وعندنا ما يُعَبَّرُ أو ما يُعَبِّرُ عن أصل المعنى.
الأول هو المقصود، والثاني هو اللفظ، إن أُدِّيَ المعنى الذي هو أصل المراد بلفظ ناقص وكان المراد أكثر من حيث المعنى فهو الإيجاز، باللفظ الناقص عنه أي: عن أصل المراد بـ (لَفْظٍ لَهُ) كما قال الناظم، والضمير في قوله: (لَهُ) يعود إلى المراد.
(الإِيجَازُ) يعني هو الإيجاز، وهو لغةً التقصير ضد التطويل، فهو هنا بمعنى الاختصار، فالإيجاز عُرْفًا تَأْدِيَةُ أصل المعنى بلفظ ناقص وافٍ لفائدة، أو التعبير عن المقصود بلفظ ناقص عنه وافيًا به، بمعنى أنه يشترط أن يكون اللفظ ناقصًا لكن لا يخل بالمعنى، فإن خل بالمعنى هذا خرج عن كونه فصيحًا، الكلام في لفظ وجيز يؤدى به معنى كثير دون خلل في المعنى.
(وَالإِطْنَابُ إِنْ بِزَائِدٍ عَنْهُ)، (وَالإِطْنَابُ إِنْ) أُدِّيَ أصل المعنى المراد بلفظ زائد عنه، (وَالإِطْنَابُ إِنْ) أين فعل الشرط؟ نقول: محذوف دل عليه ما سبق (إِنْ بِزَائِدٍ عَنْهُ) إن أُدِّيَ أصل المعنى المراد (بِزَائِدٍ) أي بلفظ زائد (عَنْهُ) يعني عن المراد. بلفظ زائد (عَنْهُ) أي عن المراد. فهو تأدية أصل معنى المراد بلفظ زائد عنه. فيكون اللفظ أكثر من المعنى، لكن لا بد من فائدة وإلا صار حوشًا، أو التعبير عن المقصود بلفظ زائد عليه لفائدة، فخرج بقوله بتعريف الإطناب بفائدة التطويل وهو المسمى بالإكثار، وهو أن يكون اللفظ زائدًا على أصل المعنى لا لفائدة، ويكون الزائد غير متعين كما في قول الشاعر:
وألفى قولها كذبًا ومَيْنَا
كذبًا ومينًا ما الفرق بينهما؟ المين هو الكذب، والكذب هو المين، ليس فيه زيادة لمعنى، وإنما هي زائدة دون، لكن لا يُعَيَّن بأن الزائد هو كذبًا أو مينًا، وإنما هنا غير معين، فيه زائد لكن لا نحكم به، لأن الذي يحكم هو المتكلم، فإن الكذب هو المين فلا فائدة من الجمع بينهما.
وخرج الحشو وهو الزائد المتعين، يعني: الإطناب يُشترط فيه الفائدة، احترزنا عن ماذا؟ عن التطويل، والتطويل هو زيادة لكنها غير متعينة مثل كذبًا ومينًا، واحد منهما زائد لكن ما ندري ما هو؟ الحشو زيادة لكنها متعينة، نعرف أن هذه الكلمة هي الزائدة، فخرج الحشو وهو الزائد المتعين. من قول الشاعر:
واعلم علم اليوم والأمس قبله
ما الفائدة من قبله، الأمس دل عليه، الأمس لا يكون إلا قبلاً، الأمس قبله، إذًا قبله نقول: هذا زائد وهو حشو، فإن قوله: قبله. زائد مستغنًى عنه.
ثم قسم الإيجاز إلى نوعين فقال: (وَضَرْبَا الأَوَّلِ). الألف هذه وَضَرْبَ الأَوَّلِ، قصر، مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفع الألف، والنون حذفت للإضافة (وَضَرْبَ الأَوَّلِ) بدليل قال: (الأَوَّلِ). عرفنا أن الأول مضاف والثاني مضاف إليه (وضربان:
(وَضَرْبَا الأَوَّلِ ** قَصْرٌ وَحَذْفُ جُمْلَة أَوْ جُمَلِ) دل على أن الإيجاز نوعان، ثم شرع في بيانهما، ثم قسم الإيجاز إلى نوعين فقال: (وَضَرْبَا الأَوَّلِ) أي الإيجاز. (قَصْرٌ) أي إيجاز قصر. (وَحَذْفُ جُمْلَة) .. إلى آخره أي إيجاز حذف.
إذًا الإيجاز نوعان:
إيجاز قصر.
وإيجاز حذف.
стр. 212
والفرق بينهما أن الكلام القليل إن كان بعضًا من كلامه كثير فهو إيجاز حذف، وإن كان كاملاً يُعْطِي معنًى أطول منه فهو إيجاز القصر. يعني إذا كان الكلام ليس فيه حذف وكان الكلام اللفظ قليلاً والمعنى كثيرًا فهو إيجاز قصر، وأما إذا كان المعنى كثيرًا وحصل حذف كما سيذكره الناظم حينئذٍ يسمى إيجاز حذف.
إذًا الفرق بينهما أن الكلام القليل إن كان بعضًا من كلام كثير فهو إيجاز حذف، إن كان مختصر منه، يعني: حذفت بعض الألفاظ.
стр. 213
وإن كان كاملاً يعطي معنًى أطول منه فهو إيجاز قصر، وقد يجتمعان في نحو فلان يعطي ويمنع، فإذا جعلت الفعل قاصرًا من باب ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] حينئذٍ هذا قصر، إيجاز قصر، وإذا جعلته مما حذف مفعوله بمعنى أنه مما كان الأصل فيه ذكر المفعول ولم تُنَزِّله مُنَزّلة القاصر حينئذٍ لزم، يعني لزم التقرير كما مرّ معنا حينئذٍ صار فيه إطناب. فإذا جعلت الفعل قاصرًا فهو إيجاز قصر، وإذا جعلته متعدّيًا وحذفت المفعول إرادة العموم فهو إيجاز حذف. يعني لفظ واحد يحتمل الأمرين. فإيجاز القصر أن يتيسر للمتكلم كلام لفظه قليل ومعناه كثير، اللفظ القليل والمعنى كثير. مثاله قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. فإن معناه كثير ولفظه قليل لأن معناه أن الإنسان إذا علم أنه متى قَتَلَ قُتِلَ كان ذلك داعيًا إلى أن لا يقدم على القتل فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، وكان ارتفاع القتل حياةً لهم، وليس فيه حذف شيء، هذا المعنى كثير دل عليه هذا الكلام القليل، وهذا إيجاز. وإيجاز الحذف. قال السبكي: لا يقال إيجاز القصر فيه أيضًا حذف لكلام كثير، لأن إيجاز القصر يؤتى فيه بلفظ قليل يؤدي معنى لفظ كثير، وإيجاز الحذف يترك فيه شيء من ألفاظ التركيب الواحد مع إبقاء غيره لحاله، يعني لا بد فيه من الحذف. وإيجاز الحذف قال هنا: (وَحَذْفُ جُمْلَة أَوْ جُمَلِ أَوْ جُزْءِ جُمْلَةٍ). ذكر أن الحذف، إيجاز الحذف هو ما حُذِفَ منه شيء، ثُمَّ هذا المحذوف إما أن يكون جملة وإما أن يكون جمل، وإما أن يكون جزء جملة، يعني ليس بكلام مستقل فهو أنواع ثلاثة. وإيجاز الحذف إما حذف جملة، والمراد بالجملة هنا الكلام المستقل الذي لا يكون جزءًا من كلام آخر، يعني ليس بجملة الشرط وحدها أو جملة الجواب وحدها، ولذلك جُعِلَ جملة الشرط وجملة الجواب من قسم حذف جزء الجملة. مثاله قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ [البقرة: ٦٠]. ﴿فَانفَجَرَتْ﴾، ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ فضرب الحجر ﴿فَانفَجَرَتْ﴾ إذًا حذف جملة، مراد بها كلام مستقل، يعني حذف كلامًا أوله وآخره يسمى كلامًا، وهذا دل عليه الفاء هنا، أي فضربه بها فانفجرت فقوله: فضرب بها جملة محذوفة، (أَوْ جُمَلِ) يعني أن يكون المحذوف جمل ليست جملة واحدة أي فوق جملة اثنتان فأكثر كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٤٥، ٤٦] ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ يعني: فأرسلوني فذهبت .. قصة كاملة فحُذِفَ كلُّ ما ذُكِر ﴿يُوسُفُ﴾ لأنه منذ أن قال لهم الكلام مباشرة واجه يوسف؟ لا، وإنما حذف عدة جملة، هذا يكون في القصص القرآني كثير جدًا يعني يُخْتَصَر. وهذا مثل ما يفعله بعض الناس يريد أن يخبرك عن شيء في السوق فذهبت ووقفت هذا الأصل فيه الكلام البليغ أن يُحْذَف ويؤتى بمباشرة المقصود، أي ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ فأرسلوني إلى يوسف لأستعبره الرؤيا ففعلوا فأتاه فقال له: يا يوسف.
стр. 214
فحذف الجمل التي ذكرتَ فيما سبق أو جزءُ جملة (أَوْ جُزْءِ) بالخفض معطوف على جملة، حذف جزء جملة يعني إما مسندًا أو مسند إليه أو صفة أو موصوف على حسب، أوردها السيوطي في ((عقود الجمان)) بكثرة (أَوْ جُزْءِ جُمْلَةٍ) أي أو حذف جزء جملة، والمراد بجزء الجملة هنا ما يُذكر في الكلام ويتعلق به ولا يكون مستقلاً عمدة كان أو فضلاً، كل ما يحذف من المفردات فهو جزء جملة، ولذلك:
حذف ما يعلم جائزٌ
وحذف فضلة أجز
كل داخلٌ في هذا. كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي أهل القرية [إذا أراد أنه ليس مجازًا مثلاً] (١) نعم إذا أردنا به أنه مجاز فحينئذٍ حذف المضاف ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي اسأل أهل القرية حذف المضاف.
﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] أي آيةً مبصرةً حذف الموصوف هنا.
﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف: ٧٩] أي سفينةٍ صالحة أو سليمة حذف الصفة.
﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى: ٩] أي إن أرادوا وليًّا فحذف الشرط مع أداته.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس: ٤٥] حذف الجواب، جواب إذا الشرطية وهو محذوف أي اعرض على كلٍ، كل ما يحذف من المفردات من المضاف أو الصفة أو الموصوف أو المبتدأ أو الخبر حينئذٍ يكون داخلاً في هذا.
والحذف على وجهين:
أحدهما أن لا يقام شيءٌ مقام المحذوف، بل يكتفى بقرينة كما في الأمثلة السابقة. يعني حذف ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] حذف أهل، هل أقام في اللفظ شيء مقامه؟ لا، إنما عُلِمَ المحذوف بالقرينة.
стр. 215
الثاني أن يقام. يحذف شيءٌ ويأتي تعويضًا عنه بجملةٍ. مثاله قوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] أي إن يكذبوك هذا شرط فلا تحزن واصبر هذا جواب الشرط ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ ليس هو الجواب ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ ليس هذا تعليل، ليس هذا جوابًا للشرط ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ﴾ فلا تحزن واصبر ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ .. إلى آخره. فقوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ ليس جزاءً للشرط، لماذا؟ لأن تكذيب الرسل، الرسل متقدم على التكذيب ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ هذا سابقٌ فأين الجواب؟ لا يكون جوابًا فلا يصح وقعه جزاءً له، بل هو سببٌ لمضمون الجواب المحذوف أقيم مقامه استغناء بالسبب عن المسبب. إذًا إذا حذف شيء إما أن يُؤْتَى ببدله بما ينوب عنه، وإما أن لا يأتي أو يُؤتى بشيءٍ، والغالب هو الأول يعني القرينة هي التي تدل على المحذوف ولا يذكر في كلام شيءٌ البتة. ثم الحذف على القاعدة العامة لا بد من دليلٍ يدل عليه، إذ حذف ما لا يدل عليه دليلٌ بعد الحذف لا يجوز باتفاق أهل العربية نحاةً والصرفيين والبيانيين، أن ما لا يدل عليه دليلٌ بعد الحذف لا يجوز، سواءٌ كان في الحروف عند الصرفيين أو في الكلام، وأدلته كثيرة يعني: الذي يدل على المحذوف أشار إليها بقوله: (وَمَا يَدُلُّ ** عَلَيْهِ أَنْوَاعٌ) والذي يدل على المحذوف أنواع كثيرة متعددة. وقوله: (عَلَيْهِ). الضمير يعود على الحذف (أَنْوَاعٌ) التنوين هو للتكثير متعددة، (وَمِنْهَا الْعَقْلُ) يعني لم يذكر إلا العقل، بأن يدل العقل على المحذوف لاقتضائه إياه، يعني لا يمكن أن يستقيم الكلام إلا بمحذوفٍ، لكن دلالةٌ عقلي على المحذوف ليست من جهة التعيين، يعني الكلمة المحذوفة معينة، العقل يدل على أن ثَمَّ حَذْفًا في التركيب، لكن ما هي هذه الكلمة؟ العقل لا يدل عليها، فالعقل يدل على العموم لا على الخصوص، يعني على عموم الحذف مطلق الحذف، هذا التركيب فيه حذفٌ، ويحتمل كذا وكذا وَكذا والتعيين يكون بالقرائن والسياق لا بالعقل، لكن دلالته يعني العقل عليه على المحذوف إنما هي على جهة العموم لا الخصوص، بأن تقتضي أن في الكلام حذفًا، وأما التعيين لخصوص المحذوف فلا دلالة للعقل عليه، واضحٌ هذا؟ فالعقل يدل على المحذوف على جهة العموم لأن في الكلام حذفًا فقط ويقف، ثم تعيين هذا المحذوف هذا يؤخذ من القرائن والسياق، فلا دلالة للعقل عليه، وإنما يدل عليه مقصود ظاهرٍ من الكلام يوجد في كل مقامٍ بحسب من ما يقتضيه العرف والمقام وسياق الكلام. يعني تعيين المحذوف يؤخذ بالقرائن لفظية، وأما كونه فيما الكلام محذوفًا حينئذٍ يؤخذ من العقل. كقوله تعالى: ... ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أي تناولها. وإن شئت قل: أكلها. فإن العقل دلّ على أن في الكلام محذوفًا وذلك لأن الأحكام الشرعية كما هو معلوم عند الأصوليين لا تناط بالذوات والأعيان، يعني: لا يقال هذا حرام لذات الشيء نفسه، وإنما فعل العبد هو الذي يوصف بكونه حرامًا أو واجبًا.
стр. 216
فالأحكام الشرعية لا تناط بالذوات والأعيان وإنما تتعلق بأفعال المكلفين فلا بد هنا من محذوف وهو يحتمل، يحتَمل ماذا؟ التناول الأكل النظر المس البيع غير ذلك، والمقصود الأظهر من هذه الأشياء المحتملة في الآية تناولها يعني أكلها، فدل على تعيين المحذوف أُخِذَ من السياق، وأما كونه محذوفًا هذا أُخِذَ من العقل.
ثم قال:
وَجَاءَ لِلتَوشِيعِ بِالتَّفْصِيلِ ... ثَانٍ وَالاعْتِرَاضُ وَالتَذْيِيلِ
(ثَانٍ) يعني الإطناب [أحسنت] قَسَّمَ لك أولاً الإيجاز، ثم أراد أن يبين أغراض الإطناب، (وَجَاءَ) (ثَانٍ)، (وَجَاءَ) هذا فعل ماضي (ثَانٍ) هذا فاعله (وَجَاءَ) (ثَانٍ) أي الإطناب، لأمور إما الإيضاح بعد الإبهام كقوله تعالى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]. فإن قوله: ... ﴿اشْرَحْ﴾ يفيد طلب شرح شيء ما له ﴿رَبِّ اشْرَحْ﴾ ما هو الذي طُلِبَ شرحه؟ لما جاء ﴿صَدْرِي﴾ فَسَّرَهُ. أولاً فيه إيهام لقوله ﴿اشْرَحْ﴾ ما الذي طُلِبَ شرحه؟ لَمَّا جاء ﴿صَدْرِي﴾ صار فيه تفسير ومثله ﴿وَيَسِّرْ لِي﴾ ما هو؟ ﴿أَمْرِي﴾ [طه: ٢٦] إذًا جاء الإيضاح بعد الإبهام، والتوشيع وأشار إليه بقوله: (وَجَاءَ لِلتَوشِيعِ بِالتَّفْصِيلِ). وهو في اللغة لَفّ القطن المندوف واصطلاحًا أن يُؤْتَى في عجز الكلام بمثنى مفسر باسمين ثانيهما معطوف على الأول، يعني يأتي في آخر الكلام بمثنى مجمل، ثم يأتي تفصيله «يشيب ابن آدم وتشب فيه خصلتان». هذا إبهام، ثم جاء ... «الحرص وطول الأمل». إذًا يُسمى ماذا؟ يسمى توشيعًا، لذا قال: ... (بِالتَّفْصِيلِ). يعني يفصل المثنى باسم معطوف على آخر بعد الإبهام، وهذا فيه تشويق، فَفَسَّرَ الخصلتين باسمين عطف أحدهما على الآخر، ولو أراد الإيجاز والاختصار لقيل: يشب فيه الحرص وطول الأمل هذا ابتداءً مباشرةً لكنه أراد التشويق هذا هو الأصل في الإطناب، يعني يشوق يشب وفيه خصلتان تتوجه النفس وما هاتان الخصلتان؟ إذا جاء الجواب كان أكمل، لكنه أَبْهَمَ ثُمَّ وَضَّحَ للعلة الذي ذكرناها.
стр. 217
إذًا التوشيع للتفصيل أن يُؤتى في عجز الكلام يعني: في آخره بمثنى وفيه إبهام، ثم يأتي لتفصيل هذا المسمى باسمين لأن المثنى لا يدل على أكثر من اثنين، عُطِفَ الثاني على الأول بالواو، ويُسَمَّى توشيعًا، ومنه ذكر الخاص بعد العام للتنبيه على فضيلة الخاص. لقوله: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] داخل التوشيع حتى ليس كأنه من جنس العمل، (وَالاعْتِرَاضُ) وهذا أن يؤتى في أثناء الكلام الجملة الاعتراضية التي تمر معك في الإعراب الجملة الاعتراضية قد تكون جملة واحدة، وقد يأتي بجمل، وهو أن يُؤتى في أسماء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو أكثر، يعني ليس خاصًا بجملة واحدة - وإن ادَّعاه بعض النحاة - ولكن الصحيح قد يكون أكثر من جملة لا محل لها من الإعراب، لأنها من المواضع التي لا محل لها من الإعراب لنكتة كالتنزيه بقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]. ﴿وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ معطوف على قوله: ﴿الْبَنَاتِ﴾ ويجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون هذا الأصل ﴿سُبْحَانَهُ﴾ هذه جملة معترضة لا محل لها من الإعراب، قصد بها ماذا؟ التنزيه، جيء بها بالجملة هذه، هذه الجملة بين الجملتين. ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى هذا الأصل ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ هنا جملتان إذا لم يكن أكثر، وكذلك قول الشاعر:
إن الثمانين وبُلِّغْتَهَا ... قد أَحْوَجَتْ سَمْعِي إلى ترجمان
بُلِّغْتَهَا اعتراض، والمراد بها الدعاء، والواو فيها اعتراضية ليست عاطفة ولا حالية (وَالتَذْيِيلِ) يعني يأتي الإطناب للتذييل بصيغة التفعيل، وهو لغة جعل ذيل للشيء، من اسمه ذيل للشيء يعني يكون في الخاتمة يكون في خاتمة الكلام، واصطلاحًا عندهم أن يأتي بجملة عقب جملة، والثانية تَشْتَمِلُ على معنى الأولى للتأكيد، يعني الأولى معادة في الثانية، فيأتي بجملتين جملة عقب جملة، وتكون الثانية مشتملة على معنى الأولى، ويكون فيها معنى التأكيد، يعني هذا معنى التأكيد، التأكيد هو التقوية وهو ضربان نوعان، ما خرج مخرج المثل بأن يقصد حكم الكلي منفصل عن ما قبله جارٍ مجرى الأمثال، نحو ماذا؟ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]. هذا يصلح أن يكون ماذا؟ أن يكون مثلاً ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾، ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا﴾ هل هو داخل في قوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾؟ داخل فيه، فالجملة الثانية عُقِّبَت بالجملة الأولى وهي مشتملة عليه من جهة المعنى. أي هل يُعَاقَبُ على ما ذُكِرَ على أن المراد أعمُّ من الجزاء الأول.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء: ٨١]. ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ يجري مجرى المثل، وهذا قد يذكره الناس وهي مشتملة على معنى الجملة الأولى، هذا النوع الأول.
стр. 218
والثاني ما لا يجري مجرى المثل، وذلك بأن لم يستقل بإفادة المراد، بل يتوقف على ما قبله، بمعنى أن التذييل جعل الذيل الجملة الأخرى العقب الجملة الأولى لا تستقل بنفسها، بل لا بد من ذكرها مع السابقة، مثاله كالآية السابقة ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ إذا جعل التقدير وهل يجازى ذلك الجزاء المخصوص لا على جهة التعميم لو قيل: ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾. على جهة العموم استقل بنفسه، وإذا أريد به الخصوص حينئذٍ لا تنفك عن الجملة السابقة، وهل يجازى ذلك الجزاء المخصوص فيكون متعلقًا بما قبله معنًى فلا يُعْلَم أن يكون بمجرده مثلاً، وقد اجتمع الضربان في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٤، ٣٥]. ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ اشتملت على معنى الجملة السابقة ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ﴿أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ تذييل من الضرب الثاني، يعني الذي لا يجري مجرى المثل لأنه لا ينفك عنه، وإن كان داخلاً في معناه. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. من الضرب الأول لأنه يجري مجرى المثل وهو منفك عما سبق وإن كان مشتملاً له من جهة المعنى، فكل منهما تذييل على ما قبله.
إذًا ذكر لك بقوله: (وَجَاءَ) (ثَانٍ) أي الإطناب (لِلتَوشِيعِ بِالتَّفْصِيلِ) هذا متعلق بالتوشيع لأنه جاء مفصلاً لمثنى بعطف الاسم الثاني على الأول بالواو (وَالاعْتِرَاضُ) عرفنا المراد بالاعتراض أنه يكون بجملة أو جملتين أو أكثر، (وَالتَذْيِيلِ) بنوعيه الاثنين. والله أعلم.
وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 219
عناصر الدرس
* الفن الثاني: علم البيان.
* تعريف علم البيان وبيان طرقه.
* التشبيه تعريفه وأركانه.
* بيان طرفي التشبيه وأنواعهما.
* بيان وجه الشبه وأنواعه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
بعدما أنهى الناظم رحمه الله تعالى ما يتعلق بالفن الأول من الفنون الثلاثة التي هي مجموع علم البلاغة، فن العِلم الأول علم المعاني، والثاني علم البيان، والثالث علم البديع، لما أنهى ما يتعلق بالفن الأول وأبوابه الثمانية.
قال رحمه الله تعالى: الفن الثاني (عِلْمُ البيانِ) الفن الثاني من الفنون الثلاثة (عِلْمُ البيانِ) وقد حصر بعضهم علم البلاغة في علم المعاني وعلم البيان لِمَا مرّ في أول الكتاب، وأخر الكلام عليه عن الكلام عن المعاني أو على المعاني لكونه أخصّ منه إذ المعاني كالمفردِ، والبيان كالمركب، أخر كلام عليه عن الكلام عن المعاني لكونه أخصّ منه، ولذلك قلنا: قدم علم المعاني على علم البيان لكونه كالمفرد بالنسبة لعلم البيان، إذ علم البيان لا بد أن يراعى فيه مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وإذا كان كذلك فحينئذٍ لا بد من العلم أولاً، فعلم المعاني، ثم علم البيان. لكونه أخصّ منه إذ المعاني كالمفرد، لأن علم البيان كالمفرد، والبيان كالمركب فهو متأخرٌ عنه طبعًا ولذلك أخره عنه وضعًا، وقدمه على الثالث لشدة الاحتياج إليه يعني: علم البديع لأن الحاجة إلى علم البيان أشد لكونه جزءًا من علم البلاغة، ومحتاجًا إليه بتحصيل بلاغة الكلام بخلاف البديع فإنه من الْمُحَسِّنَات، يعني من المكملات إما من جهة اللفظ وإما من جهة المعنى، وهذا العلم يعني علم البيان من شروط تحسينه عن علم البديع كما سيأتي والشرط مقدمٌ على المشروط. إذًا هذا وجه المناسبة بين ترتيب العلوم الثلاثة.
أولاً: علم المعاني، لأنه كالمفرد.
وعلم البيان ثانيًا، لأنه كالمركب، والمفرد مقدمٌ على المركب.
وثالثًا: علم البديع لكونه من المحسنات، والبيان شرطٌ فيه والعلم بالشرط مقدمٌ عن العلم بالمشروط.
عِلْمُ الْبَيِّانِ مَا بِهِ يُعَرَّفُ ... إيرَادُ مَا طُرُقُه تَخْتَلفُ
فِي كَوْنِهَا وَاضِحَةَ الدِّلالَةْ ... ...........................
стр. 220
هذا تعريف علم البيان. قال الناظم في تعريفه (عِلْمُ الْبَيِّانِ) هنا أظهر في مقام الإضمار مرّ معنا أن الشيء إذا ذكر أولاً إنما يأتي بالضمير نقول: زيدٌ قَدِمَ وهو راكبٌ. لا يصح أن يقال في الأصل إلا لنكتةٍ ما زيدٌ قدم وزيدٌ راكبٌ لئلا يظن أن زيدًا الثاني مغايرٌ للأول حينئذٍ يقال: وهو راكبٌ. هنا الفن الثاني (عِلْمُ الْبَيِّانِ) وهو (مَا بِهِ يُعَرَّفُ) هذا هو الأصل، وإنما يقال: أظهر يعني: جاء بالاسم الظاهر في مقام الإضمار الذي هو الضمير لنكتةٍ قد يقال: لأنه أراد الإيضاح أراد به الإيضاح أو من أجل الوزن، (عِلْمُ الْبَيِّانِ مَا بِهِ يُعَرَّفُ)، (مَا) اسم موصول بمعنى الذي يصدق على الْمَلَكَة، وعرفنا أن الْمَلَكَة شرطٌ في تحصيل في تحصيل الفصيح والبليغ، يعني: لا يكون الرجلُ فصيحًا إلا إذا كان ذا مَلَكَةٍ، ولا يكون بليغًا إذا كان ذا مَلَكَةٍ، فمن أورد الكلام الفصيح ولم تكن له مَلَكَة فليس بفصيح، ومن أورد الكلام البليغ ولم تكن له مَلَكَة فليس ببليغ، من أورد كلام وقد وجد ما يتحقق من شروطٍ في علم البيان حينئذٍ لا يكون على وَفْقِ هذا الفن الثاني. إذًا مَلَكَةٌ ما - أي: مَلَكَةٌ - وهي هيئة راسخةٌ في النفس يُقْتَدَرُ بها على إدراك جزئياتٍ أو نفس الأصول والقواعد على ما علمت في علم المعاني، يعني هنا في تعريف الفن يصح أن يُراد به (مَا) الذي أُطْلِقَ وأريد به الْمَلَكَة، أو إن شئت قل العلم، ثم يفسر العلم بالْمَلَكَة أو بالمسائل أو بالقواعد والأصول. هنا يحتمل أن يكون المراد به الْمَلَكَة ويحتمل أن يكون المراد به الأصول والقواعد لِمَا مَرّ في علم المعاني، ملكةٌ يقتدر بها على إدراكاتٍ جزئية لأنها تحصل جملةً واحدةً بالفعل، يعني المراد هنا أن ما يصدق عليه علم البيان كالذي يصدق عليه علم المعاني، بمعنى أنه لا يوجد دفعةً واحدة وإنما يوجد شيئًا فشيئًا، (بِهِ يُعَرَّفُ)، (بِهِ) متعلقٌ بقوله: (يُعَرَّفُ)، أي برعايته (بِهِ) أي [بعلم المعاني] (١) بعلم البيان ليس المعاني بعلم البيان وهل المراد به العلم بالأصول والقواعد فحسب أو الرعاية؟ ما المراد به؟ هل المراد به علم الرعاية الذي هو الْعَمْلُ بما عَلِم؟ أو المراد فقط العلم النظري؟
стр. 221
لا شك أن المراد به الثاني، لِمَا مَرَّ معنا مرارًا أن من حفظ قواعد النحو ولم يطبق النحو حينئذٍ لا يسمى نحويًا، ومن عَلِمَ قواعد علم المعاني ولم يطبقه حينئذٍ لا يسمى بلاغيًا، وكذلك علم البيان، فالشأن حينئذٍ في الرعاية لأن الملكة لا تستفاد إلا بذلك، كيف نقول: هو مَلَكَة يعني: هيئةٌ راسخة، ثم هو مجرد قواعد تحفظ ولا تطبق؟ وهذا لا يسمى علم البيان، لا بد أن يكون علم البيان علم رعاية حينئذٍ يصح أن يقال: بأنه بياني. إذًا (بِهِ) يعني برعايته والباء هنا سببية، يعني بسبب رعايته، (يُعَرَّفُ) الأصل يُعْرَفُ بالتشديد للنظم يعني: فعل مضارع مُغَير الصيغة وبتقديم الجار والمجرور هنا (بِهِ يُعَرَّفُ) يحتمل أنه للوزن ضرورة، ويحتمل أن فيه إيماءً إلا أنه لا يُعْلَمُ غالبًا إلا بعلم البيان، يعني ما سيأتي. وقلنا: غالبًا لإخراج العرب العربان إذ هو مركوز في طبائعهم، يعني علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع هذه العرب العربان فصيح، يعني قبل تدوين أو تأصيل هذا العلم كان العلم موجودًا في ركائزهم، كعلم الأصول وعلم النحو والصرف، حينئذٍ الشأن واحد والكلام واحد، فإدراك القواعد لا يلزم منه أن من كان قبل القواعد أن لا يكون بيانيًا، أليس كذلك؟ لأن العلم هذا علم صناعة صار علمًا حادثًا، وكما هو الشأن في علم النحو وعلم الأصول، العرب القح قبل وضع النحو لا يَعْرِف أن هذا تمييزًا وأن هذا حالاً وهذا مضاف وهذا مضاف إليه، وإنما يأتي به على السليقة يأتي به على وجهه على القواعد، لكن هذا الاصطلاحات اصطلاحات عرفية لا يُدْرِكُهَا ولا يعرفها، لو قيل له: هذا تمييزًا، هذا فعلٌ ماضٍ، فعل مضارع لما أدرك ذلك، كذلك الشأن في البلاغة بأنواعها الثلاثة المعاني والبيان والبديع، فالسليقي الذي يأتي به على سليقته ولا يعرف هذه الاصطلاحات لا يخرج عن كونه عالمًا بفن البلاغة. ولذلك نقول: غالبًا لإخراج العرب العربان إذ هو مركوزٌ في طبائعهم من غير أن يعلموا البيان ويمكن أن يكون قدمه للوزن (يُعَرَّفُ) ما الذي يعرف؟ قال:
................. ... إيرَادُ مَا طُرُقُه تَخْتَلفُ
فِي كَوْنِهَا وَاضِحَةَ الدِّلالَةْ ... ........................
(إيرَادُ) هذا نائب فاعل (يُعَرَّفُ)، (يُعَرَّفُ) ما الذي (يُعَرَّفُ)؟ (إيرَادُ مَا) أي معنًى (مَا) هو اسم موصول بمعنى الذي، أو نكرة موصوفة يحتمل هذا ويحتمل ذاك، (إيرَادُ مَا) أي معنًى واحدٍ من المعاني التي يدل عليها الكلام المراعى فيه مطابقته لمقتضى الحال، يعني يأتي بالكلام الذي اشتمل على علم المعاني، لأن علم المعاني كما مر معنا أنه مطابقة المقام لمقتضى الحال، مقتضى، نعم مطابقته لمقتضى الحال من حيث التأكيد وعدمه، ومن حيث الحذف، المسند والمسند إليه .. إلى آخره فيأتي به على وجهه، ثم هو معنًى واحدٌ من المعاني.
إذًا (إيرَادُ مَا) يعني إيرادك هنا بإضافة المصدر إلى المفعول، والذي أورده هو المتكلم (إيرَادُ مَا) إيرادك ما، أي معنًى واحدٍ من المعاني التي يدل عليها الكلام المراعى. إذًا المعنى هنا ليس مدلول مفرد، وإنما هو مدلول مركب هذا أولاً.
стр. 222
ثم ليس كل مركبٍ وإنما مركبٌ قد طابق مقتضى الحال. إذٍ اشتمل على علم المعاني، ثم هو معنًى واحد وليس بمعاني متعددة كما سيأتي في المثال، ولذلك فالمعنى الواحد نقول هنا: هو ما يدل عليه الكلام الذي رُوعِيَ فيه المطابقة لمقتضى الحال وتقييد المعنى بالواحد للدلالة على أنه لو أورد معاني متعددة بطرقٍ مختلفة لم يكن من البيان في شيء، يعني لو تكلم عن جود حاتم، وتكلم عن شجاعة زيد، وتكلم عن حلم آخر، نقول: هذه معاني متعددة وليس هو بمراد، المراد هنا أن يأتي بمعنى واحد كالجود فقط، ثم يُعبر عن هذا المعنى الواحد بطرقٍ مختلفة تارةً بالتشبيه، وتارة بالمجاز على اختلاف أنواعه، وتارةً بالكناية، فالمعنى واحد وهو مدلول الكلام، ثم هذا الكلام قد طابق مقتضى الحال. إذًا لو أورد كلامًا متعلقًا بمعاني متعددة مختلفة ككلامٍ يتعلق بجود حاتم وكلامٍ آخر يتعلق بشاعرية حسان وثالثٍ يتعلق بحلم فلان حينئذٍ يقول: هذه معاني متعددة وإن كانت الطرق مختلفة إلا أنها ليست من علم البيان في شيء، إنما المراد بعلم البيان إيراد ما أي معنًى من المعاني التي دل عليها الكلام مراعى في مطابقته لمقتضى الحال.
стр. 223
(طُرُقُه) (إيرَادُ مَا) أي الذي معنى (طُرُقُه تَخْتَلفُ) يعني طرق هذا المعنى الواحد تختلف، (طُرُقُه) جمع طريق والمراد هنا التراكيب ط (طُرُقُه) جمع فُعُل والمراد هنا التراكيب والعبارات الموصلة إلى المقصودِ، عَبَّر عن التراكيب والعبارات هنا بالطرق مجازًا لعلاقة الإيصال، فالطريق الحسي يُوصل إلى المقصود، والكلام والعبارات توصل إلى المقصود، إذًا (طُرُقُه) أي تراكيبه، (تَخْتَلفُ) أي مختلفة، (طُرُقُه) الضمير يعود إلى (مَا) يعني الطرق التي يُحَصَّلُ بها هذا المعنى الواحد (تَخْتَلفُ). إذًا المعنى متحد والطرق التي هي تراكيب الكلام مختلفة، هذا يُسمى ماذا؟ يسمى علم البيان. (تَخْتَلفُ) هي أي الطرق، أي مختلفة، فالجملة صفة للطرق، واختلافها كما بينه هنا بالتعريف (فِي كَوْنِهَا وَاضِحَةَ الدِّلالَةْ)، (فِي كَوْنِهَا) أي في كون هذه الطرق التي يعبر بها عن المعنى الواحد واضحة الدلالة على ذلك المعنى، والمراد به كما سيأتي الدلالة العقلية عليه، بأن يكون بعض الطرق واضح الدلالة وبعضها أوضح، يعني من باب واضح وأوضح كصحيح وأصح. إذًا كلها مشتركة بقدرٍ واحدٍ فليس عندنا هنا خفاء يقابل الوضوح، بعضها واضح الدلالة وبعضها أوضح، ولا شك أن الواضح خفيٌ بالنسبة إلى الأوضح، الواضح من حيث هو بالنسبة إلى الأوضح فيه شيءٌ من الخفاء فلذلك لم يحتج أن يقول - يعني المعرف - في الإيضاح والخفاء، السَّكَّاكِيّ لما عرف البيان قال: علمٌ بِهِ. كما قال هنا: يُعَرَّفُ إيرَادُ مَا طُرُقُه تَخْتَلفُ فِي الخفاء والوضوح. جاء بكلمة الخفاء وهذا قالوا: أنه غلط منه، غُلِّطَ في ذلك، بكل كلها واضحة، إن أراد بالخفاء الذي هو الواضح في مقابلة الأوضح صح، وإن كان الخفاء في مقابلة الواضح غُلِّطَ في ذلك، لأن الخفي هذا ليس مشتملاً على بلاغة الكلام فانتفى به ركنٌ من أركان الكلام الذي يُعَبَّرُ عنه بالبلاغة، فلذلك لم يحتج أن يقال: في الإيضاح والخفاء كما فعله السكاكي، بل لا يصح إرادة الخفاء، لا يصح هنا البتة، لماذا؟ لأن ما ليس بواضح إذا كان الخفي في مقابلة الواضح ما ليس بواضح أصلاً ليس طريقًا لطيفًا فلا يكون مقامًا بيانيًا انتفى عنه علم البيان، فلا يكون مقامًا بيانيًا ولا فصيحًا، فليس إيراد المعنى الركيك بلفظ الركيك من مسائل هذا العلم، لأن الخفاء ملازمٌ للركيك، فإذا كان كذلك فالمعنى الركيك الذي يؤدَّى بلفظ الركيك هل هو من مسائل هذا العلم؟ الجواب: لا، ولا من العلم الماضي لأنه يشترط في ما سبق مطابقته لمقتضى الحال وأن يكون فصيحًا، ولا يكون فصيحًا إلا إذا سلم من التعقيد اللفظي والتعقيد المعنوي .. إلى آخر ما مضى، وإنما الكلام في طرقٍ واضحة بعضها أوضح من بعضٍ.
стр. 224
إذًا (فِي كَوْنِهَا) الضمير يعود إلى الطرق، و (وَاضِحَةَ الدِّلالَةْ) هذا يشتمل نوعين: ما كان واضحًا في نفسه وباعتبار مقابله الأوضح قد يكون فيه شيءٌ من الخفاء، حينئذٍ واضح الدلالة يدخل فيه ما هو أوضح من بابٍ أولى، فإذا اشترط الوضوح فالأوضح من بابٍ أولى وأحرى فيشمل النوعين، ولا نحتاج أن نقول: في الخفاء والوضوح لأنه محتمل إذا كان الخفاء مقابل الوضوح فهو غَلَطٌ لأنه ركيك والركيك لا يكون من مسائل هذا العلم، وإن كان في مقابل الأوضح فيعبر عنه بالوضوح هذا الأصل فيه، فخرج حينئذٍ من التعريف معرفةُ إيراده بطرقٍ مختلفةٍ في اللفظ والعبارة فقط، بأن يريده بألفاظٍ مترادفة مثلاً نقول: هذا ليس من علم البيان. فلا يكون ذلك من علم البيان، والمراد بالمعنى الواحد كل معنًى يدخل تحت قصد المتكلم فلو عرف أحدٌ إيراد معنى قولنا: زيدٌ جوادٌ مثلاً زيدٌ جوادٌ بطرقٍ مختلفة لم يكون بمجرد ذلك عالمًا بالبيان، يعني إذا عرف بأن زيد جوادٌ يؤتى به بطرقٍ مختلفة لكنه ليس أهلاً لإنشاء هذه الطرق، حينئذٍ لا يكون من أهل البيان، لماذا؟ لأنه يُشْتَرَط في هذا العلم كما اشتُرِطَ في العلم السابق الْمَلَكَة، وكما اشْتُرِطَ في من يتصف بالبلاغة بليغ، ومن يتصف بالفصاحة فيقال: فصيح، لا بد أن تكون عنده مَلَكَة، فإذا انتفت الْمَلَكَة فحينئذٍ لا يكون بلاغيًا، كما أنه لا يكون كذلك من عَرَفَ إيراد كل معنًى يدخل في قصد المتكلم وليست له مَلَكَة كالعربي المتكلم بالسليقة، هذا داخل ولا شك أنه داخل، لماذا؟ لأن هذه اصطلاحات عرفيه يعني: نشأت بعد أن لم تكن، فوجدت اللغة بصنوفها وأنواع علومها - اللغة العربية - وكان أهلها عالمين بها، بل هم أهلها وهم المرجع في ذلك، حينئذٍ لما استقرت هذه المصطلاحات لا يمكن أنَّنَا نخرج أولئك الأقوام الذين تعلمنا منهم اللغة لمجرد عدم علمهم بهذه الاصطلاحات، بل هم أهلها وذاك نحويٌ، وذاك بيانيٌ، وذاك صرفيٌ، ولو لم يعلم الاصطلاحات، كما نقول: ذاك أصوليٌ ولو لم يكن على علمٍ بالاصطلاحات.
стр. 225
فعلم البيان علمٌ يعرف به إيراد المعنى الواحد - انتبه - إيراد المعنى الواحد يعني أنت عندما تتكلم تورد تنطق تلفظ المعنى الواحد المدلولِ عليه بكلامٍ مطابقٍ لمقتضى الحال بطرقٍ مختلفةٍ في إيضاح الدلالة عليه، بأن يكون بعض الطرق واضحة الدلالة وبعضها أوضح. قال الطيبي: مثال ذلك أنَّا إذا أردنا إيراد معنى قولنا: زيدٌ جوادٌ وأردنا مثلاً فنقول: في طرق التشبيه لأن مقاصد هذا العلم محصورة في التشبيه والمجاز والكناية، وإن كان التشبيه داخلاً أو خارجًا في الأصل وإنما احتيج إليه لكون الاستعارة مبنيةً على التشبيه، فلو أردنا أن نأتي بـ زيدٌ جوادٌ بطرق التشبيه ماذا نقول؟ نقول: زيدٌ كالبحر في السخاوة، زيدٌ مشبه كالبحر الكاف حرف تشبيه والبجر مشبهٌ به في السخاوة هذا وجه الشبه، هذا طريق، نفس المعنى نأتي به بطريقٍ آخر بتركيبٍ آخر بكلامٍ آخر فنقول: زيدٌ كالبحر، نحذف ماذا؟ وجه الشبه، زيدٌ بحرٌ حذفنا وجه الشبه والأداة، هذه ثلاث طرق لمعنًى واحد وهو كون زيدٍ جوادًا هل المعنى اختلف؟ لا. وإنما هو معنى واحد، ولذلك قلنا: إيراد المعنى الواحد هذا مراد، ثم يؤتى به بعدة طرق، إن كان بالتشبيه فله ما ذكره هنا، وفي طرق الاستعارة زيدٌ جوادٌ ماذا نقول؟. نقول: رأيت بحرًا في الدار، حذفنا الكاف، وتقول: لُجَّةُ زيدٍ كَثُرَتْ. وتقول: لُجَّةُ زيدٍ متلاطمٌ أمواجها. هذا بوجوه الاستعارة الآتي بيانها إن شاء الله تعالى، فحينئذٍ زيدٌ جوادٌ جئنا به المعنى واحد واختلفت الطرق في التعبير عنه بنوع الاستعارة وهي نوعٌ من أنواع المجاز كما سيأتي، وفي طرق الكناية زيدٌ جوادٌ ماذا نقول؟ زيدٌ مضيافٌ، زيدٌ جوادٌ مضيافٌ، مضيافٌ ماذا يقدم؟ زيدٌ كثيرٌ أضيافه هذا نوعٌ آخر، زيدٌ كثيرٌ رماده، الرماد يعني الطبخ، إن الرماد كثيرٌ بساحة زيد، المعنى واحد انظروا العبارات مختلفة، إن الجود في قبةٍ ضربت على زيدٍ، إنه مصورٌ من الجود، كأنه خلق من الجود، هذا في غاية ما يمكن أن يُعبر. انظر المعنى واحد زيدٌ جوادٌ جئت به بعدة طرق في التشبيه وبالاستعارة وفي الكناية هذا المراد بإيراد المعنى الواحد وهو كون زيدٍ جوادًا بطرقٍ مختلفة وكلها واضحة بمعنى أن الدلالة تفهم من التركيب نفسه ولكلٍ وجهةٌ كما سيأتي بيانه. فظهر أن مرجع البيان إلى اعتبار المبالغة بإثبات المعنى الشيء هكذا قال الطيبي، وهذا هو الصحيح أن علم البيان كله تشبيه ومجاز والكناية مبناها على المبالغة. إذًا فظهر أن مرجع البيان إلى اعتبار المبالغة بإثبات المعنى للشيء.
إذًا لمٌ يعرف به إيراد المعنى الواحد المدلولِ عليه بكلام المطابق لمقتضى الحال بطرقٍ مختلفة في إيضاح الدلالة عليه بأن يكون بعض الطرق واضح الدلالة وبعضها أوضح.
قوله: (وَاضِحَةَ الدِّلالَةْ) أو الدَّلالة الدُّلالة مثلثة الدال كما مرّ معنا، وإن كان الضم رديء المشهور الدِّلالة والدَّلالة بالكسر والفتح، والدُّلالة سمع لكنه رديء كما قال الأمين في مقدمته، ولَمَّا لم تكن كل دَلالةٍ قابلةً للوضوح والخفاء احتيج إلى تقسيمها.
стр. 226
هنا يذكر البيانيون قبل الكلام في التشبيه والمجاز والكناية. أقسام الدلالة تُعَرّف الدَّلالة، ثم تذكر أقسامها الثلاثة أو القسمين العامين دلالة لفظية ودلالة غير لفظية، ثم تقسم غير اللفظية إلى ثلاث، وتقسم اللفظية إلى ثلاث، على كلٍّ مرّ معنا هذا قريبًا في شرح ((السُّلّم)) وليس مرادًا هنا، إنما المراد هو ما يقابل الوضعية، ولما لم تكن كل دَلالةٍ قابلةً للوضوح والخفاء احتيج إلى تقسيمها وتعين المقصود منها، فالدلالة حينئذٍ لأنه قال: (فِما بِهِ لاَزِمُ مَا وُضِعِ لَهْ). الدلالة هي كون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم بشيءٍ آخر، هذا إذا شرطنا الفهم بالفعل، كون أمرٍ بحيث يفهم منه أمرٌ آخر، فُهِمَ منه بالفعل أم لا، يعني لا يُشترط في الدلالة أن تكون دلالة أن يفهم بالفعل، بل ولو بالقوة، فهم أمرٍ من أمرٍ، يعني يتعلق به الفهم كون الشيء هذا عند البيانيين بحيث يلزم من العلم به العلم بشيءٍ آخر أو كون أمرٍ بحيث يُفْهَمُ منه أمرٌ، الأول الدّال والثاني المدلول. إذًا عندنا دلالة وعندنا دالٌ وعندنا مدلولٌ، عندنا دلالة وهي الفهم سواءٌ قلنا: فهمًا بالفعل أم لا، وعندنا دالٌ وهو اللفظ أو غيره، وعندنا المدلولٌ وهو ما يُفْهَمُ من اللفظ أو غيره، فدلالة اللفظ حينئذٍ نقول: اللفظ الموضوع. أما المهمل فلا مدخل له هنا اللفظ الموضوع الذي وضعته العرب لا يخلو إما أن يدل على تمام ما وضع له، أو على جزئه، أو على الخارج اللازم له ذهنًا. لفظ الموضوع إما أن تكون الدلالة مطابقية أو تَضَمُّنِية أو التزامية. ولكن من حيث التقسيم الدلالة اللفظية نقول: إما أن يدل اللفظ على تمام وكمال الموضوع له أو على جزئه على بعضه، وهذا يكون في المعاني المركبة لا البسيطة، أو على الخارج اللازم، وهذا يكون ملتزمًا من جهة الذهن، فدلالة اللفظ على تمام ما وضع له وضعية تسمى وضعية، ثّمَّ فرقًا بين الحديث عن أقسام الدلالة بين البيانيين والمناطقة، فالتقسيم في الجملة متحد لأن الأسماء قد تختلف، فدلالة اللفظ على تمام - يعني كمال - ما وُضِعَ له - يعني تمام المعنى الذي وُضِعَ له اللفظ في لسان العرب - يعني ذلك المعنى - وضعيًا يسمى وضعيًّا.
стр. 227
المطابقية يعبر عنها هنا بالوضعية، كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق بالنسبة إلى من هو عالمٌ بالوضع، فنسميها دلالة وضعية، المطابقية التي نسميها ناطقة تسمى هنا وضعية، إذًا مرّ بك هذه دلالة وضعية فاعلم أن مرادهم بها دلالة اللفظ على تمامِ ما وُضِعَ له، وهي التي يعنون لها بدلالة المطابقة، فحينئذٍ نسميها دلالة وضعية يعني نسبةً إلى الواضع، لماذا؟ لأن الواضع إنما وضع اللفظ للدلالة على تمام الموضوع له، فهي دلالةٌ منسوبةٌ إلى الوضع، وإنما اختصت به مع كون دلالة التضمن وكذلك دلالة التزام فيها شيء من الوضع، لأن هذه وضعية محضة بخلافهما يعني: التضمنية والالتزامية وإن كان للوضع مدخلٌ فيه، يعني الوضع، ولذلك نقول: اللفظ الموضوع. إذًا لا بد أن يكون مأخوذًا في جميع الأقسام، اللفظ الموضوع إما أن يدل على تمام ما وضع له. عرفنا الوضعية، أو على جزئه هذا قسمٌ لأي شيء للفظ الموضعي، إذًا هي وضعية أو على اللازم الخارج إذًا هي وضعية. إذًا الوضع له مدخلٌ في الأنواع الثلاثة ولا شك، لكن لما كان الوضع في دلالة اللفظ على تمام ما وُضِعَ له محضًا يعني خالصًا يُفهم المعنى منه دون دلالة العقل، حينئذٍ سمت وضعية محضة، وأما دلالة اللفظ على جزء المعنى الموضوع له اللفظ العقل له مدخلٌ، فسلب عنه لفظ الوضع فلا تسمى وضعية، وإنما تسمى عقلية عند البيانيين، وكذلك الالتزام من بابٍ أولى وأحرى. إذًا الوضع له مدخلٌ في الدلالة الوضعية والدلالة التضمن والدلالة التزام إلا أنه لما كان المعنى يُفهم في التضمن بواسطة العقل لأنه دلالةٌ على جزئه، واللازم كذلك بواسطة العقل سُلِبَ عنه عن هذين النوعين وصف الوضعية واختص بدلالة المطابقة فهي الدلالة الوضعية عندهم لأن الوضع هنا متمحضٌ في الفهم. هذا الأول، وعلى جزئه يعني: دلالة اللفظ على جزئه أي: على جزء الموضوع له من حيث هو جزءٌ وهذا إنما يكون في المعاني المركبة، وأما المعاني البسيطة فلا تتأتى دلالة التضمن البتة، مثل ماذا؟ قالوا: كدلالة الإنسان على الحيوان فقط، إذا قلت: هذا إنسانٌ وقصدت به الحيوان فقط فهو جزءٌ لأن الإنسان معناه مركب من شيئين حيوان ناطق، إذا أطلقت لفظ الإنسان وأردت به الحيوان فقط فهو دلالة الشيء على جزئه، دلالة اللفظ على جزئه، يعني على جزء المعنى الذي وُضِعَ له اللفظ، وإذا قصدت به الناطق دون الحيوان كذلك استُعْمِل اللفظ في الدلالة على جزء المعنى، وهذا المعنى كذلك أورده ابن لقيم في أعلام الرب جل وعلا. فيقال: الرحمن دلالته دلالة وضعية كما هنا أو مطابقة على الذات والصفة معًا، ذاتٌ متصفة بصفة الرحمة، إذًا عندنا أمران فهو معنًى مركب، دلالة الرحمن على الذات فقط هذه دلالة تضمن، دلالة الرحمن على الرحمة فقط دون الذات هذه دلالة التضمن.
стр. 228
إذًا دل اللفظ على جزء المعنى كدلالة الإنسان على الحيوان فقط أو على الناطق فقط، أو دلالة اللفظ على خارجٍ عن الموضوع له لازمٌ ذهنًا، دلالة اللفظ على خارجٍ عن الموضوع له يعني لم يوضع له في لسان العرب هذا المعنى وإنما وضع لمعنًى آخر لكن يلزم من هذا المعنى معنًى آخر، فيكون المعنى الذي وُضِعَ له اللفظ في لسان العرب مَلْزُومًا، واللازم هو الخارج، كدلالة الأربعة على الزوجيةً، أليس كذلك؟ الأربعة وضعت العرب لفظ أربعة للعدد المعدود بالأربعة، لكن لم تضع العرب أو الواضع لفظ أربعة للدلالة على أنه زوجٌ، فالزوجية ليست داخلةً في مفهوم الأربعة وإنما هو لازمٌ، لأن القاعدة كل أن كل منقسمٍ على اثنين ثم تكون النتيجة اثنين صحيحين حينئذٍ يكون زوجًا، ويقابله الفرد حينئذٍ دلالة الأربعة على الزوجية نقول: هذه دلالة اللفظ على خارجٍ عنه لازمٌ له، لأنه لا ينفك عن الأربعة وهو كونه ينقسم على اثنين لا ينفك عن الزوجية، ومَثَّلُوا له كدلالة الإنسان على الضاحك، إذا قيل: الإنسان هو حيوان ناطق. ويلزم منه أن يكون ضاحكًا فالمعنى ملزوم، وهذا اللازم لازمٌ، فثَمَّ فرق بين اللازم والملزوم، إذًا النوع الثالث إذا دل اللفظ على خارجٍ عن الموضوع له لازم ... #٣١.٠٨ من حيث إنه خارجٌ لازمٌ، فهاتان الدلالتان على الجزء وعلى الخارج عند البيانيين عقلية، بخلاف الكلام عند المناطقة، ولذلك مرّ معنا فصلٌ في أنواع الدلالة اللفظية الوضعية. قلنا: الوضعية يدل على أن الأقسام الثلاثة وضعيةٌ عند المناطقة، نسيتم؟ فصلٌ في أنواع الدلالة. قال الشارح: اللفظية. قال صاحب الأصل: الوضعية. إذًا الوضعية هذا احترازًا عن مقابلها، فحكم على أنواع الدلالة اللفظية كلها بكونها وضعية، دلالة اللفظ على ما وافقه يدعونها دلالة المطابقة
وجزئيه تضمنًا وما لزم
стр. 229
الثلاثة هذه قالوا: وضعية. إذًا كلها وضعية عند أكثر المناطقة إن كان ثَمَّ خلافٌ بينهم. أما عند أهل البيان فيختلفون فعندهم ما يُسَمَّى بالوضعية التي يُقابلها المطابقية عند المناطقة هذه وضعية ولا إشكال فيها، بل هي متفقٌ عليها لأن البحث هنا تتناوله ثلاثِ أيدي أو ثلاثُ أيدي: الأصولي، والمنطقي، والبياني. ويختلفون في ما يُحكم على هذه الدلالة، فعند المناطقة الثلاثة وضعية، وعند البيانيين المطابقية وضعية والتضمنية التزام عقلية، وعند الأصوليين وهو الصحيح في المقامات الثلاث أن دلالة المطابقة والتضمن وضعية والالتزام عقلي. وهذا المرجح في جميع الفنون. إذًا المسألة واحدة والحكم واحد والدليل واحد فلا اختلاف باختلاف الفنون، ولذلك هنا قال: عقلية. لماذا هي عقليةٌ عندهم عند البيانيين؟ لأن دلالته عليهم أي دلالة اللفظ على الجزء وعلى اللازم الخارج إنما هو من جهة العقل، يعني: العقل له مدخلٌ، فلما كان العقل له مدخلٌ في ذلك حينئذٍ سميت عقلية، فالعقل يحكم بأن حصول الكل والملزوم في الذهن يستلزم حصول الجزء واللازم، الكل الذي هو مدلول اللفظ، إذا حصل أولاً في الذهن حكم العقل بالجزء، وإذا حصل الملزوم الذي هو معنى اللفظ حينئذٍ دل العقل على اللازم، فالوصول من الكل إلى الجزء هذا حصل بالعقل لأنك أطلقت اللفظ والمراد به الكل في لسان العرب. الإنسان المراد به حيوانٌ ناطق هذا أصلٌ، إذا أطلقت الإنسان فالأصل فيه أنه ينصرف إلى الحيوان الناطق فإذا أردت بعضه فالعقل الذي خصصه. إذًا العقل له مدخلٌ. إذا أطلقت الأربعة فالمراد به المعنى الموضوع المعدود حينئذٍ إذا توصلت به بهذا اللفظ إلى الزوجية فالعقل هو الذي حكم. إذًا لما كان العقل وسيلةً في التوصل من الكل إلى الجزء ومن الملزوم إلى اللازم حينئذٍ سميت عقلية، فالعقل يحكم بأن حصول الكل الذي هو مدلول اللفظ المطابق بالأصل، والملزوم في الذهن يستلزم حصول الجزء واللازم فيه أيضًا، وشروط الالتزام هنا - لأنها عقلية - أن يكون الملزوم ذهنيًا، فاتفقا مع المناطقة بأن يكون الملزوم ذهنيًا، أما الذي يكون في الخارج كالسواد للغراب فليس بمراد، ولو باعتقاد المخاطب، ولا يُشترط أن يمنع العقل انفكاكه كما اشترطه المناطقة، فاللازم عند البيانيين ليس هو كاللازم عند المناطقة، يعني: ثَمّ افتراقٌ في الاصطلاحات بين الطائفتين، لا يُشترط أن يمنع العقل انفكاكه. مر معنا أن اللازم هو ما يمنع العقل انفكاكه، ما يمنع العقل انفكاكه هذا هو اللازم، هل هذا هو المراد عند البيانيين إذا أطلقوا اللازم؟ الجواب: لا، لا يُشترط هذا، كما اشترطه المناطق وإلا لخرج كثير من معان المجازات والكنايات من أن تكون مدلولات التزامية، ولَمَا تَأَتَّى الاختلاف بالوضوح بدلالة الالتزام أيضًا. العقلية المراد بها عند البيانين هي دلالة التضمن ودلالة الالتزام.
стр. 230
وإيراد المعنى الواحد عرفننا أنواع الدلالة، إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في الوضوح لا يَتَأَتَّى بالوضعية التي هي دلالة اللفظ على تمام ما وُضِعَ له، فليس لها بحث في علم البيان ولا يتعلق بها العلم من أصله، وإنما إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة يكون في ماذا؟ في دلالة التضمن، وفي دلالة الالتزام. إذا الذي يُستعمل هنا في الأصل هو ما كان أحد أو أحد الدلالتين، لأن السامع إذا كان عالِمًا بوضع الألفاظ لذلك المعنى لم يكن بعضها عنده أوضح من بعض، وإن كان غير عالِمٍ بذلك لم يكن كل واحد من الألفاظ دالاً عليه لتوقف الفهم على العلم .. .
المراد هنا الخلاصة أن الوضعية الذي دلالة المطابقة لا بحث لها في علم البيان، وإنما يتعلق البيان بالدلالة العقلية وهي دلالة التضمن ودلالة الالتزام، ويتأتى بالعقلية لجواز أن تختلف مراتب اللزوم في الوضوح.
إذا علمت ذلك فاعلم كما قال الناظم هنا:
................. ... فِما بِهِ لاَزِمُ مَا وُضِعِ لَهْ
إِمَّا مَجَازٌ مِنْهُ الاستِعَارَةُ ... تُنْبِي عَنِ التَّشْبِهِ أَوْ كِنَايَةُ
أراد أن يبين علم البيان أنه منحصر في ثلاثة مقاصد، كما مرّ في علم المعاني منحصر في أبواب ثمانية، منحصر الأبواب في ثمانية هنا علم البيان منحصر في ثلاثة أبواب:
تشبيه هذا أولاً.
وثانيًا: المجاز.
وثالثًا: الكناية.
لا بحث له في غير هذه الأبواب الثلاثة، والأصل في بحثهم أنه منحصر في بابين المجاز والكناية، وأما التشبيه فالأصل أنه لا يُبحث فيه، لكن لما كان المبنى الاستعارة على التشبيه حينئذٍ بُحِثَ في التشبيه وذكرت أنواعه على جهة التفصيل.
стр. 231
إذا علمت ذلك فاعلم أن ما به، ما أي اللفظ اسم موصول بمعنى الذي يصدق على اللفظ، ما به أي اللفظ المراد به لازم ما وضع له، لازم ما أي لازم معنًى موضوع له أي اللفظ، موضوع له، له الضمير يعود إلى اللفظ. وقوله (مَا بِهِ) الضمير يعود إلى ما يعني اللفظ الذي يُراد به لازم ما، يعني لازم معناه، لأن دلالة الجزء على الكلِّ هذا لازم عندنا لأنها عقلية، ليست وضعية الصحيح أنها وضعية لكن على كلام البيانين هي عقلية، إذا البحث هنا في دلالة في اللازم، وهو دلالة الكلِّ على الجزء إنما علمت جهتك اللزوم العقلي، ودلالة المعنى على لازم خارج له أو عنه، إذًا فما به، أي اللفظ المراد به لازم معنى ما، معنى موضوع له اللفظ المراد به لازم ما وضع به. إذا المراد بهذا التركيب المراد به لازم ما وضع له، يعني اللفظ المراد به لازم ما وضع له سواء كان جزءًا، ودخلت دلالة التضمن أو خارجًا دخلت دلالة الالتزام، أي سواء كانت اللازم داخلاً كما في التضمن أو خارجًا كما في دلالة الالتزام. إما أن تقوم قرينة على عدم إرادة ما وُضِعَ له فهو مجاز، دلالة اللفظ على اللازم سواء كان جزءًا أو خارجًا، إما أن تقوم قرينة على أن اللفظ اسْتُعْمِلَ في غير ما وُضِعَ له فهو مجاز. ولذلك قال: (إِمَّا مَجَازٌ). إما أن تقوم قرينة على عدم إرادة ما وضع له فهو مجاز، ثم المجاز منه الاستعارة، والاستعارة هي مجاز علاقته المشابهة، إذًا التشبيه أصل للاستعارة، ولذلك قال: (مِنْهُ الاستِعَارَةُ) هكذا (مِنْهُ) أي من المجاز (الاستِعَارَةُ) وهي نوع من أنواع المجاز، تُبنى، أي هي الاستعارة على التشبيه فلزم ذكر (التَّشْبِيهِ)، (أَوْ كِنَايَةُ) عطف على قوله: (مَجَازٌ) فانحصر المقصود من البيان في هذه الثلاثة.
إذا مجاز هذا إذا قامت قرينة على عدم إرادة ما وُضِعَ له اللفظ، ثم المجاز منه (الاستِعَارَةُ) وهي تبنى على (التَّشْبِيهِ) الذي كان أصلها أو أصلهما فتعين التعرض له أيضًا قبل المجاز الذي أحد أقسام الاستعارة، أو كناية هذا عطف على سابقه. إذا كأنه قال: فما به لازم ما وضع له إما مجاز أو كناية هذا الأصل، إما مجاز أو كناية، أو للتنويع، فقسم لك المقاصد أو المقصودين إلى نوعين: مجازًا أو كناية. ولما كانت الاستعارة وهي نوع من المجاز مبناها على التشبيه لزم أن يذكر التشبيه فلذلك يذكرون التشبيه أول ما يتكلمون عنه.
المقصد الأول من المقاصد الثلاث، إذا ما عرفنا هذه المقدمة المقصد الأول هو التشبيه: التَّشْبِيه مصدر شَبَّهَ يُشَبِّهُ تَشْبِيهًا من باب التَّفْعِيل، وهو في الاصطلاح عند البيانين: الدلالة على مشاركة أمر للآخر في معنًى. الدلالة إذا عندنا الدلالة، لا بد أن نعرف ماذا الدلالة؟ وقد سبق معنا، وعرفنا أنواع الدلالة وقد سبق معنا، وعرفنا أن الوضعية ليست مرادًا هنا، فإن قيل أن التشبيه من الدلالة الوضعية حينئذٍ كيف يُبحث في علم البيان؟
أجبنا بأن البحث بالتشبيه ليس من علم بيان ابتداءً، وإنما هو مذكور لما يتعلق بعلم البيان، لأن بحث البيانين هنا في هذا الفن علم البيان في الدلالة العقلية، والتشبيه ليس من هذا الأصل، فكيف يذكر؟
стр. 232
قلنا: .. #٤٢.٣٨ لم يذكر آصالة وإنما ذكر تبعًا، فحينئذٍ المجاز والكناية دلالتهم عقلية فلا إشكال فيه ولا اعتراض، واضح هذا؟ [نعم] التشبيه هو الدلالة على مشاركة، إذًا هذا معنى التشبيه ثَمّ مشاركة بين شيئين، مشاركة أمر الذي هو الْمُشَبَّه لآخر الذي هو الْمُشَبَّهُ بِهِ في معنًى الذي هو وَجْهُ الشَّبَهِ، لا على وجه الاستعارة التحقيقية، ولا على وجه الكناية، ولا على وجه التجريد، يعني هذه ثلاثة أشياء فيها مشاركة شيء لشيء آخر في معنًى، وهل هي تشبيه؟ الجواب: لا، ليست من التشبيه، لئلا تدخل في الحد لولا من أن نذكر هذا القيد لو لم أن نذكر هذا القيد لدخلت في الحدّ، فلا بد من إخراجها، فنقول: لا، هذا استدراك وإخراج، لا على وجه الاستعارة التحقيقية، وهي فيها تشبيه مشاركة أمر لأمر آخر في معنًى، لكنها ليست من التشبيه الاصطلاح، ولا على وجه الكناية ولا على وجه التجريد شرح التعريف. قوله: (الدِّلالَةْ) أي من المتكلِّم للمخاطَب، أليس كذلك؟ الدلالة، دلالة من؟ دلالة الكلام، ممن؟ من المتكلِّم إلى المخاطَب، بالكاف ونحوها، دلالة بأي شيء حصلت؟ بالكاف ونحوها يعني بأداة التشبيه لأن المشاركة هنا ما الذي يدل عليها؟ الذي يدل عليها أداة، قد تكون حرفًا، وقد تكون اسمًا، وقد تكون فعلاً. ولذلك يُعبر بالأداة كما سيأتي. الدلالة من المتكلم للمخاطَب بالكاف ونحوها لفظًا أو تقديرًا، لفظًا كقولك زيد كالأسد، هنا لفظت بالكاف. زيدٌ أسدٌ. على الصحيح أنه تشبيه بليغ ليس استعارة فحينئذٍ نقول: الأصل زيد كالأسد. حُذِفَت الكاف، إذًا قد تكون الكاف مذكورةً، وقد تكون مقدرة، على اشتراك أمر وهو الْمُشَبَّه لأمر آخر وهو اْلُمَشَّبَهُ بِهِ في معنًى وهو وجه الشَّبَهِ، والمراد هنا بوَجْهِ الشَّبَهِ وصف من أوصاف أحدهما في نفسه. يعني: وصف من أوصاف أحدهما الْمُشَبَّه أو الْمُشَبَّهِ به، في نفسه كالشجاعة في الأسد، والنور في الشمس.
وينبغي أن يكون وجه الشبه في نفسه مما يصح أن يقاس به غيره لبلوغه الكمال في بابه، يعني لا بد أن يكون وصفًا متميزًا، لأنك إذا قلت: زيد كالأسد. هذا زيد حيوان، والأسد حيوان كذلك، زيد موجود، والأسد موجود، زيد يأكل والأسد يأكل، هذا يشرب وهذا يتناسل. إذا الأوصاف مشتركة لكن ما الذي أريد؟ أريد وصف يتميز به الْمُشَبَّه به لا يشاركه الْمُشَبَّه، يعني الوصف الجامع قد يكون مشتركًا بينهما وقد يكون المشبَّه به متميزًا فيه، بمعنى أنه أظهر فيه فيقال زيد كالأسد يعني في الشجاعة، وأما ما عداها من الأوصاف فهي مشتركة بين زيد والأسد بل وغيره، وذلك كقولك زيد كالأسد دُلَّ بهذا الكلام على مشاركة زيد الأسد في الشجاعة، فدلالته على هذه المشاركة هي التشبيه، زيد كالأسد، ما الذي فُهِمَ من هذا التركيب؟
стр. 233
مشاركة زيد الأسد في معنًى واحد وهو وصف انفرد به الأسد وهو الشجاعة، هذا الذي يُسمى ماذا؟ يُسمى بالتشبيه، ثَمَّ مُشبَّه، ثَمَّ مُشَبَّهٌ به، ثَمَّ أداة، ثَمَّ وجه شبه أركانه أربعة كما سيأتي. ولما كان هذا التعريف يتناول يعني دخل فيه ما يسمى تَشْبِيهًا بلا خلاف، ولِمَا يُسمَّى تشبيهًا على المختار، ولِمَا لا يُسمّى تشبيهًا. إذًا ثلاثة أحكام، منه يعني مما يُحكم عليه بأنه تشبيه هو تشبيه بلا خلاف، وذلك فيما إذا ذكرت الأداة، كـ (زيد كالأسد)، نقول: هذا تشبيهٌ بلا نزاع.
النوع الثاني: يُسمى تشبيهًا وفيه نزاع لكن على الصحيح هو تشبيه في قولك: زيد الأسد. هذا فيه نزاع، هل هو استعارة أو تشبيهٌ اصطلاحيّ؟ الصحيح أنه تشبيهٌ اصطلاحي.
ولِمَا لا يُسمى تشبيهًا ووُجِدَ فيه المعنى وهو مشاركة أمر لآخر في معنًى.
هذا النوع لا بد من إخراجه وهو ثلاثة أشياء: استعارة تحقيقية، والكناية، والتجريد. ما يسمى بالتجريد. ولِمَا لا يسمى تَشبيهًا احترز عن الثاني بتقييده بأن يكون ذلك الاشتراك على وجه الاستعارة التحقيقية، وهي التي تحقق معناها حسًّا أو عقلاً، الاستعارة هي مجاز علاقته المشابهة، قد يكون مدلوله محققًّا مدركًا بالحسّ، وقد يكون شيئًا معقولاً، يعني مدركًا بالعقل كما سيأتي، نحو: رأيت أسدًا يرمي. هنا ليس عندنا تشبيه وإنما هي استعارة تحقيقية، لأنه شَبَّهَ أولاُ ثُمَّ أطلق لفظ الأسد على زيد كما سيأتي بيانه.
стр. 234
إذًا نقول: هذه الاستعارة التحقيقية ومثالها: رأيت أسدًا يرمي. نقول: هذا ليس بتشبيه اصطلاحي وإنما هو استعارة تحقيقية، وإن كانت هي مبنيةً على التشبيه، لأن التشبيه ما ذُكر إلا من أجل الاستعارة، إذًا رأيت أسدًا يرمي ليس هو بتشبيه اصطلاحي، ولا على وجه الاستعارة بالكناية، وسيأتي بحثها، وهي التي أظهر فيها التشبيه في النفس. ثَمَّ مُشاركة أَمْرٍ لآخر، لكن هنا التشبيه مضمر في النفس، يعني مقدر في النفس، يعني منويّ، نويتَ أولاً ثُمَّ أَطْلَقْتَ، فلم يُصَرِّحْ بشيء من أركانه سوى الْمُشَبّه، ودُلَّ عليه بأن أُثْبِتَ للمشبَّه أَمْرٌ اخْتَصّ بالْمُشَبّه به نحو: أَنْشَبَتُ الْمَنِيَّةُ أَظْفَارَهَا، هذا يُسَمَّى كناية، وهو فيه في الأصل معنى التشبيه، لكنه ليس بالتشبيه الاصطلاحي ولا بد من إخراجه، وسيأتي معنى الكناية في آخر الفصل. ولا على وجه التجريد وهو أن يكون الْمُشَبّه مذكورًا أو مقدرًا ولم يكن اسم الْمُشَبّه به خبرًا للمُشَبّه ولا في حكم الخبر مع حذف أداة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه، نحو ماذا؟ لقيت من زيد أسدًا. كأنك جردت من زيد أسدًا، لقيت من زيد هذا يُسمى التجريد عند البيانين، لقيت من زيد أسدًا، فبكل من هذه الثلاثة دلالة على مشاركة أمر لآخر في معنًى إذا وُجِدَ فيه الْحَدّ، ولكن لا يُسمَّى شيء من تَشْبِيهًا اصطلاحًا، لا الاستعارة الحقيقية، ولا كناية، ولا التجريد، وإن كانت الثلاثة مبناها على التشبيه في الأصل، لكن لا تسمى تشبيهًا في الاصطلاح. ودخل في تعريف التشبيه الاصطلاحي ما يُسمى تشبيها بلا خلاف، وهو ما ذكر فيه أداة التشبيه، سواء ذكر الْمُشَبّه معها نحو: زيد كالأسد، ذُكِرَ فيها أدة التشبيه، وهذا محل وفاق، أو حذف لقرينة نحو: كأسدٍ. في جواب: كيف زيد؟ كأسدٍ. أين الْمُشَبّه محذوف لقرينة وقوعه - الكلام يعني - جوابًا لسؤال: كيف زيد؟ كأسد، أو كالأسد. ودخل أيضًا ما يُسمى تشبيهًا على المختار يعني على الصحيح، وهو التشبيه الذي حُذِفَتْ أداته وجُعِلَ الْمُشَبّه به خبرًا عن الْمُشَبّه أو في حكم الخبر، سواء كان مع حذف الْمُشَبّه أو مع ذكره ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾. [البقرة: ١٨] أي هم صمٌّ أي هم كصمٍّ، واضح هذا؟ ﴿صُمٌّ﴾ نقول: هذا خبر لمبتدأ محذوف، حذف المبتدأ وهو هم وبَقِي الْمُشَبّه به وحذفت الأداة. كقول الشاعر:
أَسَدٌ عَلَيَّ وفي الْحُروبِ نَعَامَة
стр. 235
يعني أنت كالأسد، وحُذِفَ أنت الذي هو المبتدأ الْمُشَبّه، وحذفت أداة التشبيه وبَقِيَ الْمُشَبَّه به كما هو الشأن في ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾. إذا هذا على الصحيح يعتبر ماذا؟ يعتبر تشبيهًا، الذي حذفت أداته وجُعِلَ الْمُشَبّه به خبًرا عن الْمُشَبّه، هم كصم هذا الأصل، تشبيهٌ أم لا؟ تشبيهٌ اتفاقًا هذا التركيب تشبيه باتفاق، لكن لَمَّا حُذِفَ الْمُشَبَّه وحذفت الأداة قال: ... ﴿صُمٌّ﴾، هل هو تشبيه أم لا؟ محل نزاع والصحيح أنه تشبيه، وإن كان التقدير هم كصم، لَمَّا حذفت الأداة جُعِلَ الْمُشَبّه به خبًرا عن الْمُشَبّه، لَمَّا [لم يكن جارًّا] لم يكن مجرورًا بالكاف المحذوفة حينئذٍ وقع فيه لبس، أي أنت أسد، وحذف منهما الْمُشَبّه وأداة التشبيه. والثاني نحو قولك: زيدٌ أسدٌ. وحذفت أداة التشبيه فقط، فهو تشبيه بليغ على الصحيح لا استعارة. إذًا هذان النوعان وقع فيهما نزاع، وهو النوع الأول أن يحذف الْمُشَبّه مع الأداة ويجعل الْمُشَبّه به خبرًا عن المبتدأ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ - احفظ هذا المثال - هم كصم هذا الأصل.
الثاني أن تحذف الأداة فقط ويبقي الْمُشَبّه. زيدٌ أسدٌ. ماذا صنعتَ؟ أبقيت الْمُشَبّه والْمُشَبّه به طرفين وحذفت الأداة، هذا فيه نزاع كذلك، والصحيح في الموضعين أنهما تشبيه اصطلاحًا لا استعارة. انتهينا من التعريف.
ثم قال رحمه الله تعالى:
وَطَرَفَا التَّشْبِيهِ حسِّيَّانِ ... وَلِّوْ خَيَالِيًّا وَعَقْلِيَّانِ
وَمِنْهُ بِالْوَهْمِ وَبِالْوُجْدَانِ ... أَوْ فيهِمَا يَخْتَلِفُ الجُزْآنِ
لما كان الطرفان هما الأصل والعمدة في التشبيه لكون الوجه معنًى قائمًا بهما والأداة آلة في ذلك، قدَّم بحث ما يتعلق بالطرفين، المراد بالطرفين هما الْمُشَبّه والْمُشَبّه به، لأن البحث يكون في أمور:
أولاً: في الْمُشَبّه والْمُشَبّه به. في الطرفين على ما ذكر الناظم في البيتين.
الثاني: في الأداة.
الثالث: في وجه الشبَّه.
ثم يذكرون أغراض الشبّه، الغرض منه، ثم يذكرون أقسام كل منها.
فقال رحمه الله تعالى: (وَطَرَفَا التَّشْبِيهِ) أي الْمُشَبّه والْمُشَبَّه به، إما ... (حسِّيَّانِ) (وَعَقْلِيَّانِ)، والخيالي داخل في الحسيّ، والوهم والوجدان داخلان في العقل على الترتيب انظر في البيتين، (حسِّيَّانِ) أو (عَقْلِيَّانِ) هذا التقسيم، إما (حسِّيَّانِ) أو (عَقْلِيَّانِ) أو مختلفان ولو خياليًّا هذا نوع من أنواع الحسّيّ داخل فيه، و (مِنْهُ) أي من العقليّ (بِالْوَهْمِ وَبِالْوُجْدَانِ) إذا الوهم والوجدان داخلان في العقل، (أَوْ فيهِمَا يَخْتَلِفُ الجُزْآنِ) يعني بعضه حسيّ وبعضه عقليّ. إذا القسمة ثلاثية، طرف التشبيه ثلاثة أقسام: إما (حسِّيَّانِ) وإمّا (عَقْلِيَّانِ)، وإما مختلفان. الحسِّيَّان أن يكون كلٌّ من الْمُشَبّه والْمُشَبّه به حِسِّيّ.
والعقليان أن يكون كل من الْمُشَبّه والْمُشَبّه به عقليّ.
ومختلفان أن يكون الأول والمشبّه حسي، والمشبه به عقلي، والنوع الثاني أن يكون الْمُشَبّه عقلي وأن يكون الْمُشَبّه به حسي. هذا ما يعبر عنه بالمختلفين، واضح هذا؟
стр. 236
نشرع (وَطَرَفَا التَّشْبِيهِ) أي الْمُشَبّه والْمُشَبّه به إما (حسِّيَّانِ)، أي كل منهما حسي منسوب إلى الحسيّ، والمراد به هنا الحسّ الظاهر لأن الحسّ قد يقال بأن المراد به حسّ الباطن وهو الوجدان، ويطلق في الأصل ويراد به الحسّ الظاهر وهو حقيقته هنا يعني الحسيّ المراد بالحسي المراد به الْمُدْرَكُ هو أو مادته بأحد الحواس الخمسة، أو بإحدى الحواس الخمسة. المدرك يعني الذي يُدرك، والإدراك واضح، هو أو مادته، هو يعني: بتركيبه وأجزائه، أو مادته يعني مفرداته التي تألف المركب منها، إذًا الحسيّ هنا قد يكون مركبًا فيدرك الشيء كله بالحسِّ، وقد لا يدرك بالحس وإنما تدرك مفرداته التي تألف منها، وسيأتي مزيد بيان. والمراد هنا بالحواس الخمس التي هي: البصر والسمع والشم والذوق واللمس. هذه الحواس الخمس. فإذا أُدْرِكَ الْمُشَبّه أو الْمُشَبّه به هو أو مادته يعني التي تألف منها بإحدى الحواس الخمس فهو الحسيّ، يعني الذي يُسمى حسِّيًّا، كتشبيه الخدّ بالورد، في المبصرات، خدّ ورد، الخدّ كالورد مثلاً في الحمرة، الْخَدّ هذا مُشبّه والورد مُشبَّهٌ به، وكلاهما حسيّ لأنه مدرك بالبصر يدرك بالبصر. والصوت الضعيف بالهمس، إذا شبه الصوت الضعيف بالهمس، الصوت كالهمس. حينئذ نقول: كلاهما حسيّ لأن كلاًّ من الْمُشَبّه والْمُشَبّه به مدرك بالسمع، هذا من المسموعات، وكالنكهة بالعنبر في طيب الرائحة هذا من المشمومات، وكتشبيه الريق بالشهد أو بالخمر في اللذة - إذا كان يتلذذ - أو في إزالة عقل الشارب، حينئذٍ شُبِّهَ الخمر أو الرّيق بالخمر كلاهما مما يُذاق حينئذٍ هذا في المذاقات، وكتشبيه الجلد الناعم بالحرير، في ماذا؟ في اللمس. إذًا هذه كلها الْمُشَبّه والْمُشَبّه به يدرك بالحسِّ. ودخل في الحسيّ بزيادة قولهم أو مادته هو الخيال، مادته يعني المفردات التي تألف منها الكلّ، فعندنا مادة وعندنا كلّ هيئة، قد تكون المادة مدركة بالحسّ، وأما الكلّ فلا يدرك بالحسّ إنما يكون بالخيال، فدخل بالحسّ بزيادة قولهم أو مادته الخيال كما أشار إليه الناظم في قوله: (وَلِّوْ خَيَالِيًّا). يعني ولو كان المدرك (خَيَالِيًّا) خيالي هذا خبر كان المحذوفة مع اسمها.
وبعد إن ولو كثيرًا لاشتهر
«ولو خاتمًا من حديد». يعني ولو كان الملتمس خاتمًا، وخاتمًا خبر كان المحذوفة مع اسمها.
ويحذفونها ويبقون الخبر ... بعد إن ولو كثيرًا لأشتهر
стр. 237
(وَلِّوْ خَيَالِيًّا) يعني ولو كان المدرك بالحس (خَيَالِيًّا)، وهو ما كانت مادته يعني مفرداته تدرك بالحسّ، وأما هو فلا لأنه غير موجود، يعني لو تخيل الذهن هيئة مركبة من أشياء حسِّيّة لكنه لا وجود له في الخارج، فحينئذٍ لو وجد في الخارج لأدرك بالحسّ، وهو الخيالي المعدوم، يعني غير موجود في الخارج، وإنما تصوره الذهن، المعدوم الذي فُرِضَ مُجْتَمِعًا من أمور كل واحد منها مما يدرك بالحسِّ دون المجموع المركب منها. إذًا (وَلِّوْ خَيَالِيًّا) المراد بالخياليّ المعدوم الذي فُرِضَ مُجْتَمِعًا من أمور كل واحد منها مما يدرك بالحسِّ، يعني تخيل الذهن شيئًا مركبًا هذا الشيء المركب لا وجود له في الخارج، رَكَّبْتَهُ من ماذا؟ ركبته من أِشياء محسوسة لو وُجِدَ مَا رُكِّبَ من محسوس في الخارج يُدْرَكُ بماذا؟ بالحسِّ. لذلك صار الخيالي حسِّيًّا، دخل في الحسّ. المعدوم إذا هو غير موجود، الذي فُرِضَ مُجْتَمِعًا من أمور كل واحد منها مما يدرك بالحسِّ دون المجموع المركب منها، كما في قول الشاعر:
وكأن مُحْمَرّ الشقيق إذا تَصَوَّبَ أو تَصَعَّدَ
أعلام ياقوت نُشِرْنَ على رماح من زبرجد
هنا ماذا صنع؟ شَبَّه الشقيق، الشّقيق المراد به ورد أحمر في وسطه سوادًا شبَّه الشقيق بعلم الياقوت لحمرته، والعود الأخضر الرقيق الذي هو ساقه بالرمح من زبرجد، وهو حجر أخضر معروف، أعلام ياقوت ليس عندنا أعلام ياقوت، يعني كأنه قال: أعلام من ذهب، على ساق من فضة، هذا له وجود في الخارج؟ لا. ولكن الذهب والفضة لها وجود في الخارج، فركَّب من الذهب والفضة شيئًا مجتمعًا لا وجود له في الخارج، لكن لو وُجِدَ لكان مدركا بالحسّ، فإن كلاًّ من العلم والياقوت والرمح والزبرجد محسوس، لكن هذا المركب الذي مادته تَرَكَّبَ منها كل واحد منها حَسِّيّ، لكن هذا المركب الذي هذه الأمور مادته ليس بمحسوس، لماذا؟ لأنه غير موجود، لو تخيلت طائرًا بخمسة أجنحة أو برأسين .. إلى آخره، نقول: هذا وجوده وجود ذهني، لكن مركب من ماذا؟ أنت أدركت الجناح وعرفته، وهو شيء في الخارج محسوس، لو وجد بهذه الصفة في الخارج لكن مدركًا بالحسِّ، لأنه ليس بموجود لأن الحسّ إنما يُدْرِكُ ما هو موجود في المادة حاضر عند الْمُدْرِك على هيئات مخصوصة محسوسة. إذًا الأعلام التي هي من ياقوت أعلام ياقوتية منشورة على رماح من زبرجد هذا لا وجود لها، وأما المادة التي أُلِّفَتْ منها هذه الهيئة فهي موجودة، هذا يُسمى ماذا؟ يُسمّى خياليًّا، وهو داخل في الحسِّ بمعنى أنه لو وُجِدَ في الخارج لكن مُدْرَكًا بالْحِسِّ، والعقل يتصور ما لا وجود له في الخارج كما مرَّ معنا، وإِمّا (عَقْلِيَّانِ) نقول: هذا يقابل (حسِّيَّانِ)، إذًا طرفا التشبيه الْمُشَبّه والْمُشَبّه به، إما أن يكون حِسِّيَّينِ ودخل فيهما الخيالي وهو المعدوم المفروض وجوده قد أُلِّفَ من أشياء محسوسة.
стр. 238
قال: (عَقْلِيَّانِ) أي منسوب كلاهما إلى العقل وهو ما عدا ذلك، أي ما لا يكون هو ولا مادته مدركًا بإحدى الحواس الخمس، لا يدرك هو ولا مادته يعني المفردات التي تَأَلَّفَ منها المركب لا يدرك بإحدى الحواس الخمسة الظاهرة، وإنما يدرك بالعقل يعني الذي يفهمه العقل. قالوا: كما في تشبيه العلم بالحياة، العلم ليس محسوسًا يعني لا يدرك بالحس لا بالبصر ولا بالشم ولا يذاق، والحياة كذلك لا تشم ولا تدرك بالبصر إذا انتفى عن الطرفين إدراك الحواس الخمس، ووجه الشبه لهما كونهما جهتي إدراك. إذا العقلي هو ما لا يدرك هو ولا مادته بالحسِّ كالعلم والحياة. (وَمِنْهُ بِالْوَهْمِ) يعني (مِنْهُ) يعني من العقلي الوهمي، وهو ما يدرك بالْوَهَمِ الذي لا يكون للحسِّ مدخل فيه مع أنه لو أُدْرِك لم يُدرك إلا بها، يعني لا يُدرك بإحدى الحواس الخمسة المذكورة السابقة، مع أنه لو أدرك لم يُدرك إلا بإحدى الحواس الخمس بخلاف الخيال السابقة، السابق إذا للحسّ فيه مدخل فإنه منتزع منه، هنا المفردات عقلية، والهيئة عقلية، لو وجد في الخارج لأُدرك بالحس بخلاف الخيالي، الخيَال الهيئة المجتمعة لا تُدرك بالعقل، ولو أُدركت بالخارج لأدركت بالحس حينئذٍ لما تألفت وتكونت من المحسوسات تعلقت بالحسّ ولذلك دخلت هنا. هنا الوهمي الذي لا يكون الحسِّ مدخل فيه مع أنه لو أدرك لم يدرك إلى بها، وبهذا القيد يتميز عن العقلي كما في تشبيه قول أبي تمام:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زُرقٌ كأنياب أغوالِ
غول ولها أنياب، أين الغول؟ لا وجود لها، أين أنياب الغوال؟ لا وجود لها، حينئذ هي موجودة في العقل لكن الغول لو وُجِدَ في الخارج لأُدْركت بماذا؟ بالحسِّ لأنها منسوبة إلى نوع من أنواع الحيوان، وأنيابها من باب أولى أن تُدْرَك بالحسِّ. إذًا أنياب أغوال، يعني أظفار أغوال، هي الغول لم توجد في الخارج حينئذ أنيابها من باب أولى، فلو أدرك هذا الشيء إنما يُدرك بالحسِّ. إذًا هذا يُسمى ماذا؟
يُسمى وهمي لأن متوهم لا وجود له في الخارج، لو وُجِدَ على سبيل الافتراض لكان إدراكه يكون بالبصر، فأنياب الأغوال مما لا يُدركه الحسّ، لماذا؟ لعدم وجودها، لكنها لو أُدْرِكَت لَمْ تُدرك إلى بحس البصر، هذا الوهمي، وكذا من العقلي ما يُدرك بالوجدان يعني الحسّ الباطن الذي يُسمى بالوجدانيات، أي يُدرك بالقوى الباطنة وتسمى وجدانيات، لكون الإنسان يُدركها بقواه الباطنة، ويجدها من نفس اللذة والألم والجوع والشبع والهم والفرح وما شاكل ذلك، فليس إدراك شيء من هذه المعاني يكون بالحواس الظاهرة، أليس كذلك؟ وليست من العقليات الصرفة، بل من الوجدانيات التي تُدرك بالقوى الباطنة، فيَعلم من نفسه أنه على جوع لكنه لا بدلالة العقل ولا بدلالة البصر ولا بدلالة السمع ولا بالشم ولا بغيره، وإنما يُسمى بالحس الباطن. إذا من العقلي بالوجدان أي ما يدرك بالقوة الباطنة كاللذة وما عطف عليها، وهذان داخلان تحت قوله: (عَقْلِيَّانِ). إذا الوهمي والوجداني هما من أقسام العقلي.
стр. 239
(أَوْ فيهِمَا يَخْتَلِفُ الجُزْآنِ)، (أَوْ فيهِمَا) أو للتنويع، والعطف هنا على (حسِّيَّانِ). (أَوْ فيهِمَا) أي في طرفي التشبيه يختلف الجزءان بأن يكون الْمُشَبّه عقليًّا والْمُشَبّه به حِسِّيًّا، عرفنا المراد بالعقلي ويشمل الوهمي والوجداني، والْمُشَبّه به الحسي ويشمل الخيالي كتشبيه المنية بالسبع، المنية بالسبع، مشبه هنا عقلي لأن لا تدرك بالبصر ولا بالسمع ولا بالذوق، والْمُشَبّه به هو السبع هذا حسيّ، إذا الْمُشَبّه هنا والْمُشَبّه به اختلفا حسًّا وعقلاً، هذا يُعبر عنه بالمختلفين بأن يكون الأول عقليًّا كالمنية، والثاني يكون حسيًّا كالسبع، أو العكس يكون الْمُشَبّه حسيًّا والْمُشَبّه به عقليًّا كالعكس في التشبيه السابق، تشبيه السبع بالمنية، وكتشبيه النور بالهدى، فإن النور حسي يدرك بالبصر والهدى عقلي ووجه الشبه بينهما كونهما جهتي وصول إلى المقصود. إذًا هذا ما يتعلق بطرفين التشبيه.
ثم قال: (وَوَجْهُهُ مَا اشْتَرَكَا فِيهِ). (وَوَجْهُهُ) بعد ما أنهى الكلام على الطرفين شرع في الكلام على الجامع بينهما وهو وجه الشبه، يعني المعنى الذي وُجِدَ في الْمُشَبّه به فأُلْحِقَ أو العكس وُجِدَ في الْمُشَبّه فأُلْحِقَ بالْمُشَبّه به، يعني وُجد هذا الوصف في المشبه، ثم لوجوده في المشبه به [أُلحق الثاني] أُلحق الأول بالثاني، يعني الْمُشَبّه بالْمُشَبّه به، فوجود الوصف أولاً يكون في الْمُشَبّه به، هذا لا كلام فيه، وإنما يتحقق وجود الوصف في المشبه لأن هذا ما يكون أشبه بالقياس، إلحاق النظير بالنظير، وهو وجه الشبه، وقدَّمه على ما يليه لأن له مَدْخَلِيَّةً في مفهوم التشبيه كالطرفين، فقال: (وَوَجْهُهُ) أي وجه الشبه واحدًا كان أو متعددًا كما سيأتي في تقسيم الناظم (مَا اشْتَرَكَا فِيهِ)، أي معنًى (مَا) هنا اسم موصول بمعنى الذي يصدق على المعنى، لأن الكلام هنا في المعاني، (مَا) أي معنًى (اشْتَرَكَا) الألف هذه فاعل، أي الطرفان الْمُشَبّه والْمُشَبّه به، (فِيهِ) أي في المعنى الذي قُصِدَ اشتراك الطرفين فيه، والمراد هنا المعنى الذي له زيادة اختصاصٍ بالْمُشَبّه، وقصد اشتراكهما فيه، يعني كما ذكرنا سابقًا زيدٌ مثلاً قلنا: زيدٌ كالأسد هنا يشتركان في أوصاف متعددة كثير من الذاتيات مثلاً وغيرها، كل منهما حيوان وكل منهما جسمٌ وكلٌ منهما موجود وكلٌ منهما يأكل ويشرب ويناسل هذه أوصاف مشتركة بين زيدٍ والأسد ولكن ليس شيئًا منها مقصودٌ فيه بالتشبيه، وإنما المراد به المعنى القائم بالْمُشَبّه به فوجد في الْمُشَبّه وامتاز الْمُشَبّه به عن غير به، يعني بالشجاعةٍ مثلاً.
ثم قال رحمه الله تعالى:
............. وَجَا ... ذَا فِي حَقِيقتيهِمَا وَخَارِجَا
وَصْفاً فَحِسِّيٌّ وَعَقْلِيٌّ ... ..........................
يعني ينقسم وجه الشبه إلى حقيقي وخارجي، يعني خارجٌ وداخلٌ، ثم الخارجي نوعان: وصفٌ وإضافيٌ، والوصف نوعان: حسيٌ وعقليٌ وهذا يأتي بحثه فيه طولاً.
والله أعلم، وصلّى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 240
عناصر الدرس
* بيان وجه الشبه وأنواعه.
* بيان أداة التشبيه والغرض من التشبيه.
* أنواع التشبيه باعتبار أركانه.
* الحقيقة والمجاز.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فلا زال الحديث في المقصد الأول من المقاصد الثلاث في علم البيان، وقلنا: هو محصورٌ في ثلاثة مقاصد: التشبيه، ثم المجاز، ثم الكناية. وشرع في التشبيه وعرفنا حقيقته وأنه مقومٌ من أربعة أركان، وبَيَّنَ ما يتعلق بالركنين الأولين في قوله:
وَطَرَفَا التَّشْبِيهِ حسِّيَّانِ ... وَلِّوْ خَيَالِيًّا وَعَقْلِيَّانِ
وَمِنْهُ بِالْوَهْمِ وَبِالْوُجْدَانِ ... أَوْ فيهِمَا يَخْتَلِفُ الجُزْآنِ
ثم شرع فيما يتعلق بالركن الثالث وهو وجه التشبيه. بعد إنهاء الكلام في الطرفين شرع في الكلام عن الجامع بينهما وهو وجه الشبه. ويُعَبِّرُ عنه السيوطي بـ (وجه التشبيه). وقدَّمَهُ على ما يليه لأن له مدخليةً في مفهوم التشبيه كالطرفين، فقالوا: (وَوَجْهُهُ) أي وجه الشبه واحدًا كان أو متعددًا، يكون وجه الشبه واحدًا، يعني شيئًا واحدًا، وقد يكون متعددًا كما يأتي (مَا اشْتَرَكَا فِيهِ)، (مَا) أي المعنى أو معنًى (اشْتَرَكَا) أي الطرفان الْمُشَبَّه والْمُشَبَّه به (فِيهِ) أي في ذلك المعنى الذي قُصِدَ اشتراك الطرفين فيه، والمراد هنا ليس مطلق المعنى لأنه كما مرَّ معنا أن قولك: زيدٌ كالأسد ثَمّ اشتراك في الوجود والحيوانية، وما يتعلق بأعراض كُلاًّ منهما ولكن المراد أن ثَمَّ معنًى وُجِدَ في الْمُشَبَّه به ووُجِدَ في الْمُشَبَّه، وأريد إلحاقه به، إذ التشبيه إلحاق الفرع بالأصل، والمراد المعنى الذي له زيادة اختصاصٍ بالْمُشَبَّه وقد اشتركا فيه كالشجاعة في قولك: زيدٌ كالأسد. الأسد لا شك أنه متفقٌ على أنه شجاع، ووُجِدَ [في] هذا الوصف في زيد قلت: زيدٌ كالأسدِ. في ماذا؟ في الشجاعة. إذًا كون هذا الوصف موجودًا في الْمُشَبَّه به هذا لا إشكال فيه، وإنما هل هو موجودٌ في الْمُشَبَّه باعتبار المتكلم؟ نعم، زيدٌ كالأسد. ثم قال: (وَجَا) بالقصر للضرورة وهو لغة مثل هذه يقال: لغة. وإن كان الشارح أنه قال: إنه بالقصر للضرورة (وَجَا ** ذَا) أي وجه الشبه، وجه الشبه ينقسم إلى نوعين:
- إلى خارجٍ عن حقيقة الطرفين.
- وغير خارج.
стр. 241
خارج، وغير خارج. وهذا الاصطلاح كما مرّ معنا اصطلاحٌ منطقي خارجًا عن الذات، وليس بخارجٍ عن الذات. ما كان داخلاً في الذات كالكلِّ الحقيقي، والكل العرضيّ، والمراد هنا ما كان داخلاً في الذات كالجنس والنوع أو تمام الذات فهذا داخل، وما كان وصفًا فهو العرضي هذا الخارجي. ولذلك قال: (وَجَا ** ذَا) أي وجه الشبه غير خارجٍ عن حقيقة الطرفين، كما أشار إليه في قوله: (فِي حَقِيقتيهِمَا) أي حقيقة الطرفين. وذلك [بأن يكون تمام الماهية النوعية] (١) نعم بأن يكون تمام ماهيتها النوعية، أو جزءً منها مشتركًا بينهما وبين ماهيةٍ أخرى كما في تشبيه إنسانٍ بإنسان في كونه إنسانًا، أو الأوضح من هذا أن يقال: تشبيه ثوبٍ بآخر في الجنس والنوع، كما يقال: هذا القميص مثل هذا، يعني في كونه من قطنٍ أو كتان أو نحو ذلك، وهذا تشبيهٌ به في الجنس، أو أن تقول: هذا الثوب مثل هذا في كونه قميصًا لا في الجنس الذي وُجِدَ منه، قد يقال: هذا الثوب مثل هذا، والمراد به أنه مصنوعٌ من قطنٍ ونحوه، وقد يقال: هذا الثوب مثل هذا، يعني في الهيئة. فحينئذٍ الأول في الجنس، والثاني في النوع. أو يقال: هذا مثل هذا. وتقصد به إنسان شَابَهَ إنسانٍ آخر، وكل منهما قدرٌ مشترك في الإنسانية التي هي الحيوان الناطق، أو جزءها كما في تشبيه بعض الحيوانات بالإنسان في كونه حيوانًا، على كلٍّ ما كان داخلاً يراد به الجنس والنوع.
مثالٌ أوضح أن يقال: هذا الثوب مثل هذا. في كونه مصنوعًا من قطنٍ ونحوه، وإن كان المراد به الهيئة العامة والنوع فيقال: هذا الثوب مثل هذا. يعني في كونه قميصًا. وجاء وجه شبهٍ خارجًا (وَخَارِجَا) يعني عن حقيقة الطرفين (وَصْفًا) هذا تابع لقوله: خارجًا. (خَارِجَا وَصْفًا فَحِسِّيٌّ وَعَقْلِيٌّ) هذا نوع للوصف، و (وَصْفًا) أي صفة، وتلك الصفة على نوعين - عند البيانيين -:
- إما حقيقة.
- أو إضافية.
والأولى الحقيقة:
- إما حسية.
- وإما عقلية.
ولذلك قال: (وَصْفًا فَحِسِّيٌّ) الفاء هذه فاء الفصيحة، (فَحِسِّيٌّ) فهو حسيّ أي الوصف. (وَعَقْلِيٌّ) يعني وهو عقليّ، أو منه حسيّ ومنه عقليّ يحتمل النوعين أو الوجهين. إذًا هذان النوعان الحسيّ والعقليّ وصفان أو نوعان للوصف الحقيقي وليس داخل فيه مفهوم الإضافي.
إذًا الصفة:
إما حقيقة، وهذه تنقسم إلى قسمين: حسية، وعقلية.
وإما إضافية.
стр. 242
فالحسية المشار إليها بقوله: (فَحِسِّيٌّ) أي مدرك بالحسّ. حسّ يعني مدرك بإحدى الحواس الخمس. كالكيفيات الجسمية مما يدرك بالبصر من الألوان والأشكال والمقادير والحركات وما يتصل بها كالحسن والقبح والضحك والبكاء، هذه كلها متعلق بالبصر، أو بالسمع من الأصوات الضعيفة والقوية والتي بين بَين، أو بالذوق من الطعوم، أو بالشمّ من الروائح، أو باللمس من الحرارة والبرودة ونحوها. هذا ما يتعلق بالحسّ. يعني ما كان مدركًا بإحدى الحواس الخمس. والعقلية المشار إليها بقوله: (وَعَقْلِيٌّ) كالكيفيات النفسانية من الذكاء والتيقظ والمعرفة والعلم والقدرة والكرم والسخاء والحلم والغضب وما جرى مجراها من الغرائز والأخلاق. هذه لا تدرك بالبصر ولا بالسمع ولا بالذوق ولا بغيرها، حينئذٍ إذا انتفى إدراكها بالحواس الخمس حينئذٍ صار إدراكها بالعقل.
والإضافية التي تقابل الحقيقة كإزالة الحجاب في تشبيه الحجة بالشمس، يعني بأن يكون معنًى متعلقًا بشيئين هذا المراد بالإضافية، لأن الإضافة بالنسبة كما يقال الابتداء حقيقي وابتداء نسبي. إذًا النسبي هنا باعتبار شيء آخر فيكون بين أمرين، بأن يكون معنى متعلق بشيئين كإزالة الحجاب في تشبيه الحجة بالشمس، لو شبه الحجة بالشمس ما وجه الشبه؟ إزالة الحجاب. هل إزالة الحجاب موجودة في الشمس فقط دون الحجة؟ أو في الحجة دون الشمس؟
الجواب: لا، وإنما هي متعلقة بالطرفين، هذا يسمى ماذا؟ إضافية. فإنها ليست هيئة متقررةً في ذات الحجة ولا في ذات [الحجاب] (١) إزالة الحجاب. نقول: هذا وصف إضافي. يعني باعتبار النوعين لا باعتبار وجوده في شيء دون آخر. ثم ذكر تقسيمًا آخر لوجه الشبه، فقال:
........... وَذَا ... وَاحِدًا أوْ فِي حُكْمِهِ أَوْ لاَ كَذَا
стр. 243
(وَذَا) أي وجه الشبه. إما واحدًا أو في حكمه، والمراد في قوله: ... (وَاحِدًا) ما يُعَدُّ في متعارف اللغة أمرًا واحدًا، يعني غير مركب، شيء واحد، سواء كان حقيقةً لا جزء له كمفهوم الجوهر، إن صح، أو لها جزء، لكن اعتبر أجزاؤها منضمًا بعضها إلى بعض ووضع بإزاء مجموعها لفظ مفرد، إذًا المراد بالواحد هنا: ما كان لفظًا مفردًا، سواء كان مدلوله شيئًا واحدًا أو كان شيئًا مركبًا لكنه بانضمامه بعضه إلى بعض صار شيئًا واحدًا. وهذا الذي عناه بقوله: (أوْ فِي حُكْمِهِ) أمرًا واحدًا، يعني شيء واحد لا يتجزأ، أو يكون متجزئًا لكنه لما انضم بعضه إلى بعض صار شيئًا واحدًا، ولذلك قال: (أوْ فِي حُكْمِهِ) يعني في حكم الواحد. ووضع بإزاء مجموعها لفظ مفرد فإنها بهذا الاعتبار تُعَدُّ أمرًا واحدًا كمفهوم الإنسان، الإِنسان ما مفهومه؟ مركب من شيئين وهو كونه حيوانًا ناطقًا، الحيوانية شيء، والناطقية شيء آخر. إذًا رُكِّبَ منهما وصار شيئًا واحدًا، صار هو مدلول الإنسان. لا ينفك الحيوان عن الناطق كما أنه لا ينفك الناطق عن الحيوان. إذًا صار لفظ إنسان مفردًا ومدلوله شيء واحد. ثم هذا الشيء الواحد ليس باعتبار الأصل وإنما بعد الانضمام كمفهوم الإنسان، وهذا هو الذي عناه الناظم بقوله: (أوْ فِي حُكْمِهِ). إما واحدًا (أوْ فِي حُكْمِهِ)، أي في حكم الواحد نُزِّلَ مُنَزَّلَتَهُ لكونه من أمرين أو أمور متعددة، وكل واحد منهما حسيّ أو عقليّ، يعني الأول هذا الذي وجه الشبه يكون واحدًا (أوْ فِي حُكْمِهِ) إن اعتبرناهما اثنين كل واحد منهما إما حسيّ وإما عقليّ، وعرفنا المراد بالحسيّ وهو المدرك بإحدى الحواس الخمس، والمراد بالعقلي وهو ما يُدرك بغير الحواس الخمس. (أَوْ لاَ كَذَا)، (أَوْ لاَ) يكون (كَذَا) يعني كالأمر الواحد ولا في حكمه، ودخل تحت هذا النوع نوعان:
- ما يسمى بالمركب.
- وما يسمى بالمتعدِّي.
إذًا (أَوْ) هذا للتنويع، عطف على قوله: (وَاحِدًا أوْ فِي حُكْمِهِ) أي لا يكون واحدًا ولا في حكم الواحد بأن يكون متعددًا أو مركبًا، فدخل تحت قوله: (أَوْ لاَ كَذَا) نوعان. حينئذٍ وجه الشبه: إما واحدًا، وإما مركبًا، وإما متعددًا. (أوْ فِي حُكْمِهِ) هذا لا يذكره كثير من البيانيين، إنما هو تصرف من الناظم لعله تبع أحدًا ما، (أَوْ) ثلاثة أنواع: إما واحدًا أمرًا واحدًا، وإما أن يكون متعددًا، وإما أن يكون مركبًا. والمركب لا شك أنه مأخوذ من متعدد. هذا مركب معناه أجزاء، والمتعدد لا شك أنه أجزاء، والفرق بينهما كما سيأتي.
والمركب من متعددٍ:
- إما تركيبيًا حقيقيًّا بأن يكون وجه الشبه حقيقةً ملتئمةً من أمور مختلفة.
- أو تركيبًا اعتباريًّا بأن يكون هيئة انتزعها العقل من عدة أمور.
إذًا المركب من متعددٍ إما أن يكون تركيبًا حقيقيًّا، وهذا متى؟ أن يكون وجه الشبه حقيقةً ملتئمة، يعني مأخوذة من عدة أمور، أو يكون اعتباريًّا بأن يكون هذه الصورة لا وجود لها في الخارج وإنما انتزعها العقل من عدة أشياء، وبالمثال يتضح المقام.
стр. 244
والمتعدد هذا المقابل للمركب بأن ينظر - يعني الناظر - إلى عدة أمور ويقصد اشتراك الطرفين في كل واحد منها، أي يكون كل منها وجهًا للشبه، يعني يُشَبِّهُ شيئًا بشيء في عدة أمور، ووجه الشبه يكون متعددًا، زَيْدٌ كَعَمْرٍو في كونه عالمًا أديبًا حييًّا هذه ثلاث صفات، شَبَّهْتَ زيد بعمرو في ماذا؟ في ثلاثة أشياء، وجه الشبه نقول: هنا متعدد. كل واحد من هذه الأمور هو وجه شبه، أليس كذلك؟ لأنك أردت ماذا؟ أردت اشتراكهما في صفة العلم، وفي صفة الأدب، والحياء. نقول: هذه الثلاثة. كلها مرادة، وكل واحد منها وجه شبه. هذا يُسمى ماذا؟ يسمى متعددًا، أما المركب فيخالف هذا.
إذًا المتعدد بأن ينظر الناظر إلى عدة أمور عدة أشياء ويقصد اشتراك الطرفين في كل واحد منها، أي يكون كل منها وجهًا للشبه، ولهذا يعني بهذا التعبير فارق المركب، فإنه لم يقصد فيه اشتراك الطرفين في كل من تلك الأمور بل في الهيئة المنتزعة أو في الملتئمة منها، بمعنى أن المركب مركب من عدة أشياء، ولكن لم يلاحظ فيه كل فرد على جهة الانفراد، وإنما هذه الأمور المتعددة لها هيئة انتزع من هذه الأمور المتعددة هيئة صار هو وجه الشبه، حينئذٍ الفرق بين المتعدد المركب أن كلاً منهما مركب من أجزاء، إلا أن المتعدد كل جزء من هذه الأجزاء هو وجه شبه بعينه، وأما المركب فلا، ليس كل جزء من هذه الأمور المتعددة هو وجه شبه، بل الهيئة العامة التي أخذها الناظر أو المتكلم الْمُشَبَّه أخذها من هذه الأمور المتعددة.
وهذه الأقسام الثلاثة: إما حسي، وإما عقلي. أمر واحد، متعدد، مركب.
الأمر الواحد: إما حسي وإما عقلي.
والمركب: إما حسي وإما عقلي.
والمتعدد: إما حسي وإما عقلي.
فهذه ستة أقسام، ويزيد الثالث الذي هو المتعدد بالاختلاف أي بعضه حسيّ وبعضه عقلي. حينئذٍ صارت القسمة سبعة، يعني المتعدد يكون كل من الطرفين حِسِّيَّيْنِ، ويكون كل من الطرفين عقليين، وقد يكونا مختلفين الأول حسيّ والثاني عقليّ أو بالعكس. والمراد بالحسيّ من وجه الشبه هنا ما يكون طرفاه حِسِّيَّيْنِ لا غير، يعني يكون الْمُشَبَّه حِسِّيًّا، ويكون الْمُشَبَّه به حِسِّيًّا، فلا يجوز أن يكون كلاهما أو أحدهما عقليًّا - انتبه هنا - اصطلاح خاص في وجه الشبه.
стр. 245
إذا قيل: حسيّ: المراد به أن الْمُشَبَّه والْمُشَبَّه به كلاهما حسيان. فإن كانا عقليين أو أحدهما عقليّ فليس بحسيّ، فليس كل ما رأيت الْمُشَبَّه به فقط حسيًّا فهو حسيّ لا بد أن ينظر في الْمُشَبَّه هل هو حسيّ مثله أم لا؟ فإن اتفقا في أن كلاً منهما حسيّ فحينئذٍ فهو حسيّ، فإن اختلفا فحينئذٍ لا يكون حسِّيًّا بل يكون عقليًّا. فلا يجوز أن يكون كلاهما أو أحدهما عقليًّا لامتناع أن يُدرك بالحسّ من غير الحسّ شيء. والمراد بالعقلي ما هو أعمّ من الحسّي أن يجوز أن يكون طرفاه حسيين أو عقليين أو أحدهما حسيًّا والآخر عقليًّا. الواحد الحسيّ مثاله يعني من وجه الشبه. قالوا: كتشبيه الخد بالورد. رجعنا [ها ها] كتشبيه الخد بالورد هذا حسيّ لأن الخد حسيّ والورد حسيّ ووجه الشبه ما هو؟ في الحمرة، والحمرة هذه حسية وصف لأنها مدرك بالبصر، الأحمر تدركه بماذا بالعقل أو البصر؟ [هاه يا سلطان] بالبصر، إذًا هو حسيّ هذا واحد، وهو شيء واحد أو متعدد؟ الحمرة يعني اللون الأحمر؟ هو شيء واحد. إذًا الواحد الحسيّ من وجه الشبه كتشبيه الخد بالورد، فإن وجه الشبه الجامع بين الْمُشَبَّه والْمُشَبَّه به هو حمرة اللون وهو شيء واحد.
إذًا كل ما شبه شيء بشيء في اللون فهو حسيّ، ويكون ماذا؟ إذا كان اللون واحدًا فيكون شيئًا واحدًا.
والواحد العقلي من وجه الشبه كتشبيه الشخص الشجاع بالسبع زَيْدٌ كَالأَسَدِ في ماذا؟ في الشجاعة. الشجَاعة هذا شيء عقليّ متعدد أو أمر واحد؟
أمر واحد، شيء واحد. إذًا الواحد العقلي من وجه الشبه كتشبيه الشخص الشجاع بالسبع، ووجه الشبه حينئذٍ بينهما الشجاعة، أو تشبيه العلم بالنور في الاهتداء الْعِلْمُ كَالنُّورِ نقول: هذا تشبيه عقليّ. لماذا؟ لكون وجه الشبه المراد به الاهتداء وهو شيء واحد. إذًا الواحد الحسيّ كتشبيه الخد بالورد في الحمرة، والواحد العقلي من وجه الشبه - الكلام في وجه الشبه الآن - الواحد العقلي كالعلم بالنور في الاهتداء.
ومثال المركب الحسيّ والمركب الحسيّ عرفنا أنه من متعددٍ، وليس كل واحد من هذه المتعدد مرادٌ لذاته، بل المراد هيئة منتزعة من الأمور، يعني هذه أشياء متعددة شكلت هيئة شبهت الشيء بالشيء في هذه الهيئة لا في كل فرد من أفرادها، مثاله قول الشاعر:
وقد لاح بالفجر، بعض الروايات بالصباح.
وقد لاح بالفجر الثُّرَيَّا [كما ترى] (١) ... كعنقود مُلاَّحِيَّة حين نورا
الثُّرَيَّا معروف هذا اسم لجملة من النجوم مجتمعة، يعني لها اجتماع بعضها قريب من بعض. كعنقود، الكاف أداة التشبيه، وعنقود مشبه به والثُّرَيَّا مشبه، إذًا شبه الثُّرَيَّا بعنقود، عنقود من ماذا؟ عنقود مُلاَّحِيَّة. قالوا: عنب أبيض في حبه طول. نَوَّرَا الذي هو العنقود، فالوجه هنا، ما الوجه؟ الهيئة الحاصلة من تقارن الصور البيض المستديرات الصغار المقادير في رأي العين، يعني تعرف عنقود العنب حينئذٍ إذا كان بجوار بعضه البعض وهو أبيض وكذلك الثُّرَيَّا بعضها قريب من بعض، حينئذٍ شبه الثُّرَيَّا باجتماعها وتلاصقها وقربها والنور الحاصل منها بعنقود مُلاَّحِيَّة، يعني عنب أبيض قريب بعضه من بعض.
стр. 246
هل لكل عنبة من هذه الأفراد هي مراده بذاتها أو المجموع؟
المجموع. إذًا شبه هيئة بهيئة، كأنه قال: كهيئة الثُّرَيَّا في الاجتماع والنور والاستضاءة كهيئة عنقود مُلاَّحِيَّة كأنها عنقود من عنب، عرفتموه هذا مثله.
إذًا الوجه هنا الهيئة الحاصلة من تقارن الصور البيض المستديرات الصغار المقادير في رأي العين، فهنا ماذا صنع؟ قالوا: نظر إلى عدة أشياء وقصد إلى الهيئة الحاصلة منها، هذا المركب الحسيّ لأن الثُّرَيَّا ونورها يُدرك بالحسّ، وعنقود الْمُلاَّحِيَّة يُدرك بالحسّ بالبصر. إذًا مركب حسيّ.
المركب العقلي كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة: ٥]. شَبَّه ماذا؟ الذين يحملون التوراة بالحمار، بجامع ماذا؟ قالوا: الوجه هنا حرمان الانتفاع، حمار يحمل أسفارًا فلم ينتفع بها، وهؤلاء الحمير البشرية حَمِلُوا التوراة فلم ينتفعوا بها، إذًا شبه هذا بذاك في ماذا؟ بجامع الحرمان، كل منهما محروم مما حمله، الوجه حرمان الانتفاع بأبلغ نافعٍ الذي هو التوراة مع تحمل التعب في اصطحابه وهو أمر عقليّ مأخوذ من أمور متعددة، هذا الأمر العقلي مأخوذ من أشياء متعددة، وهي صورة، يعني ليس كل واحد منها مقصودًا بذاته، بل المراد به الهيئة، لأنه رُوعِيَ فيه من جهة الحمار فعل مخصوص وهو الحمل، ومحمول مخصوص وهو الأسفار المشتملة على العلوم، إذًا حمار وشيء يحمله إذًا عندنا حمل، والحمل هذا ليس مطلق حمل وإنما المراد به الأسفار، والأسفار المراد بها كتب العلم التي فيها علم النافع، وهو الأسفار المشتملة على العلوم، وكون الحمار جاهلاً بما فيها، هذا أمر تزيده حمار وهو كاسمه جاهل ويحمل شيئًا مخصوصًا، ثُمَّ هذا الشيء المخصوص ليس كل شيء، وإنما شيء ينتفع به، وكذلك رُوعِيَ من جهة الْمُشَبَّه الذين يحملون التوراة فعل مخصوص وهو الحمل للتوراة لأنها بأيديهم، ومحمول مخصوص وهو التوراة المشتملة على العلوم، وكون اليهود جاهلين بما فيها حقيقةً أو حكمًا لعدم عملهم بمقتضاها. إذًا الصورة التي حصلت في التشبيه هنا مركب عقليّ، مركب من ماذا؟ من كونه الْمُشَبَّه به حمار، وثَمَّ فعل وهو حمل، والمحمول ثُمَّ عدم الانتفاع، هذه أربعة، أشياء ليس كل واحد منها مقصودًا لذاته، فليس الحمار هو المقصود لذاته فقط، وإنما بكونه حاملاً، وليست الأسفار مقصودة لذاتها بل المراد بها أنها شيء يُنتفع به، شُبِّهَ من يحمل التوراة ولم يعمل بما فيها بالحمار. إذًا هذا يسمى ماذا؟ مركبًا عقليًّا.
ومثال المتعدد الحسيّ تشبيه فاكهة بأخرى في اللون والطعم والرائحة، في لونها وهو مقصود لذاته، وطعمها وهو مقصود لذاته، ورائحتها وهو مقصود لذاته.
إذًا كل واحد من هذه الأشياء مقصودة لذاتها، لم ننظر إلى الهيئة المجتمعة ليس عندنا هنا هيئة مجتمعة، وإنما كل واحد من هذه الأشياء مقصودًا لذاتها، والعقليّ تشبيه رجل بآخر في العلم والحياء والحلم، هذه كلها مدركة بالعقل. إذًا متعدد الحسيّ كتشبيه فاكهة بأخرى فيما ذُكِر، والمتعدد العقلي تشبيه زيد بعمرو في العلم والحياء والأخلاق، هذه كلها مدركة بالعقل.
стр. 247
ومثال المتعدد المختلف: حسن الطلعة وكمال الشرف بتشبيه رجلٍ بالشمس، زيدٌ كالشمس، في ماذا؟ في حسن الطلعة وكمال الشرف وبالإضاءة مثلاً، حينئذٍ نقول هذه ثلاثة أشياء مع الشمس. إذًا قوله: ... (وَاحِدًا أوْ فْي حُكْمِهِ أَوْ لاَ كَذَا) شمل أنواع الشبه أوجه الشبه الثلاثة:
- إما أن يكون أمرًا واحدًا وهو إما حسي أو عقليّ.
- وإما أن يكون متعددًا وهو حسي أو عقليّ.
- وإما أن يكون مركبًا وهو حسي أو عقليّ.
وهذه ستة أنواع ويزيد المتعدد بكونه قد يختلف حينئذٍ صارت سبعة أنواع.
إذًا (وَذَا ** وَاحِدًا أوْ فْي حُكْمِهِ) هذا المراد به شيءٌ واحد الذي هو الواحد، (أَوْ لاَ كَذَا) أو لا يكون مثل ذا المشار إليه ما هو؟ الواحد وما في حكمه، يعني أو (ذَا)، (أَوْ لا)، (أَوْ لا) يكون (كَذَا) أي مثل (ذَا) المذكور، فهو عطفٌ عليه، فالحاصل أن وجه الشبه إما واحدٌ أو مركبٌ أو متعدد، وهذه على القسمة التي ذكرناها سابقًا.
ثم قال رحمه الله تعالى:
وَالْكَافُ أَوْ كَأَنَّ أَوْ كَمِثْلِ ... أدَاتُهُ وَقَدْ بِذِكْرِ الْفِعْلِ
هذا المبحث
الرابع أو الثالث؟
طرفان الْمُشَبَّه والْمُشَبَّه به هذان اثنان، الرابع إذًا، وأما أداته أي: أداة التشبيه، قلنا: لا بد من أداة تشبيه مشاركة أمرٍ لآخر في معنىً ليس مطلقًا، دلالة مشاركة أمرٍ لآخر، دلالة تكون من المتكلِّم إلى المخاطَب، طيب بأي شيءٍ يكون؟ بأداةٍ. ولذلك أما (أدَاتُهُ) فهي الكاف أي مسماها الكاف، ليس الكاف حرف كاف، إنما مسمى الكاف، وهي داخلة على قول كالأسد: زيدٌ كالأسد، الكاف هنا مسمى الكاف كا هو المراد (الْكَافُ) أي مسماها، أطلق الناظم هنا قال: (الْكَافُ). ومعلومٌ أن الكاف تأتي حرفًا وتأتي اسمًا
واستعمل اسمًا
كما قال ابن مالك، حينئذًٍ شمل اللفظ النوعين (وَالْكَافُ) سواء كان اسمًا أو حرفًا، وعليه زيدٌ كالأسد فيه وجهان من الإعراب صحيح؟ الوجه الأول؟
البلاغة ثمرة النحو، فمن لا نحو عنده لا يُثْمِرُ. [ها ها] نعم: كالأسد فيه وجهان مبتدأ
أي تكون هي؟
هي الخبر. إذًا الكاف خبر هكذا، تقول: زيدٌ مبتدأٌ، كالأسد الكاف خبرٌ المبتدأ مرفوع بالمبتدأ، ثم الكاف مضاف والأسد مضافٌ إليه، هذا جيد. النوع الثاني واضح، وهو أن يكون كالأسد جارٌ مجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. إذًا (الْكَافُ) أي مسماها حرفًا كانت أو اسمًا، (أَوْ كَأَنَّ)، (أَوْ) للتنويع، (كَأَنَّ) أي وكأن. قال الزجاج في كأن: هي للتشبيه ليست مطلقًا، بل إذا كان الخبر جامدًا. يعني فصَّل الزجاج في كأن هل هي للتشبيه أم لا؟
فقال: إذا كان الخبر جامدًا فهي للتشبيه، وإن كان الخبر مشتقًا فحينئذٍ هي للشك لا تكون للتشبيه.
стр. 248
إذًا (أَوْ كَأَنَّ) على مذهب الزجاج متى؟ إذا كان الخبر جامدًا، نحو كأن زيدًا أسدٌ، في هذا التركيب كأن للتشبيه، لماذا؟ لكون الخبر وهو أسدٌ جامدًا، يعني يدل على ذات ليس مشتقًا، كأن زيدٌ أسدٌ كأن هنا للتشبيه، وللشك إذا كان مشتقًا نحو كأنك قائمٌ، كأنك قائمٌ ليست للتشبيه عند الزجاج وإنما هي للشك. إذًا ثَمَّ فرقٌ، وقيل هي للتشبيه مطلقًا سواء كان الخبر جامدًا أو مشتقًا، وهو مذهب الجمهور، أكثر البيانين على أن (كَأَنَّ) للتشبيه مطلقًا سواء كان الخبر جامدًا أو كان الخبر مشتقًا، وظاهر كلام الناظم هنا الإطلاق لأنه لم يقيدها. قال: (أَوْ كَأَنَّ). فأطلق حينئذٍ يحمل على ما إذا كان الخبر جامدًا أو مشتقًا.
(أَوْ كَمِثْلِ) أي ومثل، وَمثل مثل شبه وما في معناهما ولفظة نحو وما يؤدي معناها نحو قولك زيد مثل الأسد، كلمة مثل هذه تفيد التشبيه زيد مثل الأسد، زيد شبه الأسد، زيد نحو الأسد، كل هذا أداة تشبيه. ولذلك قال: (أَوْ كَمِثْلِ). لم يقل أو مثل قال: (أَوْ كَمِثْلِ) يعني المثل ومثل المثل، كنحو وشبه ونحو ذلك، واضح؟ ولذلك أدخل الكاف على مثل، يعني ليست مثل فحسب، وإنما هي وما كان بمعناها، زيد مثل الأسد.
إذًا هذه ثلاث أدوات: الكاف، وكأن، ومثل وما كان نحو مثلٍ.
والأصل في الكاف ونحوها مما يدخل على المفرد كلفظ: نحو، ومثل، وشبهه. أن تدخل على الْمُشَبَّه به لفظًا - هذا مما يتعلق بالأداة - أن تدخل الكاف وما كان داخلاً على مفردٍ أن تدخل على الْمُشَبَّه به لفظًا أو تقديرًا، زيدٌ كالأسد، أين دخلت الكاف وهي أداة تشبيه؟
على الْمُشَبَّه أو على الْمُشَبَّه به؟
على الْمُشَبَّه به، هذا هو الغالب والأصل فيها، هذا هو الأصل فيه أن تدخل على الْمُشَبَّه به لفظًا كالمثال المذكور زيدٌ كالأسد، أو تقديرًا: زيدٌ أسدٌ، على المثال السابق زيدٌ أسدٌ، وعلى الصحيح أن هذا استعارة أو تشبيه؟ قلنا: ثَمَّ ما هو مختلفٌ فيه، والصحيح أنه تشبيهٌ اصطلاحي وليس باستعارة.
ومثله أي المحذوف وهو المقدر قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩] التقدير في الآية أو كمثل ذَوِي صَيِّبٍ، فالمثل الْمُشَبَّه به قد ولي الكاف لأن المقدر في حكم الملفوظ ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ أو كمثل صيبٍ يعني ذوي أصحاب صيبٍ، فدخلت الكاف هنا على محذوف، والذي هو مثل حينئذٍ حُذِفَ.
стр. 249
وقد يليها غير الْمُشَبَّه به لكنه ليس هو المطرد، المطرد أن يلي الكاف الْمُشَبَّه به، وقد لا يليها كقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف: ٤٥] مثل الحياة الدنيا كماء، هل الْمُشَبَّه به الماء؟ لا، ليس الْمُشَبَّه به الماء. إذًا دخلت على غير الْمُشَبَّه به، إذ ليس الماد تشبيه حال الدنيا بالماء ولا بغيره، يعني ولا بمفردٍ آخر يحتمل تقديره، بل المراد تشبيه حالها في نظرتها وبهجتها وما يعقبها من الهلاك والفناء بحال النبات الحاصل من الماء، يكون أخضرًا ناضرًا شديد الخضرة ثم ييبس فَتُطَيِّرَهُ الرياح كأن لم تكن، إذًا هيئة منتزعة بهيئةٍ منتزعة حينئذٍ ﴿كَمَاء﴾ ليس الماء الْمُشَبَّه به، وليس ثَمَّ مفرد آخر يمكن تقديره في المحل، وإنما المراد به تشبيه الدنيا في هيئتها وحالها وما تؤول إليه بالنبات الذي يكون بالماء، ثم ينبت، ثم يصفر، ثُمَّ ثُمَّ .. إلى آخره، فشبه حالةٍ بحالة. فـ (الْكَافُ أَوْ كَأَنَّ أَوْ كَمِثْلِ ** أدَاتُهُ) كما قال الناظم هنا. (وَالْكَافُ) (أدَاتُهُ) كاف مبتدأ و (أدَاتُهُ) خبر، ويمكن العكس، (أدَاتُهُ) مبتدأ (وَالْكَافُ) خبر، إذا جعلنا الكاف مبتدأ حينئذٍ والكاف وما عطف عليه أداته، من أجل أن يصح المعنى، لأن (أدَاتُهُ) ليس الكاف فحسب وإنما ما عُطِفَ عليه داخلٌ فيها، الكاف وما عطف عليه خبرٌ المبتدأ، فالكاف أداته أي أداة التشبيه أي آلته التي يُتَوَصَّلُ بها حرفًا كانت أو اسمًا أو فعلاً، ولذلك عبر بالأداة الشاملة للأنواع الثلاثة، الفعل ليس في الكاف، وإنما المراد به قد يكون أداة التشبيه اسمًا أو فعلاً أو حرفًا. ولذلك قال هنا: (وَقَدْ بِذِكْرِ الْفِعْلِ)، (وَقَدْ بِذِكْرِ الْفِعْلِ) يعني قد يكون أو يقع التشبيه بالفعل، وقد يكون التشبيه بذكر الفعل، يعني بذكر فعلٍ ينطق به يُنْبِئُ هذا الفعل عن التشبيه، فيستغنى به عن الأداة. (وَقَدْ بِذِكْرِ الْفِعْلِ) قد للتقليل هنا، يعني وقد يكون التشبيه لا بالأداة وإنما بذكر فعل يُستغنى بذكر الفعل عن الأداة، لكنه تختلف مادته، يعني مادة الفعل بحسب قرب الشبه وبعده، فإن كان الشبه قريبًا جيء بـ (علمت)، وإن كان الشبه بعيدًا جيء بـ (حَسِبْتُ)، فـ (علمت) للشبه القريب، و (حَسِبْتُ) للشبه البعيد، فيأتي في التشبيه القريب بنحو علمت زيدًا أسدًا. لو قال: علمت زيدًا أسدًا في معنى التشبيه أو لا؟ علمت زيدًا أسدًا؟ لا يمكن أن يكون المراد علمت زيدًا أسدًا يعني حيوان مفترس؟ يمكن؟ لا يمكن. إذا فيه تشبيه قطعًا، إذا امتنع أن يُحْمَل زيدٌ على أنه الحيوان المفترس الهيئة المخصوصة الجثة إذًا لا بد من وقوع التشبيه، أين أداة التشبيه؟ ليس عندنا أداة، قالوا: الفعل هنا أغنى عن ذكر أداة التشبيه، ثم هذا التشبيه قريب، ولذلك استعمل في عَلِم الدال على اليقين، علمتُ زيدًا أسدًا الدال على التحقيق، وفي البعيد التشبيه البعيد حَسِبْتُ زيدًا أسدًا.
стр. 250
يعني حَسِبَ تدل على الظن، الدالة على الظن وعدم التحقق، يعني حَسِبْتُ دال على الظن وعدم التحقق، هكذا قال في ((التلخيص)) يعني ذكره صاحب ((التلخيص)) القزويني: أن الفعل قد يستغنى به عن الأداة. فليس عندنا أداة. واعْتُرِضَ عليه بأن في مثل كون هذه الأفعال مُنْبِئَةً عن التشبيه نوع خفاء، والأظهر أن الفعل يُنْبِئُ عن حال التشبيه في القرب والبعد وأن الأداة المحذوفة، نعم التشبيه قريب في علمت، والتشبيه بعيد في حسبتُ، لكن عندنا أداة محذوفة علمت زيدًا كالأسد، هذا أصل التركيب، وحُذِفَت الأداة، حَسِبْتُ زيدًا كالأسد، وحُذِفَت الأداة، فليس عندنا فعل ينوب مناب الأداة فيُسْتَغْنَى عنها، بل لا تشبيه إلا بأداة مطلقًا، وما ذكره صاحب ((التلخيص)) فيه نظر. إذًا اعْتُرِضَ بأن في مثل كون هذه الأفعال مُنْبِئَةً عن التشبيه نوع خفاء، والأظهر أن الفعل يُنْبِئُ عن حال التشبيه في للقرب والبعد، وأن الأداة محذوفة مقدرة لعدم استقامة المعنى بدونه، نحو: زيد أسد، لأن عَلِمْتُ مُنْبِئٌ عنه، إذًا الذي أَنْبَأَ وأشار إلى التشبيه هو أداة التشبيه، وهي مقدرة، وُجِدَتْ أولاً ثُمَّ حُذِفَت، وأما عَلِمَ فلا يدل على التشبيه البتة، وإنما يدل على قربه أو بعده.
وَغَرَضٌ مِنْهُ عَلَى مُشَبَّهِ ... يَعُودُ أَوْ عَلَى مُشَبَّهٍ بِهِ
هذا ما يتعلق بالغرض، لأي غرض تأتي بالتشبيه، لماذا تعدل إلى التشبيه؟
وأما (غَرَضٌ مِنْهُ) أي من التشبيه وهو ما يقصده المتكلِّم في إيراده من الغاية، ما هي غاية التشبيه؟ ما هو الهدف من التشبيه؟
هو المراد به الغرض، (غَرَضٌ مِنْهُ) وهو ما يقصده المتكلِّم في إيراده من الغاية، في الغالب أنه يعود على الْمُشَبَّه لأن الغرض إما أن .. ، عندنا طرفان مشبه ومشبه به بعض الأغراض تعود على الْمُشَبَّه، وهو الأغلب، وبعضٌ آخر يعود على الْمُشَبَّه به على قلة، فالأصل في عود الغرض إنما يكون للمشبه، لأنه هو الذي يراد به إلحاقه بالْمُشَبَّه به، لأن الْمُشَبَّه به هو وصفٌ ثابتٌ له لا إشكال فيه، وأما الْمُشَبَّه هو الذي فيه إلحاق. (عَلَى مُشَبَّهِ ** يَعُودُ)، (وَغَرَضٌ مِنْهُ) يعني من التشبيه، (يَعُودُ عَلَى مُشَبَّهٍ)، (عَلَى مُشَبَّهٍ) متعلق بقوله: (يَعُودُ) في الأغلب، وهو على وجوه مختلفة، يعني هذه الأغراض أحدها بيان إمكان وجوده، يعني نعدل إلى تشبيه ببيان إمكان وجود الْمُشَبَّه، بأن يكون أمرًا غريبًا يمكن أن يخالف فيه، ويُدَّعَى امتناعه، حينئذ يُسْتَشْهَدُ له بالتشبيه، يعني المراد هنا الكلام في الْمُشَبَّه، قد يكون شيئًا غريبًا، قد ينازع بعض الناس في وجوده، حينئذ يُلْحِقُهُ بماذا؟ بالمسلم به، هذا أمر مشكوك فيه، هل هو موجود أو لا؟
هل يمكن أن يوجد أو لا؟ يلحقه بماذا؟
بالْمُشَبَّه به، إذًا يعدل إلى التشبيه، كقول المتنبي:
فَإِنْ تَفُقِ الأَنَامَ وأنت منهم ... فَإِنَّ الْمِسْك بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ