حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ وَإِنْ إِلَى ... غَيْرِ مُلاَبِسٍ مَجَازًا أَوَّلاَ
أُوِّلا يجوز الوجهان.
إذًا الحقيقة العقلية عرَّفها بقوله: (الْفِعْلُ) بأنواعه الثلاثة، الفعل الماضي والفعل المضارع وفعل الأمر، (وَالْفِعْلُ) المراد به هنا الفعل الاصطلاحي، [ما دل على كلمة] (١) ما دل على معنى في نفسه واقترن بأحد الأزمنة الثلاثة (وَالْفِعْلُ أَوْ) للتنويع (مَعْنَاهُ) يعني: معنى الفعل. وهو ما يكون فيه رائحة الفعل كاسم الفاعل مصدر (أَوَّلاَ) واسم الفاعل (مَعْنَاهُ) عرفنا مراد معناه يعني: معنى الفعل، ما فيه معنى الفعل، رائحة الفعل، كالمصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول والصفة المشبهة، واسم التفضيل، والظرف، هذه كلها في معنى الفعل، فقد ترفع ما بعدها، وقد تنصب ما بعدها، فهي تعمل عمل الفعل، المصدر وما عطف عليه يعمل عمل الفعل ولذلك هي في قوة الفعل في معنى الفعل، (الْفِعْلُ أَوْ مَعْنَاهُ إِنْ أَسْنَدَهُ) أي: المتكلِم. ... (لِمَا لَهُ) يعني: لما اللام هنا بمعنى إلى، وما بمعنى شيء (إِنْ أَسْنَدَهُ) عرفنا الإسناد # ٥٠.١٣ ... أو نسبة (إِنْ أَسْنَدَهُ) المتكلم أسند الفعل أو ما في معنى الفعل أسنده إلى أي شيء؟
إلى ما أي شيء هو له، أي لذلك الشيء، والمقصود هنا من باب الاختصار والإيضاح أن الفعل أو ما في معنى الفعل له ملابسات شتى، قد يلابس الفاعل وقد يلابس المفعول به المرفوع وهو نائب الفعل، وقد يلابس غير هذين الشيئين الفاعل والمفعول به المرفوع يعني: نائب الفاعل. (إِنْ أَسْنَدَهُ) الفعل أو ما في معنى الفعل إلى فاعله حينئذٍ نقول: هذا حقيقة عقلية، (إِنْ أَسْنَدَهُ) الفعل وما في معنى الفعل إلى نائب الفاعل المفعول المرفوع فهو إسناد حقيقي، حقيقة عقلية، إن أسند الفعل إلى ما هو له يعني: الذي أحدثه بالفعل والذي يُحدث الفعل وما في معنى الفعل ما هو؟ الفاعل، تقول: صَامَ زَيْدٌ، صَائِمٌ زَيْدٌ، أَصَائِمٌ زَيْد، زيدٌ هذا أحدث الصيام في الموضعين صَامَ زَيْدٌ، زيد هو الذي أحدث الصوم، أَصَائِمٌ زَيْدٌ، زيد هو الذي أحدث الصوم، إذًا إذا أسند الفعل وما فيه معناه إلى الفاعل فهو حقيقة عقلية، إن أسند إلى المفعول المرفوع يعني: نائب الفاعل فهو حقيقة عقلية، إن أسند إلى غير هذين كالزمن [والمصدر نعم] (٢) كالزمن والمكان فحينئذٍ نقول: هذا إسناد الشيء إلى غير ما هو له. هذا الفرق بين النوعين واضح هذا؟
إن أسند الفعل أو ما في معنى الفعل إلى الفاعل والمفعول المرفوع شيئين فقط محصورَيْنِ، فالإسناد حقيقة عقلية وإن لم يسند إليهما بل أسند إلى غيرهما فالإسناد مجاز عقلي.
نَهْرٌ جَارٍ، جار هو أي: النهر. أي: الماء. هذا ليس إسنادًا حقيقيًّا إنما هو إسناد مجازي.
إذًا (إِنْ أَسْنَدَهُ) أي: المتكلِم، إذًا الفعل أو معناه، احترز بالفعل أو معناه عما لا يكون فيه فعل ولا معنى الفعل، وهذا اختلفوا فيه هل هو موجود أم لا؟
لكن ذكره البيانيون، حينئذٍ الحيوان جسم عندنا إسناد هنا أليس كذلك؟
أسندت جسم إلى الحيوان، هل الحيوان هنا فعل؟
لا، هل هو في معنى الفعل؟ لا.
стр. 72
إذًا ليس بحقيقة ولا مجاز، لأن الحقيقة العقلية والمجاز العقلي هو إسناد للفعل أو معناه إلى ما هو له في الأول، وإلى غير ما هو له في الثاني.
إذًا لا بد من إسناد الفعل أو معناه في الموضعَيْنِ الحقيقة العقلية والمجاز العقلي.
فإذا لم يكن عندنا إسناد فعل أو في معنى الفعل فلا يُسمى حقيقة عقلية ولا مجازًا. إذًا احترز به عن ما لا يكون المسند فيه فعلاً أو معناه كقولنا: الحيوان جسم. فإنه لا يوصف بحقيقة ولا مجاز على قول، أو في الفعل أو معناه للتنويع،
(إِنْ أَسْنَدَهُ) أي المتكلم (لِمَا) أي: إلى، ما أي شيء هو له أي: لذلك الشيء، كالفاعل فيما بني للفاعل، ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا هنا ليس الكلام في المفردات، ليس في ضَرَبَ هل استعمل في معناه أو لا، وزيد هل استعمل في معناه أو لا؟ ليس هذا الكلام هذا سيأتي في علم البيان، نحن نتكلم هنا في الإسناد ضم كلمة إلى أخرى، ضَرَبَ زَيْدٌ، مُسْنَد ومُسْنَد إليه، ليس بحثنا في المسند والمسند إليه، هل استعمل في معناه اللغوي، هذا بحثه فيما يأتي، أما الكلام هنا في الإسناد ضم كلمة إلى أخرى، ضَرَبَ زَيْدٌ هنا أسندت ضَرَبَ وهو فعل إلى زيد على وجه ماذا؟ على وجه الفاعلية فهو إسناد حقيقي، ويسمى حقيقة عقلية، ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، وللمفعول به فيما بُنِيَ للمفعول به نحو ضُرِبَ عَمْرٌ هنا أسندت ضرب إلى عمرو فإن الضاربية لزيد والمضروبية لعمرو هذه ثابتة بدلالة اللفظ، أما نحو نهاره صائم، صَائم هذا اسم فاعل ويرفع فاعل أين الفاعل؟
نَهَارُهُ صَائم هو أي؟ تجيبون أنتم، نَهَارُهُ صَائِمٌ هُوَ أي؟ النهار، هل النهار يصوم؟ لا. إذًا أسندت ما في معنى الفعل إلى غير ما هو له، يعني لم يحدثه وإنما سبب الملابسة هنا [كون الصيام] (١) كون النهار محلاً للصوم زمانًا له يقع فيه، إذًا ثَمَّ ملابسة، لأن الحدث المصدر لا بد له من مكان ولا بد من له من زمن، وقد يكون ثَمَّ سبب خارج عنه، نَهَارُهُ صَائِمٌ، نهاره مبتدأ صائم، زَيْدٌ نَهَارُهُ صَائِم، نهاره مبتدأ صائم خبر، صائم في معنى الفعل رفع فاعلاً، هنا عندنا إسناد ليس إسناد صائم إلى نهار، لا، وإنما إسناد صائم إلى الفاعل الذي بعده الذي هو الضمير المستتر، فهنا الإسناد هل أسندت صائم الذي هو الحدث إلى ما هو له أو لغير ما هو له؟
لا شك الثاني، لأنك إذا قلت: أنه إسناد الشيء إلى ما هو له. يعني النهار يصوم النهار يصوم؟ ما يصوم قطعًا، النهار لا يصوم، لا يُحْدِثُ الصوم لأنه حَدَثٌ والنهار كذلك حَدَث، والحدث لا يحدث حدثًا، إذًا نهاره صائم نقول: أُسند ما في معنى الفعل إلى فاعل هنا، لكنه ليس هو فاعل حقيقة، فيكون المجاز ويكون الإسناد هو مجازًا عقليًّا، لَيْلُهُ قَائِم، قائمٌ هو أي: الليل. هل الليل يقوم؟
الجواب: لا، فالقول فيه كالقول السابق، فإن الصوم ليس للنهار، بل هو ظرف له، والقيام ليس لليل، بل هو ظرف له.
стр. 73
قال: (فِي ظَاهِرٍ). لما هو له (فِي ظَاهِرٍ ذَا) أي: الإسناد المذكور، أي: إلى ما يكون الفعل أو معناه له (عنْدَهُ) أي: عند المتكلم. يعني: لنا الكلام فحسب بمعنى الظاهر فيما يظهر لنا، أما اعتقاده فلا عبرة به البتة، لأنه بهذا الاعتبار قد يوافق وقد يخالف، وباعتبار المطابقة للخارج قد يطابِق وقد لا يطابِق، الأقسام الأربعة كما سيأتي.
إذًا (فِي ظَاهِرٍ) يعني: في ظاهر الكلام. لو تكلم متكلم قال: خَلَقَ زَيْدٌ الْجِدَارَ. دعك من كونه مطابق للواقع أو لا؟ حقيقة عقلية أم لا؟ حقيقة عقلية لماذا؟ لأنه في ظاهر الكلام نثبته له أليس كذلك؟ فنقول: خَلَقَ زَيْدٌ الْجِدَارَ. أو خَلَقَ زَيْدٌ الذُّبَابَ. باعتبار نفسه نقول: هذا الإسناد إسناد حقيقي لماذا؟
لأنه أَسند الشيء والأصل فيما إذا أسند الشيء إلى شيء آخر أنه يَعْتَقده سواء دلّ على ذلك قرينة ينصبها للتأكيد أو لا، لأنه إذا تكلم مثل هذا الكلام قد ينصب قرينة تدل على أنه يريد بظاهر الكلام ظاهره، وهذا أكد أنه حقيقة، وقد ينصب قرينة تدل على أن ظاهر الكلام ليس بمراد وداخل في المجاز - كما سيأتي -، وقد لا ينصبه. (فِي ظَاهِرٍ) أي: في ظاهر حاله إذا لم ينصب قرينة تدل على أنه أراد المجاز حينئذٍ يصرف على ظاهره، (فِي ظَاهِرٍ ذَا) أي: الإسناد المذكور
أي: إلى ما يكون الفعل أو معناه له عنده أي عند المتكلم فيما يُفهم من ظاهر كلامه هذا هو العبرة ويظهر من حاله، وذلك بأن لا توجد قرينة دالة على أنه غير ما هو له في اعتقاده، يعني: إذا أراد بظاهر الكلام ما لا يعتقده لا بد أن ينصب قرينة، إذا تكلم بكلامه في الظاهر إنه لا يطابق الواقع، فإذا أراد أنه لا يطابق اعتقاده لا بد أن ينصب قرينة تدل على ذلك وإلا اعتُبر حقيقةً، ومعنى كونه له أن معناه قائمًا به ووصفٌ له وحقه أن يُسند إليه، كقولك قام زيدٌ فالقيام وصفٌ له فنسبة القيام إليه حينئذٍ ثابتة وهي حقيقة، بمعنى أن العرب إنما وضعت قام بفعل العبد الصادر عنه هذا هو الأصل، لو قلت قام زيد حينئذٍ العرب وضعت قام للدلالة على أن الفاعل قد أحدث هذا الحدث وهو القيام، (حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ) كلام الناظم (وَالْفِعْلُ أَوْ مَعْنَاهُ) .. إلى آخره. (حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ)، (وَالْفِعْلُ) هذا مبتدأ و (حَقِيقَةٌ) خبره يجوز العكس، فهي إسناد الفعل أو معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر، هذا عبارة صاحب ((الإيضاح)) و ((التلخيص)) وأوردها الناظم كما هي.
قوله: في الظاهر ليشمل ما لا يطابق اعتقاده، يعني: اللفظ لا يطابق الاعتقاد مما يطابق الواقع وما لا يطابق الواقع، حينئذٍ أقسام الحقيقة أربعة يعني: دخل في قوله: (فِي ظَاهِرٍ) أربعة أقسام، لأنه إما أن يطابق الاعتقاد وعندنا ثلاثة أشياء:
قولٌ مدلوله والاعتقاد والواقع.
على تقسيم السابق اعتقاد قولٌ جملة لها مفهوم مطابقة الواقع، اللفظ هذا إما أن يطابق الاثنين، مدلول اللفظ الوسط هذا اعتقاد لفظٌ واقع، اللفظ له مدلول إما أن يطابق الاثنين الاعتقاد والواقع، إما أن لا يطابق الاثنين، إما أن يطابق الاعتقاد لا الواقع أو العكس، يطابق الواقع الاعتقاد كم؟ أربعة من يعيدها؟
...
إما أعد
أي
стр. 74
يطابقه معًا
نعم
أو بالعكس.
الأول: ما يطابق الواقع والاعتقاد جميعًا، كقول المؤمن الموحد أنبت الله البقل، إسناد الإنبات إنبات الزرع عمومًا إلى الله ، أنبت الله البقل، المؤمن مؤمن يعتقد أن هذه بفعل الله ، في الواقع كذلك أو لا؟ إذًا مدلول اللفظ الذي هو إسناد الإنبات إنبات البقل إلى الله مدلول اللفظ طابق الاعتقاد لأنه موحد مؤمن وطابق الواقع، شفى الله المريض، أسند الشفاء إلى الله وهو مطابق للاعتقاد أنه مؤمن ومطابق للواقع، إذًا هذان مثالان مما طابق فيه الاعتقاد والواقع.
الثاني: ما يُطابق الواقع دون الاعتقاد، طابق الواقع فقط دون الاعتقاد، مثَّلًوا البيانيون أو مثل البيانيون بقول المعتزلي لمن لم يعرف حاله يخفيها: خالق الأفعال كُلُّهَا أو كُلِّهَا خالق الأفعال كُلَّهَا هو الله ، هذا طابق ماذا؟ معتزلي ماذا يعتقد أن أفعال العباد مخلوقةٌ لهم، أليس كذلك هذه عقيدتهم؟ وهي عقيدة كفرية إذا قال المعتزلي لشخصٍ ما وهو لا يعرف أنه معتزل يتخفى كالعقلانين الآن يتخفى أنه معتزل قال: خالق الأفعال كلها الله . يكون هذا الكلام حقيقة أو مجاز؟
حقيقة عقلية طيب، طابق الواقع؟ طابق الواقع، نعم، الله هو خالق الأفعال كلها، والاعتقاد؟ خالف الاعتقاد، إذًا هذا مما طابق الواقع دون الاعتقاد.
الثالث: ما يطابق اعتقاده فقط دون الواقع. عكس الثاني طابق الاعتقاد دون الواقع، كقول الجاهل قول الجاهل يقصد به الكافر الذي ينسب الأفعال إلى العباد: شفى الطبيبُ المريضَ، معتقدًا شفاء المريض من الطبيب طابق الواقع؟ لا، ما طابق الواقع، طابق الاعتقاد؟ نعم طابق الاعتقاد، شفى الطبيبُ المريضَ معتقدًا بهذا القيد لو كان من باب السببية شيءٌ آخر معتقد أن الطبيب هو الذي شفى بذاته المريض نقول: في الواقع لا، لكنه طابق معتقده.
الرابع: ما لا يطابق الاثنين، لا الواقع ولا الاعتقاد. كالأقوال الكاذبة التي يكون القائل عالمًا بحالها دون المخاطب، هذا الذي يكذب، يقول: جاء زيد. هو يعلم يعتقد أن زيد ما جاء ولم يأت زيد بعد، قال: جاء زيدٌ. مدلول اللفظ مجيء زيدٍ طابق الواقع؟ لا، لم .. ، طابق الاعتقاد؟ لا. وكل كذاب يكون داخلاً في هذا القسم، جاء زيدٌ مع كون هذا القول واقعًا مع فقد وعدم المجيء الذي نسبته إليه في نفس الأمر وفي علمك، سميت حقيقة عقلية لأن الحاكم بذلك هو العقل دون الوضع، لأن إسناد الكلمة شيءٌ يحصل بقصد المتكلم دون واضع اللغة، فلا يصير ضرب خبرًا عن زيدٍ بوضع اللغة هذا الذي نعبر عنه دائمًا في النحو بأن الوضع نوعان:
وضعٌ شخصي.
ووضعٌ نوعي.
стр. 75
وضع النوعي هو وضع التراكيب، وضعت العرب ضَرَبَ زيدٌ عمرًا مثلاً، ضَرَبَ فعلٌ، وزيدٌ يذكر كمثالٍ لكون فاعلاً بمعنى أن ضَرَبَ قد يُسْنَدُ إلى زيد وقد يسند إلى عمرو وقد يختلف باختلاف الأزمان والإعصار، فالعرب وضعت ضرب للدلالة على أن فاعل قد أحدث هذا الحدث، وأما كونه زيدًا أو عمرًا أو خالدًا هذا لم تضعه العرب، وإنما التركيب يكون بقصد المتكلم، فلا يصير ضرب خبرًا عن زيدٍ بوضع اللغة، بل بمن قصد إثبات الضرب فعلاً له، وإنما الذي يعود إلى وضع اللغة أن ضرب لإثبات الضرب لا لإثبات الخروج، وأنه لإثباته في زمنٍ ماضٍ دون المستقبل، فأما تعيين من ثبت له فإنه يتعلق بمن أراد ذلك من المخبرين. إذًا الذي يُسند ضَرَبَ إلى الفاعل نقول الفاعل هذا يختلف من شخصٍ إلى شخصٍ آخر، ماذا صنعت العرب؟ وضعت ضرب للدلالة على الضرب بعينه الحدث الخاص لا الخروج ولا الأكل ولا الشرب ولا غيره. وثانيًا: للدلالة على أن هذا الحدث قد وقع في الزمن الماضي.
ثم التركيب بمعنى أنك تقدم الفعل على الفاعل، وبمعنى أن الفعل أَثَّرَ في الفاعل فأحدث فيه ضَمًّا هذا هو النوع القاعدة العامة وهذا تركه بعض البيانيين.
إذًا هذا حد الحقيقة العقلية (وَإِنْ إِلَى غَيْرِ مُلاَبِسٍ) عين ملابسٍ (مَجَازٌ أَوَّلاَ) (وَإِنْ إِلَى) من يُقَدِّر؟
أُسْنِدَ الفعل أو معناه إلى غيرٍ يعني: غير الفاعل والمفعول المرفوع (مُلاَبِسٍ) بشرط أن يكون ملابسًا للفعل، ملابسات الفعل تختلف (مَجَازٌ)، إذًا إذا فهمت الحقيقة العقلية فهمت المجاز العقلي، ملابسات الفعل مختلفة إن أُسْنِدَ الفعل إلى الفاعل يعني: الذي فعله بالفعل وهو وصفٌ له فهو حقيقةٌ عقلية، وكذلك المفعول المرفوع ما عدا هذا إن كان ثم ملابسة وهذا شرط في المجاز فحينئذٍ يكون مجازًا عقليًا، وإن أُسند الفعل أو معناه إلى غيرٍ، هكذا في النسخة التي موجودة معكم، وفي ((دفع المحنة)) إلى عين ملابسٍ، يعني: ذات، فسرها بذات إلى عين ملابَسٍ الأصل بفتح الباء، الفعل هو الملابِس، والملابَس هو المتعلق به، أي: ذاتٌ أي: ذات ملابِسٍ غير ما هو له أو في معناه.
قال في الشرح: ووجد في النسخ بدل عين (غَيْرِ) بالراء وهو سهوٌ من الناظم أو تحريفٌ من الناسخ، يعني: يرى أن هذه النسخة التي معنى (غَيْرِ) هي عين، وضعت النقطة وجعلت النون راء، ويقول: هذا سهوٌ من الناظم - إن صح نسبته إلى الناظم - أو تحريفٌ من الناسخ. إذ لا كلام في غير الملابس، غير الملابس بالفعل وما في معنى الفعل ليس بالمجاز لماذا؟
стр. 76
لأن الذي يقال فيه مجازٌ ما له أدنى ملابسةٍ بالفعل، إن كان على وجه الفاعلية والمفعولية فهو ملابسٌ وهو حقيقة عقلية، إن كان ملابسًا له وليس واحدًا من اثنين بأن كان زمنًا له نهاره صائمٌ قلنا هنا: الصيام مع النهار فيه ملابسة أو لا؟ توجد ملابسة؟ الصيام أين يقع؟ في النهار إذًا ثم ملابسة يعني: علاقة ارتباط أدنى ارتباط، فالحدث الذي هو الصيام لا بد له من محل وهو النهار، إذًا نهاره صائمٌ أُسند الصيام إلى النهار لملابسةٍ بين الحدث الذي هو الصيام وكونه محلاً للصيام، ليله قائمٌ كذلك القول فيه، غير الملابس لا علاقة له به لا يمكن أن يقال بأنه مجازٌ، ففهم الشارح أن قوله: (غَيْرِ مُلاَبِسٍ). بالإضافة (غَيْرِ مُلاَبِسٍ) وإن أُسند الفعل أو معناه (إِلَى غَيْرِ مُلاَبِسٍ)، غير الملابس لا دخل له هنا لأنه ليس بمجاز ولا حقيقة، وإنما يُسند الفعل أو معناه إلى ملابس وإلا لا يُسمَّى كلامًا، فـ (غَيْرِ مُلاَبِسٍ) قال: هنا سهوٌ من الناظم أو تصحيفٌ من الناسخ إذ لا كلام في غير ملابَسٍ لأنه يقال: ملابسٌ غير ما هو له ويقال (غَيْرِ مُلاَبِسٍ) فتأمل، هكذا قال الشارح.
وفيه نظر لأن غيرٍ إذا نونت حينئذٍ فككنا من أورده الشارح، غيرٍ إلى غيرٍ يعني: غير الفاعل والمفعول المرفوع (مُلاَبِسٍ) شرطٌ في أن يكون هذا الغير ملابَس، إذًا لا إيراد، قد يكون التصحيف عنده هو، عين هي المصحفة، لذلك لا وجود لها، يعني: لم يعبر البيانيون في هذا الموضع بعين ملابسٍ، هذا لم يَرِدْ هنا، وإنما تعبيره (غَيْرِ مُلاَبِسٍ) إلا إذا قيل الملابس نوعان:
ملابسٌ مباشرةً.
وملابسٌ ليس بمباشرةٍ.
الأول: الفاعل والمفعول.
والثاني: غير ملابس ما عدا الفاعل والمفعول. لا إشكال فيه. فإذا قيل (غَيْرِ مُلاَبِسٍ) وعُنِيَ به غير الملابس مباشرةً. احترزنا به عن الفاعل و .. يحتمل هذا.
(وَإِنْ إِلَى غَيْرِ) أي: غير ما هو له أي: غير الفاعل والمفعول المرفوع ملابسٍ للفعل أو معناه بوجهٍ ما ن هذا تقدير الكلام، وإن أسند الفعل أو معناه إلى غير - كما ذكرنا - ما هو له؟ أي: لذاك الملابَس عند المتكلم في الظاهر، يعني: بأن لا يُسند إلى الفاعل فيما بُنِيَ للفاعل، وإلى المفعول فيما بُني للمفعول، بل يسند لملابَسٍ غير هذين الأمرين، أي متعلقٍ له غيرهما، سواءٌ كان ذلك الغير غيرًا في الواقع أو عند المتكلم في الظاهر. (مَجَازٌ) أي: فهو مجازٌ عقليٌ يعني يسمى بهذا العنوان.
стр. 77
الفعل وما في معناها له ملابساتٌ شتى، يلابس الفاعل تارة، والمفعول به تارة، والمصدر والزمان والمكان والسبب، أما المصدر فلكونه جزءًا من الفعل أو ما في معنى الفعل، وأما السبب قد يكون خارجًا لكنه له تأثيرٌ في الإحْدَاث، أما الزمان والمكان فهو واضح، فإسناده إلى الفاعل إذا كان مبنيًا له حقيقة كما سبق، وكذا إذا المفعول إذا كان مبنيًا له واحترز عنهما بقوله: غير ما هو له. وإسناده إلى غيرهما لمضاهته لما هو له في ملابسة الفعل مجازٌ - على ما ذكرناه - كقوله في المفعول به ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] راضيةٌ هي أي: العيشة، راضيةٌ وليس مرضيٌ بها وليست راضية، الراضي هو الصاحب أليس كذلك؟ ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ راضيةٌ هي أَسْنَدَ راضية إلى الضمير، ومرجع الضمير العيشة، والعيشة راضيةٌ أو مرضيٌ بها؟
مرضيٌ بها، حينئذٍ أسند الشيء إلى غير ما هو له، فإن راضية مسندةٌ إلى ضمير العيشة فقد جعلت يعني: الـ ﴿عِيشَةٍ﴾ فاعلاً، قال: ﴿رَّاضِيَةٍ﴾ هي جعلت فاعلاً وهي ليست بفاعل وإنما هي مفعولٌ في المعنى لأنها مرضيٌ بها والراضي إنما هو صاحبها، فقد سلخ عنها معنى المفعولية وجعل مرضي به راضيًا، ومثله ماءٌ دافقٌ، دافقٌ اسم فاعل هو أي: الماء ماء دافق فاعل أو مفعول؟ مفعول أي: ماءٌ مدفوقٌ وواضحٌ هذا؟ وبعكسه سيلٌ مفعمٌ، سيلٌ مفعم، مفعم اسم مفعول هو السيل مُفْعِل مالئٌ أو مملوءٌ، مفعَم يعني: مملوء، طيب السيل مالئ أو مملوء، مالئٌ هنا أُسْنِدَ الشيء إلى غير ما هو له، والأصل أن يقول: سيلٌ مفعِمٌ. اسم مفعول من أُفْعِم، أُفْعِمت الإناء يعني: مُلِئَتْ، فالمملوء هنا هو الوادي، والسيل مفعِمٌ بالكسر لأنه مالئٌ لا مملوء، إذًا السيل مفعَمٌ هذا اسم مفعول والأصل أن يقول مفعِمٌ بالكسر لكنه أسنده إلى غير ما هو له، والمصدر شعرٌ شاعرٌ، شاعرٌ هو أي: الشعر هذا مثال الإيضاح وانتقد عليه. لكن المراد هنا المثال، وفي الزمان نهاره صائم، وليله قائم - كما مر معنا -.
وفي المكان طريقٌ سائرٌ، سائر الطريق هو أي: الطريق، الطريق يسير؟ لا، لا يسير، وهو مسيرٌ فيه، إذًا طريقٌ سائر تقول: هذا مجازٌ.
ونهرٌ جارٍ. النهر لا يجري الماء وإنما هو محل، وفي السبب بنى الأمير المدينة إذا كان آمرًا لعماله بنى الأمير، ما بنى وإنما أمر عماله هو سببٌ في البناء.
وقول الناظم: (مَجَازٌ أَوَّلاَ [أُوِّلا]) يجوز الوجهان أُوِّلاَ أي: هو، أي: الإسناد، أي: بتأولٍ، يعني: بنصب قرينةٍ صارفةٍ عن أن يكون الإسناد إلى من هو له، أو إلى ما هو له، يجوز الوجهان.
стр. 78
حينئذٍ الأصل في الكلام أن يُحمل على حقيقته، فإن قصد المتكلم أنه أراد بإسناد الشيء إلى غير ما هو له إذا قصد المجاز لا بد من نصب قرينة، يعني: الحكم على إسناد الشيء الفعل أو معناه إلى غير ما هو له أنه مجاز متى؟ إن وجدت قرينة، وإن لم توجد قرينة فحينئذٍ هو حقيقة عقلية؛ لأن الحقيقة العقلية عممناها، سواءٌ طابق الواقع أو لا، طابق الاعتقاد أو لا، حينئذٍ نقول: لو قال: خلق زيدٌ ذبابة. ويعتقد هذا، نقول: هذا حقيقة عقلية، لكنه كذب، فرق بين أن نُصَدّق ونكذّب، لا، هو كذب قطعًا لماذا؟ لكون الخبر لا واقع له. يعني: لم يطابق فهو كذبٌ، نقول: أنت كاذب لكنه حقيقةٌ عقلية، واضحٌ هذا؟
إذًا أي بنصب قرينةٍ صارفةٍ عن أن يكون الإسناد إلى ما هو له، فخرج نحو قول الجاهل: شفى المريض الطبيب. قلنا: هذا باعتبار الواقع كذب؛ لأن الشافي هو الله إلا إذا قلنا بأنه سبب - هذه مسألةٌ أخرى - أما إذا اعتقد أن الشافي بذاته هو الطبيب فهذا كذبٌ، ولكنه لما وافق اعتقاده حينئذٍ صار حقيقةً عقلية، وحملناه على الحقيقة العقلية لا المجاز لكونه لم ينصب قرينة بأن هذا الكلام الذي أَسْنَدَ الشيء إلى غير ما هو له فأسند الشفاء إلى الطبيب وهذا إسناد الشيء إلى غير ما هو له، ولم ينصب قرينة [حملناه على القرينة] (١) حملناه على الحقيقة العقلية، فإن إسناده الشفاء إلى الطبيب ليس بتأولٍ ومثله أنبت الربيع البقل، فإن هذا الإسناد وإن كان إلى غير ما هو له في الوقع لكن لا تأول فيه لأنه مراده ومعتقده وخرجت الأقوال الكاذبة فإنها لا تأول فيها، يعني: كل ما لم يطابق الواقع أو الاعتقاد وأُسند الشيء إلى غير ما هو له إن لم ينصب قرينة فهو حقيقةٌ عقلية، فإن نصب قرينة تدل على أن ظاهره غير مراد فهو مجازٌ عقلي، وهذا واضحٌ بين.
وعليه فكل تركيبٍ إسنادي لا يحمل على المجاز. هذه النتيجة. كل تركيبٍ إسنادي لا يحمل على المجاز حتى يَظُنّ أو يعلم يعني: المخاطَب أن قائله لم يُرِدْ ظاهره بأن يؤوله فإن شُكَّ في ذلك فيحمل على الحقيقة لأنها الأصل.
إذًا نشترط في الحكم بكون الإسناد مجازيًا إذا أسند الفعل أو معنى الفعل إلى غير ما هو له أن ينصب قرينة، إما لفظية، وإما حالية. ولذلك قالوا: إذا تكلم الموحد قال: شفى الطبيب المريض. هذا صارت قرينة لأنه موحد يعتقد أن الله تعالى هو الشافي والاشتراط القرينة لم يحمل قول الشاعر:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كَرُّ الغداة ومر العشي
على المجاز، لم يحمل على المجاز مع أنه ماذا؟ أسند كر الغداء أشاب الصغير، كَرُّ الغداة ومر العشي هذا من أجزاء الزمان، كر الغداة أشاب الصغير، أليس كذلك؟ وأفنى الكبير إذًا أسند الشيء إلى غير ما هو له. يأتي هذا التركيب البيت هل هذا حقيقة عقلية أو مجازٌ عقلي؟
стр. 79
أولاً: تنظر أشاب هذا مُسند إلى ماذا؟ كَرُّ الغداة، إذًا أَسند شيء إلى الزمن، والزمن لا يحدث شيئًا، إذًا أسند الشيء إلى غير ما هو له هذا أولاً، هل نصب قرينةً تدل على أن الظاهر يخالف معتقده أم لا؟ أين القرينة؟ لا قرينة. إذًا تقول: هذه حقيقة عقلية مع كونه أسند الشيء إلى غير ما هو له، فليس كل تركيبٍ فيه إسناد الشيء إلى غير ما هو له تحكم عليه مباشرة أنه مجاز، لا، ليس هذا المراد، وإنما لا بد من نصب القرينة، فالاشتراط القرينة في ذلك نحمل هذا الكلام من الشاعر على أنه أراد به الحقيقة، يعني: يعتقد أن الذي أحدث وأفنى أشاب وأفنى هو كَرّ الغداة ومر العشي، هذا لا نحمله على المجاز، بل هو حقيقةٌ عقلية، فَكَرُّ الغادة ومر العشي هما من أجزاء الدهر وهو الزمن حيث أسند أشاب وأفنى إلى الكَرّ والمَرِّ، وحملناه على الحقيقة العقلية لعدم قيام القرينة المفيدة للعلم أو الظن منا بأن قائله لم يتعقد ظاهره، بل الأصل أن من تكلم بكلامٍ أنه يعتقد ذلك الظاهر لاحتمال أن يكون معتقدًا له ويكون حقيقة، وحملنا قول الشاعر:
..................... ... مَيَّزَ عَنْه قُنْزُعًا عَنْ قُنْزِعٍ
جذب الليالي أبطئِ أو أسرعي ... ......................
على المجاز العقلي، هنا ماذا؟ أسند ميَّزَ، هذا الْمَكْنِيّ به عن الشيب في الرأس إلى جذب الليالي، ميَّزَ جذب الليالي كسابقه، لكن أسند الشيء إلى غير ما هو له، حقيقة أو لا؟
الأصل هنا باعتبار هذا البيت تقول: هذا حقيقة. لكن دلت القرينة على أنه موحد ويعتقد أن الله هو المحدِث ولذلك قال في نفس القصيدة:
أفناه قيل الله للشمس اطْلُعِي ... حتى إذا وراكِ أفقٌ فارجعي
فدل على أن قوله: ميَّز جذب الليالي، لم يرد به الحقيقة وإنما أراد به المجاز العقلي، لأنه ثبت عندنا أن معتقده يخالف ذلك، فحينئذٍ يكون قرينةً صارفةً للفظ عن ظاهره. إذًا نحمل قوله:
................... ... مَيَّزَ عَنْه قُنْزُعًا عَنْ قُنْزِعٍ
جذب الليالي .............. ... ......................
على المجاز العقلي حيث أسند ميَّز المكني به عن الشيب في الرأس إلى جذب الليالي أي: مضيها، ووجدت القرينة الدالة على أنه لم يرد بها الإسناد ظاهره، بل هو معتقِدٌ خلافه كقوله للبيت الذي ذكرناه سابقًا.
إذًا نقول: الأصل في التركيب أنه يُحمل على الحقيقة إلا إذا دلت القرينة الظاهرة اللفظية أو الحالية على أنه أراد غير ذلك، يعني: يعتقد غير ذلك، فالقرينة حينئذٍ في هذا المجاز تدور مع اعتقاد المتكلم، فإن عُلِمَ يعني: من جهة السامع أو ظُنَّ أن المتكلم موحد حينئذٍ حُمِلَ قوله: على المجاز وصَدَّقَهُ، وإن عَلِمَ أو ظُنَّ أو عُلِمَ أو ظُنَّ أنه دُهُريٌّ مثلاً حمّله على الحقيقة وكذب قائله.
стр. 80
(وَالْفِعْلُ أَوْ مَعْنَاهُ إِنْ أَسْنَدَهُ لِمَا لَهُ فِي ظَاهِرٍ) يعني: في ظاهر الكلام من حاله (ذَا عنْدَهُ)، (عنْدَهُ) الضمير يعود إلى المتكلم، يعني: في الظاهر من كلامه لئلا يكون قرينة على خلاف قول حقيقة عقلية، وإن أسند الفعل أو معناه إلى غيرٍ، وهذا الغير مراد به غير الفاعل والمفعول به بشرط أن يكون هذا الغير ملابَس بالفعل أو ما في معناه (مَجَازٌ) أي: عقليٌ (أُوِّلاَ) هذا شرطٌ في الحكم بكونه مجازًا عقليًا وهو القيام قرينة اللفظية أو الحالية، والله أعلم.
وصلََّ الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
على كلٍّ درس التفسير هذا إن شاء الله يأتي، بس نريد، لكن نريد الطلاب يكونوا بيِّنين، لأن التفسير سيطبق فيه إعراب وصرف وبيان واستعارة، وإذا الطالب ما كان متصور تبقى هنا الإشكال في الدرس، وفيه صعوبة، وأما ((إحكام الأحكام)) هذا ما أدري عنه، هل يستأنف أم لا؟
والله أعلم.
стр. 81
عناصر الدرس
* الباب الثاني: أحوال المسند إليه.
* أغراض حذفه وذكره.
* أغراض تعريفه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى: باب (أَحْوَالُ الإِسْنَادِ الْخَبَرِيِّ) هذا فيما مضى الباب الثاني من الأبواب الثمانية التي ذكر أن علم المعاني منحصر فيها لأحوال المسند إليه.
ذكرنا علم المعاني أنه منحصر في أبواب ثمانية، إذ عرف الناظر هذه الأبواب الثمانية حينئذ استطاع أن يميز ما الذي يطابِق مقتضى الحال من أحوال اللفظ العربي وما الذي لا يطابق، فذكر الباب الأول وهو باب في ... (أَحْوَالُ الإِسْنَادِ الْخَبَرِيِّ) وعرفنا المسائل المتعلقة به من حيث تقسيم إفادة الخبر إلى نوعين: فائدة الخبر، ولازمها.
ثم ذكر مسألة ثانية وهي أَضْرُب الخبر الثلاثة الابتدائي، الطلبيّ، الإنكاريّ.
ثم قَسَّمَ الإسناد إلى: حقيقي ومجازي.
هذه ثلاثة مسائل ذكرها في الباب السابق.
فلما انتهى من الكلام عن الإسناد الخبري شرع في ما يليه وهو: (المُسْنَدِ إِلَيْهِ). والإسناد عرفنا أنه نسبة حكم إلى اسم إيجابًا وسلبًا، ولا يتحقق الإسناد إلى بمسنَدٍ إليه ومسنَد، لا بد منهما، ثلاثة أركان مترابطة متلازمة: مسند إليه، ومسند، وإسناد.
الذي هو نسبة حكم إلى اسم إيجابًا أو سلبًا. مسند إليه هو المحكوم عليه، وهو المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل، والمسند هو المحكوم به وهو الفعل والخبر، وقدّم المسند إليه على المسند لأن المسند إليه كالموصوف والمسند كالصفة، ولا شك أن حق الموصوف أن يتقدَّم على الصفة، فالموصوف أولى بالتقديم والرعاية لأنه هو الموضوع وهو المحكوم عليه، والصفة هي المحمول وهي المحكوم به.
فذات المسند إليه مقدمة من حيث الأصل كذلك ما اتصف به المسند إليه يكون مقدمًا على غيره، إذًا تقديمه من حيث كونه محكومًا عليه.
الباب الثاني: (أَحْوَالُ المُسْنَدِ إِلَيْهِ) يعني في بيان أحوال المسند إليه، وأحوال المراد بها هنا الأمور العارضة له، يعني للمسند إليه، من حيث هو المسند إليه، وهذه الأحوال العارضة كالحذف والذكر والتعريف والتنكير والإطلاق والتقييد .. وغير ذلك من الاعتبارات الراجعة إلى ذاك المسند إليه، وهي اعتبارات ستة متقابلة: الحذف والذكر، متقابلان يعني متى يُذكر المسند إليه؟ له مقامات، متى يحذف المسند إليه؟ له مقامات، إذًا الحذف والذكر متقابلان.
والتعريف والتنكير متى تأتي بالمسند إليه معرفًا، ثم أنواع المعرفة ستة متى يكون ضميرًا؟ ومتى يكون اسم إشارة؟ ومتى يكون اسم موصولاً؟ ومتى تكون محلاً بأل، وما المراد بأل؟ ومتى يكون مضافًا، أوراق متنوعة أحوال تختلف من حال إلى حال، التعريف والتنكير.
стр. 82
الثالث: التقديم والتأخير. متى يقدّم ومتى يؤخر؟ كما هو معلوم من شأن المسند إليه إذا كان مبتدأً أنه قد يتقدم له أحوال واعتبارات، ومتى يتأخر؟ والأصل فيه التقديم، وأما المسند إليه إذا كان فاعلاً فالأصل أنه لا يتقدم على مذهب البصريين - وهو الصحيح - وإنما يتقدم على مذهب الكوفيين، إذًا الحذف والذكر، والتعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، هذه ست كلها متقابلة. وما يتعلق بتوابع المسند إليه كذلك يُذْكَرُ في هذا الباب، أو ما يتعلق به يعني بذاته كما إذا كان وصفًا يتعلق باسم المرفوع أو يتعلق به جار ومجرور، أو ظرف أو نحو ذلك.
إذًا هذا ما يتعلق بقوله: (أَحْوَالُ المُسْنَدِ إِلَيْهِ). يعني الأمور العارضة، والمراد بالأمور العارضة هذه الستة التي مذكورة من حيث ذاتها، وأما من حيث التوابع فوصله كونه يُنْعَت، كونه يُبْدَل مِنْهُ، كونه يعطف عليه فيما سيأتي في موضعه، وفيه بحسب ذلك أبحاث: الأول في حذفه أرتب النظم لكم لأجل الاستفادة منه الأول.
البحث الأول: في حذفه وحذف المسند إيه إذا كان مبتدأ أو فاعلاً في بعض المواضع لأحد أمور بمعني أن الاعتبار المناسب يكون حذفه عند وجود واحد من هذه الأمور، يعني يحذف، هل حذفه يكون عشوائيًّا؟ أم يكون لنكتة وفائدة لغوية؟
لا شك أنه الثاني بمعنى أنه لا يحذف المسند إليه إلا إذا كان هناك فائدة، ما هي هذه الفائدة؟ هي التي يتكلم عنها أهل المعاني هنا، ما هي هذه الفائدة من حذف المسند إليه؟ يتكلم النحاة بأن المسند إليه إذا كان معلومًا يجوز حذفه
وحذف ما يعلم جائز كما تقول: زيد .. إلى آخره
أما لماذا يحذف؟
الجواب: يكون هنا عند أهل البيان. إذًا حذفه لأحد أمورٍ، بمعنى أن الاعتبار المناسب للمقام يكون حذفه عند وجود واحد من هذه الأمور، فإن حذف لا لواحد منها كان حذفًا على غير الوجه المناسب، يعني لا يكون بليغًا لم يطابق مقتضى الحال، لأنه حذف في غير موضع الحذف الذي يكون بليغًا عند أهل البيان، ثم الحذف حذف المسند إليه يفتقر إلى أمرين، يعني لا بدمن أمرين، ليس كل مسند إليه يجوز حذفه لا بد من اعتبارين:
الأول: العلم بالمحذوف. العلم بالمحذوف لأن القاعدة العامة في باب النحو أن ما لا يعلم لا يجوز حذفه، وما يعلم يجوز حذفه، وحذف ما يعلم جائز، هذا قاعدة عامة ذكرها ابن مالك رحمه الله تعالى في باب المبتدأ لكنها عامة في المبتدأ وغيره وحذف ما يعلم جائز. إذًا الأمر الأول الذي يفتقر إليه الحذف العلم بالمحذوف بأن يكون السامع عارفًا بالمسند إليه المحذوف لوجود القرائن، لا يُحذف إلا إذا كان ثَمَّ قرينة كجواب السؤال مثلاً أين زيد؟ في الدار، في الدار يجيب هكذا، في الدار جار ومجرور إيش إعرابه؟ خبر، متعلق بمحذوف خبر، خبر لأي شيء لمبتدأ، أين المبتدأ؟ محذوف، لماذا حُذف؟ للعلم به. هل هناك قرينة؟ نعم، كونه واقع في جواب السؤال.
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ... تَقُولُ زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُما
من عندك؟ زيد، أو عندي زيد ونحو ذلك، وهذا مقرر في النحو، يعني باب المبتدأ.
والثاني: الداعي الموجب لرجحان الحذف على الذِّكر. وهذا الذي يبحثه البيانيّون في هذا الموضع.
стр. 83
وحذف ما جائز كما تقول زيد بعد من عندكما
من عندكما؟ زيد. حذفت ماذا؟ [الخبر أي أنا ذكرته على أنه مبتدأ لذلك سرحت] بعد من عندكما؟ يعني زيدًا، فلتتأملوا [ها ها] الداعي الموجب لرجحان الحذف على الذكر، والثاني يذكر هنا في هذا العلم.
قال الناظم رحمه الله تعالى:
الحَذْفُ لِلصَّوْنِ وَلِلإِنكَارِ ... وَالإِحْتِرَازِ أَوْ لِلإِخْتِبَارِ
حذف يعني حذف المسند إليه، يكون لواحد من هذه الأمور الأربعة، هي أكثر من ذلك لكن ذكر لك أربعة ونكتفي بها: الصَّوْنِ، الإِنكَارِ، الإِحْتِرَازِ، الإِخْتِبَارِ.
الحذف أي حذف المسند إليه وأل هنا نائبة عن مضاف إليه، أو للعهد الذهني أو الذكري؟ لأنه ذكر باب الثاني (أَحْوَالُ المُسْنَدِ إِلَيْهِ) حذف: حذف المسند إليه إذا ذكر أولاً ثم ضُمِّنَ بأن، لكن هذا لا يقال فيه هكذا، العهد الحضوري، أي هذا المسند إليه، متى يكون للعهد الذكري؟
إذا سُبِقَ له ذِكْرٌ، وهذا يكون صريحًا ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥، ١٦] نفس الكلمة أعيدت، هنا لم تعد نفس الكلمة، لو قال: مسند إليه، المسند قلنا: هذا الثاني هو عين الأول، لكنه قال: الحذف أي حذف المسند إليه، حينئذ تكون أل للعهد الذهني، أو على مذهب الكوفيين أنه عِوَض عن المضاف إليه، الحذف أي حذف المسند إليه (لِلصَّوْنِ) يعني كائن (لِلصَّوْنِ)، حذف مبتدأ و (لِلصَّوْنِ) متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، (لِلصَّوْنِ) أي صون المسند إليه عن ذكره بلسانك تعظيمًا له، قد يكون مسند إليه عظيم حينئذ لعظمته في نفسك تصونه تصون المسند إليه، ليس صون لسانك أنت، هذا مبحث آخر، إنما تصون المسند إليك عن ذكره بلسانك، فهو أعلى من أن تذكره أنت بلسانك، وجدت الشيء عندهم حتى تذكره بلسانك كقول القائل:
وإياك واسم العامرية إنني ... أغار عليها من فم المتكلم
هذا ليس مثال للحذف، وإنما أنه قد يحذف المسند إليه من أجل الصيانة أو صون المسند تعظيمًا له، مثاله:
نجوم سماء كلما انقضَّ كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكب
أي هم نجوم سماءٍ، نجوم سماء هذا خبر لمبتدأ محذوف، حذف المبتدأ المسند إليه، المسند إليه حذفه لماذا؟
أولاً: يجوز الحذف بدلالة السياق والقرائن عليه.
ثانيًا: لِمَ حُذِفَ؟ صونًا له عن أن يُذكر. هم نجوم سماء، وحذف المسند # ١٢.٠٧ إليه صيانة له. قال: ومنه قوله: رب السموات والأرض. أي هو رب السموات والأرض أو يكون حذفه لأجل صونك أنت عن ذكره، عكس الأول، الأول تصون المسند إليه تحفظه، الصون هو الحفظ، تصونه عن أن تذكره بلسانك فهو أعلى وأعظم من تذكره بلسانك، هنا العكس يكون المسند إليه حقيرًا فتصون لسانك أنت، والصون هنا عام يشمل النوعين أو يكون حذفه لأجل صونك أنت عن ذكره تحقيرًا له على حد قول القائل:
ولقد علمت بأنهم نجس ... فإذا ذكرتهم غسلت فمي
ولقد علمت بأنهم نجس، هذه أشخاص أو أناس أو قوم، فإذا ذكرتهم بلساني غسلت فمي، يعني كأنه تنجس المحل نجاسة حكمية، وذلك كقوله:
قومٌ إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واثتوثقوا من ركاد الباب والدار
стр. 84
أي هم قوم أو إن شأت قل مثاله: فاسق فاجر زيد مثلاً من الناس [ما تريد أن] تريد أن تحفظ لسانك عن ذكره، تقول: فاسق. يعني زيد فاسق وتحذف المسند إليه صيانة للسانك عن ذكره.
(لِلصَّوْنِ وَلِلإِنكَارِ) هذا الثاني أي لتأتي الإنكار، (وَلِلإِنكَارِ) على حذف مضاف أي لتأتي الإنكار يعني تحذف المسند إليه من أجل أنه إذا احتجت إلى أن تنكر فلك مجال ولك فُسحة أن تُنكر، كما إذا طعنت في شخصًا أو كان وليًّا أو نحو ذلك تقول: فاجر، ظالم حذفته، لو قيل لك لما سببته ما عنيته عنيت شخصًا [ها ها] آخر، فلك فسحة أن تُنكر، بخلاف لو سميته زيدٌ كذا فاجر ظالم طاغي .. إلى آخره، وهذا كله يكون مسجلاً عليك، لكن إذا حذفته وأردت السلامة فلو سئلت قل: ما قصدته. طبعًا ستكذب لكن أو توري. (وَلِلإِنكَارِ) أي لتأتي الإنكار أي الحذف حذف (المُسْنَدِ إِلَيْهِ) ليكون لك سبيل إلى الإنكار إن مست إليه حاجة، مثاله أن يُذكرَ شخص فتقول: فاسق. فلو قلت: زيدٌ فاسق. لقامت البينة عليك، نعم قامت البينة لذلك ولم تستطع الإنكار، وإنما يتأتى ذلك إذا لم يكن جوابًا لاستفهام، يعني لك أن تحذف (المُسْنَدِ إِلَيْهِ) لتأتي الإنكار بشرط أن لا يكون جوابًا لسؤال استفهام، لأنه إذا كان كذلك السؤال معاد في الجواب، قلت: من زيد؟ قلت: الفاسق. إذًا زيد الفاسق .. إلى آخره. تقول: هذا يعتبر ليس كالأول، لماذا؟ لأن السؤال معاد في الجواب، فلو قيل لك: ما زيد؟ قلت: فاسق لم ينفع الإنكار بعد، لأن الأصل في السؤال إعادته في الجواب.
(وَالإِحْتِرَازِ) هذا الثالث: من أغراض حذف (المُسْنَدِ إِلَيْهِ) يعني ... (الإِحْتِرَازِ) عن العبث بناء على الظاهر، أي (الإِحْتِرَازِ) عن التكلم بما لا فائدة فيه في الظاهر بدلالة القرينة عليه يعني إذا كان المسند إليه معلومًا بين المتكلم والمخاطب حينئذ لا حاجة إلى ذكره، إذا كان معلومًا فلا حاجة لذكره، لأن ذكره حينئذ يكون ماذا؟ يكون لغوًا من الكلام، يكون عبثًا، لأنك في الأصل تأتي بالمسند إليه من أجل أن تمهد للحكم، زيدٌ قائمٌ، فإذا كان زيدٌ معلوم بينك وبين المخاطب حينئذ لا تذكره، فإذا ذكرته صار ماذا؟ صار عبًثا من القول، لأن الظاهر وقرين الظاهر تدل عليه والمخاطب يعلمه وأنت تعلمه وإنما يجهل الخبر حينئذ لا داعي إلى ذكره، كقولك لمن يستشرف الهلال، الهلال والله. بدلاً أن تقول: هذا الهلال. الكل يبحث عندنا قرينة هنا البحث عن الهلال، فبدلاً من أن يقول: هذا الذي رأيته الهلال. الهلال، مباشرة يحذف المسند إليه، أي هذا الهلال فلو صرحت بذكر المسند إليه المبتدأ لكن ذكره عبثًا في الظاهر بمعنى أنه لا تظهر له فائدة، لماذا يذكر هذا، نحن نبحث عن الهلال. أين زيد؟ في الدار. لا تقل زيد في الدار، لماذا؟ لأن السائل عندما قال: أين زيد؟ إذًا علمت أنت أنه يعلم زيد، لكنه يجهل مكانه؟ حينئذ لا تعد عليه تقول: زيد في الدار. وإنما تقول: في الدار. مباشرة، فالحذف هنا يكون لأجل الاحتراز عن العبث، فإذا ذكرته صار زيادة في القول ولا فائدة فيه.
стр. 85
(أَوْ لِلإِخْتِبَارِ)، (أَوْ) بمعنى الواو، هذا الرابع مما يُحذف المسند إليه لأجله وهو الاختبار، أي يُحذف المسند إليه لأجل اختبار حال سامع الكلام هل ينتبه عند القرينة أم لا؟ أو يكون حذف لأجل اختبار قدر فهمه أي السامع بأن يُعلم له تنبهًا ولكن يريد أن يختبر مقدار تنبهه؟ وهل هو ممن يكتفي بالقرينة الخفية أو ممن يحتاج إلى قرينة ظاهرة؟ إذًا يأتي بذكر الخبر ويحذف المبتدأ لأجل أن يختبر السامع هل يعلم أو لا؟. كقوله مثلاً: أول جامعٍ للصحيح رحمه الله تعالى يختبره يعلم أو لا يعلم. قال: الترمذي أول جامع للصحيح. نجح أم لا؟ هذا اختبار لكم يا شطار، أول جامعٍ هذا خبر أين مبتدأه؟ لو قدره: الترمذي أول جامع للصحيح رحمه الله تعالى نجح أم لا؟ لم ينجح، إذًا عنى به الإمام البخاري رحمه الله تعالى. إذًا (أَوْ لِلإِخْتِبَارِ) يعني: يكون حذفه لأجل اختبار حال السامع هل ينتبه أم لا؟ وقيام القرينة شرط في الجميع. هذه أربعة أغراض لحذف المسند إليه، هل يُشترط في حذف المسند إليه في المواضع الأربعة وجود القرينة؟ الجواب: لا، لِمَا ذكرناه بأن الحذف ينتقل إلى أمرين:
أولاً: العلم بالمحذوف هذا لا بد أن يكون له قرينة.
الثاني: نكتة الحذف وهذه التي ذكرها الناظم أربعة مواضع.
وَالذِّكْرُ لِلتَعْظِيمِ وَالإِهَانَةِ ... وَالْبَسْطِ وَالتَّنْبِيهِ وَالْقَرِينَةِ
(وَالذِّكْرُ) هذا المبحث الثاني في ذكر المسند إليه، وإنما قدم ذكر الحذف على الذكر مع أن الذكر هو الأصل، الأصْل في المسند إليه المبتدأ أن يذكر والحذف فرع عنه، لماذا قدم الفرع على الأصل؟ نقول: لأن الذكر هو الأصل، فلا تتشوف النفس إلى ذكر الموجب له بخلاف حذفه، لو ذُكِرَ ما سأل عنه السائل، لأنه الأصل، لكن لو حذف قال: لِمَ حذف؟
стр. 86
إذًا النفس تتشوف لحذف الأصل أكثر من ذكره، والذكر أي ذكر المسند إليه مع كونه معلومًا - لا بد من هذا، لا بد من قرينة - يكون لأمورٍ، وإن كان ذكره هو الأصل حيث لا مقتضي للعدول عنه من قرينة أو غيرها، يعني الأصل أنه يذكر فإن وجد موجب للعدول عن الذكر إلى الحذف حينئذ حذف، والمراد بمقتضي سبب الحذف هو الذي يذكره البيانيّون في هذا الموضع، يعني والحذف للتعظيم، والذكر للتعظيم والإهانة .. إلى آخره. نقول: هذا موجب لذكره للتعظيم أي لتعظيم اسم المسند إليه لكونه يعني لكون اسمه مما يدل على التعظيم نحو أمير المؤمنين حاضر، أمير المؤمنين هذا مبتدأ، حاضر حينئذ نقول ذكر المسند إليه هنا تعظيمًا لكون اسم عظيم، يعني يدل على العظمة هذا الأصل، (وَالإِهَانَةِ) أي لإهانة المسند إليه لكون اسمه مما يقتضي الإهانة، يعني فيه شيء من الدلالة، والمقام يستدعيها، يعني ثَمَّ أمر يضاف إلى كون اسمه فيه شيء من الإهانة أن يكون المقام يستدعي، يعني ليس المراد هنا الحكم معلقًا على مجرد الاسم ودلالته على شيء مهين، إنما المراد أنه اجتمع أمران: اسمه فيه دلالة على إهانة، ثم المقام يستدعي. لو كان الثاني غير موجود الذي هو المقام يستدعي الإهانة لَمَا صلح أن يكون هذا المقام للذكر لكون اسمه مما يقتضي الإهانة المقام يستدعيها إذ مجرد كون ذكره دالاً على الإهانة لا يقتضي ذكره، بل لا بد من المقام، نحو اللعين إبليس، اللعين إبليس هذا فيه إهانة، اللعين، إذًا اللعين يعني ملعون إبليس هذا خبر. نحو: السارقُ اللئيمُ حاضرٌ، السارق اللئيم هذا فيه إهانة فذكر هنا من أجل إهانته، واللفظ يدل على الإهانة والمقام يقتضي الإهانة فاجتمعان.
стр. 87
(وَالْبَسْطِ) أي قصد المتكلِم بسط نفسه بالكلام، يعني يُذكر من أجل ماذا؟ المقام قد يستدعي الحذف لكن من أجل يُطيل الكلام مع محبوبه، فحينئذ يذكر المبتدأ وأوصافه ونحو ذلك، (وَالْبَسْطِ) يعني: بسطه الحديث والكلام، أي قَصْد المتكلم بسط نفسه بالكلام حيث يطلب المقام طول الحديث، إذا كان المقام يطلب طول الحديث فحينئذ البسط يكون مطلوبًا، حيث يطلب فيه طول المقام بمخاطبة ذلك المخاطب لشرفه والافتخار بمكالمته فيصير المتكلِم مستعذِبًا بطول كلامه مع مخاطَبِه، فلهذا يطال الكلام مع الأحباب، الساعة والساعتين والثلاث [ها ها] وذلك كقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ [طه: ١٨] ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] عصاي هذا الأصل، لكن قال: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾، فذكر من أجل أن يطيل الحديث ولذلك زاد على الجواب بقوله: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] أطال الحديث من أجل إطالة الكلام مع الرب جل وعلا، وإنما أجمل المآرب لأن تفصيلها يطول وربما يؤدي الطول إلى الخروج عن الفصاحة، وقد يكون فصل الكلام في مقام الافتخار والابتهاج وغير ذلك من الاعتبارات المناسبة، كما يقال لك من نبيك؟ حينئذ تقول: نبينا خليل الله أبو القاسم محمد ﷺ ، هنا أطلت من أجل ماذا؟ الافتخار، خليل الله أبو القاسم محمد بن عبد الله ﷺ . والتنبيه أي ذكر المسند إليه للتنبيه على جهل وغباوة السامع، يعني: ما يفهم حينئذ لا بد من - ومر معنا - أن من مقتضى الحال أن خطاب الغبيّ ليس كخطاب الذكيّ، يفترقان فالذي لا يفهم إلا بالتصريح لا بد أن تصرح له، وهنا كذلك التنبيه حينئذ تشير بذكر المسند إليه لكونه غبيًّا لا يفهم إلا بالتصريح، يعني لا يفهم بالقرينة لا تكفي إلا بأن يصرح له، مثل ماذا؟ مثَّلوا له بقولك لمن يعبد صنمًا: الصنم لا ينفع ولا يضر. يعني تراه يعبد صنم تقول: لا ينفع ولا يضر. هذا الأصل، لكن لكونه غبيًّا تقول: الصنم يعني المعبود الذي توجهت إليه بالعبادة لا ينفع ولا يضر. والقرينة أين ضعف التأويل على القرينة، يعني ثَمَّ قرينة لكن المخاطب قد يَضْعُفُ عن إدراكها، أي لضعف التأويل على القرينة الدالة عليه، أو ضعف فهم المخاطب عن فهم ما حذف بدلالة القرائن، فيذكر للاحتياط بضعف التأويل على القرينة، يعني والقرينة بكون القرينة ضعيفة في نفسها أو - وهذا تفسير بعضه - أو بأن التأويل على القرينة ضعيف، أو لكون المخاطَب قد لا يُدرك بالقرائن.
وَالذِّكْرُ لِلتَعْظِيمِ وَالإِهَانَةِ ... وَالْبَسْطِ وَالتَّنْبِيهِ وَالْقَرِينَةِ
وقد يكون الذكر لغير ما ذكر كالتهويل والتعجب والإشهاد بقصة والتسجيل على السامع حتى لا يكون له سبيل إلى الإنكار وهذا كله مع قيام القرينة.
البحث الثالث في تعريفه
وَإِنْ بِإِضْمَارٍ تَكُنْ مُعَرِّفَا ... فَلِلْمَقَامَاتِ اْلثَّلاَثِ فَاعْرِفا
стр. 88
وإن يكن يعني المسند إليه (مُعَرِّفَا) بإضمار (فَلِلْمَقَامَاتِ اْلثَّلاَثِ). تعريف المسند إليه يقابله التنكير، إذا تأتي به معرفًا لغرض، وتأتي به منكرًا لغرض، ما هي أغراض التعريف وما هي أغراض التنكير وهو متقابلان؟
المعرفة ما وضع ليستعمل في معين، ما يعني لفظ وضع أو اسم وضع ليستعمل في معين، وأنواع المعارف كم؟
سبعة أو ستة: ستة أو سبعة على الخلاف، الخلاف في ماذا؟
الخلاف السابع المختلف فيه ما هو؟ فيه ستة أو سبعة؟ النكرة المقصودة، نعم، هذه لا بد أن تكون محفوظة.
فمضمر أعرافها ثم العلم ... فذو إشارة فموصول متم
فذوا أداة فمنادى عين فدوا إضافة بها تبين
هذه سبعة جمعها ابن مالك في الكافية:
فمضمر أعرافها، يعني أعرف المعارف مضمر، فمضمر أعرافها، ثم العلم، فذو إشارة، فموصول متم، فذو أداة، فمنادى عُيِّنَ فذو إضافة بها تبين.
وإنما قدم الناظم هنا الكلام على تعريف المسند إليه على الكلام على تنكيره لأن الأصل في المسند إليه التعريف بخلاف المسند، وهذا فيما إذا كان مبتدأً، الأصل فيه أن يكون معرفة.
وَلا يَجُوزُ الابْتِدَا بِالنَّكِرَةْ ... مَا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَه
حينئذ الأصل في النكرة أنها لا يُبدأ بها، وإنما يُبتدئ بماذا؟ بالمعرفة.
إذًا الأصل في المسند إليه أن يكون معرفة، وهذا فيما كان مبتدأ، وأما إذا كان فاعلاً فلا يشترط فيه، قد يكون نكرة وقد يكون معرفة، لا يشترط لماذا؟ لكون الحكم متقدمًا على الفاعل، قام رجل قَامَ زَيْدٌ، إذًا لَمَّا عرف المخاطب قيام الحكم فحينئذ هان عليه كون المسند نكرة أو معرفة، بخلاف إذا قلت: رَجُلٌ قَائِمٌ. يَنتظر السامع لأن قائم هنا يتبادر للذهن أنه صفة رَجُلٌ قَائِمٌ ماذا به؟ وهو قد جعل قائم خبرًا عن رجل. إذًا نقول: لاحتياج النكرة سياجًا شديدًا إلى الوصف حينئذ لا تقع النكرة مبتدأً البتة.
إذًا قدم الناظم الكلام على تعريف المسند إليه على الكلام على التنكير لأن الأصل في المسند إليه التعريف بخلاف المسند، وبدأ بالضمير لكونه أعرف المعارف كما سبق فقال:
وَإِنْ بِإِضْمَارٍ يَكُنْ مُعَرِّفَا ... فَلِلْمَقَامَاتِ اْلثَّلاَثِ فَاعْرِفا
(وَإِنْ بِإِضْمَارٍ) هذا متعلق بـ (مُعَرِّفَا)، (يَكُنْ) هذا فعل الشرط، (وَإِنْ .. يَكُنْ) (بِإِضْمَارٍ) (مُعَرِّفَا)، واسم (يَكُنْ) ضمير مستتر يعود على المسند إليه، (وَإِنْ .. يَكُنْ) المسند إليه (مُعَرِّفَا) (بِإِضْمَارٍ) واضح هذا؟ (فَلِلْمَقَامَاتِ) الفاء واقعة في جواب الشرط (فَلِلْمَقَامَاتِ اْلثَّلاَثِ فَاعْرِفا).
стр. 89
(وَإِنْ بِإِضْمَارٍ يَكُنْ) المسند إليه (مُعَرِّفَا) خبر (يَكُنْ) واسمه الضمير المسند إليه يكون لأحد أسباب (فَلِلْمَقَامَاتِ اْلثَّلاَثِ) والمراد بها الغيبة والتكلم والخطاب، يعني يكون ضميرًا للمتكلم، ويكون ضميرًا للمخاطب، ويكون ضميرًا للغائب. أنا ضربتُ، أنتَ أَنتِ، ضربتَ ضربتِِ، هو ضَرَبَ. إذًا جيء به ببيان أن المسند إليه لا بد وأن يعبر عنه بأحد الضمائر الثلاث، لأن الخطاب مغاير للغيبة، والغيبة مغاير للتكلم، فلا بد من الإتيان به للدلالة على ما وُضِعَ له في لسان العرب، (فَلِلْمَقَامَاتِ اْلثَّلاَثِ) وهي الغيبة والتكلم والخطاب (فَاعْرِفا) فاعرفن الفاء عاطفة، والألف بدل من نون التوكيد الخفيفة، والجملة هذه تكملة.
إذًا المقام قد يقتضي أن يُورِدَ المتكلم فيه ضمير غائب لتقدم ما يرجع إليه المسند إليه لفظًا، يعني قد يأتي بضمير الغيبة لتقدم ما ذُكرَ أو ما عاد عليه الضمير، يعني لو قلت: هو راكب. هو لا يعود إلا على شيء متقدم ولا يعود على متأخر، إذًا إذا أردت أن يكون دلالة المسند إليه ضمير غائبًا فلا بد أن يكون عائدًا على شيء متقدم لفظًا كقول أبي تمام:
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله
هو في البيت السابق تحدث عن أبي إسحاق المذكور في البيت السابق فقوله: هو البحر، هو مسند إليه جاء به معرفة ضميرًا للغيبة لماذا؟ لكونه قد رجع إلى مذكور صريح سابق، واضح؟
إذًا بدلاً من أن يقول يتحدث عن زيد من الناس تقول: زيد قادم، وزيد راكب، هذا فيه حشو، وإنما تقول: زيد قادم، وهو راكب. إذًا لماذا جئت بالضمير في الثاني؟ لكونه قد دل على ما يرجع إليه سابقًا، فلو جئت بالاسم الصريح الظاهر حينئذٍ صار حشوًا، فالمقام يقتضي هنا الإضمار ولا يقتضي الإظهار، فبدلاً من أن تأتي بالاسم مظهرًا زيد وهو قد ذكر سابقًا تأتي بالضمير الراجع إليه، والضمير هنا رجع إلى لفظ مذكور صريح يعني نطق به، أو معنًى يعود الضمير الغيبة وهو مسند إليه إلى سابق لكنه من حيث المعنى لا من حيث اللفظ يعني لم ينطق به لم يصرح، كما لو قلت: زيد قادم وهو حاضر. هو عاد على شيء مصرح به أو معنًى نحو قوله تعالى: ﴿اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، ﴿هُوَ﴾ إيش إعرابه؟ مبتدأ مسند إليه جاء ضميرًا، لِمَ جاء ضميرًا، لماذا؟
стр. 90
لأنه بدلاً من أن تأتي بالاسم الظاهر حشوًا تأتي بما يدل عليه وقد تقدم مرجعه لكنه من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، لأن ﴿هُوَ﴾ يعود على العدل المفهوم من قوله: ﴿اعْدِلُواْ﴾ إذا مرجع ﴿هُوَ﴾ معنى، الذي هو المصدر المنسبك منه الفعل ﴿اعْدِلُواْ﴾ منسبك من مصدر وزمن، العدل هو الذي عاد عليه الضمير [أو حكمًا] (١) أو معنًى نحو قوله تعالى: ... ﴿اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي العدل، أو لقرينة الحال المقام كقوله: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، (أَبَوَيْهِ) الضمير يعود إلى أي شيء؟ الميت هذه لقرينة الحال، صحيح؟ لقرينة الحال، أو حكمًا نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، ... ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ هذا حكمًا، يعني هذا ضمير القصة والشأن يعود إلى متأخر، أو يقتضي المقام إذًا يقتضي المقام أن يُورِدَ الضمير غيبة، ثم المرجع قد يكون ملفوظًا به صريحًا، وقد يكون معنًى، وقد يكون معلومًا بقرينة الحال، وقد يكون حكمًا. هذه أربعة أحوال.
أو يقتضي المقام أن يورد فيه ضمير متكلم. قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] وقوله ﷺ : «أنا أفصح العرب».
أو يقتضي المقام أن يورد فيه ضمير خطاب كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] ﴿إِنَّكَ﴾ الكاف للخطاب هنا، إذًا اقتضي المقام أن يأتي بضمير خطاب وهذا واضح، واقتضى المقام أن يأتي بضمير المتكلم، وهذا واضح، واقتضى الخطاب أن يأتي بضمير غيبة فلا بد له من مرجع على التفصيل الذي ذكرناه سابقًا.
وَإِنْ بِإِضْمَارٍ يَكُنْ مُعَرِّفَا ... فَلِلْمَقَامَاتِ اْلثَّلاَثِ فَاعْرِفا
ثم قال:
وَالأَصْلُ فِي الْخِطَابِ لِلْمُعَيَّنِ ... وَالتَّرْكُ فِيهِ لِلْعُمُومِ الْبيِّنِ
هذه المسألة هي التي ينفرد بها البيانيون، المسألة السابقة تحدث عنها النحاة وغيرهم، وأما كون المخاطب يكون معينًا على الأصل هذا حديث البيانيين، (وَالأَصْلُ فِي) مقام (الْخِطَابِ) أي الحق الواجب له بحسب وضع اللغة أن يكون للمعين، يعني: إذا خاطبتَ شخصًا بـ (أنت) ترى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾ الأصل أن يكون الخطاب معين، شخص معين، إمَّا مفرد أو مثنًّى أو جمعًا، هذا الأصل فيه، وقد لا يكون الخطاب لمعين لحكمة ما، كما قال: (لِلْعُمُومِ الْبيِّنِ) فحينئذٍ نقول: عندنا أمران فيما يتعلق بضمير الخطاب:
أصلٌ بحسب وضعه اللغوي. وفرع، وهو مجاز عندهم.
الأصل أنه إذا خوطب الشخص بلفظ الخطاب بضمير الخطاب يكون معينًا (أنتَ، أنتِ، أنتما، أنتم) هذا الأصل، أن يكون الشخص معينًا.
وقد يخرج عن ذلك ولا يراد به المعين، ويكون ماذا يكون مفيدًا للشمول البدلي (وَالأَصْلُ فِي) مقام (الْخِطَابِ) أي الحق الواجب له بحسب وضع اللغة أن يكون للمعين مخاطبه، أي أن يعين المخاطب مفردًا كان أو مثنًّى أو جمعًا لأن أصل وضع المعارف أن تُستعمل في معين. ما هو المعرفة؟ ما وضع المستعمل في معين. إذًا ضمير خطاب من المعارف الأصل فيه أنه يُستعمل في معين. إذًا هذا لا يُسأل عنه مع أن الخطاب هو توجيه الكلام إلى حاضر فيكون معينًا.
стр. 91
(وَالتَّرْكُ) أي ترك ذاك الأصل ألا يكون الخطاب مستعملاً لمعين فيه أي في تعيين المخاطب أي قد يترك الخطاب مع معين إلى غيره للعموم البين، يعني لإفادة لأجل - اللام للتعليل - أي لأجل إفادة الشمول البين الظاهر الواضح، حينئذٍ تترك التعيين من أجل أن يكون الخطاب عامًا للعموم البين أي الشامل لكل مخاطب على سبيل البدلية، أي ليعم الخطاب كل مخاطب على سبيل البدل، فالعموم بدلي هنا لا شمولي.
(وَالأَصْلُ) في قوله: (وَالأَصْلُ) هذا مبتدأ، و (فِي الْخِطَابِ) متعلق به وقوله: (لِلْمُعَيَّنِ) هذا خبره (وَالتَّرْكُ) مبتدأ، و (فِيهِ) متعلق به وخبره (لِلْعُمُومِ)، و (الْبيِّنِ) هذا صفة له. فأصل الخطاب أن يكون لمعين وقد يترك إلى غير معين كما تقول: فلان لئيم إن أكرمتَهُ أهانَ، وإن أحسنتَ إليه أساء إليك. أكرمتَه أحسنتَ. هل المراد به مخاطب معين أم المراد به كل من يتأتى أن يكون هذا خطابًا له؟ لا شك الثاني. حينئذٍ هنا لم يُرد به معين وإنما أريد به الشمول، يعني لم يتعين الخطاب هنا لشخص بعينه خلاف ما عليه المعرفة، إن أكرمته يعني كل شخص يكرمه إن أحسنتَ لكل شخص يحسن إليه إن أكرمته أهان إن أحسنتَ يعني كل شخص يحسن إليه النتيجة الإساءة، فلا تريد بذلك أكرمت وأحسنت مخاطبًا بعينه، بل تريد إن أُكرم من أي شخص كان، وإن أحسن إليه من أي شخص كان، فليس المراد به مخاطبًا معينًا فتخرجه بصورة الخطاب ليفيد العموم أي سوء معاملته غير مختص بواحد دون واحد، وهو في القرآن كثير، يعني هذا خطاب موجود في القرآن بكثرة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ من؟ كل من يتأتى منه الرؤية ليس خاصًا بالنبي ﷺ ولا بأي قارئ، وإنما كل من تتأتى منه أن يكون راءِيًا حينئذٍ دخل في الحكم. أُخرج في صورة الخطاب لما أريد العموم للقصد لا توضيع حالهم، وأنها تناهت في الظهور حتى أمتنع خفاؤها فلا تختص بها رؤية راءٍ تختص به، بل كل من يتأتى منه رؤية داخل في الخطاب، فيجعل غير الحاضر كالحاضر ليعم كل مخاطب على سبيل البدل.
إذًا (وَالأَصْلُ فِي الْخِطَابِ لِلْمُعَيَّنِ) جاء على وفق ما هو بحسب الوضع، (وَالتَّرْكُ فِيهِ) يعني في الخطاب (لِلْعُمُومِ الْبيِّنِ) فيترك ويراد به الشمول البدلي
وَعَلَمِيَّةٌ فَلِلاْحْضَارِ ... وَقَصْدِ تَعْظِيِمٍ أَو احْتِقَارِ
(وَعَلَمِيَّةٌ) الثاني من المعارف العلم، وهو ما وضع لشيء بعينه لا يتناول غيره:
اسم يعين المسمى مطلقًا ... علمه كجعفر وخرنقًا
стр. 92
فهو وُضِعَ لشخص بعينه لا يتناول غيره، زيدٌ علم ووضع للذات المشخصة المقصودة المعينة ولا يتناول غيره البتة، فتعريف المسند إليه بالعلمية يكون لأمور كما قال هنا الناظم: (عَلَمِيَّةٌ) نسبة إلى العلم وهو مبتدأ، أي علمية المسند إليه أي كونه معرفًا بالعلمية (فَلِلاْحْضَارِ) الفاء فاء الفصيحة، (لِلاْحْضَارِ) واللام للتعليل أي لأجل أن يحضر المسند إليه بعينه في ذهن السامع، [أن] بإحضار ماذا؟ إحضار المسند إليه بعينه في ذهن السامع يعني أشخصه لك من أجل أن أحكم عليه، إذا قلتَ: زيد قال. وأنت تعرف زيد وإلا ما صار علمًا، زيدٌ سافر إذا لما قلتَ زيد أحضرتَ المسند إليه الذي حكمتَ عليه بكونه سافر بعينه بشخصه لا يحتمل غيره البتة، لأجل أن يحضر المسند إليه بعينه في ذهن السامع ابتداءً باسم يخصه بحيث يكون متميزًا عن جميع ما عاداه، لو قلتَ ماذا؟ جاءني زيد وهو راكب. وهو راكب هل أحضرته بعينه؟ ما أحضرته بعينه، إذًا ابتداءً من أول مرة أنه يعبر عنه بالعلم، وهو راكب أحضره لكن لا بعينه، وإنما بمرجعه، جاءني زيد وهو راكب، وهو من؟ زيد. إذًا أحضره لكن لا بذاته وإنما بواسطة، لأجل أن يحضر المسند إليه بعينه في ذهن السامع ابتداءً يعني في أول مرة احترازًا من قولنا: جاءني زيد وهو راكب. هذا إحضاره مرة ثانية لا أولاً بالضمير الغائب، باسم يخصه أي المسند إليه بحيث لا يُطلق على عَلى غيرهم، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] لما قلتَ: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ دل مدلوله على الذات المقدسة الموصوفة بالإلوهية ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ ... [الفتح: ٢٩] أحضرته بعينه
أبو مالك قاصرٌ فَقْرَهُ ... على نفسه ومشيع غناه
وقصد تعظيم أي للدلالة على تعظيم المسند إليه، يعني يؤتي به علمًا من أجل أن يعظم، كمن يسمى حاتمًا مثلاً حاتمٌ وتريد به المشار إليه حاتم الجواد.
(أَو احْتِقَارِ) المسند إليه - كما في الكنى والألقاب المحمودة والمذمومة - يجمع قصد التعظيم والاحتقار كما هو في الألقاب وهو نوع من العلم وكذلك الكنى، أبو لهب مذموم أو لا؟ مذموم. أبو القاسم ﷺ ممدوح. إذًا قد تشير الكنية إلى مدح وقد يشار باللقب إلى ذم أو مدح، حينئذٍ يؤتي به من أجل إفادة مدلوله.
[الثاني] (١) من المعارف الموصول أو الثالث نعم الثالث أول الضمير والثاني علمية الثالث قال:
وَصِلَةٌ لِلجَهلِ وَالتَّعْظِيمِ ... لِلشَّانِ وَالإِيمَاءِ وَالتَّفْخِيمِ
(وَصِلَةٌ) كان الأَوْلَى أن يقدم اسم الإشارة لأنه أَعْرَف أليس كذلك؟ فذو إشارة فموصول متم، صحيح؟
فمضمر أعرافها ثم العلم ... فذو إشارة فموصول متم
إذا اسم الإشارة أعرف فالأَوْلَى أن يقدمه عليه، إذ هو يعرف منه كما هو مذهب سيبويه والجمهور، ويأتي المسند إليه صلة لأمور.
стр. 93
قال الناظم: (وَصِلَةٌ) أي الموصول مع صلته، عبر بالصلة عن الموصول مع صلته، أي وأما تعريف المسند إليه بالموصلية أي بإيراده اسم موصول وتخصيصه بالصلة لأنك إذا قلتَ: الذي قام أبوه قادم. أين المسند إليه هنا؟ الذي قام أبوه [حاضر] قادم أين المسند إليه؟ قولان إلى الآن بقي قول ثالث قسمة عقلية [ها] أين المسند إليه؟ ما هو؟ الذي. وقام أبوه؟ قام أبوه ها يا نبيل. الموصول مع صلته، إما أن يكون الموصول، وإما أن يكون الموصول مع صلته، وإما أن تكون الصلة. ثلاثة أقوال عقلية.
الذي هو المسند إليه، هو المبتدأ، إذا جاءت تعرب الذي قام أبوه حاضر، الذي اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، قام أبوه فعل وفاعل، والفاعل مضاف ومضاف إليه والجملة من الفعل والفاعل صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، كيف نقول الذي له محل وهو المبتدأ الابتداء، والصلة قام أبوه لا محل له من الإعراب، لأن الذي يعرب هو الأول الصلة، وصلة هي التي تكون مبتدأً، جاء الذي قام أبوه. جاء فعل ماضي، الذي فاعل، قام أبوه صلة الموصول، فالاسم الموصول هو الذي يكون مبتدأ، وهو الذي يكون له محل من الإعراب سواء وقع فاعلاً أو اسم إن أو خبر إن الموصول هو الذي يعرب، هو الذي يكون له محل من الإعراب، وأما الصلة فلا محل لها من الإعراب، ولذلك نقول بتعبير دقيق: وأما تعريف المسند إليه بالموصلية أي بإيراده اسم موصول وتخصيصه بالصلة، يعني التي هي الجملة بالجهل، أي يأتي لأمور منها ألا يعرف السامع إلا ما قُيِّدَ الموصول بالصلة، ترى شخصًا في المسجد مع شخص ثالث ولا تعرف اسمه، تقول له: الذي كان معنا بالأمس، فما تعرف اسمه ولا تعرف له وصف إلا الذي كان معنا، فحينئذٍ جئت بالصلة هنا الموصول وجعلته مسندًا إليه بالجهل، بالجهل بماذا؟ للجهل بصفات المسند إليه إلا هذا الوصف، أي: يجعل المسند إليه موصولاً لجهل السامع أي: لعدم علم السامع المخاطَب بالأحوال المختصة به سوى الصلة، وقد يكون من المتكلِم كذلك، ويحتمل أنه من السامع ويحتمل أنه من المتكلم، كقولك: الذي كان معنا أمس رجلٌ صالحٌ. والتعظيم للشأن وعبَّر عنه في ((الإيضاح)) بقوله: جُعِلَ ذريعةً إلى التعريض بالتعظيم لشأن الخبر. يعني: يُجعل المسند إليه اسمًا موصولاً ذريعةً من أجل التعريض بالتعظيم لشأن الخبر، يعني: وسيلة لتعظيم غيره، أي يُجعل المسند إليه موصولاً للإيماء إلى وجه بناء المسند على المسند إليه ووسيلةً إلى رفع شأن المسند وتعظيمه كقول الفرزدق:
إِنَّ الذي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لنا ... بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ
إن الذي سمك السماء: هذا إيماء إلى الخبر. بنى لنا بيتًا أو قصرًا: إذًا خبر المتبني عليه وهو أمرٌ عظيم، حينئذٍ جاء التمهيد هنا من أجل ماذا؟ جيء بالاسم الموصول وجُعل مسندًا من أجل أن يمهد بالصلة المخصصة للاسم الموصول إيماءً إلى أن الخبر عظيم، إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتًا. إذًا كيف يكون حاله؟ عظيم لأن الذي سمك السماء سامك السماء هو الباني للقصر، حينئذٍ صار تمهيدًا وذريعةً لتعظيم الخبر.
إِنَّ الذي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لنا ... بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ
стр. 94
ففي قوله: إن الذي سمك السماء: إيماءٌ إلى الخبر المبتني أو الْمُبْتَنَى عليه، أمرٌ من جنس الرفعة وفيه تعريضٌ بتعظيم بنائه لكونه فِعْلَ من رفع السماء لا بناء أرفع منها، الذي رفع السماء هو الذي بنى قصرًا، إذًا كيف يكون حال القصر؟
عظيم هذا المراد به، والإيماء، أي: الإشارة إلى وجه بناء الخبر أي: بناء المسند على المسند إليه، يعني: ما العلة؟ قد يشار بالاسم الموصول يعني: يؤتى بالمسند إليه وكذلك حتى في المسند يؤتى بالاسم الموصول من أجل ... أن يُمَهَّدَ بأن علة الخبر الذي هو الحكم ما اشتمل عليه الموصول من ... الصلة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. ما علة قوله: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾؟ استكبارهم. من أين أخذته؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. إذًا جيء بالصلة هنا من أجل التمهيد لكون الخبر معلل. معلل بماذا؟ بما اشتملت عليه الصلة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ فإن الاستكبار الذي تضمنته الصلة فيه إيماء يعني: إشارة إلى أن الخبر المبني عليه أمرٌ من جنس العقاب والإذلال فكان مناسِبًا لإسناد ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي ذليلينَ إلى الموصول، حينئذٍ جاء بالفاتحة كما قال التفتازاني: على وجهٍ ينبه الفطن على الخاتمة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ لو وقف هنا سيعلم أن عقابًا ينالهم، وهذا جاء بالصلة في الأول.
(وَالتَّفْخِيمِ) أن يؤتى بالمسند إليه موصولاً لأجل التفخيم في مقام التعظيم والتهويل كما في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]. ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ أي: موجٌ عظيم لا يكتنه كنهه ولا يمكن وصفه، فإن في هذا الإبهام من التفخيم ما لا يخفى، فلو قيل: فغشيهم الغرق حينئذٍ علقه بمعلومٍ لكن ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ هل هو غرق؟ هل هو هلاك؟ هل هو زلزال؟ هل .. هل .. ، يحتمل ويحتمل، فحينئذٍ يتصور بالذهن أن هذه كلها قد وقعت لكن لو قال: غشيهم الغرق حينئذٍ كان فيه تخصيص للعذاب، فلو قيل: فغشيهم الغرق لم يفد هذا التفخيم، (وَصِلَةٌ لِلجَهلِ وَالتَّعْظِيمِ لِلشَّانِ)، للشأن هذا متعلق بقوله التعظيم (وَصِلَةٌ لِلجَهلِ)، (وَصِلَةٌ) هذا مبتدأ و (لِلجَهلِ) هذا خبر، والبقية معطوفاتٍ عليها، والمسوغ هنا التفصيل، أو يراد كقصد الجنس صلة حينئذٍ صار في حكم المعرفة (وَالإِيمَاءِ وَالتَّفْخِيمِ) ثم قال:
وَبِإِشَارةٍ لِذِي فَهًمٍ بَطِي ... فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ أَوِ التَّوَسُّطِ
هذا النوع الرابع؟ [الضمير، العلم، الصلة، اسم لإشارة هذا الرابع أحسنت].
стр. 95
ثم ذكر اسم الإشارة بقوله: (وَبِإِشَارةٍ) يعني: اسم إشارة، بحذف المضاف اسم إشارةٍ أي: باسم إشارةٍ جُعل مسندًا إليه أي: وأما تعريف المسند إليه بإرادة اسم إشارة (لِذِي فَهًمٍ بَطِي) يعني: اسم الإشارة في الأصل أنه موضوعٌ لأي شيء، اسم الإشارة في أصل وضعه في لسان العرب موضوعٌ للمحسوسات، المحسوسات لا بد أن يكون لشيءٍ محسوس أليس كذلك؟ وما سبق معنا أن حدّ الإشارة ما وضع لمسمًى أو معين وإشارةٍ إليه، لو قلت: هذا زيدٌ، هذا من المعارف أليس كذلك؟ من المعارف لو لم أشر بيدي وأردت أن أعرف واحدًا منكم: هذا زيدٌ. أنا أريد أن أخبرك أنت: هذا زيدٌ. دون أن أشير تعرفه؟ ما تعرفه. لكن لو قلت: هذا زيدٌ عرفته أم لا؟ بماذا عرفته بلفظ هذا فقط؟ لا، مع الإشارة، هذا زائدًا الإشارة، أما لفظ هذا لوحده لا يكفي ولا يكون معرفةً، لو جلست من العشاء إلى الصلاة تقول: هذا زيدٌ، هذا زيدٌ، ما عرفه الحاضرون لماذا؟
لانتفاء الإشارة، الذي يكون فهمه بطيئًا لا يُدرك إلا المحسوس، يعني: المعقول هذا لا مجال له فيه، فإذا خوطب حينئذٍ أريد الإشارة إلى كونه بليد الذهن فيؤتى له باسم الإشارة بناءً على أنه لا يفهم [ها ها] المعقولات.
(لِذِي) أي لسامعٍ صاحب فهمٍ بطيء لبلادته وغباوته، فحينئذٍ يكون مُسْتَبْلَدَ الذهن حتى أنه لا يتميز له الشيء إلا بالإشارة ولا يدرك غير المحسوس، كقول الفرزدق يخاطب جريرًا:
أولئك آبائي فجئني بمثلهمُ ... إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ
أولئك قالوا: أراد به الإشارة إلى غباوة جرير، كلهم يذم بعضهم بعضًا جرير وفرزدق.
أولئك آبائي: مبتدأ وخبر، فجئني بمثلهمُ إذا جمعتنا يا جرير مجامعُ،
إذًا إذا كان المخاطب السامع ذا فهمٍ بطيء يعني إشارة إلى كونه لا يفهم إلا بالمحسوسات فحينئذٍ يؤتى بالمبتدأ اسم إشارة.
أو (فِي الْقُرْبِ) أي: للدلالة على القرب، معلومٌ أن اسم الإشارة قد يكون للقريب أو البعيد أو التوسط كما ذكره الناظم هنا، فحينئذٍ تأتي باسم الإشارة للدلالة على قرب المسند إليه، أو للدلالة على بعده، أو للدلالة على توسطه، أو (فِي الْقُرْبِ) أي: أن يكون المسند إليه اسم إشارة لأجل بيان حاله من قربٍ من المتكلمين، كقولي: هذا زيد إذًا هو قريبٌ مني، أو البعد كذلك أو ذلك زيد، ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢]. بعيد لرفعة شأنه والبعد هنا معنوي، أو التوسط وهو مذهب كثيرٍ من النحاة لأن للإشارة ثلاثة مراتب:
قربى ولها المجرد.
ووسطى ولها ذو الكاف ذاك.
وبعدى ولها ذو الكاف واللام.
ذا هذا القريب، ذاك للمتوسط، ذلك هذا للبعيد، وصححه ابن الحاجب، وعند سيبويه وتبعه ابن مالك أنه ليس للإشارة إلا مرتبتان، ثم ذكر المحلى بأل.
نكمل بعد الصلاة إن شاء الله يا إخوان، والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 96
عناصر الدرس
* تتمة أغراض تعريفه.
* أغراض تنكيره.
* أغراض ذكر توابعه.
* أغراض فصله بضمير الفصل.
* أغراض الخروج عن مقتضى الظاهر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَأَلْ لِعَهْدٍ أَوْ حَقِيقَةٍ وَقَدْ ... تُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ أَوْ لِمَا انْفَرَدْ
هذا المعرف الخامس، وهو: (أَلْ). ونطق بـ أل بناءً على أن المعرف هو (أَلْ) برمتها الهمزة واللام، خلافًا لمن قال: الألف واللام. حينئذٍ يحتمل عنده أن المعرف هو اللام والصحيح أن المعرف هو (أَلْ) بناءً على مذهب الخليل بكون الهمزة همزة قطع لكنها سُهِّلَتْ وصارت همزة وصل لكثرة الاستعمال، (وَأَلْ) أي: المعرفة. ونقول: عبَّر بـ (أَلْ) دون الألف واللام اختيارًا لمذهب الخليل أن الْمُعَرِّفَ مجموع (أَلْ)، وتعريف المسند إليه بـ (أَلْ) للنكت، فتارة يكون لعهد كما قال هنا: (لِعَهْدٍ). أي: لمعهود. أطلق المصدر وأراد به اسم المفعول، (لِعَهْدٍ) أي: حصة معهودة بين المتكلم والمخاطب، حصة يعني: قدر معهود بين المتكلم والمخاطب واحدًا كان أو اثنين أو جماعة يختلف، قد يكون المعهود شيئًا واحدًا فردًا، وقد يكون مثنًى، وقد يكون متعددًا، فهو قابل للكل، فالمراد منه العهد الخارجي هنا لأنه سيقابله بقوله: (أَوْ لِمَا انْفَرَدْ). وهو حقيقة وقد تفيد الاستغراق، إذًا عندنا عهد خارجي، وذلك لتقدم ذكره صريحًا ويسمى العهد الخارجي الحقيقي، أو كناية يعني: يكون العهد الخارجي متقدمًا يكون ذكره أو المعهود يكون المعهود متقدمًا، إما أن ينطق به صريحًا وإما أن يكنى عنه يعني يذكر كنايةً ويسمى العهد الخارجي التقديري، إذًا عندنا عهد خارجي حقيقي وهو الذي ذُكر المعهود صريحًا، وعندنا كناية ويسمى العهد الخارجي التقديري، وهذا تقسيم البيانيين.
فالأول: العهد الخارجي الحقيقي كقوله تعالى: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ﴾ [النور: ٣٥] ﴿الْمِصْبَاحُ﴾ (أَلْ) في قولك: ﴿الْمِصْبَاحُ﴾ للعهد الخارجي الحقيقي لماذا؟ لكون المعهود - ما هو المعهود -؟ ... ﴿مِصْبَاحٌ﴾ السابق، وذكر أولاً، ومثله المثال المشهور بـ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥، ١ ٦] أي: الذي أرسل أولاً. فإذا أعيدت النكرة معرفة فحينئذٍ هو عين الأول، ويسمى العهد الخارجي الحقيقي لكونه قد ذُكِرَ أولاً.
стр. 97
والثاني: العهد الخارجي التقديريّ نحو ماذا؟ كقولك: انْطَلَقَ الرَّجُلُ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا، وَالْمُنْطَلِقُ ذُو سَعَادَةٍ. انْطَلَقَ وَالْمُنْطَلِقُ، هنا في الْمُنْطَلِقُ (أَلْ) للعهد لكنه عهد خارجيّ تقديريّ لماذا؟ لكون انْطَلَقَ يدل على اسم الفاعل التزامًا، فإن انْطَلَقَ يدل على الْمُنْطَلِقُ التزامًا لأن انْطَلَقَ حَدَثٌ، والحدث لا بد له من مُحْدِثِّ، والْمُحْدِث هو المتصف بالحدث. انْطَلَقَ مُنْطَلِق، ضَرَبَ ضَارِب، قَتَلَ قَاتِل، إذًا دلالة قَتَلَ على قَاتِل دلالة التزامية، فحينئذٍ يكون العهد هنا عهدًا خارجيًّا لكنه تقديري، وقد اجتمعا في قوله تعالى يعني: خارجًا، صريح حقيقي، والتقديري في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ﴾ هنا تقديري ... ﴿كَالأُنثَى﴾ هنا حقيقي، أي: ليس الذكر الذي طَلَبَتْ كالأنثى التي وُهِبَتْ، فالأنثى إشارة إلى ما سبق ذكره صريحًا في قوله تعالى حكاية عن أم مريم ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾ نكرة، ثم قال: ﴿كَالأُنثَى﴾ إذًا هي عينُها لكنه ليس مسند إليه والذكر إشارة إلى ما سبق ذكر كناية في قوله تعالى حكاية عنها: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ [آل عمران: ٣٥]. أين الذكر هنا؟ ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ أين الذكر؟ ﴿مَا﴾ كناية عن الذكر كأنها قالت: نذرت لك ذكرًا في بطني محررًا. وإن كانت ﴿مَا﴾ هذه عامة للذكر والأنثى لكن لما كان الذي يُحَرَّر ويكون خادمًا لبيت المقدس هو الذكر يعني: محصور في الذكور. هذه قرينة، ثم قوله: ﴿مُحَرَّراً﴾. هذا حال، حَال من ﴿مَا﴾، لو كان المراد بها الأنثى لقالت: محررةً. تأنيث لكن قال: ﴿مُحَرَّراً﴾. علمنا أن ﴿مَا﴾ صاحب الحال مذكر هنا، فدل على أن ﴿مَا﴾ كناية عن ذكر، فلما قال: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ﴾. الذي دلت عليه ﴿مَا﴾ ﴿كَالأُنثَى﴾، ... ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾ إذًا اجتمع عندنا العهد الخارجي الحقيقي والعهد الخارجي التقديريّ. إذًا ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ فـ ﴿مَا﴾ عامة للذكر والأنثى لكن التحرير وهو أن يعتقل ولد لخدمة بيت المقدس للذكور دون الإناث وكذلك تزيد عليه ﴿مُحَرَّراً﴾، وقد يستغنى عن ذكره لتقدم علم المخاطب به يعني: المعهود الخارجي قد لا يُذكر لا تصريحًا ولا كناية لماذا؟ لعلم المخاطَب بِهِ، نحو ماذا؟ خَرَجَ الأَمِيرُ، ذَهَبَ الأَمِير، رَاعَيْتُ الأَمِير، وأنت تعلم أنه ليس للبلد إلا أمير واحد، فحينئذٍ المعهود هنا فرد خارجي أليس كذلك؟ لكن أين هو؟ هل ذكر صريحًا؟ الجواب: لا، هل ذكر كناية؟ الجواب: لا، أين الإحالة؟ الإحالة لشيء معلوم عند المخاطب لماذا؟ لكوني أنا المتكلم وأنت أيها المخاطب نعلم أن البلد ليس لها إلا أمير واحد، خَرَجَ الأَمِيرُ إذا لم يكن في البلد إلا أمير واحد قالوا: ومنه - عند البيانيين - ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾، ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وهذا مدلوله فرد لكنه يعلمه المخاطب، فحينئذٍ المعهود في قوله: ﴿الْغَارِ﴾. والمعهود في قوله: ... ﴿بِالْوَادِ﴾. والمعهود في قوله: ﴿الشَّجَرَةِ﴾.
стр. 98
لم يتقدم لا تصريحًا ولا كناية، وإنما عُهِدَ علمه إلى المخاطب، واضح؟ أو لكونه محسوسًا مُبْصَرًا كقولك لِمَنْ يسدد سهمًا: الْقِرْطَاس. يعني: شيء محسوس أمامك الْقِرْطَاس يعني: سدد القرطاس مثلاً أو لكونه حاضرًا نحو ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] حاضر اليوم نزلت الآية يوم عرفة يعني: هذا اليوم. حينئذٍ (أَلْ) هنا تفيد العهد الحضوري، وكل هذا في غير مسند لكن الحكم واحد، والبيانيون اعتادوا أن يمثلوا للمعاني بالمسند وغيره.
إذًا العهد الخارجي الأصل أنه منقسم إلى قسمين:
عهد خارجي حقيقيّ: إذا كان المعهود ملفوظًا به مصرحًا ﴿مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ﴾.
وعهد خارجي تقديريّ: وهو إذا كُنِّيَ عنه مثل ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾، والمراد بالذكر هنا حينئذٍ نقول: هذا عهد خارجي تقديري، وقد يأتي لغيره فيما ذكر.
(أَوْ حَقِيقَةٍ) (أَوْ) للتنويع، أو يكون المسند إليه معرفًا بـ (أَلْ) لأجل الإشارة لـ (حَقِيقَةٍ) يعني: نفس الحقيقة فـ (أَلْ) عند البيانيين قسمان:
عهدية.
وحقيقية.
فقط الحقيقية هي الجنسية وتدخل تحتها الاستغراقية، بخلاف التقسيم عند النحاة عند النحاة تختلف، عند البيانيين (أَلْ) إما عهدية، وإما حقيقية. يعني: إما تأتي للعهد كما قال الناظم هنا، وإما لحقيقة.
ثم العهد أنواع ثم الحقيقية كذلك أنواع.
(حَقِيقَةٍ) من الحقائق أي: ماهية من الماهيات المشتركة بين جميع الأفراد التي يُعبر عنها بالجنس - عند البيانيين - يعني: الحقيقة من حيث هي لا باعتبار الأفراد، الإنسان حيوان ناطق، الإنسان من حيث هو إنسان لا باعتبار الأفراد، حينئذٍ يعبر عنها بالحقيقة يعني: ماهية من الماهيات، أو حقيقة من الحقائق التي يُعبَّر عنها بالجنس من غير اعتبار مصدقها، ما المراد بالمصدق؟ الأفراد، يعني: ما يَصْدُقُ عليه اللفظ، لفظ إنسان يصدق على عمرو، وخالد، وبكر، ومحمد، هذا يُسمى مصدر، نعتبر مدلول اللفظ من حيث هو لا باعتبار المصدر يُسمى ماذا؟ يسمى حقيقة. نحو: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ الْمَرْأَة. هذا المثال مشهور: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ الْمَرْأَة. حَقِيقَةُ الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ حَقِيقَةِ الْمَرْأَة، لا باعتبار الأفراد يعني: ليس كل فرد من الرجال خير من كل فرد من النساء، ليس هذا المراد، الآن وجد العكس، الرَّجُلُ حقيقة الرجل من حيث هو رجل يعني: وصف الرجولة خير من وصف الأنوثة أليس كذلك؟ هذا هو المراد، أي: حقيقة الرجل من حيث هي هِي يعني: لا باعتبار الأفراد ومنه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ... [الأنبياء: ٣٠] يعني: من جنس الماء - وإن كان هذا ليس من المسند إليه - ومنها اللام داخلة على المعرفات حقيقية تقول: الكلمة قول مفرد. الكلمة (أَلْ) أي: حقيقة الكلمة من حيث هي هِي يعني: لا باعتبار الأفراد. الإنسان حيوان ناطق يعني: الإنسان من حيث هو هُو. والكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد، ولا تدل هذه اللام على وحدة ولا تعدد. إذًا لام حقيقة تدل على حقيقة من الحقائق وماهية من الماهيات لا باعتبار الأفراد، فلا تدل على تعدد ولا على وحدة، وإنما على شيء من حيث هو هُو.
стр. 99
ثم قال: (وَقَدْ تُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ). (وَقَدْ) ليست للتقليل إنما هي كثيرة (تُفِيدُ) ما هي؟ (أَلْ) التي للحقيقة يعني: مع دلالتها على الحقيقة والماهية (تُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ) يعني: الشمول. (تُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ) إذًا الاستغراقية ليست مباينة للحقيقية وإنما هي داخلة تحتها، (وَقَدْ تُفِيدُ) وهي (أَلْ) التي للحقيقة (الاسْتِغْرَاقَ) سواء كان حقيقيًّا أو عرفيًّا - كما سيأتي - للأفراد حقيقة كـ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ يعني: عالم كل غيب وكل شاهدة، كل فرد من أفراد الغيب عالم به، وكل فرد من أفراد الشهادة عالم به ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] يعني: كل إنسان، هذه (أَلْ) الاستغراقية لأنها أشارت إلى الحقيقة لكن باعتبار الأفراد وباعتبار جميع الأفراد ثلاثة أشياء:
﴿الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ حقيقة الإنسان ميزه عن الحيوان عن سائر الحيوان يعني: الأنواع.
ثم كان الحكم على الأفراد.
ثم الحكم على الأفراد على نوعين: بعض الأفراد أو جميع الأفراد؟ هنا جميع الأفراد ولذلك صَحَّ حُلُول لفظ كل محلها والاستثناء من مدخولها، ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ﴾ [العصر: ٢، ٣] ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿الَّذِينَ﴾ جمع أليس كذلك؟ هو مُستثنى، أين المستثنى منه؟ الإنسان، الإنسان في اللفظ واحد، كيف استثني منه ﴿الَّذِينَ﴾؟
نقول: هو باعتبار المعنى في شمول. يعني: كل إنسان كل فرد من أفراد الإنسان.
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] هذه موصولية إذًا (وَقَدْ تُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ) للأفراد حقيقةً كـ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: كل غيب وكل شهادة، أو عرفًا يعني: لها استغراق لكنه عرفيّ كقولهم: جَمَعَ الأَمِيرُ الصَّاغَة. كل صاغة العالم أو صاغة بلده؟
بلده، لأن هذا العرف، الأمير ليس له إلا ما تحته، أليس كذلك؟
جَمَعَ الأَمِيرُ الصَّاغَة يعني: صاغة بلده، هذا الذي يُعَوَّلُ عليه، وأما لفظ الصاغة لو قيل بأنه كالإنسان حينئذٍ جمع كل من يَصْدُق عليه الوصف في العالم كله، وهذا لا وجود له.
إذًا هذا استغراق عرفي يعني: باعتبار عرف المتكلِم. كون (أَلْ) للاستغراق المراد بها أنها تعمُّ الأفراد ومع ذلك معنى الجنسية لا يفارقها، لأن الحقيقية قلنا: حقيقة من الحقائق وماهية من الماهيات وهي التي يُعَبَّرُ عنها بالجنس، إذًا (أَلْ) الجنسية.
(أَلْ) الحقيقية هي الجنسية عند البيانيين، حينئذٍ (أَلْ) التي تفيد الاستغراق لا تفارق الجنسية، وإنما مع دلالتها على الجنسية تدل على الأفراد، إما كُلاًّ في الحقيقي أو بعضًا في العرفيّ، فمعنى الجنسية لا يفارقها كما أشرنا فيما سبق ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أُشير بـ (أَلْ) إلى الحقيقة لكن لم يقصد بها الماهية من حيث هي هِي ولا من حيث تحققها في ضمن بعض الأفراد، بل في ضمن الجميع بدليل صحة الاستثناء.
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ﴾ رُوعِي فيه الاستغراق ورُوعِي فيه الجنس، انتبه لهذا.
стр. 100
(أَوْ لِمَا انْفَرَدْ) (أَوْ) للتنويع أي: ترد (أَلْ) المعرفة للجنس لا مطلق (أَلْ) للإشارة (لِمَا انْفَرَدْ) هذا نوع من النوع الثاني، (أَلْ) لعهد انتهينا منها، أو حقيقة أو قال ماذا؟ بـ أو (أَوْ حَقِيقَةٍ) ثم هذه الحقيقية الجنسية تفيد الاستغراق وقد تفيد كذلك (لِمَا انْفَرَدْ) يعني: لفرد ذهني (لِمَا انْفَرَدْ) أي: لفرد مبهم من أفراد الجنس، يعني: يكون مدلولها فردًا لكنه ليس في الخارج وإنما هو شيء في الذهن أي: للفرد الواحد من أفراد الجنس غير معين عند السامع باعتبار عهديته في الذهن، يعني: معهود في الذهن، كقولك: اذْهَبْ إِلَى السُّوق. أليس كذلك؟ إذا قلت لابنك: اذْهَبْ إِلَى السُّوق. اذْهَبْ إِلَى كُلِّ سُّوقٍ في العالم، إِلَى كُلِّ سُوقٍ في البلد، إلى سوق واحد غير معين ما المراد؟ الثالث. إذا قلت: (أَلْ) هنا كـ (أَلْ) في الإنسان عمت كل الأسواق أليس كذلك؟ اذْهَبْ إِلَى السُّوق يعني كل سوق، اذْهَبْ إِلَى السُّوق والمراد به العرفي يعني: أسواق البلد كلها اذْهَبْ إِلَى سُّوق يعني: المراد به سوقًا واحدًا يحصل به الذهاب، اذْهَبْ إِلَى الْمَسْجِد المراد به فرد من أفراد المسجد ليس المراد به كل المساجد، إذًا جاءت (أَلْ) هنا لفرد مبهم غير معين، وحينئذٍ يكون هذا الفرد وجوده وجود في الذهن فقط، لأنه إذا قال: اذْهَبْ إِلَى السُّوق. أنا استحضر أي سوق في ذهني وتمشي، وإما إذا كان معهودًا في الخارج وهذا فيما مضى في العهدية.
إذًا (أَوْ لِمَا انْفَرَدْ) يعني: للفرد الواحد من أفراد الجنس غير معين عند السامع باعتبار عهديته في الذهن، وهذه التي تسمى (أَلْ) العهدية الذهنية، وهي عند النحاة نوع من أنواع العهدية، وهنا عندهم نوع من أنواع الجنسية، واضح؟
(أَلْ) العهدية للذهن هذه عند النحاة يجعلونها داخلة في العهدية التي تقابل الحقيقة والجنسية، وهنا لا، يجعلونها داخلة في الحقيقية، ادخل السوق إلى حيث لا عهد فإن الدخول إنما يكون في سوق واحد، وهذا الاسم الذي دخلت عليه (أَلْ) والمراد به فرد واحد غير معين في المعنى كالنكرة، لأنه كأنه قال: ادخل السوق. ادخل سوقًا. أي سوقٍ، فيصدق بسوق واحد، إذًا هو في المعنى كالنكرة إذا لم يكن لمعين يعرفه المخاطب فصار شائعًا بحسب الظاهر ولهذا يوصف بالجمل، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾، ﴿اللَّيْلُ﴾ المراد به فرد غير معين حينئذٍ وصف بـ ﴿نَسْلَخُ﴾، ﴿نَسْلَخُ﴾ الجمل بعد المعارف أحوال وهنا لا يعرب حالاً، وإنما يعرب صفةً لماذا؟ لأن الليل في قوة النكرة، والجمل بعد النكرات صفات، ولذلك أُعْرِبَ صفة.
وأوضح منه قوله يعني من حيث الاستدلال:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... وَمَضَيْتُ ثُمَّت قلت لا يعنيني
стр. 101
اللئيم فرد مبهم غير معين، يَسُبُّنِي الجملة صفة وليست بحال لماذا؟ لأن اللئيم المراد به فرد واحد غير معين فهو في معنى النكرة صار شائعًا في جنسه، فحينئذٍ نقول: هذا هو معنى النكرة، إذًا أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ أيُّ لئيم؟ أيَّ لئيمٍ كان فيصدق بفرد شائع واضح هذا؟ إذًا (أَلْ) التي يُراد بها الجنس وهي معرفة باللام، إما أن يراد بها نفس الحقيقة، واضح؟ الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ الْمَرْأَة، وإمَّا فرد معين فهو العهد الخارجي، وإمَّا فرد غير معين وهو العهد الذهني، وإمَّا كل الأفراد وهو الاستغراق، هذا ذكره في ((الإيضاح)) ونُوزِعَ في قول: فرد معين وهو العهد الخارجي.
ثم ذكر الإضافة بقوله:
وَبإِضَافَةٍ فَلِلإِخْتِصَارِ ... نَعَمْ وَلِلذَّمِّ أَوِ احْتِقَارِ
هذا المعرف السادس والأخير، وتعريف المسنَد إليه بإضافة إلى شيء من المعارف يكون لنكت، وإن يكن أي: المسند إليه معرفًا بإضافة يعني: بسبب الإضافة الباء سببية
فالاختصار الفاء وقعت في جواب الشرط، أي: بأن يكون المقام مقتضيًا الاختصار لأنك لو لم تضف لعددت وأطلت الحديث، فيورد المسند إليه مضافًا إلى غيره بكونه الإضافة أقصر طريق إلى إحضار المسند إليه في ذهن السامع كقول الشاعر:
هواي مع الركب اليماني لمصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق
فإنه أخصر من قوله: الذي أهواه. هواي الذي أهواه، ومثله قوله: بنو إسرائيل. بدل من أن تعدد تقول: بنو إسرائيل. ﴿وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٥٨] بدل من أن تعدد تأتي بالإضافة فهو أخصر، فإنه يُغني عن تفصيل المتعذر كما في بني إسرائيل، أو مرجوح ومثله أولاد يعقوب ... ﴿وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾.
(نَعَمْ وَلِلذَّمِّ أَوِ احْتِقَارِ). (نَعَمْ) هذا حرف جواب مبني على السكون لا محل له من الإعراب ولا عمل له، ومن معانيه أنه حرف توكيد، متى؟ إذا صُدِّرَ به الكلام كما هو الشأن هنا. (نَعَمْ) وبالتبعية التي مضت مثل ما مر معنا في نظم ((الآجرومية)) هو نفسه، نعم إنك طالب مجتهد، هنا حرف توكيد، (وَلِلذَّمِّ) للمضاف إليه أو للمضاف، قد يضاف الشيء ويراد به ذم المضاف أو المضاف إليه، علماء البلد فعلوا كذا مثلاً، تريد به الذم، «تعس عبد الدرهم». «تعس عبد الدينار». أريد به الذم، ولد الحجام حاضرٌ أريد به الذم، ومثله الاحتقار الذي ذكره في ... # ٢٣.٢٦ (أَوِ احْتِقَارِ) وهو قريب من الذم، فالأمثلة واحدة، وبهذا انتهى البحث الثالث وهو تعريف المسند إليه.
البحث الرابع في تنكيره قال:
وَإنْ مُنكَّرًا فلِلتَّحقِيرِ ... وَالضِّدِّ وَالإِفْرَادِ وَالتكْثِيرِ
وَضِدِّهِ ................... ... .............................
هذا ما يتعلق بماذا؟ بتوابع المسند إليه، الفرق بين هذا البحث والبحث السابق أن البحث السابق يتعلق بذات المسند إليه بذاته، هو يُحذف بذاته، يُذكر بذاته، كذلك يكون معرفة بذاته، (نَعَمْ) ذات تتعلق بالوصف وليس بـ .. يكون نكرة بذاته فالتعريف والتنكير، التنكير هذا متعلق بالبحث بمقابل المعرفة، ما وصلنا لما سيأتي.
стр. 102
البحث الرابع تنكيره أي: تنكير المسند إليه (وَإنْ يَكُنْ مُنكَّرًا فلِلتَّحقِيرِ وَالضِّدِّ)، (وَإنْ يَكُنْ) المسند إليه (مُنكَّرًا) أي: نكرة فيكون لنكت فوائد يعني (فلِلتَّحقِيرِ) الفاء واقعة في جواب الشرط بمعنى أنه أحقر من أن يُعَيَّن، ما تُعين تأتي بنكرة لأنه إن ذكرته معرفةً فحينئذٍ رفعت من شأنه، وتحقره تأتي به نكرة.
(وَالضِّدِّ) ضد التحقير وهو التعظيم، وهو تعظيم شأنه بمعنى أنه أعظم من أن يُعَيَّن فارتفاع شأنه أو انحطاطه هو المانع من تعريفه فيهما، واجتمعا في قول الشاعر:
لَهُ حَاجِبٌ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَشِينُهُ ... وَلَيْسَ لَهُ عَنْ طَالِبِ الْعُرفِ حَاجِبُ
أي: مانع عظيم، حاجب في الأول أي: مانع عظيم عن كل ما يَعِيبُهُ، وليس له عن طالب الإحسان حاجب حقير فكيف بالعظيم، حينئذٍ اجتمع التنكير هنا مرادًا به التعظيم ومرادًا به التحقير.
إذًا (فلِلتَّحقِيرِ وَالضِّدِّ) يعني: تحقير المسند إليه، فهو أحقر من أن يُعَيَّن، (وَالضِّدِّ) الذي هو ضد التحقير، فـ (أل) هنا نائبة عن المضاف إليه أو للعهد، أي: ضد التحقير وهو تعظيم شأنه واجتمعا في البيت السابق.
(وَالإِفْرَادِ) أي: القصد إلى فرد مما يصدق عليه اسم الجنس، كقوله تعالى: ﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠]. ما المراد به ﴿رَجُلٌ﴾ يعني: واحد الإفراد إذا أردت الفرد الواحد تأتي باللفظ مُنِكَّرًا، وجاء رجل يعني: رجل واحد. (وَالإِفْرَادِ) ﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ دلّ على أنه مفرد، أي: رجل واحد وهذه وحدة شخصية، وقد يؤتى به للدلالة على وحدة نوعية، أي: نوع خاص مخالف للأنواع المعهودة وهو أمر واحد تحته وأشياء متعددة سواء كانت متفقة الحقائق أو مختلفة، يعني: ليس كالنوع عند المناطقة، فإنه يدل على متعدد لكنها حقائق متفقة، أي: نوع غريب كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]. أي: نوع غريب من الغشاوة لا يتعارفه الناس وهو غطاء التعامي عن آيات الله ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ هذا الاعتراض. نقول: المراد به وحدة يعني: وحدة شخصية أو وحدة نوعية؟
وحدة نوعية، لماذا؟ لأن المراد بالغشاوة هنا التعامي عن تدبر آيات الله، وهذا له أسباب وله صفات، متعددة أو متحدة؟
متعددة مختلفة، إذًا غشاوة فيه وحدة لكنها نوعية لا شخصية.
(وَالتكْثِيرِ وَضِدِّهِ) وهو القلة أي يُنَكّر المسند إليه للدلالة على كثرة في أفراد المسند إليه بمعنى أنه كثير حتى لا يُحتاج إلى تعريفه إلى كقولهم: إن له لإبلاً. كثيرة يعني: وبعضهم يجعل التنوين هو الدال على التكثير.
ومنه عند الزمخشري ﴿إِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾ [الأعراف: ١١٣] كثيرًا، والقلة نحو قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. قليل رضوانه قليل فكيف بالكثير، فهو أكبر وأكبر، أي: رضوان قليل أكبر ليدل على غيره من باب أولى.
إذًا (وَإنْ مُنكَّرًا) يعني: وإن يؤتى بالمسند إليه (مُنكَّرًا فلِلتَّحقِيرِ وَالضِّدِّ) وهو التعظيم (وَالإِفْرَادِ وَالتكْثِيرِ وَضِدِّهِ) وهو القلة، هذا ما يتعلق بذات المسند إليه.
стр. 103
ثم شرع فيما يتعلق بإتباع المسنَد والفرق بينهما أن ذلك يتعلق بذاته، وهذا يتعلق بخارج عنه بلفظ خارج عنه.
ثم بَيَّن الأمور العارضة المتعلق بتوابع المسند إليه - وهو البحث الخامس - فبدأ بالوصف الذي هو النعت فقال رحمه الله تعالى:
. وَالْوَصْفُ لِلتَّبْيِين ... وَالمَدْحِ وَالتَّخْصِيصِ وَالتَّعْيِينِ
يعني: ووصفه كذا للتبيين هكذا للتبيين نعم هذا خبر أو متعلق بمحذوف خبر المبتدأ (وَالمَدْحِ وَالتَّخْصِيصِ وَالتَّعْيِينِ) هذه معطوفة عليه (وَالْوَصْفُ) أي: وصف المسند إليه، لماذا تصف المسند إليه؟ لماذا تأتي بالصفة؟ لأمور منها (لِلتَّبْيِين) وهو ما يُعَبّر عنه بالكشف، تبيين ما يسمى بالصفة الكاشفة يعني: يكون محتمل، فترفع الاحتمال أو تقلل الاشتراك، وهو ما يُعَبّر عنه بالكشف عن معناه، بأن احتاج إلى ذلك بأن يكون مبهمًا يحتاج إلى تعين كقوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٢، ٣]. ﴿الَّذِينَ﴾ هذا وصف للمتقين وهو صفة كاشفة، وكقوله أو قولك أنت: الجسم الطويل العريض العميق يحتاج إلى فراغ يشغله. الجسم الطويل العريض هذه كلها أوصاف كاشفة وليس كل جسم وإنما هو ما اجتمع فيه الصفات السابقة.
(وَالمَدْحِ) أي: إفادة المدح بالوصف نحو: زيد العالم جاءني. هذا فيه مدح لزيد ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] هذا نعت للمدح، ومنه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. هذا مدح، وقد يأتي للذم أو الترحم.
(وَالتَّخْصِيصِ) أي: إفادة الوصف للتخصيص للمسند إليه، إرادة التخصيص يعني: إرادة إفادة تقليل الاشتراك أو رفع الاحتمال، وأراد بالتخصيص هنا ليس كالتخصيص عند النحاة، وإنما أراد به ما يعم تقليل الاشتراك ورفع الاحتمال الْمُعَبَّر عنه عند النحاة بالتوضيح أليس كذلك؟ النحاة تقول: الوصف إما مخصص أو موضح، مخصص في النكرات موضح في المعارف. هذا عند من؟
عند النحاة.
جاء رجل عظيم. قالوا: هذا تخصيص.
جاء زيد التاجر. قالوا: هذا توضيح.
فرق بينهما [أن النكرة] (١) أن الموصوف إذا كان نكرة فحينئذٍ يكون تخصيصًا، والموصوف إذا كان معرفة حينئذٍ يكون توضيحًا، عند البيانيين يجمعون المعنيين في معنى واحد وهو التخصيص فأيهما أعم؟
التخصيص عند البيانيين أعم من التخصيص عند النحاة، لماذا؟
لأن التخصيص عند النحاة تقليل الاشتراك فقط، وعند البيانيين تقليل الاشتراك ورفع الاحتمال، فانتبه للفوارق.
وأراد بالتخصيص هنا ما يَعُمُّ تقليل الاشتراك ورفع الاحتمال [الْمُعَبِّر عنه بالتوضيح أو $$ هل سبق أم أرادها الشيخ ٣١.٥٨] الْمُعَبَّر عنه بالتوضيح وعند النحاة التخصيص عبارة عن تقدير الاشتراك الحاصل في النكرات نحو قولك: جاء رجل عالم. قالوا: جاء رجل. رجل هذا يشمل الجاهل والعالم، فإذا قلت: عالم. قلت الاشتراك لماذا؟ لأنه بقي اشتراك ما هو؟ من هو هذا الرجل العالم زيد أو عمرو أو خالد بقي اشتراك، لكن هذا قللت الاشتراك، فإنه كان بحسب الوضع محتملاً لكل فرد من أفراد الرجال فلما قُلْتَ: عالم. قللت ذلك الاشتراك وخصصته بضرب من الأفراد المتصفة بالعلم.
стр. 104
والتوضيح عند النحاة عبارة عن رفع الاحتمال الحاصل في المعارف نحو: زيد التاجر عندنا. فإن وصفه بالتاجر يرفع احتمال غيره، فالتخصيص عند البيانيين أعم فيشمل تقليل الاشتراك وهذا في وصف النكرة، ورفع الاحتمال وهذا في وصف المعرفة.
(وَالتَّعْيِينِ) هكذا (وَالمَدْحِ وَالتَّخْصِيصِ وَالتَّعْيِينِ) ويعبر عنه بالتنصيص أي: البسط والبيان لكون دلالة المنطوق أقوى نحو: جاءني رجل واحد. جاءني رجل قال: واحد. ما الفائدة هنا؟ تنصيص تعيين، لأن ما دلّ عليه بالمنطوق ليس في قوة ما دُلّ عليه بالمفهوم، فإن رجل دلّ على الواحد بالمفهوم، وواحد دلّ على الواحد بالمنطوق، هكذا قيل.
قيل: وهو شرط في إفادة الوصف المدح أو الذم أو الترحم وإذا لم يكن متعيِّنًا قبل ذكر الوصف كان الوصف مخصِّصًا حينئذٍ يكون ماذا؟ اشترط ذلك لئلا يكون الوصف مخصِّصًا، على كل التعيين قل من ذكره. يعني: لم يذكره إلا صاحب ((التلخيص)).
المبحث السادس: في تأكيده أو الذي يليه بعد الوصف
وَكَوْنُهُ مُؤَكَّدًا فَيَحْصُلُ ... لِدَفْعِ وَهْمِ كَوْنِهِ لاَ يَشْمُلُ
وَالسَّهْوِ وَالتَّجَوُّزِ المُبَاحِ ... .............................
يُؤَكَّدُ المسند إليه بأحد المؤكِّدات المذكورة في النحو فيحصل تأكيده لأمور:
أولاً: (لِدَفْعِ وَهْمِ كَوْنِهِ لاَ يَشْمُلُ) يعني: دفع توهم عدم الشمول. جاء القوم، القوم هذا مُسنْد إليه، ما هو يحتمل أنه مجاز أطلق الكل وأريد به البعض يحتمل هذا؟ لكن إذا أكدته جاء القوم كلهم، إذًا ما فائدة التوكيد هنا؟ دفع توهم عدم إرادة الشمول بالمسند إليه وهو القوم. أي: دفع توهم كون المسند إليه لا يشمل للأجزاء أو للجزئيات نحو: استوى الرغيف كله. استوى الرغيف، يحتمل استوى بعضه دون كله، وإذا قلت: كله. حينئذٍ رفعت توهم عدم إرادة الشمول للأجزاء، لا للجزئية، وجاء القوم كلهم لئلا يُتوهم أنه استوى البعض في المثال الأول وأن البعض لم يجئ لكنك لعدم اعتدادك بالباقي منهما جعلت الفعل المسند إلى الكل بناءً على أنهم في حكم شيء واحد.
إذًا لعدم توهم عدم إرادة الشمول أُكَّد المسند إليه - وهذا مر معنا في المؤكدات بكل وكذلك، والمجاز بنحو نفسه وعينه -.
واستهوي أي: لدفع وهم استهوي والنسيان في النسبة كقولك: جاء زيد. زيد هذا مسند إليه يحتمل أنك أخطأت، أردت أن تقول: جاء عمرو. فقلت: جاء زيد. لكن لما قلت: زيد زَيد. علمنا أنك متيقظ فالثاني يكون مؤكدًا للأول لدفع توهم السهو أو النسيان، لأن إعادة لفظ المسند إليه تنفي السهو والنسيان فيه، ثم السهو والنسيان وإن اشتركا في أن الحكم مع كل منهما يكون صادرًا على سبيل الغلط لكنهما افتراقا بأن الأول الذي هو السهو ينبه صاحبه بأدنى تنبيه بخلاف الثاني.
(وَالتَّجَوُّزِ) يعني لدفع توهم المجاز وهذا في النفس والعين جاء زيد يحتمل أنه رسوله أو غلامه أو كتابه، قلت: نفسه، عينه. حينئذٍ رفعت توهم المجاز، أي دفع توهم المجاز أي: التجوز في النسبة نحو: جاء زيد نفسه. فإنه ينفي أن يكون جاء غلامه، وإنما نسب المجيء إليه تجوزًا، وقلنا: هذا فيه بحث فصلناه في شرح المطول على (الآجرومية)) يُرجع إليه، والكلام غير مسلم مطلقًا.
стр. 105
وقوله: (المُبَاحِ). هذا من باب التتمة يعني: التجوز المباح الذي يكون سائغًا يعني: ما وجد فيه شروط المجاز، ليس كل ما ادُّعِي المجاز حينئذٍ قُبِلَ، المجاز لا شك أنه موجود في اللغة وفي الكتاب والسنة لكن ليس على إطلاقه.
إذًّا:
وَكَوْنُهُ مُؤَكَّدًا فَيَحْصُلُ ... لِدَفْعِ وَهْمِ كَوْنِهِ لاَ يَشْمُلُ
وَالسَّهْوِ وَالتَّجَوُّزِ المُبَاحِ ... .............................
المباح صيغة كاشفة (ثُمَّ بَيَانُهُ فَلِلإِيضَاحِ بِاسْمٍ بِهِ يَخْتَصُّ)، (بَيَانُهُ) يعني: يعطف على المسند إليه عطف بيان، ما فائدة عطف البيان هذه كلها مرت معنا في النحو، (ثُمَّ) للترتيب الذكري (بَيَانُهُ) أي: إتباع المسند إليه بعطف البيان. (فَلِلإِيضَاحِ) يعني: له فائدة واحدة وهي إيضاحه باسم يختص به مثل ماذا؟ أقسم بالله أبو حفص. من هو أبو حفص؟ يحتمل عُمَر، حينئذٍ لما قلت: عمر. رجعت إلى الأول فعطفت عليه ورفعت الاحتمال لأن أبا حفص كنية ليست لعمر بن الخطاب فقط، وإنما هي له ولغيره ولكن عمر حينئذٍ تعين بأن المراد بمسمى أبي حفص هو عمر بن الخطاب ... (فَلِلإِيضَاحِ بِاسْمٍ بِهِ يَخْتَصُّ) يختص بالمسند إليه، وقوله: (بِهِ). هذا متعلق بقوله: (يَخْتَصُّ) باسم يختص، يختَص باسم به، أي: لإيضاحه وكشفه باسم مختص به، للإيضاح باسم، باسْم هذا متعلق للإيضاح [لا، للإيضاح]، (فَلِلإِيضَاحِ) يعني: إيضاح المسند إليه (بِاسْمٍ) مختص (بِهِ) بالمسمى، (بِهِ) متعلق بـ (يَخْتَصُّ)، و (بِاسْمٍ) متعلق بالإيضاح تقدير الكلام (فَلِلإِيضَاحِ) باسم مختص به أي: بالمسند إليه، والفرق بينه وبين الصفة الموضحة أنه وُضع ليدل على للإيضاح بخلافها، يعني: الصفة قد تأتي موضحة وعطف البيان يأتي موضحًا، ما الفرق بينهما؟ نقول: الفرق: أن عطف البيان وُضع ابتداءً ليدل على الإيضاح بخلاف الصفة، فإنها وضعت لتدل على معنى في موصوفها.
ومثاله عطف البيان كقولك: قدم صديقك خالد. فإنه يجوز أن يكون للمخاطب أكثر من صديق أليس كذلك؟ جاء صديقك كل واحد عنده أصدقاء من هو؟ خالد إذًا وضحت أم لا؟ وضحته باسم يختص به لا يشاركه غيره فيه البتة، فإنه يجوز أن يكون للمخاطب أكثر من صديق واحد فلا يتبادر إلى ذهنه باللفظ صديقك ما هو مراد المتكلم، فلما فُسِّرَ بما هو المراد منه وهو خالد اتضح المراد، ولا يلزم أن يكون عطف البيان أوضح من متبوعه على الصحيح فيه خلاف بجواز أن يحصل الإيضاح من اجتماعهما معًا، ومثَّلُوا لذلك بغير المسند إليه بقوله: أقسم. بقول الشاعر:
أقسم بالله أبو حفص عمر.
مع أنه الكنية أشهر وأوضح من الاسم لجواز تعدد كل واحد منهما منفردًا فيكون فيه خفاء ويرتفع عنه ذلك الخفاء بذكر الثاني مع الأول، يعني: قد يكون المسند إليه مع عطف البيان كل منهما فيه إيضاح للآخر، وذلك إذا اشتهر أحدهما واشتهر الثاني كذلك.
стр. 106
(وَالإِبْدَالُ يَزِيدُ تَقْريرًا لِمَا يُقَالُ) هذا الثالث من التوابع، (وَالإِبْدَالُ) منه أي: من المسند إليه (يَزِيدُ) المسند إليه (تَقْريرًا) أي: تقرير الأمر في نفس السامع ففيه نوع تقوية وتوكيد لماذا؟ لأنه في نية تكرار العامل مثل السابق: قدم صديقك خالد. يحتمل أنه بدل كأنك قلت: قدم صديقك قدم خالد. لأن العامل في الثاني هو عين العامل في الأول لكن على التكرار، يعني: أو بتعبير آخر أدق نقول: العامل في الثاني مغاير للعامل الأول من حيث العمل، لكنه من حيث الوصف فهو هُو، قدم صديقك قدم خالد، إذًا العامل في صديق هو عينه العامل في خالد لكن باعتبار التعدد لا باعتبار الاتحاد، يعني: ليس هو كالصفة مع الموصوف.
يزيد تقريرًا (لِمَا يُقَالُ) أي: بالمعنى المقصود (لِمَا يُقَالُ) تتمة يعني للذي (يُقَالُ) المراد به المعنى المقصود، فالإبدال من المسند إليه لزيادة التقريب وفائدته المبالغة وسبب التقرير هنا تأكيد المعنى تكرار العامل، فقوله: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]. أبدل ليكون شهادة بالصراط بالاستقامة على أبلغ وجه ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ صراط من؟ ما صفة أهله؟ قال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾. إذًا فيه زيادة تقرير لأنه إذا طرق السمع أولاً مبهمًا ثم عُقِّبَ بالتفسير تمكن عنده، وكذا بدل البعض كالسابق بدل الكل من الكل نحو: جاء القوم أكثرهم. جاء القوم جاء أكثرهم والاستمال نحو سُلِبَ عمرو ثوبه، سُلِبَ عمرو سُلِبَ ثوبه، فيه تكرار، وأما بدل والغلط فلا يرد هنا لأنه ليس بفصيح خارج عن الفصاحة، والمراد بالزيادة التقرير أي التثبيت بالحكم والمسند إليه في ذهن السامع لاشتماله على تكرير الحكم والمسند إليه.
ثم قال:
الْعَطْفُ تَفْصِيلٌ مَعَ اقْتِرَابِ ... أَوْ رَدِّ سَامِعٍ إِلَى الصَّوَابِ
стр. 107
(الْعَطْفُ) المراد به عطف النسق، (الْعَطْفُ) مبتدأ و (تَفْصِيلٌ) خبره، و (الْعَطْفُ) أي: النسق أي جعل المسند إليه معطوفًا عليه غيره بأحد الحروف العشرة أو التسعة المشهورة عند النحاة وهي مكررة في النحو ومكررة بمعانيها، والأصل قاعدة هنا أن يعتبر في المعنى معنى الحرف المعنى الذي وُضع له الحرف، فالواو لمطلق الجمع، والفاء للترتيب لا # ٤٣.٤٨، وثم، المعاني تلك هي المعتبرة هنا، فإذا عطفت بالفاء لإرادة معنى الفاء، وإذا عطفت بـ ثم لإرادة معنى ثُمَّ .. وهكذا، الحكم واحد، هذه قاعدة عامة في هذا الباب ولكن مثل بمثالين، و (الْعَطْفُ) المذكور يكون لأمور منها (تَفْصِيلٌ) بالصاد المهملة أي: تفصيل المسند إليه. (تَفْصِيلٌ) (مَعَ اقْتِرَابِ) أي: مع اختصار. أراد بالاقتراب هنا الاختصار هذا تعبير في ذلك، مع اختصار في ذلك التفصيل لطي العامل من المعطوف، نحو قولك: جاء زيد وعمرو. هنا فصلت جاء زيد وعمرو، أفادت الواو المغايرة هذا الأصل في العطف حينئذٍ فصلت في من ثبت له المجيء وهو زيد وهو عمرو، فإن فيه تفصيل الفاعل لأنه زيد وعمرو من غير دلالة على تفصيل الفعل، الفعل واحد الذي هو المسند بأن المجيئين كانا معًا أو مترتبين مع مهلة أو بلا مهلة، إذ الواو وإنما هي لمطلق الجمع، أي: لثبوت الحكم للتابع والمتبوع من غير تعرض لا لترتيب ولا لمعية، كما هو الشأن في معنى الواو وهو مذهب البصريين، قيل: واحترز بقوله: مع اختصار أي نحو قوله: جاءني زيد وجاءني عمرو. هنا ليس عندنا اختصار لماذا؟ لأنه فصَّل المسند، وبالسابق فصل الفاعل ووحد المسند، جاء ثبت المجيء واحد زيد وعمرو إذًا التفصيل في الفاعل، لو قلت: جاء زيد وجاء عمرو. فصلَّت كذلك في المسند فليس فيه اختصار، فإنه وإن أفاد تفصيل المسند إليه لكنه لا يفيد بالاختصار، فلا يكون من عطف المسند إليه بل من عطف الجملة.
(أَوْ رَدِّ سَامِعٍ إِلَى الصَّوَابِ) أو يكون العطف فيه (رَدّ سَامِعٍ) أي: للسامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب فيه، وذلك بالعطف بلا - وهذا مر معنا في النحو - جاءني زيد لا عمرو، إذا اعتقد المخاطَب أن الذي جاءك زيد حينئذٍ قد أخطأ في الحكم فترده من الخطأ إلى الصواب تقول: جاءني زيد لا عمرو. (أَوْ رَدِّ سَامِعٍ إِلَى الصَّوَابِ) يعني: من الخطأ الذي أعتقده إلى الصواب وهذا يكون بلا وبل كذلك ولكن على تفصيل عند النحاة.
стр. 108
(وَالْفَصْلُ للتَّخْصِيصِ) مبتدأ وخبر، ومن جملة أحوال المسند إليه، ... (الْفَصْلُ) فصل ماذا عن ماذا؟ المسند عن المسند إليه [أنتم ظاهرية] المراد بالفصل هنا ما يسمى بضمير الفصل [ها ها] (وَالْفَصْلُ للتَّخْصِيصِ) يعني: من جملة أحوال المسند إليه الفصل أي: تعقيبه بما صورته صورة ضمير مرفوع منفصل يُؤْتَى به بين المبتدأ والخبر، زيد هو القائم، هو، هذا ضمير فصل، صورته صورة ضمير، هو ليس بضمير على الصحيح، هو حرف لكن صورته صورة الضمير ولذلك سُمَّي ضميرًا، فصل بين المسند إليه والخبر، واضح؟ هذا يُسمى ضمير فَصْلٍ. أي: تعقيبه بما صورته صورة ضمير مرفوع منفصل يُؤتى به بين المبتدأ والخبر وهما أصله عند اشتباه الخبر بالصفة، يعني: [زيد قائم] (١) يحتمل احتمالاً أن قائم صفة لزيد، زيد القائم بـ ... (أَلْ) ليس نكرة هذا يحتمل إذا قلت: زيد قائم هذا لا يحتمل أنه صفة، لماذا؟ لأن قائم نكرة وزيد معرفة، ولا بد من التطابق، إذًا لا يحتمل، لكن لو قلت: زيد القائم احتمل أن القائم هنا صفة لزيد وأنت أردت أن يكون خبرًا فتأتي بالضمير، زيد هو القائم فتعين أن يكون خبرًا لأنه لا يوصل بين الموصوف وصفته الضمير، وذلك إذا كان الخبر معرفة نحو: زيد هو العالم. أو اسم تفضيل مستعملاً بمن نحو: زيد هو أفضل من عمرو. أو فعلاً ماضيًا نحو: زيد هو قام، أو فعلاً مضارعًا نحو: زيد هو يقوم. أربعة أحوال، يعني لا يُؤْتَى بضمير الفصل بعد المبتدأ المسند إليه إلا إذا كان الخبر معرفةً، أو اسم تفضيل وذكرت معه من، [أو فعل ماضي] (٢) أو فعلاً ماضيًا، أو فعلاً مضارعًا. وإنما يجاء به إذا كان الخبر أحد هذه الأمور المذكورة، وتسميته بالفصل عند البصريين، والكوفيين يسمونه عامدًا أو دعامة، وله أحكام، هل هو اسم أو حرف، وعلى الأول إذا ثبت أنه اسم هل له موضع من الإعراب أو لا؟ وإذا كان له موضع هل الموضع باعتبار من قبله؟ أو باعتبار ما بعده، أقوال مبسوطة في كتب النحو، وجعله من أحوال المسند إليه دون المسند مع أن واسطة لاقترانه أولاً بالمسند إليه، أو لأنه في المعنى عبارة عنه وفي اللفظ مطابق له فإفرادًا وتذكيرًا وتأنيثًا وتثنيةً وجمعًا، كذلك وتكلمًا وخطابًا وغيبًا، يعني: لماذا جعلناه من توابع المسند إليه مع كون القدر المشترك بين المسند إليه والمسند؟ لأن له أحكامًا تتأتى على ضمير الفصل راجعة إلى المسند إليه، والحق أن فائدته ترجع إليهما جميعًا، لأنه يجعل أحدهما مخصصًا ومقصورًا عليه، ولآخر مخصصًا به ومقصورًا عليه، ويكون الإتيان به كما قال الناظم هنا: (للتَّخْصِيصِ). يعني: لإفادة التخصيص والقصد، وهو إثبات الحكم بالمذكور ونفيه عن ما عداه، وهذا قد يذكره في باب القصر فيما يأتي، ويكون الإتيان به (للتَّخْصِيصِ) أي: لأجل التخصيص بالمسند إليه بالمسند أي قصره على المسند إليه، لأنه مما يفيد القصر والحصر نحو: زيد هو القائم. يعني: لا غيره.
стр. 109
إذًا أثبت القيام لزيد وحصرته في زيد ونفيت القيام عن غير زيد، بماذا حصل؟ بضمير الفصل كأنك قلت: ما قائم إلا زيد، والزيدان هما قائمان انظر ثنيت هما، والزيدون هم القائمون ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: لا غيرهم. ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى: ٩] أي: لا غيره. واضح هذا؟
لما فرغ الناظم من الكلام عن إتباع المسند إليه بأحد التوابع المتقدم بيانها أو ما يتصل بذلك أو ضمير الفصل شرع بالكلام على تقديمه والأصل ويقال: تأخيره
فقال:
............ والتَقْدِيمُ ... فَلاِهْتِمَامِ يَحْصُلُ التَّقْسِيمُ
كَالأَصْل وَالتَّمْكِينِ وَالتَّعَجُّلِ ... .............................
تقديم المسند إليه هذا تابع لذاته، فصل بينهما الناظم تبعًا للقزويني في ... ((التلخيص)). (والتَقْدِيمُ) يعني: المسند إليه على غيره من أجزاء الكلام، والمراد هنا من التقديم إراده مقدمًا يعني: لا يتأخر، لأنك تقول: في الدار زيد، زيد في الدار. متى تُقَدِّمُ ومتى تؤخر؟ هنا يبحث البيانيون، ... (فَلاِهْتِمَامِ) به يعني: يقدم المسند إليه لقاعدة عامة وهو أنه مهم، ثم هذه الأهمية لها أسباب يعني: الاهتمام هذا جنس عام ويصدق بماذا؟ لكونه الأصل ولكونه التمكين والت ... #٥٢.١٥ هذه كلها سبب أو أسباب لبيان كون المسند إليه مهتمًا به، واضح؟
إذًا القاعدة العامة في كونه مقدمًا هو الاهتمام، ثم ما وجه هذا الاهتمام؟ بأي سبب يكون؟ وبأي طريقة يكون؟ هو الذي ذكره فيما بعده. ولذلك قال: (فَلاِهْتِمَامِ) به وأنه هو المهم عند المتكلم أو المخاطب من ذكره غيره. أي: فلكون ذكره أهم ولا يكن في التقديم مجرد ذكر الاهتمام، بل لا بد من أن يبين أن الاهتمام من أي وجه وبأي سبب فلهذا فصله الناظم بقوله: (يَحْصُلُ التَّقْسِيمُ) والتفصيل. لماذا؟ لأي شيء؟ للاهتمام. قال ماذا؟ (والتَقْدِيمُ فَلاِهْتِمَام) الاهتمام يحصل بماذا؟ قال: (يَحْصُلُ التَّقْسِيمُ). يعني: التنويع والتفصيل للاهتمام (كَالأَصْل) وما عطف عليه، (يَحْصُلُ التَّقْسِيمُ) أي: تفصيل جهة الاهتمام وسببه (كَالأَصْل) فيه لأن المسند إليه الأصل فيه أن يكون مقدمًا لماذا؟ لأنه محكوم عليه، والمحكوم عليه الأصل أن يتقدم لأنه موضوع، والخبر محمول عليه، هذا الأصل كالأساس بالنسبة للبيت، (كَالأَصْل) فيه أي: الأمر الذي ينبغي أن يتصف الشيء به في نفسه لولا المانع، وذلك لأنه محكوم عليه ولا بد من تحققه قبل الحكم فقصدوا أن يقدم في الذكر أيضًا، وهذا واضح، لاسيما ولا مقتضى للعدول عنه لأنه إذا لم يكن سبب لأن يتأخر المسند إليه إذا لم يكن عندنا مقتضٍ - وهذا موافق للأصل - فاجتمع فيه أمران:
كونه الأصل محكومًا عليه.
وكونه لم يوجد مقتضٍ لتأخيره.
стр. 110
لذلك قال: لاسيما ولا مقتضي للعدول عنه إذ لو وجد أمر يقتضي العدول عن ذلك الأصل فإنه يُلغى - يعني: التقديم - ولا يقدم المسند إليه على المسند كما في الفاعل مع فعله، فإن مرتبة العامل الذي هو الفعل مثلاً التقديم على المعمول كالفاعل، لأن الكلام في المسند إليه يعم المبتدأ والفاعل، المبتدأ واضح أنه متقدم فقام زيد هنا متأخر، لماذا تأخر؟ لوجود المقتضي، ما هو المقتضي؟ أنه فاعل، وكونه فاعلاً بمعنى أنه لا يتقدم على عامله، وبعد فعل فاعل، وهذا يبحث في كتب النحو، وكما لو تضمن الخبر استفهامًا ما نحو: أين زيدٌ حينئذٍ تقول ماذا؟ أين زيدٌ؟ أين مبتدأ، زيدٌ وأين الخبر؟ أين، إذًا لماذا؟ تأخر هنا لوجود المقتضي وهو كون الخبر متضمنًا الاستفهام، والاستفهام له الصدارة في الكلام، حينئذٍ وجب تقديمه، ولهذا الموضع من المواضع وجوب تقديم الخبر على المبتدأ، أين زيدٌ؟ فإنه من مقتضيات العدول عن الأصل .. وهكذا. والتمكين فالأصل والتمكين أن يكون التقدير للمسند إليه بالتمكين أي: التَّمَكُّن يعني: تمكن الخبر في ذهن أو تمكن الخبر في ذهن السامع، تمكن الخبر في ذهن السامع لأن في المبتدأ تشويقًا إليه أي: للخبر وذلك إذ وصف المبتدأ بوصف غريب مشوقٍ إلى معرفة خبره، ولا شك أن حصول الشيء بعد التشوق إليه أوقع في النفس من غيره، بمعنى أنك تقدم المبتدأ على الأصل لوجود مقتضٍ وهو ماذا؟ أن فيه شيئًا يدل على التشويق، وهذا التشويق يمهد للخبر حينئذٍ هذه الفائدة مشتركة بين المبتدأ والخبر، فحينئذٍ إذا جاء الخبر بعد التشوق تمكن في النفس كما قال الشاعر:
والذي حارت البرية فيه
هذا مبتدأ، هذا يجعل الإنسان عندما يسمع هذا الكلام من هو الذي حارت البرية - إنسان - حيوانٌ مستحدثٌ من جماد
جاء الخبر حينئذٍ تمكن في النفس، فقدم المبتدأ وهو الموصول [وصل معنى نعم] (١) وهو الموصول لما وصله بجملة قوله:
حارت البرية فيه