← Баляга

Баляга · id 36098

شرح مائة المعاني والبيان

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (303 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

(يَسْتَدْعِي الإِنْشَاءُ) يُسْتَدْعَى الإنشاء يُسْتَدْعَى الظاهر ليس لها معنى، إنما الإنشاء يَسْتَدْعِي يعني: يطلب. وإذا عرفنا أن المراد بالإنشاء هنا إلقاء الكلام الإنشائي ظهر معنا يَسْتَدْعِي يعني: الإنشاء منه استدعاء وهو الطلب. أما يُسْتَدْعَى هذا فيه بعد. قال الناظم: (يَسْتَدْعِي الإِنْشَاءُ إِذَا كَانَ طَلَبْ)، (يَسْتَدْعِي الإِنْشَاءُ) إذًا الإنشاء قد يكون استدعائيًّا يعني: طلبيًّا، إذا كان طلب هذا أشبه ما يكون بالتفسير إذا كان هو أي الإنشاء طلبًا، وقف عليها على لغة ربيعة، وإلا هو خبر كان طلبًا والألف طلبا هذا الأصل وقف عليها على لغة ربيعة لأن ربيعة تسوي في الوقف بين المرفوع والمخفوض والمنصوب على خلاف لغة الجمهور الذي يفرقون بين المنصوب والمرفوع والمجرور، فيوقف على المجرور والمرفوع بالسكون وأما المنصوب فيوقف عليه بماذا؟ بالألف. وقف على المنصوب منه بالألف ... كمثل ما تكتبه لا يختلف نقول عَمْروٌ قد أضاف زيدا ... وخالد صاد الغزاة صيدا

стр. 177

وقف على المنصوب منه بالألف، إذًا طلبا، هذا الأصل، لغة ربيعة تقف عليه بالسكون كالمجرور والمرفوع، فإذا جاء مثل هذا التركيب إذا كان طلب لا يقال أين الألف التي تكون مبدلة عن التنوين نقول: هذا جرى على لغة ربيعة من باب الاعتذار له. إذًا (طَلَبْ) خبر كان منصوب وقف عليه على لغة ربيعة (مَا هُوَ غَيْرُ حَاصِلٍ)، (مَا) أي الذي (هُوَ) أي الطلب أو المطلوب. (غَيْرُ حَاصِلٍ) يعني غير موجود وقت الطلب، لأن طلب ما يكون موجودًا محال يكون محالاً من باب تحصيل الحاصل، فقوله: (مَا هُوَ غَيْرُ حَاصِلٍ) أي وقت الطلب. أي أن الإنشاء الطلبي أو الإنشاء إذا كان طلبًا استدعى مطلوبًا غير حاصل، (مَا هُوَ)، (هُوَ) الضمير يعود على المطلوب، يعني الطلب يتعلق باللفظ أو بإرادة المتكلم، وأما المطلوب هذا متعلق بالمخاطب. إذًا نقول: (مَا هُوَ) أي المطلوب (غَيْرُ حَاصِلٍ) أي: وقت الطلب سواء وُجِدَ ثم عدم، أو لم يكن ابتداءً. يعني المراد أنه غير موجود وقت الطلب، وإذا كان كذلك حينئذٍ إما أن يكون موجودًا ثم عُدِمَ، وإما أن لا يكون موجودًا ابتداءً، فيشمل النوعيين، لماذا؟ قالوا: لامتناع الطلب الحاصل فإنه محال، فلو اسْتَعمل أو اسْتُعمل صِيَغِ الطلب نحو: ليت لي مالاً. لمطلوب حاصل حينئذٍ امتنع إجراؤها على معانيها الحقيقية وهو المطلوب غير الحاصل، يعني: لو جاء في لسان العرب أو جاء في القرآن لفظ وقد كان المطلوب حاصلاً حينئذٍ لا بد من حمله على المعنى المجازي، لماذا؟ لكون الطلب إنما يتوجه إلى شيء غير موجود، وإذا كان كذلك حينئذٍ إذا جاء الطلب لشيء موجود إما أن نقول بأنه تناقض وهذا قد لا يقال به، وإما أن يقال بأن له محملاً حسنًا وهو المجاز، ومن هنا قال النحاة أن الأمر دلالته على إيجاد شيء غير موجود أو ديمومة الموجود، لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] ﴿وَاتَّقِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وهو فعل أمر طلب شيء غير موجود، كيف نصنع في هذا الفعل ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ هل التقوى غير موجودة؟ قالوا: هنا نوجه الكلام إلى أمرين، المطلوب بصيغة افعل إما أن لا يكون موجودًا فيطلب وجوده قم كان قاعدًا قلت له: قم. حينئذٍ حصل شيء لم يكن موجودًا، إن كان موجودًا قالوا: لا بد أن نجعل الطلب هنا لشيء غير موجود للقاعدة هنا لأن الطلب لا يتوجه إلا إلى شيء غير حاصل، قالوا: هنا ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ الديمومة هذه شيء معدوم لم تقع بعد، فالمسئول أو المطلوب هنا ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ المراد به دم على التقوى وهذا كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] آمَنُوا وصفهم بالإيمان إذًا كيف يطلب منهم شيئًا قد حصل نقول: من باب تحصيل الحاصل ﴿آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ آمِنُوا الأول حصل به الإيمان، ثم الإيمان قد يزول ولا يثبت، ثم أمر آخر وهو الديمومة والثبات على الإيمان هو الذي تعلق به مدلول آمِنُوا الثاني، حينئذٍ إما إيجاد شيء لم يحصل فيكون مدلول افعل، وإما الشيء الثاني وبه توجه الآيتان وهو ديمومة ما قد حصل، والديمومة معدومة حينئذٍ تعلق الأمر بشيء معدوم وجرى على القاعدة.

стр. 178

إذًا لو اسْتُعمل صيغ الطلب نحو: ليت لي مالاً. لمطلوب حاصل امتنع إجراؤها على التمني هنا نقول: لا بد أنه اسْتُعْمِل في شيء آخر من باب توجيه الكلام. ولذلك النحاة في باب الأمر قد أصابوا وأجادوا في تقسيم الأمر إلى شيئين: الأمر الأول: طلب شيء لم يكن موجودًا. الثاني: قد يكون موجودًا لكن قد يكون الطلب للديمومة عليه. إذًا (يَسْتَدْعِي الإِنْشَاءُ إِذَا كَانَ طَلَبْ) أي الإنشاء إذا كان طلبًا استدعى مطلوبًا غير حاصل وقت الطلب. ثم قال: (وَالمُنْتَخَبْ مِنْهُ التَّمَنِّي). (وَالمُنْتَخَبْ) يعني: الذي انتخب واختير من أنواع الطلب ليس كل طلب يبحث عنه هنا في باب الإنشاء، وإنما يختار بعض المواضع التي تتعلق بها المباحث البيانية (وَالمُنْتَخَبْ مِنْهُ فِيهِ) بعض النسخ والتي معي [فِيهِ] وليس له وجه، بعض الشروحات [مِنْهُ] وهو أولى، انتخب من كذا هذا الأصل، انتخب من الإنشاء التمني، أما انتخب في الإنشاء التمني هذا بعيد، ففيه الضمير أو منه الضمير يعود للإنشاء، وَانْتَخَبَ وَانْتُخِبَ إنما يتعدّى إلى يتعدى بمن هذا الأصل فيه. إذًا (وَالمُنْتَخَبْ) هذا مبتدأ (مِنْهُ) أي من الإنشاء وهو متعلق بالمنتخب (التَّمَنِّي). وأنواعه كثيرة أي الإنشاء والمنتخب أي المختار منه أي من الطلب (التَّمَنِّي) هذا النوع الأول من أنواع الطلب الذي يبحث عنه البيانيون.

стр. 179

وهو في الاصطلاح عندهم طلب حصول شيء على سبيل المحبة (وَلَهُ الْمَوْضُوعُ ** لَيْتَ)، (وَلَهُ) متعلق بـ (المَوْضُوعُ)، و (لَيْتَ) هذا خبر، (المَوْضُوعُ) للتمني له الضمير يعود للتمني الموضوع له ليت، يعني التمني معنًى من المعاني، والعرب تراعي المعاني وتجعل لها ألفاظًا تدل عليها وهي الحروف في الأصل، ولذلك الأصل في وضع الحروف أن تدل على المعاني القائمة بالنفس، فالتمني له حرفه وهو ليت، والنهي له حرفه وهو لا، والنفي والترجي كل هذه معاني ولها حروف دالة عليها. إذًا (وَلَهُ) أي لهذا المعنى وهو طلب حصول شيء على سبيل المحبة (المَوْضُوعُ) أي اللفظ الموضوع له للتمني (لَيْتَ) أي وُضِعَ له هذا الحرف وحده، ليت هو الذي يدل على التمني، ولا يشترط إمكان الْمُتَمَنَّى بخلاف الْمُتَرَجَّى، الْمُتَرَجَّى أي الشيء الذي تعلق به الرجاء يُشترط أن يكون ممكنًا يعني غير مستحيل وممكن الوقوع، وأما التمني فلا، فالْمُتَمَنَّى لا يُشترط إمكان حصوله بل قد يتعلق التمني بشيء محال، بخلاف الْمُتَرَجَّى فإنه يُشترط إمكانه فيصح التمني (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوُقُوعُ)، فيصح التمني كما قال الناظم هنا (وَلَهُ المَوْضُوعُ ** لَيْتَ) عرفنا التمني حقيقته، وعرفنا حرفه، وهو ليت، ثم ما الذي يُتَمَنَّى؟ ما هو الْمُتَمَنَّى؟ هل يُشترط فيه أن يكون شيئًا واقعًا، أو شيئًا يجوز أن يقع، أو لا بد أن يكون محالاً؟ قال: (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوُقُوعُ) يعني يجوز أن يكون الْمُتَمَنَّى لشيء (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ) وإن لم يحصل (الْوُقُوعُ) يعني شيئًا محالاً، فيتعلق الْمُتَمَنَّى أو التَّمَنِّي بشيء محال، أو بشيء غير ممكن، أو يصح أن يقال: (يَكُنِ) هنا على بابها (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوُقُوعُ) ممكنًا فيكون الخبر محذوفًا يجوز الوجهان، تكون كانت هنا تامة، ويجوز أن تكون ناقصة. إذًا لا يُشترط إمكان الْمُتَمَنَّى هذا القاعدة، بخلاف الْمُتَرَجَّى فإنه يُشترط إمكانه فيصح الْمُتَمَنَّى أو التمني وإن لم يكن الوقوع وكان تامة هنا أو ناقصة والتقدير وإن لم يكن الوقوع ممكنًا بل محالاً وقعه، لأن الإنسان كثيرًا ما يحب المحال ويطلبه، ولا يمتنع تمني الممكن إذا لم يكن توقع وطمع في حصوله لعدم الأسباب الموجبة ووجود الأسباب المانعة إذ لو توقعت وطَمِعْتَ لاستعملت كلمة لعل في الأول وعسى في الثاني. إذًا الأصل في الْمُتَمَنَّى أن يكون محالاً، وإذا كان ممكنًا فحينئذٍ هو على أمرين: إما أن يتوقع وقوعه أو لا. الثاني: يجوز تعلق التمني به والأول لا. ولذلك قال: ولا يمتنع تمني الممكن، متى؟ إذا لم يكن توقع وطمع في حصوله، إما لعدم الأسباب الموجبة ووجود الأسباب المانعة إذ لو توقعت الممكن وطمعت فيه حينئذٍ تستعمل كلمة ليت في التوقع، إذا كان الممكن متوقعًا حينئذٍ لا يكون التمني متعلقًا به، وإنما يكون بـ لعل، وإذا كان الثاني الذي هو الطمع فحينئذٍ يؤتى به بـ عسى، إذًا عسى للشيء الذي طُمِعَ في وجوده مع إمكانه، ولَعَلَّ للشيء الذي توقع وقوعه مع إمكانه، فإن كان ممكنًا ولم يتعلق به طمع ولا توقع حينئذٍ صح التمني ودخول ليت عليه، فالمحال مثل قول الشيخ الهرم:

стр. 180

يا ليت الشباب يعود يومًا ... فأخبره بما فعل المشيب ألا ليت الشباب، ليت، الشباب يعود يومًا، في الدنيا الشباب لا يعود فإذا تمنى أن يعود الشباب حينئذٍ قد تمنى محالاً، لأن الله تعالى حكم بذلك، والممكن الذي لم يُتوقع وقوعه كقول الفقير المملق: ليت لي مالاً فأحج منه. ليت لي مالاً هو لا يتوقع، المال ممكن أو لا؟ ممكن أن يحصل لكن هذا في حاله بعيد جدًا ولم يتوقع ولم يطمع محال يعني في نفسه، فحينئذٍ قوله هذا نقول: ممكن لم يتعلق به الطمع ولا التوقع فجاز التمني، وإما إذا كان المال متوقعًا حينئذٍ لا يصح أن يدخل عليه ليت إنما يأتي بماذا؟ توقع؟ يكون بـ لعل. والمكن الذي لم يتوقع وقوعه كقول الفقير: ليت لي مالاً فأحج منه فإن حصول المال ليس محالاً لكنه غير متوقع الحصول، ومتى كان الْمُتَمَنَّى متوقع الحصول انتقل التمني أو عن التمنِّي إلى الترجِّي فحينئذٍ نأتي بـ لعل، فمن ثَمَّ فرق بعضهم بين التمني والترجي: لأن الأول في البعيد، التمني يكون في البعيد، والثاني في القريب. بعيد الوقوع هذا يأتي التمني فيه. والثاني الذي هو الترجِّي في القريب. وبأن الأول الذي هو التمني في المعشوق للنفس، والثاني: الترجي في غيره. وبأن الثاني الذي هو الترجي في المتوقع، والأول في غيره. إذًا عرفنا حقيقة التمني ثم قال: (وَلَهُ المَوْضُوعُ ** لَيْتَ). ثم بين ما هو الذي يتمنى يتعلق بماذا؟ قال: (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوُقُوعُ) ممكنًا بل محالاً أو أمكن وقوعه لكنه غير متوقع الحصول ولا يتعلق به الطمع. إذًا الممكن نوعان: ممكن لا يتعلق به الطمع والوقوع فهذا الذي يصح أن يكون متمنى. ونوع آخر يصح أن يكون واقعًا وكذلك يتعلق به الطمع فحينئذٍ لا يدخل عليه حرف تمني وهو ليت. (وَلَوْ وَهَلْ مِثْلُ لَعَلَّ الدَّاخِلَةْ ** فِيهِ)، (وَلَوْ وَهَلْ) و (لَعَلَّ) قد يأتي التمني عرفنا أن حرفه ليت، قد يُتَمَنَّى بغير ليت بواحد من الحروف الثلاثة إما: (لَوْ)، وإما (هَلْ)، وإما (لَعَلَّ)، إذا (لَوْ) قد تأتي للتمني لكنه مجازًا لا حقيقة، لأن الحقيقة هو وضع ليت، و (هَلْ) قد تأتي للتمني لكنه ليس حقيقةً بل هو مجاز، وكذلك (لَعَلَّ) الشأن فيها كالشأن في (لَوْ).

стр. 181

إذًا (وَلَوْ) أي وقد يتمنى بـ (لَوْ) وذلك ما القرينة؟ قالوا: القرينة على أن (لَوْ) للتمني إذا نُصِبَ جوابها، لأن (لَوْ) في الأصل هي شرطية تحتاج إلى جواب، إذا نصب جوابها علمنا أن لو هنا للتمني، نحو: لَوْ تَأْتِينِي فَتُحَدِّثَنِي. تُحَدِّثُنِي غلط تُحَدِّثَنِي بالنصب على تقدير فأن تُحَدِّثَنِي حينئذٍ نصب الفعل المضارع بأن مقدرة بعد فاء السببية الواقعة في جواب التمني، أليس كذلك؟ مرّ معنا في ((الآجرومية)) فَتُحَدِّثَنِي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية الواقعة في أحد الأجوبة الستة وهو التمني هنا، فحملت (لَوْ) على التمني بدليل ماذا؟ بدليل نصب الفعل المضارع بعدها، فنصب الفعل المضارع قرينة لأن النحاة إنما نصوا بالتتبع والاستقراء على أن الفعل المضارع يُنصب بعد الفاء السببي إذا وقع في جواب (لَوْ)، وهنا (لَوْ) لَو بُحِثَ في المعاني التي يمكن أن تُجعل من المعاني الستة لَمْ يَصِحَّ لها إلا التمني، فقيل: (لَوْ) هنا تُستعمل في التمني. لَوْ تَأْتِينِي فَتُحَدِّثَنِي بالنصب، فإن النصب قرينة على أن (لَوْ) ليست على أصلها وهو الشرط، إذ لا ينصب الفعل المضارع بعدها بإضمار أن، وإنما تضمر أن بعد الأشياء الستة المقررة في علم النحو والمناسب لـ (لَوْ) هنا هو التمني. قالوا: كما يفرض بـ (لَوْ) غير الواقع واقعًا، كذلك يطلب بـ (ليت) وقوع ما لا طماعيةً في وقوعه. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢]. ﴿فَنَكُونَ﴾ لو ﴿فَنَكُونَ﴾ المعنى لو نظرت فيه على جهة الإجمال لقلت له: التمني. ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ يتمنون الكرة والرجعة ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إذًا الفاء هذه فاء السببية، والفعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء الواقعة في جواب التمني، والتمني إنما حصل هنا بـ (لَوْ)، والذي دلنا على ذلك النصب، لماذا النصب مع كون الأمر قد يكون في جواب التمني والنهي والدعاء والترجي إلى آخره؟ نقول: لأننا نظرنا فإذا به لا يمكن أن يُحمل أو تحمل لفظ (لَوْ) على معنى من المعاني الستة إلا لو على التمني، وأنت لو نظرت إلى السياق وجدت أن المراد بالآية هنا التمني. إذًا (لَوْ) تستعمل في التمني لكنه مجازًا، والأصل في التمني إنما يكون بـ (ليت).

стр. 182

(وَهَلْ) أي وقد يجيء التمني بـ (هَلْ) والأصل أنها استفهامية، هذا الأصل فيها، فتخرج عن الاستفهام إلى التمني، وأصلها الاستفهام، حيث يُعْلم أو يَعْلم القائل امتناع ما بعدها، عرفنا أن التمني وإن لم يكن الوقوع فـ (هَلْ) الأصل فيها إذا مرت بك أن تحملها على الاستفهام، إذا استفهم إنما يُستفهم عن شيء ممكن الوقوع، أليس كذلك؟ فإذا كان ما بعدها غير ممكن الوقوع حملتها على التمني، ولذلك قالوا لك: أصلها الاستفهام حيث يعلم القائل امتناع ما بعدها نحو قوله تعالى: ﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا﴾ [الأعراف: ٥٣] ﴿فَيَشْفَعُواْ لَنَا﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية الواقعة في جواب الطلب الذي هو الاستفهام، وهنا وقد عُلِمَ أن لا شافع لهم هذا معلوم أم لا؟ معلوم من جهة الشرع إذًا غير ممكن الوقوع، والاستفهام إنما يمكن عن ماذا؟ عن شيء يمكن وقوعه وإيجاده وحصوله، هَلْ قَامَ زَيْدٌ؟ هَلْ زَيْدٌ قَائِم؟ حينئذٍ لما كان ما بعد (هَلْ) امتنع وقوعه قلنا: هذه اسْتُعْمِلَتْ في معنى التمني والسياق يدل على ذلك، ﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ﴾ هذا فيه معنى التمني، فيمتنع حينئذٍ حمله على حقيقة الاستفهام لحصول الجزم بانتفاء هذا الحكم واستدعاء الاستفهام للجهل بثبوته وانتفاءه، والنكتة هنا في التمني بـ (هَلْ) والعدول عن ليت هو إيراد المتمنَّى لكمال العناية به في صورة الممكن الذي لا جزم بانتفائه، يعني خرج عن كونه بـ (ليت) لأن الأصل في (هَلْ) أن يكون ما بعده جائز الوقوع، ولذلك استعملت هذه في محل تلك. إذًا التمني بـ (هَلْ) مجاز وليس بحقيقة لأن الأصل في التمني إنما يكون بماذا؟ بـ ليت. ومن هنا نعلم أن الصحيح أن المجاز يدخل الحروف كذلك، وهذا سيأتي بحثه في ((الكوكب الساطع)) إن شاء الله تعالى.

стр. 183

(مِثْلُ لَعَلَّ) أي مثل ما يتمنى بـ لعل (الدَّاخِلَةْ ** فِيهِ) أي في حكم التمني، فيعطى حكم ليت، وينصب في جوابه المضارع على إضمار أن على القاعدة، وهذه كلها تبحث في نصب الفعل المضارع بأن مضمرة وجوبًا، نحو: لَعَلِّي أَحُجُّ فَأَزُوكَ. بالنصب على إضمار أن، وذلك لبعد المرجو عن الحصول فأشبه المحلات والممكنات التي لا طماعية في وقوعها، وهذا إذا كان مستبعدًا الزيارة، يعني رجل بعيد ولا يطمع أن يحج قد يحصل هذا فحينئذٍ إذا استعمل لعل هنا لَعَلِّي أَحُجُّ فَأَزُوكَ، حينئذٍ نقول: ما بعد لعل هذا غير مطمع في وجوده، ليس باعتبارك أنت وإنما باعتبار المتكلم يفترض فيه ذلك، حينئذٍ نقول: هنا استعمل لعل في غير الواقع، وهذا الشأن إنما يكون في ليت، كما قال: (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوُقُوعُ) ممكنًا لَعَلِّي أَحُجُّ فَأَزُوكَ بالنصب على إضمار أن، وذلك لبعد المرجو عن الحصول، وعلمنا فيما سبق أن (لَعَلَّ) يكون ما بعدها مرجو الحصول يعني مطموع في حصوله، فأشبه المحالات والممكنات التي لا طماعية في وقوعها، فيتولد منه التمني لِمَا مرّ في أنه طلب محال أو ممكن لا طمع فيه بخلاف الترجي. إذًا (وَالمُنْتَخَبْ فِيهِ) عرفنا حقيقته (وَلَهُ المَوْضُوعُ ** لَيْتَ) هذا هو الأصل في التعبير عن التمني، (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوُقُوعُ) هذا بيان للمتمنَّى أنه يكون محالاً أو ممكنًا لكنه لا طمع فيه، ثم بين أن غير (لَيْتَ) قد يقوم مقام (لَيْتَ) وهو ثلاثة أحرف، وإنما يكون هذا من جهة المجاز وهو: (لو)، و (هَلْ)، و (لَعَلَّ). ثم قال: (وَالاِسْتِفْهَامُ). أي من أنواع الطلب كما أن من الطلب التمنِّي الاستفهام (وَالاِسْتِفْهَامُ) بالرفع عطف على التمني (وَالمُنْتَخَبْ فِيهِ التَّمَنِّي) والمنتخب كذلك الاستفهام، يعني الذي اختير، (وَالاِسْتِفْهَامُ) بالرفع عطفًا على التمنِّي (فِيهِ التَّمَنِّيْ) تمنِّيْ بإسكان الياء لأي شيء؟ للوزن؟ نعم. . يُسمى منقوص، نعم التمني. ومن أنواع الطلب الاستفهام وهو عمدة أنواع الطلب، وهو لغةً طلب الفهم، وعرفًا طلب حصول صورة الشيء في الذهن، يعني المراد به: إما أن يكون تصديقًا. وإما أن يكون تصورًا. وكلا الأمرين التصديق والتصور إنما يكون في الذهن، هذا هو الأصل فيه. بمعنى أن المطلوب به حصول علم حصول صورة الشيء في الذهن، وهذا هو حقيقة العلم، الإدراك مطلقًا، إدراك الشيء على ما هو عليه، طلب حصول صورة الشيء في الذهن فإن كانت وقوع نسبة بين أمرين أو لا وقوعها فحصولها هو التصديق، ومر معنا مرارًا معنى التصديق: وهو إدراك المركبات عن الجمل الاسمية والفعلية المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل أو نائبه. إدراكه بمعنى حصول المعنى الحاصل من هذه الجملة في الذهن يُسمى تصديقًا [جهة التيسير] نحو: هل قام زيد؟ وإلا فهو التصور نحو: ما العنقاء؟ التصور إنما يكون بالمفردات. إدراك مفرد تصورًا عُلِم ... ودَرْكُ نسبةٍ بتَصْدِيقٍ وُسِم

стр. 184

نسبة خارجية، أو دَرْكَ يعني: إدراك وقوع نسبة كلامية على ما مر معنا في شرح ((السُّلَّم)) على كلٍّ التصديق والتصور مبحثهما في أنواع العلم الحادث، فصل في أنواع العلم الحادث من شرح ((السُّلَّم)) ومر معنا، لكن المراد هنا أن الاستفهام هو طلب حصول صورة الشيء في الذهن بالوجهين المعلومين في تقسيم العلم، إما تصديق وإما تصور، فقد يُطلب ببعض أدوات الاستفهام التصديق فقط، وقد يُطلب ببعض أفراد أو أدوات الاستفهام التصور، وقد يجوز التصور والتصديق في البعض كما سيأتي. إذًا ما العنقاء؟ هذا استفهام، اسْتفهام عن ماذا؟ عن إدراك مفرد، ما حقيقة العنقاء؟ فسِّرْهَا لي، ما الإنسان؟ ما الكلمة؟ نقول: هذه كلها إدراكها يُسمى تصورًا، والسؤال وقع عنها بما وهي اسم استفهام. إذًا الاستفهام يكون في التصديق ويكون في التصور، وكلاهما نوعا العلم واللفظ الموضع له أي الاستفهام قال: (وَالاِسْتِفْهَامُ). عرفنا هو عطف على التمني عرفنا حقيقته (وَالمَوْضُوعُ لَهْ) يعني واللفظ الموضوع له للاستفهام أحد عشرة لفظًا. هَلْ هَمْزَةٌ مَنْ مَا وَأَيٌّ أَيْنَا ... كَم كَيْفَ أَيَّانَ مَتَى أَنَّى (هَلْ هَمْزَةٌ) حرفان، والبقية أسماء (مَنْ)، و (مَا) بإسقاط حرف العطف (وَأَيٌّ أَيْنَا) الألف للإطلاق، و (كَم) إسقاط حرف العطف ... و (كَيْفَ) بإسقاط حرف العطف و (أَيَّانَ)، و (مَتَى) كذلك بإسقاط حرف العطف و (أَنَّى) هذه كلها أسماء. إذًا إحدى عشرة لفظًا يُستفهم بها، فهذه الألفاظ وإن اشتركت في إفادة الاستفهام فإنها تختلف باعتبار ما يُطلب بها، لأن بعضها يطلب به التصور، وعرفنا أن المراد بالتصور إدراك المفرد يعني لا يقع بعده إلا المفرد أو ما يُؤدي مؤدى المفرد. وبعضها يُطلب به التصديق حينئذٍ يقع بعدها الجمل الاسمية أو الفعلية، وإذا كان كذلك نقول: أدوات الاستفهام اشتركت في إفادة الاستفهام، ثم تختلف باعتبار ما يُطلب بها: (فَهَلْ) الفاء فاء الفصيحة (بِهَا يُطْلَبُ تَصْدِيقٌ)، (فَهَلْ) الفاء فاء الفصيحة يُطلب تصديق بها فقط، يعني لا يُطلب بها التصور، وإنما يُطلب بها التصديق، (فَهَلْ) الفاء الفصيحة (بِهَا يُطْلَبُ تَصْدِيقٌ) فقط أي انقياد الذهن وإذعانه لوقوع النسبة بين الشيئين، هل قام زيد؟ ثبوت القيام لزيد هو الذي يستفهم عنه بـ هل (تَصْدِيقٌ) وقوع النسبة الخارجية أو لا، فتدخل على الجملتين (هَلْ) يعني: الجملة الاسمية والجملة الفعلية، هل قام زيد؟ وهل عمرو قاعد؟ هل قام زيد؟ جملة فعلية، هل عمرو قاعد؟ هل زيد قام؟ ما نوع الجملة هنا؟ هل زيد قام؟ اسمية أو فعلية؟ من قال اسمية، لماذا؟ .. اسمية فهي بالاسم تبتدئ إذًا بُدأت باسم وهو مبتدأ، إذًا (هَلْ) حرف استفهام مبني على السكون لا محل له من الإعراب، زيد مبتدأ، قام والفاعل الجملة خبر، التعبير غلط الإعراب هذا خطأ، فرق بين أن يقال: هل زيد قائم؟ إذا لم يقع الفعل في حيز هل صارت الجملة اسمية، هل زيد قائم؟ هل عمرو قاعد؟ إذًا اسمان مبتدأ وخبر.

стр. 185

وأما إذا وقع الفعل في حيز (هَلْ) يعني بعدها، فما بعدها من اسم ليس مبتدأ، لأنه إذا وقع بعدها فعل اختصت بالفعلية فلا يليها الاسم هل زيد قام؟ الإعراب على التحقيق هل حرف استفهام زيد فاعل لفعل محذوف دل عليه الفعل المذكور قام، إذًا زيد ليس مبتدأً وإنما هو فاعل لفعل محذوف، انظر التركيب فرق بين أن تقول: هل زيد قائم؟ تلاها اسمان مبتدأ وخبر، أما هل زيد قام؟ هل زيد يقوم؟ لا، لا تعرب زيد أنه مبتدأ، وليست هذه الجملة باسمية وإنما هي جملة فعلية لأنها هل إذا رأت الفعل في حيزها اختصت به فلا تدخل إلا على الجملة الفعلية، واضح هذا؟ إذًا تدخل على الجملتين: الجملة الاسمية كقولك: هل عمرو قاعد؟ هذا الذي يعبر به على جهة التحقيق. وعلى الجملة الفعلية هل قام زيد؟ هل زيد قام؟ هاتان الجملتان فعليتان، إذا كان المطلوب حصول التصديق بثبوت القيام لزيد والقعود لعمرو، إذا كان المطلوب بقولنا: هل عمرو قاعد؟ حصول التصديق حينئذٍ هذه (هَلْ) للتصديق، إما إذا كان المراد به التصور حينئذٍ نقول: هذه يمتنع التركيب. ولأجل ذلك لكون هل للتصديق امتنع العطف بعدها بـ (أم) المتصلة، ومرَّ معنا (أم) المتصلة وهي التي يطلب بها التعيين بعد الهمزة أزيد عندك أم عمرو؟ (أم) تُسمى أم المعادلة، لماذا؟ لأن (أم) هنا وقعت بين شيئين، يعني هو متأكد [أنه] أن عنده واحد منهما، لكن المشكوك فيه هل هو زيد أم عمرو؟ أزيد عندك؟ إذًا عندك هذا متحقق الوقوع عندك شخص ما، لكن المتردد فيه هل هو زيد أم عمرو؟ أزيد عندك أم هذه عادلتها أزيد؟ صارت معادلة لها، الأصل أن تدخل الهمزة على الاسمين فدخلت على زيد ونابت عنها أم في الاسم الثاني، أزيد عندك أم عمرو؟ فنقول: أم هذه المتصلة، أم لطلب التعيين بعد همزة داخلة على أحد المستويين أزيد عندك أم عمرو؟ إذا كنت قاطعًا بأن أحدهما عنده، ولكنك شككت في عينه، ولهذا يكون الجواب بالتعيين لا بنعم ولا بلا، وتسمى هذه معادِلة لأنها عادلَت الهمزة بالاستفهام بها وتُسمى متصلة لعدم الاستغناء بأحدهما عن الآخر، هذا النوع الذي عدّه ابن آجروم مرّ معنا في الحرف حروف العطف هذه لا يصلح أن تدخل بعد (هَلْ)، لماذا؟ لأنها تعادل بين تصور شيئين مفردين أزيد عندك أم عمرو؟ يعني المراد به تصور وجود زيد وتصور وجود عمرو، إذًا تعلقت بالتصور، وهل ليست للتصور وإنما هي للتصديق. إذًا ما يدل على التصور لا يلي هل الدالة على التصديق. إذًا امتنع العطف بعدها بعد (هَلْ) التي لا تُستعمل إلا في التصديق بأم المتصلة فلا يقال هل زيد قام أم عمرو؟ لأن أم المتصلة إنما تستعمل عند طلب التصور وإرادة التعيين بعد العلم بالنسبة والتطبيق طلب النسبة فيلزم طلبها وكونها حاصلة وتحصيل الحاصل محال وهما متنافيان، بخلاف أم التي هي بمعنى (بل) أم الإضرابية التي تؤدي معنى (بل)، وتُسمى أم المنقطعة فيجوز تقول: هل قام زيد أم قعد عمرو؟ لأن مفهوم المنقطعة الإضراب عن الجملة السابقة، والاستفهام لطلب تصديق آخر فتكون موافقة لطلب هل فيجوز اجتماعها معه. إذًا هل لا يصح أن يَلِيَهَا أم المتصلة بخلاف المنقطعة، لأن المنقطعة لطلب التصديق، وأم المتصلة لطلب التصور فيحصل تنافي بينهم.

стр. 186

و (هَلْ) قسمان: بسيطة، ومركبة. بسيطة هي التي يُطلب بها مطلق وجود الشيء، فيطلب المتكلم بها نسبة الوجود إلى الماهية أو نفيها عنها هل زيد موجود؟ ما الذي طُلِبَ به؟ شيء بسيط يعني شيء واحد، هل الحركة موجودة؟ إذا طُلِبَ بـ هل وجود شيء أو صفة الشيء ماهية بالوجود حينئذٍ صارت بسيطة. ومركبة وهي التي يطلب بها وجود شيء لشيء فيطلب بها المتكلم نسبة وجود شيء إلى الماهية ونفيها عنها كقولنا: هل الحركة دائمة؟ هل زيد مسافر؟ تصورت إقامته أولاً أليس كذلك؟ هل زيد مسافر؟ هل قام زيد؟ تصورت أولاً جلوسه، إذًا هي مركبة، إذا استلزمت معنى آخر وطلب شيئًا آخر حينئذٍ نقول: هذه مركبة، لماذا؟ لأنها تستلزم تصور شيء قبل المسئول بها، وأم هل زيد موجود؟ نقول: لا، هذا ليس فيه إلا وجود زيد فقط. وهي تخصص الفعل المضارع بالاستقبال بحكم الوضع كالسين وسوف يعني: [هل قام زيد متى؟ في المستقبل [نعم]] (١) هذه ليست لا، هل يقوم زيد؟ هل قام زيد؟ في الماضي، تخصص الفعل المضارع بالاستقبال مرّ معنا أن السين وسوف تؤخر زمن [الماضي] (٢) المضارع من الحال إلى الاستقبال، وأن كذلك تصير الزمن الحال إلى المستقبل، هل يقوم زيد؟ يعني في الزمن المستقبل. إذًا مما يصرف زمن الفعل المضارع من الحال إلى الاستقبال (هل) كذلك. ولذلك قال: وهي تخصص الفعل المضارع بالاستقبال بحكم الوضع كالسين وسوف، وعلم ذلك بحكم الاستقراء، فلا يصح هل تضرب زيدًا وهو أخوك؟ هذا توبيخ، والتوبيخ والتقريع في شيء مضى أو في شيء مستقبل؟ في المستقبل أو في الماضي؟ في الماضي التوبيخ على شيء وقع وحصل، هل تضرب زيدًا وهو أخوك؟ نقول: هنا تضرب في الزمن المستقبل وهو أخوك وقع الضرب مع دلالة التوبيخ هذا في الماضي فتنافيا فلا يصح، لا يصح أن يقال: هل تضرب زيدًا وهو أخوك؟ لأنه استفهام توبيخ والتوبيخ إنما يكون للحال والماضي وهل هذه تصرف الزمن إلى المستقبل يعني: تخصص المضارع بالاستقبال كما مرّ فلا يصلح لإنكار الفعل الواضع في الحال بخلاف الهمزة فإنها لأصالتها تدخل في الحال والاستقبال من غير تخصيص، فيصح أن تقول: أتضرب زيدًا وهو أخوك؟ لأنها للحال وكذلك للماضي، ومنه: ﴿أَتقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. (فَهَلْ بِهَا يُطْلَبُ تَصْدِيقٌ) عرفنا أن (هَلْ) للتصديق فقط فلا يليها ما يُدل على التصور.

стр. 187

وما عدا همز تصور والذي يعني: الباقي غير (هل) عدا يعني: تجاوز همزة استثني همزة (تَصَوُّرٌ) يعني تفيد التصور، تستعمل في إدراك المفردات (وَمَا) أي والذي بقي من أدوات الاستفهام بعد هل (هَمْزًا عَدَا) أي عدا همزًا يعني تجاوز همزًا استثنيها (تَصَوُّرٌ) هذا خبر ما، أي: يطلب به تصور فقط دون التصديق، وتختلف من جهة أن المطلوب بكل منها تصور شيء آخر لأن (ما) لها معنى، و (من) لها معنى، و (أين) لها معنى وهكذا، فكل واحدة لها معنًى وتشترك في إفادة التصور لكن تشترك في إفادة التصور على طريقة واحدة أو تختلف في إفادة التصور باختلاف معانيها، لا شك أنه الثاني لأنها أسماء،،وإذا كانت أسماء فلها أوضاع، وإذا كانت لها أوضاع حينئذٍ اشتركت في قدر معين وزاد كل نوع منها على إفادة التصور بما دل عليه من معناه. فـ (من) يطلب بها تعين الشخص العالم من هنا؟ فيقال: زيد. من هنا؟ هُنا أفادت ماذا؟ طلب التصور، لكن السؤال إنما يكون عن أي شيء؟ عن الشخص يعني: العاقل الذي اتصف بالعلم، فيقال: زيد. ونحوه مما يفيد التعيين والتشخص، فـ (من) موضوعة للجنس من ذوي العلم لا يُسأل بها عن الوصف. يعني لا يُسأل بـ (من) عن الأوصاف، وإنما يُسأل بـ (ما) عن الأوصاف، إن وُجِدَ استعمال (من) عن الأوصاف حينئذٍ لا بد من قرينة أو نكتة تدل على خروج شيء عن ما أوضع له. (وَمَا) يطلب بها أحد الأمرين، إما شرح الاسم، أي شرح مدلوله، كقولك: ما العنقاء؟ ما المراد به؟ شرح هذا الاسم، طالبًا شرح هذا الاسم، وتجاب بإيراد لفظ أشهر أو حقيقة المسمى، يعني: (مَا) للتصور، يُطلب بها أحد أمرين: إما شرح الاسم ما العنقاء؟ فيرد بلفظ أشهر من لفظ العنقاء، أو كشف عن حقيقة المسمَّى التي هو بها هو، أي الماهية. كقولك: ما الإنسان؟ يعني السؤال عن ماذا عن اللفظ أو عن حقيقته؟ عن حقيقته، يعني: ما ماهية الإنسان؟ تقول: حيوان ناطق. (وَأَيٌّ) ويسأل بها عن ما يميز أحد المتشاركين في أمر يعمهما، (أَيّ) يطلب بها التمييز عن شيئين اشتركا في قدر مشترك بينهما فالذي امتاز به أحد صنفين هو الذي يجاب بأي، يعني يُسأل بـ (أَيّ) ويكون الشيء الْمُمَيِّز هو الذي يكون جوابًا لأي، لأنهم قد اشتركا فتأتي بالشيء المشترك فما افترق به أحدهما عن الآخر هو الذي يكون جوابًا، ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً﴾ [مريم: ٧٣] هنا السؤال عن الخيرية، فريقان اشتراكا في أن كلاًّ منهما فريق وجماعة، حينئذٍ لا بد من تمييز بعضهما عن الآخر، أي أنحن أم أصحاب محمد ﷺ ، فالمؤمنون والكفار قد اشتركا في الفريقية، هذا فريق وهذا فريق، وسألوا عن ما يُمَيّزُ أحدهما عن الآخر، والأمر الذي يقع به التميز هنا هو الخيرية، والجواب بالتعيين نحن أو أنتم، والجواب معلوم. و (أَيْنَ) ويُسأل بها عن المكان كـ أين زيد؟ وجوابه: في البيت، أو في المسجد. و (كَم) ويسأل بها عن العدد نحو: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ أي كم سنةً أو شهرًا أو يومًا أو ساعة. و (كَيْفَ) ويسأل بها عن الحال كيف زيد؟ أصحيح أم سقيم؟ و (أَيَّانَ) ويُسأل بها عن الزمان المستقبل ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾.

стр. 188

و (مَتَى) ويسأل بها عن الزمان ماضيًا كان أو مستقبلاً بخلاف أيان فهي للزمن المستقبل نحو: متى تحضر؟ والجواب: اليوم، أو غدًا. ومتى حضرت؟ وجوابه: أمس أو أول أمس. و (أَنَّى) أَنَّى هذه تستعمل: - تارةً بمعنى كيف ولا يليها إلا الفعل نحو قوله تعالى: ﴿أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. يعني كيف، السؤال عن كيف. ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أي كيف شئتم على أي حال. - وتارة بمعنى من أين (أَنَّى) تستعمل بمعنى كيف ولا يليها إلا فعل ... ﴿أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللهُ﴾، ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وتارة بمعنى من أين نحو: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]. يعني من أين لك هذا. أي من أين لك هذا الرزق الآتي كل يوم. إذًا هذه المعاني اشتركت أو هذه الأسماء اشتركت في كونها يُسأل بها لإدراك التصور، ثم تفترق من حيث ما دلت عليه من معنى. قال الناظم: (وَهْيَ هُمَا). ما التركيب؟ الهمزة (وَهْيَ) أي الهمزة. (هُمَا) تصور والتصديق. إذًا تُستعمل الهمزة للتصور والتصديق معًا، أو تارة للتصور، وتارة للتصديق؟ الثاني يعني: تارة وتارة، لأنهما يتنافيان تصديق إدراك المركب، والتصور إدراك المفرد، فلا يكون الشيء مركبًا ومفردًا في وقت واحد، إنما تارة تأتي للتصور، وتارة تأتي للتصديق (وَهْيَ) أي الهمزة. يطلب بها (هُمَا) أي التصور والتصديق، يعني التصديق فقط والتصور فقط، وقد تكون لطلب أيهما كان، وهذا الحكم مختص بالهمزة لكونها الأصل، وباقي الأدوات نائبة عنها، هذا الأصل في الاستفهام. مثال التصور في المسند إليه أهذا زيد أم عمرو؟ تقول: زيد. أهذا زيد أم عمرو؟ هذا المسند إليه المسئول عنه هذا المشار إليه، هذا زيد أم عمرو؟ تصور زيد النتيجة يعني الجواب يكون زيد أو يكون عمرو. أَخَلٌّ فِي الإِنَاءِ أَمْ عَسَلٌ؟ هذا عالم بأن الإناء فيه شيء لكن لا يدري هل هو خل أم عسل، حينئذٍ يسمى ماذا؟ يُسمى تصورًا. ومثال التصور في المسند أَفِي الْخَابِيَةِ جِبْسٌ أَمْ عَسَلٌ؟ خابية هل فيها جبس أم عسل تردد في النوعية. ومثال التصديق أَزَيْدٌ قَائِمٌ؟ حيث كان التصديق لم يقم فإن كان أم عمرو أو أَم قعد فليس له، أَزَيْدٌ قَائِمٌ أَمْ لَمْ يَقُمْ؟ إذا كان التقدير أَمْ لَمْ يَقُمْ فهي للتصديق، لأنه قام زيد زَيد قائم أم قاعد هذا المراد، إن كان التقدير أم قاعد حينئذٍ خرج التصور، وإذا كان المراد أَمْ لَمْ يَقُمْ نفيت الذي أُسند بمقابل السابق حينئذٍ هي للتصديق. إذًا (وَهْيَ هُمَا) يعني: الهمزة تأتي التصور والتصديق. ثم قال: وَقَدْ لِلاستِبْطَاءِ وَالتَّقْرِيرِ ... وَغَيْرُ ذَا يَكُونُ وَالتَّحْقِيرِ

стр. 189

(وَقَدْ لِلاستِبْطَاءِ وَالتَّقْرِيرِ ** وَغَيْرُ ذَا يَكُونُ)، وقد يكون الاستفهام للاستبطاء، يعني قد تخرج أدوات الاستفهام عن إفادة الاستفهام إلى معنى آخر، ومنها ما ذكره الناظم بما ذُكر، (وَقَدْ) تستعمل أدوات الاستفهام المذكورة في غير الاستفهام مما يناسب المقام بمعونة القرائن مجازًا، لأن الأصل استعمالها في هو الاستفهام، فإذا استعملت في غير المعنى الذي وُضِعَت له في لسان العرب حينئذٍ هو حقيقة المجاز، وذلك عند امتناع إجرائها على معانيها الحقيقية، إذا امتنع أن تحمل أداة الاستفهام على الاستفهام حينئذٍ لا بد من التأويل، والقرينة والحال هو الذي يدل على تعيين المعنى المراد، فتجيء حينئذٍ خرجت عن الاستفهام للاستبطاء، أي: عده بطيئًا في الإجابة، كم أدعوك وما تلبي دعوتي؟ كم أدعوك هل أراد أن يستفهم كم مرة يدعوه، أم أراد أنه يستبطأ الإجابة؟ أدعوك وأدعوك وأَدعوك وما أجبتني إلى من أشكوا حالي، كم أدعوك؟ حينئذٍ نقول: هذا للاستبطاء. إذا خرجت عن كونها تفيد الاستفهام. أي عده بطيئًا في الإجابة كم أدعوك؟ لمن دعوته فلم يجبك، وهو شكاية عن البطء ونسبة المخاطب إلى التقصير في الإجابة. ومثَّلَهُ في ((الإيضاح)) بقوله تعالى: ﴿مَتَى نَصْرُ اللهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]. ليس استفهامًا وإنما هو فيه شيء من الاستبطاء، (وَالتَّقْرِيرِ) أي ويجيء الاستفهام أو أداة الاستفهام للتقرير، أي حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه وإلجائه إليه، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ليس المراد به السؤال، وإنما المراد به التقرير، بشرط أن تسبق الهمزة المقرر به، ويُذْكَر بعدها فإن أردت التقرير بالجملة قلت: أَفَعَلْتَ كذا ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ تأتي بالفعل مباشرة بعد الهمزة، أو بالمفعول قلت: أزيدًا ضربت؟ هذا تقريرٌ بالمفعول ليس بالضرب، وإنما بكون الضرب قد وقع على زيد، أو الفاعل ﴿أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٢]، هذا تقريرٌ للفاعل، والأول للفعل، والثاني للمفعول به. وفي تقريره بالحال أراكبًا سرت؟ وقس عليه. إذًا يؤتى بهمزة التقرير أولاً ثم بالمقرر به، إن كان فاعلاً حينئذٍ يكون التقدير فاعل، وإن كانت جملةً تأتي بالجملة، إن كان حالاً أو مفعولاً به ونحو ذلك.

стр. 190

وقد لا تكون أدوات الاستفهام لما ذكر بل لغير ذلك لغير ذاك كما قال الناظم: (وَغَيْرُ ذَا) أي المذكورين، أي لغير الاستبطاء والتقرير يكون كالتعجب، تعجب بأداة الاستفهام نحو: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿لَا أَرَى﴾، ﴿مَا لِيَ﴾ استفهام هذا، هل يستفهم عن فعل نفسه؟ هل قمت؟ هذا لا يستفهم الأصل إنسان عن فعل نفسه، لأنه لم يكن يغيب عنه إلا بإذنه فلما لم يبصره تعجب من حال نفسه في عدم إبصاره إياه، إلا معنى الاستفهام العاقل عن حال نفسه، وهذا محال، بل هو بعيد، قد يكون مجازًا لنوعٍ ما، والتنبيه على الضلال ضلال المخاطب كقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦]. هل هذا استفهام؟ لا، ليس استفهام، وإنما خرج عن أصله والمراد به التنبيه على الضلال، ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ خطابٌ بتارك أمر الرسول والقرآن كما يقال لم يترك الجادة الواضحة إلى أين تذهب؟ يعني إلى أين أنت ذاهب هذا الطريق ليس هو الطريق، أي أنك ضللت، وذلك لأنه الله تعالى يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، وحينئذٍ لا تخفى عليه خافية من أجل أن يسأل عنها، فلا يريد بهذا الكلام الاستفهام عن مكان ذهابهم الذي هو مفهوم أين، لأن أين للمكان حينئذٍ في ظاهره استفهامٌ عن مكان ذهابهم، ولكن الله تعالى يعلم حينئذٍ لا يكون استفهامًا. (وَالتَّحْقِيرِ) كقولك من هذا؟ أنت تعرفه لكن أرد أن تحقره فقلت: من هذا؟ وهذا للتحقير استخفافًا بشأنه مع أنك تعرفه. وَالأَمْرُ وَهْوَ طَلَبُ اسْتِعْلاَءِ ... وَقَدْ لأَنْوَاع يَكُونُ جَائِي أي ومن أنواع الطلب (الأَمْرُ)، والمنتخب منه التمني (وَالأَمْرُ) عطفًا على التمني، (وَهْوَ) أي الأمر (طَلَبُ اسْتِعْلاَءِ) يعني (طَلَبُ) بمعنى الإيجاد، طلب فعلٍ غير كفٍ على جهة استعلاء، (طَلَبُ) هذا فيه قصور من الناظم لأن الطلب قد يكون طلب فعلٍ، وقد يكون طلب تركٍ، قد يقال بأنه لما ذكر النهي حينئذٍ تختص الأمر بطلب الفعل، لكنه لم يعرف النهي، لو عرف النهي بأنه طلب الترك عرفنا أن الأمر طلب الفعل، فالأمر هو طلب إيجاد فعلٍ غير كفٍ، على جهة استعلاءٍ من الآمر على المأمور بمعنى أنه يطلبه ويكون العلو معه، يعني وهو عالٍ، الاستعلاء المراد به العلو على المأمور، وعده لنفسه عاليًا، وهذا الأصح عند البيانيين. هنا يفرقون حتى السيوطي في ((شرح عقود الجمان)) الأصح عند البيانيين أنه يُشترط في الأمر الاستعلاء، وإذا جاء عند الأصوليين وبحث المسألة هو بنفسه، والأصح عند الأصوليين أنه لا يُشترط علوٌ ولا استعلاء، والمسألة هي بعينها، والمتكلم وإن اختلف من جهة أنه فنٌ مستقل إلا أن الأصل في المسألة هي واحدة. فالأصح أن يقال ما رُجِّحَ عند الأصوليين يُسْتَصْحَبُ عند البيانيين، ومن رجح ما عند البيانيين ورآه حقًا استصحبه عند الأصوليين، والحق في المسألة أنه لا يُشترط في الأمر علوٌ ولا استعلاء سواءٌ كان عند البيانيين أو عند الأصوليين. وليس عند جل الأذكياء ... شرط علوٌ فيه واستعلاء

стр. 191

هذا هو الصحيح أنه لا يشترط في الطلب أن يكون على جهة الاستعلاء ولا على جهة العلو. والسيوطي هنا اختلف أمره رجح في ((الكوكب)) أنه لا يُشترط فيه علوٌ ولا استعلاء، ورجح هنا في ((عقود الجمان)) أنه يُشترط فيه الاست .. والمسألة هي بعينها، والمبحث هنا لغوي، وإذا كان كذلك يُنظر فيه على جهة القواعد العربية، فما وافق الحق قبل، وما لم يوافق رُدَّ، ولم يشترط المتكلم العربي الفصيح عندما قال: افعل. أن يكون الفعل من أعلى إلا أدنى، ولا يُشترط فيه أن يكون اللفظ مصحوبًا بما يدل على الغلظة، حينئذٍ يستوي فيه الأمران وإنما نطقوا بافعل وحملت على طلب إيجاد الفعل من غير كفٍ فحينئذٍ سمي أمرًا. والتقسيم الذي يذكره البيانيون وتبعهم عليه المناطقة وغيرهم [أن الأمر إن كان من أعلى إلى أدنى] (١) أن الطلب إن كان من أعلى إلى أدنى فهو أمرٌ. وإن كان من أدنى إلى أعلى فهو دعاء. وإن كان من مساوي لمساوي فهو التماس. هذا لا الأصل له في لغة العرب، وإنما هو مجرد اصطلاح استعماله على جهة الأمر قالوا: حقيقة. والتماسٌ ودعاء قالوا: هذا على جهة المجاز. والصحيح أنه لا يُعرف هذا، هذا أمرٌ دخيلٌ على لسان العرب. إذًا قال: (وَالأَمْرُ وَهْوَ) أي الأمر من حيث المعنى طلب استعلاء، طلب فعلٍ غير كفٍ على جهة استعلاء، وذكر الناظم هنا ما رجحه البيانيون وهو أنه يشترط في الطلب أن يكون على جهة الاستعلاء من أجل أن يسمى أمرًا، فإن لم يكن على جهة الاستعلاء قالوا: ليس بأمر وإن استعمل فيه صيغة افعل فهو مجاز، والمراد هنا أن يعرف الأمر حقيقةً لا مجاز، فإن كان من المساوي للمساوي لأنه انتفى به الاستعلاء فلا يسمى أمرًا، إن كان من أدنى إلى أعلى ﴿ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] قالوا: ليس بأمر وإنما هو دعاء. نقول: هذا التقسيم لا أصل له. ثم قال: (وَقَدْ لأَنْوَاع يَكُونُ جَائِي)، (وَقَدْ لأَنْوَاع يَكُونُ) قبل ذلك لأنه ذكر أن النهي له صيغة [النهي] الأمر له صيغة وهي صيغة افعل هذا الأصل فيها، وكل ما دل على الطلب ولو بواسطةٍ فيسمى أمرًا عند الأصوليين، وأما عند العرب فما، ذل بصيغته هو الذي يُسمى فعل أمر، يعني بصيغة افعل، وأما ليفعل فهذا ليس بأمرٍ وإن سماه الأصوليون أمرًا، لأن النظر إنما يكون في مدلول اللفظ لا في اللفظ بعينه فحسب، ﴿لِيُنفِقْ﴾ [الطلاق: ٧] هذا يسمى أمرًا عند الأصوليين، عن النحاة لا يسمى أمرًا، لكن عند البيانيين ذكر المرشدي أن البيانيين كالأصوليين. يعني ما دل على الأمر يكون أمرًا، ولذلك قال: صيغته من المقترنة باللام أولى، ومتى تكون مقترنة باللام؟ إذا كان فعلاً مضارعًا ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ هذا يُسمى أمرًا عند البيانيين وهو أمرٌ عند الأصوليين، نحو: ليقم زيدٌ. هذا يُسمى أمرًا وهي لام الجازمة المفيدة للطلب، أو لا يكون بها نحو: أَكْرِم عمرًا، وصه، ونذاري، ورويدًا زيدًا هذه كلها تُسمى أمرًا عند البيانيين وهي كذلك عند الأصوليين.

стр. 192

وأشار بقوله: (وَقَدْ لأَنْوَاع يَكُونُ جَائِي). (جَائِي) هذه الياء للإشباع، جاءٍ هذا الأصل، جاءٍ لأنه منقوص وإذا نُوِّنَ ونُكِّرَ وجب دخول التنوين لكونه وقع في آخر البيت وذهب التنوين، إما أن يقال بأن الياء رجعت، وإما أن يقال بأنها للإشباع. أي: أن صيغة الأمر قد يستعمل لغيره، عرفنا صيغة الأمر افعل وليفعل وما ذُكر معه. الأصل فيها الدلال على طلب إيجاد فعلٍ من غير كفٍ على جهة الاستعلاء، قد يستعمل صيغة الأمر في غير الأمر كما اسْتُعْمِلَ ليت في غير التمني وهل في غير الاستفهام، إذًا الأصل في وضعها أن تُستعمل فيما وضعت له، وقد تخرج عنه ويسمى مجازًا، فصيغة الأمر قد تُستعمل لغيره، يعني لغير الطلب طلب الفعل استعلاءً بحسب مناسب المقام، وقرائن الأحوال تستعمل للإباحة وهذه يعتني بها الأصوليون أكثر، يعني افعل حقيقةً للوجوب، افعل حقيقةً في الوجوب، مجازٌ في الندب. هذا الذي يعنينا مجازُ في الندب والإباحة، هذا الذي تعلق بالأحكام الشرعية، فإذا قيل: حقيقةٌ في وجوب. حينئذٍ إذا لم توجد قرينة صارفة وجب حمل اللفظ على حقيقته، وهو الدلالة على الوجوب. وافعل لدى أكثر للوجوب يعني حقيقة، إن دلت افعل عن الندب لقرينة حينئذٍ يكون مجاز، إذا لم تستعمل في الدلالة على الطلب. ثانيًا إذا دلت القرينة على عدم الوجوب والندب استعملت في الإباحة، حينئذٍ نقول: هذا الذي يتعلق بالحكم الشرعي. فتستعمل للإباحة نحو جالس الحسن أو ابن سيرين ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَاصْطَادُواْ﴾ قالوا: هذه للإباحة. والتهديد كذلك تأتي ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] هل هذا أمرٌ بأن يعمل ما شاء؟ لا، المراد به التهديد. إذًا لم تستعمل في الأمر حينئذٍ نقول: هذا مجاز. والإهانة نحو: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]. والتسخير أي التذليل ﴿كُونُواْ قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥]. والتعجيز نحو: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] ﴿فَأْتُواْ﴾ الأمر هنا لتعجيز. إذًا هذا من معاني افعل التي تخرج عنها للدلالة أو من الدلالة على الأصل وهو الأمر. (وَقَدْ لأَنْوَاع يَكُونُ جَائِي) وقد يكون يعني صيغة: افعل. (جَائِي) لأنواعٍ يكون جائيًا لأنواع، أليس كذلك؟ وقد يكون الأمر جائيًا لأنواعٍ هذا الأصل يكون على ما سبق. وَالنَّهْيُ وَهْوَ مِثْلُهُ بِلاَ بَدَا ... وَالشَّرْطُ بَعْدَهَا يَجُوزُ وَالنِّدَا

стр. 193

(وَالنَّهْيُ) هذا عطفٌ على التمني، أي ومن أنواع الطلب النهيّ، من أنواع الطلب المنتخب الذي يتحدث عنه البيانيون تعلق به أحكام بيانية (النَّهْيُ) وهو طلب الكفّ عن الفعل. النهي ضد الأمر بمعنى أنه يقابله في التعريف وفي الأحكام المترتبة عليه في الجملة، طلب الكفّ عن الفعل تحريمًا أو كراهةً على جهة الاستعلاء على حد ما سبق في الأمر. والصحيح أنه لا يُشترط فيه علوٌ ولا استعلاء كالأمر، فإن صادف استعماله على سبيل الاستعلاء مِمن هو أعلى أفاد وجوب الترك المعبر عنه بالتحريم، وإلا أفاد طلب الترك فحسب، ثُمّ إن استعمل على سبيل التضرع سمي دعاءً، وإن استعمل من المساوي سمي التماسًا. يعني الكلام في النهي كالكلام في الأمر، والصحيح هنا كالصحيح هناك، أن هذا التقسيم حادث، يعني لا يعرف في لسان العرب، وإنما هو دخيلٌ عليها، وإلا إما أن يقال بأنه حقيقة أو مجازٌ، أم أنه [يسمى أمرًا ولا يكون] ويسمى نهيًا ولا يكون نهيًا حقيقةً؟ تقول: لا. وقول الناظم: (وَهْوَ مِثْلُهُ) أي مثل الأمر في الاستعلاء لأنه المتبادر إلى الفهم فهو طلب الكفّ عن الفعل استعلاءً. وقوله: (بِلاَ بَدَا) أي ظهر بلا، بدا بِلا يعني: أداته التي وضع في الدلالة على النهي هي لا الناهية الجازمة، وهو حرفٌ واحدٌ وهو لا الجازمة، نحو: لا تفعل ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣]، وفي عرف النحاة تسمى هذه الصيغة نهيًا، في أي معنًى استعمل كما يسمى افعل أمرًا وهذا هو الصحيح، يعني ليس عندنا التماسٌ ولا دعاء، تُسمى نهيًا في أي معنًى استُعمل، متى ما وجد طلب الترك سُمِّيَ نهيًا، كما أن صيغة افعل متى ما وجد الطلب طلب الفعل سُمِّيَ؟ سمي أمرًا. وقد يخرج عن استعماله في طلب الكف إلى غيره وهذه كذلك يعتني به الأصوليون كالتهديد كقولك لعبدٍ لا يمتثل أمرك: لا تمثل أمري. كما يقول الأب لابنه: لا تذهب لا تذهب. يعني: تهديد هذا تخويف، فإنه ظاهرٌ أنه ليس المراد طلب كفِّه عن الامتثال، وإنما المراد به التهديد. كالدعاء نحو: ﴿لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] فإنه ظاهر أنه تضرع والتماس كقولك على سبيل التلطف لمن يساويك لا تفعل كذا أيها الأخ، دل على أنه التماسٌ وليس بنهيٍ، هذا جريٍ على التفصيل المشهور عندهم. إذًا (وَالنَّهْيُ وَهْوَ مِثْلُهُ بِلاَ بَدَا) وهذه مباحثها تكون في النحو على جهة التفصيل، وما يتعلق بها من أحكام في أصول الفقه (وَالشَّرْطُ بَعْدَهَا يَجُوزُ) والشرط يجوز بعدها أي بعد هذه المذكورات الأربعة ... (وَالشَّرْطُ بَعْدَهَا) أي بعد الأنواع الأربعة وهي: التمني، الاستفهام، النهي، الأمر.

стр. 194

(بَعْدَ) (يَجُوزُ) يعني يجوز أن يقدر، أي بعد الأنواع الأربعة التي هي التمني والاستفهام والأمر والنهي (وَالشَّرْطُ) المراد به حرف الشرط، قد يقدر بعدها، فيجوز أن يُجْزَمْ بعدها المضارع بتقدير شرطٍ بعدها، وهذا مما عدَّه النحاة من الجوازم ويبحث في جزم الفعل المضارع وهو ما يسمى بالطلب. ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا﴾ [النور: ٣٠] ﴿يَغُضُّوا﴾ الأصل يغضون ما الذي جزمه؟ ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أين الجازم؟ ليس عندنا أداة جزم ﴿يَغُضُّوا﴾ يغضون إن يغضوا من أبصارهم إذًا على تقدير حرف شرط ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ﴾ إن تأتوا أتلوا، إذًا نقول: على هذا تقدير حرف شرطٍ. نحو: ليس لي مالاً أَنْفِقْهُ. أي إِنْ أُرْزَقْهُ أُنْفِقْهُ، وأين بيتك أزرك أي: إن تعرفنيه أو تعرفنيه أزرك ﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] إن يقيموا الصلاة، فحينئذٍ يجوز بعد هذه الأوجه الأربعة: التمني، والاستفهام، والأمر، والنهي، إذا جُزم الفعل المضارع حينئذٍ يكون مجزومًا بشرطٍ مقدر على خلافٍ، ولا تشتم يكن خيرًا لك. يعني إن لا تشتمني يكن خيرًا لك، وتفصيلها أكثر يكون في كتب النحو ومرَّ معنا. إذًا المراد هنا (وَالشَّرْطُ بَعْدَهَا يَجُوزُ)، (وَالشَّرْطُ) يعني أداة الشرط (يَجُوزُ بَعْدَهَا) بعد هذه الأربعة حينئذٍ يجزم الفعل المضارع بحرف الشرط المقدر أو بجواب الطلب على خلاف المذكور. (وَالنِّدَا) أي ومن أنواع الطلب النداء بكسر النون ممدودًا إلا أن الناظم قصره للوزن وقيل لغة، وهو طلب الإقبال بحرفٍ نائبٍ مناب أدعو لفظًا أو تقديرًا، النداء هو طلب الإقبال بحرفٍ إذا الأصل في وضع أن يكون بحرفٍ هذا الحرف نائبٌ مناب أدعو تقديرًا أو لفظًا، لفظًا أو تقديرًا يا زيد هذا نُطق بحرف النداء ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ﴾ [يوسف: ٢٩] ﴿يُوسُفُ﴾ يعني يا يوسف إذًا حرف النداء يكون مقدرًا ويكون ملفوظًا بها. فيا للبعيد حقيقةٌ أو ما نُزِّلَ مُنَزَّلته، يعني قد تجيء ياء للقريب، الأصل فيها للبعيد يا زيد ما تستعمله للقريب، إنما تستعمل للبعيد، أو ما نُزِّلَ مُنَزّلة البعيد هو قريب لكنك أردت أن تشير إلى أنه فيه بعدٌ إما من حيث الفهم أو من حيث المكانة، يعني قد تجيء يا للقريب عند إعطائه حكم البعيد وتَنْزِيله مُنَزَّلَتَه لنكتةٍ تقتضيه فيصير بعيدًا حكمًا، وتلك النكتة إما إشارة إلى كونه بليدًا فينبه باستعمالها فيه على بلادته، وأنه بعيدٌ من التنبيه، وإما الحرص في وقوع النداء للمخاطب وطلب إقباله كأنه بعيد كقوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾ [القصص: ٣١]. وإما بيان الاعتناء بالمخاطب، وكون المخاطب يعتني به نحو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وأما (أَيَا، وهَيَا) فهما للبعيد تنبيهًا على أنه حاضر لا يغيب، وأي والهمزة للقريب، وقد تستعمل في البعيد تنبيهًا على أنه حاضرٌ في القلب لا يغيب عنه أصلاً. إذًا الأصل في حرف النداء أن يكون ياء ومثله ما ذكرناه. (وَالنِّدَا

стр. 195

وَقَدْ لِلاخْتِصَاصِ وَالإِغْرَاءِ ** يَجِيءُ) قد يجيء النداء بالياء يجيء أو ... [تجيء] إذا أردنا به الأداة يجوز لكن يجيء أظهر، وقد يجيء يعني النداء غير مستعملاً في معناه الحقيقي وإنما يخرج عن أصله كما هو الشأن في (ليت) و (هل) ونحوها، وقد تستعمل صيغة النداء في غير معناه وهو طلب الإقبال بأن تجيء إذا جعلناه راجعًا إلى الأداة (لِلاخْتِصَاصِ) يعني يفيد الاختصاص بدلاً من أن يقال يا أيها الرجل حينئذٍ نقول: هذا أفاد الاختصاص. ومر معنا معنى الاختصاص أنه [قصر الحكم على] ذكر الحكم في المذكور ونفيه عن ما عداه، نحو: أنا أفعل كذا أيها الرجل، في مثل هذا التركيب نقول: أيها الرجل أصله يا أيها الرجل، هنا حذفت يا وأيها الرجل دليلٌ عليها، أي متخصصًا به دون الرجال، أنا أفعل كذا أيها الرجل، هذا التركيب وإن كان الأصل فيه ياء النداء إلا أنه خرج عن أصله وهو طلب الإقبال إلى معنى التخصيص بمعنى أنه ما دل عليه التركيب أنا أختص به دون غيرٍ من الرجال، فقولك: أيها الرجل تخصيصٌ منادى بطلب إقباله عليه، ثُمَّ جُرِّدَ عن ذلك ونقل إلى تخصيص مدلولٍ من بين أمثاله بما نُسِبَ إليه، يعني مدلول شخصٍ واحدٍ من بين أمثاله بما نُسِبَ إليه، يعني رجلٌ من الرجال أو زيدٌ من الزيود، واستعماله يكون إما في معرض التفاخر نحو: أنا أكرم الضيف أيها الرجل، يعني أنا مختصٌ بإكرام الضيوف من بين الرجال. أي مختصًا من بين الرجال بإكرام الضيف، أو التصاغر نحو: أنا المسكين أنا الرجل، يعني أنا المختص بالمسكنة، أو لمجرد البيان بيان المقصود بذلك الضمير نحو: أنا أدخل الدار أيها الرجل، فكل هذا صورته صورة النداء وليس به، يعني خرج عن أصله، والمراد به هذا التركيب بعينه: أنا أفعل كذا أيها الرجل، خرج عن كونه نداءً إلا إفادة التخصيص، لأن أيًّا وما جعل وصفًا له لم يرد به المخاطب يعني: النداء، لم يرد به المخاطب يعني: مناداته، بل هو عبارةٌ عما دل عليه ضمير المتكلم السابق وهو أنا، ولا يجوز فيه إظهار حرف النداء لأنه لم يبق فيه معنى النداء أصلاً فكره التصريح بأداته بلفظ أيها، والرجل مضمومٌ من نوعه على أنه صفته ومجموعه في محل نصب من حيث الإعراب بحثٌ طويل عند النحاة. (وَالإِغْرَاءِ) يعني قد يخرج النداء إلى الإغراء أي التحريض، كقولك لمن أقبل يتظلم: يا مظلوم. يعني زد، زد من الشكايا. يا مظلوم، فإنه ليس لطلب الإقبال لكونه حاصلاً وإنما الغرض والقصد إغراؤه وحثه على زيادة التظلم وبث الشكوى، فإنه ليس بنداءٍ حقيقةً. وقوله: (لِلاخْتِصَاصِ وَالإِغْرَاءِ) متعلق بقوله: (تَجِيءُ). وفي نسخةٍ: (يَجِيءُ).

стр. 196

ثم قال ختم الباب بقوله: (ثَمَّ مَوْضِعَ الإِنْشاءِ) قد يقع الخبر. ثم قد يقع الخبر موضع الإنشاء، مرّ معنى أن الكلام نوعان: خبرٌ، وإنشاء. وعرفنا المراد بالخبر والمراد بالإنشاء، قد يستعمل يعني: تأتي بالجملة بلفظ الخبر والمعنى إنشاء، وقد يقع العكس، لكن الأكثر أن يستعمل الخبر موضع الإنشاء، والثاني مختلفٌ فيه. ولذلك قال هنا: (ثَمَّ) للترتيب الذكري ... (مَوْضِعَ الإِنْشاءِ) بالنصب مفعولٌ مقدم لقوله: (يَقَعُ). (قَدْ) للتحقيق و (يَقَعُ) فعل مضارع و (الْخَبَرُ) فاعل (مَوْضِعَ) يعني مكان (الإِنْشاءِ)، أي قد يقع الخبر موقع الإنشاء أي: ترد صيغة الخبر ويراد بها الإنشاء لمعنًى من المعاني، منها ما ذكره الناظم بقوله: (لِلتَّفَاؤُلِ) بوقوع المعنى المطلوب فيعبر عنه بصيغة الماضي الحاصلة التي حقها أن يخبر عنها بأفعالٍ ماضية، يعني: عرفنا أن الإنشاء يكون في المستقبل شيءٌ لم يقع، ولذلك من أبرز ما يميز الخبر عن الإنشاء، الخبر شيءٌ مضى انتهى هذا الأصل فيه، والإنشاء يكون بشيءٍ متعلقٍ في المستقبل، تعبر عن المستقبل بشيءٍ قد مضى للدلالة على أنه واقعٌ وحاصل وهذا ما عناه بقوله: (لِلتَّفَاؤُلِ). يعني التفاؤل بماذا؟ بوقوع المعنى المطلوب مثل ماذا؟ غفر الله لك، هذا دعاء اللهم اغفر لك مثلاً أو له، حينئذٍ نقول: اغفر هذا الأصل، وَضِعَ موضعه غَفَرَ وهو فعلٌ ماضي للدلالة على ماذا؟ على التفاؤل بوقوع المطلوب وهو حصول المغفرة من الله للمخاطب، فإنه أبلغ من: رب اغفر له. قد يقال: رب اغفر له، وقد يقال: غفر الله لك، أيهما أبلغ؟ غفر الله لك، بخلاف اغفر، حيث أتى بصيغة الماضي كأنه وقع فأخبر عنه، (وَالْحِرْصُ) يعني والإظهار الحرص، يعني: وقصد الحرص في وقوع المطلوب الذي اشتمل عليه الخبر لأن الطالب إذا عظمت رغبته في شيءٍ كثر تصوره إياه وربما يخيل إليه أنه حاصلٌ، هذا يسمى حرصًا، حينئذٍ نورده بلفظ الماضي نحو: رزقني الله لقاءك، وزارني محبوبي ما كان اللهم ارزقني لقاءه، وزرني يا محبوبي. يعني أتى بالجملة الفعل الماضي للدلالة على الدار. قال القزويني: والدعاء بصيغة الماضي من البليغ نحو: ﵀ يحتملها. يعني يحتمل التفاؤل ويحتمل الحرص. وهنا نصٌ من البيانيين وهو محل وفاقٍ في معنى على أنه يعبر عن الرحمة برحمه الله، والآن استبدلت عند البعض يرحمه الله وهذا غلظ، يعني ليس، يجوز من ناحية اللغة لكن ناحية المعنى البليغ لا، والدعاء بصيغة الماضي من البليغ نحو: ﵀ يحتملها أي التفاؤل وإظهار الحرص، وأما غير البليغ فهو ذاهبٌ عن هذه الاعتبارات. (أَوْ بِعَكْسِ ذا) عكس ماذا؟ استعمال الإنشاء مرادًا به الخبر هذا مختلفٌ فيه هل هو واقعٌ أم لا؟ لكن المشهور وجوده، ووجوده في بعض الأمثلة فقط، يعني ليس له قواعد وليس له يعني نكات (تأَمَّلِ) أي تأمل المذكور، (أَوْ بِعَكْسِ ذا) أي عكس قولنا: قد يقع الخبر موقع الإنشاء أي: قد يقع الإنشاء موقع الخبر، أي يُستعمل الخبر بصيغة الطلب لنكتٍ تُدْرَكُ بالتأمل. ولذا قال الناظم: (تأَمَّلِ). منها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٩].

стр. 197

الآية لم يقل وإقامة وجوهكم تأكيدًا لمكان العناية بالصلاة ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] جاء بصيغة الإنشاء الطلب، والمراد به التسوية، حصل منك استغفارٌ أم لا؟ الحكم واحدٌ، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي ليتربصن دل هنا على أن التسليم إنما يكون في الامتثال. إذًا القاعدة هنا أنه يجوز أن يقع الخبر مرادً به الإنشاء، وهذا كثير، وهو متفقٌ على وجوده، وقد يقع الإنشاء مرادًا به الخبر وهذا مختلفٌ فيه، والصحيح وجوده لأنه دون سابق، والله أعلم. وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 198

عناصر الدرس * الباب السابع: الفصل والوصل. * دواعي الفصل. * دواعي الوصل. * الباب الثامن: الإيجاز والإطناب. * تعريف الإيجاز والإطناب وأنواع كلٍ. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: (الْفَصْلُ وَالْوَصُلُ)، (الْبَّابُ السَّابِعُ: الْفَصْلُ وَالْوَصُلُ) الباب السابع من الأبواب الثمانية التي انحصر فيها علم المعاني، وهو أعظم الأبواب، من أبواب هذا العلم علم المعاني أعظمها الفصل والوصل، وهو أعظم الأبواب خطرًا وأصعبها مسلكًا وأدقها مأخذًا، حتى قصر أبو علي الفارسي البلاغة على معرفته قيل: مبالغة. وقيل: حقيقة. وأن من كمل فيه لا بد أن يكون كمل في غيره، يعني الذي يُتْقِنُ هذا الباب إلا من كمل في غيره من أبواب السابقة والآتية. (الْفَصْلُ وَالْوَصُلُ) قَدَّمَ الناظم الفصل لأنه الأصل، والوصل عارض، حاصل بزيادة حرف، لأن الوصل هو: عطف الجملة على الجملة. والفصل هو: ترك العطف. لأن العطف كما يكون في المفردات يكون كذلك في الجمل، كما تعطف زيدًا على عمرٍو، جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، رَأَيْتُ زَيْدًا وَبَكْرًا، عطفت المفرد على المفرد، كذلك يكون عطفه في الجمل. إن كان العطف بحرف يدل على معنى وهو غير الواو، الوَاو تدل على معنى، لكن (الفاء، وثُمّ) هذه واضحة معانيها المعاني المعتبرة في المفردات هي بعينها معتبرة في الجمل، يعني كما أن (الفاء) تدل على الترتيب مع التعقيب في المفردات كذلك مع الجمل، وكذلك (ثُمّ) تدل على التعقيب مع المهلة في المفردات كذلك في الجمل. إذًا نقول: لأن الفصل هو الأصل، والوصل عارض حاصل بزيادة حرفٍ لكن لما كان الوصل بمنزلة الملكة، والفصل بمنزلة عدمها، والأعدام إنما تعرف بملكاتها، جرت عادة علماء المعاني بتقديم تعريف الوصل، لأن الوصل يحتاج إلى ملكة. يعني: الذي يسلم مثل ما يقال: (سكن تسلم) هناك. هنا الذي يُريد أن يسلم فليفصل ولا يصل إلا إذا كان عالمًا، ولن يجيد إلا إذا كانت عنده ملكة، وهو لذلك قال: أعظم أبواب علم المعاني. قال رحمه الله تعالى: إِنْ نُزِّلَتْ ثَانِيَةٌ مِنْ مَاضِيَه ... كَنَفْسِهَا أَوْ نُزِّلَتْ كَالْعَارِيَةْ فافْصِل ................. ... ............................ إذًا قدم الفصل على الوصل. الوصل لغةً: الجمع. وهو: عطف بعض الجمل على بعض. والفصل لغةً: القطع. وهو: ترك عطف بعض الجمل على بعض. قال الناظم: (إِنْ نُزِّلَتْ ثَانِيَةٌ مِنْ مَاضِيَه). يعني إذا توالت جملتان. الحديث هنا عن الجملتين، إذا توالت جملتان فـ (إِنْ نُزِّلَتْ ثَانِيَةٌ مِنْ مَاضِيَه) يعني الثانية من ماضية يعني من السابقة، يعني الجملة الثانية المعطوفة (إِنْ نُزِّلَتْ) من السابقة التي هي المعطوف عليها كنفسها، أو النوع الثاني (أَوْ نُزِّلَتْ كَالْعَارِيَةْ) دخل تحت هذا البيت أربعة أنواع مما يجب فيه الفصل، وهو ما يعنون له بـ: كمال الاتصال هذا الأول. الثاني: شبه كمال الاتصال. وثالثًا: كمال الانقطاع. ورابعًا: شبه كمال الانقطاع. هذه أربعة أنواع، اثنان دخلا تحت قولنا: (كَنَفْسِهَا). الذي هو كمال الاتصال وشبه كمال الاتصال. أو العاري (كَالْعَارِيَةْ) دخل تحته نوعان: كمال الانقطاع، وشبه كمال الانقطاع.

стр. 199

ما المراد بهذه الأنواع الأربعة؟ هذه الأنواع الأربعة هي مواضع وجوب الفصل بين الجمل. الأول: كمال الاتصال. فيجب الفصل بين الجملتين إذا كان بينهما كمال الاتصال. والمراد بكمال الاتصال أن تكون الثانية مؤكدة للأولى، أو بدلاً منها، أو عطف بيان. إما تكون الثانية تأكيدًا للأولى، أو تكون بدلاً منها، أو تكون عطف بيان. حينئذٍ نقول: يجب الفصل في هذه المواضع الثلاثة، أن تُنَزّل الجملة الثانية من الأولى منزلة التوكيد المعنوي في إفادة التقرير مع اختلاف المعنى وهذا التوكيد المعنوي، أو اللفظي في إفادة التقرير مع اتحاد المعنى. يعني: قد تنزل الجملة الثانية من الأولى مُنَزَّلة التوكيد المعنوي كـ جَاءَ زَيْدٌ نَفْسُهُ، وقد تنزل الثانية من الأولى منزلة التوكيد اللفظي كـ جَاءَ زَيْدٌ زَيدٌ، هذان اعتباران من اعتبارات المذكورة هنا. مثال الأول التوكيد المعنوي قوله تعالى: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾. بالنسبة إلى قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] كم جملة؟ جملتان ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ مبتدأ وخبر، ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ جملة اسمية هذه نافية للجنس ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إذًا جملة اسمية وجملة اسمية، نُزِّلَتِ الثانية من الأولى منزلة التوكيد المعنوي، وفُصِلَ بينهما يعني: لم يعطف ذلك الكتاب ولا ريب فيه، ذلك الأمر ولا شك فيه كما يقول الناس. نقول: لا، إنما فصل بين هاتين الجملتين لأن الثانية بمنزلة التوكيد، وهل يقال: جَاءَ زَيْدٌ وَنَفْسُهُ؟ أو جَاءَ زَيْدٌ نَفْسُهُ؟ جَاءَ زَيْدٌ نَفْسُهُ، كما أنه لا يفصل بين جَاءَ زَيْدٌ نَفْسُهُ، نَفْسُه المؤكد المعنوي مع المؤكد زيد كذلك هنا نزلت مُنَزّلة التوكيد المعنوي [فلا فصل] (١)، بل يجب الفصل هنا وليس بـ فلا وصل بل يجب الفصل هنا. إذًا ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ فإنه لما بولغ هنا الوجه لماذا؟ لما بولغ في وصف الكتاب ببلوغه الدرجة القصوى في الكمال ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ تدل على أن الكتاب بلغ الدرجة القصوى في الكمال من جهتين:

стр. 200

أولاً: ﴿ذَلِكَ﴾ تدل على كمال التمييز، وجاءت اللام، اللام البعد، وإلا ﴿الْكِتَابُ﴾ يشار إليه ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ جاء في غير موضع ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٧٦] وهذا يشار بها للقريب، لكن جاء هنا قال: ﴿ذَلِكَ﴾. إذًا فيه مكانة وعظمة. ﴿الْكِتَابُ﴾ دخلت عليه (أل) الدالة على الكمال، حينئذٍ لما بولغ في وصف الكتاب ببلوغه الدرجة القصوى في الكمال، ووجهه أنه جعل المبتدأ ﴿ذَلِكَ﴾ اسم الإشارة الدالة على كمال العناية بتمييزه وتعريف الخبر ﴿الْكِتَابُ﴾ بـ (أل) الدالة على الانحصار حينئذٍ عرف الجزءان أي: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أنه الكتاب الكامل الذي يستحق أن يُسمى كتابًا دون ما سواه، جاز حينئذٍ أن يتوهم السامع قبل التأمل أن في ذلك مجازًا، إذا قيل: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ هذا هو الكتاب وما عداه ليس بكتاب، قد يتوهم السامع بأنه مجاز أي: بسبب المبالغة فاتبع بقوله ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ كما أنه قد يتوهم جَاءَ زَيْدٌ رَسُولُهُ غُلامُهُ ذاته يحتمل فلما قيل: نَفْسُهُ. حينئذٍ تعين، فلما قال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. واحتمل أنه فيه شيء من المبالغة - وانتبه هنا المعاني ليست خاصة بالمسلمين، حتى يقال: كيف يتوهم؟ - لا، هنا الكتاب عام يستمعه المسلم والكافر، فقد يتوهم الكافر العربي ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ بأنه مجاز من باب المبالغة، فجاء ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إذًا من باب التأكيد، من باب نفي المجاز في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. دفعًا لهذا التوهم. إذًا هذا الأول بما يتعلق بالجملة إذا كانت الثانية بمنزلة التأكيد المعنوي.

стр. 201

ومثال التوكيد اللفظي تُنَزّل الثاني مُنَزّلة التوكيد اللفظي قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾. أيضًا في نفس السورة ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ إذا جُعلت جملة مستقلة بالنسبة لقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ هذه الجملة تعتبر مؤكدة أو بمنزلة التأكيد اللفظي لقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ فإن معناه أنه في الهداية بالغ درجة لا يدرك كُنْهُهَا من أين أخذنا هذا؟ لما في تنكير هدى، هُدى دال على الإبهام والتفخيم التنكير يدل على الإبهام ويدل على التفخيم، والإتيان به دون هادٍ اسم فاعل حتى كأنه هداية محضة، لذلك تقول: زَيْدٌ عَدْل. كأنه هو العدل بعينه ولا يقال: زَيْدٌ عَادِل. إذا أردت المبالغة تقول: زَيْدٌ عَدْلٌ. إذًا هو العدل بعينه لا يزيد عنه ولا ينقص، ﴿هُدًى﴾ إذًا هو الهداية بعينها، فلو قلت: هادٍ. فهو أقل معنى من ﴿هُدًى﴾، وكذلك عادل هو أقل معنًى من العدل، لأن المصدر يدل على تمام المعنى. وقوله: هادٍ. إذًا ﴿هُدًى﴾ أدل على المقام من هادٍ حتى كأنه هداية محضة، وهذا معنى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ لأن معناه الكتاب الكامل أي في الهداية إذ هي المقصود من الإنزال فهو بإنزال جيد للثاني في قولك: جَاءَ زَيْدٌ زَيدٌ. إذًا ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ لما عرّف الجزأين وكان المراد به الكمال، الكمَال في ماذا؟ القرآن أو الكتاب إنما أُنزل من كونه هادٍ إلى طريق الله ، فإذا قيل: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ يكون فيه توكيد لفظي من جهة المعنى. إذًا هذا ما يتعلق بالجملة الثانية إن كانت مؤكِّدة، وأما البدل من كون الثاني بدلاً من الأولى لنكتة كـ كون المراد لطيفًا أو مطلوبًا في نفسه فتُنَزّل الثانية بمنزلة البدل المطابق نحو قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ [طه: ١٢٠]. ﴿قَالَ يَا آدَمُ﴾ ما قال: وقال يا آدم. لماذا؟ لأن ﴿قَالَ يَا آدَمُ﴾ هو عين الوسوسة، أليس كذلك؟ جَاءَ زَيْدٌ أَخُوكَ، أخوك بدل مطابق، بدل كلّ من الكل، هل يصح أن تقول: جَاءَ زَيْدٌ وَأَخُوكَ، وأردت به البدلية؟ الجواب: لا، إذًا هنا لما كان قوله: ﴿قَالَ يَا آدَمُ﴾ هو عين الوسوسة فسرها لأن قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾. هذا فيه شيء من ناحية الإجمال، فقال: ﴿قَالَ يَا آدَمُ﴾. ففصل جملة ﴿قَالَ﴾ لأنها بمنزلة البدل المطابق من وسوس، والنكتة في الإبدال هنا لطافة المراد ودقته، وهذا مثال صالح لعطف البيان فنحتاج إلى إعادة، لأن كل ما صلح أن يكون بدل كل من الكل فهو عطف بيان. إذًا ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ﴾ لِمَ فصل؟ لكون الجملة ﴿قَالَ يَا آدَمُ﴾ بمنزلة البدل المطابق من قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ أو بمنزلة عطف البيان، أو بمنزلة بدل البعض نحو قوله تعالى: ﴿أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٢: ١٣٤] انظر ﴿أَمَدَّكُم﴾، ﴿أَمَدَّكُم﴾. ﴿أَمَدَّكُم﴾ الأولى فيها شيء من التعميم أو الإبهام ... ﴿أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ ما هو؟ قال: ﴿أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.

стр. 202

هل هذا كلّ ما أمدهم الله تعالى به من النعم؟ الجواب: لا، إذًا هذا بدل بعض من كلّ. ففصل جملة ﴿أَمَدَّكُم﴾ الثانية لأنها كبدل البعض إذ مضمونها بعض ما يعلمون، والنكتة في إبدالها كون مضمونها مطلوبًا في نفسه، أو بمنزلة بدل الاشتمال نحو: ارْحَلْ لا تُقِيمَنْ عِنْدَنَا، أو لا تُقِيمَنَّ عِنْدَنَا. ارْحَلْ ما قال: وَلا تُقِيمَنَّ. إنما قال: ارْحَلْ لا تُقِيمَنَّ. إذًا فصل بين الجملتين لكون الثانية بمنزلة بدل الاشتمال من الأولى، فلا تقيمن بدل اشتمال من ارحل، والنكتة كالذي قبله. إذًا إذا كانت الجملة الثانية بمنزلة التوكيد بنوعيه اللفظي والمعنوي، أو بمنزلة البدل من السابقة، أو بمنزلة عطف البيان حينئذٍ وجب الفصل، يعني: لا يجوز أن تعطف الثانية على الأولى، لماذا؟ لكونها توابع، والتوابع عين المتبوع، والعطف يقتضي المغايرة، والموجب للتأكيد دفع توهم السهو أو المجاز. إذًا هذا هو النوع الأول كمال الاتصال، يُعَنْوَنُ له عند البيانيين بكمال الاتصال أن تكون الثانية بمنزلة البدل أو التوكيد أو عطف البيان. الموضع الثاني من مواضع وجوب الفصل: أن يكون بين الجملتين شبه الاتصال - ليس كمال الاتصال - شبه الاتصال. يعني شبه كمال الاتصال وصورته بأن تكون الجملة الثانية جوابًا عن سؤال اقتضته الجملة الأولى، يعني تُنَزّل الجملة الأولى بمنزلة السؤال، والجملة الثانية بمنزلة الجواب. فتُنَزّل الأولى مُنَزّلة السؤال فتُفْصَلُ منها الثانية كما يُفْصَلُ الجواب عن السؤال، هذا الأصل، أَيْنَ زَيْدٌ؟ فِي الْبَيْتِ. لا يصح تقول: أَيْنَ زَيْدٌ وَفِي الْبَيْتِ. لا يُعطف الثاني على الأول، مثلها الجملة الثانية إذا كانت بمنزلة الجواب فلا تعطف على ما قبلها لأنها في منزلة الجواب، ويسمى الفصل في ذلك استئنافًا، وكذلك الجملة الثانية تسمى استئنافًا، هذا ما يُسمى باستئناف البياني الذي يمر معنا دائمًا، ما ليس واقعًا في جواب سؤال مقدر هذا الاستئناف النحوي، ما كان واقعًا في جواب سؤال مقدر هذا الاستئناف البياني. مثاله قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]. كأنه قيل: هل النفس أمارة بالسوء؟ ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ هل النفس أمارة بالسوء؟ ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ فنزلت الثانية منزلة الجواب، والأولى اقتضت السؤال فحينئذٍ وجب الفصل، وهذه بقرينة التأكيد. ومنه قول الشاعر: قال لي كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل كأنه قال: لم أنت عليل؟ فقلت: عليل سهر دائم. هذا جاء الفصل، ولم يقل وسهر دائم، لماذا؟ لكون الثانية مُنَزَّلَة مُنَزّلة الجواب من السابقة، كأن المخاطب لما سمع عليل قال: ما سبب علتك؟ قال: سهر دائم وحزن طويل.

стр. 203

إذًا هذا الموضع الثاني وهو شبه الاتصال، هذان الموضعان داخلان في قوله: (كَنَفْسِهَا). (إِنْ نُزِّلَتْ ثَانِيَةٌ) يعني: جملة ثانية (مِنْ مَاضِيَه) يعني من الجملة الماضية السابقة. (كَنَفْسِهَا) وهذا ما يُسمى بكمال الاتصال أو شبه كمال الاتصال. يعني أن تكون الثانية بمنزلة التوكيد، أو عطف البيان، أو بدل بأنواعه، أو بمنزلة الجواب. إذًا دخل النوعان في هذه (كَنَفْسِهَا). (أَوْ نُزِّلَتْ كَالْعَارِيَةْ) وهذا يدخل تحته أمران وهو الموضع الثالث أن يكون بين الجملتين كمال الانقطاع. وصورته أن تختلف الجملتان خبرًا وإنشاءً، الأصل في العطف عند البيانيين أن يُعطف الخبرُ على الخبرِ، والإنشاء على الإنشاء مطلقًا لفظًا ومعنًى؟ لفظًا ومعنًى هذا الأصل، فإن اختلفا في اللفظ والمعنى، أو في المعنى دون اللفظ، أو في اللفظ، في البعض دون المعنى، يعني كانت الأولى خبرية لفظًا إنشائية معنى، وكانت الثانية إنشائية لفظًا خبرية المعنى، حينئذٍ قالوا: هذا حصل فيه اختلاف. إذًا كمال الانقطاع أن تختلف الجملتان خبرًا وإنشاءً، لفظًا ومعنًى، أو معنًى فقط، أو يفقد الجامع، لا بد من تحقق أمرين. مثال كمال الانقطاع: مات فلان ﵀. هل يصح أن يقال مات فلان ورحمه الله؟ لا يصح، لماذا؟ لكون الأولى خبرًا لفظًا ومعنًى، والثانية خبرٌ لفظًا لا معنًى. لأن ﵀ عرفنا قبل قليل أنه ثُمَّ قد يقع الخبر موضع الإنشاء، وهنا وقع الخبر موضع الإنشاء ﵀ بمعنى يرحمه الله. إذًا لما اختلفا في المعنى خبرًا وإنشاءً حينئذٍ وجب الفصل. إذًا مات فلان ﵀، أي يرحمه الله. فهو إنشاء معنًى فلا يصح عطفه على مات فلان، لأنه خبر لفظًا ومعنًى. إذًا هذا الموضع الثالث من المواضع التي يجب فيها الفصل فصل جملة الثانية على الأولى ولا يجوز العطف إذا كان بين الجملتين كمال الانقطاع لأن اختلفتا خبرًا وإنشاءً أو فقد الجامع، وسيأتي فقد الجامع. الموضع الرابع من مواضع وجوب الفصل: شبه الانقطاع. يعني شبه كمال الانقطاع. بأن يكون عطف الثاني على الأولى موهمًا لعطفها على غيرها. يعني: لو عطفنا لوقع وهم أو فسد المعنى مثاله المشهور عندهم: وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلاً أُرَاهَا في الضلال تهيمُ تظن سلمى ماذا؟ أنني أبغي بها بدلاً، هذا مظنون سلمى، أُرَاهَا يعني أنا. في الضلال تهيم، ولو عطف أُرَاهَا على أبغي لصار من مظنون سلمى. إذًا العطف هنا يُفسد المعنى، حينئذٍ نقول: يجب الفصل لأننا لو عطفنا أُرَاهَا على أبغي لصار من مظنون سلمى، تظن سلمى ماذا؟ أنني أبغي بها بدلاً، وهل تظن أنني أُرَاهَا في الضلال تهيم؟ الجواب: لا. هذا من مظنون المتكلم الشاعر نفسه، وأما هي فلا. إذًا نقول: فصل أُرَاهَا عن أبغي، لأنه لو عُطِفَ لظُنَّ أنه معطوف على أبغي، وليس مرادًا بل يفسد المعنى. اتضح هذا؟ إذا عَطَفَ هنا صار من مظنون سلمى، تظن سلمى أنني أبغي. إذًا هذا مظنون سلمى، هذا الذي تظنه سلمى. أُرَاهَا في الضلال تهيم. هذا مظنوني أنا، فلو عطفته على أبغي لظُنَّ أنه من مظنون سلمى فسد المعنى.

стр. 204

إذًا هاتان الموضعان كمال الانقطاع، وشبه كمال الانقطاع، وهو المراد بقوله: (إِنْ نُزِّلَتْ) يعني الثانية من الأولى (كَالْعَارِيَةْ)، (فافْصِل). إذًا هذه مواضع أربعة يجب فيها الفصل. أو نزلت الجملة الثانية من الأولى كالعارية. العارية ما تعطيه غيرك على أن يعيده إياك، يقال: أعاره أعطاه إياه عارية. (كَالْعَارِيَةْ) قال الشارح هنا: بأن لم يقصد تشريك الثانية للأولى في الحكم. وهو داخل في مفهوم ما قد سبق، لكن ثَمَّ مثال مشهور عند البيانيين وهو جميل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤، ١٥] ما قال: والله يستهزئ بهم. فصل بماذا؟ لم يعطف ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ لأن الاحتمال إما أن يُعْطَف على إذا خلوا والله يستهزئ بهم، أو إن يُعطف على قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، وكلا المعنيين العطف يُفسد المعنى، والله يستهزئ بهم إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم والله يستهزئ بهم لو عطف على ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ لصار من مقول المنافقين، أليس كذلك؟ وإذا عطفه على خلوا ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ﴾ خلوا هذا مقيد، مقيد بماذا؟ بظرف بمعنى أن قولهم هذا إنما هو مقيد بالخلوة، إذًا الحال المقابل للخلوة انتفى مقولهم، أليس كذلك؟ لو عُطِفَ ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على خلوا ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ﴾ حينئذٍ صار استهزاء الله بهم في حال خلوتهم لا مطلقًا، وهذا فسد المعنى. بل ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ مطلقًا دون أن يقيد بفعلهم هم، وإنما يكون على إطلاقه، فكلا المعنيين لو عُطِفَ ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ فَسَدَ. لم يعطف ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ لماذا؟ لأنه ليس من مقولهم فلو عُطِفَ عليه لزم تشريكه في كونه مقول قالوا فيلزم أن يكون مقول قول المنافقين وليس كذلك ﴿قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ﴿قَالُواْ﴾ أي: المنافقون. إنا معكم والله يستهزئ بهم، هذا فيه تنافي. أو كان للأولى حكم لم يقصد إعطائه للثانية فالفصل واجب [لئلا يلزم من الفصل التشريك] (١) لئلا يلزم من الوصل التشريك في ذلك الحكم نحو: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ .. الآية، لم يعطف ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على ﴿قَالُواْ﴾ لئلا يُشاركه في الاختصاص بالظرف المتقدم لأن قوله: ... ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ﴾. هذا ظرف، والظرف متعلق بقوله: ﴿قَالُواْ﴾ أليس كذلك؟ متى يقول قولهم؟ إذا خلوا، لو عطفه على قالوا: ليس على مدخول قالوا لصار متقيدًا بالظرف وهو لم يرد، لم يُعطف ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على ﴿قَالُواْ﴾ لئلا يشاركه في الاختصاص في الظرف المتقدم وهو قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ لما مر أن تقديم المفعول ونحوه من الظرف وغيره يفيد الاختصاص فيلزم أن يكون استهزاء الله بهم مختص بحال خلوتهم إلى شياطينهم وليس كذلك. فجميع ما مرّ قال الناظم فيه: (فافْصِل) أي وجوبًا. والفاء هنا واقعة في جواب الشرط. (فافْصِل) إذًا في المواضع الأربعة السابقة.

стр. 205

(وَإِنْ تَوَسُّطٌ فالْوَصْلُ ** بِجَامِعٍ أَرْجَحُ)، (وَإِنْ تَوَسُّطٌ) يعني: للجملتين في نسخة وإن تَوسَّطت (وَإِنْ تَوَسُّطٌ) وهذا عبارة السيوطي في ((عقود الجمان))، (وَإِنْ تَوَسُّطٌ) للجملتين توسط بين ماذا؟ بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع، عرفنا كمال الاتصال وعرفنا كمال الانقطاع، كمال الاتصال أن تكون الجملة الثانية مؤكدة أو بدلاً أو عطف بيان أو بمنزلة الجواب، هذا ليس منزلة جواب منزلة الجواب هذا شبه الاتصال، كمال الانقطاع أن يكون بين الجملتين تنافٍ في الخبرية والإنشائية مع فقد الجامع. التوسط بين الموضعين قال هنا: (وَإِنْ تَوَسُّطٌ) يعني بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع بأن تتفق الجملتان في الخبرية أو الإنشائية لفظًا ومعنًى أو معنًى فقط - انظر أو معنّى فقط - ولهما أقسام ثمانية تُطلب في المطولات. مثاله قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]. والجامع هنا الاتحاد في المسند ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ جاء العطف هنا لماذا؟ لكون الجملة الثانية خبرية أو إنشائية؟ الجملة الأولى ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ﴾ خبرية لفظًا ومعنًى ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ خبرية لفظًا ومعنًى، ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ خبرية لفظًا ومعنًى ووجد الجامع وهو اتحاد المسند، أين المسند؟ ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ الجامع للاتحاد في المسند ﴿يُخَادِعُونَ﴾ الواو، طيب ﴿خَادِعُهُمْ﴾ من؟ من المخادَع هنا؟ ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ﴾ على كلامهم؟ المفعول به، والفاعل هم، ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي الله . حينئذٍ الاتحاد وقع في ماذا هنا؟ يخادِعون وخادِع اتحدا في اللفظ المادة، اتحدا في اللفظ لأنه مشتق من المخادعة فحينئذٍ لما اتحدا صار تناسب بينهما، وهو الجامع الآتي ذكره إن شاء الله. ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤] عطفت الثانية على الأولى، الأُولى إنشائية أو خبرية؟ خبرية لفظًا ومعنًى، ليس فيه تمني ولا والثانية؟ كذلك، والجامع بينهما؟ أبرار فجار، نعيم جحيم، تضاد، لأن التضاد هذا يعتبر مما يجمع به بين الأمرين. قال: (فالْوَصْلُ). إذًا (وَإِنْ تَوَسُّطٌ فالْوَصْلُ) هذا مبتدأ، (أَرْجَحُ) هذا الخبر، (بِجَامِعٍ) هذا متعلق بقوله: (فالْوَصْلُ). (فالْوَصْلُ) بين الجملتين بالواو (بِجَامِعٍ) هذا فيه اشتراط وجود الجامع، يعني لا يكون التوسط توسطًا إلا بوجود الجامع، فإن انتفى الجامع حينئذٍ انتفى التوسط، (بِجَامِعٍ) بين الجملة الأولى والثانية. أي: لا بد في جميع ذلك أن يكون مقرونًا بجامع أي وجه من وجوه المناسبة، لا وصل إلا بجامع، لا عطف لجملة ثانية على أولى إلا لمناسبة بينهما، فيكون باعتبار المسنَد إليهما، يعني ما هما أوجه الجامع أو المناسبة؟

стр. 206

لهم كلام طويل فيه، لكن منه يكون باعتبار المسنَد إليهما والمسندين جميعًا. أي المسند إليه في الأولى والمسند إليه في الثانية، إذا اتفقا فحينئذٍ قلنا: هذه مناسبة كالمثال السابق. وكذلك المسند في الأولى والمسند في الثانية. إذا اتفقا قلنا: هذا جمع، نحو ماذا؟ يَشْعُرُ زَيْدٌ وَيكْتُبُ هنا الشعر والكتابة بينهما مناسبة، يعني إذا جاء في الذهن الشعر يستحضر الكتابة، وإذا جاءت الكتابة يستحضر الشعر، ثم المسند إليه هو هُو يَشْعُرُ زَيْدٌ وَيكْتُبُ هُوَ، إذًا ثَمَّ مناسبة بينهما، لا يقال: يَشْعُرُ زَيْدٌ يكْتُبُ. وإنما يقال: وَيكْتُبُ. للمناسبة الظاهرة بين الشعر والكتابة وتقارنهما في خيال أصحابهما، يعني الذي يتخيل الشعر يتخيل الكتابة والعكس بالعكس، وعمرو يعطي ويمنع، الإعطاء إذا استحضره الإنسان في ذهنه تصور ماذا؟ مقابله وهو المنع، إذًا هذه مناسبة، مناسبة في ماذا؟ في الوجود أو في التضاد؟ الثاني في التضاد؛ لأنه لا يمنع يعطي في وقت واحد مع اتحاد الجهة. إذًا وعمرو يعطي ويمنع لما بين الإعطاء من تناسب التضاد، وخَالِدٌ شَاعِرٌ وَبِشْرٌ كَاتِبٌ، وَزَيْدٌ طَوِيلٌ وَعَمْروٌ قَصِيرٌ. خالدٌ شَاعِرٌ وبِشْرٌ كَاتِبٌ، شاعر كاتب، وَخالِدٌ وَبِشْرٌ إذا كان بينهما إخوة أو صداقة أو صحبة ونحوها حينئذٍ نقول: هذا مناسب. زَيْدٌ طَوِيلٌ وَعَمْروٌ قَصِيرٌ الطول والقصر تضاد، وزيد وعمرو إذا كانت بينهما مناسبة من إخوة أو صداقة أو نحوهما من الملابسات بخلاف ما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يجوز، لو لم يكن بين زيد وعمرو مناسبة لم يَجُزِ العطف زَيْدٌ طَوِيلٌ وَعَمْروٌ قَصِيرٌ وزيد هذا في واد وهذا في وادٍ آخر، لا يجوز العطف، لماذا؟ لعدم وجود الجامع. وإن كان المسندان فقط متناسبين دون المسند إليهما نحو زَيْدٌ كَاتِبٌ وَعَمْروٌ شَاعِرٌ حيث لا مناسبة بين زيد وعمرو بوجه مما ذُكر على ما ذكرنا، ونحو: خُفِّي ضَيِّقٌ وَخَاتَمِي وَسِيع. الضيق والسعة متقابلان حصل المناسبة، لكن خفي وخاتمي ليس بينهما جامع. إذًا نقول: هذا لا يصح العطف إلا على وجه آخر. امتنع العطف يعني في نحو خُفِّي ضَيِّقٌ وَخَاتَمِي وَسِيع، امتنع العطف لعدم المناسبة بين زيد وعمرو في الحالة المفروضة السابقة، وعدم المناسبة بين الخف والخاتم، وإن وجدت مناسبة التماثل في المسندين الأولين وهما الشعر والكتابة، ومناسبة التضاد في المسندين الآخرين وهما الضيق والسعة، حيث لا مناسبة بين مسند إليهما في المثالين، أي بين زيد وعمرو، والخف و .. . إذًا لا بد من وجود المناسبة بين المسندين والمسند إليهما في الموضعين، وكذا نحو زيد شاعر وعمرو طويل سواء كان بين زيد وعمرو مناسبة أم لا لعدم التناسب بين المسندين وهما الشعر والطول. زَيْدٌ شَاعِرٌ وعَمْروٌ طَوِيلٌ لا يصح العطف لماذا؟ لأن الطول والشعر ليس بينهما مناسبة، إذا استحضر الشعر لا يستحضر الطول، والعكس بالعكس، ولو كان زيد وعمرو أخوين، لو وجد المناسبة بين المسند إليه يعني: بينهما ترابط ومعنى وتعلق لم توجد مناسبة بين المسندين حينئذٍ امتنع العطف.

стр. 207

وقول الناظم: (أَرْجَحُ). هذا غلط، ظاهره يُشعر بجواز الفصل وليس كذلك، بل يجب الوصل في هذا الموضع (وَإِنْ تَوَسُّطٌ فالْوَصْلُ ** بِجَامِعٍ) واجب متعين وليس بأرجح لأنه يُفهم ماذا؟ يُشعر بجواز الفصل، وليس كذلك، بل الوصل متعين في هذه الحالة. الحاصل أن التوسط توسط الجملتين بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع لا بد من تحقق أمرين، توسط حقيقته إذا اجتمع فيه أمران: الأمر الأول: اتفاق الجملتين خبرًا وإنشاءً على التفصيل الذي ذكرناه. اتفاق الجملتين خبرًا وإنشاءً. الثاني: وجود الجامع بين الجملتين. إن وجدا قلنا: توسط فيجب الوصل. إن فقدا أو فقد أحدهما حينئذٍ هو كمال الانقطاع لأنه إذا فقد الأول في فك الجملتين إذ لم تتفق الجملتان فهو كمال انقطاع، وإذا لم يوجد الجامع فهو كمال انقطاع، إن فقدا حينئذٍ واضح بين إن اجتمعا حينئذٍ هو التوسط فيجب الوصل. إذًا متى نحكم على الجملتين لكونهما توسطتا بين كمال الانقطاع وكمال الاتصال؟ إذا تحقق فيه أمران: اتفاق الجملتين خبرًا وإنشاءً. وجود الجامع. حينئذٍ نحكم على الجملة بأنها متوسطة فيجب الوصل. فإذا اختل أحد الأمرين فهو كمال الانقطاع. (وَإِنْ تَوَسُّطٌ فالْوَصْلُ ** بِجَامِعٍ أَرْجَحُ) وهذه الحالة الخامسة التي يذكرها البيانيون. بقي حالة، وهي مما يجب فيه الوصل، هو الوصل لدفع لإيهام، وهذه واضحة، لا، جزاك الله خيرًا. لا، وجزاك الله خيرًا. أليس كذلك؟ قالوا: هنا يجب. فيه خلاف المشهور أنه يجب، حينئذٍ إذا كان ثَمَّ إيهام ولا يدفع إلا بالوصل وجب الوصل. إذا قال له: تفضل. قال: لا جزاك الله خيرًا [ها ها] يوهم ماذا؟ أنه دعاء عليه، وهو ليس كذلك. إذًا لا وجزاك الله خيرًا، لا وأستغفر الله، لا وأيدك الله، لا وبارك الله فيك، لا بد من الإتيان بالواو هذه الحالة السادسة. وهي الوصل لدفع الإيهام، كقولهم: لا وأيدك الله. وُصِلَتْ وإن كان بينهما كمال الاتصال لأن الأولى خبر والثانية إنشاء لئلا يُتَوَهّم أن لا داخلة على جملة وأيدك الله فتكون دعاءً عليه، ومثله: لا وأستغفر الله. ................... ... ............ ثُمَّ الْفَصْلُ بِحَالٍ حَيْثُ أَصلُهَا قَدْ سَلِمَا ... أَصْلٌ وَإِنْ مُرَجِّحٌ تَحَتَّما لما كانت الجملة الحالية أو كانت الحال الواقعة جملة تارة توصل بالواو وتارة تفصل عن صاحب الحال حينئذٍ لها علاقة بباب الوصل والفصل، ولذلك يذكرها البيانيون في خاتمة باب الوصل والفصل لأنها إن فصلت فهي من الفصل، وإن وصلت فهي من الوصل. إذًا لها حالان، لما كانت الحالة الأولى واقعة جملة تارة تدخلها الواو وتارة لا تدخلها صار لها في الصورة حالتا وصل وفصل، فناسب ذكر ذلك في بابه، وتارة تأتي بالواو وتارة بدونها حينئذٍ عَقَّبَ للمناسبة. فقال: (ثُمَّ الْفَصْلُ للحَالٍ) أي: المنتقلة هنا (بِمَا لِحَالٍ) هذا ما ظهر لي وجهه، (بِمَا لِحَالٍ) في الشرح [لا في للحال]. ثم الفصل للحال حيث أصلها قد سلما الكلام واضح، أما (ثُمَّ الْفَصْلُ بِمَا لِحَالٍ) هذا لم يتضح لي والله أعلم.

стр. 208

(ثُمَّ) للترتيب الذكري، (الْفَصْلُ للحَالٍ) المنتقلة، منتقلة هذا قيد لا بد من تقيدها، أي ترك عطفها بالواو (الْفَصْلُ) يعني ترك العطف. ... (للحَالٍ) المراد هنا جملة الحال لأن الحديث هنا في ماذا؟ في الجمل لا في المفردات، ليس جاء زيد راكبًا، لا، هذا قول واحد أنه لا يوصل بسابقه، لا يعطف بالواو، وإنما المراد بالجملة. إذًا (للحَالٍ) الواقعة جملة، والمراد بها الحال التي هي منتقلة، (حَيْثُ أَصلُهَا) هنا تعليل، حيث للتعليل يعني لماذا الفصل؟ (حَيْثُ أَصلُهَا)، المراد بالأصل هنا المفرد، لأن الحال كالخبر تارة تأتي مفردًا، وتارة تأتي جملة بنوعيها، أي النوعين أصل للآخر؟ المفرد أصل للجملة، [جاء زيد] (١) لا ليس جاء، زيد قائم هذا أصل لقولك: زيد أبوه قائم. أليس كذلك؟ أبوه قائم جملة خبر، هي فرع لماذا؟ لأنها في قوة المفرد، يعني تفسر بمفرد، الحال كذلك، الأصل جاء زيد ضاحكًا هذا الأصل، جاء زيد يضحك هذا فرع، فلما كان الأصل لا يُعطف بالواو كان الأصل في الفرع ألا يُعطف بالواو، اتضحت؟ واضح؟ الأصل المفرد لا يُعطف، قلنا: الحال إذا جاءت مفردة لا تُعطف، جاء زيد ضاحكًا، هل يصح أن يقال: جاء زيد وضاحكًا؟ ما يصح. إذًا الأصل في الحال المفردة أن لا توصل بما قبلها أو بصاحب الحال بالواو فوجب الفصل، إذا قيل: جاء زيد يضحك هذا فرع أم أصل؟ فرع، لماذا؟ لأنه جملة، والأصل في الحال أن تكون مفردة، كما أن الأصل الذي هو المفرد الفصل ولا يوصل بالواو كان الفرع كذلك، صار مثله، ولذلك علله (حَيْثُ أَصلُهَا) إذًا الفصل (للحَالٍ) هذا الأصل، لماذا؟ لأن (أَصلُهَا) الذي هو المفرد، فحيث هنا للتعليل، (حَيْثُ أَصلُهَا) وهو المفرد في قولك: جاء زيد ضاحكًا. (قَدْ سَلِمَا) من دخول الواو، والألف للإطلاق، كما أن أصلها سلم من دخول الواو كذلك الفرع الذي هو الجملة إذا وقعت حالاً تسلم. إذًا الأصل في جملة الحال الفصل وليس الوصل، حيث (أَصلُهَا قَدْ سَلِمَا ** أَصْلٌ) هذا خبر الفصل، الْفصل أصل، لو قيل بأن جملة الحال توصل وتفصل، توصل يعني تدخل عليها الواو، وتفصل، لكن أي النوعين أصل، الفصل أم الوصل؟ الفصل، لذلك قال: الفصل أصل، والوصل فرع. لماذا كان الأصل هو الفصل؟ لأنها فرع عن المفرد، والمفرد الأصل فيه الفصل بل يتعين الفصل، واضح هذا؟ أصل لأنها معربة بالأصالة لا بالتبعية، والإعراب في الأسماء إنما جيء به للدلالة على المعاني الطارئة عليها بسبب تركيبها مع العوامل فهو دال على التعلق المعنوي بينها وبين عواملها فيكون مغنيًا عن تكلف تعلق آخر كالواو، والأحسن من هذا ما استدل به القزويني حيث قال: استدل على ذلك بالقياس على الخبر والنعت. الخبر لا يفصل عن المبتدأ بالواو، والنعت لا يفصل عن المعنوت بالواو، والحال بمعنى الخبر والنعت فلا توصل بالواو. قال ﵀: لأنها في المعنى - يعني جملة الحال. - حكم على صاحبها كالخبر، ووصف له كالنعت. إذًا بالمنزلة، وإذا كان الحال مثل الخبر والنعت فكما أنهما يكونان بدون الواو فكذلك الحال. عرفنا هذا؟ إذًا [والحال] و (الْفَصْلُ للحَالٍ أَصلُهَا قَدْ سَلِمَا) أصلها.

стр. 209

قلنا: الحال المراد بها المنتقلة احترازًا عن المؤكدة لمضمون الجملة فإنها لا يجوز أن توصل البتة، بل الفصل متعين في كل حال، فإنها لا تدخلها الواو أبدًا لشدة ارتباطها بما قبلها كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ [النساء: ٧٩] قد تأتي جملة وقد تأتي مفردة، فهذه الحال المؤكِّدة لعاملها لفظًا ومعنًى. (وَإِنْ مُرَجِّحٌ تَحَتَّما) إن وُجِدَ مرجح ينقل عن الأصل وهو الفصل إلى الوصل حينئذٍ (تَحَتَّما) يعني صار العدول إلى الوصل هو الأصل، (وَإِنْ) يعني (وَإِنْ) يكن (مُرَجِّحٌ) للفصل على الوصل أو للوصل على الفصل (تَحَتَّما) بألف الإطلاق، أي وجب الفصل وامتنع دخول الواو، وذلك بأن كانت الجملة فعلية والفعل مضارع مثبت، التفاصيل هذا يذكرها النحاة في آخر باب الحال وفيها تفاصيل كثر تُرْجَع إليها. إذا كانت الجملة جملة حالية فعلية وفعلها مضارع مثبت، يعني غير منفي حينئذٍ يجب الاكتفاء بالضمير لأنه أصل في الربط، جاء زيد يضحك. جاء زيد ويضحك؟ نقول: لا، هذا لا يصح. لماذا؟ لكون الحال هنا جملة فعلية فعلها مضارع وهو مثبت، حينئذٍ أين الرابط؟ الضمير المستتر يضحك هو أي زيد، فيكتفى بالضمير عن الواو، لأنه أصل في الربط. ومثَّلَ له البيانيون بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي لا تعطي حال كونك تعد ما تعطيه كثيرًا. والمثال الذي ذكرناه واضح. أيضًا وإن يكن مرجحًا للوصل (تَحَتَّما) أيضًا الوصل فيؤتى بالواو، وضابطه كل جملة خلت عن ضمير يربطها بصاحبها بالواو ليحصل ارتباط بصاحبها فلا يجوز، خرجت زيد قائم، يعني إذا خلت الجملة عن ضمير تعينت الواو، إذا وجد الضمير حينئذٍ قد يجوز الواو وقد لا يجوز، يعني مختلف فيه له أوضاع وأحوال، وإن خلت الجملة عن الضمير تعينت الواو، لماذا؟ لأن الحالية كالجملة الخبرية لا بد لها من رابط يربطها بالمبتدأ، هنا لا بد من رابط يربطها بصاحب الحال، فإذا قلت: خَرَجْتُ زَيْدٌ قَائِم. أين الضمير؟ ليس عندنا ضمير. إذًا وجب الوصل بالواو، خَرَجْتُ وَزَيْدٌ قَائِمٌ، الواو هذه واو الحال، والتفاصيل هذه تؤخذ من كتب النحو. ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: (الْبَابُ الثَّامِنُ: الإِيجَازُ وَالإِطْنَابُ)

стр. 210

يسير الباب نأتي عليه (الْبَابُ الثَّامِنُ) وهو خاتمة الأبواب الثمانية التي انحصر فيها علم المعاني، وهو: (الإِيجَازُ وَالإِطْنَابُ). هذا هو الباب الثامن، وهو باب عظيم حتى نقل صاحب ((سر الفصاحة)) عن بعضها أن البلاغة هي الإيجاز والإطناب كما قيل في الوصل والفصل، (الإِيجَازُ وَالإِطْنَابُ) هي البلاغة ولم يذكر الناظم المساواة، (الإِيجَازُ وَالإِطْنَابُ) ولم يذكر المساواة هذه مما يستدل بها على أن الناظم لم ينظم ((التلخيص)) لأن ((التلخيص)) ذكر المساواة جعلها أصل، مساواة وإيجاز وإطناب، وهنا أسقط المساواة، ولم يذكر المساواة للعلم بها مما ذكره في حد (الإِيجَازُ وَالإِطْنَابُ). هذا إذا أردنا أن نجعل النظم صار على ما صار عليه الكثير من البيانيين، وإن رأينا أنه جنح إلى رأي ابن الأثير أن المساواة لا وجود لها، إما إيجاز، وإما إطناب. حينئذٍ نقول: خالف كثيرًا من البيانيين. وأيضًا لقلة الأبحاث المتعلقة بالمساواة لم يذكرها، الإيجاز والإطناب والمساواة هذه ثلاثة أبحاث، لماذا انقسمت إلى ثلاثة ألفاظ لمعانيها؟ لأن المقبول من طرق التعبير إذا تكلم المتكلم ليس كل ما تكلم به يكون مقبولاً، وإنما المقبول قالوا: إما أن يعبر عن المراد تأدّية أصله بلفظ مساوٍ له، فالمقبول من طرق التعبير عن المراد إما أن يكون بتأدّية أصله بلفظ مساوٍ له، أو ناقص عنه وافٍ، أو زائد عليه بفائدة، يعني إذا تكلم متكلم اللفظ والمعنى: إما أن يكون متساويين. وإما أن يكون أحدهما زائد على الآخر. وإما أن يكون ناقصًا. فالمساوي هو المساواة، والناقص هو الإيجاز، والزائد هو الإطناب. فالمقبول من طرق التعبير عن المراد تأدية أصله بلفظ مساوٍ له تأدية أصل يعني المعنى أصل المراد بلفظ مساوٍ له، يعني اللفظ والمعنى متساويان ليس أحدهما أزيد من الثاني. أو ناقص عنه وافٍ، يعني اللفظ ناقص عن المعنى والمعنى كثير هذا يُسمى الإيجاز. أو زائد عليه بفائدة، وهذا يسمى الإطناب. فالأول المساواة، والثاني الإيجاز، والثالث الإطناب. فالمساواة نحو قوله تعالى مثَّلَ لها الناظم ولا يذكرها ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] والمثال هذا فيه كلام لكن من باب المثال فقط ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ قالوا: فإذا تأملت الآية وجدتها منطبقة على معانها من غير زيادة ولا نقصان. إذًا المساواة هي في حقيقتها تأدية أصل المعنى بلفظ مساوٍ له لفائدة، والمثال هو المذكور، وأشار الناظم إلى تعريف ما بوب له وهو الإيجاز والإطناب بقوله: (تَوْفِيَةُ المُرَادِ بِالنَّاقِصِ مِنْ ** لَفْظٍ لَهُ الإِيجَازُ) ما هو الإيجاز؟ (تَوْفِيَةُ المُرَادِ) يقال: وَفَى الشيء يَفِي وُفِيًّا على فُعُولٍ أي تم وكثر. وأَوْفَى على الشيء وأَوْفَاه حقّه ووَفَّى تَوْفِيَةً بمعنى أنه أعطاه. إذًا (تَوْفِيَةُ المُرَادِ) يعني إعطاء المراد الذي هو المعنى، والمراد به أصل المعنى (تَوْفِيَةُ المُرَادِ) أي توفية المعنى المقصود من اللفظ. (بِالنَّاقِصِ) يعني باللفظ الناقص، عنه عن أصل المراد إذًا عندنا أمران: أصل المراد وهو المعنى.

стр. 211

وعندنا ما يُعَبَّرُ أو ما يُعَبِّرُ عن أصل المعنى. الأول هو المقصود، والثاني هو اللفظ، إن أُدِّيَ المعنى الذي هو أصل المراد بلفظ ناقص وكان المراد أكثر من حيث المعنى فهو الإيجاز، باللفظ الناقص عنه أي: عن أصل المراد بـ (لَفْظٍ لَهُ) كما قال الناظم، والضمير في قوله: (لَهُ) يعود إلى المراد. (الإِيجَازُ) يعني هو الإيجاز، وهو لغةً التقصير ضد التطويل، فهو هنا بمعنى الاختصار، فالإيجاز عُرْفًا تَأْدِيَةُ أصل المعنى بلفظ ناقص وافٍ لفائدة، أو التعبير عن المقصود بلفظ ناقص عنه وافيًا به، بمعنى أنه يشترط أن يكون اللفظ ناقصًا لكن لا يخل بالمعنى، فإن خل بالمعنى هذا خرج عن كونه فصيحًا، الكلام في لفظ وجيز يؤدى به معنى كثير دون خلل في المعنى. (وَالإِطْنَابُ إِنْ بِزَائِدٍ عَنْهُ)، (وَالإِطْنَابُ إِنْ) أُدِّيَ أصل المعنى المراد بلفظ زائد عنه، (وَالإِطْنَابُ إِنْ) أين فعل الشرط؟ نقول: محذوف دل عليه ما سبق (إِنْ بِزَائِدٍ عَنْهُ) إن أُدِّيَ أصل المعنى المراد (بِزَائِدٍ) أي بلفظ زائد (عَنْهُ) يعني عن المراد. بلفظ زائد (عَنْهُ) أي عن المراد. فهو تأدية أصل معنى المراد بلفظ زائد عنه. فيكون اللفظ أكثر من المعنى، لكن لا بد من فائدة وإلا صار حوشًا، أو التعبير عن المقصود بلفظ زائد عليه لفائدة، فخرج بقوله بتعريف الإطناب بفائدة التطويل وهو المسمى بالإكثار، وهو أن يكون اللفظ زائدًا على أصل المعنى لا لفائدة، ويكون الزائد غير متعين كما في قول الشاعر: وألفى قولها كذبًا ومَيْنَا كذبًا ومينًا ما الفرق بينهما؟ المين هو الكذب، والكذب هو المين، ليس فيه زيادة لمعنى، وإنما هي زائدة دون، لكن لا يُعَيَّن بأن الزائد هو كذبًا أو مينًا، وإنما هنا غير معين، فيه زائد لكن لا نحكم به، لأن الذي يحكم هو المتكلم، فإن الكذب هو المين فلا فائدة من الجمع بينهما. وخرج الحشو وهو الزائد المتعين، يعني: الإطناب يُشترط فيه الفائدة، احترزنا عن ماذا؟ عن التطويل، والتطويل هو زيادة لكنها غير متعينة مثل كذبًا ومينًا، واحد منهما زائد لكن ما ندري ما هو؟ الحشو زيادة لكنها متعينة، نعرف أن هذه الكلمة هي الزائدة، فخرج الحشو وهو الزائد المتعين. من قول الشاعر: واعلم علم اليوم والأمس قبله ما الفائدة من قبله، الأمس دل عليه، الأمس لا يكون إلا قبلاً، الأمس قبله، إذًا قبله نقول: هذا زائد وهو حشو، فإن قوله: قبله. زائد مستغنًى عنه. ثم قسم الإيجاز إلى نوعين فقال: (وَضَرْبَا الأَوَّلِ). الألف هذه وَضَرْبَ الأَوَّلِ، قصر، مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفع الألف، والنون حذفت للإضافة (وَضَرْبَ الأَوَّلِ) بدليل قال: (الأَوَّلِ). عرفنا أن الأول مضاف والثاني مضاف إليه (وضربان: (وَضَرْبَا الأَوَّلِ ** قَصْرٌ وَحَذْفُ جُمْلَة أَوْ جُمَلِ) دل على أن الإيجاز نوعان، ثم شرع في بيانهما، ثم قسم الإيجاز إلى نوعين فقال: (وَضَرْبَا الأَوَّلِ) أي الإيجاز. (قَصْرٌ) أي إيجاز قصر. (وَحَذْفُ جُمْلَة) .. إلى آخره أي إيجاز حذف. إذًا الإيجاز نوعان: إيجاز قصر. وإيجاز حذف.

стр. 212

والفرق بينهما أن الكلام القليل إن كان بعضًا من كلامه كثير فهو إيجاز حذف، وإن كان كاملاً يُعْطِي معنًى أطول منه فهو إيجاز القصر. يعني إذا كان الكلام ليس فيه حذف وكان الكلام اللفظ قليلاً والمعنى كثيرًا فهو إيجاز قصر، وأما إذا كان المعنى كثيرًا وحصل حذف كما سيذكره الناظم حينئذٍ يسمى إيجاز حذف. إذًا الفرق بينهما أن الكلام القليل إن كان بعضًا من كلام كثير فهو إيجاز حذف، إن كان مختصر منه، يعني: حذفت بعض الألفاظ.

стр. 213

وإن كان كاملاً يعطي معنًى أطول منه فهو إيجاز قصر، وقد يجتمعان في نحو فلان يعطي ويمنع، فإذا جعلت الفعل قاصرًا من باب ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] حينئذٍ هذا قصر، إيجاز قصر، وإذا جعلته مما حذف مفعوله بمعنى أنه مما كان الأصل فيه ذكر المفعول ولم تُنَزِّله مُنَزّلة القاصر حينئذٍ لزم، يعني لزم التقرير كما مرّ معنا حينئذٍ صار فيه إطناب. فإذا جعلت الفعل قاصرًا فهو إيجاز قصر، وإذا جعلته متعدّيًا وحذفت المفعول إرادة العموم فهو إيجاز حذف. يعني لفظ واحد يحتمل الأمرين. فإيجاز القصر أن يتيسر للمتكلم كلام لفظه قليل ومعناه كثير، اللفظ القليل والمعنى كثير. مثاله قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. فإن معناه كثير ولفظه قليل لأن معناه أن الإنسان إذا علم أنه متى قَتَلَ قُتِلَ كان ذلك داعيًا إلى أن لا يقدم على القتل فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، وكان ارتفاع القتل حياةً لهم، وليس فيه حذف شيء، هذا المعنى كثير دل عليه هذا الكلام القليل، وهذا إيجاز. وإيجاز الحذف. قال السبكي: لا يقال إيجاز القصر فيه أيضًا حذف لكلام كثير، لأن إيجاز القصر يؤتى فيه بلفظ قليل يؤدي معنى لفظ كثير، وإيجاز الحذف يترك فيه شيء من ألفاظ التركيب الواحد مع إبقاء غيره لحاله، يعني لا بد فيه من الحذف. وإيجاز الحذف قال هنا: (وَحَذْفُ جُمْلَة أَوْ جُمَلِ أَوْ جُزْءِ جُمْلَةٍ). ذكر أن الحذف، إيجاز الحذف هو ما حُذِفَ منه شيء، ثُمَّ هذا المحذوف إما أن يكون جملة وإما أن يكون جمل، وإما أن يكون جزء جملة، يعني ليس بكلام مستقل فهو أنواع ثلاثة. وإيجاز الحذف إما حذف جملة، والمراد بالجملة هنا الكلام المستقل الذي لا يكون جزءًا من كلام آخر، يعني ليس بجملة الشرط وحدها أو جملة الجواب وحدها، ولذلك جُعِلَ جملة الشرط وجملة الجواب من قسم حذف جزء الجملة. مثاله قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ [البقرة: ٦٠]. ﴿فَانفَجَرَتْ﴾، ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ فضرب الحجر ﴿فَانفَجَرَتْ﴾ إذًا حذف جملة، مراد بها كلام مستقل، يعني حذف كلامًا أوله وآخره يسمى كلامًا، وهذا دل عليه الفاء هنا، أي فضربه بها فانفجرت فقوله: فضرب بها جملة محذوفة، (أَوْ جُمَلِ) يعني أن يكون المحذوف جمل ليست جملة واحدة أي فوق جملة اثنتان فأكثر كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٤٥، ٤٦] ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ يعني: فأرسلوني فذهبت .. قصة كاملة فحُذِفَ كلُّ ما ذُكِر ﴿يُوسُفُ﴾ لأنه منذ أن قال لهم الكلام مباشرة واجه يوسف؟ لا، وإنما حذف عدة جملة، هذا يكون في القصص القرآني كثير جدًا يعني يُخْتَصَر. وهذا مثل ما يفعله بعض الناس يريد أن يخبرك عن شيء في السوق فذهبت ووقفت هذا الأصل فيه الكلام البليغ أن يُحْذَف ويؤتى بمباشرة المقصود، أي ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ فأرسلوني إلى يوسف لأستعبره الرؤيا ففعلوا فأتاه فقال له: يا يوسف.

стр. 214

فحذف الجمل التي ذكرتَ فيما سبق أو جزءُ جملة (أَوْ جُزْءِ) بالخفض معطوف على جملة، حذف جزء جملة يعني إما مسندًا أو مسند إليه أو صفة أو موصوف على حسب، أوردها السيوطي في ((عقود الجمان)) بكثرة (أَوْ جُزْءِ جُمْلَةٍ) أي أو حذف جزء جملة، والمراد بجزء الجملة هنا ما يُذكر في الكلام ويتعلق به ولا يكون مستقلاً عمدة كان أو فضلاً، كل ما يحذف من المفردات فهو جزء جملة، ولذلك: حذف ما يعلم جائزٌ وحذف فضلة أجز كل داخلٌ في هذا. كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي أهل القرية [إذا أراد أنه ليس مجازًا مثلاً] (١) نعم إذا أردنا به أنه مجاز فحينئذٍ حذف المضاف ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي اسأل أهل القرية حذف المضاف. ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] أي آيةً مبصرةً حذف الموصوف هنا. ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف: ٧٩] أي سفينةٍ صالحة أو سليمة حذف الصفة. ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى: ٩] أي إن أرادوا وليًّا فحذف الشرط مع أداته. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس: ٤٥] حذف الجواب، جواب إذا الشرطية وهو محذوف أي اعرض على كلٍ، كل ما يحذف من المفردات من المضاف أو الصفة أو الموصوف أو المبتدأ أو الخبر حينئذٍ يكون داخلاً في هذا. والحذف على وجهين: أحدهما أن لا يقام شيءٌ مقام المحذوف، بل يكتفى بقرينة كما في الأمثلة السابقة. يعني حذف ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] حذف أهل، هل أقام في اللفظ شيء مقامه؟ لا، إنما عُلِمَ المحذوف بالقرينة.

стр. 215

الثاني أن يقام. يحذف شيءٌ ويأتي تعويضًا عنه بجملةٍ. مثاله قوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] أي إن يكذبوك هذا شرط فلا تحزن واصبر هذا جواب الشرط ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ ليس هو الجواب ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ ليس هذا تعليل، ليس هذا جوابًا للشرط ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ﴾ فلا تحزن واصبر ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ .. إلى آخره. فقوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ ليس جزاءً للشرط، لماذا؟ لأن تكذيب الرسل، الرسل متقدم على التكذيب ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ هذا سابقٌ فأين الجواب؟ لا يكون جوابًا فلا يصح وقعه جزاءً له، بل هو سببٌ لمضمون الجواب المحذوف أقيم مقامه استغناء بالسبب عن المسبب. إذًا إذا حذف شيء إما أن يُؤْتَى ببدله بما ينوب عنه، وإما أن لا يأتي أو يُؤتى بشيءٍ، والغالب هو الأول يعني القرينة هي التي تدل على المحذوف ولا يذكر في كلام شيءٌ البتة. ثم الحذف على القاعدة العامة لا بد من دليلٍ يدل عليه، إذ حذف ما لا يدل عليه دليلٌ بعد الحذف لا يجوز باتفاق أهل العربية نحاةً والصرفيين والبيانيين، أن ما لا يدل عليه دليلٌ بعد الحذف لا يجوز، سواءٌ كان في الحروف عند الصرفيين أو في الكلام، وأدلته كثيرة يعني: الذي يدل على المحذوف أشار إليها بقوله: (وَمَا يَدُلُّ ** عَلَيْهِ أَنْوَاعٌ) والذي يدل على المحذوف أنواع كثيرة متعددة. وقوله: (عَلَيْهِ). الضمير يعود على الحذف (أَنْوَاعٌ) التنوين هو للتكثير متعددة، (وَمِنْهَا الْعَقْلُ) يعني لم يذكر إلا العقل، بأن يدل العقل على المحذوف لاقتضائه إياه، يعني لا يمكن أن يستقيم الكلام إلا بمحذوفٍ، لكن دلالةٌ عقلي على المحذوف ليست من جهة التعيين، يعني الكلمة المحذوفة معينة، العقل يدل على أن ثَمَّ حَذْفًا في التركيب، لكن ما هي هذه الكلمة؟ العقل لا يدل عليها، فالعقل يدل على العموم لا على الخصوص، يعني على عموم الحذف مطلق الحذف، هذا التركيب فيه حذفٌ، ويحتمل كذا وكذا وَكذا والتعيين يكون بالقرائن والسياق لا بالعقل، لكن دلالته يعني العقل عليه على المحذوف إنما هي على جهة العموم لا الخصوص، بأن تقتضي أن في الكلام حذفًا، وأما التعيين لخصوص المحذوف فلا دلالة للعقل عليه، واضحٌ هذا؟ فالعقل يدل على المحذوف على جهة العموم لأن في الكلام حذفًا فقط ويقف، ثم تعيين هذا المحذوف هذا يؤخذ من القرائن والسياق، فلا دلالة للعقل عليه، وإنما يدل عليه مقصود ظاهرٍ من الكلام يوجد في كل مقامٍ بحسب من ما يقتضيه العرف والمقام وسياق الكلام. يعني تعيين المحذوف يؤخذ بالقرائن لفظية، وأما كونه فيما الكلام محذوفًا حينئذٍ يؤخذ من العقل. كقوله تعالى: ... ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أي تناولها. وإن شئت قل: أكلها. فإن العقل دلّ على أن في الكلام محذوفًا وذلك لأن الأحكام الشرعية كما هو معلوم عند الأصوليين لا تناط بالذوات والأعيان، يعني: لا يقال هذا حرام لذات الشيء نفسه، وإنما فعل العبد هو الذي يوصف بكونه حرامًا أو واجبًا.
следующие страницы →