Полный текст (104 стр.). Показаны 71–104 · переход к 76.
стр. 71
الباب الستون
في الزفاتين
ينبغي أن يعرف عليهم ثقة، ويحلفوا بالله العظيم أن لا يغشوا الزفت برماد القصب، ولا بنشارة الخشب، ولا بالرمل، وغشه يتبين لك بالنار، فيراعى ذلك، ويعتبر موازينهم.
* * *
الباب الحادي والستون
في الحدادين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، ويحلفوا بالله العظيم أن لا يبيعوا السكاكين، والمقاريض، والشفار، والمخاصف، وغير ذلك من الأرمهان، ويبيعوها فولاذاً، ولا يماطلوا الناس بأشغالهم، وكذلك سائر الصناع، ولا يأخذ صانع من سائر الصنع فوق طاقته إلا شيئاً يعلم أنه يفرغه في أسبوع، ومن خالف أدب.
* * *
الباب الثاني والستون
في المسامريين وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، ويأمره أن يمنعهم أن يخالطوا المسامير الجديدة في العتيقة؛ لأن ذلك تدليس، وتكون أرطالهم دون أرطال جميع البيعة، فنحن أمرنا أن تكون أرطال جميع أصحاب المعاش حديداً، ما خلا هذه الطائفة تكون أرطالهم حجارة مجلدة مختومة بالرصاص مكتوباً عليهم بخط المحتسب؛ لأن الحديد يمكنهم فيه الزيادة والنقصان، والحجارة بضد ذلك، ويعتبر أيضاً موازينهم.
* * *
стр. 72
الباب الثالث والستون
في النحاسين وسباكي النحاس
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً، ويأمرهم أن يبينوا للمشتري غشوش النحاس، فإنها كثيرة، فينبغي أن يبينوا عيوبها لمن يشتريها، ويجري الأمر في باعته ومناديه، على ما رسمنا. ولا يأخذ السمسار جعالته إلا من البائع، بحكم أن لا يكون البيع مسلماً، وإذا لحم المكسور يكتب على جنبه ملحوماً، ويكتب على الجديد جديداً، والعتيق عتيقاً، والسبّاكون قد يجعلون فيما يسبكونه من النحاس خبث الفضة والرصاص، فينكسر ما يعمل منه بسرعة، وينخسف الهواوين على الضعفاء والمساكين، ويمزجون النحاس المضروب بالمصبوب، فيمنعون من ذلك؛ لأنه غش.
* * *
الباب الرابع والستون
في النجارين والبنائين والفعلة والنشارين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً له دين وبصيرة بصناعتهم، فقد يوافق أكثر الصناع على أجرة معلومة كل يوم، فيتأخرون عند الغدو، وينصرفون قبل المساء، فينبغي أن يشترط في ذلك بما يمتنع منه، ولا ينصرفوا إلا مساءً، ومن البنائين والنجارين من يقرب على أصحاب الأشغال من يعملونه لهم، ويهونونه عليهم، ويقللون مؤونته، حتى إذا نشطوا إليه، وشرعوا فيه، طالبوهم بزيادة المؤونة عما قرروه، فكان في ذلك خطر، وغش؛ لأنه ربما افتقر، وركبه دين بسببه، وربما ألجأته الضرورة فباع الموضع بسبب المطالبة قبل إتمامه، وفي هذا أذية عظيمة، فينبغي أن يتقدم المحتسب بالمنع من ذلك أتم المنع، بالأيمان المؤكدة، ومتى لم يستعمل من يبنى من الصناع ما لم يصح به من زوايا، وموازين، وخيوط، ثم جرى فيما عمله زيغ، أو ميل، أو انحراف عن الاستواء، لزمه عيب ذلك وفساده، إلى أن يعود صحيحاً مستقيماً، ومتى قطع البناؤون من أخشاب الناس المستأجرة للدعائم شيئاً، لزمهم أرشه، وعليه الأدب بعد الإنذار.
ويلزم الفعلة بلباس التباين الملحم، فإن فيه سترة لعوراتهم عند تعريهم في أشغالهم، في طلوعهم ونزولهم، ولا ينصرفون إلا عند المغيب، وكذلك البناؤون والنشارون، فيلزمهم أن يعمل كل مقص ثلاث أنفس، أحدهم يحد المنشار، وإذا تعب واحد من الاثنين ناب عنه الآخر إلى أن يأخذ صاحبه راحة، ولا ينصرفوا إلى آخر النهار، ويمنعوا
стр. 73
من اشتراك جميعهم على الناس، بل يكونوا مثل النجارين والبنائين ما يعملوا إلا بما قسم الله ورزق، وأن لا يحرقوا شيئاً مما ينشرونه فيتلفون الخشب، ويستحق من التجار، فمن فعل هذا بعد الإنذار أدب، ويحلف البناؤون بحضرة عريفهم أنهم لا يأخذون من الجبّاسين رشوة، ولا هدية، على سائر الوجوه كلها، ليكتموا منهم قلن نضج الجبس، فإنه لا يدخل، ويدخل في القصرية وقت خلطه بالماء بسرعة، فهذا الجيد النضيج، وإن دخل في القصرية، أو جف بسرعة على الحائط للوقت، فهو جبس قليل النضج، فيجب أن يُراعى ذلك، فإن فيه تحملاً على المشتري في الوزن، وفساداً فيما بيّنا به، وسوء عاقبة، فيجب الأدب على الجباس، والوقاد، والبناء إذا كتم ذلك، بعد الإعذار إليهم أجمعين.
ويجب على البنائين أيضاً نصيحة أرباب العمل ممن يبنون له بالجير والأصطال في الصهاريج والقنوات، وما يشاكل ذلك، أن يكون الخلط الجيد الذي تحمد عاقبته، خمسة عيارات جير مصفى بالماء العذب، وعيار واحد منها أصطال مسحوق من الطوب العتيق والمتوسط، وأربعة رماد من رماد الأتاتين وما يشاكله، وما بين جير مصفى ودونه، خمسة رماد، واثنين جير، فجميع ما ذكرناه واجب على البنائين القيام به، وأن ينصحوا صاحب العمل، ومن خالف أدب وأشهر، بعد الإعذار إليه.
ومن شأن البنائين القيم به أن يبيضوا موضع الإنسان، وأن يكثروا من أخلاط الجير في جبس البياض وقت عجنه، ليسهل عليهم بسطه على الحيطان، وقلة حفظه لها، وثباته عليها، فيمنعون من ذلك. ويجب على البنائين إذا بنوا الحيطان، أن لا يبنوها بالطوب القليل النضج اللين، فإنه يتفتت بعد مدة، فيسقط ما فوقه، ويخرب الحائط، فيأمرهم أن يجعلوه حشواً مع الطوب، وبالله التوفيق.
* * *
الباب الخامس والستون
في نجاري الضبب
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بمعيشتهم، بصيراً بهذه الصناعة، وينشر جواسيسها، وهو باب جليل يحتاج إلى ضبطه؛ لأن فيه حفظ أموال الناس، وصيانة حريمهم، فينبغي أن يراعى، ويحلفون بحضرة عريفهم، بما لا كفارة لهم منه، أن لا يعملوا لرجل ولا لامرأة، مفتاحاً على مفتاح، إلا أن يكونا شريكين مشهورين، ويؤمرون أن لا
стр. 74
يثقبوا رأس الأبيات لطرح الأسنان، بل ينقروا لها في رءوس الأبيات لحفظ الأسنان، وتكون الأسنان التي فيها مربعة الرءوس، مدورة الأسافل، مبرودة، مجلسة، وكذلك أسنان المفتاح مبردة، مجلسة، حتى لا يخرب ذكر الغلق، لا من فوقه ولا من تحته، ويؤمرون أن يضموا الأغلاق بالجواسيس المختلفة، حتى لا يعمل مفتاح على مفتاح ومن خالف ذلك أدب.
* * *
الباب السادس والستون
في نجاري المراكب
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، ثم إن هؤلاء النجارين والقلافطة يأخذون في الصناعة المعمورة بالعز الدائم من السلطان، أعزه الله تعالى، أوفر الأجرة إذا عملوا له عملاً، ثم يشتركوا على أرباب المراكب، ويأخذون عما شاءوا أجرته درهماً واحداً، خمسة دراهم، فإن امتنع عليهم أحد تركوه وانصرفوا عنه، وحلفوا أنهم لا يعملونه إلا بزيادة عما قرروه في الأول، فيرجع الناس إليهم للضرورة؛ لأنهم عصبة لا يخالف بعضهم بعضاً، فهم في هذا أول شيء خالفوه: خالفوا سنة رسول الله ﷺ ؛ لأنه قد حرم شركة الأبدان، وهم في ذلك يشيعون على السلطان بالكذب؛ لأنهم يذكرون للناس أنهم يعملون في الصناعة عملاً يساوي فوق أجرتهم أضعاف ما يأخذون، فينبغي أن لا يمكنوا من الشركة؛ لأنها حيف ومضرة على أرباب المراكب، فينبغي أن يحلفوا جميعاً على ترك هذه الشركة، ويشهر هذا الأمر بالجرس في كل السواحل، ويعملوا لسائر الناس كما يعمل نجارو الدور وغيرهم من الصناع، وكذلك القلافطة من غير أن يحيف على الجهتين، ومن خالف أدب.
* * *
الباب السابع والستون
في النخاسين باعة العبيد
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً، بما لا كفارة لهم منه، أنهم لا يخفون عيباً قد ظهر وعملوه، من ذكر ولا أنثى، ويتفقدون عهدة المماليك المقدمة في أيدي
стр. 75
مواليهم، ليعلم منها ما قد شرط على المشتري من ذلك، لا سيما العبد الذي مع الغرباء، ويطالبون بضمناء من أهل البلد، ويكتب اسمه وصنعته في دفتره؛ لئلا يكون العبد مسروقاً، أو يكون له أهل، وإذا كان في العهدة ذكر لنفسه، فهي كناية عن المخبور. ولا يبيعون جارية إلا من دمها، أعني في أيام حيضها، وتنظره امرأة يوثق بدينها، وتتأمله؛ لئلا يكون دماً فاسداً.
ولا يبيعون صبياً ولا صبية، من الجلب على أهل الذمة؛ لئلا يهودونه أو ينصرونه، بل إذا كانت جارية نصرانية فصيحة، ومعها أولادها دون البالغ، فإن أولادها لاحقين بها، ولا يقبل قول جلاب ولا دعواه، إذا ادعى على من قد جلبه من العجم الذين لا يفقهون، أنهم نصارى. ولا يفرق بين جارية وأولادها، ومن أراد شراء جارية، جاز له أن ينظر إلى وجهها، وكفيها، فإن طلب استعراضها في بيته، والخلوة بها، فلا يمكنه النخاس، إلا أن يكون عنده نساء في منزله، وإن أراد شراء غلام، فله أن ينظر منه ما فوق السرة، وما دون الركبة، هذا كله قبل عقد البيع، وأما بعده، فله أن ينظر إلى جميع بدن الجارية.
ولا يفرق بين جارية وأولادها، إلا أن يكونوا بوالغ، وعن تراض بينهم. ويستحلف النخاسون أيضاً أنهم لا يشترون مملوكاً على أكياسهم للتجارة، ولا يدسوا من يشتريه لهم على سبيل الشركة ولا غيرها على سائر الوجوه والأسباب. وينبغي أن يتفقدوا لون المملوك والمملوكة، فإنه إذا كان خاملاً دل على علة كبده، أو الطحال، أو المعدة، أو بواسير ينزف منها دم، ثم يتفقد ظاهر البدن بنفسه في موضع نير مضيء، كيما لا يخفى أن كان به بهق رقيق، فإن البهق في ابتدائه يكون خفيفاً، وإنما يكون بياضاً رقيقاً، أو سواداً في الموضع، ثم يقوى، ويزيد بتزايد الأيام، وأما القوباء، فإن ابتداءها خشونة تحث في الموضع، ثم تقوى، وتزيد على مدى الأيام.
وإن كان في موضع من بدنه تشبيه بشامة، أو لصقة، أو وشم، فليتفقد ذلك تفقداً كثيراً، فربما كان في ذلك الموضع برص فكوى، أو وشم فصبغ ليخفى، فإذا امتدت الأيام محى الصبغ، واتسع البرص عن موضع الكي أو الوشم، فإذا كانت شامة يشك فيها، فليدخل الحمام، ويغسل المكان المشكوك فيه بالماء، وإن كان كياً أو وشماً في موضع منكر سُئل عنه، ويتفقد ذكاء سمعه، وكمال كلامه، وعقله، ثم يتفقد شعر الرأس وجلدته، هل فيها حزازاً وشقيقة، ويتفقد حدقة العين، وحدقته هل هي صافية
стр. 76
معتدلة في العظم، ومبلغ حدة نظره، وصفاء بياض العين، فإن كدورته وظلمته منذرة بالجذام، وغن كان فيها صفرة دل على زيادة الكبد، وإن كان فيها عروق حمر كثيرة ظاهرة، فإنه يسأل.
ويتفقد أجفانه هل هي نقية، وكيف سهولة حركتها، فإن الغليظة جربة في الأكثر، أو مستعدلة، والعسيرة الحركة رديئة، ويتفقد أجفانه، وحواجبه، فإن كانت حواجبه رديئة مع رداءة جفونه، لا سيما إن كان به بحة في صوته، وحمرة في وجهه، ويتفقد جلاء نفسه من أنفه وفمه؛ لئلا يكونا ابخرين، وينظر إلى شكل الأنف، فإن غلظة، أو انحناءه، أو اعوجاجه يدل على أن في داخله بواسير، فينظر فيها في الشمس، وينظر إلى سهولة تنفسه، ويتفقد حال أسنانه في الاستواء، والنقاء، والقوة، وهل فيها شيء يتحرك، أو يتآكل، فإن الأسنان القوية طويلة البقاء، والرقيقة سريعة السقوط، ويعتبر مع ذلك البدن كله.
ويتفقد رقبته واستواءها، ويغمز عليها ويجس، ويتفقد هل فيها بترة، أو أثر قوبة، فإنه ربما كان هناك غدد تتولد منها الخنازير، وينظر إلى الصدر هل هو عريض لحيم، فإن الرقيق النحيف مع الأكتاف البارزة يدل على السل، ويأمره بالمشي، ويتفقد قوة قبضه، فإن ضعف ذلك دليل على ضعف العصب، ويؤمر بالعدو، وينظر هل يعتريه في عنقه ربو، أو سعال، ويقدر يديه ورجليه بعضهما ببعض، فربما كانت إحداهما أقصر من الأخرى، ويتفقد حال مفاصلة في سلاستها للحركات، ويتفقد ساقه هل فيها عروق ثخان واسعة، فإن ذلك يؤدي إلى الدوالي، وداء الفيل، وسائر بقية أموره يستعان عليها بالذين يعرفون الأمزجة وطبائعها، فينبغي مراعاة جميع ذلك.
* * *
الباب الثامن والستون
في النخاسين باعة الدواب
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً له دين وبصيرة بصناعة البيطرة، حتى يكون عارفاً بعيوب الدواب، ويأمرهم أن يحلفوا أنهم لا يخفون عن المشتري عيباً قد علموه، ويبحثون عن ذلك أتم البحث، ومن عيوب الدواب وعللها الكبار الخرخرة، وهي علة من
стр. 77
برد يعرض في رءوسها، ينحدر منها رطوبة، فإن كانت منتنة أعدت الدواب الذين يأكلون معها ويشربون، وتهلك هي من بعد، وإن كان المنحدر إلى الشمس، فهو نوعان: أحدهما الذي يعرض في ركبها وجع ويزول، والنوع الآخر يعرف بالخطر يتولد في ركبها ويزيد إلى أن يمنعها المشي فيهلكها، فيجب على النخاسين أن يعرفوا ابتداء العلل وما تؤول إليه.
والعلة الداويدية: هو ورم يحصل في زندها، فإن صلب لم تفكر فيه إلا أنه عيب، وإن كان ليناً كان أضر عليها، والدخس وهو نظير الداحس، يحصل فوق حافرها، فإن دارت طرحت الحوافر وبطلت سنة إلى أن ينبت لها غيره. ويتفقد منها الطرش، وعلامتها أن تقيم آذانها إذا صاح بها صياحاً عظيماً بغير نهطة. ويتميز أيضاً أثر اللوقة إذا عرضت، وهو اعوجاج الشفة الفوقانية على السفلانية. وكذلك إذا كان بها ضيق نفس، وضيق عليها الحزام والمقود رمت بنفسها إلى الأرض، فيعلم أن بها ضيق نفس.
ويجب أن يتفقد أضراسها، فإن كانت معلقة بلعت الشعير صحيحاً. وربمانبت للدابة أنياب رقاق زائدة الطول تمنعها من أكل العلف فيكسر لها، ولا يكسرها إلا الحاذق العارف بكسرها، إلا أنه عيب، فيجب أن يراعى ويتبرأ منه. والسلاف عيب؛ لأنه يبل المسدود بالزبال، ويكدم الضلف، ولا ينال منه إلا اليسير. والعنف القصير الخلقة عيب، والنكب عيب، وهو ينبت إلى طرف وقوف الدابة، فيعتبر ذلك بالمشي، فإن انطلقت، وإلا فهي علة في العصب، والدابة التي تمنع البيطار عيب، والأذان المطروحة عيب في خلقتها، والدابة التي لا تقبل اللجام عيب.
ويجب اعتبار عين الدابة من العمى، والعور، والظفر، وهو لحم ينبت في الماقين، ويتفقد قطع اللسان الدابة من اللحام، وفي قصبة تأكلها فتجرى على لسانها فتقطعه، والشموص التي تضرب عيب من الدابة، والدابة التي تمنع الشكل عيب، وعللها كثيرة مثل أكل المقاود، وقلع الأوتاد، وقلة الطلوع إلى المعادن، وما أشبه ذلك، فيجب على النخاسين أن يتقوا الله ، ويخلصوا للفريقين بحسن النية، ويشرطوا للمشتري أنه بالخيار ثلاثة أيام، ولا يأخذوا الجعل إلا من البائع بغير حيف، وإن كان للسلطان على الدابة رسم أخذ من المشتري.
* * *
стр. 78
الباب التاسع والستون
في الطوابين وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، ويحلفهم بالنصيحة في أشغالهم بخلط المعاجن وملء القالب، وأن لا يقطع طيناً سبخاً، ويأمرهم أيضاً أن لا يُعد للمشتري الطوب إلا اثنان، فإذا تبعا ناب عنهما اثنان غيرهما، وأن يتقوا الله، ولا يحيفوا على المشتري، ويحرصوا ويجتهدوا في تجريد الأثلاث، والأنصاف، والأرباع من الطوب، وأن لا يغشوا في طبخه، ونضجه، وأن لا يعدلوا في بيعه إلا لمن يلاطفهم، بل يعرضوه ويشهروه على كل من له عمارة، وإنشاء دار، ويعتبر عليهم المحتسب في بعض أوقات الغفلة ما أعدوه للناس بعدادين غيرهم.
* * *
الباب السبعون
في دلالي العقارات
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً عارفاً، ويحلفوا أن لا يبيعوا ملكاً بقرية، ولا داراً، ولا جداراً، وقد خرج من ملك صاحبه بكتاب زور، ولا كتاب حيلة، ولا شبهة، ولا رهن، ولا يأخذوا الجعل إلا من البائع، ولا يعدل عما زاد في الثمن شيء من ذلك إلى من نقص منه لعلة من العلل، ومن خالف هذا أدب.
* * *
الباب الحادي والسبعون
في تقديرات المراكب
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً جيداً، له دين، يراعي الضرر بالناس وبأموالهم ويلزمهم أن تكون قرايا المراكب غير زائدة على أطوالها، والرجل غير ناقصة، فإنهما متى كانا على هذه الحال كما ذكرنا، كانتا إلى الأمن والسلامة أقرب، وإذا كانت القرية زائدة على ذلك، والرجل ناقصة، لم يؤمن عند قوة الرياح والعواصف، من انقلابها واضطرابها، وينبغي أن تكون أوساق المراكب خفيفة، حتى تكون نواحيها على وجه الماء ظاهرة غير غائبة فيه، ويوافقوا على أن لا يضروا الناس، ولا بأموالهم، بالسير في أيام النيل، ومن خالف أدب.
* * *
стр. 79
الباب الثاني والسبعون
في باعة الفخار
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، ويتقدم إليهم بأن لا يدلسوا على الناس بسد المثقوب، والمشقوق، ومن سائر ما يبيعونه، بالشحم والجير وماء البيض، ويبيعونه على أنه سالم، ومتى وجد عند أجدهم شيئاً بهذه الصفة كسر، وينهوا عن المعاودة، فإن عادوا إلى الغش والتدليس، أدبوا وأشهروا، ويتعلق منه شيء في حلقهم ليكونوا شعفة لغيرهم.
* * *
الباب الثالث والسبعون
في شعّابين البرام
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، فإن هؤلاء الشعابين يغشون بما لم يحله الله ؛ لأنهم يأخذون دم الذبائح، فيعجنونه بالدماء، ويلحمونها به، فينبغي أن يحلفوا أن يجعلوا عوضاً من الدم الذي يستعملونه، ويستعلمون أيضاً دم الحجامة إذا عازوا دم الذبائح، ويأخذون طحالاً من ذبائح الضأن، والمعز، والإبل، والبقر، فيشوونه، ويدقونه دقاً ناعماً، ويلحمون بها شقوق البرام.
وكلك إذا عجنوا الدماء بشيء من حجارة البرام مدقوقاً، منخولاً، مجبولاً بماء البيض، ويلحمون بها الشقوق فإنها تلتحم، وإن عجن ما ذكرناه بزيت الفجل، وليط بها البرم، الصقها وضبطها، فيراعى ذلك منهم، فمن وجد منهم عقد تخطى إلى هذا المحضور، بعد الإنذار، أدب وأشهر.
* * *
الباب الرابع والسبعون
في الزجاجيين وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، ويحلفوا أن لا يخرجوا الزجاج من الكور إلا فرغ حتى يمضي له يوم وليلة، فإذا تشرب دخانه أخرجه بعد ذلك وباعه، وإن عجل في إخراجه قبل أن يشرب دخانه يصدع ويهلك على سائر من اشتراه، ويأمر المحتسب العريف أن
стр. 80
يختم على الكور، فإذا تشرب فتحه، وكذلك يصنع بصناع المثاقيل الزجاج، ويحملها عند فتحها إلى المحتسب يعيرها قبل بيعها؛ لأن فيها الزائد والناقص، فيتقي الله.
* * *
الباب الخامس والسبعون
في معلمي الصبيان ومعلمات البنات
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة له دين، يمنعهم من التعلم في المساجد؛ لأن النبي ﷺ أمر بتنزيه المساجد من الصبيان والمجانين؛ لأنهم يسودون حيطانها، وينجسون أرضها، ويمشون على البول، وسائر النجاسات، بل يتخذون للتعليم حوانيت في أطراف الأسواق، أو على الشوارع، ولا يعلّمون في بيوتهم، ولا في دهاليزهم، وأول ما ينبغي للمؤدب أن يعلم الصبي السور القصار من القرآن، بعد حذقه بمعرفة الحروف، وضبطها بالشكل، ويدرجه بذلك، ثم يعرفه عقائد السنن، ثم أصول الحساب، وما يستحسن في المراسلات والأشعار، دون سخيفها، ومسترذلها.
وفي الرواح يأمرهم بتجويد الخط، ويكلفهم عرض ما أملاه عليهم حفظاً غائباً، ومن كان عمره سبع سنين أمره بالصلاة في الجماعة، فإن النبي ﷺ قال: "علموا أولادكم الصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشر"، ويأمرهم ببر الوالدين والانقياد لأمرهما بالسمع والطاعة، والسلام عليهما، وتقبيل أياديهما عند الدخول عليهما، ويضربهم على إساءة الأدب، والفحش من الكلام، وغير ذلك من الأفعال الخارجية عن قانون الشريعة، مثل اللعب بالكعاب، والبيض، ونردشير، وجميع أنواع القمار.
ولا يضرب صغيراً بعصى غليظة تكسر العظم، ولا رقيقة تؤلم الجسم، بل تكون وسطاً، ويتخذ مجلداً عريض السير، ويعتمد بضربه على اللوايا، والأفخاذ، وأسافر الرجلين؛ لأن هذه المواضع لا يخشى عليها مرض، ولا غائلة. ولا ينبغي للمؤدب أن يستخدم أحداً من الصبيان في حوائجه وأشغاله التي فيها عار على آبائهم، كنقل الزبل، وحمل الحجارة، وغير ذلك من نقل الماء إلى بيته، وما أشبه ذلك، ولا يرسله إلى داره وهي خالية، ولا يرسل صبياً مع امرأة لكتب كتاب، ولا مع رجل لكتب قصة، ولا رسالة، فإن جماعة من الفساق يحتالون على الصبيان بذلك.
стр. 81
ومتى جعل عليهم عريفاً، جعله يؤنس. رشده وعفافه، ويمنعه من ضربهم، والحيف عليهم، ويراعى طعامهم وقت جوعهم، ولا يعلم الخط لامرأة ولا لجارية؛ لأن في ذلك مما يزيد المرأة شراً، وقد قيل: إن المرأة التي تتعلم الخط كمثل حية تسقى سماً، وينبغي أن يمنع الصبيان من حفظ أشعار الحجاج والنظر فيه، ويضربهم على ذلك، وكذلك ديوان صريع الدلاء، فإنه لا خير فيه.
ومعلمات البنات يمنعن بالغات البنات من الفواحش، ومن القصائد والأشعار والكلام الذي لا خير فيه، ويمنعن من زينتهن وبهرجتهن يوم عيدهن في البطالة، كذلك الصبيان يوم الجمعة ليخرجوا إلى صلاتهم، والبنات يوم الأحد.
* * *
الباب السادس والسبعون
في الدهانين وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، يراعى أحوالهم، وينهى أخبارهم، ويحلفون بالله العظيم أنهم لا يدهنون ما يبيعونه من جميع أغلاقهم، وما يتعلق بصناعتهم، مما هو لهم خاصة ولسائر الناس، مما يستعملونه عندهم، وينقلونه منهم، إلا بثلاث دهنات، ثلاثة وجوه، ويشمسونه حتى يشبع قبل دفعه إلى أربابه؛ لأن كثيراً منهم يدهن دهنه واحدة أو دهنتين، فأول ما يصيبه الماء والنداوة تقشر وتلف على أربابه، فيمنعون من ذلك، ويعذر إليهم وقت حلفهم، ومن خالف عن هذا أدب وأشهر.
* * *
الباب السابع والسبعون
في المكارية
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، ويأمرهم أن يعلقوا في أعناق الدواب الأجراس، وصفاقات الحديد والنحاس، لتعلوا الجلبة للدابة إذا حضرت السوق، وكذلك يفعل بحمير حمالين الحطب، لتعلو أيضاً جلبتهم، فحينئذٍ ينذر الغافل، والمفكر، والضرير، ومن
стр. 82
يشاكل ذلك بمجيء الدابة. وينبغي أيضاً أن تكون أحمالها وأوساقها بقدر طاقتها واستطاعتها، وأن لا يخاف عليها حيف يضر بها، ولا يسوقها سوقاً حثيثاً تحت الأحمال، ولا يضربوها ضرباً قوياً، ولا يوقفوها في العراص وهي بحمولها على تجهزها، ويراقبوا الله سبحانه على علفها، وتكون موفرة بحيث يحصل لها الشبع، ومن خالف ذلك أدب.
* * *
الباب الثامن والسبعون
في النحاتين والمصولين في التراب
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً يمنعهم أن يغربلوا التراب في وسط الطرقات، ويأمرهم أن يعتزلوا بها إلى الأكوام والمزابل، ولا يتركوها في وسط الطريق بالجملة الكافية؛ لأن الدواب تنثره إذا مرت عليه، فيؤذي الناس، وكذلك الماشي إذا لم يجعل باله منه، وإلا ما يدرى إلا وقد غطست رجله فيه، وفي ذلك مضرة، والصواب المنع منها، والذي يغسل التراب ويصوله بالجفان ويغسله عند رءوس الأنهار والخلجان، وفي ذلك مضرة، فيمنعون منها.
* * *
الباب التاسع والسبعون
في كساحي السماد وحمالته
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، ويأمرهم بأنهم إذا نقلوا السماد إلى ظاهر البلد أن يحفروا له حفائر، فإذا نقل إليها يطم عليه، حتى تنقطع رائحته، فلا يتأذى منه أحد، ويمنعون من نقل ذلك إلى الماء وطرحه فيه أو حوله، ويمنعون أيضاً من سرقة الطوب والشقاق في قفف الرماد إذا جابوه، ويرمونه في البير، ويدقونه، ويقولون لصاحب البيت: هذه الأرض الجلدة قد بلغنا إليها، وهم كاذبون، وفي البير سماد كثير قد بقي، فيقف العريف على نظافة ذلك وعلى حقيقته، بالبحث والحفر، ويكون له نصيب من أجرتهم يستعين به على مراعاتهم، والطواف عليهم. ويمنعهم أيضاً من فتح آبار الناس قبل الشرط على الأجرة؛ لأنهم ربما فتحوا البئر وتغالوا في الأجرة، فإن ارتضى صاحب البيت بما يختارونه، وإلا تركوه مفتوحاً وانصرفوا عنه، فيؤدي إلى الضرر بصاحبه، لدخوله تحت ما يحبون، فيمنعون من ذلك، ومن فعل أدب.
* * *
стр. 83
الباب الثمانون
في الغرابيل ومناخل الشعر
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، يأمرهم بغسل جميع الشعر غسلاً نظيفاً قبل استعماله؛ لئلا يكون فيه شيء من شعر الميتة، ويمنعون من عمل الليف المصبوغ أحمر وأسود مع الشعر في الغرابيل؛ لأنه غش، وإذا غسل الليف المصبوغ بأن صبغه، فيمنعون من ذلك، إلا اليهود، فإنهم لا يؤمرون بغيره. ويحلفون أيضاً أن لا يظهروا غرابيل من جلود الميتة، وأن يغسلوا الجلود، وينصِّعونها قبل تقويرها؛ لئلا تكون قليلة الإقامة فتتقطع سريعاً، وتضر بمشتريها، ومن خالف أدب.
* * *
الباب الحادي والثمانون
في حافري القبور
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة يمنعهم أن يعتدوا على تربة، يحفروا فيها بغير أمر مالكها، ويستغنمون غيبة صاحبها، فيحفرون فيها لغيره، وعلى كل وجه وسبب، أو تكون التربة لامرأة غائبة في منزلها لا تدري بهم، فيعتدون عليها فيحفرون فيها. ويؤمرون أن تكون القبور عميقة قدر قامة وبسطة؛ لئلا تنبش الكلاب الناس؛ ولئلا تطلع رائحتهم، ويؤمرون بأن لا يحيفوا على الناس في الأجرة، ولا يطالبوا الضعفاء بما لا يقدرون عليه، وكلما ظهر لهم وقت حفرهم عظم من عظام الناس ستروه بالتراب، ولا يتركونه ظاهراً بين أيدي الناس، ويُعمل للقبر لحد، إلا أن تكون الأرض رخوة مجفورة، فتشق، ويدفن في شقها، ويُسل الميت من قبل رأسه، ويسجى بثوب عند إدخاله القبر، ويقول عند إدخاله: بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ، ويضجعه على الجنب الأيمن، وتوضع تحت رأسه لبنة، ويفضي بخده إلى الأرض، وينصب عليه اللبن، ويحثى عليه التراب، ويرفع القبر قيد شبر، ويرش عليه الماء، وتسطيحه أفضل.
* * *
الباب الثاني والثمانون
في الوراقين والمبهرجين
ينبغي أن يمنعوا، ولا يسامحوا بذلك، وأن يسترزقوا الله من وجوه غير هذه الوجوه؛
стр. 84
لأنه كذب، ومحال، وحرام، فلا يمكن مجالسهم ومقاعدهم إلا على الطريق والشوارع، بحيث أن لا ينفرد واحد منهم بحرمة في منزله، ولا في دهليزه، ولا يستخبر منه المحال، ولا يكذب على النساء، ولا على جهال الرجال بحديث سحر، ولا كهانة، ولا بكتاب قبول، ولا بغض، ولا يتحيل عليهم ببذل تراب، ولا بقدح ماء، ولا بالمداد على الإبهام، ولا يُحيل الأشخاص على الصبيان الذين لا تمييز لهم، وجميع أشباه ذلك، ومن فعل بالناس شيئاً من ذلك، هذر عليهم بهذه المعاني، فقد وجب عليه الأدب؛ لأن هذا كذب وتدليس.
* * *
الباب الثالث والثمانون
في من يكتب الرسائل على الطريق، والرقاع، والدروج
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، ويأمره بأن يتقدم بأن يتقدم إليهم ويأمرهم بأن لا يكتبوا كتاباً في سب أحد، أو شتمه، أو قذفه، ولو وفرت له الأجرة، وعظمت له الغبطة، لا يفعل ذلك إلا ما يجري في مجرى المراسلات، والاستعطافات، والزيارات، وكذلك ما جرى مجرى السعايات، والإغراء، والنيميمات، إلى أولى الأمور، ويحلفون بالله العظيم أن لا يتجاوزوا ما جرت به العادة في المكاتبات من استعلام الأخبار، وذكر ما تجري عليه الأحداث، فمتى جرى الأمر هكذا، لم يكن على الكاتب طريق للذم، ولا عيب، ولا تعزير، ومن خالف أدب.
* * *
الباب الرابع والثمانون
في كتاب الشروط
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً من أهل العلم، والفضل، والنحو، والفقه، واللغة، والبيان، وينبغي لكاتب الشروط أن يكون مقرئاً، فقيهاً، عارفاً بأكثر الاختلاف على مذهب الأئمة، رضوان الله عليهم أجمعين، ويكون حاسباً، فمتى عدم فناً من هذه الفنون التي ذكرتها، كان عجزه بمقدار نقصه من ذلك العلم، ومتى كان في كل فنٍ من هذه
стр. 85
الفنون فاضلاً، صلح أن يكون كاتباً للشروط، مرجوعاً إليه، وإلى رأيه، وما يشير به، سيما إذا كان ديناً ظاهر الستر، والله أعلم.
* * *
الباب الخامس والثمانون
في الوكلاء بأبواب القضاة وتدليسهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، وأن يكون الوكلاء المناظرين بأبواب الحكام أمناء غير خونة، ولا فسقة، فقد يمسك أ؛ دهم عن إقامة الحجة لموكله من أجل الرشوة على ذلك، ولا يسمى الوكيل في فراق زوجين، ولا يُعَلِّم مقراً إنكاراً، فمن انكشف بذلك، أو بعضه، أدب وأشهر، وأصرف، وإن كان فيهم ساب حسن الصورة، فلا يرسله القاضي لإحضار النسوان، ويجب على جماعتهم، إذا شكوا في شيء، رجعوا إلى رأي من نصب إلى هذا الأمر.
* * *
الباب السادس والثمانون
في الميازيب ومضرتها
اعلم وفقك الله أنه قد يجعل بعض أرباب العقارات ميازيب يقلبون فيه ما يستعملونه من الماء في طول الزمان، ويحتفرون تحتها حفراً تجمع تلك المياه فيه، وليس لهم أن يفعلوا ذلك في طرقات المسلمين، إلا في وقت المطر، فإن الله تعالى قال: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]، فإذا لم يكن مطر، فليس لهم أذية للناس في طريقهم، فإن هذه الحفرة ربما سقط فيه الضرير، والغافل، والمعرض، والغريب إذا عبر في الليل، وفي ذلك إثم كبير ومضرة، وربما وقع من هذه المياه على ثياب الناس بشيء فينجسها، فينبغي أن يمنع من ذلك، حتى لا يكون منه سبب.
* * *
الباب السابع والثمانون
في إصلاح الجوامع والمساجد
يؤمر القَوَمة بنفض الجوامع والمساجد في كل يوم بالغدو وبالعشي، ورفع حصرها وكنسها، كل يوم جمعة، وغسل قناديلها كل شهر مرتين، وإشعالها في كل ليلة في صلاة المغرب، والعشاء، والصبح، ويعني بنظافة ساحاتها، وينبغي للمحتسب أن يباشر
стр. 86
وقودها، فإذا رأى نقصاً في وقودها، جعل من جهته مشرفاً على صب زيتها، ويتقدم إلى أئمة المساجد المتطوعة، والمؤذنين المتطوعة، ويسألهم الحضور في كل يوم جمعة للجامع الأعظم للأذن بصلاة الجمعة، فإن في كثرة الأصوات، واجتماع النيات، كثرة وقوة للدين، وضعفاً لقلوب المشركين.
وتكون العناية والمراعاة لجميع المساجد كما ذكرنا في حال الجامع، ويأمرهم بغلق أبوابها عقيب كل صلاة، وصيانتها من الصبيان والمجانين، كما أمر سيد المرسلين، وكذلك من يأكل فيها الطعام، وينام، أو يعمل صناعة، أو يبيع سلعة، أو ينشد ضالة، أو يجلس فيها لحديث الناس، فقد ورد الشرع بتنزيه المساجد عن ذلك. ويتقدم إلى جيران كل مسجد بالمواظبة على صلاة الجماعة عند سماع الأذان، لإظهار معالم الدين، وإشهار شعائر المسلمين، لا سيما في هذا الزمان، لكثرة البدع، واختلاف الأهواء، وما قد صرحوا به من الأحوال الخارجية عن الأحكام، فيجب على كل مسلم إظهار شعائر الإسلام، وإشهار الشريعة في مقابلة ذلك، لتقوى عقائد العامة.
ولا يؤذن في المنارة إلا عدل، ثقة، عارف بأوقات الصلاة؛ لأن النبي ﷺ قال: "المؤذنون أمناء، والأئمة ضمناء، فرحم الله الأئمة، وغفر للمؤذنين". وينبغي للمحتسب أن يمتحنهم بمعرفة الأوقات، فمن لم يعرف ذلك منعه من الأذان حتىي عرفها؛ لأنه ربما أذن في غير الوقت، فسمعه العامة، فيصلون قبل الوقت، فلا تصح صلاتهم، فيكون هو السبب في إفساد صلاة الناس، فيجب عليه معرفة الوقت، ويقرأ باب الأذان والإقامة في الفقه، ويستحب أن يكون المؤذن صيتاً، حسن الصوت، وينهاه المحتسب عن التغني في الأذان، وهو التطريب، والتمطيط، ويأمره إذا صعد المنارة أن يغض بصره عن النظر إلى دور الناس، ويأخذ عليه العهد في ذلك.
ولا يصعد إلا المنارة غير المؤذن في أوقات الصلاة، وينبغي للمؤذن تحرير أوقات الصلاة في النهار بالميزان، وإذا لم يكن له ميزان، مكن الوقت تمكيناً، لا يكون عليه درك بعده، وعليه أيضاً أن يكون عارفاً بمنازل القمر، وشكل الكواكب، ليعلم أوقات الصلاة، وأوقات الليل والنهار، وهي ثمان وعشرون منزلة، أسماؤها: الشرطان،
стр. 87
والبطين، والثريا، والدابران، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والخراتان، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزبانان، والأكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، والفرغ المقدم، والفرغ المؤخر، وبطون الحوت، فهذه جملة عدد منازل القمر.
والفجر يدوم دلوعه في كل منزلة من هذه المنازل ثلاثة عشر يوماً، ثم ينتقل إلى المنزلة التي تليها، فشرحه طويل، فمن أراد معرفة ذلك، فعليه بكتاب الأنواء لابن قتيبة، ولا غنى للمؤذنين عن معرفته؛ ليحتاط على معرفة الفجر، ويجوز للمؤذن أخذ الأجرة على الأذان بالصلوات، إلا الإمامة، فإنهم يمنعون من أخذ ذلك، فإنه حرام، فإن دفع للإمام من غير شرط، جاز له أخذه على سبيل الهدية، والرهبة، والصلة، والبر،
* * *
الباب الثامن والثمانون
في قراء القرآن قدام الموتى
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، ويأمر أهل القرآن بقراءته مرتلاً، كما أمر الله ، وينهاهم عن تلحين القرآن، وقراءته بالأصوات الملحنة، كما يلحن المغني بالأشعار، فقد نهى الشرع عن ذلك، ولا يأتون إلى جنازة من غير أن يستدعيهم ولّى الميت، فإن أعطوا شيئاً من غير شرط على سبيل الصدقة، جاز لهم أخذه، وأما اشتراطه فلا يجوز، فيعتبر المحتسب ذلك.
* * *
الباب التاسع والثمانون
في غسالى الموتى
اعلم يرحمك الله أنه لا ينبغي أن يغسل الموتى إلا ثقة أمين، قد قرأ كتاب الجنائز في الفقه، وعرف حدودها، فيسأله المحتسب عن ذلك، وصفته أن يستر الميت في الغسل عن العيون، ولا ينظر الغاسل إلا ما لابد منه، والأولى أن يغسل في قميص، وغير المسخن من الماء أولاً، إلا أن يحتاج إلى المسخن، ويتولى غسله، وينجيه، ولا يجوز أن يمس عورته، ويستحب أن لا يمس سائر جسده إلا بخرقة، ويوضئه وضوءه للصلاة،
стр. 88
ويغسل رأسه بماء وسدر، ويسرح شعره، ويغسل شقه الأيمن، ثم الأيسر، ثم يفيض الماء على سائر جسده، يفعل ذلك ثلاثاً، يتعاهد في كل مرة إمرار اليد على البطن، فإن احتاج إلى الزيادة غسل، ويكون ذلك وتراً، ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً، ويقلم أضفاره، ويحف شاربه، ويحلق عانته، والغرض من ذلك النية والغسل، ثم يستر بثوب، وإن خرج بعد الغسل شيء أعيد غسله، وقيل: يوضأ، وقيل: يكفيه غسل المحل، ومن تعذر غسله ييمم، فمن كان قيماً بما ذكرنا تركه، ومن لم يعلم صرفه ليتعلم.
* * *
الباب التسعون
في المراصد والمراقب
ينبغي أن يتقدم إلى متولي المراقب على البحر المالح، ورصدة البحار، ويأمرهم بالتهليل، والتكبير، والتوقيد للنار في كل ليلة جمعة، ليعلم أنه متيقظ وعلى حذر، فإذا رأى خبراً أو لاح شيء تفقده، ولم يغفل عن مراعاته، نهاراً كان أو ليلاً، ويراعى ذلك منهم، ويتفقد مبيتهم في المراقب، فإن جرى من أحد نقص استبدل به غيره، والصواب أن يسأل قوم من المستورين، وكذلك من المؤقتين، ومن شاكلهم أن يذكروا الناس في الأسواق بتأذين، بالتهليل، والتكبير، والصلاة على النبي ﷺ ، وعلى الأئمة، وينهون الناس عما نهاهم الله عنه من البخس والظلم؛ لقوله : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ... ﴾ [المطففين: ١ - ٤]، فقد يوافق هذا التحذير بالإقلاع عن الأضرار، ويحثوا أيضاً على اشتهار أمر الأعلاّء والمرضى من في منازلهم من المسلمين ليعود بعضهم بعضاً، لما في ذلك من المثوبة الحسنة، فقد لحقت أنا شيوخاً مستورين كانوا يسألون الأطباء عن الأعلاء والمرضى، فيخبرونهم بأماكنهم، فيمضون غليهم، ويلاطفونهم، ويتعاهدونهم بالملاطفة، والهدايا، والأشربة، والفواكه، وغير ذلك.
* * *
الباب الحادي والتسعون
في طباخي الولائم
ينبغي أن يتقدم إليهم ويمنعهم من أن يدخل الرجال إلى الأماكن التي تجتمع فيها النساء، ولا يقدم الموائد إليهم، ولا يرفعها من بين أيديهم، إلا جواري أو نساء من الخدام، ولا تجتمع الرجال مع النساء، ولا ينظرون إلى وجوههن، ولا يمكنوا من ذلك، ويُحلَّف الطباخون أنهم لا يهونون على أحد قيمة ما يريد أن ينفقه في الوليمة التي
стр. 89
يذكرها الصعاليك، فربما كان ذلك سبباً لإنكاره، وسقوط جاهه، فيمنعون من ذلك، ويراعى ذلك.
* * *
الباب الثاني والتسعون
في معرفة الموازين
اعلم وفقك الله أن معرفة الموازين وضعاً من استوى جانباه، واعتدلت كفتاه، وكان ثقب علاقته في وسط القصبة في ثلث سمكها، فيكون تحت مرود العلاقة الثلث، ومن فوق الثلثان، وهذا يعرف رجحانه بخروج اللسان من قلب العلاقة، وتهبط الكفة سريعاً بأدنى شيء، وأما الواهين الدمشقية، فيوضع ثقب علاقتها بخلاف ما ذكرناه، ويعرف رجحانها بدخول اللسان في قب العلاقة من غير هبوط الكفة، وقد يكون مرور العلاقة مربعاً ومثلثاً ومدوراً، وأجودها المثلث؛ لأنه أسرع رجحاناً من غيره.
* * *
الباب الثالث والتسعون
في معرفة المكاييل
اعلم وفقك الله أن المكايير الصحيحة ما استوى أعلاه وأسفله في الفتح والسعة، من غير أن يكون محصوراً أو أزور، وأن لا يكون بعضه داخلاً وبعضه خارجاً، وينبغي أن يكون مشدوداً بالمسامير؛ لئلا يصعد فيزيد، أو ينزل فينقص، وأجود ما عُبرت به المكاييل الحبوب الصغار التي يا تختلف في العادة في طول الزمان، مثل الكزبرة، والخردل، والزر قطونا، والبرسيم، والسمسم، وما أشبه ذلك، وصحة الويبة ستة عشر قدحاً على ما أوجبه الحق والحساب.
* * *
الباب الرابع والتسعون
في معرفة مثاقيل الذهب وصنج الفضة
اعلم وفقك الله أنه ليس بين الناس خُلف في أن المثقال درهم ودانقان ونصف، وهو
стр. 90
أربعة وعشرون قيراطاً، وهو خمس وثمانون حبة، والدرهم ستون حبة، والمعول في أكثر الأوقات من ذلك على الصنج الواردة من الباب العزيز من الحضرة المطهرة، فيعتبر ويطلق للناس المعاملة بها، وأصح ما عيرت به الصنع الموازين الطيارات الصغار، ومن الكبار الطيارات أيضاً.
* * *
الباب الخامس والتسعون
في معرفة الأرطال والقناطير
اعلم وفقك الله أنه لما كانت هذه أصول المعاملات، وبها اعتبار المبيعات، لزم المحتسب معرفتها، وتحقيقها، لتقع المعاملة بها من غير غبن على الوجه الشرعي، وقد اصطلح أهل كل بلد وإقليم على أرطال تتفاضل في الزيادة والنقصان، وسأذكر ما لا يسع المحتسب جهله، ليعلم بلك تفاوت الأسعار.
فأما القناطير التي ذكرها الله في كتابه الكريم، فقد قال معاذ بن جبل، ﵁: هو ألف ومائتا أوقية، وقد قال أبو سعيد الخدري، ﵁: هو ملء مسك ثور ذهباً. والقنطار المتعارف مائة رطل، والرطل مائة وأربعة وأربعون درهماً، وهو اثنا عشر أوقية، كل أوقية اثنا عشر درهماً، هذا رطل مصر الذي رسم بها، وأما رطل دمشق، فستمائة درهم، وأوقيتها خمسون درهماً، ورطل حمص سبعمائة درهم وأربعة وتسعون درهماً، وأوقيتها سبعة وستون درهماً وحبة وثلثا حبة.
стр. 91
ورطل حماة ستمائة وستون درهماً، وأوقيتها خمس وخمسون درهماً، ورطل المعرة مثل حمص، ورطل شيراز ستمائة وأربعة وثمانون درهماً، وأوقيتها سبع وخمسون درهماً، والرطل البغدادي مائة وثلاثون درهماً، وأوقيته أحد عشر درهماً إلا دانقاً، والمن مائتان وستون درهماً، وهو منسوب إليه، وقد وجدنا جميع العطارين والصيادلة يزنون بالعشرة دراهم عوضاً عن الأوقية، وهذا بخس وخيانة، فألزمانهم الأوقية عشرة دراهم ونصف وثلث، وجعلناها مخالفة لصنجة العشرة دراهم، وجعلناها مثالاً عند المعير، يعيرون بها، ويعملون نظيرها في أيام حسبتنا، وأما الرطل الليتى، فمائتا درهم، وأوقيته ستة عشر درهماً ونصف وثمن وحبة وثلثا حبة، وأما الرطل الجروى، فثلاثمائة درهم، وأوقيته خمسة وعشرون درهماً.
وأما القناطير، فينبغي أن تضبط، فمنها ما يكون قد نقش وجهها بالعربية ليقرأها كل أ؛ د، ومنها ما يكون الوجه الواحد عربياً والآخر قبطياً، فينقش على قب القبابين، تحت لسنها، بالعربية، وينقش على الرمانة وزنها، ليكون أصلح وأبين؛ لأن كل رمانة تنقص عن حقها رطلاً، فيدخل على المشتري بها نقص عشرة أرطال، فينبغي للمحتسب أن يحتاط على هذا أتم حيطة.
وينبغي أن يتفقد القبابين في كل وقت بالعيار؛ لأنها تعبب إلى النقص، لا سيما إذا ميّلها الوزان، ليطرح الوزنة عنها من غير حمالين يرفعون الثقل عنها، فإنها تعب للوقت، والقبان الرومي أصح من القبطي، وينبغي أن يكون المحتسب يمتحنهم بعد كل حين وتختبرهم، فإنها ربما تعوَّج من شيل الأثقال، فتفسد كما ذكرنا أولاً.
* * *
стр. 92
الباب السادس والتسعون
في معرفة الأقساط
اعلم وفقك الله أن عيار القسط الجروى المتعامل به أربعة أرطال ونصف، والسوقة يجعلونه ثمانية أكواز في مبايعاتهم، والكوز هو ثمن القسط، ومطر العسل الذي تعير به الأمطار وقتاً عند مقاولة الحمل، وعند تحصيل الثمن، خمسة أقساط، والقسط الليتى أيضاً يجب أن يكون ثلث الجروى، ونظير الرطل أيضاً، فيكون ثلاثة أرطال بالجروى، فمن جعل القسط من اللبانين وغيرهم ثلاثة أرطال إلى ثلث، فقد خان وبخس، فيتقدم المحتسب إليهم بأن لا يفعلوا هذا، ويعيِّر عليهم عياراً يحتاط عليه، ويعملون به، ومن خالف أدب وأشهر، ويجب أن تكون جميع الأقساط والأمطار معيرة مختومة بالخواتيم الرصاص، ويعير عليهم كل وقت.
* * *
الباب السابع والتسعون
في معاصير الزيت وغشهم
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً عارفاً ثقة بمعيشتهم، ويمنعهم أن يعتصروا بزر الكتان إلا مقلياً، فإنه إذا قلى ظهرت رائحة زيته، وإذا اعتصروه بلا قلى خفيت رائحته، ويخلطوه في الزيت الحلو، ويدلسوا به، والزيت المعتصر من القرطم يضر النساء الحبالى إذا أكلوه، ويسقط شعورهن، وقد يخلطه من يستحل ذلك في الزيت الطيب، وفي الشيرج، فينبغي مباشرة ذلك، والاهتمام به، ويتقدم إلى الحمالين بأن لا يبيعوا الزيوت على الغرباء دون أن يملؤا الأسواق، ويظهروه ويشهروه دفعات قبل بيعه للغرباء، ولا يعترض الحمالون للسمسرة، وأن يكون الحمال غير السمسار.
* * *
الباب الثامن والتسعون
في التبن والتبانين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً عارفاً بمعيشتهم، ويمنعهم أن يخلطوا مع تبن الحنطة تبن الفجل، ولا تبن العدس، ولا تبن البرسيم، ولا تبن المبلول الذي يكون في قعر الشباك،
стр. 93
ولا تبن الجلبان، ولا البروينا، وهو أصول القمح الغليظة، ولا يتخطوا إليه، ولا يأمروا به، ولا من فِعله، ويعرف على حماليه عريفاً ثقة عارفاً عيبهم، يأمرهم أن يعيروا بمنهية ترياك ﵀، التي عيارها مائة رطل، فيكون الحمل مائتين وخمسين رطلاً بالقلعى. وأخبرني من أثق به أن عيار المنهية الترياكية ثلاثة أرادب بالقفيز المصري، ويكتب على عيار كل واحدة منها عيارها بعد أن تصح، ويكتب عليها اسم المحتسب الذي يعيرها، ويؤمرون بجودة الحشو، وإذا وجد من أحد بخس في كليه، أدب وأشهر بعد الإنذار.
* * *
الباب التاسع والتسعون
في القرط والقراطين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، ويأمرهم أن لا يحلوا شيئاً من القت، ويحشونه من الدقاق، ولا يخلطوا الطيب منه بالدون، وليكن بيع كل واحد منهما على حدته، ولا يخلطوا الحزم الكبار ويشدونها صغاراً، بل يبيعوا بشد الغيط بما أطعم الله ورزق، ويعتبر موازينهم، وصنجهم، ومن فعل شيئاً من هذا أدب.
* * *
الباب المائة
في الأنماط وصناعتها
ينبغي أن يعرف عليهم رجلاً منهم، ثقة، لا بصيرة وخبرة، ويأمره أن يتقدم إليهم، وأن لا يمكن رجلين من شراء سلعة مثمنة أو غير مثمنة، إلا أن يكونا شريكين في مال واحد وحانوت واحد؛ لأنهما إذا كانا متفرقين وأخذ أحدهما السلعة عنده، وجاء رجل مشتر بليل جد في طلب تلك السلعة ليأخذها له من شريكه بزيادة عن قيمتها، ويأخذ منه الجعل، وهذا تدليس وغش، وإن عرض شيء فيه رفو، عرض ونودي عليه البراءة من
стр. 94
سائر العيوب، ولا يمكن الرفاء، ولا الصقال، ولا الغسال، ولا النجار من التجارة في هذه الصنائع، بل يكون كل رجل لازماً لبضاعته.
ولا يمكنون باعة الكلل من فتح رءوس الصفقات، ولا يخلط في الكلل الشرب التي من عمل تنيس، ولا شيئاً من عمل مصر بشيء من عمل تنيس، وإذا جلس عند رجل سمسار ليشتري له شيئاً من الجهاز، يأخذ الجعل منه، ولا يأخذ من البائع، ولا يأخذ أحد من المنادين من يُراد شيئاً من قماشه فيعيده إلى النداء أصلاً، ولا يزيد في قطعة قماش من نفسه، ولا يعمل لحافاً جديداً مقطوع الأركان إلا ويفتق بعضه ليتعين جديد هو أم عتيق، ولا يعمل الزبون إلا جديداً مبطناً، وربما اشترى التاجر الديباج والبربون والطنافس بنظرة إلى مدة بدينار معلوم، فإذا صار على كيسه استعمله وأكراه، فإذا جاءه الزبون أخبره برأس ماله، وهذا تدليس.
ولا يخلط طرى قديم بجديد، وسبيل السماسرة أن يكتبوا على الطنافس اسم البائع والمشتري والمنادي وثمنها على أطرافها، ولا ينادي المنادي على شيء لنفسه، ولا يأخذ الجعل إلا من يد البائع بقيراط الدينار، وإذا صفق على تاجر قماش ورضيه لم ينقصه شيئاً من ثمنه إلا برضاه، أو بعيب يظهر، فيفسخ ذلك البيع، ويتوافقون، ومن خالف عوامل بما يستحق وأدب.
* * *
الباب الحادي والمائة
في صناع الأخمرة والحرير والوقايا
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة من أهل صناعتهم، ويأمره أن يمنعهم أن لا يمدوا الأخمرة إلا كما جرت العادة، في الطول، والعرض، وعدد الخيوط، فمن ذلك الأخمرة تكون ستة أذرع بالمرفق في عرض سدادها، وسدادها. والعقل الصغار السود الملويّة طول ذراع ونصف، وعرض ثلاثة أشبار، وسداها ألف وستمائة خيط، ويؤمرون أن لا تباع إلا خاماً؛ لأنها إذا قصرت أنهرت من الدق والماء والغسل. وصفائها قد يعمل من قطن، ولا يمكنوا من ذلك، بل تكونا حريراً. وقد يعمل في أول خيط الطرحات، والخيط هو ثمانية طرح، فيعملون في أوله اثنين طول كل واحدة ذراعان والستة الباقية ذراع ونصف كل واحدة، فإذا جاء المشتري أروه أول الخيط، ثم يطوونه، وهذا تدليس فيمنعون من ذلك أتم منع، ويعتبر عليهم جميع أشغالهم، ويؤدب فاعله شفعة لغيره.
* * *
стр. 95
الباب الثاني والمائة
في الحصر العبداني
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بصناعتهم، ويأمره أن يحلفهم بالله العظيم أنهم لا يصبغون السمار الأحمر إلا بالفوة، لا بالبقم، فإن البقم يتغير صبغه من الحر والشمس، وإذا وقع عليه شيء من الحموضة اصفر، ويطبع. والسمار الأسود يكون صبغة بالحديد، ويجفف مقامه، لئلا تضعف قوته. وتكون مياه الصباغ نظيفة طاهرة، ويكون جميع قيامه من غزل الكتان المعتدلة الخيط، ويعتبر ذلك.
* * *
الباب الثالث والمائة
في الخيزرانيين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بصناعتهم، ويأمره أن يمنعهم من عمل الخيزران الذي يشق من السلال التي يجيبون فيها الصيني إلى مصر، تعمل منه أطباقاً وتباع على الريافة بالحديد، ولا يعمل منه مكبات ولا أسفاط للعطارين ولا غيرها، لسرعة تقصف خيزرانها، بل يكون عملهم من الخيزران الصحيح، ومن خالف أدب.
* * *
الباب الرابع والمائة
في اللبود واللبادين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بصناعتهم، ويأمره أن يمنعهم أن يعملوا في اللبود شيئاً من شعر الميتة، ويمنعهم من عمل صوف الرءوس، ويستدل عليه بفرط خشونته، ويكون وزن اللبد الأحمر أربعة أرطال بالقلعى، واللبد الأزرق والمرشحة الحمراء رطل ونصف، ويسقى الصمغ بلا مشاق، ويمنعهم من عمل اللبد المشاقة الذي يعمل قوالب في داخل المسانيد، بل يكون من الصوف، ويكون وزن كل واحد منهما ثلاثة أرطال، ومن خالف أدب.
* * *
стр. 96
الباب الخامس والمائة
في الأرجوان وصناعه
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، ويأمره إذا خرجت لهم صبغة صافية، لقلة لُكِّها وقوة شبها، أن يعمد إلى الجير القلاد، فيذرَّ منه على مقدرا وزن الصبغة بالماء الحار، ثم بماء اللك الذي صبغ به أولاً، ويترك الأرجوان فيه ساعة، وينشل منه لئلا يسود، وهذا تدليس، وإنما ينبغي أن تكون الزيادة من اللك على مقدار الصبغ، والصبغة الصافية القليلة اللك أيضاً إذا خرجت بسوقها من الجير، فيكبوا لونها إلى السواد، فيسقيه البقم، وهذا تدليس، وإنما الواجب أنه كان يسقيه الشب ليقوى شبه ثاني مرة، ويسقيه اللك إلى أن يأخذ حده من الصبغ، فيراعى ذلك كله منهم، ويمنعون منه، ويستحلفون بالله العظيم على ذلك كله، والطفل الأسود قد يروق ماؤه وتزول صبغته، وكذلك الطين الرومي، وليس يضر الأرجوان، ومن خالف أدب.
* * *
الباب السادس والمائة
في الغضار
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة من أهل معيشتهم، ويأمره أن يشترط عليهم أن لا يباع غضار الكوز إلا مفرداً من غضار التنور، ولا يخلط كوز بتنور إلا أن يكون متقارباً بمقدار الدينار الواحد، وعلى الغضارى إذا جاءه الزبون لشراء مائة جام كما اشترى، ووقعت المقاولة على هذا الشرط، دفع إليه غضار والثلثين دقا، ويعد له كما اشترى جاماً جاماً من كل شيء، إلا أن يؤثروا الزبون جنساً واحداً، ويشرط على الحمالين معاونة الزبون من الغرباء وغيرهم، وأن يستوفوا حقوقهم على الشرط الذي تقدم ذكره من الأصناف، والأصباغ، والعدد، وإزالة المعيب.
* * *
الباب السابع والمائة
في الأبّارين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، ويمنعهم من أن تخلط الأبر الأرمهان بالفولاذ؛ لأنها إذا سقيت خلطها من لا دين له في الفولاذ، بل يكون كل صنف منهم على حدته،
стр. 97
ويستحلف الصناع على ذلك، ويتفقد حالهم كل وقت، ويعتبر عليهم بالنار؛ لأن الأبر الفولاذ إذا حميت وسقيت الماء تنقصف، والغير فولاذ إذا سقيت الماء لم تنقصف، فمن فعل ذلك أدب.
* * *
الباب الثامن والمائة
في الحلفاء وعدده ورسومه
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، ويأمره أن يأمرهم أن يكون عدد الحمل مائة وخمسين عقدة، كما جرت العادة، وأن تكون الأحمال مغطاة بالعبى؛ لئلا تخرق ثياب الناس في الطرق، ويكون مع كل ثلاثة حمير سواقاً، والأجراس النحاس المقرعة في أعناقها ليعملوا الجلبة، فينتبه الغافل، والمرأة، والأعمى بمجيء الدابة، وكذلك الحطابون، ومن خالف ذلك أدب.
* * *
الباب التاسع والمائة
في المحامل وصناعتها
ينبغي أن يعرف عليم عريفاً، ويأمره أن يمنعهم أن لا يعملوها من خشب السيسبان، ولا من خشب قد سوس ونخر، لا برم بخشب فيه علة ولا ضعف، ويكون القد مخبور الطهارة، ويمنعون من الشركة، ولا تباع إلا معراة في وسط السوق حتى يظهر ما فيها من العيوب، ولا تباع في المخازن بوجه ولا سبب، ولا تجلد قبل بيعها، ومن خالف أدب.
* * *
الباب العاشر والمائة
في الروايا والقرب
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً، ويأمره أن يمنعهم أن يعملوا شيئاً من هذه الأوقات والآلات الحافظة للمياه التي فيها مادة الحياة، إلا من الجلود المدبوغة بالقرض اليماني التي قد استحكم دباغها، وطال مكثها في الدباغ، ولا تعمل من جلد بغل، ولا
стр. 98
مسوس، ولا درن، ولا نجس، ولا من نطع، ولا من سلفة، ولا من جلود الروايا المستعملة، ولا يعمل فم قربة إلا من أديم مصري، أو سلفة يماني؛ لأنها ربما عملت من البطاين والسلف المغربي، ويحلفوا على هذا كله، ويتفقد دكاكينهم كل وقتٍ.
* * *
الباب الحادي عشر والمائة
في الدباغين
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً، ويأمره أن لا تدبغ جلود المعز إلا بالقرض اليماني، ويكون دباغها بوزنها من القرض لا على عدد الجلود، وحد كل دست منها أربعون جلداً، ويقيم في الحوض ثلاثة أيام، وينقل إلى حوض آخر، وعليها من القرض مقدار وزنها الأول، ويفعل بها كذلك أربع دفعات لتنقى من شحومها، ومن قصد الغش والتدليس دبغ الدست ثلاث دبغات، ويغش الثالث بالعفص، وهو مضر بالجلود يقيناً ومهلكها، وعلامة غش الدست أن جلودها تسود في الشمس، ودباغ الصيف أجود من دباغ الشتاء وأنجب، والعفص فيه عيب، وكذلك القرض المصري، ومن خالف أدب.
* * *
الباب الثاني عشر والمائة
في دباغ الكيمخت
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة، فقد سالت عن جلوده، فعرفت أنها من جلود الخيل، والبغال، والحمير، وأن أكثرها ميتة، فسألت الفقهاء عمل يعمل من هذه الجلود، فذكروا أن استعماله جائز، إلا المقلي الذي يقلوه عليه، فإنه نجس، فينبغي أن يجتنب.
* * *
الباب الثالث عشر والمائة
في دباغ جلود البقر
ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بمعيشتهم، ويأمره أن يمنعهم أن يخلطوا جلود البقر المذبوحة بجلود الميتة، ويأمرهم بدباغ كل عشرة منها بويبة دقيقة والماء العذب أياماً
стр. 99
إلى أن يزول شعرها، ثم يدبغها بويبة دقيقة وويبة ملح، تقيم فيه ثلاثة أسابيع، وما زاد على مقدار حر الزمان وبرده إلى العفص، فإن كانت الجلود كباراً، وكلها ثيران، دبغت كل جلد بأثنى عشر رطل عفص بالقلعى، وإن كانت بقراً متوسطة، كان لكل جلد منها ستة أرطال، والعجول بأربعة أرطال كل جلد، وما زاد على ذلك زائداً في جودة الجلد، ومن خالف أدب.
* * *
الباب الرابع عشر والمائة
في أهل الذمة
اعلم وفقك الله أنه ينبغي أن يشترط عليهم ما اشترطه عمر بن الخطاب، ﵁، في كتاب الجزية الذي كتبه لأهل الذمة، ويؤخذون بلبس الغيار، فإن كان يهودياً عمل على كتفه خيطاً أحمر أو أصفر، وإن كان نصرانياً، عمل في وسطه زناراً، وعلق على عنقه صليباً، وإن كانت امرأة لبست خفين أحدهما أبيض والآخر أسود، وإذا عبر ذمي إلى الحمام، ينبغي أن يكون في عنقه صليب، أو طوق من حديد، أو نحاس، أو رصاص؛ ليختبر به عن غيره.
ويمنعهم المحتسب من ركوب الخيل، وحمل السلاح، والتقلد بالسيوف، وإذا ركبوا البغال ركبوها لا بالسرج، ولا يرفعون بنيانهم على بنيان المسلمين، ولا يتصدرون في المجالس، ولا يزاحمون المسلمين في الطرقات، بل يلجأون إلى أضيق الطرق، ولا يُبدأون بالسلام، ولا يُرحب بهم، ويشترط عليهم ضيافة من مر بهم من المسلمين، وإنزالهم في بيوتهم وكنائسهم، ويمنعون من إظهار الخمر والخنزير، والجهر بالتوراة والإنجيل، ومن ضرب الناقوس، ومن إظهار أعيادهم، ورفع الصوت على موتاهم، فجميع ذلك اشترطه عمر بن الخطاب، ﵁، فيراعى المحتسب جميع ذلك.
ويأخذ منهم الجزية على قدر طبقاتهم، الفقير المقتدر دينار، والمتوسط دينارين، والغنى أربعة دنانير، عند رأس الحلول، وإذا جاءه المحتسب، أو العامل لآخذ الجزية، أقامه بين يديه، ثم يلطمه بيده على صفحة عنقه، ويقول له: "ادِّ الجزية يا كافر، ويُخرج الذمي يده من جيبه مطبوقة على الجزية، فيطعيها له بذلة وانكسار، ويشترط مع الجزية التزم أحكام الإسلام، فإن امتنع الذمي من لزوم الأحكام، أو قاتل المسلمين، أو زنا بمسلمة أو أصابها باسم نكاح، أو فتن مسلماً عن دينه، أو قطع الطريق على مسلم، أو
стр. 100
آوى المشركين، أو دلهم على عورات المسلمين، أو قتل مسلماً انتقضت ذمته، وقتل في الحال، وغُنم ماله في أصح القولين؛ لأن أهل الذمة قد شُرط عليهم الكف عن جميع ذلك، والله الموفق.
* * *
الباب الخامس عشر والمائة
يشتمل على تفاصيل وجُمل
اعلم وفقك الله أنه قد ذكرنا في هذا الكتاب من الحسبة على أرباب الصنائع المشهورة، من كشف غشوشهم وتدليسهم ما في كفاية كافية للمحتسب، وأصلاً يفسر ما عداه مما لم نذكره، وسأذكر في هذا الباب تفاصيل وجمل، وأذكر ما يلزم المحتسب فعله من أمور الحسبة في مصالح الرعية غير ما ذكرناه، فمن ذلك: السوط، والدرة، والطرطور.
فأما السوط، فيتخذه وسطاً، لا بالغليظ الشديد، ولا بالرقيق اللين، بل يكون بين سوطين، حتى لا يؤلم الجسد، ولا يخشى منه غائلة. وأما الدرة، فتكون من جلد البقر، أو الجمل، محشوة بنوى التمر. وأما الطرطور، فيكون من اللبد منقوشاً بالخرق الملونة، مكللاً بألوان الخرز، والودع، والأجراس، وأذناب الثعالب والنسانيس، وتكون هذه الآلة معلقة على دكة المحتسب يشاهدها الناس، فيرعب بها قلوب المعتدين، ويزجر بها أهل التدليس.
فإذا عثر بشارب خمر، جلده بالسوط أربعين جلدة، فإذا رأى المصلحة في جلده الثمانين جلده؛ لأن عمر، ﵁، جلد شارب الخمر ثمانين جلدة، فيجرد عن ثيابه، ثم يرفع عن يده بالسوط حتى يبين بياض أبطه، ويطرّف الضرب على كتفيه وإليتيه وفخذيه، فإذا كان زانياً، فيلكن جلده في ملأ من الناس، كما قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، فإن كانت امرأة جلدها في إزارها وثيابها، وأما الزاني المحصن، فيجمع الناس خارج البلد، ويأمرهم برجمه، كما فعل رسول الله ﷺ ، وإن كانت محصنة، حفر لها حفيرة في الأرض، وأمر الناس برجمها كما فعل رسول الله ﷺ بالغامدية، وإن لاط بغلام ألقاه من أعلى شاهق في البلد، هذا
стр. 101
كله بعد توبته عند الإمام، ثم يتولاه المحتسب.
* * *
الباب السادس عشر والمائة
في ترتيب التعزيز
اعلم وفقك الله أن التعزير على قدر أحوال الناس، وعلى قدر الجناية، فمن الناس من يكون تعزيره بالقول والتوبيخ، ومنهم من يضرب بالسوط ولا يبلغ به أدنى الحدود، ومنهم من يضرب بالدرة، ويلبّس الطرطور، ويركب على جمل أو حمار، وإذا رأى رجلاً حامل خمر، أو يلعب بملهاة، كالعود، والطنبور، والمزمار، وما أشبه ذلك، عزره على حساب ما يراه من المصلحة في حقه، بعد إراقه خمره، وكسر الملهاة، وكذلك إذا رأى رجلاً أجنبياً مع امرأة أجنبية، في خلوة أو طريق.
ويلزم المحتسب مباشرة الأماكن التي يجتمع فيها النسوان مثل سوق الغزل، وسوق الكتان، وشطوط الأنهار، وأبواب حمامات النساء، وما أشبه ذلك، فإذا رأى شاباً معترضاً لامرأة يكلمها في غير معاملة في البيع والشراء، أو واقفاً ينظر إليها، عزره ومنعه من الوقوف هناك، فكثير من الشباب المفسدين يقفون في هذه المواضع، وليس لهم حاجة غير التلاعب على النسوان.
ثم يتفقد مجالس المواعظ، ولا يدع الرجال يختلطون بالنساء، ويجعل بينهم ستارة، فإذا انفض المجلس، خرجت الرجال قبل النساء وذهبوا في طريق، وتخرج النساء بعدهم، ويذهبن في طريق أخرى، ومن وقف من الشباب في طريقهن بغير حاجة عزره.
ثم يتفقد المقابر، فإذا سمع بنائحة، أو صارخة عزرها ومنعها من ذلك؛ لأن النواح حرام، وقد قال رسول الله ﷺ : "النائحة ومن حولها في النار"، ويأمر النساء بأن لا يخرجن لزيارة القبور، وإذا خرجن للقبور أمر النساء أن يتأخرن عن الرجال، ولا يختلطن بهم، ويمنعهن من كشف وجوههن ورءوسهن خلف الميت، ويأمر منادياً ينادي في البلد بالمنع من ذلك، والأولى منعهن من تشييع الجنائز، ومتى سمع بامرأة عاهر، أو مغنية، استتابها عن معصيتها، وإن عادت عزرها ونفاها من البلد. ويمنع المخنث من دخوله على
стр. 102
النسوان، وكذلك الأمرد النكريش، متى حلق لحيته ونتفها، كان ذلك دليلاً على فساده.
* * *
الباب السابع عشر والمائة
في مجالس الحكام
ينبغي للمحتسب أن يتردد إلى مجالس القضاة والحكام، ويمنعهم من الجلوس في الجوامع والمساجد للحكم بين الناس، فربما دخل الرجل الجنب، والمرأة الحائض، والصبي، والحافي، ومن لا يتحرز من النجاسة، فيؤذون بذلك الحصر، وأيضاً ترتفع الأصوات، ويكثر اللغط عند المحاكمة والمنازعة، وكل ذلك قد ورد الشرع بالنهي عنه.
وقد وجدنا مكتوباً في كتاب أبي القاسم الصميري: إن المستظهر لله أمير المؤمنين، رحمة الله عليه، ولى رجلاً من أصحاب الشافعي، ﵁، الحسبة، فنزل إلى جامع المنصور، فوجد قاضي القضاة يحكم بين الناس فيه، فقال له: سلام عليك، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]، وقد مكن الله خليفته المستظهر لله في أرضه، وبسط يده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد جعلني وإياك نائبين عنه في ذلك، قائمين في رعيته حدود الله، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، ونحن أولى بمن يعمل بحدود الله، ولزوم ما أمر الله به، واجتناب ما نهي عنه، ليقتدي بنا العامة، ونحن ملح البلد، نصلح ما فسد من الطعام، فإذا فسد الملح من يصلحه؟ ومجلسك هذا لا يصلح في الجامع، أما سمعت قول الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... ﴾، إلى قوله: ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧]، وليس في هذا الموضع شيء من ذلك، وإنه لتدخل إليك المرأة لتحتكم مع بعلها، ومعها الطفل فيبول على الحصر، وإن الرجل ليمشي على النجاسة والقذر، ويدوس الحصر بنعله، وإن الأصوات لترتفع باللغط، وربما دخل إليك الرجل الجنب، والمرأة الحائض، وجميع ذلك أمرنا رسول الله ﷺ باجتنابه، فاجلس في وسط البلد، بحيث لا يشق على أحد دخوله عليك، والسلام. فنهض القاضي ولم يعد بعدها يجلس في الجامع للقضاء.
стр. 103
ومن رأي المحتسب رجلاً يسفه في مجالس الحكم، أو يطعن على الحاكم في حكمه، عزره، وإذا رأى القاضي قد استشاط على رجل غيظاً، أو شتمه، أو احتد عليه في كلامه، ردعه عن ذلك، ووعظه، وخوفه الله ، فإن القاضي لا يجوز له أن يحكم وهو غضبان، ولا يقول هجراً، ولا يكون فظاً غليظاً.
* * *
الباب الثامن عشر والمائة
في مجالس الأمراء والولاة
ينبغي للمحتسب أن يتردد إلى مجلس الولاة، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويذكرهم، ويعظهم، ويأمرهم بالشفقة عليهم، والإحسان إليهم، ويذكر لهم ما ورد في ذلك من الأحاديث عن النبي ﷺ ، وليكن في وعظه، وردعه، وقوله بشوشاً غير جبار عبوس، وليكن شيمته الرفق، ولين القول، وطلاقة الوجه، وسهولة الأخلاق، عند أمره ونهيه، فإن ذلك أبلغ لاستمالة القلوب، وحصول المقصود، وقد قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقد ذكرنا ذلك في أول الكتاب.
وقد قال ﷺ : "إن الله رفيق يحب كل رفيق، يعطي على الرفق ما لا يعطي على التعنيف"، وينهى الفقراء، وأهل الكدية عن قراءة القرآن في الأسواق، فقد نهت الشريعة عن ذلك.
ولو شرعت في جميع ما يفعله المحتسب من أمور الحسبة، لضاقت به الأوراق، وطال فيه الشرح ولكني قد وضعت أصولاً وقواعد يستعين بها المحتسب على أموره، ولعملي أن الضابط في أمور الحسبة هو الشرع المطهر، فكل ما نهت عنه الشريعة وجب على المحتسب إزالته، والمنع منه، وما أباحته الشريعة أقره على ما هو عليه، ولهذا قلنا في أول الكتاب: يجب أن يكون المحتسب فقيهاً، عالماً بأحكام الشريعة، ومتى كان جاهلاً اختلفت عليه الأمور، ووقع في المحذور والمحظور.
стр. 104
فنسأل الله العون والصحة والتوفيق، إنه على ما يشاء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
* * *