وأشار إلى الثالث في قوله: (وَهْوَ مِنَ التَعْقِيدِ أَيْضاً خالِي) أشار إلى الثالث مما يُشترط في فصاحة الكلام خلوصه من التعقيب، والتعقيب تَفْعِيل من ﴿عَقَّدَ فَعَّل الثلاثي] (١) عَقَّدَ ليس فَعَّلَ، الثلاثي المزيد بحرف نعم مزيد بحرف. يقال: تَعَقَّدَ الكلام أعيا فهمه بسوء تركيبه أو خفاء معناه، إذا قيل كلام مُعَقَّد يعني غير مفهوم بسب ما وهو الآتي، وهو عند البيانين هنا تأليف الكلام على وجهٍ يَعْسُرُ فَهْمُهُ لسوء ترتيبه ويكون لفظيًّا ومعنويًّا، (وَهْوَ مِنَ التَعْقِيدِ أَيْضاً خالِي) أيضًا مصدر أَضَ يَئِيضُ هذا مفعول مطلق يعني: رجعنا رجوعًا لذكر ما يَخْلُصُ منه الكلام كما ذكرنا ما يَخْلُصُ منه المفرد على ما سبق، (خالِي) بإثبات الياء مع حذف التنوين، والأصل خَالٍ يجب تنوينه لأنه ناقص غير محل بأل، وهنا إما أن يقال بأنه رجعت الياء لحذفه السبب الموجب لحذف الياء وهو التنوين، أو يقال بأن الياء هنا للإشباع، خالي إشباع كسرة وليس هي الياء التي حذفت للتنوين، (خالِي) اسم فاعل خلا، يقال خلا المكان والإناء وغيرهما خُلُوًّا وخلاء فَرِغَ مما به، وفلان من العيب بَرِئَ منه، إذا (خالِي) يعني: بَرِئَ من العيب، هذا الشرط الثالث مما يُشترط في الكلام خلوصه من التعقيد، (وَهْوَ مِنَ التَعْقِيدِ أَيْضاً خالِي)، ومن التعقيد وهو خال (مِنَ التَعْقِيدِ أَيْضاً خالِي)، هو مبتدأ قوله: (خالِي) هذا خبر، ومن التعقيد متعلق بخالٍ، إذًا وهو أي الكلام خالٍ أي فارغ ... (مِنَ التَعْقِيدِ) وأطلق أل هنا وحينئذ يشمل التعقيد اللفظي والتعقيد المعنوي إذ هما نوعان، والمراد به (التَعْقِيدِ) هنا خفاء قصد المتكلم بكلامه، بألا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى، ما تدري ما الذي يريده من الكلام، وله سببان:
أحدهما: ما يرجع إلى اللفظي وهو التعقيد اللفظي.
والثاني: ما يرجع إلى المعنى وهو تعقيد المعنى.
إذًا السبب هنا المراد به القسمة الثنائية، فالتعقيد عند البيانين نوعان:
- تعقيد لفظي.
- وتعقيد معنوي.
стр. 37
وبالنسبة تعرف السبب ما الذي سَبَّبَ سوء الفهم وعدم الفهم أو خفاء قصد المتكلم بكلام اللفظ، ما الذي سَبَّبَ عدم فهم مقصود المتكلم من كلام أو خفاؤه هو المعنى، فحينئذ يكون إلى ٤٥.٤٢# أحدهما ما يرجع إلى اللفظ وهو أن يختل نظم الكلام ولا يدري السامع كيف يتوصل منه إلى معناه، ما يدري السامع! يسمع كلام فيه تقديم وتأخير .. إلى آخره، ما يدري كيف يصل إلى المعنى، قدم المبتدأ ويؤخر عن الخبر، ويقدم المستثنى على المستثنى كلام ركيك، لا يفهم منه خرج زيد بدر مسجد درس رَكِّب كلمات متقاطعة [ها ها] هذا يُسمى ماذا؟ سببه اللفظ بسبب التقديم والتأخير، ولا يدري السامع كيف يُتَوصل منه إلى معناه بألا يكون ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني بسبب تقديم أو تأخير أو حذف أو إضمار أو غير ذلك مما يوجب صعوبة فهم المراد وإن كان ثابتًا في الكلام جاريًا على القوانين، يعني: ذكر الفعل والفاعل وذكر المنصوب مع صفته لكنه قدم وأخر وحذف وأضمر فالتبس الكلام، كقول الفرزدق - كونوا معي - يمدح إبراهيم بنِ هشام أو بنَ هشام خال هشام بن عبد الملك بن مروان،
وما مثله في الناس إلا مُمَلَّكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
هذا الكلام ركيك جدًا وهو للفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مُمَلَّكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
اكتبوها حتى تفهموها، لا بد من لوح وإلا ما يفهم
وما مثله في الناس إلا مُمَلَّكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
إذا عرفت الإعراب تعرف المعركة أين حصلت، مثله هذا مبتدأ، حيٌّ هذا خبر، في الناس إلا مُمَلَّكًا إلا أداة استثناء مُمَلَّكًا هذا مُستثنى، أين المستثنى منه؟ حَيٌّ مؤخر، ولذلك نصبه تعين النصب وإلا كان يجوز فيه البدل، أبو أمه هذا مبتدأ ثانٍ، أَبُوهُ هذا خبر، حَيٌّ يُقَارِبُهُ موصوف وصفته، إذًا ماذا حصل هنا؟ قَدَّم المستثنى على المستثنى منه، وثانيًا فصل بين أبو أمه وأبوه المبتدأ والخبر بحي وهو أجنبي، وفصل بين الموصوف وهو حي وصفته وهو يُقَارِبُهُ بالخبر وهو أبوه، إذا فصل بين الموصوف والصفة بالخبر، وفصل بين المبتدأ والخبر بأجنبي وهو حَيٌّ، فركَّ المعنى، فالمعنى: وما مثلُ الممدوح وما مثلُهُ الضمير يعود إلى الممدوح وهو إبراهيم بن هشام، في الناس حَيٌّ يُقَارِبُهُ إلا مُمَلَّكًا هذا واضح، وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مُمَلَّكًا أبو أمه أبوه، أبو أمه أبوه يعني أبو الممدوح فهو ابن أخته، وهو ابن أخته، أي لا يماثله في الناس حي إلا ابن أخته كان حقه أن يقول كما قال في ... ((الإيضاح)): وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مُمَلَّكًا أو أبو أمه أبوه فإنه مدح إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك بن مروان فقال: وما مثله [يعني إبراهيمُ الممدوح أو] (١) يعني إبراهيمَ الممدوح، في الناس حي يقاربه أي أحد يشبهه في الفضائل إلا مُمَلَّكًا يعني هشامًا، أبو أمه أي أبو أم هشام أبوه أي أبو الممدوح لأنه [خالَه] (٢)
стр. 38
خَالُه، عندنا خال وابن أخته، ما علاقة أبو أم ابن الأخت بالخال من حيث الأبوة؟ يقول: أبو أمه أبوه، أبو أم الممدوح الذي هو ماذا؟ الخال، أبوه أليس كذلك؟ ما العلاقة بين الخال وابن الأخت؟ أبو أمه يعني أبو من الممدوح الذي هو إبراهيم بن هشام أبوه، إذا يكون ماذا؟ يكون من جهة الأبوة اجتمعا في الأبوة، لكن هذا نزل بدرجة لكونه ابن أخته، قال هنا: أي أحد يشبهه في الفضائل إلا مُمَلَّكًا يعني هشام أبو أمه، أي أبو أم هشام أبوه، أي أبو الممدوح، فالضمير في أمه للمُمَلَّك الذي هو هشام بن عبد الملك، وفي أبوه للممدوح، فوصل بين أبو وأمه وهو مبتدأ، وأبوه وهو خبره بحيٍّ وهو أجنبي، وكذا فصل بين حَيٍّ ويقاربُهُ وهو نعت حي بأبوه وهو أجنبي، وقدم المستثنى على المستثنى منه، إذًا صَعُبَ فهم المراد لكونه قَدَّمَ وأَخَّر لم يلتزم الترتيب الذي هو معهود عند النحاة بأن يجمع بين المبتدأ والخبر وبين النعت الموصوف وصفته، بل فرَّق بين النعت ومنعوته بأجنبي وهذا يؤدي إلى صعوبة الفهم، فهو في غاية التعقيد كما ترى؟
فالكلام الخالي من التعقيد اللفظي ما سَلِمَ نظمه من الخلل، فلم يكن فيه ما يخالف الأصل من تقديم أو تأخير أو إضمار أو غير ذلك إلا بقرينة، إن وجدت القرينة جاز التقديم والتأخر، إن وجدت القرينة جاز الإضمار وعدمه، إلا وقد قامت عليه قرينة ظاهرة لفظية أو معنوية - كما سيأتي في محله -.
السبب الثاني: ما يرجع إلى المعنى.
وهو ألا يكون انتقال الذهن من المعنى الأول إلى المعنى الثاني ظاهرًا، يعني يكون للفظ معنيان، أحدهما ظاهر والثاني غير ظاهر، يكون مراد الناظم أو المتكلم غير الظاهر، لكنه لم يجعل لعله قرينة تجعل الذهن ينتقل من الظاهر إلى غير الظاهر فحينئذ يكون وقع في إبهامٍ، كقول العباس بن الأحنف:
سأطلب بُعْدَ الدَّارِ عَنْكُمْ لِتَقْرُبُوا ... وتَسْكُبُ عَيْنَايّ الدُّمُوعَ لِتَجْمُلَ
(تسكب عيناي) كنى بسكب الدموع عما يوجبه الفراق من الحزن، وأصاب أليس كذلك؟ فراق ثم الدمع كنى بسكب الدموع عن الفراق، أصاب أم لا؟
أصاب لأن الفراق سبب لهطول الدموع، ثم طرد ذلك في نقيده وهو المسرة، المسرة يلزم منها عدم الدموع ليس فيه بكاء لأنه فرح يحصل باللُّقِيّ لكنه أطلق الجمود على عدم الدمع عند المسرة، وهنا أخطأ لماذا؟
لأنه ظن أن الجمود هو عدم الدمع مطلقًا وليس كذلك، بل الجمود إنما توصف به العين عند عدم الدمع إذا أراد البكاء، يعني: إذا أراد أن يبكي فلم يبك، وجمدت عينه، وأمَّا إذا لم يطلب البكاء فلم يبك لا يقال بأن العين جامدة، إذًا الجمود لا يوصف به إمساك الدمع إلا إذا طَلَبَ، وإمَّا إذا لم يطلب فلا، ثم طرد ذلك في نقيده فأراد أن يكني عما يوجبه دوام التلاقي من السرور بالجمود لظنه أن الجمود خلو العين من البكاء مطلقًا من غير اعتبار شيء آخر، وأخطأ، لأن الجمود خلو العين من البكاء في حال إرادة البكاء منها، فلا يكون كناية عن المسرة، وإنما يكون كناية عن البخل، فالكلام الخالي من التعقيد المعنوي ما كان الانتقال من معناه الأول إلى معناه الثاني الذي هو المراد به ظاهرًا حتى يُخَيّل إلى السامع أنه فهمه من حاق اللفظ، يعني من جانب اللفظ.
стр. 39
إذًا شرط الثالث: (وَهْوَ مِنَ التَعْقِيدِ أَيْضاً خالِي) أن يكون خاليًا من التعقيد بنوعيه اللفظي والمعنوي، والمراد بالتعقيد اللفظي ألا يلتزم الترتيب المعهود عند أهل العربية فيقدم ويؤخر دون قرينة أو أن يضمر بدون قرينة، والنوع الثاني: التعقيد المعنوي: أن يستعمل لفظًا ويريد به معنى بعيد دون إقامة قرينة تدل على ذلك، فالانتقال من المعنى الظاهر كالجمود هنا إلى عدم البكاء مطلقًا وهو المسرة هذا فيه بُعْدٌ.
ثم شرع فيما يتعلق بالكلمة الثانية وهي البلاغة وبقي عليه فصاحة المتكلم ذكرها فيما بعد:
.................... ... وَإِنْ يَكُنْ مُطَابِقاً لِلْحَالِ
فَهْوَ الْبَلِيغُ وَالَّذِي يُؤَلِّفُهْ ... وَبِالْفَصِيح مَنْ يُعَبِّرْ تَصِفُهْ
وهذا يأتي معنى غدا إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أسئلة:
- هذا يقول: ما اسم الشرح الذي نقرأه للرجوع إليه والاستفادة منه؟
: إن كان جديد على العلم نَوْر الشنقيطي هذا الكتاب طيب، ولو رجعت إلى ((الإيضاح)) الأصل طيب.
- كيف يكون التركيب غير فصيح في اللغة، وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: «يتعقبون فيكم ملائكة».
: هذا ما أثبتَهُ أنت الذي يجري عليك.
- كيف نوجهه تأليف أهل العلم كتبًا في غريب الحديث؟
ما حكمنا أنها ليست فصيحة، غريب الحديث يعني الكلمات الذي التي تحتاج إلى شيء من فهم، وهذا قد يكون في استعمال الناس، لا باستعمال النبي ﷺ أو الصحابة، لأنه خاطب الصحابة وفهموا عنه، ثم صارت غريبة باعتبارنا نحن، أما الصحابة لا، عندما تكلم النبي ﷺ بلفظٍ حكمنا عليه بأنه غريب حتى على الصحابة؟! ما أحد يقول بهذا.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 40
عناصر الدرس
* البلاغة وموصوفاتها.
* الصدق والكذب.
* الفن الأول: علم المعاني.
* تعريف علم المعاني وحصر أبوابه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
ذكرنا أن الناظم رحمه الله تعالى قَدَّم مقدمة هذه العلوم الثلاث، وما يتعلق بالحديث عن الفصاحة والبلاغة.
وحيث كان الموصوف بالفصاحة متعدِّدًا:
إما أن يكون مفردًا.
وإما أن يكون متكلمًا.
وإما أن يكون كلامًا.
حينئذٍ تعذر أن يُعَرَّفَ أو تُعَرَّف الفصاحة بتعريف واحد، لأن الفصاحة في المفرد مغايرة للفصاحة في الكلام، والفصاحة في الكلام مغايرة للفصاحة في المتكلم، فهي متباينة، فإذا كان كذلك فحينئذٍ يتعذر أن نجمعها في تعريف واحد، فذكر فصاحة المفرد، ثم المتكلم، ثم الكلام.
كذلك الشأن في البلاغة فإنها تختلف، فالذي يوصف بها أمران:
إما الكلام.
وإما المتكلم.
وكلاهما متغايران، فحينئذٍ يمتنع أن تُجْمَعَ في تعريف واحد فكان الأنسب أن يُفرد كل حديث أو كل موصوف من هذه الموصوفات بحديث عنه يبين ما الذي يُشترط فيه وما الذي لا يُشترط فقال:
فَصَاحَةُ المُفْرَدِ فِي سَلاَمَتِهْ ... مِنْ نُفْرَةٍ فِيهِ وَمِنْ غَرَابَتِهْ
وَكَونُهُ مُخَالف الْقِيَاسِ ... ..........................
يعني: فصاحة المفرد لا تحقق إلا إذا سلم اللفظ المفرد وهو الكلمة الواحدة من هذه الثلاثة الأشياء كلها، فإذا وُجِدَ فيها واحد منها حينئذٍ حكمنا على اللفظ أو الكلمة الواحدة بأنها ليست فصيحة، وعرفنا المراد بالنُّفرة التنافر بين الحروف وله درجتان: أعلى، وأدنى. كذلك الغرابة والمراد بها متعلقة بالمعنى ولها درجتان كذلك: أعلى، وأدنى.
(وَكَونُهُ مُخَالف الْقِيَاسِ) قلنا: المراد بالقياس هنا القانون العربي يعني: ما وضعته العرب سواء كان موافقًا للقياس الاصطلاحي عند الصرفيين، أو كان مخالفًا لهم، فيشمل حينئذٍ ما كان قياسيًّا وما كان سماعيًّا.
ثم انتقل إلى موصوف آخر وهو الكلام.
قال: (ثُمَّ الفَصِيحُ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ). يعني: الكلام الفصيح لا يُحْكَم عليه بكونه فصيحًا إلا إذا سَلِمَ من ثلاثة أشياء، فإن وُجِدَ فيها واحد منها حكمنا على الكلام بكونه ليس فصيحًا، وهنا الناظم ترك شرطًا مهمًا يذكره البيانيون وهو
(ثُمَّ الفَصِيحُ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ) مع اشتماله على فصاحة الكلمات بمعنى أنه لا يمكن أن يكون الكلام فصيحًا وهو قد سَلِمَ من هذه الأمور الثلاث وهو مشتمل على كلمة ليست فصيحة، فحينئذٍ يكون خارجًا عن مُسِمَّى الفصاحة، وإنما لم يذكره الناظم قد يقال بأنه ترك هذا القيد بناءً على أن هذا القيد متفق عليه، وإذا كان متفق عليه فحينئذٍ صار مشهورًا عند البيانيين فلا يحتاج إلى اشتراطه.
وفصاحة الكلام هي سلامته من ثلاثة أشياء:
(مَا كَانَ مِنْ تَنَافُرٍ سَلِيمَا) [ما كان سليمًا ما كان الكلام الفصيح] (١) ما كان الكلام سليمًا من تنافر الكلمات، التنافر هنا ليس بين الحروف وإنما بين الكلمات بعضها بجوار بعض، وأما الكلمة بذاتها بنفسها فهي فصيحة، (أَمْدَحُهُ أَمْدَحُه) هذا حصل بينهم تنافر، لكن ليس لذات أَمْدَحُهُ لوحدها وإنما لكونها كُرِّرَت.
стр. 41
(وَلَمْ يَكُنْ تَألِيفُهُ سَقِيمَا) يعني: ضعيفًا، وذلك فيما إذا كان مخالفًا لما كان عليه السنن العربية، وهي القواعد التي وضعها النحاة كإلحاق الفعل علامة تدل على أن الفاعل الظاهر مثنى أو مجموعًا أو نحو ذلك.
الثالث (وَهْوَ مِنَ التَعْقِيدِ أَيْضًا خالِي) يعني التعقيد يعني كون الكلام معقدًا وعرفنا أن له سببين:
السبب الأول: ما يرجع إلى اللفظ كالتقديم والتأخير، والحذف دون قرينة، ونحو ذلك.
والسبب الثاني: ما يرجع إلى المعنى بأن يستعمل لفظًا يكون الانتقال فيه من الظاهر إلى المعنى المراد فيه بُعْد لا جمود كما ذكرنا في المثال السابق. هذا ما يتعلق بما مضى.
ثم انتقل الناظم رحمه الله تعالى مبينًا الكلمة الأخرى وهي البلاغة فقال: (وَإِنْ يَكُنْ مُطَابِقًا لِلْحَالِ فَهْوَ الْبَلِيغُ). (وَإِنْ يَكُنْ) أي: الكلام الفصيح. (مُطَابِقًا لِلْحَال فَهْوَ الْبَلِيغُ) إذًا البلاغة تقابل الفصاحة وبينهما قدر مشترك، وذهب بعض البيانيين إلى أن البلاغة والفصاحة بمعنى واحد يعني: مترادفان. هما يجتمعان ويفترقان، ولذلك لا يكون الكلام بلغيًا إلا إذا كان فصيحًا، والعكس ليس كذلك قد يكون فصيحًا ولا يكون بليغًا، ولكن لا يكون بليغًا إلا إذا كان فصيحًا - كما سيأتي -.
نقول: ثم شرع الناظم رحمه الله تعالى في بيان ما يتعلق باللفظة الأخرى وهي البلاغة، والبَلاغَة وزن فَعَالَة، فَصَاحَة بَلاغَة، من بَلُغَ يعني فَعُلَ، لأن فَعُل يأتي مصدر القياس منه على فَعَالَةٍ، وهي تُنْبِئ في اللغة عن الوصول والانتهاء يعني: إذا بلغ الشيء ولذلك نقول: بلوغ، يعني: وصل إلى الحدّ الذي يكون مكلفًا من جهة الشرع، ولذلك نقول: بلغت الثمرة. يعني: وصلت الحد الذي تكون صالحة للقطف ونحوها، إذ هي مأخوذةٌ من بَلُغَ بالضم إذا انتهى، حينئذٍ إذا وُصِفَ الكلام يقول: لا بد أن يكون فيه من المعنى اللغوي بمعنى أنه بلغ النهاية في الحسن، يقال: كلامٌ بَلِيغٌ وخطيب بليغٌ. الكلام في البلاغة الآن عرفنا الفصاحة يوصف بها ثلاثة أشياء: كلمة فصيحة، كلام فصيح، متكلم فصيح. ثلاثة أشياء.
أما البلاغة فتشترك مع الفصاحة في الكلام والمتكلم، يقال: كلام بليغ، ومتكلم بليغ وليس عندنا كلمة بليغة إذا أريد بالكلمة اللفظة الواحدة، وأما إذا أريد بالكلمة التي هي الجمل المفيدة حينئذٍ صارت وصفًا للكلام، ألقى زيد من الناس كلمة بليغة، يقال: كلمة، لم يقل: يقول زيد، ووصفناها بالبلاغة، وإنما الكلمة المراد بها المعنى اللغوي وهي إطلاقها على الجمل المفيدة وعلى الجملة المفيدة، فحينئذٍ صح لكن لا بالاعتبار الذي يريده البيانيون إذًا يقال: كلام بليغ وخطيب بليغ، ولم يسمع كلمة بليغة إذا أريد بالكلمة اللفظة الواحدة، فبلاغة الكلام أشار إليها الناظم بقوله: (وَإِنْ يَكُنْ). أي: الكلام الفصيح (مُطَابِقًا) اسم فاعل من طَابَقَ يُطَابِقُ فهو مُطَابِق يعني: مُوَافِق. قولهم: طابق النَّعْلُ النَّعْلَ إذا توافق، كما سميت دلالة المطابقة لتطابقها يعني: مع المعنى، طابق اللفظ المعنى والمعنى اللفظ بحيث لم ينقص المعنى عن مدلول اللفظ ولم يزد اللفظ عن مدلول المعنى - كما مر معنا -.
стр. 42
إذًا (مُطَابِقًا) يعني: موافقًا (لِلْحَالِ) أي: لمقتضى الحال. و (يَكُنْ) هذا فعل الشرط، والجواب قوله: (فَهْوَ الْبَلِيغُ)، (إِنْ يَكُنْ) الكلام الفصيح لا بد من معرفة أن الكلام هنا لا بد أن يكون فصيحًا يعني: شرط الفصاحة، فصاحة الكلام مأخوذ في حدِّ البلاغة يعني: بلاغة الكلام، إذ لا يكون الكلام بليغًا إلا إذا كان فصيحًا، فيتفقان ويزيد الكلام البليغ على الكلام الفصيح بكونه مطابقًا للحال، إذًا الكلام البليغ ما اشتمل على أمرين:
الأمر الأول: فصاحته. يعني: بأن سَلِمَ من الأمور الثلاثة التي ذُكِرَتْ في فصاحة الكلام، يزيد على فصاحة الكلام أو الكلام الفصيح بكونه مطابقًا للحال، وهو الذي يذكره البيانيون في هذا الموضع، والحال المراد بالحال هنا مطابقًا للحال هو: الأمر الداعي إلى التكلم على وجه مخصوص. يعني: الذي كان سببًا للمتكلم أن يزيد في اللفظ على أصل المعنى ما يطابق هذا الحال، يعني شيء منفك عن المتكلم أمر يكون باعتبار المخاطَب أو السامِع فيقتضي من المتكلم أن يزيد في كلامه ما يطابق حاله، حينئذٍ الحال هو الأمر يعني: الشأن والشيء الداعي الذي طلب إلى المتكلِم أو إلى التَّكَلُّم على وجه مخصوص، وذلك يعني وصفه بأن يعتبر مع الكلام الذي يؤدى به أصل المعنى خصوصية ما، الأصل في الكلام أنه يؤتى به لإفادة إثبات مضمون الخبر للمبتدأ، زَيْدٌ قَائِمٌ، هنا أصل المعنى ما هو؟ ثبوت القيام لزيد هذا الأصل مضمون الجملة مع الثبوت، واضح؟ زَيْدٌ قَائِمٌ أصل الكلام حصل بالمسند والمسند إليه، قد يكون المخاطب عنده شيء من الإنكار أو التردد لهذا الخبر، فحينئذٍ يقتضي هذا التردد من المخاطب يقتضي من المتكلم أن يزيد على اللفظ الذي حصل به تأدية أصل المعنى وهو زَيْدٌ قَائِمٌ بعض الألفاظ كالمؤكدات من أجل أن يطابق الحال الذي هو حال المنكِر أو المتردد، فكونه كون المخاطب مُتَرَدِّدًا في الحكم هذا يُسمَّى حال، هذا الحال اقتضى مني أنا المتكلِم أن أزيد في اللفظ الذي به يحصُل إفادة المعنى في أساسه أن أزيده شيئًا ما من أجل أن يطابق الحال، وهذا ما يسمى بالتأكيد، إذًا الأمر الدَّاعي إلى التَّكَلُّمِ على وجه مخصوص لأن التَّكَلُّمَ على مرتبتين:
الأولى: ما يفيد أصل المعنى، وهذا يحصل بمجرد ماذا؟ بمجرد المبتدأ مع الخبر والفعل مع فاعله أو نائبه، هذا يحصل به ماذا؟ تأدية أصل المعنى، قد يُلْقَى الكلام ليس المراد به تأدية أصل المعنى فحسب وإنما زيادة أخرى، وهي التي يقتضيها الحال من حيث التأكيد وعدمه، وذلك بأن يعتبر مع الكلام الذي يُؤَدَّى به أصل المعنى خصوصية ما، وذلك هو مقتضى الحال.
стр. 43
مثلاً كون المخاطَب مُنْكِرًا للحكم هذا حال، كون المخاطَب الذي تكلمه مُنْكِرًا للحكم، إنكار المخاطب هذا يُسَمَّى حالاً يقتضي من المتكلم أن لا يُخْرِجَ الكلام هكذا مبتدأ وخبر، لأن المبتدأ والخبر يدل على أصل المعنى، ونحن نريد هنا أن يطابق مقتضى الحال بأن يزيده أو يخرجه عن كونه دالاً على أصل المعنى إلى اعتبار خصوصية ما، وهو ملاحظة حال المخاطب، حينئذٍ إذا حصل التوافق بين الكلام وبين الحال صار هذا هو عين البلاغة، لأنك لا يمكن أن يأتي إنسان مُنكر للحكم وتقول: زَيْدٌ قَائِمٌ. أو تأتي للإنسان خالي الذهن عن الحكم وتقول: وَاللهِ إِنَّ زَيْدًا لَقَائِم. ولماذا قلت: وَاللهِ إِنَّ زَيْدًا لَقَائِم. هذا لم يطابق، إنما يستخدم هذا الأسلوب متى؟ إذا كان المخاطب مُنكِرًا للحكم، كون المخاطَب مُنكِرًا للحكم حالٌ يقتضي تأكيده، والتأكيد مقتضاها، هذا مراده، ومعنى مطابقته له أن الحال إن اقتضى التأكيد كان الكلام مؤكدًا، وإن اقتضى الإطلاق يعني: عن القيد كان عاريًا عن التأكيد .. وهكذا، إن اقتضى الحال حذف الْمُسْنَدِ إليه حُذِفَ، وإن اقتضى الحال ذِكْرَ الْمُسْنَد إليه ذُكِرَ، إن اقتضى الحال أن يكون الْمُسْنَدُ إليه ضميرًا ذُكِرَ الضمير، أو موصولاً أو اسم إشارة أو محلى بـ أل أو غير ذلك، حينئذٍ نقول: هذه المراعاة لأحوال المخاطب إنما تكون في اللفظ في الكلام لكن لا باعتبار إفادة أصل المعنى، وإنما هي زيادة على ما يُفيد أصل المعنى لأن الكلام - اضبط هذه - الكلام يُؤَدَّى به أمران:
الأمر الأول: أصل المعنى، وهو ما يقتضيه إثبات المسند للمسند إليه زيادة على ذلك وهي مخصوصة ما كما عبر البيانيون إنما تكون لمراعاة ... الحال. يعني: المخاطَب من حيث الذِّكْر والحذف، ومن حيث التأكيد وعدمه، وإن اقتضى ذِكْرَهُ ذُكِرَ إلى غير ذلك من التفاصيل المشتمل عليها علم المعاني.
إذًا مطابقة الكلام لمقتضى الحال نقول: أي لمقتضى الحال أي الأمر الداعي من المخاطَب إن احتاج الأمر الدَّاعي إلى تأكيد الكلام أُكِّدَ، إن احتاج إلى ذكر الْمُسْنَد إليه ذُكِرَ، إن لم يحتج إلى ذكر المسند إليه حُذِفَ، نقول: هذه المراعاة تسمى مطابقةً للحال، ولا بد في ذلك أن يكون مقرونًا بالقصد يعني: إخراج الكلام مؤكدًا إذا كان المخاطب مُنكِرًا للحكم على وجهين: إما أن يكون مقصودًا أو لا.
الأول: يُسمَّى بلاغة.
والثاني: لا يُسمَّى بلاغةً.
يعني: لو كان المخاطب منكرًا للحكم وكان المتكلِم لا يدري هذه المسألة من أصلها وقال: وَاللهِ إِنَّ زَيْدًا لَقَائِمُ. هل يوصف بكونه بليغًا الكلام؟
الجواب: لا، لماذا مع كونه وافق في الواقع كلام مؤكد والداعي يقتضي التأكيد نقول: هنا لا يُسمى بلاغة لماذا؟ لانتفاء القصد، فلا بد أن يكون مقصودًا فإن لم يكن مقصودًا حينئذٍ لا يكون بليغًا. إذًا لا بد في ذلك أن يكون مقرونًا بالقصد حتى لو اقتضى المقام شيئًا من ذلك وأورده المتكلم من غير قصدٍ، لم يكن ذلك الكلام بليغًا مطابقُ لمقتضى الحال، وهذا أحسن ما قيل في حدِّ البلاغة، وهي: مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، لا بد من الزيادة حينئذٍ بلاغة الكلام مركبة من شيئين:
стр. 44
فصاحة الكلام بأن يكون الكلام فصيحًا.
الثاني: أن يكون مطابقًا لمقتضى الحال.
ولذلك نقول: الناظم هنا تَرَكَ (وَإِنْ يَكُنْ مُطَابِقًا لِلْحَالِ
فَهْوَ الْبَلِيغُ) ترك الناظم قيدًا لا بد من اعتباره في حد الكلام البليغ أو صحته، حينئذٍ نقول: البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، فالحال شيء منفك عن الكلام، المقتضى وصف للكلام، واضح؟ مقتضى وصف الكلام، فعندنا مُقْتَضِي وعندنا مُقْتَضَى، الْمُقْتَضِي هو الحال، مُقْتَضَى الحال التأكيد، مقتضي هو الحال يعني: الذي يقتضيه الحال من كونه مُنْكِرًا، المقتضى وصف للكلام فمن شروط بلاغة الكلام كونه فصيحًا بالمعنى الذي سبق بيانه، فإن البلاغة عندما تتحقق عند تحقق الأمرين المطابقة مع الفصاحة، ومقتضى الحال هذا مختلف يعني: يختلف باختلاف الأحوال، فإن مقامات الكلام متفاوتة، فمقام التنكير يباين مقام التعريف، لأن الكلام إما أن يكون على المسند إليه مثلاً أو المسنَد إما أن يكون نكرة وإما أن يكون معرفةً، هل المتكلم يأتي به هكذا مرة يعني: على مزاجه مرة يُعَرِّفُ ومرة يُنَكِّرُ؟ نقول: لا، إنما يكون باعتبار المخاطَب، إن كان المخاطَب يقتضي من حاله أن يُعَرَّفَ الْمُسْنَد عُرِّفَ، وإلا الأصل أن يكون نَكِرَة ويستعمل على أصله، وإن يقتضي حاله أن يُنَكَّر نُكِّرَ، واضح هذا؟ فمقام التعريف يباين مقام التنكير، يعني: متى تأتي باللفظ المبتدأ مثلاً أو الخبر متى تأتي به معرفة ومتى تأتي به نكرة بشرطهم في المبتدأ؟ نقول: باعتبار المخاطَب إن اقتضى حاله أن أورد المسند إليه معرفة أو نكرة بشرطها لأنها زيادة وصف، حينئذٍ أوردناه، والحال المقتضي نقول: مراعاته ومطابقة الكلام له هو الذي يسمى بلاغة، ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد، ومقام التقديم يباين مقام التأخير، ومقام الذكر يباين مقام الحذف، ومقام القصر يباين مقام خلافه، ومقام الفصل يباين مقام الوصل، ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب والمساواة، وكذا خطاب الذكي يباين خطاب الغبي وهذه كلها أبواب ثمانية ستدرس في محلها، يعني متنوعة، يعني الفصل والوصل متى تفصل ومتى تصل؟ متى تعطف الجملة على سابقتها؟ متى تترك العطف؟ نقول: هذا كله يبحث في علم المعاني والذي يقتضيه هو الحال. وكذا لكل كلمة مع صاحبتها مقام إلى غير ذلك مما سيأتي التفصيل في محله. فالفعل مثلاً إذا دخلت عليه (إن) ليس كالفعل إن دخلت عليه (إذا) أليس كذلك؟ إن قام زيد، إذا قام زيد، ما الفرق بينهما؟ قام زيد هي هِي، وإنما أدخلت على الفعل حرف شرط أو اسم شرط وكلاهما شرطيان (إن)، (إذا) قام زيد ما الفرق بينهما؟
.
نعم، (إن) إذا أردت التشكيك في قيام زيد تقول: إن قام زيد، وإذا أردت التحقق والتحقيق تقول: إذا قام زيد، ففرق بينهما.
стр. 45
إذًا قام زيد جملة هي هِي بعينها لما صاحبت كلمة وهي (إن) أفادت معنى لم تفده هذه الجملة إذا صاحبت هذه الجملة لفظ (إذا) فافترقا بسبب ماذا؟ بسبب التركيب وهذا إنما يكون مطابقًا للحال، فإذا أردت تشكيك المخاطب تقول: إن قام زيد ولو كنت تعلم إنه متحقق، وإذا أردت إفادته بأن القيام متحقق تقول: إذا قام زيد. وارتفاع شأن الكلام في الْحُسْنِ والقبول بمطابقته للاعتبار المناسب وانحطاطه بعدم مطابقته له، يعني متى يكون الكلام مرتفعًا، إذا وافق وطابق الحال، وكلما كَمُلَ في مطابقة الحال كَمُلَ في نفسه، وإذا لم يوافق فهو كلام منحط، يعني: نزل درجات عن الكلام البليغ.
فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب أي: الأمر الذي اعْتُبر مناسبًا بحسب تتبع تراكيب البُلَغَاء فهو بليغ أو (فَهْوَ الْبَلِيغُ)، فهو الفاء هذه واقعة في جواب الشرط إن، وهو ضمير يعود إلى أي شيء؟ الكلام المطابق للحال، هو يعود إلى لكلام المطابق للحال مع فصاحته، لا بد من هذا القيد، البليغ يعني: الكلام البليغ الذي اتصف بالبلاغة، (فَهْوَ) أي: الكلام الفصيح المطابق للمقتضى الحال مع فصاحته، ومع فصاحته إذا وصفنا الكلام بكونه فصيحًا لا نحتاجه، إذا قلت: الكلام الفصيح انتهى، الكلام الفصيح المطابق لمقتضى الحال البليغ، عَرَّفَ الجزأين كأنه حصر البلاغة في هذا النوع وهو كذلك، (فَهْوَ الْبَلِيغُ) هذا يفيد الحصر يعني لا كلام يوصف بكونه بليغًا إلا المذكور، فحينئذٍ ينتفي الحكم الذي هو وصف البلاغة عن غير المذكور واضح هذا، إذا عُرِّفَ الجزءان المبتدأ والخبر هذا يُسمَّى من أساليب الحصر والقصر بمعنى إثبات الحكم بالمذكور ونفيه عن ما عداه، (فَهْوَ الْبَلِيغُ) عرف الجزأين، وقلنا: الفاء وقعت في جواب الشرط، هو أي: الكلام الفصيح المطابق للواقع البليغ لا سواه لا غيره، فغيره لو كان فصيحًا ولم يطابق لا يسمى بليغًا، لو كان مطابقًا للواقع ولم يكن فصيحًا لا يسمى بليغًا.
إذًا تعريف الجزأين هنا أفاد الحصر.
ثم ذكر بلاغة المتكلم فقال: (وَالَّذِي يُؤَلِّفُهْ) بليغ، حذف الخبر يعني: الذي أي: الشخص المتكلم بالكلام الفصيح المطابق للواقع - عرفنا أن الكلام هذا بليغ - فمن اتصف بالكلام البليغ فهو البليغ، وهذا ظاهر عبارته وفيها شيء من القصور، (وَالَّذِي) أي: الشخص المتكلم بما ذكر (يُؤَلِّفُهْ) أيضًا بليغ، أي: الذي يؤلف الكلام البليغ بليغٌ، أي: المتكلم، الضمير يعود إلى المتكلم، فالضمير يعود على الكلام البليغ، (الَّذِي يُؤَلِّفُهْ)، ... (يُؤَلِّفُهْ) عندنا ضميران:
стр. 46
الضمير الأول: مستتر وهو فاعل يؤلف يعود إلى الشخص المتكلم، ومرده في اللفظ هنا الذي لأنه المذكور، (يُؤَلِّفُهْ) الضمير البارز المفعول به يعود إلى الكلام البليغ، الكلام البليغ وليس فصيح، الكلام البليغ أو الكلام الفصيح باعتبار المطابقة لا إشكال، إذًا (وَالَّذِي يُؤَلِّفُهْ) أي: الذي يؤلف الكلام البليغ بليغٌ، فالضمير البارز يعود على الكلام البليغ، والضمير المستتر الفاعل يعود إلى المتكلِم، فبلاغة المتكلم على المشهور قد سبب خلل هنا من الاختصار قولهم: هي بلاغة المتكلم، هي مَلَكَة يُقْتَدَرُ بها على تأليف كلام بليغ. مَلَكَة لأن قوله: (وَالَّذِي يُؤَلِّفُهْ) لا يدل على الْمَلَكَة وهذا لا بد من اعتباره، فليس كلّ من تكلم بكلام بليغ يكون بليغًا، ليس كل من تكلم بكلام بليغ يكون بليغًا، بل لا بد أن تكون البلاغة صفة راسخة بمعنى أنه عنده مَلَكَة على إنشاء الكلام البليغ، بمعنى أنه يكون مطردًا في جميع أحواله سواء كان ناطقًا أم ساكتًا، يعني: هذا أو ذاك، ولو كان نائمًا [ها ها] فيوصف بكونه بليغًا، إذًا مَلَكَة لا بد من اعتبار الْمَلَكَة فقوله: (وَالَّذِي يُؤَلِّفُهْ) لا يفيد ذلك، والْمَلَكَة كيفية راسخة في النفس، ففيه إشارة إلى أن البلاغة من الهيئات الراسخة حتى لو تكلم بكلام بليغ وليس له مَلَكَة فغير بليغ، وليس كل من ركب كلامًا صار بليغًا، والْمَلَكَة إنما تحصل بالملازمة والممارسة، مَلَكَة العلوم كلها، في البيان، وفي النحو، والصرف، والْمَلَكَة الفقهية، هذه كلها لا تحصل إلا بالملازمة والممارسة، وأما المطالعات العشوائية هذه لا تنبت الْمَلَكَة البتة يعني: لا تكون عنده مَلَكَة البتة، لا بد أن يلازم الفن ملازمة تامة حتى تحصل عنده مَلَكَة، وإذا كان كذلك حينئذٍ يقال إنه بليغ، وأما ما عدا ذلك فلا، والله المستعان.
стр. 47
إذًا الْمَلَكَة تحصل بالملازمة والممارسة ولهذا قيل: مَلَكَة. ولم يقل صفة كما عَبَّر صاحب ((الإيضاح)) حتى لا يكون الْمُعَبِّر عن المقصود بلفظ بليغ بليغًا إلا إذا كان الصفة التي اقتدر بها عن التعبير عن المقصود بلفظ بليغ راسخة فيه، راسخة يعني صارت لازمة فيه، كما نقول: من صفات الإنسان النوم، فهي صفة راسخة فيه، وكذلك الضحك وكذلك الصفات الخاصة به، كذلك الْمَلَكَة على النطق أو الكلام البليغ تكون راسخةً، مَلَكَة أي: هيئة راسخة في النفس أو قل: صفة راسخة في النفس احترازًا عمَّا إذا تكلم بكلام بليغ ولم تكن له صفة راسخة فلا يُعَدُّ المتكلم بليغًا، وأما الكلام فيوصف، الكلام في المتكلم، يُقْتَدَرُ بها إشارة إلى مَلَكَة، ويقتدر عَبَّر بـ (يقتدر) إشارة إلى أن يُسَمَّى بليغًا حال النطق وعدمه، لأننا قلنا: البليغ هو المتكلم بالكلام البليغ، تكلم .. تَكلم .. تكلم كلامًا وهو بليغ، إذا سكت هل يوصف بالبلاغة أم لا؟ هل يوصف بكونه بليغًا أم لا؟ نقول: نعم، لأن المراد هنا لو أراد إنشاء كلام بليغ حينئذٍ صار بليغًا، حينئذٍ يوصف بالبلاغة بالفعل وبالقوة، بالفعل إذا كان يتكلم بكلام بليغ وكان له الْمَلَكَة، وإذا لم يكن مُتَكَلِّمًا بكلام بل كان ساكتًا حينئذٍ نقول: هذا بليغ. يوصف بكونه بليغًا لكن بالقوة، كما ذكرنا في الضاحك وفي غيره. إذًا إشارة إلى أنه يسمى بليغًا حال النطق وعدمه.
والحاصل مما سبق، إذًا عرفنا أن المتكلم يُوصف بالبلاغة وأنها مَلَكَة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ، يتقرر من هذا من التعريفين السابقين أن الذي يوصف بالبلاغة أمران:
الكلام وعرفنا حده بقوله: (وَإِنْ يَكُنْ مُطَابِقًا لِلْحَالِ فَهْوَ الْبَلِيغُ).
والمتكلم وعرفنا حدَّه على ما ذكره الناظم (وَالَّذِي يُؤَلِّفُهْ) يعني: فهو بليغ (الَّذِي يُؤَلِّفُهْ) فهو بليغ، والتعبير هذا فيه شيء من القصور.
ثم عاد وبقي له ثالث مما يوصف بالفصاحة، لأنه ذكر فصاحة المفرد، وفصاحة الكلام، وبقي عليه فصاحة المتكلم، فبقي عليه شيء ثالث ... مما يوصف بالفصاحة وهو المتكلم فقال: (وَبِالْفَصِيح مَنْ يُعَبِّرْ تَصِفُهْ ... [نَصِفُهْ]) نسختان (وَبِالْفَصِيح مَنْ يُعَبِّرْ [نَصِفُهْ] تَصِفُهْ) وهذا فصاحة المتكلم، يعني: يوصف المتكلم بكونه فصيحًا، (وَبِالْفَصِيح مَنْ يُعَبِّرْ)، (يُعَبِّرْ) هذا فعل مضارع مأخوذ من العبارة، والعبارة عند أرباب المعاجم هي الكلام الذي يبين ما في النفس من معانٍ، إذًا العبارة والجملة متقاربان، الكلام الذي يبين ما في النفس من معانٍ يقال هذا الكلام عبارة عن كذا، قوله: (وَبِالْفَصِيح). هذا متعلق بقوله: (يُعَبِّرْ) أو لا؟
[نَصِفُهْ] طيب يعبر بماذا؟
..
стр. 48
بالكلام الفصيح، قال: (بِالْفَصِيح) يحتمل أنه صفة لموصوف محذوف يعني: بالكلام الفصيح فيكون متعلقًا بقوله: (يُعَبِّرْ). ويحتمل ألا يكون صفةً لموصوف محذوف فحينئذٍ يكون متعلقًا بـ (تَصِفُهْ)، ليس الإشكال في هذا يحتمل ذاك وذاك، لكن لا بد من تقييد كل منهما بالفصيح، من ... (يُعَبِّرْ) ليس مطلقًا ليس كل من عبر بأي كلام وإنما عبر بالكلام الفصيح، كما ذكرنا فيما سبق أن المتكلم الذي يوصف بالبلاغة هو الذي اشتمل على أمرين، أو البلاغة هي المشتملة على أمرين: أن يكون فصيحًا في نفسه، وأن يكون مطابقًا للحال.
هنا إذا تكلم وعَبَّر متى نقول هو فصيح؟ مطلق التعبير أو تعبير مقييد؟
تعبير مقييد، إذًا لا بد من تقييده بقوله: (وَبِالْفَصِيح)، ثم نصفه بالفصيح يكون متعلقه محذوفًا لدلالة ما سبق عليه، فيحتمل هذا وذاك.
(مَنْ) ما نوعها؟
.
موصولة، و (يُعَبِّرْ) مجزوم بها؟
..
إذا قلتَ: موصولة كيف (يُعَبِّرْ)، لو قلتَ: شرطية لا إشكال، من أجل الوزن، نعم لو جعلناها موصولة فهو أحسن فحينئذٍ من (يُعَبِّرْ) يعني: الذي مبتدأ (يُعَبِّرْ) بالرفع بالفصيح، يعبر بالفصيح يعني: يتكلم بكلام فصيح، ([نَصِفُهْ]) الجملة خبر المبتدأ، خبر الذي ([نَصِفُهْ]) أي: نصف هذا المتكلم الذي (يُعَبِّرْ) لأن قوله: الذي (يُعَبِّرْ) في قوة المعبِّر لأن الموصوف مع صلته في قوة المشتق، حينئذٍ الذي (يُعَبِّرْ) في قوة المعبِّر، طيب ([نَصِفُهْ] تَصِفُهْ) الجملة خبر، تصف أنت، الفاعل أنت أيها المخاطَب، والمضير البارز يعود إلى (مَنْ)، لأن (مَنْ) اسم موصول بمعنى الشخص في قوة المعبِّر (تَصِفُهْ) أي: تصف هذا المتكلِم بالفصيح هل يجوز أن نجعل (مَنْ) هنا شرطية؟
(مَنْ يُعَبِّرْ) إنْ تعبِّر في قوة إن، إن تعبر بالفصيح هل يصح أو لا؟
(مَنْ) شرطية (يُعَبِّرْ) بالسكون هنا لا إشكال ليس عندنا ضرورة، أليس كذلك؟ (تَصِفُهْ) إيش الإشكال؟
لو جعلناها شرطية عندنا إشكال وهو أن تصف أو نصف وهذا فعل مضارع والأصل تَصِفْهُ نَصِفْهُ أليس كذلك؟ هذا الأصل لكن هذا يجوز على لغة ضعيفة، إذا كان جواب الشرط مضارعًا وفعل الشرط ماضيًا جاز في الجواب الرفع والجزم، إِنْ قَامَ زَيْدٌ أَقُمُ، إِنْ قَامَ زَيْدٌ أَقُومُ جاز فيه الوجهان، إذا كان فعل الشرط ماضيًا وكان الجواب مضارعًا جاز في المضارع وجهان: الجزم والرفع.
وبعد ماضٍ رفع كالجزا حسن
طيب، إذا كان فعل الشرط مضارعًا مع كون الجواب مضارعًا، الأصل وجوب الجزم، وأما جزمه$$ فهو ضعيف. $$ ٣٤.٥٠
ورفعه بعد مضارع وَهَنَ
رفع الفعل المضارع بعد مضارع الذي هو فعل الشرط وهن يعني: ضعيف.
стр. 49
إذًا الأَوْلَى أن نجعل (مَنْ) هنا موصولة و (يُعَبِّرْ) نقول: سكنه للوزن. (وَبِالْفَصِيح مَنْ يُعَبِّرْ تَصِفُهْ) في نسخة ([نَصِفُهْ]) (بِالْفَصِيح) متعلق بقوله: (يُعَبِّرْ)، ويحتمل أنه متعلق بـ ([نَصِفُهْ]) أو (تَصِفُهْ) أي: الذي يعبر عن مقصوده بلفظ فصيح تصفه بالفصيح، فحذف المعمول الثاني بدلالة الأول عليه، وهذا إن جعلنا (مَنْ) موصولة فهي مبتدأ وجملة (تَصِفُهْ) خبر، فالفصاحة في المتكلم هي مَلَكَة يُقْتَدَرُ بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح، مَلَكَة يعني هيئة راسخة يعني: يُشترط في كل من الموصوف بالبلاغة أو الفصاحة وكان متكلِمًا لا بد أن تكون عنده مَلَكَة يعني: هيئة راسخة في النفس صفة راسخة، بمعنى أنه لا بد أن تكون عنده ممارسة للفن من أجل أن تحصل له تلك الْمَلَكَة، فقيل: مَلَكَة لما سبق فمن تكلم بلفظ فصيح وليست له مَلَكَة فغير فصيح، أليس كذلك؟ من تكلم بكلام فصيح وليست له مَلَكَة فليس بفصيح، يعني: لو تكلم بكلام سلم من تنافر الكلمات، ومن التعقيد المعنوي، ومن التعقيد اللفظي نقول: فصيح مباشرة؟ لا، مع كون الكلام قد وُجِدَ فيه السلامة من الأمور الثلاثة، لا نصف، الكلام هو نصفه بكونه فصيحًا، لكن لا نصف المتكلِم بكونه فصيحًا، فليس كل من ألقى كلامًا فصيحًا فهو فصيح، بل لا بد أن تكون عنده مَلَكَة من أجل إيقاع الوصف عليه، ويقتدر بها إشارة إلى أنه يسمى فصيحًا حالة النطق وعدمه، يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح، ليعم المفرد والمركب.
إذًا أخر الناظم هنا تعريف المتكلم الفصيح أو الموصوف بالفصاحة وهو المتكلم كان الأَوْلَى أن يقدمه على حديثه عن البلاغة (وَبِالْفَصِيح مَنْ يُعَبِّرْ [تَصِفُهْ]) فعلم مما سبق من تعريف موصوفات الفصاحة وموصوفات البلاغة أن كل بليغٍ فصيحٍ مطلقًا سواء كان كلامًا أو متكلمًا؟
كلامًا أو متكلمًا لأننا قلنا: لا بد أن الكلام يكون فصيحًا مع مطابقة الواقع في البلاغة، أليس كذلك؟ وإذا تكلم المتكلم بكلام بليغ لا بد أن يكون الكلام البليغ مشتملاً على فصاحة، حينئذٍ كلُّ بليغٍ فصيحٌ، كُلُّ بليغٍ سواء كان متكلمًا أو كلامًا فهو فصيحٌ، لجعل الفصاحة شرطًا للبلاغة، وليس كلُّ فصيحٍ بليغًا، أليس كذلك؟ لأنه قد يأتي بالكلام الفصيح وقد سَلِمَ من الأمور الثلاثة لكنه لا يكون مطابقًا للواقع، بمعنى أنه لا يتكلم بما يناسب الحال، إن كان غبيًّا يأتي بألفاظ تناسب الغبي، وإن كان ذكيًّا فيختصر له الكلام ويأتي بما يناسب الذَّكي .. وهلم جرا. إذًا ليس كلُّ فصيحِ بليغًا كلامًا كان أو متكلمًا لأن الفصيح قد يَعْرَى عن المطابقة له، واضح هذا؟
ثم أن البلاغة في الكلام من أجل أن نعرف لماذا نوع البيانيون العلوم الثلاثة علم المعاني وعلم البيان وعلم البديغ؟
البلاغة في الكلام مرجعها إلى أمرين، يعني متى تتحقق البلاغة في الكلام وفي الشخص، مرجعه إلى أمرين اثنين بالاستقراء والتتبع يعني: ما يجب أن يحصل حتى يمكن حصولها أي: الذي تتحقق به البلاغة أمران مرجعه إلى شيئين اثنين:
стр. 50
الأول: الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد. الاحتراز يعني: يبتعد ويجتنب عن ماذا؟ عن الوقوع في الخطأ، خطأ في ماذا؟ في تأدية المعنى المراد، انتبه قال: المراد. يعني: ما يكون بأصل المعنى وزيادة لأن قلنا الجملة التي يتكلم بها المتكلم أنت الآن عندما تتكلم تتكَلم لإفادة أمرين:
أولاً: أصل المعنى الذي دلّ عليه ثبوت مفهوم المسند للمسند إليه، أو الفعل للفاعل، مبتدأ وخبر، زيد قائم، مات عمرو.
الأمر الثاني: زيادة على ما يُؤَدَّى بها أصل المعنى هذا يكون مراعاةً للحال.
إذًا الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وإلا لربما أُدِّيَ المعنى المراد بكلام غير مطابق لمقتضى الحال، فلا يكون بليغًا لما مر في تعريف البلاغة من أنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال شرط فيها.
الثاني: إلى تميز الفصيح من غيره. يعني: من غير الفصيح، مرجع البلاغة إلى أمرين:
الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد.
ثانيًا: تميز الكلام الفصيح من غيره. يعني من غير الفصيح، وإلا لربما أورد الكلام بكلام مطابق لمقتضى الحال وهو غير فصيح، قد يطابق يؤكد له الكلام ويكون الحال مقتضٍ للتأكيد، لكنه يأتي بعبارة ليست فصيحة، وإذا وجد في الكلام ألفاظ ليست فصيحة خرج عن كونه فصيحًا.
إذًا كيف يميز هذا عن ذاك؟
نقول: لا بد من عِلْمٍ يتميز به معرفة الفصيح عن غيره، إذًا وإلا ربما أورد الكلام بكلام مطابق لمقتضى الحال غير فصيح، فلا يكون بليغًا - لما مَرَّ - من أن البلاغة عبارة عن المطابقة مع الفصاحة، ويدخل في تميز الكلام الفصيح من غيره تميز المفردات، أن نعرف كيف نميز هذه الكلمة بكونها فصيحة أو لا، إذا سلمت من الأمور الثلاثة، إذًا كيف نحكم عليها؟ هل هو بميزان المعاجم؟
نقول: لا، لا بد من مرجع، وحاصل الأمر أن البلاغة ترجع إلى هذين الأمرين، والاقتدار عليها يتوقف على الاتصاف بهذين الوصفين السابقين، وهذا أمر يتحصل ويكتسب من علوم متعددة بعد سلامة الحس، فمرجع البلاغة حينئذٍ إلى هذه العلوم المتعددة لا إلى المعاني والبيان فقط، لأننا عرفنا أن التنافر إنما مرده إلى الحس - هذا الصحيح - مرده إلى الحس، إذًا لا بد من الحس، لا بد أن يكون عنده ذوق سليم، والذوق السليم من أين يأتي به؟
ليس هو بعلم، يعني: ليس بعلم صناعي يتعلمه ليس هناك منظومة تحفظ، ولا كتاب يُدَرَّس، وإنما هو بممارسة العلم يكون عنده مَلَكَة.
ثانيًا: عرفنا أن ضعف التأليف لمخالفة القواعد، إذًا هذا داخل في مفهوم البلاغة وليس هو عين المعاني والبيان، إذًا هو شيء خارج، ولا يمكن الاحتراز عن التعقيد اللفظي إلا بمعرفة علم النحو، أو علم الصرف، حينئذٍ نقول: البلاغة ليست مؤلفة من علمين فقط، هي علوم ثلاثة باعتبار ما يناسب الحال ومقتضى الحال، وأما من حيث ما يحصل به ويتميز الكلام الفصيح عن غيره فلا بد من علوم متعددة، وهذه التي أشار إليها بقولهم: والثاني. يعني: التمييز تمييز الفصيح عن غيره منه ما يتبين في علم متن اللغة، أو التصريف، أو النحو، أو يُدْرَكُ بالحس، وهو ما عدا التعقيد المعنوي.
стр. 51
هذه العلوم لا بد لها أن تكون معتبرة في علم البلاغة، بمعنى أنه لا بد أن يكون نحويًا صرفيًا، وأن يكون على علم بمتن اللغة يعني: المفردات، ماذا تستعمل العرب هذه الكلمة في أي معنى، هل هذه الكلمة مأنوسة مألوفة أم لا؟ هل هي شاذّة أم لا؟ حينئذٍ لا بد من الوقوف على متن اللغة.
إذًا تيميز الكلام الفصيح عن غيره يعني: معرفة أن هذا الكلام فصيح وذاك غير فصيح يعرف من غير الفنون الثلاثة، كون الكلام فصيحًا أو ليس فصيح مرده ليس إلى علم المعاني، ولا إلى علم البيان، ولا إلى علم البديع، لذلك من أين نعرف كيف يأخذون الفصاحة قيدًا في البلاغة ثم لا يذكرونها في هذه الفنون؟
نقول: لأن البلاغة مجموعة علوم أو مجموع علوم، يعني: ليست خاصة بهذه الفنون الثلاثة، بل هي مجموعة من علوم متعددة، وذلك لأنه شرط في فصاحة الكلام سلامته مما سبق، فمنه ما يَتَبَيَّنُ في علم متن اللغة، فمنه أي: ما يُمَيِّزُ
الفصيح من غيره ما يتبين بعلم متن اللغة، فهو العلم الذي يعرف به معاني المفردات إذ به يعرف الناظر أن في تَكْأَكَأْتُم مثلاً غرابة، لأنها ليست من الكلمات المأنوسة، وكذلك مُسَرَّجًا يعرف أن فيها غرابة، بخلاف اجتمعتم سراج، فليس فيها غرابة لأنه بمطالعة هذه الكتب حينئذٍ يقف على المفردات المأنوسة من غيرها، أو التصريف وهذا يعرف به سلامته من مخالفة القياس، أو النحو يعرف به السلامة من ضعف التأليف، أو التعقيد اللفظي، أو يدرك بالحس يعني: القوة السامعة والذي يدرك بالحس هو التنافر، سواء كان بين الحروف في الكلمة الواحدة أو بين الكلمات، وما يُحْتَرز به عن الأول الذي هو الخطأ في تأدية المعنى المراد هو علم المعاني.
إذًا قلنا: مرجع البلاغة إلى أمرين:
الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وهذا الذي يدرس في علم المعاني.
الثاني: التمييز تيميز الفصيح عن غيره، هذا بمجموعة علوم يعني لسان العرب نحوًا وصرفًا ومتنًا، وما يحترز به عن التعقيد المعنوي، هو علم ... البيان، التعقيد المعنوي هذا مثلنا له بماذا؟
..
وما مثله في الناس إلا مُمَلَّكًا
هذا تعقيد معنوي؟! لفظي هذا، لأنه بالتقديم والتأخير وَتَسْكُبُ عَيْنَايَ الدُّمُوعَ، لا، ليس مُسَرَّجًا، مسرجًا في اللفظ واحد فقط، مُسَرَّجًا.
لتجمدا. قلنا: الجمود استعمله في عدم البكاء مطلقًا، وإنما هو خاص في عدم البكاء عند إرادة البكاء، فالإنسان قد لا يريد البكاء فلا تسمه عينه جامدة، وإنما تُسَمَّى عينه إذا أراد البكاء.
إذًا التعقيد المعنوي يُحْتَرَزُ عنه بعلم المعاني، وما يعرف به وجوه تحسين الكلام هذا توابع البلاغة بعد رعاية تطبيقها على مقتضى الحال وفصاحته هو علم البديع.
إذًا المقصود من هذا الحديث أن البلاغة ليست موقوفة على العلوم الثلاثة، وإنما هي موقوفة على النحو والصرف والحس ومتن اللغة، وكذلك العلوم الثلاثة لأن مرجع البلاغة إلى الأمرين المذكرين.
وَالصِّدْقُ أَنْ يُطَابِقَ الْوَاقِعَ مَا ... يَقُولُهُ وَالْكذْبُ أَنْ ذَا يُعْدَمَا
стр. 52
هذه مسألة دخيلة في المقدمة، هي لا تذكر في هذا الموضع، وإنما تذكر في علم المعاني، يقسمون [الخبر إلى] (١) الكلام يقسم إلى خبر وإنشاء، والخبر هو ما احتمل الصدق والكذب لذاته، والإنشاء ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته.
إذًا الخبر ما هو؟ ما احتمل الصدق والكذب سيأتي شرحه في محله.
يرد السؤال ما هو الصدق؟ وما هو الكذب؟ عندما نقول: الخبر ما احتمل الصدق والكذب بذاته. يرد السؤال، هذا تعريف الخبر، وذكرنا الصدق جزءًا في حدِّ الخبر وذكرنا الكذب جزءًا في حدِّ الخبر، ما المراد بالصدق هنا؟ ما المراد بالكذب؟
أراد الناظم أن يفسر لنا الصدق والكذب الذين وقعا جزأين في حدِّ الخبر، ويدل قوله: (وَالصِّدْقُ). وقابله بـ (الْكذْبُ) على أن الخبر منحصر في الصادق والكاذب، يعني: ليس عندنا إلا خبر هو صادق، وليس عندنا خبر إلا هو كاذب، إما هذا أو ذاك وليس عندنا منزلة بين المنزلتين، كما أن الكلام من حيث هو إما خبر أو إنشاء، وهذا قول الجمهور أنه منحصر في اثنين على الصحيح.
ثم ذكر الناظم مسألة متعلقة بما سيأتي في علم المعاني وهي: انحصار الخبر في الصادق والكاذب - كما هو مذهب الجمهور - فقال: (وَالصِّدْقُ). هذا مبتدأ، (أَنْ يُطَابِقَ) هذا خبره، أن وما دخلت عليه في التأويل مصدر، يعني مطابقة (وَالصِّدْقُ) أل هنا إنما هي نائبة عن مضاف إليه، وإما أنها للعهد الذهني، (وَالصِّدْقُ) أي: صدق الخبر. حينئذٍ الخبر هذا مضاف إليه حذف وأنيب أل مُنابه أو تكون أل للعهد الذهني يحتمل هذا وذاك، ... (وَالصِّدْقُ) أي: صدق الخبر (أَنْ يُطَابِقَ الْوَاقِعَ)، ما هو الذي يطابق الواقع، (مَا)، (الْوَاقِعَ) هذا مفعول مقدم لـ (يُطَابِقَ) لأن (يُطَابِقَ) متعدِّي، ما هو الذي يطابق؟ عندنا مطابِق ومطابَق أليس كذلك؟ مطابِق ومطابَق،
ما هو المطابِق؟ الكلام.
ما هو المطابَق؟
الواقع.
إذًا (مَا يَقُولُهُ) أي: قوله، (مَا) هنا اسم موصول بمعنى الذي، أي: حكم (يَقُولُهُ) أي المتكلم، حينئذٍ نقول: المطابِق هو الكلام، والمطابَق هو الواقع، وما المراد بـ (الْوَاقِعَ)؟ الخارج، لأن مفهوم الكلام يكون في الذهن زيدٌ قائم تقول هذا مؤلف من ثلاثة أجزاء، أليس كذلك؟ زيدٌ قائمٌ مؤلف من ثلاثة أجزاء:
الجزء الأول:؟
المسند إليه، الذي يمسى الموضوع عند المناطقة وهو زيدٌ.
الجزء الثاني: ما هو؟
قائم
قائم فقط، تقول: قائم. قائمٌ هذا الجزء الثاني.
الجزء الثالث: النسبة، التي ارتباط المسند بالمسند إليه وهو؟
قيام زيد، ثبوت قيام زيد هذا حكم الجملة، زيدٌ قائم فيها أمران:
مضمون الجملة.
حكم الجملة.
معي؟ مضمون الجملة يعني: ما دلت عليه مفهوم الجملة، ما هو؟ قيام زيد.
حكم الجملة إما السلب أو الإيجاب، إن لم تُصَدَّرْ الجملة بحرفٍ أو فعلٍ يدل على السلب فهي إيجاب، حينئذٍ تضيف المضمون إلى الثبوت، ثبوت قيام زيد، هذا يُسَمَّى حكم الجملة.
طيب هذا كله في الذهن قيام زيد وثبوت قيام زيد كله في الذهن، لكن كون زيد قائم بالفعل يعني: حصل قيام منه زيد الشخص الذات قام أم لا؟
هذا شيءٌ خارج الذهن.
стр. 53
الكلام باعتبار المفهوم إن وافق ما كان خارجًا عن الذهن يُسمَّى صدقًا، وإن خالف الكلام الذي له مفهومٌ في الذهن باعتبار الخارج الواقع يسمى كذبًا، ولذلك قال: (وَالصِّدْقُ أَنْ يُطَابِقَ الْوَاقِعَ مَا يَقُولُهُ). أن يطابق ما يقوله يعني: الحكم المفهوم من الجملة الذي محلها هو الذهن أن يطابق الواقع، فإذا قلتَ: زيدٌ قائمٌ. يعني: اعتقدت ماذا؟ ثبوت قيام زيد، الذي دل على، دعنا من الاعتقاد، الذي دل عليه اللفظ لأن عندنا ثلاثة أشياء:
اعتقاد، ولفظٌ، وواقع
كم؟ ثلاثة أشياء اعتقاد ولفظٌ وواقع، إن طابَق مدلول اللفظ الواقع سُمِّيَ صدقًا، فإذا قلتَ: زيدٌ قائمٌ. وبالفعل زيدٌ قائمٌ نقول: هذا صدقٌ. ولو اعتقدت خلاف اللفظ لأن العبرة هنا باللفظ والواقع، فالاعتقاد لا دخل له البتة فإذا قلت: زيدٌ قائمٌ، ثبوت قيام زيد فنظرنا في الواقع زيد ليس بقائم بل هو جالس، حينئذٍ نقول: مدلول اللفظ لم يطابِق الواقع هذا يُسَمَّى كَذِبًا، (وَالصِّدْقُ) أي: صدق الخبر (أَنْ يُطَابِقَ الْوَاقِعَ) أي: الخارج الذي يكون بالنسبة للكلام الخبري، (الْوَاقِعَ) كما ذكرنا بالنصب مفعول (يُطَابِقَ) مقدم، والفاعل (مَا)، وهذا فاعل (يُطَابِقَ) (مَا) فهو المطابق، (الْوَاقِعَ) مطابَق، اجعلها أمام بعض من أجل أن تضبطها:
مطابِق اسم فاعل بكسر الباء، هذا هو الكلام.
مطابَق بفتح الباء اسم مفعول وهو الواقع.
إذًا (مَا) هي الفاعل، وهو اسمٌ موصول أي: حكمه، وتقدير النظم صدق الخبر أن يطابق حكم ما يقوله المخبر الواقعة، حكم ما يقوله المخبر يعني المتكلم الكلام الواقع، وقدرنا الحكم هنا لأن الصدق والكذب إنما يرجع إلى الحكم أولاً الذي هو النسبة أو الثبوت، أو السلب المضاف إلى مضمون الجملة. وعرفنا كيف نأخذ مضمون الجملة فيما سبق.
إذًا (وَالصِّدْقُ أَنْ يُطَابِقَ الْوَاقِعَ مَا يَقُولُهُ) إذًا حدُّ الصدق مطابقة القول أو حكم القول الواقع، (وَالْكذْبُ) كِذْبُ كَذِب كلاهما لغتان (وَالْكذْبُ) أي: كَذِبُ الخبر (أَنْ ذَا يُعْدَمَا) هنا إشكال (أَنْ ذَا يُعْدَمَا)، (يُعْدَمَا) فعل مضارع مُغير الصيغة وهو منصوب والناصب له (أَنْ)، وهل يجوز أن يفصل بين (أَنْ) ومدخولها؟ لا يجوز فكيف نصبه؟
(أَنْ ذَا يُعْدَمَا) كيف فصل بين (أَنْ) ومدخولها؟
لا يجوز الفصل ما يجوز، [ها]
حتى بالتقدير، حتى لو قيل أن يعدما ذا، لا يجوز أن يتقدم
هذا الأصل، لكن جَوَّزَ بعضهم أن يقدم متعلق الفعل عليه، يعني: أَنْ زيدًا أضربَ، الأصل أنه لا يجوز.
стр. 54
لكن فيه نسخة: [إِذْ ذَا عُدِمَا]، هذه أولى، [إِذْ] يعني: وقت، ذا المشار إليه، (عدما) حينئذٍ لا إشكال، وهي أولى من المذكور، (أَنْ ذَا) أي: مطابقة حكمه للواقع، (ذَا) اسم إشارة والمرجع لاسم الإشارة هنا مطابقة الحكم للواقع، (أَنْ ذَا [يُعْدَمَا] (١)) إذًا عدما ماذا؟ مطابقة حكم الخبر للواقع، فإن طابق فهو الصدق، فإن لم يطابق فهو الكذب، (يُعْدَمَا) فكون الخبر كاذبًا عدم مطابقته حكمه للواقع، إذًا على هذه النسخة: (أَنْ ذَا يُعْدَمَا) تقول: الألف للإطلاق و (يُعْدَمَا) منصوبٌ بـ (أَنْ)، ويكون فرق بينهما على وجه الشذوذ والأولى أن يقال [إذ ذا عدما] يعني: والصدق يعني: صدق الخبر وقت ذا عدما، يعني وقت ذا عدما، والألف تكون للإطلاق.
فحدُّ الصدق مطابقة حكم الخبر للواقع، والكذب عدم مطابقته له، هذا هو المشهور وعليه التأويل، ولو كان الاعتقاد بخلاف ذلك، يعني: لا عبرة هنا بالاعتقاد كونه موافقًا أو لا، فلو قال زيدٌ قائمٌ ووافق الواقع واعتقد في نفسه أنه كذب عليه، نقول: هذا صدق. هذا صدقٌ لماذا؟ لأن العبرة هنا بالقول وحكم القول والواقع، وأما الاعتقاد سواءٌ وافق أم خالف حينئذٍ نقول: هذا لا عبرة به.
إذًا ولو كان الاعتقاد بخلاف ذلك من حالين، فإذا قلت زيدٌ كاتبٌ فإن كان زيدٌ موصوفٌ بالكتابة في الخارج فذلك الخبر يكون صادقًا، وإن لم يكن موصوفًا بها فذاك الخبر يكون كاذبًا، زيدٌ كاتب إن كان زيدٌ موصوفٌ بالكتابة في الخارج الفعل وهو صادق، وإن لم يكن فهو كاذب.
صادقٌ لماذا؟ لكون حكم القول طابق الواقع.
وكاذب لماذا؟ لكون حكم القول وهو ثبوت الكتابة لم يطابق الواقع بل خالفه لأنه غير موصوف بالكتابة، وكذلك في السلب فإذا قلت زيد ليس بكاتبٍ هنا نفيت وصف الكتابة عنه فإن طابق الواقع بكون زيدًا ليس موصوفًا بالكتابة فهو صدقٌ، فإن خالف بل هو موصوفٌ بالكتابة فهو كذبٌ، وهذا معنى مطابقة الكلام للواقع والخارج وما في نفس الأمر، فالخبر ينحصر في الصادق والكاذب ولا واسطة بينهما على الصحيح، لا فيه خلاف، فقد أجمعوا على أن من قال: محمدٌ ليس بنبيٍّ، صدقٌ أم كذب هذا؟ أم فيه تفصيل؟
محمدٌ نبيٌ طابق؟
طيب، لو قاله منكر نبوة النبي ﷺ ، فقال: محمدٌ نبي. أراد أن يجامل قال: محمدٌ نبي، صدقٌ أم كذب؟
صدقٌ، لا عبرة بالاعتقاد، قلنا: من قال محمدٌ نبي واعتقد أنه ليس بنبي نقول: خبره صدق لماذا؟ لأن العبرة بكونه صدقًا مطابقة الواقع عنه، هذا ميزان، أما اعتقاده فهذا لنفسه، ليس له مدخلٌ في الحكم بالصدق والكذب، فإذا قال منكر رسالة النبي ﷺ : محمد بن عبد الله وجامل قال: ﷺ نبيٌ، نقول: هذا طابق الواقع لأن الذي في الواقع #١.٠٠.٢٩ ... لسان النبي ﷺ أمرٌ معلوم من الدين بالضرورة، طيب لو قال: محمدٌ ليس بنبي، وهو يعتقد نبوة محمد ﷺ .
стр. 55
هذا كذب، والاعتقاد لا عبرة به البتة، إذًا فالخبر ينحصر في الصادق والكاذب ولا واسط بينهما على الصحيح، فقد أجمعوا على أن من قال: محمدٌ ليس بنبي. أنه كاذب ولو وافق اعتقاده، وأجمعوا على من قال: الإسلام حقٌ أنه صادق، ولو خالف اعتقاده. هو يعتقد أن الإسلام ليس بحق وقال: الإسلام حقٌ. حينئذٍ نقول: هذا صادقٌ ولا عبرة باعتقاده. واستدل بعضهم بحديث «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». دلَّ على انقسام الكذب إلى مُتَعَمَّدٍ وغيره. وقال السبكي: وقد استنبطتُ من القرآن دليلاً أصرح من الجميع وهو قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩]. مع أنهم تكلموا بما يعتقدون فحَكَمَ الله بأنهم كاذبون، مع أنهم أخبروا بما يعتقدون ووصفهم الله تعالى بالكذب لانتفاء مطابقة كلامهم للواقع ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ﴾.
إذًا نقول: انحصر الخبر في الصادق والكاذب ولا واسطة بينهما البتة، وأما قوله تعالى وهو ما تمسك به البعض بإثبات الواسطة ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] كَذَّبَهُم في ماذا؟ في قولهم: ... ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] وهذا طابَق الواقع أو لا؟ ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ طابَق أو لا؟
طابَق الواقع مع ذلك الله قال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، واضح الاعتراض؟ كذبهم في ماذا؟ قالوا: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾. وقلنا: من قال الإسلام حقٌ ولو اعتقد أنه باطل قلنا هذا صادق لأنه طابَق الواقع، فالعبرة بمدلول اللفظ حكم اللفظ مع الواقع، مع ما في نفس الأمر، وأما اعتقاده فهذا لا يعتبر، يعني: ليس مؤثرًا في الصدق والكذب، وهنا قال المنافقون: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾. قال الله : ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. أُجِيبُ: أن المعنى نشهد شهادةً واقعت فيها قلوبنا ألسنتنا، فالتكذيب للشهادة لا للمشهود به، ... ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ كاذبون في ماذا؟ في الشهادة لأنهم قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾. ادَّعُوا الشهادة والشهادة لا تكون إلا بمواطئة القلب للسان واللسان للقب، كَذَبُوا أم لا؟
كذبوا في قولهم: ﴿نَشْهَدُ﴾، وإذا أجبنا عن هذه الآية فلا عبرة بمن تمسك بها.
ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: الفن الأول: علم المعاني.
وَعَرَبِيُّ اللَّفْظِ ذُو أَحْوَالِ ... يَأْتِي بِهَا مُطَابِقًا لِلْحَالِ
عِرْفانُهَا عِلْمٌ هُوَ المَعَانِي ... مُنْحَصِرُ الأَبْوَابِ فِي ثَمَانِ
هذا الفن الأول، علم المعاني الفن الأول من الفنون الثلاثة التي عنون لها أهل البيان بالبلاغة، وعرفنا أن مستند البلاغة ليست محصورة في هذه العلوم الثلاثة، بل اللسان العربي كله يشارك في ذلك.
стр. 56
إذًا الفن الأول من الفنون الثلاثة علم المعاني، والأنسب بلفظ العلم هنا في الترجمة أنه نفس الأصول والقواعد، يعني: القواعد التي هي المعاني، يعني عندنا قواعد في الفن وعندنا أصول كما هو الشأن في باب النحو، الفاعل مرفوع قاعدة، المفعول به منصوب قاعدة، مطلق الأمر للوجوب قاعدة الأصوليين هنا كذلك في علم المعاني ثَّم قواعد المراد هنا في هذه الترجمة نفس الأصول والقواعد، يدل على ذلك قوله: (مُنْحَصِرُ الأَبْوَابِ فِي ثَمَانِ) والذي ينحصر هو المعلوم، وهو الذي ينحصر لا العلم بمعنى الْمَلَكَة، لأنه لا ينحصر أو الإدراك.
علم المعاني، قدَّم علم المعاني على البيان لكون منه بمنزلة المفرد من المركب - كما سيأتي - يعني: علم البيان هو المعاني وزيادة، فعلم المعاني جزءٌ من علم البيان، فإذا كان كذلك صار مفردًا وصار البيان مركبًا، ومعلومٌ أن تقديم المفرد أو العلم بالمفرد على العلم بالمركبات هو السند الذي يقتضيه الطبع.
وقدّم الأول عند الوضع ... لأنه مقدمٌ بالطبع
إذًا المفردات تُعْلَمُ أولاً قبل المركبات، إذًا لكون منه بمنزلة المفرد من المركب - كما سيأتي - والمفرد مقدم على المركب طبعًا فقدم وضعًا ليوافق الوضع الطبع، ثم عرفه بقوله:
وَعَرَبِيُّ اللَّفْظِ ذُو أَحْوَالِ ... يَأْتِي بِهَا مُطَابِقًا لِلْحَالِ
(عَرَبِيُّ اللَّفْظِ) من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: اللفظ العربي ... (عَرَبِيُّ اللَّفْظِ) أي: اللفظ العربي، قَدَّمَ وأَخَّرَ فيكون من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، ما هو الصفة؟ (عَرَبِيُّ)، ما هو الموصوف؟ ... (اللَّفْظِ)، قدّّم الصفة على الموصوف ثم أضافها، قال: (عَرَبِيُّ اللَّفْظِ). إذًا من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: اللفظ العربي الموصوف بالفصاحة والبلاغة لا بد من هذا، وإلا كيف يكون كذلك إذا لم يكن موصوفًا بالفصاحة والبلاغة، إذًا (عَرَبِيُّ اللَّفْظِ) أطلقه وأراد به شيئًا معهودًا وهو اللفظ العربي احترازًا من غيره، ثانيًا: كونه موصوفًا بالفصاحة والبلاغة، وقيَّد اللفظ بكون عربيًا ليخرج غيره، فإنه إنما يتكلم في قواعد اللغة العربية (ذُو أَحْوَالِ)، (ذُو) (وَعَرَبِيُّ) هذا مبتدأ (ذُو) هذا خبر
أين المبتدأ وأين الخبر؟
وَعَرَبِيُّ اللَّفْظِ ذُو أَحْوَالِ ... يَأْتِي بِهَا مُطَابِقًا لِلْحَالِ
عِرْفانُهَا عِلْمٌ هُوَ المَعَانِي ... ........................
جملة (عِرْفانُهَا عِلْمٌ هُوَ المَعَانِي) هو الخبر، وأما (ذُو) هذا وصفٌ له وهو يريد الآن ماذا؟ أن يجعل لنا جنس، ثم يأتي بالفصل ثم يأتي بالفصل، الفصول كلها التي تأتي في الحدود أوصاف نعوت يعني، إذا قلت مثلاً: الكلام لفظٌ مفيد مركب بالوضع، كل لفظٌ هذا موصوف، مفيدٌ، مركب كلها صفات، تعتبر صفات، إذًا (ذُو) بمعنى صاحب (أَحْوَالِ) أي: أمورٍ عارضةٍ له من تقديمٍ وتأخيرٍ وتعريفٍ وتنكيرٍ وحذفٍ وذكرٍ وغير ذلك من ما يأتي بيانه، إذًا (ذُو أَحْوَالِ) يعني: صاحب (أَحْوَالِ)، والمراد بالـ (أَحْوَالِ) هنا الأمور العارضة، ما هي هذه الأمور العارضة؟
стр. 57
هي التي ستدرس في الأبواب الثمانية، تعرض على اللفظ، إما مفردًا، وإما جملةً، كالقصر والحصر، فحينئذٍ إذا كان مفردًا فقد يعتريه من الأحوال أن يُحذف، فالحذف وصفٌ له، حالٌ له، أمرٌ عارضٌ له، كذلك كونه نكرةً أو معرفةً، نقول: الوصف بالنكرة أمرٌ عارضٌ للفظ، ووصله بالتعريف أمرٌ عارضٌ للفظ، إذًا (ذُو أَحْوَالِ) أي: أمورٍ عارضة تَعْرِضُ للفظ من تقديمٍ وتأخيرٍ وتعريفٍ وتنكيرٍ وحذفٍ وذكرٍ مما سيأتي ذكره في هذا الفن.
(يَأْتِي بِهَا مُطَابِقًا لِلْحَالِ) (يَأْتِي) أي: ذلك اللفظ العربي (بِهَا) هذا جارٌ مجرور متعلق بقوله: (مُطَابِقًا). (يَأْتِي) حال كونه أي: اللفظ العربي (مُطَابِقًا) بتلك الأحوال للحالين، (بِهَا) أي: بتلك الأحوال متعلقٌ بقوله: (مُطَابِقًا). حال كونه (مُطَابِقًا لِلْحَالِ)، حالٌ من فاعل يأتي، أي: لمقتضى الحال، إن اقتضى الحال الحذف حُذِفَ، إن اقتضى الحال - وعرفنا الحال الأمر الداعي للتكلم على وجهٍ مخصوص - إن اقتضى الحال أن يكون اللفظ العربي مضمرًا أُضْمِرَ، إن كان اسم إشارة فحينئذٍ فذلك، وإذا كان موصولاً فهو كذلك، إذًا هذه الأحوال العارضة تكون مطابقةً للحال، واحترز به عن الأحوال التي ليست بهذه الصفة يعني: قوله (يَأْتِي بِهَا مُطَابِقًا لِلْحَالِ). يعني: مقتضى الحال، وهذا بيانٌ لأحوال اللفظ، واحترز به عن الأحوال التي ليست بهذه الصفة، فخرجت سائر العلوم لأن غير علم المعاني من العلوم لا يُبْحَث فيها عن أحوال اللفظ، النحو لا يبحث فيه عن هذا الموضع، وكذلك الصرف، وكذلك العروض مثلاً، أو متن اللغة، كلها لا يبحث فيها عن أحوال اللفظ من حيث الحذف والذكر، ومن حيث التقديم والتأخير.
من حيث إن اللفظ يطابق مقتضى الحال بل من حيثية غيرها، فخرج الصرف والنحو والبيان - علم البيان - والبديع والعروض.
(عِرْفانُهَا) أي: معرفة تلك الأحوال (عِرْفانُهَا) الضمير يعود إلى تلك الأحوال، والعرفان هنا مصدر كذلك مثل المعرفة، أو اسم مصدر عَرَفَهُ يَعْرِفَهُ مَعْرِفَةً وعِرْفَانًا بالكسر (عِرْفانُهَا) أي: معرفة تلك الأحوال أي: إدراك كل فردٍ فردٍ من جزئياتها (عِلْمٌ هُوَ المَعَانِي)، يعني: معرفة كل موضعٍ من هذه المواضع التي يُعنون لها بالأمور العارضة لللفظ، يعني: متى يُحْذَف المسند إليه؟ له أحوال، متى يذكر المسند إليه؟ له أحوال، متى يقدم؟ متى يؤخر؟ معرفة هذه الأحوال جزئياتها الوقوف عليها فردًا فَردًا يُسَمَّى علم المعاني، ولذلك قال: (عِرْفانُهَا). أي: معرفة تلك الأحوال أي: إدراك كل فردٍ فَردٍ من جزئيات الأحوال المذكورة بمعنى أي فردٍ يوجد منها أمكننا أن نعرفه بذلك العلم المشار إليه بقوله: (عِلْمٌ هُوَ المَعَانِي) (عِلْمٌ) أي: مَلَكَة يقتدر بها على إدراك جزئياتٍ لا أنها تحصل جملة واحدة، وإنما تحصل تباعًا (هُوَ المَعَانِي).
إذًا علم المعاني ما هو؟
علمٌ يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يُطابِق مقتضى الحال.
إذًا عندنا مطابقة مقتضى حال وعندنا لفظٌ عربي وله أحوال، معرفة هذه الأحوال وكونها مطابقةٌ لمقتضى الحال هو علم المعاني، وإذا عرفت أبوابه على جهة التفصيل يتضح لك المراد.
стр. 58
ويجوز أن يراد بقوله: (عِلْمٌ). أي: قواعد وأصول يُعرف بإدراكها أحوال اللفظ العربي .. إلى آخره. وهذا العلم كما قال ناظم هنا: ... (مُنْحَصِرُ الأَبْوَابِ فِي ثَمَانِ) يعني: إدراك هذا العلم على وجه الحقيقة هو إدراك هذه الأبواب الثمانية (مُنْحَصِرُ الأَبْوَابِ) من إضافة اسم الفاعل إلى فاعله، (فِي ثَمَانِ) أي: ثمانية أبواب لغةٍ من ثماني، وحذفت الياء لأجل الوزن ونحوها.
جمعها الأخضري في قوله:
إسناد مسندٌ إليه مسنَدُ ... ومتعلقات فعلٍ تورد
قصرٌ وإنشاءٌ وفصلٌ وصلٌ أو ... إيجاز إطناب مساواة رأوا
هذه ثمانية أبواب: إسناد، مسندٌ إليه، مسند، هذه ثلاثة أبواب وكلها متعلقة بالإسناد، وسيأتي معنى الإسناد لأنه يقتضي مسندًا ومسندًا إليه، فحينئذٍ البحث في هذه الأبواب من هذه الحيثيات العارضة للفظ العربي هو بحثٌ في علم المعاني.
ثم المسند وقد يكون فعلاً أو في ما معنى المفعل وله متعلقات، الذي هو المفعول به و .. و .. إلى آخره، فحينئذٍ يأتي الباب الرابع وهو البحث في متعلقات الفعل، ومتعلقات فعلٍ - إذا وقع مسند مثلاً - تورد.
قصرٌ قد يكون الكلام يراد به القصر وقد لا يراد به القصر، ما قام إلا زيدٌ هل يُؤَدَّى المعنى هذا بقولك زيدٌ قائمٌ مثلاً، ما يصلح، إذا أردت القصر حينئذٍ له أساليب، أين تبحث هذا الأساليب؟ في علم المعاني.
فإذا أريد القصر وعدم القصر حينئذٍ له بابٌ خاص وهو الباب الخامس: وإنشاءٌ، وهو ما يقابل الخبر كالطلب والاستفهام والبحث عنها، وهذا الباب السادس، وفصلٌ وصلٌ يعني: إذا كان الكلام مركبًا من جملتين فأكثر، حينئذٍ علاقة الجملة الثانية بالأولى هل بينهما علاقة أو لا، إن كان بينهما علاقة فهو الوصل، إن لم يكن بينهما علاقة حينئذٍ الفصل، متى تفصل؟ ومتى تصل؟ هذا البحث يكون في الباب السابع، وهو الفصل والوصل.
أو إيجازٌ إطناب مساواة، يعني: الكلام باعتبار المعنى إما أن يكون أزيد، وإما أن يكون أقل، وإما أن يكون أكثر [هل مساوٍ $ ١.١٥.٢٦]، فإن كان كثيرًا فهو الإطناب، إذا كان اللفظ أكثر من المعنى فهو الإطناب، وإذا كان أقل فهو الإيجاز، وإن كان مساويًا للمعنى فهو المساواة، وهو الباب الثامن، إذًا هذه ثمانية أبواب:
الباب الأول: الإسناد الخبري.
الباب الثاني: المسند إليه، يعني: أحوال المسند إليه.
الباب الثالث: أحوال المسنَد.
والرابع: متعلقات الفعل.
القصر الخامس.
الإنشاء هو السادس.
الفصل والوصل هو السابع.
والإيجاز والإطناب والمساواة هو الثامن.
ثم شرع في ما يتعلق بأول الأبواب، وهو أحوال الإسناد الخبري ونأتي عليه بعد الصلاة إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 59
عناصر الدرس
* الباب الأول: الإسناد الخبري.
* الغرض من الخبر.
* أحوال المخاطب وحكم كلٍ.
* الحقيقة والمجاز العقليان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
(الْبَابُ الأَوَّلُ: أَحْوَالُ الإِسْنَادِ الْخَبَرِيِّ)
هذا هو الباب الأول من الأبواب الثمانية التي نظمها هذا العلم، وهو علم المعاني حيث ذكر أنه (مُنْحَصِرُ الأَبْوَابِ فِي ثَمَانِ)، وأول الأبواب هذا ما يتعلق بالإسناد.
قال: (أَحْوَالُ الإِسْنَادِ الْخَبَرِيِّ). ثلاث كلمات لكل واحد منها محترز، و (الْخَبَرِيِّ) احترازًا عن الإنشائي، وهل أخرج الإنشائي وليس بداخل؟
ليس هذا المراد، وإنما مرادهم أن التركيز في هذا الموضع يكون على الخبر، ولذلك قصد، وليس فيه احترازًا عن الإنشاء. و (أَحْوَالُ) بمعنى أمور عارضة وهو جمع حال، يعني: صفات تَعْرِض على الإسناد. والإسناد مصدر أَسْنَدَ يُسْنِدُ إِسْنَادًا، والإسناد عند البيانيين كغيرهم نسبة حُكْمٍ إلى اسم إيجابًا أو سلبًا، نسبة حكم نسبة بمعنى إضافة، إذا قلت: زَيْدٌ قَائِم. أضفت إلى زيد القيام، نَسَبْتَ إلى زيد القيام، فزَيْدٌ منسوب إليه وقائم منسوب، والذي نسبته هو ثبوت القيام، نسبة حكمٍ، والحكم المراد به هنا على جهة الإجمال الخبر والفعل، لأنك إذا قلت: زَيْدٌ قَائِمٌ. أثبت لزيد مضمون لفظ قائم وهو القيام، إذا قلت في الجملة الفعلية: قام يقوم زيد. فنسبت إلى زيد القيام، فالفرق بين قام زيد ويقوم زيد أنك نسبت القيام في قام زيد إلى زيد في الزمن الماضي، ويقوم زيد نسبت القيام إلى زيد في الزمن الحال أو المستقبل، واضح هذا؟ إذًا نسبة حكمٍ أي: مضمون الخبر أو مضمون الفعل إلى اسم المراد به المبتدأ والفاعل أو نائب الفاعل، فإذا قلت: قَامَ زَيْدٌ. زَيْدٌ هذا فاعل إذًا نسبتَ حكم وهو القيام الذي دل عليه قام إلى زيدٍ، وزيد هذا من حيث المعنى مسنَد إليه، وهو الذي يعنيه البيانيون، كذلك إذا قلت: زَيْدٌ قَائِمُ، زيد عند البيانيين يُسَمَّى ماذا؟ مُسْنَدًا إليه، وعند النحاة مبتدأ، وعند المناطقة موضوع، ليس محمول، وعند الأصوليين محكومًا عليه، لأنه هو المكلَّف.
إذًا أربعة أسماء لمسمًّى واحد، نسبة حكم إلى اسمٍ وهو مبتدأ أو فاعل أو نائب فاعل إيجابًا أو سلبًا، إيجابًا يعني: إثباتًا. زَيْدٌ قَائِمٌ أليس كذلك؟ لَيْسَ زَيْدٌ قَائِمًا ما الفرق بينهما؟
كلاهما جملة اسمية إلا أن الأولى مثبته زَيْدٌ قَائِمٌ فيه إثبات قيام لزيد، لَيْسَ زَيْدٌ قَائِمًا فيه نفي القيام عن زيد أليس كذلك؟ مَا زَيْدٌ قَائِمٌ فيه نفي القيام عن زيد، حينئذٍ إيجابًا يعني: إثباتًا. أو سلبًا يعني: نفيًا، فالجملة الفعلية وكذلك الجملة الاسمية إما أن تكون موجبة وإما أن تكون سالبة، فإما أن يُثْبَتَ للمحكوم عليه وهو المسند إليه مدلول أو مضمون الخبر، أو ينفى عنه.
стр. 60
وهذا تعريف مشهور عند النحاة، وعند البيانيين المشهور أن الإسناد هو بمعنى ما سبق إلا أن فيه شيئًا من الإطالة، ضَمُّ كلمة أو ما يَجْرِي مجراها إلى أخرى بحيث يفيد الحكم بأن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى أو منتفي عنه، هو الأول لكن هذا فيه زيادة فلسفة، يعني: ضم كلمة هذا فيه نِسبة، نسبة حكم إلى اسم إذًا ضم كلمة إلى أخرى، كلمة واضحة إما اسم وإما فعل، طيب أو ما يجري مجراها يعني ما يكون في قوة الكلمة، وذلك فيما إذا وقع الخبر جملة زَيْدٌ قَائِمٌ، كلاهما مفردان ضممت كلمة إلى كلمة أخرى، طيب زَيْدٌ قَامَ أَبُوهُ، هل ضممت كلمة إلى كلمة أخرى؟ لا، وإنما ضممت جملة إلى كلمة، هنا قال: ضم كلمة أو ما يجري مجراها. يعني: ما يجري مجرى الكلمة يعني ما يكون في قوة الكلمة، والجملة الفعلية والاسمية إذا وقعت خبرًا فهي مأولة للمفرد، زَيْدٌ قَامَ أَبُوهُ في قوة قولك: زَيْدٌ قَائِمٌ أَبُوهُ. وَقَائِمٌ أَبُوهُ هذا مفرد، إلى أخرى يعني: إلى كلمة أخرى أو ما يجري مجراها بحيث يُفيد الحكم بأن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى بمعنى أن الإسناد إنما يكون باعتبار المفاهيم وهو كذلك، فإذا قلت: زَيْدٌ قَائِمٌ. عندنا أربعة أشياء زَيْدٌ لفظ مسمى زيد، قَائِمٌ لفظ مسمى قائم، فأنت إذا أخبرتَ عن زيد بكونه قائمًا هل أخبرت عن اللفظ باللفظ؟ هل أخبرت بمضمون قائم عن لفظ زيد؟ لا، لأنك إذا قلتَ: أخبرتَ عن اللفظ. حينئذٍ قلت: زَيْدٌ قَائِمٌ. لفظ الزيد لفظ زيد هو قائم وليس هذا المراد، وإنما المراد مسمى زيد ذاته، لأن عندنا اسم وعندنا مُسمّى، الاسم يكون باللسان لفظ زيد، مسمى الشخص نفسه الذات # ٦.٤١ ... مسمى زيد، إذا قلت: قَائِمٌ. أثبت القيام لزيد أو لمسماه؟ لمسمى زيد، كذلك إذا قلت: قَائِم. هل أثبت لزيد الذي هو مسمى زيد لفظ قائم أو ما دل عليه قائم؟
ما دل عليه قائم. انتبه لهذه الاعتبارات.
إذًا قال هنا بأن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى، فالاعتبار ليس باللفظ وإنما بما دل عليه اللفظ، فإذا أخبرت زيد قائم أي: مُسمَّى زيد ثابت له مدلول قائم، مضمون قائم ثبت بمدلول زيد، الذي هو وصف القيام هو ذات زيد وليس هو لفظ زيد، إذًا هذا هو الإسناد.
الإسناد يقتضي مُسْنَدًا ومُسْنَدًا إليه، لأن عندنا كلمتين نسبة حكم إلى اسم، إذًا عندنا نسبة وهي الأصل في الإسناد، وهذه النسبة تقتضي بأن توجد، كيف توجد؟ لا بد أن توجد بين لفظين، فأحد اللفظين يسمى مسندًا إليه وهو المحكوم عليه، واللفظ الآخر يسمى مُسندًا، وهنا التسمية باعتبار الألفاظ في عرف النحاة.
قال الناظم:
إِنْ قَصَدَ المُخْبِرُ نَفْسَ الحُكْمِ ... فَسَمِّ ذَا فَائِدَة وَسَمِّ
إِنْ قَصَدَ الأِعْلاَمَ بِالْعِلْمِ بِهِ ... لاَزِمَهَا ...............
العاقل إذا تكلم هنا اشترط العاقل ولا لا، إذا تكلم بكلام ما فله فائدتان، يعني في الجملة ماذا أراد بكلامه؟
стр. 61
إما أن يريد إفادة المخاطَب، أنت ما تعلم زيد مسافر ما تدري جئتَ قلتُ لك: زَيْدٌ مُسَافِر، أَوْ سَافَرَ زَيْد. ما المراد بهذا الخطاب بهذا الخبر، إفادة المخاطَب مدلول اللفظ، بمعنى أنه لا يدري عن سفر زيد قلتُ له: زَيْدٌ سَافَرَ. هذا يسمى ماذا؟ يسمى إفادة المخاطَب نفس الحكم الذي دلّ عليه زَيْدٌ سَافَرَ.
النوع الثاني: لا يُراد بالخبر إفادة المخاطَب، لأنه يعلم مدلول اللفظ، لكن ثَمَّ أمر آخر يشير إليه المتكلِّم بكلامه، وذلك فيما إذا أراد أن يُخْبِرَ المخاطَب بأنه يعلم الحكم كما علمه المخاطَب زيد يكون عندك في البيت تعلم أن زيد عندك أو لا؟ تعلم قطعًا موجود في البيت فأقول لك: زَيْدٌ عِنْدَكَ الْبَارِحة تَعَشَّى عِنْدَك. أنت تدري أو لا تدري؟
تدري قطعًا، إذًا إخباري لم يُقْصَد به إفادة المخاطَب مدلول اللفظ وإنما أراد به لازم الفائدة. وهي إذا قلت: زيد عندك يعني: أعلم أن زيدًا عندك كما تعلم أنت بأن زيد عندك، إذًا هذا يُسِمَّى ماذا؟ ليس فيه فائدة المخاطَب بمدلول اللفظ وإنما بلازم اللفظ.
هاتان فائدتان، فمن المعلوم أن العاقل إذا قصد بخبره إفادة المخاطب حينئذٍ إما أن يقصد نفس الحكم يعني الذي دل عليه اللفظ زَيْدٌ قَائِمٌ إذا أخبر من لا يعلم بقيام زيد، وهذا هو الأصل في الكلام، أو كون المتكلِّم والمخبِر عالمًا بالحكم كقولك لمن زيد عنده ولا يعلم أنك تعلم ذلك: زَيْدٌ عِنْدَك. هو يعلم أنه عنده في البيت ولكنك تقول: زَيْدٌ عِنْدَك. بمعنى أني أعلم ما تعلمه أنت وهو أن زيد عندك هذا يسمى الثاني لازم الفائدة.
وهذا الذي عناه الناظم من قوله: (إِنْ قَصَدَ المُخْبِرُ نَفْسَ الحُكْمِ). يعني: بإخباره (فَسَمِّ ذَا) أي: المقصود الكلام أو الخبر. (فَائِدَة) فائدة الخبر، (وَسَمِّ) (لاَزِمَهَا) الضمير يعود للفائدة متى؟ إن قصد الإعلام بالعلم به، واضح هذا؟
إذًا كل عاقل إذا تكلم فالأصل فيه أنه لا يخرج عن هاتين الفائدتين.
نقول: العاقل لماذا؟ لأن النائم قد يقوم فيتكلم وكلامه لا يفيد المخاطَب ولا لازم الفائدة، والمجنون إذا تكلم كذلك لا يفيد المخاطَب ولا يفيد لازم الفائدة.
стр. 62
إذًا قول الناظم: (إِنْ قَصَدَ المُخْبِرُ - بخبره - نَفْسَ الحُكْمِ). أي: الحكم نفسه (نَفْسَ الحُكْمِ) من إضافة الصفة إلى الموصوف، والمراد بالحكم هنا وقوع النسبة أو لا وقوعها، الذي هو المحكوم به إطلاقًا للمصدر على اسم المفعول مجازًا، كقولك: زَيْدٌ قَائم. لمن لا يعرف أنه قائم فهو حكم أفاد فائدة لم تكن عند المخاطَب، إذا أفدت المخاطَب فائدة ليست عنده هذا هو النوع الأول، (فَسَمِّ ذَا فَائِدَة)، الفاء هذه واقعة في جواب الشرط ... (إِنْ قَصَدَ) (فَسَمِّ) الفاء هذه واقعة الجواب الشرط، و (ذَا) اسم إشارة للمفرد في محل نصب مفعول أول لـ (سَمِّ)، و (فَائِدَة) هذا مفعول ثانٍ، لأن (سَمِّ) هذا يتعدى إلى مفعولين فينصب الأول بنفسه وقد يتعدى إلى الثاني بنفسه أو بالباء، سميت ولدي محمدًا، سميت ولدي بمحمدٍ يجوز فيه الوجهان، (فَسَمِّ ذَا فَائِدَة)، إذًا (ذَا) في محل نصب مفعول أول لـ (سَمِّ)، ومفعوله الثاني (فَائِدَة)، والمشار إليه بقوله: (ذَا) أي: هذا الحكم الذي يُقصد بالخبر إفادته (فَائِدَة) أي: فائدة الخبر.
إذًا هذا هو النوع الأول الذي يكون مقصودًا للمتكلِّم العاقل.
(وَسَمِّ إِنْ قَصَدَ) المخبِر بخبره (الأِعْلاَمَ) أي: إعلام وإخبار المخاطَب (بِالْعِلْمِ بِهِ) أي: بالعلم بأن المتكلم عالم بالحكم، يعني: ليس ثَمَّ قصد للمتكلم أن يخبر المخاطب بشيء لا يعلمه، لأنه يعلمه باعتباره هو المخاطَب من حيث إفادة الحكم هذا من باب تحصيل الحاصل، تقول: زيد عندك. أنت تعلم أن زيد عندك. إذًا نقول: هذا من باب تحصيل الحاصل، والأصل فيه أن الكلام يكون لغوًا، لكن لَمَّا رُوعِيَ فيه اللازم وهو إفادة المخاطَب أني أعلم ما تعلمه أنت صار فيه فائدة، لكنها ليست من ذات اللفظ، فذات اللفظ يدل على النسبة فقط قيام زيد ثابت أو القيام ثابت لزيد، كونه يعلم يعني: المتكلِّم بمدلول الخبر وهو إعلام المخاطَب بذلك هو شيء خارج، واللازم كما مر معنا أنها شيء خارج عن مدلول اللفظ، (الأِعْلاَمَ) أي: إعلام وإخبار المخاطَب بالعلم به أي: بالعلم بأن المتكلم عالم بالحكم كقولك لمن زيد عنده [يعلم ويعلم نعم أنك أو] (١) لا يعلم أنك تعلم ذَلِكَ زَيْدٌ عِنْدَه (لاَزِمَهَا) أي: لازم فائدة الخبر مفعول يُسَمَّي وجواب إن محذوف، يعني: قصد الإعلام بالعلم به (فَسَمِّ) لازمها، يعني لازمها هذا متعلق (سَمِّ) مفعول به، طيب أين الجواب إن قصد الإعلام بالعلم به فسمه لازمها؟
تُقَدِّرُ له جوابًا محذوفًا لأنه أَخَّرَ المفعول به وقدَّم العامل (سَمِّ) ووسط بينهما بين العامل والمفعول به جملة (إِنْ قَصَدَ الأِعْلاَمَ بِالْعِلْمِ بِهِ)، (بِالْعِلْمِ بِهِ) يعني: بمدلول الخبر، فإذا كان كذلك فسمها لازمها، أي: لازم فائدة الخبر مفعول (سَمِّ) وجواب إن محذوف كما ذكرنا.
والحاصل: أن قَصْدَ الْمُخْبِر بخبره إفادة المخاطَب أحد أمرين:
إما الحكم الذي ضمنه الخبر، وهو النسبة محكوم بها ويسمى فائدة الخبر وهو الأصل في الكلام.
وإما كون المخبر عالمًا بالحكم، ويسمى لازم فائدة الخبر.
стр. 63
هذا هو الأصل في الكلام. يعني: لا يخرج عن هذين الأمرين، وقد يراد الخبر لغير هذين الأمرين يعني: قد يأتي الخبر ولا يراد به فائدة الخبر ولا لازمها ويراد به شيء آخر، فالحصر حينئذٍ حصر أغلبي، قد يراد بهذا التركيب غير إفادة المخاطَب العلم بمدلول اللفظ أو بلازم الفائدة، فيرجع حينئذٍ إلى قاعدة كما نص على ذلك الخطيب القزويني في ((الإيضاح)) وهي: أن العالم قد يُنَزَّلُ منزلة الجاهل، متى؟ لعدم جريانه على موجوب العلم بالعمل به، الأصل في العلم أنه يقتضي العمل، ولا يكون العلم محمودًا إلا إذا قارنه العمل، فإن انتفى العمل ووجد العمل، فالجاهل والعامل سواء في مرتبة واحدة، من يَعْلَمُ ولا يَعْمَلُ هو والجاهل سواء طبعًا ليس في الحكم الشرعي لأن العالم يعاقب، والجاهل قد يُعْذَر وقد لا يُعْذَر، المراد هنا في الخطاب، فحينئذٍ يستوي الجاهل والعالم، فيلقى إليه الخبر كما يلقى إلى الجاهل وإن كان عالمًا به فنسوي بينهما في الخبر، كقولك لمن يعق أباه وهو يعلم أنك تعلم أنه أبوه: زَيْدٌ أَبُوكَ. تقول للابن: زَيْدٌ أَبُوكَ. هو يعلم أو لا يعلم أنه أبوه؟ يعلم، هل هناك فائدة أو ما يسمى بفائدة الخبر؟ الجواب: لا، إلا إذا كان الابن ضائعًا وقال: هَذَا أَبُوكَ. حينئذٍ جاءت فائدة الخبر ... (لاَزِمَهَا) إذا لم يكن المخاطَب يعلم أني أعلم أنه أبوك سار لازم الفائدة ونقيد هذا المثال بماذا؟ إذا كان المخاطَب يعلم أني أعلم أنه أبوه، تقول في: زَيْدٌ أَبُوكَ فَأَحْسِن إِلَيْه. هنا انتفى عندنا الأمران، ليس عندنا فائدة الخبر، ولا لازم فائدة الخبر، لماذا خوطب بهذا بِهذا التعبير؟ زَيْدٌ أَبُوكَ؟ لأنه لعدم إحسانه إلى أبيه انتفى العمل بالعلم، لأنه بعلمه أنه أبوه يقتضي البر، فلما انتفى البر الذي هو العمل حينئذٍ نُزِّلَ العالم والجاهل في مرتبة واحدة، زَيْدٌ أَبُوكَ فَأَحْسِن إِلَيْه فيعامل معاملة الجاهل لأبوته لعدم عمله بمقتضى علمه، فمن لم يعمل بما عَلِمَ هو والجاهل سواء فيخاطب العالم بخطاب الجاهل، وقد ينتفي عنه الفائدان لأمر آخر ليس بما سبق، ككلام العباد مع ربهم هذا، لا، ليس فيه فائدة الخبر ولا لازم الفائدة، قطعًا هذا أليس كذلك؟ ولذلك قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾. لما يخاطب الله ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ ليس فيه فائدة الخبر وليس فيه لازم الفائدة، إنما من باب إظهار الفقر والتذلل، له فائدة أخرى ليست هي المذكورة ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] الله يعلم أنها وضعتها أنثى ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٣٦] والله يعلم ذلك ﴿إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] نقول: خطاب العباد مع الله تعالى ليس فيه إفادة المخاطب بمدلول الخبر، وليس فيه لازم الفائدة، وإنما له نكتة تختص به في موضعه.
стр. 64
فإذا تقرر هذا وعرفت أن القصد بالخبر أحد الأمرين السابقين وأن العالم قد يُنَزّل مُنَزَّلة الجاهل فينبغي للمتكلم حينئذٍ إذا تكلم أن يقتصر من التركيب على قدر الحاجة، إما أن تأتي بألفاظ لإفادة الخطاب أو المخاطب شيئًا ليس عنده، أو بما يدل على أنك عالم بما يعلمه المخاطب، وما زاد على ذاك فهو لغو، يعتبر لغو زيادة على الكلام، نقول: يعتبر لغوًا.
فالأصل فيه أن يقتصر من التركيب على قدر الحاجة في إفادة الحكم أو لازم الحكم، فلذا قال الناظم: (وَلِلْمَقَامِ انْتَبِهِ). إن كان المقام يقتضي إفادة المخاطب فحينئذٍ تأتي بألفاظ تفيد الخطاب فقط ولا تزد، وإن كان المراد إفادته لازم الفائدة فحينئذٍ تأتي بألفاظ تدل على ذلك ولا تزد، ... (وَلِلْمَقَامِ انْتَبِهِ) أي: مقام التخاطب (انْتَبِهِ) أمر من انْتَبَهَ يَنْتَبِهُ والانتباه هو التيقظ يعني: تيقظ لذلك.
ثم ذكر مما يناسب المقام ولا يزد ولا يُنْقِص ما يسمى بأَضْرُبِ الخبر، أَضْرُب الخبر ثلاثة:
ابتدائي، طلبي، إنكاري.
الابتدائي له موضع، والطلبي له موضع، والإنكاري له موضع.
إِنْ ابْتِدَائِيًّا فَلاَ يُؤَكِّدُ ... أَوْ طَلَبِيًّا فَهْوَ فِيهِ يُحْمَدُ
وَوَاجِبٌ بِحَسَبِ الأِنكَارِ ... .............................
بيت ونصف اجتمع فيه أضرب الخبر الثلاثة، مشهورة عند البيانيين، ... (إِنْ ابْتِدَائِيًّا) إن شرطيًا (ابْتِدَائِيًّا) خبر كان أو يكن محذوف مع اسمها لأن إن لا يليها الاسم البتة، لا يليها اسم فإن جاء مرفوعًا حينئذٍ قلنا هذا فاعل لفعل محذوف أليس كذلك؟ أو نائب فاعل، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] ﴿وَإِنْ أَحَدٌ﴾ أحد جاءت بعد إن ﴿وَإِنْ﴾ في لسان العرب لا يتلوها الاسم المرفوع البتة، فإن كان كذلك حينئذٍ لا يعرب مبتدأ خلافًا لمن جوز ذلك فإنه لا يعرب مبتدأ، فحينئذٍ نقول: ... ﴿أَحَدٌ﴾ فاعل لفعل محذوف إن استجارك أحد، وقد يكون نائب فاعل ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] ﴿كُوِّرَتْ﴾ هي نائب فاعل ﴿إِذَا الشَّمْسُ﴾ ﴿الشَّمْسُ﴾ هذه إيش إعرابها؟ نائب فاعل ما الذي دلك على ذلك ﴿كُوِّرَتْ﴾، كُور هذا مغير الصيغة إذًا إذا كورت الشمس هذا الأصل لماذا؟ لأن إذا شرطية ولا يتلوها إلا الفعل، إن جاء بعد إن أو إذا اسم منصوب حينئذٍ الغالب تجعله خبرًا لكان المحذوفة مع اسمها وهذا الذي عناه ابن مالك في قوله: ويحذفونها. يعني: كان.
ويحذفونها ويبقون الخبر ... وبعد إن ولو كثيرًا ذا اشتهر
«التمس ولو خاتمًا». «خاتمًا» ما الناصب له؟ تقول: خبر كان، أين كان؟ تقول: كان راحت في خبر كان [ها ها]. يعني: حُذفت التمس ولو كان الملتَمَسُ خاتمًا، ولو كان كَان حذفت والملتمس هذا اسمها محذوف معها.
стр. 65
هنا قال: (إِنْ ابْتِدَائِيًّا). يعني: إن كان المخاطب خالي الذهن من الحكم والتردد فيه فالمقام حينئذٍ يكون ابتدائيًا، لا بد من تقدير في الجملة كلها (إِنْ ابْتِدَائِيًّا) إن يكن المخاطب خالي الذهن، خالي الذهن من ماذا؟ من الحكم ومن التردد فيه، فإذا انتفى هذان الأمران الحكم أصالة ما يدري عن الخبر من أصله، أو التردد بأن يدري لكنه لم يجزم، فحينئذٍ فالمقام يسمى ابتدائيًّا، ما حكمه؟ (فَلاَ يُؤَكَّدُ) الفاء هذه واقعة في جواب الشرط لا يُؤَكَّدُ يعني: الخبر. لا يؤكد الخبر يعني: لا تأتي بمؤَكِّدٍ من المؤكِّدات.
فإن تخاطب خال الذهن من حكم ومن تردد، فالتغني عن المؤكدات، زَيْدٌ قَائِمٌ، هو ما يدري قيام زيد، ما يدري عن الموضوع من أصله، قَامَ زَيْدٌ، زيْدٌ قَائِمٌ، حينئذٍ لا يؤكد له، إذا أكدت حينئذٍ لم يطابق الكلام مقتضى الحال انتفت البلاغة، إنسان ما يدري عن زيد قائم واللهِ الَّذِي لا إِلَه غَيْرُه زَيْدٌ قَائِمٌ، نقول: هذا ما يصح. لماذا؟
لأنك أكدت لخال الذهن، وخال الذهن الذي لا يتصور الخبر من أصله، حينئذٍ لا يؤكد. إذًا إن كان ابتدائيًّا وصفة الابتدائي أن المخاطب يكون خالي الذهن، ذهنه صافي من ماذا؟ من الحكم ومن التردد فيه، (فَلاَ يُؤَكَّدُ) يعني له الخبر لتمكن الحكم في الذهن حيث وجده خاليًا، وخالي الذهن من الحكم بإثبات أحد طرفي الخبر الآخر أو نفيه عنه، وذلك بأن لا يكون عالمًا بوقوع النسبة أو لا وقوعها، يعني: ما يدري لم يتصور الطرفين، لم يخطر بباله لا زيد ولا لفظ قائم.
وأما المتردد في أن النسبة هل هي واقعة أم لا؟ تصور زيد وتصور قائم لكن لا يدري هل ثبت القيام لزيد أم لا؟ مات زيد شاع ولا يدري تصور الموت ويتصور زيد لكن لم يتثبت هذا يسمى ماذا؟ متردد ولذلك سمعت أنا بالخبر لكن لست جازمًا هذا يسمى مترددًا، وإذا لم تسمع أصلاً يسمى خالي الذهن، والمتردد في أن النسبة هل هي واقعة أم لا، وذلك بأن يكون متصورًا لطرفي الخبر والنسبة، مترددًا في كيفية استناد أحدهما إلى الآخر طالبًا لها، يعني: يريد التأكيد، فلا يؤكد الخبر لخال الذهن من الحكم والتردد فيه بشيء من المؤكدات وهي: إن، واللام، واسمية الجملة، وتكريرها، ونون التوكيد .. وغير ذلك من المؤكدات، كقولك: زَيْدٌ قَائِمٌ. لمن هو خال الذهن من ذلك ليتمكن في ذهنه لمصادفته خاليًا، لأن خلو الذهن عن الشيء يوجب استقراره، يعني: لا يحتاج ليس هناك ما يُدَافِعُهُ يعني: الذي عنده شيء إذا سمع الخبر عنده منازعة يحتاج إلى تعطيه مؤكِّدًا أو مؤكديْنِ، أما خالي الذهن الذي لا يتصور هذا ما يحتاج ليست عنده منازعة، فهذا هو الضرب الأول من أضرب الكلام وهو الخبر وهو الابتدائي وسمي به لأنه لم يسبق عليه من المخاطَب بشيء من الطلب والإنكار فقد ألقي ابتدائيًّا.
стр. 66
(أَوْ طَلَبِيًّا) أو كان المقام (طَلَبِيًّا) نسبة إلى الطلب كما أن ابتدائيًّا نسبة إلى الابتداء، بأن تخاطب من كان متردِّدًا في الحكم يعني: تصور الطرفين والنسبة، تصور زيد وتصور قيام زيد ونسبة القيام لزيد، لكن شك في وتردد في هل النسبة واقعة بالفعل أم لا، أليس كذلك؟ حينئذٍ يسمى متردِّدًا، بأن تخاطب من كان متردِّدًا في الحكم بأن حضر في ذهن طرفا الحكم والنسبة وتحير في أن الحكم بينهما وقوع النسبة أو لا وقوعها، وكان طالبًا للحكم ليعلمه هل هو سلب أم إيجاب (فَهْوَ فِيهِ يُحْمَدُ) الفاء وقع في جواب الشرط، ومرجع الضمير التوكيد المفهوم من قوله: (يُؤَكَّدُ). يجوز أو لا يجوز؟
يجوز من باب ﴿اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ﴿اعْدِلُواْ هُوَ﴾ أي: العدل. (فَلاَ يُؤَكَّدُ) هو (فَهْوَ) أي: التوكيد (فِيهِ) في الطلب لهذا النوع (يُحْمَدُ) أي: محمود. أي: حسن كما يعبر البيانيون، (فَهْوَ) الفاء وقع في جواب الشرط ومرجع الضمير التوكيد المفهوم من قوله: (يُؤَكَّدُ)، من باب ﴿اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، (فِيهِ) أي: في المقام الطلبي الضمير يعود إلى مقام الطلب يُحْمَدُ أي: يَحْسُنُ. هذا عبارة البيانيين يَحْسُنُ، (يُحْمَدُ) أي: توكيده. أي: يحسن توكيد بمؤكد واحد، واحد فقط، تأتي بمؤكد واحد بأن تدخل في كلامك إن أو اللام أو غيرهما ليزيل ذلك التأكيد تردد المخاطب ويتمكن الحكم في ذهنه، فحينئذٍ لو كان عنده شيء من التردد لا يصلح أن تقول له: زَيْدٌ قَائِمٌ. فلو قلت له: زَيْدٌ قَائِمٌ. وعنده شيء من التردد نقول: هذا لم يطابق مقتضى الحال ليس كلامًا بليغًا، وإنما تقول له: إِنَّ زَيْدًا قَائمٌ. حصل ماذا؟ هل ثَمَّ فرق بين قولك: زَيْدٌ قَائِمٌ. وقولك: إِنَّ زَيْدًا قَائِمٌ؟ تقول: نعم. الأول خالي عن التأكيد فيلقى لخال الذهن، والثاني مؤكَّدًا بمؤكِّد واحد فإذا كان المخاطَب متردِّدًا في الحكم طالبًا له فحينئذٍ صار (طَلَبِيًّا). وقول الناظم: (يُحْمَدُ). يفهم منه أن التأكيد في هذه الحالة ليس بواجب إنما محمود وحسن، والأمر ليس كذلك، اللهم إلا أن يقال: إن قوله (يُحْمَدُ) شاملٌ للوجوب وغيره فلا يدل على الوجوب بخصوصه، هذا كالشرع الواجب محمود، والمندوب كذلك محمود، الواجب حسن وكذلك المندوب حسن، فاللفظ فيه إجمال، فقوله: (يُحْمَدُ). مراد به أنه واجب، فالمراد أن تقوية هذا المقام في هذه الحالة واجب لكنه لم يعبر بالوجوب لأنه عبر في قوله:
стр. 67
(وَوَاجِبٌ بِحَسَبِ الأِنكَارِ). وعبر بقوله: (يُحْمَدُ). ليدل على أن هذا وجوبه أقل من وجوب الإنكار، فلذلك عدل عن التعبير بالواجب، وإلا الأصل أن يقول: وطلبيًّا فهو فيه يجب. يجب فهو واجب، لكن لما كان وجوبه أقل من وجوب التأكيد الإنكاري عَبَّر عنه بـ (يُحْمَدُ)، فالمراد أن تقوية في هذه الحالة واجب وجوبًا ما غير بالغ إلى الغاية لكن عبر عنه بـ (يُحْمَدُ) تنبيهًا على أن هذا الوجوب ليس بالقوة كوجوبه إذا كان الكلام مع المنكِر، وذلك كقولك لمن يتردد في قيام زيد: لزيد قائم إن زيدًا. تأتي بمؤكد ولو كررت كذلك لا بأس زيد قائم زيد قائم، أكدت بالتكرار وهو نوع من أنواع التوكيد، فهذا هو الضرب الثاني من ضروب الكلام وهو الطلب، سُمِّيَ به إذ هو مسبوق بطلب المخاطَب بلسان الحال أو المقال.
(وَوَاجِبٌ بِحَسَبِ الإِنكَارِ) هذا النوع الثالث، إن كان المخاطب منكِرًا للحكم يعني: [يعتقد] (١) تصور الطرفين والنسبة واعتقد مدلول ما تخاطبه بعكسه، يعني: تصور قيام زيد، زَيْدٌ قَائِمٌ واعتقد خلافه، هذا يُسمَّى ماذا؟ منكِرًا للحكم حاكمًا بخلافه، وهذا وَجَبَ توكيده، ولذلك قال: (وَوَاجِبٌ). يعني: توكيده (بِحَسَبِ الإِنكَارِ)، (وَوَاجِبٌ) يعني: وجب توكيد (بِحَسَبِ الإِنكَارِ) قوة وضعفًا، يعني: إذا قوي الإنكار جئت بمؤكدَيْنِ، إن ازداد الإنكار جئت بمؤكد واحد [$ هل فيه شيء هنا $ ٣٢.٥٥]، إن ضعف الإنكار جئت بمؤكد واحد، إذًا (بِحَسَبِ الإِنكَارِ) يعني: قوة وضعفًا لأن الجملة قد يجتمع فيها مؤكِّدان فأكثر، وَاللهِ إِنَّ زَيْدًا لَقَائِم كم مؤكد؟ والله، إن، ل اللام زيدًا قائم جملة اسمية أربع مؤكدات، متى هذا تقول: وَاللهِ إِنَّ زَيْدًا لَقَائِم؟ إذا بلغ الإنكار غايته بمعنى أنه إذا بلغ قوة يحتاج إلى الزيادة في التوكيد، (بِحَسَبِ الإِنكَارِ) قوة وضعفًا، أي: بحسب رسوخه في اعتقاد المخاطب وعدمه فإن ضعف إنكاره بحيث يمكن إزالته بسهولة، حينئذٍ يكتفي بمؤكد واحد، فإذا أكَّده بمؤكِّد واحد حينئذٍ استوى مع الطلب، [نعم] والذي يُمَيِّزُ هذا عن ذاك حال المخاطَب فإن كان الكلام مؤكَّدًا بمؤكِّد واحد قال قائل: إِنَّ زَيْدًا قَائم. هذا يحتمل أنه طلبي ويحتمل أنه إنكاري، ما الذي يميز هذا عن ذلك؟
المخاطَب، فإن كان المخاطب مترددًا في الحكم فهو طلبي، وإن كان منكِرًا للحكم حاكمًا بخلاف فهو إنكاريٌّ، لكن إِنَّ زيدًا لقائم، هذا إنكاري قطعًا لأن المؤكِّدَيْنِ فأكثر إنما يكون في الإنكار، فحينئذٍ إذا ضَعُفَ الإنكار اكْتُفِيَ بمؤكِّدٍ واحد، وإن توقع ذلك #٣٤.٥٧ جئت له بمؤكِّدَيْنِ .. وهكذا، كلما ازداد في الإنكار زدت في التوكيد إزالة له.
لو قال قائل: أنا صادق، إني صادق، إني لصادق، والله إني لصادق.
أنا صادق. لمن؟ لخالي الذهن.
إني صادق هذا مؤكد بكم؟ مؤكِّد واحد وهو: إن. إني صادق يجوز أن يكون لمتردد ولمنكر ضعيف الإنكار.
إني لصادق كم مؤكد؟ إن واللام، هذا للمنكر لكنه وسط.
стр. 68
والله إني لصادق، هذا لشديد الإنكار، وإذا زدت والله الذي لا إله غيره [ها ها] حينئذٍ تؤكد له ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ انظر هنا إنكاري ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا﴾ يعني: الرسل. ﴿إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٣، ١٤] كم مؤكد؟ ﴿إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾ كم مؤكد؟
مُؤَكِّدِيْنِ، أتى بمُؤَكِّدِيْنِ، الأول ﴿إِنَّا﴾ والثاني اسمية الجملة، ﴿قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ بعد ما أكدوا لهم بمؤكدين زاد الإنكار ﴿قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٥، ١٦] ماذا زاد عن الجملة الأولى؟ ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ قالوا: هذا - كما قال الزمخشري - فيه قوة القسم، كأنهم قالوا: والله. ﴿يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ زادوا اللام، لما تَكَرَّرَ منهم الإنكار زادوا لهم يعني الرسل في المؤكدات فقوله: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ جاري مجرى القسم في التأكيد كما ذكره الزمخشري في كشافه، وإنا واللام واسمية الجملة، وذلك لمبالغة المخاطبين في الإنكار، فهذا هو الضَّرْبُ الثالث من ضُرُوبِ الخبر وهو الإنكار أو الذي يسمى الإنكاري وهو الملقى إلى المنكر، سُمِّيَ به إذ هو مسبوق بإنكار المخاطَب. هذه أنواع وأَضْرُب الخبر.
(إِنْ ابْتِدَائِيًّا فَلاَ يُؤَكِّدُ) إن كان ابتدائيًّا خال الذهن فالحكم أنه لا يؤكد له مطلقًا، فإن أُكِّدَ له حينئذٍ خرج عن حد البلاغة.
(أَوْ طَلَبِيًّا فَهْوَ فِيهِ) يعني: في هذا الطلب (يُحْمَدُ) يعني: يجب، لكن الوجوب هنا أقل من الإنكار.
(وَوَاجِبٌ) يعني: واجب تأكيده للمخاطَب بمؤكِّد واحد فأكثر ... (بِحَسَبِ الأِنكَارِ) قوة وضعفًا.
إخراج الكلام على هذه الوجوه - إذا طبقنا الأحكام السابقة - يسمى إخراجًا على مقتضى الظاهر، إخراج الكلام من المتكلم عندما تكلم بأنا صادق، إني صادق، والله إني لصادق، إذا أخرجته باعتبار المخاطَب يعني: هل هو خالي الذهن، متردِّد، وعاملت كل شخص بما هو أهله يُسمَّى إخراجًا للكلام على مقتضى الظاهر من خلوه من التأكيد في الأول الابتدائي، والتقوية بمؤكد استحسانًا على جهة الايجاب في الثاني، ووجوب التوكيد (بِحَسَبِ الأِنكَارِ) في الثالث.
قد يُخَالَف نعكس، نخاطِب خالي الذهن بمؤكِّد، نعامل المنكر معاملة خالي الذهن لكن لنكتة لفائدة، إذا لم يكن لفائدة أو لنكتة مقصودة فهو منتفٍ، يعني: وصف البلاغة عنه منتفٍ، قد نعامل خالي الذهن معاملة المنكِر، وقد نعامل المنكِر معاملة خالي الذهن، فإذا عاملنا خالي الذهن معاملة المنكِر أكَّدنا له .. # ٣٩.٢٨، وإن كان الأصل أنه لا يُؤَكَّد له، قد يعامل المنكِر معاملة خالي الذهن فلا يؤكد له، هذا متى؟ إذا خرج الكلام على غير مقتضى الظاهر، واضح هذا؟
стр. 69
الأضرب الثلاثة السابقة بالأحكام السابقة إن أكدنا للمنكِر أو المتردِّد لا إشكال فيه، تركنا التأكيد لخالي الذهن هذا هو الأصل، قد نعكس ونعامل خالي الذهن بمعاملة المنكِر أو بالعكس هذا يسمى خروجًا عن مقتضى [أو على مقتضى الظاهر] (١) على غير مقتضى الظاهر، إذًا قد يُخَالَف ويخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر كما ذكره الناظم بقوله: (وَيَحْسُنُ التَبْدِيلُ بِالأَغْيَارِ). أي: تبديل ما يقتضيه الظاهر (بِالأَغْيَارِ) جمع غَير يعني بغيره، يعني: تبدل الخطاب لخالي الذهن بالخطاب للمنكر، وَتُبْدِل أو تُبَدِّل الخطاب للمنكِر بالخطاب لخالي الذهن، وهذا كثير حتى في القرآن ... (وَيَحْسُنُ التَبْدِيلُ) أي: تبديل ما يقتضيه الظاهر (بِالأَغْيَارِ) أي: بغير ما يقتضيه الظاهر، فحينئذٍ يُورِدُ الكلام الملقى إلى خالي الذهن عن النسبة كما يلقى إلى المتردِّد فيها، فيَصُبُّ أو يُصَبُّ لها الكلام في قالب واحد، فيلقى الكلام مؤكدًا إلى خال الذهن كما يلقى للمتردّد، وذلك إذا قدَّم له ما يُلَوّح بالخبر فتستشرف له نفسه استشراف المتردد الطالب حينئذٍ يحسن له أن يؤكد، بمعنى أن المؤكد إذا قدَّم قرينة تشير إلى أن خالي الذهن إذا أُلْقِيَ إليه الكلام فحينئذٍ يكون مترددًا في قبوله، فحينئذٍ يحسن التأكيد، بالمثال المشهور عند النحاة في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. هذا خُوطِب به نوح ﵇ ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ هذا يشير إلى ماذا؟ يُشير إلى أمر ما أنه سيقع هل سيقع عذاب أم لا؟ هل سيقع إغراق أم لا؟
إذًا خالي الذهن من الكلام إذا أُلقي إليه مثل هذه القرينة حينئذٍ يستلزم شيئًا آخر ولذلك جاء ما بعده ﴿إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾، وهنا أُلْقِيَ قوله: ... ﴿إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾. إلى خالي الذهن ومع ذلك أكَّدَه لماذا؟ لأنه لَمَّا قال له أولاً ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ كأن المخاطَب قد استحدث في نفسه شيئًا وتشوقت نفسه إلى معرفة شيء وهو هل سيحل بهم العذاب أم لا؟ وهذا شأن متردِّد فلما أُلْقِيَ إليه الخطاب حينئذٍ أُكِّد بمؤكِّد واحد. هنا عومل خالي الذهن معاملة المتردِّد لوجود القرينة الدالة على ذلك، ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: لا تدعوني يا نوح في شأن قومك. فهذا الكلام يلوح بماذا؟ يلوح بالخبر تلويحًا ويُشعر بأنه قد حقَّ عليهم العذاب فصار المقام مقام أن يتردّد المخاطب في أنهم هل صاروا محكومًا عليهم بالإغراق أو لا؟ صار عنده تردّد فقيل: ﴿إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ بالتأكيد.
إذًا هنا لو قيل: نوح ﵇ خالي الذهن لأنه ما يدري ما يعلم فقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾. لماذا أكد والأصل في خطاب خالي الذهن أنه ابتدائي فلا يؤكد له نقول: هنا نُزِّلَ خالي الذهن مُنَزَّلَة المتردّد لماذا؟ لكون ثَمَّ قرينة تدل على أن في نفسه قد وقع استشرافًا لشيء ما هل هم مغرقون أم لا؟ واضح هذا؟
وقد يُجْعَل المقر كالمنكِر إذا ظهر عليه شيء من أمارات الإنكار فيؤكد له الكلام تأكيد المنكِر نحو ماذا؟ قول الشاعر:
стр. 70
جاء شقيق عارض رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح
جاء شقيق رجل مجيئه هكذا مدلاً بشجاعته قد وضع رمحه بعارضه كأنه ليس أحد معه سلاح، فقوله: إن بني عمك. هذا الكلام أُلْقِيَ لخالي الذهن وأكده مع كون المخاطب خالي الذهن لكونه نَزَّلَ نفسه أو المخاطَب مُنَزَّلَة المنكِر، وهنا أُكِّدَ له بمؤكِّد واحد لأن الإنكار هنا بالقوة ويحمل على أقل ما يمكن أن يكون، فهذا دليل على إعجاب شديد منه واعتقاد أنه لا يقوم إليه من بين عمه أحد كأنهم كلهم عُزْلٌ ليس مع أحد منهم سلاحه، فهو لا ينكر أن في نبي عمه سلاح هو مقر لكن قوله: إن بني عمك. إن بني عمك نقول: إن هنا للتوكيد أفادت ماذا؟ أفادت في الأصل أن المخاطب منكِر للحكم نقول: لا، ليس الأمر كذلك، لكن لما كان مع خالي الذهن معه أمارة تدل على أنه ليس منكِرًا للحكم، وإنما هو في قوة المنكِر لأن الذي يأتي بالسلاح ويشهره كأن غيره لا يملك السلاح كأنه منكِر لغيره من إثبات السلاح له، حينئذٍ أكده وهو مقر لكونه مُنَزّل مُنَزّلة المنكِر، وقد يجعل العكس المنكِر كالمقر إذا كان معه دلائل وشواهد لو تأملها ارتدع عن إنكاره، فلا يؤكد له كقولك لمنكر الإسلام: الإسلام حق. هو يُنكر الإسلام، الإِسلام حق لأن الإسلام لو تأمله بشواهده لارتدع وعرف أن إبطاله للإسلام هو مُبْطَلٌ في نفسه فأدنى ما يمكن أن يُتأمل من أحكام الإسلام يصل إلى أنه حق، هنا عومل المنكر معاملة خالي الذهن فألقي إليه الخطاب دون توكيد.
الإسلام حق بلا تأكيد لأن مع المنكر دلائل دالة على حقيقة الإسلام، قال في ((الإيضاح)): هذا كله اعتبارات الإثبات وقس عليه اعتبارات النفي. يعني: الكلام كله في الأضرب الثلاثة كما يكون في الإثبات يكون كذلك في النفي، وأورد أمثلة تُرْجَعْ إليها.
إذًا (وَيَحْسُنُ التَبْدِيلُ بِالأَغْيَارِ) بمعنى أنه يؤكد لخالي الذهن، ولا يؤكد للمتردد أو المنكر بحسب القرائن التي تحيط به.
ثم أورد المصنف مسألة تتعلق بالإسناد وهي تقسيمه إلى إسناد [حقيقي عقلي] (١) حقيقة عقلية، ومجاز عقلي.
فالإسناد ينقسم إلى نوعين، الإسناد السابق ضُمّ كلمة إلى أخرى على الحد السابق ينقسم إلى قسمين:
حقيقة، ومجازي.
وكلاهما منسوب إلى العقل.
ثم أورد الناظم مبحث الحقيقة والمجاز العقليين نظرًا إلى أنهما من أحوال الإسناد كالتأكيد والتجريد عنه، ثم لفظ الحقيقة والمجاز له استعمالان، يعني سيأتي معنا في علم البيان الحقيقة والمجاز، وهنا كذلك يأتي لفظ الحقيقة والمجاز ما المراد؟
المراد هنا المعنى الذي هو الإسناد، ولذلك وصف بالعقل، وسيأتي في مبحث البيان المجاز والحقيقة لكن اللغوي، فهنا مجاز لغوي ومجازي علقي، اللغوي يبحث في علم البيان، والعقلي يبحث في علم المعاني، كذلك الحقيقة اللغوية تبحث في علم البيان، والحقيقة العقلية تبحث في علم المعاني، ثم لفظ الحقيقة والمجاز تارة يقصد بهما الألفاظ وذلك سيأتي في علم البيان وهو معناهما الاصطلاحي، وتارة يُستعملان في المعاني وهو تجوز في الإسناد وعدمه، وهو المقصود هنا في علم المعاني.
قال الناظم:
وَالْفِعْلُ أَوْ مَعْنَاهُ إِنْ أَسْنَدَهُ ... لِمَا لَهُ فِي ظَاهِرٍ ذَا عنْدَهُ
стр. 71
حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ وَإِنْ إِلَى ... غَيْرِ مُلاَبِسٍ مَجَازًا أَوَّلاَ
أُوِّلا يجوز الوجهان.
إذًا الحقيقة العقلية عرَّفها بقوله: (الْفِعْلُ) بأنواعه الثلاثة، الفعل الماضي والفعل المضارع وفعل الأمر، (وَالْفِعْلُ) المراد به هنا الفعل الاصطلاحي، [ما دل على كلمة] (١) ما دل على معنى في نفسه واقترن بأحد الأزمنة الثلاثة (وَالْفِعْلُ أَوْ) للتنويع (مَعْنَاهُ) يعني: معنى الفعل. وهو ما يكون فيه رائحة الفعل كاسم الفاعل مصدر (أَوَّلاَ) واسم الفاعل (مَعْنَاهُ) عرفنا مراد معناه يعني: معنى الفعل، ما فيه معنى الفعل، رائحة الفعل، كالمصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول والصفة المشبهة، واسم التفضيل، والظرف، هذه كلها في معنى الفعل، فقد ترفع ما بعدها، وقد تنصب ما بعدها، فهي تعمل عمل الفعل، المصدر وما عطف عليه يعمل عمل الفعل ولذلك هي في قوة الفعل في معنى الفعل، (الْفِعْلُ أَوْ مَعْنَاهُ إِنْ أَسْنَدَهُ) أي: المتكلِم. ... (لِمَا لَهُ) يعني: لما اللام هنا بمعنى إلى، وما بمعنى شيء (إِنْ أَسْنَدَهُ) عرفنا الإسناد # ٥٠.١٣ ... أو نسبة (إِنْ أَسْنَدَهُ) المتكلم أسند الفعل أو ما في معنى الفعل أسنده إلى أي شيء؟
إلى ما أي شيء هو له، أي لذلك الشيء، والمقصود هنا من باب الاختصار والإيضاح أن الفعل أو ما في معنى الفعل له ملابسات شتى، قد يلابس الفاعل وقد يلابس المفعول به المرفوع وهو نائب الفعل، وقد يلابس غير هذين الشيئين الفاعل والمفعول به المرفوع يعني: نائب الفاعل. (إِنْ أَسْنَدَهُ) الفعل أو ما في معنى الفعل إلى فاعله حينئذٍ نقول: هذا حقيقة عقلية، (إِنْ أَسْنَدَهُ) الفعل وما في معنى الفعل إلى نائب الفاعل المفعول المرفوع فهو إسناد حقيقي، حقيقة عقلية، إن أسند الفعل إلى ما هو له يعني: الذي أحدثه بالفعل والذي يُحدث الفعل وما في معنى الفعل ما هو؟ الفاعل، تقول: صَامَ زَيْدٌ، صَائِمٌ زَيْدٌ، أَصَائِمٌ زَيْد، زيدٌ هذا أحدث الصيام في الموضعين صَامَ زَيْدٌ، زيد هو الذي أحدث الصوم، أَصَائِمٌ زَيْدٌ، زيد هو الذي أحدث الصوم، إذًا إذا أسند الفعل وما فيه معناه إلى الفاعل فهو حقيقة عقلية، إن أسند إلى المفعول المرفوع يعني: نائب الفاعل فهو حقيقة عقلية، إن أسند إلى غير هذين كالزمن [والمصدر نعم] (٢) كالزمن والمكان فحينئذٍ نقول: هذا إسناد الشيء إلى غير ما هو له. هذا الفرق بين النوعين واضح هذا؟
إن أسند الفعل أو ما في معنى الفعل إلى الفاعل والمفعول المرفوع شيئين فقط محصورَيْنِ، فالإسناد حقيقة عقلية وإن لم يسند إليهما بل أسند إلى غيرهما فالإسناد مجاز عقلي.
نَهْرٌ جَارٍ، جار هو أي: النهر. أي: الماء. هذا ليس إسنادًا حقيقيًّا إنما هو إسناد مجازي.
إذًا (إِنْ أَسْنَدَهُ) أي: المتكلِم، إذًا الفعل أو معناه، احترز بالفعل أو معناه عما لا يكون فيه فعل ولا معنى الفعل، وهذا اختلفوا فيه هل هو موجود أم لا؟
لكن ذكره البيانيون، حينئذٍ الحيوان جسم عندنا إسناد هنا أليس كذلك؟
أسندت جسم إلى الحيوان، هل الحيوان هنا فعل؟
لا، هل هو في معنى الفعل؟ لا.
стр. 72
إذًا ليس بحقيقة ولا مجاز، لأن الحقيقة العقلية والمجاز العقلي هو إسناد للفعل أو معناه إلى ما هو له في الأول، وإلى غير ما هو له في الثاني.
إذًا لا بد من إسناد الفعل أو معناه في الموضعَيْنِ الحقيقة العقلية والمجاز العقلي.
فإذا لم يكن عندنا إسناد فعل أو في معنى الفعل فلا يُسمى حقيقة عقلية ولا مجازًا. إذًا احترز به عن ما لا يكون المسند فيه فعلاً أو معناه كقولنا: الحيوان جسم. فإنه لا يوصف بحقيقة ولا مجاز على قول، أو في الفعل أو معناه للتنويع،
(إِنْ أَسْنَدَهُ) أي المتكلم (لِمَا) أي: إلى، ما أي شيء هو له أي: لذلك الشيء، كالفاعل فيما بني للفاعل، ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا هنا ليس الكلام في المفردات، ليس في ضَرَبَ هل استعمل في معناه أو لا، وزيد هل استعمل في معناه أو لا؟ ليس هذا الكلام هذا سيأتي في علم البيان، نحن نتكلم هنا في الإسناد ضم كلمة إلى أخرى، ضَرَبَ زَيْدٌ، مُسْنَد ومُسْنَد إليه، ليس بحثنا في المسند والمسند إليه، هل استعمل في معناه اللغوي، هذا بحثه فيما يأتي، أما الكلام هنا في الإسناد ضم كلمة إلى أخرى، ضَرَبَ زَيْدٌ هنا أسندت ضَرَبَ وهو فعل إلى زيد على وجه ماذا؟ على وجه الفاعلية فهو إسناد حقيقي، ويسمى حقيقة عقلية، ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، وللمفعول به فيما بُنِيَ للمفعول به نحو ضُرِبَ عَمْرٌ هنا أسندت ضرب إلى عمرو فإن الضاربية لزيد والمضروبية لعمرو هذه ثابتة بدلالة اللفظ، أما نحو نهاره صائم، صَائم هذا اسم فاعل ويرفع فاعل أين الفاعل؟
نَهَارُهُ صَائم هو أي؟ تجيبون أنتم، نَهَارُهُ صَائِمٌ هُوَ أي؟ النهار، هل النهار يصوم؟ لا. إذًا أسندت ما في معنى الفعل إلى غير ما هو له، يعني لم يحدثه وإنما سبب الملابسة هنا [كون الصيام] (١) كون النهار محلاً للصوم زمانًا له يقع فيه، إذًا ثَمَّ ملابسة، لأن الحدث المصدر لا بد له من مكان ولا بد من له من زمن، وقد يكون ثَمَّ سبب خارج عنه، نَهَارُهُ صَائِمٌ، نهاره مبتدأ صائم، زَيْدٌ نَهَارُهُ صَائِم، نهاره مبتدأ صائم خبر، صائم في معنى الفعل رفع فاعلاً، هنا عندنا إسناد ليس إسناد صائم إلى نهار، لا، وإنما إسناد صائم إلى الفاعل الذي بعده الذي هو الضمير المستتر، فهنا الإسناد هل أسندت صائم الذي هو الحدث إلى ما هو له أو لغير ما هو له؟
لا شك الثاني، لأنك إذا قلت: أنه إسناد الشيء إلى ما هو له. يعني النهار يصوم النهار يصوم؟ ما يصوم قطعًا، النهار لا يصوم، لا يُحْدِثُ الصوم لأنه حَدَثٌ والنهار كذلك حَدَث، والحدث لا يحدث حدثًا، إذًا نهاره صائم نقول: أُسند ما في معنى الفعل إلى فاعل هنا، لكنه ليس هو فاعل حقيقة، فيكون المجاز ويكون الإسناد هو مجازًا عقليًّا، لَيْلُهُ قَائِم، قائمٌ هو أي: الليل. هل الليل يقوم؟
الجواب: لا، فالقول فيه كالقول السابق، فإن الصوم ليس للنهار، بل هو ظرف له، والقيام ليس لليل، بل هو ظرف له.
стр. 73
قال: (فِي ظَاهِرٍ). لما هو له (فِي ظَاهِرٍ ذَا) أي: الإسناد المذكور، أي: إلى ما يكون الفعل أو معناه له (عنْدَهُ) أي: عند المتكلم. يعني: لنا الكلام فحسب بمعنى الظاهر فيما يظهر لنا، أما اعتقاده فلا عبرة به البتة، لأنه بهذا الاعتبار قد يوافق وقد يخالف، وباعتبار المطابقة للخارج قد يطابِق وقد لا يطابِق، الأقسام الأربعة كما سيأتي.
إذًا (فِي ظَاهِرٍ) يعني: في ظاهر الكلام. لو تكلم متكلم قال: خَلَقَ زَيْدٌ الْجِدَارَ. دعك من كونه مطابق للواقع أو لا؟ حقيقة عقلية أم لا؟ حقيقة عقلية لماذا؟ لأنه في ظاهر الكلام نثبته له أليس كذلك؟ فنقول: خَلَقَ زَيْدٌ الْجِدَارَ. أو خَلَقَ زَيْدٌ الذُّبَابَ. باعتبار نفسه نقول: هذا الإسناد إسناد حقيقي لماذا؟
لأنه أَسند الشيء والأصل فيما إذا أسند الشيء إلى شيء آخر أنه يَعْتَقده سواء دلّ على ذلك قرينة ينصبها للتأكيد أو لا، لأنه إذا تكلم مثل هذا الكلام قد ينصب قرينة تدل على أنه يريد بظاهر الكلام ظاهره، وهذا أكد أنه حقيقة، وقد ينصب قرينة تدل على أن ظاهر الكلام ليس بمراد وداخل في المجاز - كما سيأتي -، وقد لا ينصبه. (فِي ظَاهِرٍ) أي: في ظاهر حاله إذا لم ينصب قرينة تدل على أنه أراد المجاز حينئذٍ يصرف على ظاهره، (فِي ظَاهِرٍ ذَا) أي: الإسناد المذكور
أي: إلى ما يكون الفعل أو معناه له عنده أي عند المتكلم فيما يُفهم من ظاهر كلامه هذا هو العبرة ويظهر من حاله، وذلك بأن لا توجد قرينة دالة على أنه غير ما هو له في اعتقاده، يعني: إذا أراد بظاهر الكلام ما لا يعتقده لا بد أن ينصب قرينة، إذا تكلم بكلامه في الظاهر إنه لا يطابق الواقع، فإذا أراد أنه لا يطابق اعتقاده لا بد أن ينصب قرينة تدل على ذلك وإلا اعتُبر حقيقةً، ومعنى كونه له أن معناه قائمًا به ووصفٌ له وحقه أن يُسند إليه، كقولك قام زيدٌ فالقيام وصفٌ له فنسبة القيام إليه حينئذٍ ثابتة وهي حقيقة، بمعنى أن العرب إنما وضعت قام بفعل العبد الصادر عنه هذا هو الأصل، لو قلت قام زيد حينئذٍ العرب وضعت قام للدلالة على أن الفاعل قد أحدث هذا الحدث وهو القيام، (حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ) كلام الناظم (وَالْفِعْلُ أَوْ مَعْنَاهُ) .. إلى آخره. (حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ)، (وَالْفِعْلُ) هذا مبتدأ و (حَقِيقَةٌ) خبره يجوز العكس، فهي إسناد الفعل أو معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر، هذا عبارة صاحب ((الإيضاح)) و ((التلخيص)) وأوردها الناظم كما هي.
قوله: في الظاهر ليشمل ما لا يطابق اعتقاده، يعني: اللفظ لا يطابق الاعتقاد مما يطابق الواقع وما لا يطابق الواقع، حينئذٍ أقسام الحقيقة أربعة يعني: دخل في قوله: (فِي ظَاهِرٍ) أربعة أقسام، لأنه إما أن يطابق الاعتقاد وعندنا ثلاثة أشياء:
قولٌ مدلوله والاعتقاد والواقع.
على تقسيم السابق اعتقاد قولٌ جملة لها مفهوم مطابقة الواقع، اللفظ هذا إما أن يطابق الاثنين، مدلول اللفظ الوسط هذا اعتقاد لفظٌ واقع، اللفظ له مدلول إما أن يطابق الاثنين الاعتقاد والواقع، إما أن لا يطابق الاثنين، إما أن يطابق الاعتقاد لا الواقع أو العكس، يطابق الواقع الاعتقاد كم؟ أربعة من يعيدها؟
...
إما أعد
أي
стр. 74
يطابقه معًا
نعم
أو بالعكس.
الأول: ما يطابق الواقع والاعتقاد جميعًا، كقول المؤمن الموحد أنبت الله البقل، إسناد الإنبات إنبات الزرع عمومًا إلى الله ، أنبت الله البقل، المؤمن مؤمن يعتقد أن هذه بفعل الله ، في الواقع كذلك أو لا؟ إذًا مدلول اللفظ الذي هو إسناد الإنبات إنبات البقل إلى الله مدلول اللفظ طابق الاعتقاد لأنه موحد مؤمن وطابق الواقع، شفى الله المريض، أسند الشفاء إلى الله وهو مطابق للاعتقاد أنه مؤمن ومطابق للواقع، إذًا هذان مثالان مما طابق فيه الاعتقاد والواقع.
الثاني: ما يُطابق الواقع دون الاعتقاد، طابق الواقع فقط دون الاعتقاد، مثَّلًوا البيانيون أو مثل البيانيون بقول المعتزلي لمن لم يعرف حاله يخفيها: خالق الأفعال كُلُّهَا أو كُلِّهَا خالق الأفعال كُلَّهَا هو الله ، هذا طابق ماذا؟ معتزلي ماذا يعتقد أن أفعال العباد مخلوقةٌ لهم، أليس كذلك هذه عقيدتهم؟ وهي عقيدة كفرية إذا قال المعتزلي لشخصٍ ما وهو لا يعرف أنه معتزل يتخفى كالعقلانين الآن يتخفى أنه معتزل قال: خالق الأفعال كلها الله . يكون هذا الكلام حقيقة أو مجاز؟
حقيقة عقلية طيب، طابق الواقع؟ طابق الواقع، نعم، الله هو خالق الأفعال كلها، والاعتقاد؟ خالف الاعتقاد، إذًا هذا مما طابق الواقع دون الاعتقاد.
الثالث: ما يطابق اعتقاده فقط دون الواقع. عكس الثاني طابق الاعتقاد دون الواقع، كقول الجاهل قول الجاهل يقصد به الكافر الذي ينسب الأفعال إلى العباد: شفى الطبيبُ المريضَ، معتقدًا شفاء المريض من الطبيب طابق الواقع؟ لا، ما طابق الواقع، طابق الاعتقاد؟ نعم طابق الاعتقاد، شفى الطبيبُ المريضَ معتقدًا بهذا القيد لو كان من باب السببية شيءٌ آخر معتقد أن الطبيب هو الذي شفى بذاته المريض نقول: في الواقع لا، لكنه طابق معتقده.
الرابع: ما لا يطابق الاثنين، لا الواقع ولا الاعتقاد. كالأقوال الكاذبة التي يكون القائل عالمًا بحالها دون المخاطب، هذا الذي يكذب، يقول: جاء زيد. هو يعلم يعتقد أن زيد ما جاء ولم يأت زيد بعد، قال: جاء زيدٌ. مدلول اللفظ مجيء زيدٍ طابق الواقع؟ لا، لم .. ، طابق الاعتقاد؟ لا. وكل كذاب يكون داخلاً في هذا القسم، جاء زيدٌ مع كون هذا القول واقعًا مع فقد وعدم المجيء الذي نسبته إليه في نفس الأمر وفي علمك، سميت حقيقة عقلية لأن الحاكم بذلك هو العقل دون الوضع، لأن إسناد الكلمة شيءٌ يحصل بقصد المتكلم دون واضع اللغة، فلا يصير ضرب خبرًا عن زيدٍ بوضع اللغة هذا الذي نعبر عنه دائمًا في النحو بأن الوضع نوعان:
وضعٌ شخصي.
ووضعٌ نوعي.
стр. 75
وضع النوعي هو وضع التراكيب، وضعت العرب ضَرَبَ زيدٌ عمرًا مثلاً، ضَرَبَ فعلٌ، وزيدٌ يذكر كمثالٍ لكون فاعلاً بمعنى أن ضَرَبَ قد يُسْنَدُ إلى زيد وقد يسند إلى عمرو وقد يختلف باختلاف الأزمان والإعصار، فالعرب وضعت ضرب للدلالة على أن فاعل قد أحدث هذا الحدث، وأما كونه زيدًا أو عمرًا أو خالدًا هذا لم تضعه العرب، وإنما التركيب يكون بقصد المتكلم، فلا يصير ضرب خبرًا عن زيدٍ بوضع اللغة، بل بمن قصد إثبات الضرب فعلاً له، وإنما الذي يعود إلى وضع اللغة أن ضرب لإثبات الضرب لا لإثبات الخروج، وأنه لإثباته في زمنٍ ماضٍ دون المستقبل، فأما تعيين من ثبت له فإنه يتعلق بمن أراد ذلك من المخبرين. إذًا الذي يُسند ضَرَبَ إلى الفاعل نقول الفاعل هذا يختلف من شخصٍ إلى شخصٍ آخر، ماذا صنعت العرب؟ وضعت ضرب للدلالة على الضرب بعينه الحدث الخاص لا الخروج ولا الأكل ولا الشرب ولا غيره. وثانيًا: للدلالة على أن هذا الحدث قد وقع في الزمن الماضي.
ثم التركيب بمعنى أنك تقدم الفعل على الفاعل، وبمعنى أن الفعل أَثَّرَ في الفاعل فأحدث فيه ضَمًّا هذا هو النوع القاعدة العامة وهذا تركه بعض البيانيين.
إذًا هذا حد الحقيقة العقلية (وَإِنْ إِلَى غَيْرِ مُلاَبِسٍ) عين ملابسٍ (مَجَازٌ أَوَّلاَ) (وَإِنْ إِلَى) من يُقَدِّر؟
أُسْنِدَ الفعل أو معناه إلى غيرٍ يعني: غير الفاعل والمفعول المرفوع (مُلاَبِسٍ) بشرط أن يكون ملابسًا للفعل، ملابسات الفعل تختلف (مَجَازٌ)، إذًا إذا فهمت الحقيقة العقلية فهمت المجاز العقلي، ملابسات الفعل مختلفة إن أُسْنِدَ الفعل إلى الفاعل يعني: الذي فعله بالفعل وهو وصفٌ له فهو حقيقةٌ عقلية، وكذلك المفعول المرفوع ما عدا هذا إن كان ثم ملابسة وهذا شرط في المجاز فحينئذٍ يكون مجازًا عقليًا، وإن أُسند الفعل أو معناه إلى غيرٍ، هكذا في النسخة التي موجودة معكم، وفي ((دفع المحنة)) إلى عين ملابسٍ، يعني: ذات، فسرها بذات إلى عين ملابَسٍ الأصل بفتح الباء، الفعل هو الملابِس، والملابَس هو المتعلق به، أي: ذاتٌ أي: ذات ملابِسٍ غير ما هو له أو في معناه.
قال في الشرح: ووجد في النسخ بدل عين (غَيْرِ) بالراء وهو سهوٌ من الناظم أو تحريفٌ من الناسخ، يعني: يرى أن هذه النسخة التي معنى (غَيْرِ) هي عين، وضعت النقطة وجعلت النون راء، ويقول: هذا سهوٌ من الناظم - إن صح نسبته إلى الناظم - أو تحريفٌ من الناسخ. إذ لا كلام في غير الملابس، غير الملابس بالفعل وما في معنى الفعل ليس بالمجاز لماذا؟