان بالرمل.
والوقادون في الحمامات يتقدم إليهم، ويأمرهم بأن لا يوقدوا بسماد، ولا بطعام، وأن يتفقدوا مجاريها، ويحسنوا تدبيرها، ولا يقطعوا ماء الطهور عنها، وإن قل، ولا تقطع إرسال ميازيب المسلخ؛ ليكون ذلك عوناً على نظافة الأسطوان، ولا يبيت الماء في أحواض الحرارة، ولا يمكن السوقيون أن يأخذوا من رماد الحمام؛ لأنهم يغشون به رمادهم إذا باعوه للزيادة في ثمنه، فيمنعون من ذلك.
وقيل: إن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله نهى عن الفقاع، فإنه ربما غشوه وعملوه من غبار الطواحين، فإذا أراد المحتسب امتحانه عليهم، أمر أن تغلى كيزانه في الماء الحار وهي مملوءة مسدودة، ثم يقلبها عند غليانها، فإن تعذر ولم ينزل من كيزانه، فهو غبار معمول، وإن كان من شعير انساب ونزل بلا كدر. ويؤمرون بتكثير أفاويه ومسكه، ويقللون من سدابه لعلة فساده للباه. والفقاع مكروه في الشرع والطب جميعاً.
* * *
الباب السادس والعشرون
في الغزالين والغزل
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، طاهراً، مأموناً، بصيراً بما يجري في السوق من الخطأ والتدليس، ويجعل كل جزء من السناء منفرداً غير مختلط. وقد يشتري بعض السماسرة الغزل الخريص ويعيده إلى السوق مع غيره إلى من يسأله شراء مثله، فيبيعه له بزيادة متفاوتة. وينبغي أيضاً أن يتأمل من يشتري الغزل، فإن كان مظنوناً به، أو مواصياً للمشتري أكثر ما يحتاج إليه، حل غزله وبل بالماء قبل دفعه إليه، ويستحلف سماسرته أتم يمين أن لا يدلسوا غزلاً، ولا يشاركوا في ذلك، ولا يوطئوا عليه أحداً، ومتى ما أطلعوا على هذا من غيرهم نمو عليه، ولم يسكتوا عنه، وأظهروا فعله ولم يستروه كائناً ما كان من المسلمين وغيرهم.
ولا تبخس الموازين، ولا يظلمون أحداً من البائعين والبائعات، وأن ينقدوا لهم نقداً جيداً يغني عن المعاودة والمراجعة، ويعتبر موازينهم وصنجهم كل وقت، ولا يترك عند أحد منهم دستى صنج، ولا صنجة ثلث درهم، ولا ثلث أوقية.
* * *
стр. 42
الباب السابع والعشرون
في الكتاتينيين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة بصيراً، ويلزمهم أن يكون بينهم وبين من يشتري منهم من السناء حجب، ومقاطع من أقفاص وغيرها؛ ليكونوا بذلك غير متلامسين.
واعلم أن أجود الكتان المورق، وأردؤه القصير الخشن الذي يتقصف تحت الصدفة، فيأمرهم أن لا يخلطوا جيده برديئه، ولا الكتان الصعيدي بالبحرى، ومنهم من يخلط ما يخرج بالسراقة بالكتان الناعم بعد مشطه، فجميع ذلك تدليس فيعتبر، وتعتبر بعد ذلك موازينهم، وصنجهم، وأرطالهم في كل وقت.
* * *
الباب الثامن والعشرون
في الحريريين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، ويعرف أن في صبغ الحرير غشوشاً خافية، فمن ذلك أنه إذا صُبغ قز غير مبيض أسود لهم المثل، وإذا كان مبيض زاد لهم الثلث، وكان أقوى وأنقى بعيد تغييره، وينبغي أن لا يباع الحرير المصبوغ بالبقم عوضاً من القرمز، فإنه يتغير في الماء، ويأمرهم أن لا يصبغوا القز بالفَوّة قبل اللك، فإنه غش وتدليس، وأن لا يبعوا حاكة الصنفين ما يتغير عليهم في المراس، وأن لا يكون عندهم دستاً صنج، ولا ثلث درهم، وكذلك يعتبر أيضاً ما ذكرناه من غش أصباغهم.
* * *
الباب التاسع والعشرون
في القطانين والندافين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، وتكون أرطالهم معيرة مختومة، وكذلك موازينهم، ويستحلفون يميناً لا كفارة لهم منها، أنهم لا يخلطون قطناً قديماً بجديد، لا في كفن ولا في غيره، بل يبيعون كل واحد على حدته، ويتقدم على الندافين منهم أن يتقصوا في إخراج الحب عند ندفه في ملابس الناس، فإن خالفوا ووجد الحب فيما عملوه، أدبوا على ذلك؛ ليكونوا شعفة لغيرهم.
* * *
стр. 43
الباب الثلاثون
في القلانسيين وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً عارفاً بمعيشتهم، يمنعهم من عمل القلانس من الخرق البالية التي يلقونها بالقراطيس والأشراس وغير ذلك، فما يلبث أن ينخرق ويهلك. ويتقدم إليهم أن لا يعملوا إلا جديداً، ويبيعون بما قسم الله لهم، ولا يخيطوا عتيقاً إلا أن يكون فتيقاً مقلوباً، ويكتب على بطانة الجديد: جديداً، والعتيق: عتيقاً، بخط المحتسب. ويمنعهم أن يسودوا القندس، ولا يخرموا على قطع، ولا يشقوا جاخاً أسود بسواد، ولا أحمر بحمرة، ويصقلوه ليخفى على شاريه، فإن ذلك تدليس. ولا يعملوا زيفاً عتيقاً على جديد، ولا يحشوا شيئاً جرت عادته أن يحشى بقطن بمشاق. ويحلفون بأن لا يخيطوا بطاق غير مفتول، ويحلفون أنهم إذا فصلوا لأحد شيئاً فضل عندهم منه شيء يردونه لأربابه. ومنهم من يُدفع له الحرير، فيأخذه ويخيط بدله بغزل، فيحلفون أيضاً على ذلك، ومن خالف منهم أدب.
* * *
الباب الحادي والثلاثون
في الخياطة والخياطين وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً، ويؤمرون بتضييق الأبدان، وسعة التخاريص، وأن تكون خياطتهم درزاً، ولا تكون شلاً، وأن لا تكون الخيوط طوالاً، فإنها تضعف من التكرار، وتكون الأذيال معتدلة، والأطواق لازمة، وإذا دفع إلى أحد منهم ثوباً مما له قيمة، قبضه بالميزان ورده موزوناً، وتراعى خياطته، فربما حشوه رملاً، أو بخ داخلها بماء وملح إذا كانت ممن لا يتبين بياضه، ويتقدم إليهم أيضاً بترك المطل للناس، وأن لا يأخذ أحد شغلاً وهو غير فارغ، إلا أن يشترط على صاحبه مدة فراغه، ومن خالف أدب.
* * *
стр. 44
الباب الثاني والثلاثون
في سماسرة البز
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بمعيشتهم، ويأمرهم أن لا يخلطوا أموال التجار إذا وردت إليهم، بل يشترون بما لكل إنسان على حدته، ويتقوا الله تعالى في ذلك، ولا يزيدوا ثمن غال على رخيص، ويحذروا الغلط، ويشتروا لكل واحد منهم بقسمة ورزقه، وينبغي أن يعتبر عليهم موازينهم، وصنجهم كل وقت، فإنهم كثيراً ما يزنون للحاكة ناقصاً. وأن لا يكون في ميزان أحد منهم دستاً صنج، ولا ثلث درهم. وتكون وزنات الحاكة مفردة، ولا ينقل أ؛ د منها على أحد، ولا على ما حدّه لهم السلطان من الجُعل، وهو على كل دينار درهم ورق، ولا يطرح أحد من السماسرة عنده شيئاً من أموال التجار، فيصله بدفعه إليه، وهو خيانة وتدليس.
* * *
الباب الثالث والثلاثون
في البز والبزازين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، وأن يحلّف البزازين فيما يباع بينهم؛ لأنهم ربما قوموا المتاع قيمة قد توافقوا عليها من الزيادة في رأس المال الذي قد ابتاعوه، ويتأولون فيه هذا التأويل عند بيعه وهم كاذبون؛ لأن الذي يجرى في هذا وأمثاله يجري مجرى الحيل والخديعة، فيحلفون على ذلك بحضرة عريفهم. ثم إنهم يراعون بعد ذلك، فإن عاد أحد منهم إلى مثله صُرف من السوق لقلة أمانته. وينبغي أن لا يكون بين أحد من الدلالين، وبين بزاز شركة؛ لئلا يصفق عليه المتاع بنقص.
وينبغي أن يعمل ذراع من خشب طوله، بعرض الإبهام، أربعة وعشرون إصبعاً محزوزة، وينقض على طرفه الأول اسم الإمام، وعلى الطرف الثاني اسم المحتسب، يتعيشون به، ليرتفع الشك في طول أمتعة الناس وعرضها في الزيادة والنقصان. وإذا أشهر المنادي ثوباً، فلا يزيد إلا ما زاده المشتري، ويمنع من أن يزيد من نفسه شيئاً، ولا يأخذ جعالته إلا من البائع بحكم أن لا يبيع إلا مُسلّماً. ولا يتجاوزون في أشغالهم على كل دينار درهماً واحداً ورقاً، ويعتبر موازينهم كل وقت، ويأمرهم أن لا يبتاع بينهم قطعة قماش لأحد، كائن من كان، إلا أن يكتب اسمه واسم ضامنه في درجة، يفعل
стр. 45
ذلك السمسار، ويكتب أيضاً البزار في دفتره اسم المنادي، ومن خالف كان دركه لازماً له.
* * *
الباب الرابع والثلاثون
في الغسالين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، ويحلفون أن لا يضربوا على الحجر أكثر من ثوب واحد، وأن لا يعصروا المتاع بشيء من الخشب، ومراعاة أمتعة الناس في الولائم والمآتم، ومن لبسها على كل الوجوه والأسباب، ويمنعون أيضاً من غسل أمتعة الناس بالماء المطبوخ فيه القلي والنطرون، فإن ذلك يضر الأعلام والطرز، ويبلى القماش سريعاً، ويولّد فيه القمل والصئبان، ولا يغسل ثوب الرجل على ثوب لغيره، ولا يستبدل شيئاً من أمتعة الناس.
* * *
الباب الخامس والثلاثون
في القصارة والقصّارين
ينبغي أن يعرف عليهم ثقة، ويستحلهم أن لا يجلبوا إزراً في ثوب لغيرهم، وكذلك لا يستخدموا شيئاً من سائر ما يخدمونه ويقصرونه، لا في أوساطهم، ولا يلتحفوا به، ولا يشيلوا فيه شيئاً من السوق، وأن لا يتركوا المتاع في النورة سوى ساعة؛ لئلا تُضر الطرز والأعلام ويؤمروا بنظافة المتاع، وسلاسته، وقلة جيره، وإزره، ويؤمروا أن لا يطووا المتاع رزماً بالعشايا وهو ندى، فإن ذلك يوجب عفنها وفسادها.
ومن حسن النظر لسائر أمتعة الناس، أن يؤمروا أن لا يرزموا في شيء من أمتعة الناس، بل يستعدون لهم أكيسة يرزمون فيها، وتكون مناديلهم التي يلبسونها على رءوس فوطاً، أو ميازر، ولا يتعرضوا لشيء من أمتعة الناس على رءوسهم، ولا في أوساطهم، ولا يناموا في شيء منه في منازلهم، ولا أهاليهم، ومتى لحقت المتاع عاهة لزمهم الغرم.
* * *
стр. 46
الباب السادس والثلاثون
في المطرزين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، ويستحلفهم أنهم لا يطرزون بقز ويدعون أنه حرير، وإذا عمل لأحد شغلاً بشيء من لا حرير يرده إليه، وأن لا يطرز أحد شيئاً حتى يزنه بالميزان، ويكتب وزنه على طرفه، وإذا أتاهم أحد بثوب يطرز، أو بشيء من سائر المتاع، لا يزيد فيه شيئاً من التطريز، ولا ينقلوا رقم ثوب على ثوب غيره، فإن من القصارين والغسالين من ليس بثقة، يفعلون هذا بثياب الناس، ويؤمرون أيضاً أن لا يعيدوا رقم ثوب قد انحتَّ من الرءوس، ويؤديه للمطرز يصلح له ما فسد من غير أن يعلم صاحبه، وهذا تدليس وخيانة، ومن ظهر عليه شيء مما ذكرنا أدب.
* * *
الباب السابع والثلاثون
في الرفائين وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً عارفاً بمعيشتهم، ويحلفوا بالله العظيم أن لا يرفوا لأحد من الغسالين والقصارين شيئاً من المتاع، إلا بحضور مالكه، وأمره له في ذلك، وينتقد عليهم أيضاً ما يرفونه من جودة الأوصال وحسنها، وكذلك الدفن، والقلع، وغيره من سائر ما يرفونه، ومتى فعلوا شيئاً بخلاف ما رسمنا، بعد الإنذار، أدبوا وأشهروا.
* * *
الباب الثامن والثلاثون
في الصيادلة والعقاقير
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بمعيشتهم؛ لأن العقاقير نحو ثلاثة آلاف عقار، ولها أشباه وأمثلة تقاربها وتدانيها في الصورة، وتنافيها وتبعد عنها في المزاج والمنفعة، فينبغي أن يعدل بما يشترى منها إلى من قد نصب لذلك قبل استعمالها، فإذا تبين ما هو ذهب الشك فيه وفي استعماله، فتكون النفس إليه قابلة، وإلى نحوه ساكنة. والذي
стр. 47
وجب على مؤلف هذا الكتاب ذكر ما يؤدي إليه من غش بعض هذه الأدوية، وهو يقسم بالله العظيم على من عرف شيئاً من غش الصيدلة، وغيرها من سائر الأشياء المغشوشة، ممن وقف على كتابنا هذا أن ينبه في آخر كتابنا هذا، وإن أمكنه التنبيه على معرفة استخراج غشه فليذكره، راجياً بذلك ثواب الله .
فينبغي للمحتسب أن يباشرهم، ويخوفهم، ويعظهم، وينهرهم بالعقوبة، والتعزير، ويعتبر عليهم عقاقيرهم في كل أسبوع، فمن غشوشهم المشهورة أنهم يغشون الأفيون المصري بشياف الماميتا، ويغشونه أيضاً بعصارة ورق الخس البري، ويغشونه أيضاً بالصمغ، وعلامة غشه أنه إذا أذيب بالماء ظهرت له رائحة كرائحة الزعفران، إن كان مغشوشاً بالماميتا، وإن كانت رائحته ضعيفة، فهو بالخس، والذي هو مر صافي اللون، ضعيف القوة، فهو مغشوش بالصمغ.
وقد يغشون الراوند بنبتة يقال لها: راوند الدواب، تنبت بالشام، وعلامة غشه أن الراوند الذي لا رائحة له ويكون خفيفاً، هو الجيد، وأقواه الذي يسلم من السوس، وإذا نقع كان في لونه صفرة، وما خالف هذا اللون والصفة كان مغشوشاً بما ذكرناه، والجيد من الإثمد ما كان لفتاته بريق، وكان ذا صفاء صالح وهو نقي من الوسخ، سريع التفتيت.
وقد يغشون الطباشير بالعظام المحروقة، ومعرفة غشها أنها إذا طرحت في الماء رسبت العظام وطفا الطباشير، وقد يغشون التمر هندي بلحم الأجاص، وقد يغشون الحضض بعكر الزيت ومرائر البقر، في وقت طبخه، ومعرفة غشه أنه إذا طرح منه شيء في النار، فإن الخالص يلتهب، ثم أنه إذا أطفيته بعد الالتهاب تصير له رغوة كلون الدم، وأيضاً فإن الجيد منه أسود، ويرى داخله ياقوتي اللون، وما لا يلتهب وما لا يرغى يكون مغشوشاً بما ذكرنا.
стр. 48
وقد يغشون القَسْط بأصول الراسن، ومعرفة غشه أن القسم له رائحة، وإذا وضع على اللسان يكون له طعم، والراسن بخلاف ذلك، وقد يغشون زغب السنبل السفيل بزغب القلقاس، ومعرفة غشه أنه إذا وضع في الفم يغثى ويحرق، والسنبل المسحوق يغش ليزيد في وزنه بالأثمد يرش عليه، وكذلك السِّك مسك المدقوق، وقد يغشون الأفربيون بالباقلاء اليابس المدقوق، وقد يغشون المصطكى بصمغ الأبهل.
ومنهم من يغش المقل بالصمغ القوي، ومعرفة غشه أن الهندي تكون له رائحة ظاهرة إذا بُخر به، وليس فيه مرارة، والأفتيمون الأقريطشى يغشونه بالشامي، وقد يغشونه بزغب البسبايج، ومنهم من يغش المحمودة بلبن البيتوع المجمدي، ومعرفتها أنك تضعها على اللسان، فإن قرصك فهي مغشوشة، ومنهم من يغشها بنشارة القرون، ويأخذونه ويعجنونه بماء الصمغ، ويعملونه كهيئة المحمودة، ومنهم من يغشها بدقيق الباقلاء، ودقيق الحمص، ومعرفة ذلك أن الخالصة صافية اللون مثل الغِرى، والمغشوشة بخلاف ذلك.
وقد يغشون المر بالصمغ المنقوع بالماء، وضفة غشه أن الخالص يكون خفيفاً، ولونه واحد، وإذا كسر ظهر فيه أشياء الأظافر ملساء، تشبه الحصى، وتكون له رائحة طيبة، وما كان منه ثقيلاً، لونه لون الزفت، فلا خير فيه، ومنهم من يغش قشور اللبان بقشور شجر الصنوبر، ومعرفة غشه أن يلقى في النار، فإن التهب وفاحت له رائحة طيبة فهو خالص، وإن كان بالضد فهو مغشوش، ومنهم من يغش المرزنجوش ببزر الحندقوق.
стр. 49
وقد يغشون الشمع بشحم المعز وبالقلفونية، وقد يذرون فيه عند سبكه دقيق الباقلاء، والرمل الناعم، والكحل الأسود المسحوق، ثم أنه يجعل ذلك بطانة للشمعة، ثم يغمسها بعد ذلك في الشمع الخالص، ومعرفة غشه أنك إذا أشعلت الشمعة ظهر فيها ذلك، وقد يغشون الزنجار بالقلقند والرخام، ومعرفة غشه أن تبل إبهامك وتغمسها فيه، ثم تدلك به السبابة، فإن نَعِم وصار كالزبد فهو خالص، وإن ابيض وتحبب فهو مغشوش، وأيضاً يترم منه بين الأسنان، فإن وجدته كالرمل فهو مغشوش بالرخام، وأيضاً تحمى صفيحة في النار، ثم تذره عليها، فإن احمر فهو مغشوش بالقلقند، وإن اسودَّ فهو خالص.
وقد يختارون من الأهليلج الأسود إهليلجاً أصفر، ويبيعونه من الكابلى، وقد يغشون الماء على الخيار شنبر، ويلفونه في الأكيسه عند بيعه، فيزيد لهم كل رطل نصفاً، ومنهم من يأخذ اللك ويسليه على النار، ويخلط مع الآجر المسحوق، والمغرة، ثم يخلطه ويعقده، ويبسطه أقراصاً، ويكسره بعد جفافه، ويبيعه على أنه دم الأخوين، ومنهم من يدق العلك دقاً جريشاً، ويجعل فيه شيئاً من الجاوشير على النار في العسل النحل، ويلقي فيه شيئاً من الزعفران، فإذا إلى دارغر ألقى فيه العلك، وحركه إلى أن يشتد، ثم يعمله أقراصاً إذا برد، ويكسره ويخلط معه الجاوشير، فلا يظهر فيه.
وأما جميع الأدهان الطيبة وغيرها، فإنهم يغشونها بدهن الخل، وهو الشيرج بعد أن يغلى، ويطرح فيه قلب الجوز، وقلب اللوز مرضوضاً؛ ليزيل رائحته وطعمه، ثم يمزجه بالأدهان، ومنهم من يأخذ نوى المشمش ليستخرج دهنه، ويخلطه بالشيرنج، ويبيعه على أنه دهن لوز، ومنهم من يغش دهن البلسان بدهن السوس، ومعرفة غشه أن يقطر منه شيء على خرقة صوف، ثم يغسل، فإن زال منها ولم يؤثر فيها فهو خالص، وإن أثر فهو مغشوش، وعلامة دهن البلسان الخالص أن نغمس فيه سنبلة وتشعلها، فإن اشتعلت فهو خالص، وإذا قطر على اللبن جمد للوقت، وأيضاً إن الخالص منه إذا قطر في الماء
стр. 50
الحار، فيصير في قوام اللبن، والمغشوش يطفو مثل الزيت، ويصير كواكباً على وجه الماء.
وقد يخلطون دهن العراق بدهن الشام، أعني الورد والبنفسج، وهذا تدليس، وقد أعرضت عن أشياء كثيرة في هذا الباب لم أذكرها، ليخفى غشها مخافة من تعليمها، وإنما ذكرت ما قد اهر غشه بين الناس، ويتعاطاه كثير منهم، وقد أمسكت عن أشياء ليست بمشهورة قد ذكرها صاحب كتاب كيمياء العطر، كما أمسكن عن أشياء كثيرة قد ذكرها يعقوب بن إسحاق الكندي في رسالته المعروفة بكيمياء الطبايخ، فرحم الله من وقع في يده ذلك الكتاب فمزقه.
* * *
الباب التاسع والثلاثون
في الأشربة والمعاجين وما يضاف إلى ذلك
اعلم وفقك الله أنه لما كانت المعاجين، والأشربة، والأقراص، والسفوفات، والأدوية المركبة، إنما يقف على معرفتها، ويتيقن مصلحتها، من حضر عملها، وشاهد خلطها وعجنها، فيجب أن يكون ذلك قبل تركيبه بحضور من جعل عريفاً على مثلهم، حتى تزول الظِنة، وترتفع الشبهة، فإن لم يمكنه حضور جميع ذلك، عينت الحوائج، وحملها الشرابي إلى مجلس العريف في طبق، أو غيره ليشاهدها، ويعد عقاقيرها، وياقبلها بمن يعول عليه. أما شابور أو غيره، ويخلطها بعد المقابلة بيده، ويمضي بها صاحبها يركِّبها، ويتقي الله تعالى أن لا يركبها بعسل القصب، ولا بقطارة، فإنه ٨ م يركبون المعاجين بأشياء من عسل القصب، يأخذونه منه عشرة أرطال، يغلونه، ويقلعون نيمه حتى يصفو سواده، ويرش عليه مقدار ثلاث أوراق لبن حليب، حتى يصفو، وتطيب رائحته، ثم أنه يسحق له وزن درهمين اسفيداج العرايس، في أوقية خل خمر حاد، ويقلبها في القدر وهي تغلي، ثم يصلح منه ما شاء من الأشربة والمعاجين.
فينبغي أن يراعى ذلك منهم، ويستحلفون أن لا يفعلوه، ولا يأمروا واحداً يفعله لهم، وهو لابد له ما يرجع في الأشربة إلى السواد، ويلت في المعاجين، وتظهر رائحة الخل فيه، ويعتبر أيضاً بأن يؤخذ منه قليل، ويحل بالماء في وسط الراحة، فإن المعسل يبيض
стр. 51
مثل الفانيد، ومتى تطاولت مدة الأشربة، فحمضت، أو غ لت، لم يكن لصاحبها أن يردها إلى الطبخ ثانياً، لفساد مزاجها وانحرافه.
ولا يذكي أحد منهم حلاوته بغير ماء الورد، ولا يجعل فيه مسكاً ولا كافوراً. وسبيل شراب البنفسج أن يكون مكرراً، فإنه سريع التغيير، وشراب الورد مثله أيضاً أن يكون مكرراً؛ لأنه اتقى وأنفع للمعدة. والسكنجبين البزوري والتادج يكونان بخل خمر، وإذا رأيت السكنجبين إلى السواد لوانه، فهو كما ذكرناه من عسل القصب، أو معمول من القند، وكذلك المعاجين إذا أذيبت في البراني، فينبغي أن يراعى ذلك، ولا يعمل شيء من سائر الأشربة والسويقات وغيرها إلا على النسج من كتاب سابور، أو غيره، بالعسل النحل، والمعاجين والأشربة من السكر الأبيض، وكذلك السفوفات، وكذلك الأقراص، يُعنى بتركيبها على ما نصه الفلاسفة.
وشراب العناب يقوي بكثرة العناب فيه؛ لأنه يراد لطفية الدم، ولا يعجن الورد بالمراسيق من السكر، وكذلك البنفسج المربى لا يعلق أيضاً بسكر، فإنه غش وتدليس، ويستحيل في المعدة أسفراً، ويجودون عقد جميع الأشربة، حتى يكون لها قوام، ولا يعجن التمر هندي، الذي قد عتق عندهم وجف بالخل، ولا يباع الحارسين المصري على أنه فارسي، ولا يلفونه في الخيش المبلولة ليزيد لهم في الوزن، ولا يغشون شيئاً من أدهان العراق بشيء من أدهان الشام، ولا بدهن الخل الشيرج، ويمنعون من عمل حشو الشعير في الأفراد؛ لأنهم يعيدون عليه ماءً ثانياً، وربما وردوه بيسير من المضرة، فيعتبر جميع ذلك، ويعتبر موزينهم وصنجهم في كل وقت، وتكون أواقيهم معيرة على الرطل البغدادي عشرة دراهم ونصف وثلث الأوقية.
* * *
الباب الأربعون
في العطر والعطارين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، فإن غشوش العطر أشياء كثيرة، مختلفة بحسب غشوشها، واختلاف أنواعها، فمن ذلك المسك، يعمل من اثنى عشر صنفاً مغشوشة
стр. 52
كلها، فمنه ما يعمل من زراوند، ورامك، ودم الأخوين، ويعجن بمثله مسك جيد، ويعمل منه أيضاً عنبر، ومنه ما يعمل من سنبل الطيب، ويولد بالعود، وقرنفل، وشادوران، وزعفران، ويعجن بماء ورد، ويخلط بمثله مسك جيد خالص، وقد عملت نوافج مسك من قشور الأملج والشيطرج الهندي، ومثله شادوران، ويعجن بماء صمغ الصنوبر، ويخلط مع كل أربعة مثاقيل من هذه العقاقير مثقال واحد مسك، ويحشى في النافجة، ويسد رأسها بماء صمغ، وتجفف على ر أس تنور، ويباع.
ويعمل أيضاً نوافج من الأملج، والشادوران الذي قد نزع صمغة بالماء الحار، ومعهم الأنزورت، ويعجن بماء الصمغ، ويخدم، ويعمل مع كل ثلاثة مثاقيل منه مثقال مسك جيد صُغدى، أو تبتى، ويسحق الكل، ويحشى في النافجة، ويوضع على رأس تنوع، ويباع. ويعمل أيضاً من قشور البلوط المخدوم بالنار المجفف، ويخلط منه ثلاثة أجزاء بجزء مسك، ويلقى منه أيضاً كل مثقالين على مثقال مسك ويباع، ويحشى أيضاً في النوافج، وأبلغ ما يدل على النوافج وقوارير المسك أن تفتحها وتلثمها كالمستحسن لها، فإن طلع إلى فيك من المسك حدة كالنار، فمسك فحل لا غش فيه، وإن كان بخلاف ذلك فهو مغشوش.
وقد يلقى على المسك الجيد التبتى دم الأخوين، أو دم الغزلان، أو دم الجداء، ليثقل، وقد يسحق المسك ويحشى في مصارينها، وتشد بخيوط صغار على قدر العنبر، ويجفف على الحبال في الظل، ويشق عنه، ويعبأ مع غيره في القوارير، ومنه ما يغش بالكبود المحرقة والمسحوقة، وقد يطرح في قوارير المسك حب رصاص على مقدار الخردل مصبوغة بالمداد، فلا تبين إلا عند السحق.
وينبغي أن يعتبر أيضاً جميع ذلك الذي ذكرناه من غشوش المسك، وهو أن تطرح في فيك منه شيئاً، وتنقل على بعض الملابس البيض وتنفضه، فإن انتفض ولم يصبغ، فلا
стр. 53
غش فيه من سائر ما ذكرنا، وإن صبغ ولم ينتفض فهو مغشوش.
وغشوش العنبر خمسة، فمنه ما يعمل منه زبد البحر، والصمغ الأسود، والشمع الأبيض، والسنروس، وسنبل الطيب، ويخدم ويعمل منه عنبر، ومنه ما يعمل من زبد البحر، والسندروس، والعود، والسنبل، وربما خلط معه بعر الضباء، ويخدم، ويدق ويدفن في زبل الخيل سبعة أيام، ويخلط معه مثله عنبر خالص، وربما عمل منه تماثيل، وصوراً، وقلائد، وغير ذلك، ومنه ما فعل من المسك الجيد، والصمغ، والعنبر، ويباع قلائد وتماثيل، وجماجم العنبر، قد تطلى بالسندروس، فيجب أن يحذف رءوسها متى يعلم سلامتها منه، ومن غيره، وربما حفرت وألقي فيها القطع الرصاص، وإذا حذف رأسها نظر إلى داخلها. والسندروس أيضاً إذا كان عليها منه شيء، فإن يغيب إذا جف، وإن كانت معيوبة بما ذكرنا أيضاً، نُظر ولم يخف.
والكافور أيضاً يعمل منه سبعة أصناف مغشوشة، فمنه ما يعمل من الرخام، نحاتة الخراطين، بمثله كافور معجون بماء الصمغ الأبيض يجر على الغرابيل، ومنه ما يعمل أيضاً من قلار الجبس الغير مشوى عوضاً عن الرخام، ومنه ما يعمل من حجارة النشادر، تكسر صغاراً، وتخلط به، ومنه ما يعمل أيضاً من ذريرة غير مفتوتة، وجبس قلار غير مشوى، وصمغ أبيض، ومثل الجميع كافور.
ويعمل أيضاً من خشب الخروع، ويعمل أيضاً من الأرز المدبر، فإن عمل تماثيل وقلائد، جعل في كل خمسة مثاقيل من الأرز، مثقال واحد كافور خالص للبيع، فمثقال بمثقال، ومنه ما يعمل أيضاً من نوى البلح المنحوت، يدق حتى يصير مثل الزبد، ويخلط بمثله كافور، ويعجن بماء الكافور، ويبسط رقيقاً مثل الكافور، وجميع غشه يبان في الماء والنار؛ لأنه إذا طرح في الماء فغرق كان مغشوشاً، وإذا عام فهو جيد لا غش فيه، وكذلك إذا ألقى قطعة من خزف، أو جام، على النار، وجعل عليها شيء من الكافور، وكان جيداً، طار ولم يمكث، وإن كان فيه مما ذكرناه احترق وصار رماداً.
وكذلك الزعفران غير المطحون يغش بأشياء كثيرة، فمنها أن تبشر لحوم صدور الدجاج، وكذلك لحوم البقر بعد سلقها، وتنشر بالملح، وتقدد، فإذا قددت تصبغ بماء
стр. 54
الزعفران، وتخلط بالزعفران، ومعرفة غش ذلك أن تنقعه في الخل، فإنه يتقلص، ويبان غشه، وإذا وجد عند مذاقه حلواً، فهو قليل الصبغ، قد ثقل وغش بالقند، والمطحون منه إذا ألقى في إناء زجاج فيه ماء فرسى منه شيء، فهو مغشوش بدم الأخوين، فأخذ ما رسى، ويمزجه بخل ويحركه، فإنه يصبغ روحه ويحمر، وقد يغش بالنشأ المطحون، ومعرفته أن تبل منه قليلاً على النار، فإنه يتدبق ويتعقد.
وغش العود، أن يؤخذ الصندق قشراً مطراً يبرد به العود، وينقع في مطبوخ الكرم العتيق شهراً، يغير عليه بعد كل ثلاثة أيام وينشف، ويخلط في العود، فلا يشك أنه عود، فيعتبر بالنار، وقد يغلو فيباع مطراً مدرجاً.
وغش البان، فإنه يعمل من دهن حب القطن، ويعمل من دهن حب المشمش، ويعبق بشيء من المسك التبتى الجيد، والأفاويه، ويعمل من الزيت الانفاق، ويعبق، وتطرح فيه أطراف الآس الأخضر، فتجيء منه خضرة تقارب البان.
وغش ماء الكافور يعمل من عقد الصنوبر، وشور الكُندُر ويُصعد، فلا يشك أنه خالص، ومعرفة غشه أنه إذا قطر في خرقة بيضاء وغسل منها فخرج، فهو غير مغشوش، وإن طبع فهو كما ذكرنا من عقد الخشب، والقشور.
وغش المحلب المعجون المؤلف بالأدهان، يغشه العطارون باللوز المر المقشر من قشره أيضاً، ويغش أيضاً بنوى المشمش، ويغش بنوى الخوخ المقشر، ويخلط مثل نصفه محلب، ومنهم من يأخذ كسب السمسم فيجففه ويسمقه ويعجنه مع المحلب، ويبخره ويبيعه، وقد يخلطه قوم من العطارين بالنشأ ويبيعونه، فينبغي أن يعتبر عليهم ذلك، ويحلفوا بما لا كفارة لهم منه.
وقد يغش الزعفران أيضاً بالأكشوت المصبوغ بالبقم بعد أن يقطع نظير شعر الزعفران، ويخلط معه نشأ مصبوغ، ويدر عليه سكر مسحوق في ليفه، ويلصق، ويخلط
стр. 55
عليه الزعفران، ويعبأ في السلال، ويعمل أيضاً سكراً من نبات الحلبة منقوعاً في خمر عنق قد أذيب فيه قليل كركم منخول وزعفران أياماً معلومة، ويثبيت في الظل، فلا يشك الذي يراه أنه زعفران، ويخلط في السلال ويباع، وهذا الزعفران الشعر وغيره بلون الشعر، فإذا أردت معرفته، خذ من وسط السلة، فإنه يبين لك الغش والعيب. ويطحن هذا الزعفران المغشوش بعينه، ربما خلط معه وزن جلنار ملتوت بشيرج، وقد يغش بالزجاج المطحون أيضاً، وقد يستحل قوم منهم أن يخلطه بأبي مليح النصف منه، والنصف زعفران، وبيعه على المسافرين.
وقد يستعمل أقوام من باعة الزفران أيضاً أن يقيم قرطاساً في وسط البرنية يجعله، وعلى جانبها خلوقاً مغشوشاً، والجانب الآخر خلوقاً جيداً، ويدفع إلى كل إنسان منها على قدر معرفته ورايه فيه، ويغش العود أيضاً من قشور خشب يقال له: الأبليق، ويجيء شبه العود، إلا أنه يبرى كما يبر ى العود، وينقع في ماء مدبَّر بالمسك الجيد، والورد الصحيح، والكافور أياماً كثيرة، ويخرج منه، وينشف، ويدرج، ويباع.
وغش الغوالى، فقد تعمل غالية أصلها قطران مصعّد مدبّر بالقرعة إلى أن يذهب نتنه ورائحته، ثم يجعل على كل مثقالين منه مثقال مسك جيد، ومثقال عود طيب، ومثقال مسك تبتى أو صغدى، ومثقال لادن مسلى على النار، ونصف مثقال عنبر، وثلاثة مثاقيل دهن بان مديني بارد، وربما عمل بغير عنبر فتجيء طيبة عجينة، وغالية من نحاتة الرخام الرخو، والشادوران مدبرة، ويحمل على جسد كل مثقال منها ما قد ذكرناه من الطيب فيما تقدم.
وغالية يعمل جسدها من قلب الفستق، وتجيء عجينة أيضاً إذا حمل على جسدها الطيب كما ذكرنا، وغالية تعمل من السمسم الجديد المقشر، والقرطاس المحرّق، ويعمل على جسدها الطيب كما ذكرنا، وقد يغشون الغوالى أيضاً بدون هذا، فيعمل أصلها ن المرادشنج المدبر، وغالية أصلها جسمها الأفليجة، وغالية أصل جسمها من
стр. 56
المومياى، وغالية أصل جسمها من الموز القسطالي الصغار، وغالية أصل جسمها من صنع الشادوران وعيدانه، ويحمل على جسد هذه الغوالى لكل مثقالين منها وزن دانق مسك جيد، وحبة مسك.
وأكثر من يعمل هذا الذين يجلسون على الطريق ممن لا دين له، وكذلك من لا دين له من العطارين، ولا يخافون من الاستخفاف بهم، فينبغي أن يراعى ذلك لمباشرة العريف حتى لا يكون شيء منه، وينذرهم، ويخوفهم، فمن تخطى إلى شيء مما ذكرناه، أدب وأشهر.
وإذا أردت أن تسحق العنبر لتستعمله فيما شئت بلا نار، فخذ بلاطة رخام وضعها على الثلج، فإذا صارت باردة مثل الثلج، وتكون قد قرضت العنبر صفاراً، فضعه على البلاطة، فإنه يبرد ويجف، ثم اسحقه فإنه ينسحق كالكحل، واستعمله فيما شئت في الوقت، وإذا عاد إلى صفته إذا حمى، فإنه ذهبي، فلا يرجع بعدها على البلاطة، بل النار.
* * *
الباب الحادي والأربعون
في الصيارف
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، يتعاهد موازينهم، بحيث أن لا يكون عندهم دستاً صنج يزنون بما شاءوا منها، ويتفقد ذهبهم، ودراهمهم، حتى لا تكون فيها شبه، ولا بهرج، ولا يطلق للمنادين إلا في كل عشر دراهم من البيع دانقين، ومن الدينار نصف قيراط من البيع أيضاً، ولا يباع الذهب إلا بالورق، ولا الورق إلا بالذهب، كما أمر رسول الله ﷺ ، وأن لا يصرفوا لصبي دون البلوغ شيئاً، ولا لجارية، ولا عبد، ولا يشتروا منهم ذهباً، إلا بحضور الأولياء، ومن يضمن دركهم، وإذا قبضوهم المبلغ يشهد عليهم جيران حانوته من الجهتين، ويوقفهم على الوزن قبل تسليمه لهم، ولا يعطون الناس إلا فضة جيدة، بحيث لا يحوجهم إلى المراجعة إليهم.
ومن البخس الخفي في ميزان الذهب، أن يرفعه بيده، تلقاء وجهه، ثم ينفخ على الكفة نفخة خفيفة فترجع، وذلك أن المشتري تكون عينه إلى الميزان، لا إلى فم صاحبه، ولهم أيضاً في مسك العلاقة صناعة يحصل بها البخس، فيلزم المحتسب مراعاة ذلك في
стр. 57
كل وقت، ومن يخالف منهم ذلك أدب وأشهر.
* * *
الباب الثاني والأربعون
في الصاغة والصياغة
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة بصيراً بخيانتهم، يمنعهم أن تكون أكوار السبك معلقة مرتفعة، بل تكون في قصارى مبنية على وجه الأرض، حتى لا يخفى فيها ما يسبك عن صاحبه من ذهب، أو فضة، ويحلف أن لا يسرق من البوتقة بالماسك، ويسمى بسيك النار، وأن يدلس فيها نحاس ولا غيره من أنواع السرقة والخيانة، ويجعل كل صانع شيئاً قليلاً من جسم ما سبكه عند فراغه مما يريد صياغته عند صاحبه، فمتى وقع شك أو تهمة، رجعوا إلى ذلك اليسير الذي مع صاحب الصياغة، فيعتبر عليه ويزول الشك والتهمة.
وينبغي أن يكون بيد كل واحد من الصائغ والمصوغ له خط بشرح حال ما اتفقوا عليه، ووزنه؛ ليرجع إليه متى احتيج إليه، ولا يشترى أحد من الصيارفة، ولا الصاغة، علقاً مصغاً ويرده إلى النداء، ويزيد فيه ويلصقه على غيره بزيادة؛ لأن هذا تدليس وخيانة.
ويتقدم إلى سباكي الفضة، ويحلّفون أنهم لا يبيعون الخبث الذي يخرج لهم من الفضة لسباكي النحاس؛ لأنهم إذا خلطوه بالنحاس عند سبكه صار النحاس مثل الزجاج، فينكسر إذا سقط من يد أ؛ د، وإن كان في هاون انخسف بسرعة.
وكذلك باعة الخواتيم وغشهم، ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، يحلفهم أن يصدقوا في أوزان أثمانها للزبون إذا اشترى منهم شيئاً، وأن لا يحرم ما اشتراه بالزيادة في إخبار المشترى، وكذلك يصدقون في أوزانها، وفضتها، فإنهم يعملونها باليسير من الفضة، ويحشونها بالرصاص، وبالزفت، ويكذبون عند بيعها، فإن اشتراها الناس منهم تهشمت بسرعة، وتقشرت فضتها، فيوجد مثل قشر البصل في رقته، ويشترط عليهم أن يصدقوا في نعت فصوصها، فإن أكثرها زجاج مصنوع، ومن مطبوخ دهان الزبادي.
* * *
стр. 58
الباب الثالث والأربعون
في الأطباء والفصادين
ينبغي أن يكون المقدم على الأطباء، والمرجوع إليهم منهم، من كثرت حرمته، وتبالغت تجربته، ويحالف بما لا له كفارة، أن يطالب سائر الأطباء بما شرحه يوحنا بن ماسويه المتطبب في كتابه المعروف بـ"محنة الطبيب"، فمن وجده قيماً بجميع ما حوته شروطه فصلاً فصلاً، أمره في معيشته، وأعلمه أنه قد أحسن إليه، وأنه إذا لم يطالبه بما شرط جالينوس في "محنة الطبيب"، فإنه لا يكاد أن يقوم بذلك كثير منهم، ومن كان بضد ذلك صرفه عن هذه المعيشة، ويمضي في الدروس، فيلزم قراءة الكتب قبل انتصابه لمداواة الناس؛ لما في ذلك من الضرر الواقع بالمرضى، فقد بلغني أن ملوك الأكاسرة جعلوا الأطباء الذين يختصون بهم، ويتيقنون فضيلتهم ولاة على سائر المتطببين، فكانوا يمتحنون من يريد الجلوس للناس، فمن وجدوه قيماً بما التمسه، طبائعياً، أباحوه ذلك، وكتبوا له رقعة إلى المحتسب بجلوسه، وإن كان بالضد صرفوه.
وينبغي أيضاً أن يقرأ عليه ما شرطه بقراط على نفسه، وعلى سائر المتطببين، ويحلفهم عليه، وعلى أنهم لا يعطون لأحد دواءً قتالاً، ولا يشيرون به، ولا يعطون للنسوان العوسج، وهي الصوفة التي تسقط الأجنة، ولا المعجون المعروف بالمرهم، فإنه يقتل الأجنة، ولا للرجال ما يقطع النسل، وليغضوا أبصارهم عن المحارم عند دخولهم إلى المرضى، ولا يفشون الأسرار، ويهتكون الأستار، ويكون عنده آلات الطب مكملة، وهي كلبات الأضراس، وكلبات العلق، ومكاوى الطحال، وزراقات الذكر، وملزم البواسير، ومخرط المناخر، وقالب التشمير، ورصاص التثقيل، ومفتاح الرحم، وبوار النساء، وكدة الحشا، وقدح الشوصة، وجميع ما يحتاجه.
وينبغي أن يرجع إلى رأي هذا المقدم الطبائعي، ويتشاورون إلا عرض مريض يشك فيه، ويختلف عليه، حتى يطابق على مداواته، ويتقدم إليهم بأن لا يأمروا بإخراج الدم في غير الفصول؛ لأن من المتطببين من غرضه أخذ العوض عن إخراج الدم، فينبغي أن
стр. 59
ينهوا عن ذلك؛ لأنه ربما أعقبت أمراضاً سوداوية وإعلالاً للرطوبة.
وأما الفصادون، فينبغي أن لا يتصدى للفصد إلا من اشتهرت معرفته بتشريح الأعضاء والعروق، والمفاصل، والشرايين، وأحاط بمعرفة تركيبها، وكيفيتها؛ لئلا يقع المبضع في عرض غير مقصود، أو في عضلة، أو في شريان، فيؤدي إلى زمانة العضو، وهلاك المفصود، فكثير من هلك من ذلك، ومن أراد تعلم الفصد، فليدمن في ورق السلق، يعني يفصد في العروق التي في الورقة، حتى تستقيم يده.
وينبغي أيضاً للفاسد أن يمنع نفسه من عمل صناعة مهينة تكسب أنامله منها صلابة، ويعتمد عشر خصال تلين العروق، وأن يراعى بصره بالأكحال المقوية له، والأيارجات إن كان ممن يحتاج إليها، وأن لا يفصد عبداً إلا بإذن مولاه ولا صبياً إلا بإذن وليه، ولا حاملاً ولا طامثاً، وأن لا يفصد إلا في مكان مضيء، وبآلة ماضية، ولا يفصد وهو منزعج.
وبالجملة أن يكون المحتسب يأخذ عليهم العهد إلا يفصدوا في عشرة أمزجة، وليحذروا فيها إلا بعد مشاورة الأطباء، وهي: في السن القاصرة عن الرابع عشر، وفي سن الشيخوخة، وفي الأبدان الشديدة اليبس، وفي الأبدان المتخلخلة، وفي الأبدان البيض المرهلة، وفي الأبدان الصفر العديمة الدم، ولا في الأبدان التي طالت بها الأمراض، وفي الأمزجة الشديدة البرد، وعند الوجع الشديد، فهذه الأحوال التي يكشف عنها الفاسد في وجودها، وقد نهت الحكماء والأطباء عن الفصد في خمسة أحوال، ولكن مضرتها دون مضرة العشرة المقدم ذكرها، فالحالة الأولى الفصد عقيب الجماع، وبعد الاستحمام المحلل، وفي حالة الامتلاء من الطعام، وفي حالة امتلاء المعدة والمعى من الثقل، وفي حال شديد البرد والحر، فهذه الأحوال يتوقى الفصد فيها.
واعلم أن الفصد له وقتان: وقت اختيار، ووقت اضطرار، فأما وقت الاختيار، فهو صحوة نهار بعد تمام الهضم والنقص، وأما وقت الاضطرار، فهو الوقت الموجب الذي لا يسع تأخيره، ولا يلتفت فيه إلى سبب مانع.
وينبغي أيضاً للمفتصد أن لا يمتلئ من الطعام بعده، بل يتدرج في الغذاء ويلطفه،
стр. 60
ويميل إلى الاستلقاء، ويحذر النوم عقيب الفصد، فإنه يحدث انكساراً في الأعضاء، ومن افتصد وتورمت عليه اليد، فليفصد في اليد الأخرى بمقدار الاحتمال، وينبغي أن يكون مع الفاسد مباضع كثيرة في دقة الشعرة وغيرها، وأن يكون معه كبة من حرير، أو شيء من آلة القيء، من خشب، أو ريش، وأن يكون معه الأرنب، ودواء الصبر، والكندر، وصفته أن يؤخذ من الكندر، والصبر، والمر، ودم الأخوين، من كل واحد جزء يعمل كالمرهم، ويرفعه عنده لوقت الحاجة إليه، وأن يكون معه نافجة مسك، وأقراص المسك، ويعتمد جميع ما ذكرناه، حتى إذا عرض للمفصود غشى بادر بسرعة فألقم الموضع الكبة الحرير، وقيأه بآلة القيء، وشممه النافجة، وجرّعه من أقراص المسك شيئاً، فتنتعش قوته بذلك، وإن وجد فتوق دم، من عرق، أو شريان، حشاه من وبر الأرنب.
ولا يضرب بمبضع كال، فإنه كثير المضرة؛ لأنه يخطئ ولا يلحق [العرق]، فيورم، ويوجع، ويمسح رأس مبضعه بالزيت؛ لأنه لا يوجع عند البضع، غير أنه بطيء الالتحام، وإذا أخذ المبضع، فليأخذه بالإبهام والوسطى، ويترك السبابة للجس، ويكون الأخذ منه على النصف، ولا يكون فوق ذلك، فيكون التمكن منه مضراً، ولا يدفع المبضع باليد غمزاً، بل يكون دفعها بالاختلاس، ليوصل طرف المبضع حشو العروق.
ولم أر [أحداً] أحذق في صناعة الفصد من رجلين رأيتهما بمدينة حلب، افتخر كل واحد منهما على صاحبه، فأما أحدهما [فإنه] لبس غلالة، وشد يده من فوق الغلالة، وانغمس في بركة، ثم فصد يده [في قاع الماء من فوق الغلالة، وأما الآخر فمسك المبضع بإبهام رجله اليسرى، ثم فصد يده].
واعلم أنه ينبغي أن يوسع البضع في الشتاء؛ لئلا يجمد الدم، ويضيقه في الصيف؛ لئلا يسرع إلى الغشى، ومتى تغير لون الدم، أو حدث غشى وضعف في النبض، فيبادر إلى رده ومسكه.
واعلم وفقك الله أن العروق المفصودة كثيرة، منها في الرأس، وعروق في اليدين،
стр. 61
وعروق في البدن، وعروق في الرجلين، وعروق في الشرايين، فيمتحنهم المحتسب بمعرفتها، وبما يجاورها ن العضل والشرايين، فأما عروق الرأس المفصودة، فعرض الجبهة، وهو المنتصب ما بين الحاجبين، وفصده ينفع من ثقل الرأس، وثقل العينين، والصداع الدائم، ومنها العراق الذي فوق الهامة، وفصده ينفع الشقيقة، وقروح الرأس، ومنها العرقان الملويان على الصدغين، وفصدهما ينفع الرمد، والدمعة، وجرب الأجفان وبثورها، ومنها عرقان خلف الأذنين، يفصدان لقطع النسل، فيحلفهم المحتسب أن لا يفصدوا أحداً فيهما؛ لأن ذلك يقطع النسل، وقطع النسل حرام، ومنها عروق الشفة، وفصدها ينفع من قروح الفم والقلاع، وأوجاع اللثة، وأورامها، ومنها العروق التي تحت اللسان، وفصدهما ينفع الخوانيق، وأورام الأراويل.
وأما عروق اليدين، فستة: منها القيفال، والأكحل، والباسليق، وأسلم هذه العروق، القيفال، وينبغي أن يتجافى فصده [رأس العضلة]، وأما الأكحل، ففي فصده خطر عظيم؛ لأجل العضلة التي تحته، فربما وقعت بين عصبتين، وربما كان فوقها عصبة دقيقة مدورة كالوتر، فيجب أن يعرف ذلك ويجتنبه في حال الفصد، ويحترز أن تصيبه الضربة، فيحدث منها خذلان مزمن، وأما الباسليق، فعظيم الخطر أيضاً، لوقوع الشريان تحته، فيجب أن يحترز ذلك، فإن الشريان إذا بضع لم يرقأ دمه.
وأما عروق الرجلين، فأربعة: منها عرق النسا، فيد عند الجانب الوحشي من الكعب، فإن خفي فليفصد الشعبة التي بين الخنصر والبنصر، ومنفعة ذلك عظيمة، سيما
стр. 62
في النقرس، والدوالي، وداء الفيل، ومنها عرق الصافن، وهو في الجانب الأيسر، وهو أظهر من عرق النسا، وفصده ينفع من البواسير، ويدر الطمث، وينفع الأعضاء التي تحت الكبد، ومنها عرق باطن الركبة، وهو مثل الصافن في النفع، ومنها العرق الذي خلف العرقوب، كأنه شعبة من [الصافن. وأما] المفصود من الشرايين في الغالب، ويجوز فصدها، فهي الصغار والبعيدة من القلب، فإن هذه هي التي يرقأ دمها إذا فصدت، وأما الشرايين الكبار القريبة الوضع من القلب، فإنه لا يرقأ دمها إذا فصدت، والتي يجوز فصدها على الأكثر، شريان الصدغين، والشريانان اللذان بين الإبهام والسبابة، وقد أمر جالينوس بفصدها في المنام، رآها رؤيا.
والحجامة عظيمة المنفعة، وهي أقل خطراً من الفصادة، وينبغي أن يكون الحجام خفيفاً، رشيقاً، خبيراً بعملها، فيخف يده في الشروط ويستعجل، ثم يعلق المحجمة، وتكون التعليقة الأولى خفيفة سريعة القلع، ثم يتدرج إلى القلع بإبطاء وإمهال، ثم ينبغي للمحتسب أن يمتحن الحجام بورقة يلصقها على طوبة، ثم يأمره بشرطها، فإن نفذ الشرط كان ثقيل اليد سيء الصنعة، وعلامة حذاقة الحجام خفة يده، وأن لا يوجع المحجوم، وقد ذكرت الحكماء أن الحجامة تكره أول الشهر مخافة أن تكون الدماء هاجت، وفي آخر الشهر مخافة أن يكون قد نقص الدم، فلا تفيد الحجامة شيئاً، وإنما تستحب الحجامة في وسط الشهر إذا تكامل النور في جرم القمر؛ لأن الأخلاط تكون هائجة، والأدمعة تكون زائدة في الأجفان، وأفضل أوقات الحجامة الساعة الثانية والثالثة من النهار.
وأما منافع الحجامة، على الفقر، أي فقر الظهر، خليفة فصد الأكحل، وتنفع من ثقل الحاجبين، وجرب العينين، والبخر في الفم، غير أنها تورث النسيان، كما قال ﷺ : "إن مؤخر الدماغ موضع الحفظ، وتضعفه الحجامة". والحجامة على الأكحل خليفة فصد الباسليق، وتنفع من وجع المنكب والحلق، غير أنها تضعف فم المعدة، والحجامة في الأخدعين خليفة فصد القيفال، وتنفع الوجه، والأسنان، والضرس، والعينين، والأذنين، والأنف، والحلق، ورعشة الرأس، والحجامة تحت الذقن تنفع الوجه، والأسنان، والحلقوم، وتنقى الرأس، والحجامة على الهامة تنفع اختلاط العقل، غير أنها تضر الذهن،
стр. 63
وتورث بلهاً، والحجامة على الفخذين تنفع الأورام، والخراجات الخارجة في الإليتين، والحجامة في الساقين تقوم مقام الفصد، وتدر الطمث، وإخراج الدم في غير الفصول ربما أعقب أمراضاً سوداوية، وأعلالاً للرطوبة.
* * *
الباب الرابع والأربعون
في الكحالين والكحل
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، فيبتدئ بسؤال من نصب نفسه إلى هذه الصناعة عن كتاب حنين بن إسحاق، أعني العشر مقالات في العين، فإن كان عارفاً بتشريح عدد طبقات العين السبعة، وعدد طوياتها الثلاث، وعدد أمراضها الثلاث، وما يتفرع من هذه الأمراض، فإن كان قيماً بذلك، نهاضاً به، اعتبر عليه آلة صنعته مثل صنافير السبل، والظفرة، ومحك الجرب، ومباضع الفصد، ودرج المكاحل، فإن كمل ذلك استمرَّه المقدم عليهم في معيشته، وإن وجده بضد ذلك، رفع خبره إلى المحتسب ليعرفه، ويمنعه من التعرض إلى أعين الناس، فإن عاد أدب وأشهر ليكون شعفة لغيره.
ويجب أن يأتوا إلى أكبرهم والحاكم عليهم بما عندهم من الأكحال والأشيافات، ليعتبرها ويباشرها، وأما كحالو الطرقات، فلا يوثق بأكثرهم، إذ لا دين لهم يصدهم عن التهجم على أعين الناس بالكحل بغير علم، فلا يركن إلى شيء من أكحالهم، وأشيافهم، فإن منهم من يعمل أشيافهم أصلها من النشأ والصمغ، ويصبغها ألواناً من الأحمر بالأسريقون، والأخضر بالكركم والنيل، والأسود وبالأقاقيا، والأصفر بالزعفران، ويعملون أشياف ماميتا من التربة المصرية، ويعجم بيسير من الصمغ، ويعملون كحلاً من نوى الإهليلج يخلط، ويربب في الهاون، ويعمل مصارين رقاق صغار، ويدعى أنها مرائر الطير وغيرها، فيعتبر عليهم جميع ذلك، ويؤدب فاعله ويشهر، بعد أن تؤخذ عليهم القسامة بالله العظيم أن يكونوا نصحاء في مداوتهم.
* * *
الباب الخامس والأربعون
في المجبرين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، ويسأل من نصب نفسه للجبر عن المعروفة بالمقالة
стр. 64
السادسة من كتاب بولص في الجبر، ويسأل عن معرفة عدد عظام الإنسان، وهي مائتا عظم وثمانية وأربعون عظماً، وصورة كل واحد منها، وسكنه، ليرده إلى مكانه إذا انخلع، ويجبره إلا انكسر، فإن كان قيماً فيما ذكرناه، وإلا أقامه.
* * *
الباب السادس والأربعون
في الجرائحيين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً، ببهرجتهم، وحيلهم، ودكهم؛ لأنها خطيرة، والذي يجب على الجرائحي اولاً أن يكون عالماً بكتاب جالينوس المعروف بقطاجانس، قيماً به، ويكون خبيراً، وإن كان طبائعياً كان أفضل، وإن لم يكن، فالأولى أن يحضر معه طبائعياً خبيراً، وكذلك المجبر أيضاً؛ لأنهم قد يبطّون ما لا يحتاج إلى بط، ويقطعون ما لا يحتاج إلى قطع، ويفتحون الشريانات، فيكون ذلك سبباً إلى تعطيل العضو عن فصله، فيجرون ذلك.
ويكون معه دست المباضع، فيه مباضع مدورات الرأس، والموربّات، والحربات، وفأس الجبهة، ومنشار القطع، ومجرفة الأذن، وورد السلع، ومرهمدان المراهم، ودواء الكندر القاطع للدم، ومن جملة بهرجتهم أنهم أيضاً يدوسون العظام في الجرح، ويبهرجون بإخراجها الأدوية، وأن أدويتهم هي التي أخرجتها، فلهذا قلنا: إنه إذا كان طبائعياً حاضراً، كان أجود للعمل، ويستحل قوم منهم أن يصلحوا مراهم أصلها من الكلس المغسول بالزيت، ثم يصبغ ألواناً، أحمر بالأسريقون، وأخضر بالكركم، وأسود بالفحم، فيعتبر ذلك عليهم.
* * *
الباب السابع والأربعون
في البياطرة
اعلم أن البيطرة علم جليل سطرته الفلاسفة في كتبهم، ووضعوا فيها كتباً، على أنها أصعب علاجاً من أمراض الآدميين؛ لأن الدواب ليس لها نطق تعبر به عما تجد من
стр. 65
المرض والألم، وإنما يستدل على عللها بالجسّ والنظر، فيتقر البيطار إلى حس وبصيرة بعلل الدواب وعلاجها، فلا يتعاطى البيطرة إلا من له دين يصده عن الدواب بفصد، أو قطع، أو كي، وما أشبه ذلك بغير خبرة، فيؤدي إلى هلاك البهيمة وعطبها.
وينبغي للبيطار أن ينظر إلى رسغ الدابة، ويعتبر حافرها قبل تقليمه، فإن كان أحنفاً، أو مائلاً، نسف من الجانب الآخر قدراً يحصل به الاعتدال، وإن كانت يد الدابة قائمة، جعل المسامير المؤخرة صغاراً والمقدمة كباراً، وإن كانت يدها بالضد من ذلك صغر المقدمة وكبر المؤخرة. ولا يبالغ في نسف الحافر فتغمز الدابة، ولا يرخي مسامير النعل فيتحرك، ويدخل تحته الرمل والحصى فترهص الدابة، ولا يشدها بقوة على الحافر فتزمن.
واعلم أن النعال المطرقة ألزم للحافر، واللينة أثبت للمسامير الصلبة، والمسامير الرقيقة خير من الغليظة، وإذا احتاجت الدابة إلى تربيع أو إلى فتح عرق، أخذ المبضع بين إصبعيه، وجعل نصابه في راحته، وأخرج من رأسه مقدار نصف ظفر، ثم فتح العرق تعليقاً إلى فوق بخفة ورفق، ولا يضرب العرق حتى يجسه بإصبعه، لا سيما عروق الأوداج، فإنها خطرة لمجاورتها المرئ، فإن أراد أن يفتح شيء من عروق الأوداج، خنق الدابة خنقاً شديداً، حتى تبدو عروق الأوداج، فيتمكن حينئذ مما أراد.
وينبغي أن يكون البيطار خبيراً بعلل الدواب، ومعرفة ما يحدث فيها من العيوب، فإن الناس ترجع إليه إذا اختلفوا في الدابة، وقد ذكر بعض الحكماء في كتاب البيطرة في علل الدواب ثلاثمائة وعشرون علة، فمنها: الحناق، والخنان الرطب، والخنان اليابس، والجنون، وفساد الدماغ، والصداع، والحمر، والنفخة، والورم، والمرة الهائجة، والدبيبة، والخشام، ووجع الكبد، والقلب، والدواد في البطن، والمغل، والقوالنج،
стр. 66
وريح السوس، والقضاع، والصدام، والسعال من البرد ومن الحر ومن الغبار، وعسر البول، والنقرس، والذبحة، وانفجار الدم من الدبر والذكر، والبحل، ووجع المفاصل والرهصة، والدخس، والداحس، والنملة، والنكب، والخلد، والماء الحادث في العين، والماخونة، والبياض في العين، والزنبور، ورخاوة الأذنين والضرب، والخلع، والكسر، وغير ذلك مما يطور شرحه، فيفتقر البيطار إلى معرفة علاجه، وسبب حدوث هذه العلل، فمنها ما إذا حدث في الدابة صار عيباً دائماً، ومنها ما لم يصر عليباً دائماً، ولولا التطويل لشرحت من ذلك جملاً كثيرة، فلا يهمل المحتسب امتحان البيطار بما ذكرناه، ومراعاة فعله بدواب الناس.
* * *
الباب الثامن والأربعون
في صباغي الحرير والغزل
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بغش هذه الصنعة، ويمنعهم أن يطرحوا في حوانيتهم الحناء، فإن أكثر صباغي الحرير الأحمر يصبغونه بالحناء عوضاً عن الفوّة، فيخرج الصبغ حسناً مشرقاً، فإذا أصابته الشمس تغير لونه، وزال إشراقه، وكذلك صبغ الغزال إذا دكن بالعفص والزاج، وصبغ بعد ذلك، تغير وانتفض، ولم يثبت، وينبغي أن لا يصبغ الحرير والغزل، إذا كان أحمر، بغير الخل الجيد الخمر، وكذلك الياقوتي،
стр. 67
والخلوقي، ويستحلفوا أن لا يتجاوزوا ذلك، ويعتبر موازينهم وصنجهم، وكذلك موازين الحرير، والغزل في كل وقت.
* * *
الباب التاسع والأربعون
في الخرازين صناع الشراك
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، ويأمره أن يمنعهم أن يعملوا في خصف النعال بجلود الميتة، وأن يقللوا من حشوها، وأن تكون عند بيعها غير مشدودة، لتبين اليسرى من اليمنى إلى المشتري، ويطبق الزوج على ظهره لتكون وجوهرها ظاهرة، ويؤمر الخرازون أن يجعلوا عوض شعر الخنزير ليفاً، فإنه يقوم مقامه، ويمنع من عمل الشرك المظفورة من البطاين، أو من جلود الضعيفة المصبوغة، وكذلك لا يوصل ما انقطع من شراك النعال بمثل هذا، ومن خالف أدب وأشهر.
* * *
الباب الخمسون
في الأساكفة صناع الأخفاف
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً، ويأمره أن يمنعهم من عمل العتيق ويطرونه، ويبيعونه جديداً، وأن لا يكثروا حشو الخرق بين البشتيك والبطانة، ولا بين النعل والظهارة، وأن يشدوا حشو الأعقاب، ولا يشدوا نعلاً قد أحرقته الدباغة، ولا فطيراً لم ينضج، ولا أديماً فاسداً، ولا مسوساً، ولا معيوباً، وأن يحكموا إبرام الخيط ولا يطولوه أكثر من ذراع؛ لأنه إذا طال انسلخ وانتقض إبرامه وضعف من الجذب، ولا يخرزوا بشعر الخنزير، ويجعلوا عوضه ليفاً، أو شارب الثعلب، فإنه يقوم مقامه، ولا يمطلوا أحداً بمتاعه، إلا أن يشترطوا عليه أياماً معلمة، فإن الناس يتضررون من التردد غليهم، وأن لا يعملوا الورق في الأخفاف لكي تَصُرّ عند المشي، كما كانت تفعله نساء بغداد، فيمنع المحتسب من عمله.
* * *
الباب الحادي والخمسون
في عمل الأسفاط
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً يحلفهم بالله العظيم أن لا يدبغوا الجلود إلا بالنخال، وأن لا يجلدوا بواطن الأسفاط إلا من الجلود التي يجلدون بها ظواهرها؛ لأنهم ينتهزون جلود الأسفاط من جلود لها قيمة، ويغشونها من دواخلها بما لا قيمة له، فإذا قوى عليها الشد والحزم تخرقت وتمزقت، وهذا غش، فينبغي أن يمنعوا منه.
* * *
стр. 68
الباب الثاني والخمسون
في عمل البطط
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً يمنعهم أن يعملوا من جلود الجمال الميتة، ويحلفون بما لا كفارة لهم منه أنهم لا يعلمونها من الميتة، ويفتش دكاكينهم كل وقت، وبيان ذلك عليهم أنهم إذا عملوها من جلود الدباغ، كان لونها إلى الصفاء والصفرة، وإذا عملوها من الميتة كان لونها مائلاً إلى السواد. ويعتبر عليهم أيضاً بالرائحة وخشونة اللمس، وأيضاً أنه لابد أن يبقى عليه اليسير من الشعر؛ لأن الصانع لا يقدر على إنقاء الشعر من الميتة، وما عمل من جلود الميتة يملح عند جفافه، والصواب أن يمنعوا من عمل المصاصات؛ لأن كل من يمص بها لا بد أن ينزل شيء من بصاقه في أطعمة الناس من الزيوت، والعسل وغيرهما، وذلك ضرر ووسخ، لا سيما إن كان الفاعل أبخر، فالصوام أن يمنعوا من ذلك.
* * *
الباب الثالث والخمسون
في الخياطين والعلافين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً يمنعهم احتكار الغلة، ولا يخلطون رديء الحنطة بجيدها، ولا عتيقها بجديدها، فإن ذلك تدليس على الناس، وأن لا يجعلوا القمح بجوار الشعير، وإذا دعت الحاجة إلى غسل قمح لأمر حدث، جففت بعد غسلها وبيعت منفردة.
* * *
стр. 69
الباب الرابع والخمسون
في صنعة الشرابات
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، ويأمرهم أن يكون طول الشرابات كلها ثلاثة أشبار، وينقع ليفها في الماء قبل استعماله يوماً وليلة، لتزول الحمرة منه، ولا يخلطوا في الليف الجديد شيئاً من الليف القديم، ويكون حولها دائرة جلود التماسيح المذبوحة، فإن الميتة منها منتنة الجلود، فإن عدمت جلود التماسيح، فجلود البقر المذبوحة، وتقوى خرزها بخيوط الكتان الرقاق، ولا يغشوا ظهورها بالجلود المجموعة، ولا من الأنطاع المخلقة، بل تكون جلوداً جدداً مدبوغة، ومن خالف أدب.
* * *
الباب الخامس والخمسون
في الحاكة والقزازين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، ويأمرهم أن يطعوا لكل من عمل عندهم مسلاكاً من غزله، لتزول التهمة، ويرتفع الشك، فإذا جرى في ذلك دعوى من صاحب الغزل، أن غزله قد أبدل، رجع العريف وأهل الصنعة إلى ذلك المسلك، ونظر ما رسمناه للصناعة، ورسم نقض الغزل درهم واحد لكل ذراع، ويتقدم إليهم بأن يكروا عقد كل شيء يعملوه للناس وللبيع أيضاً، ويصفقوه، ولا يحلوا لأحد من سائر حركة الشرب، والصفيق، وغيرهم الخيانة جملة كافية، ومن خالف أدب.
* * *
الباب السادس والخمسون
في الزنهار وغشه
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً عارفاً بغش صنعتهم، فقد يغش بالسبك بتربة تعرف بالشمعة، تكون إلى الحمرة مائلة، وبدقيق الرمل، حتى يثقل، وقد يغش الصفر بالتراب الأحمر، وهو يزيده المثل، أو قريباً منه، فينبغي أن يحلف من يبيعه، بما لا لهم منه كفارة، أنهم لا يخلطون فيه شيئاً مما ذكرناه، ولا يخلطون فيه دقيق الفول. وأيضاً قد تدق قشور
стр. 70
الرمان، ويغش به الكركم المسحون، ويغش أيضاً بالتربة المصرية، وقد تغش الحناء بالرمل، فيعتبر ذلك عليهم.
* * *
الباب السابع والخمسون
في الأبزار والأزارين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، فإن الأبزار كثيراً ما يخلطون بعضها في بعض، فللكراويا أبزار تعرف بعين الحية، وهي في هيئة الكراويا، إلا أنها أكبر من حب الكراويا قليلاً، وليس تفعل فعل الكراويا في ذكاء الطبيخ، ويمنعهم أن يخلطوا الكزبرة المصرية في الشامية، ويعتبر كاييلهم.
* * *
الباب الثامن والخمسون
في السماسم وبائعيه
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة بصيراً بغشهم؛ لأن أغلافهم ظواهرها البارزة من خشب مثل الأبنوس والسماسم، وباطنها من غيره، فإذا دعت إلى ذلك ضرورة، فيبين ذلك للمشتري إذا باعوه، ولا يخفوه عنه، حتى تزول الشبهة والتدليس، وقد ينشرون من سيقان البقر والجمال ما يجعلونه عوضاً من العاج، وذلك غش، وينبغي لمن يسمسر في ذلك أن لا يأخذ الجعل من وجهين، فمن فعل ذلك أدب.
* * *
الباب التاسع والخمسون
في الخشب وباعته
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ينهى أخبارهم إلى المحتسب، ويستحلفهم، بما لا كفارة له، أنهم لا يشتركون في البيعة الخشب، يوقفها أحدهم في دكانه، فإذا جاء المشتري أعان بعضهم بعضاً في توفير الثمن، وهو بينهم شركة، وهذا تدليس، وأن لا يؤخذ الجعل إلا من البائع، من الدينار نصف قيراط، ومن العشرة دانقين.
* * *
стр. 71
الباب الستون
في الزفاتين
ينبغي أن يعرف عليهم ثقة، ويحلفوا بالله العظيم أن لا يغشوا الزفت برماد القصب، ولا بنشارة الخشب، ولا بالرمل، وغشه يتبين لك بالنار، فيراعى ذلك، ويعتبر موازينهم.
* * *
الباب الحادي والستون
في الحدادين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، ويحلفوا بالله العظيم أن لا يبيعوا السكاكين، والمقاريض، والشفار، والمخاصف، وغير ذلك من الأرمهان، ويبيعوها فولاذاً، ولا يماطلوا الناس بأشغالهم، وكذلك سائر الصناع، ولا يأخذ صانع من سائر الصنع فوق طاقته إلا شيئاً يعلم أنه يفرغه في أسبوع، ومن خالف أدب.
* * *
الباب الثاني والستون
في المسامريين وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، ويأمره أن يمنعهم أن يخالطوا المسامير الجديدة في العتيقة؛ لأن ذلك تدليس، وتكون أرطالهم دون أرطال جميع البيعة، فنحن أمرنا أن تكون أرطال جميع أصحاب المعاش حديداً، ما خلا هذه الطائفة تكون أرطالهم حجارة مجلدة مختومة بالرصاص مكتوباً عليهم بخط المحتسب؛ لأن الحديد يمكنهم فيه الزيادة والنقصان، والحجارة بضد ذلك، ويعتبر أيضاً موازينهم.
* * *
стр. 72
الباب الثالث والستون
في النحاسين وسباكي النحاس
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً، ويأمرهم أن يبينوا للمشتري غشوش النحاس، فإنها كثيرة، فينبغي أن يبينوا عيوبها لمن يشتريها، ويجري الأمر في باعته ومناديه، على ما رسمنا. ولا يأخذ السمسار جعالته إلا من البائع، بحكم أن لا يكون البيع مسلماً، وإذا لحم المكسور يكتب على جنبه ملحوماً، ويكتب على الجديد جديداً، والعتيق عتيقاً، والسبّاكون قد يجعلون فيما يسبكونه من النحاس خبث الفضة والرصاص، فينكسر ما يعمل منه بسرعة، وينخسف الهواوين على الضعفاء والمساكين، ويمزجون النحاس المضروب بالمصبوب، فيمنعون من ذلك؛ لأنه غش.
* * *
الباب الرابع والستون
في النجارين والبنائين والفعلة والنشارين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً له دين وبصيرة بصناعتهم، فقد يوافق أكثر الصناع على أجرة معلومة كل يوم، فيتأخرون عند الغدو، وينصرفون قبل المساء، فينبغي أن يشترط في ذلك بما يمتنع منه، ولا ينصرفوا إلا مساءً، ومن البنائين والنجارين من يقرب على أصحاب الأشغال من يعملونه لهم، ويهونونه عليهم، ويقللون مؤونته، حتى إذا نشطوا إليه، وشرعوا فيه، طالبوهم بزيادة المؤونة عما قرروه، فكان في ذلك خطر، وغش؛ لأنه ربما افتقر، وركبه دين بسببه، وربما ألجأته الضرورة فباع الموضع بسبب المطالبة قبل إتمامه، وفي هذا أذية عظيمة، فينبغي أن يتقدم المحتسب بالمنع من ذلك أتم المنع، بالأيمان المؤكدة، ومتى لم يستعمل من يبنى من الصناع ما لم يصح به من زوايا، وموازين، وخيوط، ثم جرى فيما عمله زيغ، أو ميل، أو انحراف عن الاستواء، لزمه عيب ذلك وفساده، إلى أن يعود صحيحاً مستقيماً، ومتى قطع البناؤون من أخشاب الناس المستأجرة للدعائم شيئاً، لزمهم أرشه، وعليه الأدب بعد الإنذار.
ويلزم الفعلة بلباس التباين الملحم، فإن فيه سترة لعوراتهم عند تعريهم في أشغالهم، في طلوعهم ونزولهم، ولا ينصرفون إلا عند المغيب، وكذلك البناؤون والنشارون، فيلزمهم أن يعمل كل مقص ثلاث أنفس، أحدهم يحد المنشار، وإذا تعب واحد من الاثنين ناب عنه الآخر إلى أن يأخذ صاحبه راحة، ولا ينصرفوا إلى آخر النهار، ويمنعوا
стр. 73
من اشتراك جميعهم على الناس، بل يكونوا مثل النجارين والبنائين ما يعملوا إلا بما قسم الله ورزق، وأن لا يحرقوا شيئاً مما ينشرونه فيتلفون الخشب، ويستحق من التجار، فمن فعل هذا بعد الإنذار أدب، ويحلف البناؤون بحضرة عريفهم أنهم لا يأخذون من الجبّاسين رشوة، ولا هدية، على سائر الوجوه كلها، ليكتموا منهم قلن نضج الجبس، فإنه لا يدخل، ويدخل في القصرية وقت خلطه بالماء بسرعة، فهذا الجيد النضيج، وإن دخل في القصرية، أو جف بسرعة على الحائط للوقت، فهو جبس قليل النضج، فيجب أن يُراعى ذلك، فإن فيه تحملاً على المشتري في الوزن، وفساداً فيما بيّنا به، وسوء عاقبة، فيجب الأدب على الجباس، والوقاد، والبناء إذا كتم ذلك، بعد الإعذار إليهم أجمعين.
ويجب على البنائين أيضاً نصيحة أرباب العمل ممن يبنون له بالجير والأصطال في الصهاريج والقنوات، وما يشاكل ذلك، أن يكون الخلط الجيد الذي تحمد عاقبته، خمسة عيارات جير مصفى بالماء العذب، وعيار واحد منها أصطال مسحوق من الطوب العتيق والمتوسط، وأربعة رماد من رماد الأتاتين وما يشاكله، وما بين جير مصفى ودونه، خمسة رماد، واثنين جير، فجميع ما ذكرناه واجب على البنائين القيام به، وأن ينصحوا صاحب العمل، ومن خالف أدب وأشهر، بعد الإعذار إليه.
ومن شأن البنائين القيم به أن يبيضوا موضع الإنسان، وأن يكثروا من أخلاط الجير في جبس البياض وقت عجنه، ليسهل عليهم بسطه على الحيطان، وقلة حفظه لها، وثباته عليها، فيمنعون من ذلك. ويجب على البنائين إذا بنوا الحيطان، أن لا يبنوها بالطوب القليل النضج اللين، فإنه يتفتت بعد مدة، فيسقط ما فوقه، ويخرب الحائط، فيأمرهم أن يجعلوه حشواً مع الطوب، وبالله التوفيق.
* * *
الباب الخامس والستون
في نجاري الضبب
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بمعيشتهم، بصيراً بهذه الصناعة، وينشر جواسيسها، وهو باب جليل يحتاج إلى ضبطه؛ لأن فيه حفظ أموال الناس، وصيانة حريمهم، فينبغي أن يراعى، ويحلفون بحضرة عريفهم، بما لا كفارة لهم منه، أن لا يعملوا لرجل ولا لامرأة، مفتاحاً على مفتاح، إلا أن يكونا شريكين مشهورين، ويؤمرون أن لا
стр. 74
يثقبوا رأس الأبيات لطرح الأسنان، بل ينقروا لها في رءوس الأبيات لحفظ الأسنان، وتكون الأسنان التي فيها مربعة الرءوس، مدورة الأسافل، مبرودة، مجلسة، وكذلك أسنان المفتاح مبردة، مجلسة، حتى لا يخرب ذكر الغلق، لا من فوقه ولا من تحته، ويؤمرون أن يضموا الأغلاق بالجواسيس المختلفة، حتى لا يعمل مفتاح على مفتاح ومن خالف ذلك أدب.
* * *
الباب السادس والستون
في نجاري المراكب
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، ثم إن هؤلاء النجارين والقلافطة يأخذون في الصناعة المعمورة بالعز الدائم من السلطان، أعزه الله تعالى، أوفر الأجرة إذا عملوا له عملاً، ثم يشتركوا على أرباب المراكب، ويأخذون عما شاءوا أجرته درهماً واحداً، خمسة دراهم، فإن امتنع عليهم أحد تركوه وانصرفوا عنه، وحلفوا أنهم لا يعملونه إلا بزيادة عما قرروه في الأول، فيرجع الناس إليهم للضرورة؛ لأنهم عصبة لا يخالف بعضهم بعضاً، فهم في هذا أول شيء خالفوه: خالفوا سنة رسول الله ﷺ ؛ لأنه قد حرم شركة الأبدان، وهم في ذلك يشيعون على السلطان بالكذب؛ لأنهم يذكرون للناس أنهم يعملون في الصناعة عملاً يساوي فوق أجرتهم أضعاف ما يأخذون، فينبغي أن لا يمكنوا من الشركة؛ لأنها حيف ومضرة على أرباب المراكب، فينبغي أن يحلفوا جميعاً على ترك هذه الشركة، ويشهر هذا الأمر بالجرس في كل السواحل، ويعملوا لسائر الناس كما يعمل نجارو الدور وغيرهم من الصناع، وكذلك القلافطة من غير أن يحيف على الجهتين، ومن خالف أدب.
* * *
الباب السابع والستون
في النخاسين باعة العبيد
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً، بما لا كفارة لهم منه، أنهم لا يخفون عيباً قد ظهر وعملوه، من ذكر ولا أنثى، ويتفقدون عهدة المماليك المقدمة في أيدي
стр. 75
مواليهم، ليعلم منها ما قد شرط على المشتري من ذلك، لا سيما العبد الذي مع الغرباء، ويطالبون بضمناء من أهل البلد، ويكتب اسمه وصنعته في دفتره؛ لئلا يكون العبد مسروقاً، أو يكون له أهل، وإذا كان في العهدة ذكر لنفسه، فهي كناية عن المخبور. ولا يبيعون جارية إلا من دمها، أعني في أيام حيضها، وتنظره امرأة يوثق بدينها، وتتأمله؛ لئلا يكون دماً فاسداً.
ولا يبيعون صبياً ولا صبية، من الجلب على أهل الذمة؛ لئلا يهودونه أو ينصرونه، بل إذا كانت جارية نصرانية فصيحة، ومعها أولادها دون البالغ، فإن أولادها لاحقين بها، ولا يقبل قول جلاب ولا دعواه، إذا ادعى على من قد جلبه من العجم الذين لا يفقهون، أنهم نصارى. ولا يفرق بين جارية وأولادها، ومن أراد شراء جارية، جاز له أن ينظر إلى وجهها، وكفيها، فإن طلب استعراضها في بيته، والخلوة بها، فلا يمكنه النخاس، إلا أن يكون عنده نساء في منزله، وإن أراد شراء غلام، فله أن ينظر منه ما فوق السرة، وما دون الركبة، هذا كله قبل عقد البيع، وأما بعده، فله أن ينظر إلى جميع بدن الجارية.
ولا يفرق بين جارية وأولادها، إلا أن يكونوا بوالغ، وعن تراض بينهم. ويستحلف النخاسون أيضاً أنهم لا يشترون مملوكاً على أكياسهم للتجارة، ولا يدسوا من يشتريه لهم على سبيل الشركة ولا غيرها على سائر الوجوه والأسباب. وينبغي أن يتفقدوا لون المملوك والمملوكة، فإنه إذا كان خاملاً دل على علة كبده، أو الطحال، أو المعدة، أو بواسير ينزف منها دم، ثم يتفقد ظاهر البدن بنفسه في موضع نير مضيء، كيما لا يخفى أن كان به بهق رقيق، فإن البهق في ابتدائه يكون خفيفاً، وإنما يكون بياضاً رقيقاً، أو سواداً في الموضع، ثم يقوى، ويزيد بتزايد الأيام، وأما القوباء، فإن ابتداءها خشونة تحث في الموضع، ثم تقوى، وتزيد على مدى الأيام.
وإن كان في موضع من بدنه تشبيه بشامة، أو لصقة، أو وشم، فليتفقد ذلك تفقداً كثيراً، فربما كان في ذلك الموضع برص فكوى، أو وشم فصبغ ليخفى، فإذا امتدت الأيام محى الصبغ، واتسع البرص عن موضع الكي أو الوشم، فإذا كانت شامة يشك فيها، فليدخل الحمام، ويغسل المكان المشكوك فيه بالماء، وإن كان كياً أو وشماً في موضع منكر سُئل عنه، ويتفقد ذكاء سمعه، وكمال كلامه، وعقله، ثم يتفقد شعر الرأس وجلدته، هل فيها حزازاً وشقيقة، ويتفقد حدقة العين، وحدقته هل هي صافية
следующие страницы →