← История

История · id 36102

الهادي والمهتدي

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (217 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الهادي والمهتدي تأليف الدكتور/ مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني الطبعة الأولى (١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م)

стр. 2

الإهداء إلى صانع عاصفة الحزم خادم الحرمين الشريفين؛ الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود أيده الله بنصره وتوفيقه، وأعز به البلاد والعباد، فلم يكن لنا عز إلا بالله ثم به وبجنوده البواسل، وشعبه الصادق الوفي، فنبارك جهوده في خدمة دينه وطنه وشعبه والأمة الإسلامية، لقد طرق بابا بَزَّ فيه الأقران اليوم بقيادة المملكة العربية السعودية لعاصفة الجزم، وأرسى نواة مباركة في وحدة الصف العربي الإسلامي، وجدد الآمال في النفوس الأبية بنجدة جار طلب الغوث لحمايته من دمار شامل، ولحماية حدود أرض الحرمين مهبط الوحي، ومهوى أفئدة المسلمين فلا يطالها عبث أذناب الأعداء، فله مني ومن أبنائي ومن الشعب السعودي تحية ولاء وإكبار على هذا الإنجاز العظيم، إنجاز لا يصنعه إلا العظماء، والتحية موصولة لقادة التحالف العشري الميمون، شكر الله لهم المسعى، وبارك في الجهود، وخيب الله كيد الأعداء وأطماع الطامعين. المؤلف الدكتور/ مرزوق بن هيّاس الزهراني

стр. 3

المقدمة منذ بدء الخلق اقتضت إرادة الله أن لا يُعبد سواه، فكانت دعوة الرسل متفقة على توحيد الله ، وعبادته وحده لا شريك له، وعلى هذا أطبقت دعوات الرسل ﵈، فما من رسول إلا دعا أمته إلى توحيد الله ، وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، وقد كان كل نبي يُبعث في قومه خاصة، ولما أراد الله أن يكون نبيه محمد ﷺ رسولا إلى الناس كافة، معززاً الدعوة إلى توحيد الله تعالى، وعبادته وحده لا شريك له، أرسله إلى الناس كافة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (١)، ولم تكن رسالة نبينا محمد ﷺ قاصرة على بني آدم، بل تشمل الجن قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (٢)، وقد ثبت أنه ﷺ اجتمع بالجن ودعاهم إلى الإسلام، فلا يسع أحدا من الجن والإنس سمع به منذ نبوته ﷺ إلى قيام الساعة إلا الإيمان به ومن لم يؤمن به ﷺ ويتبع الحق الذي جاء به كتابا وسنة فهو من الخاسرين، وقد قال الله تعالى في شأن تكليف الجن باتباع نبينا محمد ﷺ : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (٣)، قَالَ ابن عباس ﵄: "كَانُوا سَبْعَة من جن نَصِيبين فجعلهم رَسُول الله ﷺ رسلا إِلَى قَومهم" وفي قَوله: فجعلهم رسول الله ﷺ رسلا إِلَى قَومهم دليل على أَنه كَلمهم بعد ذَلك (٤)، وَلهذَا ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٥)، وكان سبب صرفهم إليه ﷺ

стр. 4

منعهم من استراق السمع، وقد قرأ عليهم رسول الله ﷺ بِالْحَجُونِ، وفي رواية بوادي نخلة قرب الطائف، قال ابن عباسٍ ﵄: "إن النفر الذين أتوا رسول الله ﷺ من جن نَصِيبِينَ (١)، أتوه وهو بِنَخلَةَ"، ومن هنا نقول: لن يحصل اجتماع الأمة المحمدية إلا على منهج الكتاب والسنة، فالله تعالى يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢)، ولا خلاص للأمة من نكباتها والمخاطر المحيطة بها إلا بالوحدة على منهج الكتاب والسنة، اعتقادا بوحدة المعبود ، وعملا بوحدة المتبوع ﷺ ، ووحدة المنهج وذلك بالعمل بالكتاب والسنة، هذه الأسس الثلاثة لا تقوم وحدة الأمة المحمدية إلا عليها، ومن رام غير هذا فإنما يبحث عن سراب، ومن هنا وسمنا كتابنا هذا بـ "الهادي والمهتدي" فالهادي رسول الله ﷺ ، ولا نقصد هداية التوفيق فهذه خاصة برب العزة والجلال، يمنحها من يشاء من عباده، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٣)، فالهداية المنفية عنه ﷺ هي هداية التوفيق، والذي نقصده هداية الدلالة والإرشاد وقد أثبتها له ربنا جل وعلا، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤)، ولا نشك في أن رحمة الله بهذه الأمة هي السمة البارزة في هذا الدين، فقد جاء الرحمة المهداة نبينا محمد ﷺ ، رسولا للعالمين ورحمة لهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥)، أثنى على ربه ، فقال ﷺ : «كلكم أثنى على ربه، وأنا مثن على ربي قال: الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس، بشيرا ونذيرا، وأنزل عليَّ الفرقان فيه تبيان كل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي وسطا، وجعل أمتي هم الأولون وهم

стр. 5

الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحا خاتما» (١)، ومن رحمة الله للأمة المحمدية، أن أذاب الفوارق بين المؤمنين، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣)، وقال ﷺ : «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى» (٤)، ولئن كان التفاضل بين الناس عربا وغير عرب مزية اجتماعية يحسب لها حسابها، فقد مقتها الإسلام في الأمة المحمدية، وأرسى قاعدة «كلكم لآدم» كما في الحديث السابق، ومن رحمة الله للأمة المحمدية أن رحمته سبقت سخطه، قال رسول الله ﷺ : «إن الله لما قضى الخلق، كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي» (٥)، ومن رحمة الله بالأمة المحمدية أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، لأن العبد مهما عمل من الخير، ومهما عُمّر في ذلك، فلن يوازي شكر نعمة واحدة من نعم الله عليه، والله غني عن ذلك كله، فكانت رحمته أوسع لعباده، قال رسول الله ﷺ : «لن يُدخِل أحداً عملُه الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «لا، ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله بفضل ورحمة، فسدِّدوا وقاربوا» (٦)، ومن رحمة الله بالأمة المحمدية أن الشريعة الإسلامية بنيت على اليسر، ورفع الحرج يقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٧)، ويقول رسول الله ﷺ : «إن الله يحب الرفق في الأمر كله» (٨)، ويقول ﷺ : «دعوني ما تركتكم،

стр. 6

إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١)، وكلما أتاه مستفتٍ يوم النحر في منى قال: «افعل ولا حرج» قال عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄: "إن النبي ﷺ بينما هو يخطب يوم النحر إذ قام إليه رجل فقال: كنت أحسب - يا رسول الله - كذا وكذا قبل كذا وكذا، ثم قام آخر فقال: يا رسول الله، كنت أحسب كذا وكذا، لهؤلاء الثلاث"، فقال النبي ﷺ : «افعل ولا حرج» (٢)، لهنَّ كلِّهنَّ يومئذ، فما سئل يومئذ عن شيء إلا قال: «افعل ولا حرج» والنصوص في هذا الباب كثيرة يكفي منها ما ذكرنا، كل هذا من أجل الرفق بالأمة المحمدية، وتجنيبها الغلو في العبادة، فضلا عن الغلو في الأشخاص، مهما كان فضلهم وصلاحهم. أما المهتدي: فقد قصدنا به كل من آمن بالله ربا فوحَّده في العبادة، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا فوحَّده في الاتباع، وبالإسلام دينا فوحَّد الكتاب والسنة وجعلهما أُسَّ العمل في كل شؤن الحياة، من عهد رسول الله ﷺ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأول هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ الذين لم يخرجوا عن العمل بكتاب الله وسنة معلمهم الهدى ﷺ ، وقصدنا ضمنا الباحث عن الحق الراغب في الاهتداء. المؤلف

стр. 7

القسم الأول خطوات الوحدة الإسلامية الاصطفاء للرسالة: كانت أول خطوة لوحدة الأمة اصطفاء نبينا محمد ﷺ للرسالة، وحمل أمانة البلاغ لكل صغيرة وكبيرة تتعلق بالدين الإسلامي، وإعلام الأمة بها من غير زيادة ولا نقص، لمَّا بلغ رسول الله ﷺ أشده وبلغ أربعين سنة، أنزل عليه ربه الوحي، بعد أن هيأه لذلك، وكانت هذه المرحلة من أشق المراحل على رسول الله ﷺ فقد كان وحيدا في قومه مفطورا على الخير، والعفة والنزاهة، والصدق والأمانة، وحسن الخلق، وجاءه أمر عظيم تنوء بحمله الجبال الرواسي، ألم يقل الله : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ﴾ (١) إنه أمر له تبعات عظيمة، لا يقوى عليها إلا من أعده الله لذلك، وكان له ناصرا ومعينا، وقد تحقق كل ذلك لنبينا محمد ﷺ ، بدءا من قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٢)، وختما بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣). نزول الوحي إنه تشريع من حكيم حميد، فالمشرِّع هو الله ، وناقل التشريع هو روح القدس جبريل ﵇، والرسول إلى الناس كافة هو محمد بن عبد الله ﷺ ، والوحي المنزل هو القرآن كلام الله . أمر الله عبده ورسوله نبينا محمداً ﷺ بإبلاغ عباد الله تعالى إنساً وجناً ما أوحى الله إليه من العلم والحكمة ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا

стр. 8

بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (١)، تلقى المصطفى أمر ربه، مؤمنا مصدقا بعظمة الخالق لكل شيء، وعزَم على حمل الأمانة، والقيام بمسؤولية هداية الثقلين، هداية دلالة وإرشاد وتوجيه، فاصطفى الله له من شاء من عباده، لنصرته ومؤازرته. العهد النبوي لن نتعرض لنشأة رسول الله نبينا محمد ﷺ وسنتجاوز المرحلة الأولى مرحلة العهد المكي؛ لأن ذلك لا يجهله أحد من المسلمين، وإن وجد من يجهله منهم فهم الغثاء من الأمة المحمدية، الذين أخبر عنهم النبي ﷺ أنهم من الكائنين في آخر الزمان، وسنبدأ من العهد المدني الذي تحقق فيه إعلاء كلمة الله ، وكانت وقعة بدر يوما مشهودا في بداية انتصار الحق على الباطل، وما تلاها من انتصارات أسست شأن الأمة المحمدية، في جزيرة العرب أولا، وكان يوم الفتح العظيم في السنة الثامنة من الهجرة النبوية، دخل الناس في دين الله أفواجا، ولئن كان خروج رسول الله ﷺ من مكة سرا متخفيا ليلا من أسفلها، فقد أبا اللهُ إلا أن يعود نهارا عيانا بيانا من أعلاها، خاشعا لربه متواضعا شاكرا حامدا، أعزه الله في يوم أذل فيه قريشا بأجمعها، وكانت الرحمة المهداة غير متخلفة عن قريش الذين آذوا رسوله وطردوه، فلما تمكن منهم لم يظنوا به إلا خيرا لِما عرفوا من سيرته ﷺ ، وعفوه ورحمته، سألهم «يا أهل مكة، ما ترون أني فاعل بكم؟ » قالوا: خيرا أخ كريم، وابن أخ كريم، ثم قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» (٢)، ارتبطت مكة بطيبة بعد هذا اليوم، واتجه رسول الله ﷺ إلى نشر توحيد الله ، والدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتطهير جزيرة العرب من الأوثان، فبعث البعوث، واستقبل الوفود، وشرّع للناس ما يتعلق بعبادة ربهم، وسياسة دنياهم، أحاط به الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار ﵃، وكانت المعجزات تتفجر في حياة رسول الله ﷺ تأييدا

стр. 9

من الله لصدق نبوته ﷺ ، وتثبيتا لقلوب المؤمنين به، فما زادهم ذلك إلا إيمانا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، لقد كانت حياة رسول الله ﷺ بينهم، نورا وسعادة وشفاء، بصَّر من العمى، وهدى من الضلال، وانتشر الإخاء بين بني آدم، وجمع الله به قلوب المؤمنين على المحبة والإخاء، والعمل بما جاء به ﷺ ، فاستظل الناس بعدله، وكمال خلقه وتواضعه ﷺ وكان رحمة من الله للأمة المحمدية ولا يزال كذلك حتى تقوم الساعة، وبعد قيام الساعة فهو شفيع الأمة المحمدية، لقد أشرق كل شيء في طيبة حين وصل إليها رسول الله ﷺ ، وأظلم كل شيء فيها حين لحق بالرفيق الأعلى ، كما في حديث أنس ﵁ (١)، لكنه ربى جيلا هم خيار الناس على الإطلاق، الأمثل منهم فالأمثل، ﵃ أجمعين، على أن العهد النبوي لم يسلم من كيد أعداء الإسلام، كمحاولة يهود بني النظير قتله ﷺ ، وما جرى في فتوحاته من منازلة الأعداء، ولكن الله كتب له ولأصحابه ﵃ النصر والتمكين، إعلاء لكلمته ، ورحمة بالأمة من عبادة غير الله ، كان العهد النبوي رحمة للعالمين، لم تكن رحمته ﷺ قاصرة على العرب بني جنسه ومحتده، بل كل من آمن به من بني آدم، وعمل بما جاء به من الهدى، فاز في الدنيا والآخرة، فهو المبعوث إلى الناس كافة، ولقد تعدى خيره وبركته إلى غير المؤمنين به، من أهل الذمة، بما أبرم لهم من حقوق يلتزم بها المسلمون، فقد حفظ دماءهم وأعراضهم وأموالهم، فلا يجوز الاعتداء عليهم بغير حق قال ﷺ : «من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» (٢)، وكان المؤمنون به أمة واحدة، كما وصفهم رب العزة والجلال ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣)، المراد أمة نبينا محمد ﷺ ، وهم كل من صدقه وآمن به من جميع بني آدم على اختلاف لغاتهم، وألوانهم، وتعدد قبائلهم وشعوبهم وأعراقهم، هذه الخيرية جاءت من إيمانهم بالله ورسوله ﷺ ،

стр. 10

واتباعهم ما جاء به من الحق والهدى، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم كما وصفهم رسول الله ﷺ «المؤمنون تكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم» (١)، وضرب لهم مثلا في كمال التلاحم والتآزر، وصدْق الإحساس والشعور بالمسؤولية فقال ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٢)، وقد أذاب الإسلام كل الفوارق بين بني الإنسان، فكلهم أبناء آدم ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣)، وما دام الأمر كذلك فالتفاخر والتفاضل بينهم منفي إلا فيما يرضي الله ، قال رسول الله ﷺ : «أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، ألا وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أسود على أحمر، ولا أحمر على أسود، إلا بالتقوى» (٤)، وبسبب هذا الكمال في العدل والمساواة في الحقوق والواجبات، قامت للأمة الإسلامية وحدة لم تعرف الدنيا مثيلا لها، ولم تكن حضارة على وجه الأرض أطهر وأنقى ولا أعدل وأكمل منها، كل ذلك بفضل امتزاج الدين الخالص بالحياة، وهيمنته على القلوب، فاحتوى العربيَّ وغيره، والأسود والأبيض، والغني والفقير، والمالك والمملوك، وأصبح الضاعن رجلا أو امرأة يسير من أقصى الدنيا قاصدا بيت الله الحرام لا يخشى على نفسه، آمنا مطمئنا في ظل الإسلام الوارف، وكان لسان حال كل مسلم يقول: أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم هذه هي الدائرة الأولى، وهي الأساس في بناء الحضارة الإسلامية التي أخبر باتساعها فيما بعد رسول لله ﷺ ، بقوله: «زويت لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وأعطيت الكنزين: الأصفر، أو الأحمر، والأبيض يعني الذهب والفضة

стр. 11

وقيل لي: إن ملكك إلى حيث زوي لك» (١)، والمراد ملك الأمة، فهو نبي وليس ملكا، وتنبأ به هرقل في حواره مع أبي سفيان حول رسول الله ﷺ ، ومساءلته لأبي سفيان، ولم يكن أبو سفيان مسلما في ذلك الوقت، وبعد سماع هرقل لإجابة أبي سفيان على كل سؤال سأله قال: "فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدميَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه، لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه"، وملكت ذلك الأمة بعد موته ﷺ في عهد عمر ﵁، وفي حديث أنس بن مالك ﵁: حدثتني أم حرام بنت ملحان: "أن النبي ﷺ قال (٢)، في بيتها يوما، فاستيقظ وهو يضحك، فقلت: يا رسول الله، ما أضحكك؟ ، قال: «رأيت قوما من أمتي يركبون ظهر هذا البحر، كالملوك على الأسرة» قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، ثم نام أيضا فاستيقظ وهو يضحك، فقلت: يا رسول الله، ما أضحكك؟ ، قال: «رأيت قوما من أمتي يركبون ظهر هذا البحر، كالملوك على الأسرة» قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «أنت من الأولين» قال: فتزوجها عبادة بن الصامت، فغزا في البحر فحملها معه، فلما قدموا قُرِّبت لها بغلة لتركبها، فصرعتها فدقت عنقها فماتت" (٣)، وقد تحقق ذلك كله، لأمة محمد ﷺ ، حين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقد كانت كتبه ﷺ إلى الآفاق بدايةَ اتساع ديار الإسلام، ودعوةَ الناس كافة للدخول في دين الله ، وكان ركوب البحر في عهد معاوية ﵁، وقد كان الناس قبل بعثة نبينا محمد ﷺ أمما في معتقداتهم، وعاداتهم ومناهج حياتهم، جَعلت العاداتُ لكل منهم شرعة ومنهاجا، منهم من كان على جهل ببقايا ما جاءت به الرسل، ومنهم من اتخذ له إلها كما يهوى ويحب، وكان من العرب من بقي يتأمل شيئا من دين إبراهيم ﵇، وغالبهم يعبدون الأوثان، وهكذا غيرهم من المجوس والذين أشركوا، وليس بخاف على أحد دين اليهود والنصارى وما أوقعوا فيه من تحريف وضلال، فكان مبعث نبينا محمد ﷺ رحمة مهداة لهذه

стр. 12

الأمة بكل أجناسها وقبائلها عربها وعجمها على حد سواء، ولم يكن لشعب دون شعب، بل كان للناس كافة، فقامت وحدة لم يسبق لها مثيل بالصفة التي أقامها رسول الله ﷺ ، صفة استمدها من الوحيين الذين مَنَّ الله بهما عليه، وعلى أمته ﷺ . ركائز وحدة الأمة نستخلص من العهد النبوي أن ركائز وحدة الأمة خمس، دورها في وحدة الأمة كدور أركان الإسلام في بنائه، وهي: الركيزة الأولى: الوحدة في الإيمان: إن الإيمان بأن لهذا الكون خالقا يدبر أمره في كل ذرة منه، يقود إلى أن للإنسان ربا يستحق منه العبادة والتقديس، فإنه لا يكون في العبادة حق لغير الخالق، فلا يكون حينئذ لمقولة الدهريين قبول، لأنها مجرد هراء قادت إليه أفكار شيطانية، فقالت الألسنة الشريرة: "لا إله، والحياة مادة، وإنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر"، وأصحاب هذه المقولات هاجت بهم جنون الأفكار حتى ألقتهم في جهنم وبئس المصير، وأكثر منهم عقلا وإيمانا ذلك الأعرابي حين سئل كيف عرفت ربك؟ فقال: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير؟ " (١)، مقولة محفوظة معلومة، لأنها في بساطتها ذاتَ دلالة قاطعة على أن هذا الخلق العظيم لا يمكن أن يكون بدون خالق مدبر، فالإيمان الركيزة الأولى، وهي أساس الركائز الأربع التالية، وقد أُسست أركان الإيمان في حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: "بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يُرى عليه أثر سفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى رسول الله ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه"، ثم قال: «يا محمد أخبرني عن الإسلام، قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال:

стр. 13

صدقت، قال فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر كله: خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها - يعني علاماتها - قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة: رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» قال: ثم انطلق فلبثت ثلاثا، ثم قال: «يا عمر أتدري من السائل؟ » قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل ﵇ جاءكم يعلمكم دينكم» (١). تضمن هذا الحديث تحديدا لأركان الإيمان وهي ستة: قوله ﷺ : «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر كله: خيره وشره» وما من ركيزة من الركائز الأربع التالية لها إلا وهذه الركيزة محورها، وقد يقول قائل: لِمَ ذكر أركان الإسلام إذاً؟ فالجواب أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى واحد، إذا اجتمعا افترقا في تفسير كل منهما، وأن الإسلام الإقرار باللسان، والعمل بالأركان، وأن الإيمان الاعتقاد بالقلب، وإذا افترقا أغنى كل منهما عن ذكر الآخر، لدخوله فيه ضمنا، فارتبط الظاهر بالباطن، والتحمت ركائز الوحدة الإسلامية، ولذلك قال ﷺ : «ذاق طعم الإيمان من رضي الله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا» (٢)، لاحتواء الإيمان الركائز الثلاث التالية له، لأن المسلم تحصَّل له بالإيمان العلم بالله فرضي به ربا، وحصلت له معرفة بالإسلام فرضيه منهجا، وحصل له الإقرار بنبوة محمد ﷺ فرضيه نبيا ورسولا، وليُعلم أن مسمى الإيمان ليس محصورا في الأركان الستة ومعها أركان الإسلام الخمسة، بل هو أوسع من ذلك فقد قال رسول الله ﷺ : «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان» (٣)، ورواية مسلم «بضع وسبعون شعبة» (٤)، فما ورد في حديث

стр. 14

جبريل ﵇ هو أصول الإيمان التي لا يصح إيمان عبد إلا باجتماعها، وقد ورد في الكتاب العزيز تناول مسمى الإيمان لأكثر مما في حديث جبريل، قال تعالى: ... ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١)، هنا تكامل لعناصر الإيمان، وقد يؤخذ من حديث الصحيحين السابق أن أول الإيمان الإقرار، وآخره إماطة الأذى عن الطريق، صحيح أن الإيمان الاعتقاد بالقلب، ولكنه لا يُعلم إلا بالإقرار، فالنطق يكشف خبايا القلب، فكان الإقرار أول ما يُعلم به إيمان المرء، ولهذا فالمسلمون يتفاضلون في الإيمان على قدر ما يحوزون من تعظيم الله ورسوله ﷺ ، وتعظيم كتابه تعالى وسنة نبيه ﷺ ، وعلى قدر التطبيق العملي لذلك. الركيزة الثانية: الوحدة في المعبود: المعبود بحق هو الله ﷻ وحده لا شريك له، وعلى هذا أطبقت الأديان السماوية، وجاء القرآن الكريم داعيا إلى ذلك، آمراً النبي وأمته بالعلم بذلك، وأن يُتْبعَ العلم بالعمل قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (٢)، وقال ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» (٣)، ولا عصمة لأحد بغير ذلك، وبها وبما بعدها صار الإسلام دين الله في الأرض لا يقبل سواه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤)، هذا الدين العظيم الذي اتسع لكل البشر بالحرية والعدل والمساواة، قوامه الكتاب والسنة، وركائز وحدة الناس عليه أولها الإيمان بالله ، وثانيها عبادة الله وحده لا شريك

стр. 15

له، فليس من العدل أن تعبد غير الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك، فلا أصنام ولا أوثان ولا غير ذلك إلا الخالق البارئ المصور، من له الأسماء الحسنى، وسبحان الله عما يشركون، وعلى هذا المنوال كانت عبادة المؤمنين في العهد النبوي الكريم، وعصر الخلافة الراشدة.

стр. 16

الركيزة الثالثة: الوحدة في المتبوع: المتبوع الذي خاطب الله به البشر جميعا وأمرهم أن يؤمنوا به هو نبينا محمد ﷺ لذلك أمر ﷺ بقتال من لم ينطق بالشهادتين: شطرها الأول لوحدة المعبود، وشطرها الثاني لوحدة المتبوع ﷺ لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وقد احتفظ الإسلام بفضل الأنبياء وحافظ على مكانتهم في نفوس الناس، وجعل الإيمان بهم وبما جاؤوا به ركنا من أركان الإيمان، ولكن كانت إرادة الله فيما مضى أن يبعث في كل أمة رسولا، وكان ذلك، وكانت دعوتهم إلى توحيد الله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١)، فلما وقع التحريف والتبديل فيما جاؤوا به، كانت رحمة الله لمن بعدهم أن لا يعذبهم بما اقترف غيرهم من تحريف الكتب المنزلة ولاسيما على موسى وعيسى ﵉، فوعد تعالى بعدم العذاب فقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢)، وإن كان هذا عاما في الأمم فهو يتناول أمة محمد ﷺ ، هذا من جانب، ومن جانب آخر اقتضت إرادة الله أن يكون المبعوث رحمة للعالمين كافة وبشرع موحَّد، جعل فيه من اليسر والتخفيف مالم يكن فيما سبقه من الأديان، بيّن ذلك تعالى بقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٣)، وهذا يشمل التخفيف عن بني إسرائيل بنبوة عيسى ﵇، وعن أمة محمد ﷺ بنبوته، وأمرهم بوحدة الاتباع فلا يجوز لبشر على وجه الأرض يسمع بنبوة محمد ﷺ ولا يُقبل عليها ويتبين أمرها ليعلم الحق من الباطل، وقد قال ﷺ لعمر ﵁ ورآه ينظر في التوراة: «لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» (٤)، فتوحد المؤمنون على اتباع محمد ﷺ ، ولم يخرجوا عن ذلك قيد أنملة، وهم الرعيل الأول من المؤمنين ﵃، وقد عجبت ممن يتصدر

стр. 17

لتوجيه الناس، ويزعم أن كل أحد مخير فيما يدين ويعتقد ويستدل بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١)، وقد غفل عن تأمله أول الآية، وكذلك لو تأمل آخرها لما وقع في هذه الطامة، ولفهم أنها للتهديد والوعيد لمن لم يؤمن، هذا هو الحق، وأن من كفر فهو ظالم وموعود بالنار قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ... أي قل يا محمد إن ما جئت به هو الحق من ربكم ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (٢)، فالآية ليس فيها تخيير البتة بل وعيد شديد يا أولي الألباب. الركيزة الرابعة: الوحدة في المنهج: جعل الله لهذه الأمة منهجا فريدا تلتقي عليه وحدتهم المصيرية في أمر الدين خاصة، وفي أمور الدنيا عامة، فقال عن كلامه المنزل على نبينا محمد ﷺ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣)، ولو حاول الراغب في التحريف فإنه يبوء بالفشل في الدنيا، والخسران في الآخرة، لأن القرآن الكريم مصون محفوظ من رب العزة والجلال، وها هو يطوي القرن الخامس عشر وهو محفوظ كما أقرأه رسول الله ﷺ أصحابَه ﵃، وقد خسيء كل من أراد النيل منه لفظا أو معنى، فإن الكثيرين من صغار المسلمين تحويه صدورهم فضلا عن كبارهم، كيف لا وهو المنهج الذي استقام عليه أمر الرعيل الأول في عهد النبوة، وعهد الخلافة الراشدة، إن هذه الركائز الثلاث هي التي تغلغلت في نفوس المؤمنين بالله ربا لا شريك له في العبادة، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا إلى الناس كافة، لا شريك له في الاتباع، لأن الله تعالى أمرهم بالركيزة الأولى بوحدة الإيمان فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ

стр. 18

وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١)، وفي الركيزة الثانية بوحدة المعبود، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٢)، وقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٣)، وفي الثالثة بوحدة الاتباع، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٧)، وقال عن الركيزة الرابعة (٨)، وحدة المنهج: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٩)، وحبل الله هو القرآن الكريم، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١٠)، فلا مرجعية لهم سوى الكتاب والسنة النبوية، عملا بوصية نبينا محمد ﷺ «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله» (١١).

стр. 19

ومع هذا يخرج بعض المغرورين فيزعم أن من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر على التخيير، ويرى بهذا الفهم السقيم أنه جاء بالفتح في هذا العصر، نعم فتح باب الضلال للضعفاء من المسلمين. الركيزة الخامسة: حماية الركائز الأربع: قال رسول الله ﷺ : «لكل شيء حمى، وحمى الله محارمه» (١)، فكل شيء في هذه الحياة لابد له من قوة، تصونه وتحميه من العوادي، ومكاسب الأمة كلها تتلخص في وحدتها على الركائز الخمس التي قام عليها الإسلام، فلا بد لكل ركيزة منها من وجود حماية تصونها من العبث، والزيادة، والنقص، فالله صان القرآن وهو الذكر من العبث، والزيادة، والنقص، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٣)، ومن الباطل محاولة تحريفه لفظا أو معنى، وهذا ضمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكذلك السنة النبوية، توعد رسول الله ﷺ من كذب عليه فقال: «من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار» (٤)، وكذلك من عمل عملا لا يوافق أمره، قال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد» (٥)، وهذا من حماية السنة، ومن ذلك جهود العلماء في نقد الأسانيد، والمتون، وقمع البدع، وبيان خطرها على الأمة، وقد بشرنا رسول الله ﷺ أن للعلم بالكتاب والسنة حُماته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال ﷺ : «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» (٦).

стр. 20

حماية الركيزة الأولى: الركيزة الأولى تصان من أفكار الطبائعيين، والدهريين، الذين يزعمون أن لا إله، وأن الطبيعة هي الفاعلة في الحياة، حتى زعموا أن الإنسان كان أصله قردا، فتطور بالطبيعة شيئا فشيئا حتى وصل إلى ما هو عليه، ولكن نسألهم وهم الخاسرون، لِمَ لم تتطور الشمس، وكذلك القمر وغيرهما من الكواكب؟ ، ولِمَ لم تتطور مياه الأنهار والبحار، فتكون زيتا، فتستغني عنا دول العالم، أو تكون لبنا خالصا؟ ، أو عسلا مصفى، ولِمَ لم يتطور الإنسان عن صورته هذه، منذ أن خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة؟ ! ، والعجب أنهم لم يتنبهوا إلى عجز الطبيعة، وحاجتها إلى خالقها، ولم يوفقوا إلى العلم بعجز الطبيعة أن تصنع لقمة طعام لمريض لا حول له ولا قوة، إن تلك الأفكار وما شابهها أو قاربها كانت تدميرا لفطرة الإيمان في النفوس، وفطرة الإنسان تقضي بحاجته إلى معبود يلجأ إليه في أزماته الفكرية والنفسية، والصحية والمعاشية، وكل ما تتطلبه حياته، وبعد موته أيضا، فكانت هذه الحاجة ملجئة إلى تنوع في المعبودات، وإلى صنع الآلهة الباطلة، والحق الصارخ الذي لا مرية فيه أن الخالق هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وليس إلا الله خالقا لهذا الكون وما فيه، فوجب على كل مسلم أن يحمي إيمانه من كل فكر لا يساوق الكتاب والسنة، فقد أوصى بذلك ربنا فقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (١)، وأكد على أنه الخالق وحده، وأن لا إله معه سبحانه فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ

стр. 21

الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١)، فوجب على كل إنسان أن يعلم أنه لا إله إلا الله، قال عمر بن الخطاب ﵁: "إن ناسا يجادلونكم بشبه القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله " (٢)، وأخشى أن يلتحق بركب الطبائعيين في زمننا المروجون لأفكار هدامة نسمعها اليوم هنا وهناك ولا رادع لها بزعم حرية الرأي، ولا أشك في أن أصحابها هم نابتة سوء في المجتمع المسلم. حماية الركيزة الثانية: تصان هذه الركيزة بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، فلا يُعبد الله إلا بما شرع في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٣)، وتوعد من صرف العبادة لغيره تعالى فقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٤)، وثبت في الحديث القدسي فيما يرويه الرسول ﷺ ، عن ربه أنه قال: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه» (٥)، والنصوص من الكتاب والسنة النبوية كثيرة في الدلالة على وجوب إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذا من أعظم ما يجب على المسلمين حمايته وصيانته من الدَّخَل، حتى في مجرد الألفاظ فما يوحي بالمشاركة مع الله لا يجوز التلفظ به، هذا رسول الله يسمع رجلا يقول: ما شاء الله وشئت فينكر عليه ذلك ويقول: «أَمِثْلان؟ ! قل ما شاء الله ثم شئت» (٦)، وفي رواية

стр. 22

«جعلتني عِدلا، قل ما شاء الله» (١)، فطهارة المسلم من الشرك تجب اعتقادا ولفظا وعملا، فلا يُعتقد أن مع الله من يُصرف له أيُّ نوع من العبادة مهما كانت تسميتها، لا وسطاء، ولا شفعاء، ولا يُتلفظ بما فيه تعظيم لا يستحقه إلا الله ولا ما يشعر بعبادة لغير الله ، كطلب قضاء الحوائج، وتفريج الكربات، وغير ذلك، ولا يُقام بعمل فيه لله شريك أو شركاء، فلا يُنذر لغير الله، ولا يُذبح لغير الله، كالأضحية، والهدي والفدية، وغير ذلك مما هو قربة، يرجا بها جلب نفع أو دفع ضرر، ولا يُسأل غير الله فيما لا يقدر عليه أحد سواه، وعلى هذا كانت حماية الركيزة الأولى في العهد النبوي. فالركائز الخمس دوائر مغلقة يرتبط بعضها ببعض، لو كسرة واحدة منهن أذهبت قوة الكل. حماية الركيزة الثالثة: إن الركيزة الثالثة جزء لا يتجزأ من الركيزة الثانية، ولذلك كانت الشهادتان: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله تكوِّنان الركن الأول من أركان الإسلام، فلابد في توحيد المعبود من توحيد المتبوع، والعكس كذلك إذ لا تُغني أحداهما عن الأخرى، وحماية وحدة المتبوع تكون بالتبرؤ من كل قول لا يتفق مع ما جاء به ﷺ لذلك قال ﷺ : «من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار» (٢)، لأنه الناقل عن الله ، ولأن قوله بأمر أو نهي شرع ألزمنا الله به، ولذلك قال حسان بن عطية رحمة الله علينا وعليه: "كان جبريل ينزل بالسنة على رسول الله ﷺ كما ينزل عليه بالقرآن" (٣)، لكونه وحي قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤)، لذلك قال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد» (٥)، وفي

стр. 23

رواية «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» (١)، ومِنْ الحماية عدم الغلو في شخص رسول الله ﷺ وقد وقع في هذا المحذور أمة من الناس، مخالفين بذلك قوله ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله) (٢)، وإذا كان الغلو في شخص رسول الله ﷺ منهي عنه حماية لوحدة المعبود، فكذلك الغلو في أشخاص العلماء والصالحين منهي عنه، حماية لوحدة المتبوع ﷺ ، هذا هو دين الإسلام، دين الوسطية لا إفراط ولا تفريط؛ لذلك حذر رسول الله ﷺ من الإحداث في الدين، واعتبر ذلك من الضلال، كان ﷺ في خطبته يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (٣)، ألا يكفي هذا لتنبيه الغافلين، وتحذير الغالين من الخسران المبين؟ ! ، فتصان الوحدة في الاتباع من اقتحام البدع، وسيطرة الأهواء، فلا يكون الاتباع إلا خالصا لرسول الله ﷺ ، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤)، وقد ربط الله محبته باتباع عبده ورسوله نبينا محمد ﷺ فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥)، وقال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به لا يزيغ عنه» (٦)، فلا يجوز ترك قول الرسول ﷺ واتباع ما يخالفه، من الأقوال كائنا من كان قائلها، وقد فهم هذا الأئمة الأعلام وكل مسلم يجب أن يقول كما قال الأئمة ﵏: قال الإمام أبو حنيفة ﵀: إذا جاء القول عن رسول الله ﷺ فعلى

стр. 24

الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال؛ لأنه ﵀ كان من أتباع التابعين، وتتلمذ على التابعين، فأبو حنيفة هو أقدم الأئمة الأربعة ﵏ (١)، والإمام مالك ﵀ قال: كلنا رادّ ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر - يعني رسول الله ﷺ - ويقول ﵀: أوَ كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ لجدل هؤلاء؟ ! ، ويقول الإمام الشافعي ﵀: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ويقول ﵀: إذا خالف قولي قول رسول الله ﷺ فخذوا بقول رسول الله، واضربوا بقولي عرض (٢) الحائط، ويقول ﵀: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائنا من كان، والإمام أحمد ﵀ يقول: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، هذه أقوال أئمة الإسلام ﵏ فكل الأقوال تذوب أمام قول رسول الله ﷺ ، وهذا ما جرى عليه أمر الرعيل الأول، قال ابن عبّاس ﵄: «يوشِك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ ! » (٣)، إن إخلاص العبادة لله وحده، وخلوص الاتباع لرسول الله ﷺ هو معنى الشهادتين سواء بسواء، ولهذا ورد ما يدل على وجوب حماية هاتين الركيزتين في قول رسول الله ﷺ : «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك» (٤)، وقوله ﷺ : «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض» (٥)، وهذا هو مسار الرعيل الأول.

стр. 25

حماية الركيزة الرابعة: هذا هو الرصيد الأمني للأمة الإسلامية مبنيا على الركائز الثلاث السابقة؛ لكون الركيزة الرابعة هي الوحدة في المنهج، والمنهج هو العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فكتاب الله مضمون الصلاحية لكل زمان ومكان؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، والسنة النبوية الصحيحة، كلام من لا ينطق عن الهوى ﷺ ؛ فهي محفوظة بما قام به علماء الأمة ﵏ من أعمال عظيمة قنّنت حمايتها من الزور والكذب على رسول الله ﷺ ، فكل من تعمد الكذب على رسول الله ﷺ فهو من أهل النار لقول رسول الله ﷺ : «من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار» (١)، بل توعد الناقلين فقال ﷺ : «من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين» (٢)، ومن هنا وجب على الأمة مدافعة الأفكار الهدامة، وهي التي لا تمت إلى الكتاب والسنة بصلة، وما أكثرها من زمن قديم، ولكنها في هذا العصر أكثر انتشارا، تحت شعارات براقة تخدع البسطاء من الناس كثيرا، وتستميل أصحاب الأهواء كثيرا، ولكن المعيار الدقيق لكشفها وبيان زيفها عرضها على الكتاب والسنة، فما كان موافقا قبلناه وما كان مخالفا رددناه، ونحن مع الكتاب والسنة على البيضاء طريق الحق المبين، وهو منهج الرعيل الأول أصحاب رسول الله ﷺ ، فالرسول ﷺ هو الهادي، وأصحابه هم المهتدون، وقد بشرنا رسول الله ﷺ أن للعلم بالكتاب والسنة حُماته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال ﷺ : «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» (٣)، فمن الأهمية أن نعرف من هم أصحاب رسول الله ﵃، ولماذا سموا أصحابا، وبم نعرف الصحابي من غيره. الذي عليه جمهور أهل الحديث: أن الصحابي كل مسلم رآه النبي ﷺ ولو لحظة، وعقل منه شيئاً، فهو صحابي، سواء عقل قليلاً أو كثيراً (٤)، مثال ذلك قول محمود

стр. 26

بن الربيع الأنصاري ﵁: "عقلت مجّة مجّها رسول الله ﷺ في وجهي من دلو معلقة في دارنا" (١). ولمعرفة من هو الصحابي طرق معلومة عند العلماء وهي: أولا: التواتر المفيد للعلم القطعي بالصحبة، وهذا لا يختص بالعشرة المشهود لهم بالجنة وأمثالهم، بل يدخل فيه أيضاً كل من تواترت الرواية عنه من الصحابة المكثرين الذين بلغ الرواة عنهم العدد المفيد للتواتر كالمكثرين الرواية عنه ﷺ وهم مرتبون حسب عدد ما رووا من كلام رسول الله ﷺ . ١ - أبو هريرة ﵁ روى (٥٣٧٤) حديثا. ٢ - عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، روى (٢٦٣٠) حديثا. ٣ - أنس بن مالك ﵁، روى (٢٢٨٦) حديثا. ٤ - عائشة ﵂، روت (٢٢١٠) أحاديث. ٥ - عبد الله بن عباس ﵄، روى (١٦٦٠) حديثا. ٦ - جابر بن عبد الله ﵄، روى (١٥٤٠) حديثا. ٧ - أبو سعيد الخدري ﵁، روى (١١٧٠) حديثا، وغيرهم كعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ وأمثالهم، وكذلك من اتفقت الأمة على صحة حديثه، وتلقته بالقبول وإن لم تكثر الرواية عنه كأبي قتادة ﵁، وأبي مسعود البدري: عقبة بن عامر مشهور بكنيته ﵁ ونحوهما، فإن من لوازم ذلك اتفاقهم على كونه صحابياً، ويندرج في هذا عدد كثير من الصحابة المتفق على صحة أحاديثهم. ثانيا: أن تكون صحبته ثابتة بالاشتهار القاصر عن رتبة التواتر، وهو يفيد العلم النظري عند كثير من العلماء، ويلتحق بهذه الرتبة من اتفقت كتب السير والمغازي والتاريخ على ذكره في الصحابة، ويندرج في هذا النوع خلق كثير من الصحابة ﵃ وإن كان فيهم من ليس له إلاّ الحديث الواحد أو الحديثان، وقد ألف العلماء في هؤلاء مؤلفات منها: المنفردات والوحدان.

стр. 27

ثالثا: من لم يشتهر من جهة الرواية عنه ولكن ذكرته كتب السير، إما بالوفادة على النبي ﷺ ، أو باللقاء اليسير، أو في أثناء قصة أو غزوة، فهذه مرتبة دون التي قبلها. رابعا: من روى عنه أحد أئمة التابعين الذين لا يخفى عنهم مدعي الصحبة ممن هو متحقق بها، وأثبت له التابعيُّ الصحبة أو اللقاء، أو جزم بالرواية عنه عن النبي ﷺ غير معترض على ذلك، لما يلزم في روايته عنه على هذا الوجه من تصديقه فيما ذكر من الصحبة والرواية، سواء سماه في روايته عنه أو لم يسمه، بل قال: رجل من أصحاب النبي ﷺ ، إذ لا تضر الجهالة بعين الصحابي بعد ثبوت صحبته. خامسا: أن يقول من عرف بالعدالة والأمانة: سمعت رسول الله ﷺ أو رأيته يفعل كذا ونحو ذلك، ويكون سنه يحتمل ذلك، والسند إليه صحيح. سادسا: أن يصح السند إلى رجل مستور لم تتحقق عدالته الباطنة، ولا ظهر فيها ما يقتضي جرحه، فيروي حديثاً يتضمن أنه صحابي. سابعا: أن يثبت أنه تولى غزوة من غزوات رسول الله ﷺ أو شارك فيها. ثامنا: أن يكون ممن أمَّره أحد الخلفاء في حروب الردة وفتوح الأمصار، فإنهم لا يقدمون على الصحابي غيره. تاسعا: أن يكون ممن ثبت أن ابنه حنَّكه رسول الله ﷺ ، أو مسح على رأسه، أو دعا له، فإنه كان لا يولد لأحد من الصحابة مولود إلا أتى به النبي ﷺ فدعا له. عاشرا: أن يكون من يدعي صحبته ﷺ ممن كان بمكة أو الطائف سنة عشر من الهجرة؛ إذ من المعلوم عند المحدثين أن كل من كان بمكة أو الطائف سنة عشر قد أسلم، أو حج مع النبي ﷺ حجة الوداع؛ فالحجة معه ﷺ أمر يحرص عليه المسلمون القريبون من مكة، فيكون من حج من الصحابة. حادي عشر: أن يكون مَنْ يدعي صحبته ﷺ من الأوس، أو الخزرج الذين كانوا بالمدينة على عهد رسول الله ﷺ ؛ فقد ثبت أنهم دخلوا في الإسلام جميعاً ﵃، ولم يثبت عن أحد منهم أنه ارتد عن الإسلام.

стр. 28

ثاني عشر: أن يروي بعض صغار التابعين، ومن ليس من أهل المَيز منهم عن رجل مبهم ما يقتضي له صحبة، وهي أضعف المراتب وإن كان جماعة من الأئمة قبلوا مثل ذلك، وأثبتوا حديثهم في مسانيد الصحابة والرواة عنهم؛ ولعل ذلك والله أعلم لقرينة صدق ذلك الجيل الذي هو خير القرون، وأن مرتبة الصحبة الشريفة لم يدَّعِها أحد في ذلك العصر كذباً (١). لماذا سموا أصحابا ؟ : في أقصر تعبير نقول: لأنهم صحبوا رسول الله ﷺ ، وأخلصوا له الصحبة في المنشط والمكره، فلم يكن لديهم أثمن من رسول الله ﷺ ومتابعته ونصرته، بالأموال نعم، بالأرواح نعم، بالأهلين نعم، بكل شيء نعم، ولم يقدر على هذا أحد سواهم ﵃ وأرضاهم. فضل أصحاب رسول الله ﵃ -: قبل الشروع في بيان التفاضل بين الصحابة ﵃ يجب أن نعلم أن التفاضل بين الأفراد والجماعات والأمم لا يلزم منه التفاضل من كل وجه، بل المراد منه التفاضل على سبيل الإجمال، فالتفاضل بين الخلفاء الأربعة بإجماع أهل السنة أنهم على الترتيب: أبو بكر ﵁، ثم عمر ﵁، ثم عثمان ﵁، ثم علي ﵁، وهذا على سبيل الإجمال، ولا يمنع أن يكون الواحد منهم أفضل من غيره في صفة معينة، وهكذا في الجماعات والأمم، ومن اعتقد غير هذا فقد شذ عن الإجماع وانتحل غلوا، لأن المردّ في ذلك إلى الله ورسوله: فالله الخالق يصطفي من الخلق ما يشاء، وفق حكمة أرادها سبحانه، وهو فعال لما يريد، ولا معقب لحكمه، وقد جعل لكل شيء قدرا، فقد ورد فضل الصحابة على سائر الأمة المحمدية على وجه العموم، للأسباب التالية: ١ - أن الله اصطفاهم لنصرة نبيه محمد ﷺ . ٢ - أنهم استجابوا لذلك مهاجرين وأنصارا، فمجرد الاستجابة والترحيب بذلك فضيلة.

стр. 29

٣ - أنهم أكدوا استجابتهم عمليا، فكانوا مضرب الأمثال في الوفاء والتضحية في سبيل الله ورسوله، بالنفس والمال. ٤ - أن الله شهد لهم في كتابه العزيز بالصدق قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١)، وهذا نص صريح في خروج المهاجرين ﵃ نصرة لله ورسوله، وفي صدقهم في ذلك، وأخبر تعالى بالرضا عنهم فيما صنعوا قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)، ولذلك أمرنا الله أن نكون معهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣)، فقد شهد الله بأنهم صدقوا في الإيمان والنصرة وهو الأمر الذي عاهدوا الله عليه، قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٤)، وهذا عام في المهاجرين والأنصار، وكل من صدق ما عاهد الله عليه، وكذلك صرح الرب بالرضى عنهم فيما صنعوا في بيعة الرضوان، لعلمه بما في قلوبهم من صدق الإيمان والنصرة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٥)، وكان عدد الذين بايعوا أربعمائة وألف رجل، قال البراء ﵁: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها، فجلس على شفيرها ثم

стр. 30

دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا (١). ٥ - أن الله أثنى على ثباتهم وشدتهم على أعداء الله، واتِّصافهم بالرحمة فيما بينهم، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢)، ورغم ما هم فيه من انتماء عرقي قبلي، فلم يكن لذلك أثر في نفوسهم إلا عملا بقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣). فهم صفوة الخلق بعد رسول الله ﷺ ، بسبب استجابتهم لذلك الحدث العظيم الذي جاء به محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه، عدد خلقه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، ورضا نفسه، ذلك الحدث هو نزول القرآن الكريم، وما تلاه من حديث رسول الله ﷺ ، فإذا أوردنا النصوص فإنما نعني قبول الصحابة لها، والعناية بها نصا وروحا، والعلم بها رواية ودراية، والعمل بها والدعوة إليها، فكانت حياتهم عملا بالوحيين في كل شيء ﵃ وأرضاهم. المفاضلة بين الصحابة ﵁ -: أفضل هذه الأمة والأمم كلها بعد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين أبو بكر ﵁، وذلك على الإطلاق إجمالا وتفصيلا، فإنه لم يُسبق من الرجال إلى إيمان بالله ورسوله، ولم يُسبق إلى تصديق الله ورسوله، ولم يُسبق إلى خير بشهادة من أراد منافسته فلم يقدر عمر بن الخطاب ﵁، قال عمر بن الخطاب ﵁: "مرَّ رسول اللَّه ﷺ وأَنا معه وأَبو بكر، علَى ابن مسعود وهُو يقرأ، فقام يستمع قراءته، ثم ركع عبد اللَّه وسجد، فقال رسول اللَّه ﷺ : «مَن سره أَن يقرأَ القرآَن كما أُنزِل فليقرأْ

стр. 31

مِن ابنِ أُمِّ عَبْدٍ» قال: فأدلجت إِلى ابنِ مسعود لأُبَشِّرَهُ بما قَال رسول اللَّه ﷺ ، فلما ضربت البَاب سمع صوتي، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: جئت أبشِّرُك بما قال رسول اللَّه ﷺ , قال: سبقك أبو بكر، قلت: إن يفعل فإنه سابق بالخيرات، ما استبقنا إِلى خير قط إِلا سبقني إليه أبو بكر" (١)، ومن هنا يكون التفاضل على الإجمال فالأول بعد أبي بكر عمر ﵄، ثم عثمان ﵁، ثم علي ﵁، ثم أفضل الناس بعد هؤلاء طلحة ﵁، والزبير ﵁، وسعد بن أبي وقاص ﵁، وسعيد بن زيد ﵁، وعبد الرحمن بن عوف ﵁، وأبو عبيدة عامر بن الجراح ﵁، وهؤلاء هم المبشرون بالجنة، وكلهم يصلح للخلافة، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، المهاجرون الأولون والأنصار، وهم من صلى القبلتين، ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ القرن الذي بعث فيهم رسول الله ﷺ ، ثم أفضل الناس بعد هؤلاء من صحب رسول الله ﷺ يوماً، أو شهراً، أو سنة، أو أقل من ذلك، أو أكثر، نترحم عليهم، ونذكر فضلهم، ونكف عن زللهم، ولا نذكر أحداً منهم إلا بالخير، لقول رسول الله ﷺ : «إن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» (٢)، وقال سفيان بن عيينة: من نطق في أصحاب رسول الله ﷺ بكلمة فهو صاحب هوى (٣). قلت: وأصحاب الأهواء هم الزنادقة ولا شك. أصل المفاضلة: أصل المفاضلة مأخوذ من كلام الله ، وكلام رسول الله ﷺ ، فقد أثنى الله على عباده وجعل منهم النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وليس هذا خاصا بأمة محمد ﷺ فقد بعث في كل أمة رسولا، وكان منهم الصديقون والشهداء والصالحون، لكنه تعالى جعل خير الأنبياء والرسل محمد بن عبد الله ﷺ وجعل أصحابه خير الأصحاب، وجعل خير الأمة من عاش في القرون الثلاثة، على الترتيب، قال ﷺ : «خير أمتي القرن الذين يلوني، ثم الذين

стр. 32

يلونهم ثم الذين يلونهم» (١)، وجعل أمته ﷺ خير الأمم قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢)، ولم تقف المفاضلة عند هذا الحد، بل خص بعض الجماعات بمناقب، وبعض الأفراد بصفات، فالأعمال الصالحة لها مسالك وأبواب، ولأوقاتها فضائل تميزها عن غيرها، قال : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، شتان بين الأمرين قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٤)، وعلى هذا منهج السنة أيضا، فقد فاضلت السنة بين الصحابة ﵃ مع أنه قد يجتمع للواحد منهم أكثر من فضيلة، فالمبشرون بالجنة هم خير الصحابة ﵃، وأهل بيعة العقبة الأولى والثانية تميزوا بفضلها عن غيرهم من الصحابة، وتميز أهل بدر عن غيرهم، لذلك قال رسول الله ﷺ في قصة حاطب: «إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٥)، وبيعة الرضوان لأصحابها ميزة عمن لم يشهدها، وغير هذا كثير، وعلى هذا المنهج حصل فضل الصحابة على سائر الأمة، وفضل بعضهم على بعض جماعة وفرادى. عدالة الصحابة ﵁ -: لقد اختار الله نبيه محمدا ﷺ واصطفاه وفضله على سائر الخلق، فاصطفى له أصحابا هم خيار الخلق بعده ﷺ ، فكان شرف الصحبة موهبة إلهية لمن اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ ، وجعل الله تعالى من لوازم هذه الموهبة: العدالة، والصدق والأمانة، قال عبد الله بن مسعود ﵁: "إن الله نظر في قلوب العباد،

стр. 33

فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيّء" (١)، فالذي عليه أهل السنة والجماعة أن العدالة ثابتة لجميع أصحاب رسول الله ﷺ ، وذلك أصل مستصحب في عدالتهم لثناء الله عليهم في كتابه العزيز ومدحه إياهم قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤)، وقد أخبر برضاه تعالى عنهم فقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٥)، وقد شهد لكثير منهم رسول الله ﷺ بالجنة، إما صراحة كالعشرة المبشرين بالجنة، أو ضِمناً كقول رسول الله ﷺ في قصة حاطب ﵁: «وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» (٦)، وقد أخبر النبي ﷺ أنهم خير القرون من أمته وأفضلها،

стр. 34

فقال ﷺ : «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١)، فالأول فيه الصحابة ﵃: وهم الأخيار على الإطلاق، والثاني فيه الآخذون عن الصحابة: وهم التابعون ﵏، والثالث فيه الآخذون عن التابعين: وهم أتباع التابعين ﵏، فاقتضى أن الأول أفضل على الإطلاق، والثاني أفضل من الثالث، والثالث أفضل مما بعده إلى يوم القيامة. قال عمران: فلا أدرى أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا (٢)، وتمام الحديث يوضح أنه لن يأتي بعدهم أفضل منهم، قال ﷺ : «ثم إن بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» (٣)، وقد أخبر رسول الله ﷺ أن نفقة الواحد من الصحابة في سبيل الله مهما قلّت لا يوازيها في الأجر نفقة من بعدهم مهما كثرت، قال ﷺ : «إن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» (٤)، فالويل لمن طعن في فضل وعدالة أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنهم أجمعين، والحكم بعدالتهم ليس معناه عند أهل السنة والجماعة عصمتهم من الخطأ، واستحالة أن يقع أحدهم في خطأ أو معصية، فقد وقعت من بعضهم المعصية، وشهد له النبي ﷺ بعد توبته بالجنة، منهم ماعز بن مالك ﵁، وعلى هذا أجمع أهل السنة والجماعة، ولم يخالف فيه إلا مبتدع ضال، أو حاقد على دين الإسلام، جملة وتفصيلا، فالمستصحَب عند أهل السنة والجماعة ما كان عليه الصحابة في عهد رسول الله ﷺ ، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ليس أحد من الناس نعلمه إلا أن يكون قليلا يمحض الطاعة، والمروءة حتى لا يخلطهما بمعصية، ولا يمحض المعصية، وترك المروءة حتى لا يخلطهما بشيء من الطاعة والمروءة، فإذا كان الأغلب على الرجل، والأظهر من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته، وإذا كان الأغلب على الرجل والأظهر من أمره المعصية، وخلاف المروءة، ردت

стр. 35

شهادته (١)، فالإنسان لا يمكنه أن ينجو من خطيئة وزلل، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (٢)، دليل على اعتبار الأغلب، لأنه تعالى اعتبر الثقل والخفة، وإذا كنا اليوم نقبل من أهل الإسلام، من كان غالب حاله الصلاح، فكيف بمن ناصروا رسول الله، وشهد لهم الكتاب والسنة بجملة في الخير والعمل الصالح، الذي لم يدركه أحد بعدهم، فهم خيار الأمة المحمدية، إنهم أولى بذلك دون ريب، فلا ينازع فيه إلا مبتدع فارق أهل الحق والهدى، فنحن أهل السنة نثبت عدالة الصحابة بشدة، لأنهم الأمناء على ما أخذوا عن رسول الله ﷺ من علم الكتاب والسنة، سواء نصّ القرآن، أو نصوص السنة، وما نقلوا من تفسير لهما، يقول ابن مسعود ﵁: "والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه" (٣)، ولو قبلنا ما زعم القادحون في الصحابة لهدمنا الإسلام من أصله، ولم يكن هناك إسلام إلا في عهد رسول الله ﷺ ، فقط وليس لما بعده حظ منه، لأنه لم ينتشر إلا من طريق أصحابه ﵃، نقل السيوطي ﵀ عن إمام الحرمين ﵀، أنه قال: والسبب في عدم الفحص عن عدالتهم: أنهم حملة الشريعة، فلو ثبت توقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصره ﷺ ، ولما استرسلت على سائر الأعصار (٤). كلام الله -: هو القرآن الكريم، وهو صفة من صفات الله ، منزل غير مخلوق، أنزله على رسوله نبينا محمد ﷺ لا ريب فيه هدى للمتقين، تلقاه جبريل ﵇ عن رب العزة والجلال، وتلقاه نبينا محمد ﷺ عن جبريل، وتلقاه أصحاب رسول الله ﵃ عن رسول الله ﷺ ؛ ولذلك قال عبد الله بن مسعود ﵁ ما قال فيما تقدم من علمه بكتاب

стр. 36

الله الآي منه والسور، وتقدم أن رسول اللَّه ﷺ قال: «من سره أن يقرأ القرآن كما أنزل فليقرأ من ابن أم عبد» (١)، ولم يكن هذا التنويه العظيم قاصرا على عبد الله بن مسعود ﵁، بل تعداه إلى من تميز من أصحاب رسول الله ﵃، قال ﷺ : «خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود - فبدأ به - وسالم مولى أبى حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبى بن كعب» (٢)، ولا نقص في بقية أصحاب رسول الله ﵃، ولكن إشادة بمن تميز منهم، بحسن الصوت وقوة الأخذ والأداء، ولذلك كان يحب ﷺ ، أن يسمع تلاوة القرآن من غيره، قال عبد الله بن مسعود ﵁: "قال رسول الله ﷺ : «اقْرَأْ عَلَىَّ» قال: قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ ! ، قال: «إني أشتهي أن أسمعه من غيري» قال: فقرأت عليه النساء حتى إذا بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٣)، قال لي: «أمسك» فإذا عيناه تذرفان" (٤)، واستمع ﷺ لقراءة أبي موسى الأشعري ﵁ فقال له: «يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» (٥)، وفي رواية قال له أبو موسى ﵁: " لو علمت لحبَّرته لك تحبيرا " (٦)، ومنهم أبي بن كعب ﵁ قال رسول الله ﷺ : «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن» قال أُبَى: آلله سمانى لك؟ ! قال: «الله سماك لي» فجعل أُبَيٌّ يبكى، قال قتادة: فأنبئت أنه قرأ عليه ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٧)، وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "حدثنا من كان يقرؤنا من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يقترئون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلَّمَنا العلم والعمل" (٨)،

стр. 37

هؤلاء وأمثالهم من الجم الغفير من أصحاب رسول الله ﷺ هم نقلة القرآن الكريم عن رسول الله ﷺ ، وعنهم نقل العدول الأخيار من التابعين الأبرار، وعنهم أتباع التابعين، وهكذا يتواتر النقل إلى قيام الساعة، بنقل العدل عن مثله، وقد سمع القرآن من رسول الله ﷺ أبو هريرة، وقرأ أبو هريرة ﵁: على أُبَي بن كعب ﵁ وعرض رسول الله ﷺ القرآن على أُبَي، وقال ﷺ : «أمرني جبريل أن أعرض عليك القرآن» وليعلم أن الرسول ﷺ حينما أمر أن يقرأ على أُبَي ﵁ لا من أجل أن يتعلم من أُبَي، بل ليتعلم أُبَي من رسول الله ﷺ حين يستمع إلى قراءته، فيحذوا أُبي حذو رسول الله ﷺ في القراءة، قال أُبَي ﵁: "يقرأ عليَّ فأحذو ألفاظه" وقرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، على أبي هريرة ﵁، وقرأ نافع بن أبي نعيم ﵀ على عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ﵀ (١). فالصحابة أخذوا القرآن إما درسا لبعضهم، أو سماعا لتلاواته ﷺ في الصلاة وغيرها، أو استمع ﷺ لقراءة بعضهم وأقره عليها، بل أشاد بها كما تقدم سماعه لقراءة ابن مسعود، وقراءة أبي موسى الأشعري، وقراءة أُبَي وغيرهم ﵃، وكان من حرص الصحابة على صحة السماع والنقل أن عمر ﵁ وهشام بن حكيم بن حزام ﵁ اختلفا في سورة الفرقان فقرأها هذا على وجه، وهذا على وجه فقال ﷺ «لكليهما: هكذا أنزلت» (٢)، وقال ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف» فالمراد به على سبع لغات في قول أبي بكر الصديق ﵁. ولهذا قال الشعبي: "الحروف واحدة لكن المختلف لغات (٣)، القوم، وإنما هو كقولك هلم وأقبل وتعال". والقراءة التي عليها الناس بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام هي القراءة التي تلقوها عن أولهم تلقيا، وقام بها في كل مصر من هذه الأمصار رجل ممن أخذ عن التابعين، أجمعت الخاصة والعامة على قراءته، وسلكوا فيها طريقه، وتمسكوا بمذهبه، على ما روي عن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعروة بن الزبير ﵃،

стр. 38

ومحمد بن المنكدر، وعمر بن عبد العزيز، وعامر الشعبي ﵏ (١)، فنتج عن ذلك ما أخذه القراء السبعة ﵏، المجمع على صحة قراءاتهم وأولهم: ١ - الإمام الذي قام بالقراءة بمدينة رسول الله ﷺ بعد التابعين أبو عبدالرحمن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم. وكان عالما بوجوه القراءات متبعا لآثار الأئمة الماضين ببلده أخذ القراءة عن جماعة من التابعين منهم: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وكان عبد الرحمن قد قرأ على أبي هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعلى قراءة نافع اجتمع الناس بالمدينة العامة منهم والخاصة. توفي نافع ﵀ سنة تسع وستين ومائة، وكانت وصيته لبنيه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). ٢ - كان الإمام الذي انتهت إليه القراءة بمكة وأتم به أهلها في عصره، عبد الله بن كثير، مولى عمرو بن علقمة الكناني، ويقال له: الداري، كان مقدما في عصره، قرأ على مجاهد بن جبر، وقرأ مجاهد على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقرأ ابن عباس على أُبي بن كعب ﵁، ولم يخالف ابن كثير مجاهدا في شيء من قراءته، وقد أجمع أهل مكة على قراءته. وعن ابن عيينة أنه توفي سنة عشرين ومائة، ﵀. ٣ - وأما أهل الكوفة فكان الغالب على المتقدمين من أهلها قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ لأنه هو الذي بعث به إليهم عمر بن الخطاب ﵁ ليعلمهم، فأخذت عنه قراءته قبل أن يجمع عثمان ﵁ الناس على حرف واحد، ثم لم تزل في صحابته من بعده يأخذها الناس عنهم؛ كعلقمة، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وزر بن حبيش، وأبي وائل، وأبي عمرو الشيباني، وعبيدة السلماني، وغيرهم.

стр. 39

٤ - أول من أقرأ بالكوفة القراءة التي جمع عثمان رضي الله تعالى عنه الناس عليها أبو عبد الرحمن السلمي: واسمه عبد الله بن حبيب؛ فجلس في المسجد الأعظم، ونصب نفسه لتعليم الناس القرآن، مكث يقرئ بها أربعين سنة، ﵀، وكان قد قرأ على علي رضي الله تعالى عنه (١). الإمام أبو بكر عاصم بن أبي النجود: وكان أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن، وعرض على زر بن حبيش. ٥ - الإمام حمزة بن حبيب الزيات: وكان الإمام حمزة ممن تجرد للقراءة ونصب نفسه لها، وكان ينحو نحو أصحاب عبد الله؛ لأن قراءة عبد الله انتهت بالكوفة إلى الأعمش، قيل: قرأ عليه، وقيل: سمع قراءته، وقرأ على ابن أبي ليلى، وقرأ ابن أبي ليلى على المنهال بن عمرو، وقرأ المنهال على سعيد بن جبير، وقرأ سعيد على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقرأ ابن عباس على أبي بن كعب ﵁، وقرأ أبي بن كعب على النبي ﷺ . ٦ - الإمام علي بن حمزة الكسائي: كان علي بن حمزة الكسائي قد قرأ على حمزة ونظر في وجوه القراءات وكانت العربية علمه وصناعته واختار من قراءة حمزة وقراءة غيره قراءة متوسطة غير خارجة عن آثار من تقدم من الأئمة وكان إمام الناس في القراءة في عصره وكان يأخذ الناس عنه ألفاظه بقراءته عليهم. وأما البصرة فقام بالقراءة بها بعد التابعين جماعة منهم: ٧ - الإمام أبو عمرو بن العلاء: كان أبو عمرو رأساً في حياة الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو إمام أهل عصره في اللغة، وقد رأساً في القراءة، والتابعون أحياء وقرأ على جلة التابعين مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ويحيى بن يعمر وكان لا يقرأ بما لم يتقدمه فيه أحد. توفي أبو عمرو وهو ابن ست وثماني سنة ﵀.

стр. 40

٨ - الإمام عبد الله بن عامر اليحصبي، أهل الشام يسندون قراءتهم إليه، وكان قد أخذ القراءة عن المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وأخذها المغيرة عن عثمان بن عفان ﵁ (١). وليعلم أنه كما أخذ هؤلاء الأئمة كتاب الله مشافهة بأمانة نقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ فقد أخذه عن كل من ذكرنا مشافهة بأمانة نقل العدل عن العدل، لا نشك في صحة ذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن شك أو شكك في حرف منه فهو زنديق مارق، لا حظ له في الإسلام. إذاً هذه مراتب البلاغ: جبريل ﵇، عن رب العزة والجلال، ومحمد ﷺ ، عن جبريل ﵇، والصحابة ﵃، عن رسول الله ﷺ ، والتابعون ﵏ عن الصحابة ﵃، وأتباع التابعين عن التابعين ﵏ جميعا، وهي مراتب بلاغ وصدق ووثوق في غاية الصحة والكمال، وهذا ما علِمه أصحاب رسول الله ﵃، فتنافسوا في الأخذ عن رسول الله ﷺ ، كل على قدر ما كتب له حتى تميز منهم عدد بدقة الأداء وجمال الصوت، فأدوا القرآن بالألفاظ التي تعلموها من رسول الله، وتلقاها التابعون، وعن التابعين تلقاها الأتباع، وعنهم أتباع الأتباع، وهلم جرا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، من دون زيادة ولا نقص عما أنزل الله على نبينا محمد ﷺ . مراتب بلاغ القرآن: قد جعل الله لبلاغ القرآن مراتب، يقوم بها من اصطفى من عباده، ولله أن يصطفي من خلقه ما يشاء، من الملائكة ومن البشر، وحتى من الأرض والبقاع، لا معقب لحكمه، ولا راد لما أراد سبحانه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٢)، فاصطفى من الملائكة لبلاغ الرسالة روح القدس: جبريل ﵇، ومن الناس الرسل ﵈، خاتمهإن من يمعن النظر في كيفية وصول الشرع إلى الأمة يجد أنه وصل من خلال خمس مراتب، وهي أوثق ما
следующие страницы →