← История

История · id 36102

الهادي والمهتدي

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (217 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الله الآي منه والسور، وتقدم أن رسول اللَّه ﷺ قال: «من سره أن يقرأ القرآن كما أنزل فليقرأ من ابن أم عبد» (١)، ولم يكن هذا التنويه العظيم قاصرا على عبد الله بن مسعود ﵁، بل تعداه إلى من تميز من أصحاب رسول الله ﵃، قال ﷺ : «خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود - فبدأ به - وسالم مولى أبى حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبى بن كعب» (٢)، ولا نقص في بقية أصحاب رسول الله ﵃، ولكن إشادة بمن تميز منهم، بحسن الصوت وقوة الأخذ والأداء، ولذلك كان يحب ﷺ ، أن يسمع تلاوة القرآن من غيره، قال عبد الله بن مسعود ﵁: "قال رسول الله ﷺ : «اقْرَأْ عَلَىَّ» قال: قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ ! ، قال: «إني أشتهي أن أسمعه من غيري» قال: فقرأت عليه النساء حتى إذا بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٣)، قال لي: «أمسك» فإذا عيناه تذرفان" (٤)، واستمع ﷺ لقراءة أبي موسى الأشعري ﵁ فقال له: «يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» (٥)، وفي رواية قال له أبو موسى ﵁: " لو علمت لحبَّرته لك تحبيرا " (٦)، ومنهم أبي بن كعب ﵁ قال رسول الله ﷺ : «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن» قال أُبَى: آلله سمانى لك؟ ! قال: «الله سماك لي» فجعل أُبَيٌّ يبكى، قال قتادة: فأنبئت أنه قرأ عليه ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٧)، وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "حدثنا من كان يقرؤنا من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يقترئون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلَّمَنا العلم والعمل" (٨)،

стр. 37

هؤلاء وأمثالهم من الجم الغفير من أصحاب رسول الله ﷺ هم نقلة القرآن الكريم عن رسول الله ﷺ ، وعنهم نقل العدول الأخيار من التابعين الأبرار، وعنهم أتباع التابعين، وهكذا يتواتر النقل إلى قيام الساعة، بنقل العدل عن مثله، وقد سمع القرآن من رسول الله ﷺ أبو هريرة، وقرأ أبو هريرة ﵁: على أُبَي بن كعب ﵁ وعرض رسول الله ﷺ القرآن على أُبَي، وقال ﷺ : «أمرني جبريل أن أعرض عليك القرآن» وليعلم أن الرسول ﷺ حينما أمر أن يقرأ على أُبَي ﵁ لا من أجل أن يتعلم من أُبَي، بل ليتعلم أُبَي من رسول الله ﷺ حين يستمع إلى قراءته، فيحذوا أُبي حذو رسول الله ﷺ في القراءة، قال أُبَي ﵁: "يقرأ عليَّ فأحذو ألفاظه" وقرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، على أبي هريرة ﵁، وقرأ نافع بن أبي نعيم ﵀ على عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ﵀ (١). فالصحابة أخذوا القرآن إما درسا لبعضهم، أو سماعا لتلاواته ﷺ في الصلاة وغيرها، أو استمع ﷺ لقراءة بعضهم وأقره عليها، بل أشاد بها كما تقدم سماعه لقراءة ابن مسعود، وقراءة أبي موسى الأشعري، وقراءة أُبَي وغيرهم ﵃، وكان من حرص الصحابة على صحة السماع والنقل أن عمر ﵁ وهشام بن حكيم بن حزام ﵁ اختلفا في سورة الفرقان فقرأها هذا على وجه، وهذا على وجه فقال ﷺ «لكليهما: هكذا أنزلت» (٢)، وقال ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف» فالمراد به على سبع لغات في قول أبي بكر الصديق ﵁. ولهذا قال الشعبي: "الحروف واحدة لكن المختلف لغات (٣)، القوم، وإنما هو كقولك هلم وأقبل وتعال". والقراءة التي عليها الناس بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام هي القراءة التي تلقوها عن أولهم تلقيا، وقام بها في كل مصر من هذه الأمصار رجل ممن أخذ عن التابعين، أجمعت الخاصة والعامة على قراءته، وسلكوا فيها طريقه، وتمسكوا بمذهبه، على ما روي عن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعروة بن الزبير ﵃،

стр. 38

ومحمد بن المنكدر، وعمر بن عبد العزيز، وعامر الشعبي ﵏ (١)، فنتج عن ذلك ما أخذه القراء السبعة ﵏، المجمع على صحة قراءاتهم وأولهم: ١ - الإمام الذي قام بالقراءة بمدينة رسول الله ﷺ بعد التابعين أبو عبدالرحمن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم. وكان عالما بوجوه القراءات متبعا لآثار الأئمة الماضين ببلده أخذ القراءة عن جماعة من التابعين منهم: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وكان عبد الرحمن قد قرأ على أبي هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعلى قراءة نافع اجتمع الناس بالمدينة العامة منهم والخاصة. توفي نافع ﵀ سنة تسع وستين ومائة، وكانت وصيته لبنيه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). ٢ - كان الإمام الذي انتهت إليه القراءة بمكة وأتم به أهلها في عصره، عبد الله بن كثير، مولى عمرو بن علقمة الكناني، ويقال له: الداري، كان مقدما في عصره، قرأ على مجاهد بن جبر، وقرأ مجاهد على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقرأ ابن عباس على أُبي بن كعب ﵁، ولم يخالف ابن كثير مجاهدا في شيء من قراءته، وقد أجمع أهل مكة على قراءته. وعن ابن عيينة أنه توفي سنة عشرين ومائة، ﵀. ٣ - وأما أهل الكوفة فكان الغالب على المتقدمين من أهلها قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ لأنه هو الذي بعث به إليهم عمر بن الخطاب ﵁ ليعلمهم، فأخذت عنه قراءته قبل أن يجمع عثمان ﵁ الناس على حرف واحد، ثم لم تزل في صحابته من بعده يأخذها الناس عنهم؛ كعلقمة، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وزر بن حبيش، وأبي وائل، وأبي عمرو الشيباني، وعبيدة السلماني، وغيرهم.

стр. 39

٤ - أول من أقرأ بالكوفة القراءة التي جمع عثمان رضي الله تعالى عنه الناس عليها أبو عبد الرحمن السلمي: واسمه عبد الله بن حبيب؛ فجلس في المسجد الأعظم، ونصب نفسه لتعليم الناس القرآن، مكث يقرئ بها أربعين سنة، ﵀، وكان قد قرأ على علي رضي الله تعالى عنه (١). الإمام أبو بكر عاصم بن أبي النجود: وكان أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن، وعرض على زر بن حبيش. ٥ - الإمام حمزة بن حبيب الزيات: وكان الإمام حمزة ممن تجرد للقراءة ونصب نفسه لها، وكان ينحو نحو أصحاب عبد الله؛ لأن قراءة عبد الله انتهت بالكوفة إلى الأعمش، قيل: قرأ عليه، وقيل: سمع قراءته، وقرأ على ابن أبي ليلى، وقرأ ابن أبي ليلى على المنهال بن عمرو، وقرأ المنهال على سعيد بن جبير، وقرأ سعيد على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقرأ ابن عباس على أبي بن كعب ﵁، وقرأ أبي بن كعب على النبي ﷺ . ٦ - الإمام علي بن حمزة الكسائي: كان علي بن حمزة الكسائي قد قرأ على حمزة ونظر في وجوه القراءات وكانت العربية علمه وصناعته واختار من قراءة حمزة وقراءة غيره قراءة متوسطة غير خارجة عن آثار من تقدم من الأئمة وكان إمام الناس في القراءة في عصره وكان يأخذ الناس عنه ألفاظه بقراءته عليهم. وأما البصرة فقام بالقراءة بها بعد التابعين جماعة منهم: ٧ - الإمام أبو عمرو بن العلاء: كان أبو عمرو رأساً في حياة الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو إمام أهل عصره في اللغة، وقد رأساً في القراءة، والتابعون أحياء وقرأ على جلة التابعين مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ويحيى بن يعمر وكان لا يقرأ بما لم يتقدمه فيه أحد. توفي أبو عمرو وهو ابن ست وثماني سنة ﵀.

стр. 40

٨ - الإمام عبد الله بن عامر اليحصبي، أهل الشام يسندون قراءتهم إليه، وكان قد أخذ القراءة عن المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وأخذها المغيرة عن عثمان بن عفان ﵁ (١). وليعلم أنه كما أخذ هؤلاء الأئمة كتاب الله مشافهة بأمانة نقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ فقد أخذه عن كل من ذكرنا مشافهة بأمانة نقل العدل عن العدل، لا نشك في صحة ذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن شك أو شكك في حرف منه فهو زنديق مارق، لا حظ له في الإسلام. إذاً هذه مراتب البلاغ: جبريل ﵇، عن رب العزة والجلال، ومحمد ﷺ ، عن جبريل ﵇، والصحابة ﵃، عن رسول الله ﷺ ، والتابعون ﵏ عن الصحابة ﵃، وأتباع التابعين عن التابعين ﵏ جميعا، وهي مراتب بلاغ وصدق ووثوق في غاية الصحة والكمال، وهذا ما علِمه أصحاب رسول الله ﵃، فتنافسوا في الأخذ عن رسول الله ﷺ ، كل على قدر ما كتب له حتى تميز منهم عدد بدقة الأداء وجمال الصوت، فأدوا القرآن بالألفاظ التي تعلموها من رسول الله، وتلقاها التابعون، وعن التابعين تلقاها الأتباع، وعنهم أتباع الأتباع، وهلم جرا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، من دون زيادة ولا نقص عما أنزل الله على نبينا محمد ﷺ . مراتب بلاغ القرآن: قد جعل الله لبلاغ القرآن مراتب، يقوم بها من اصطفى من عباده، ولله أن يصطفي من خلقه ما يشاء، من الملائكة ومن البشر، وحتى من الأرض والبقاع، لا معقب لحكمه، ولا راد لما أراد سبحانه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٢)، فاصطفى من الملائكة لبلاغ الرسالة روح القدس: جبريل ﵇، ومن الناس الرسل ﵈، خاتمهإن من يمعن النظر في كيفية وصول الشرع إلى الأمة يجد أنه وصل من خلال خمس مراتب، وهي أوثق ما

стр. 41

يكون، صدقا وأمانة والتزاما بحرفية النص، كما هو الحال في نقل القرآن الكريم، أو بالحرفية في نقل السنة، أو باللفظ المرادف الذي لا يحيل المعنى فيها عن مدلوله الصحيح. المرتبة الأولى: أمر الله جبريل ﵇، بإنزال القرآن من اللوح المحفوظ، إما بالإيحاء إليه روحانيا، أو أن جبريل حفظه من اللوح المحفوظ، أو أنه نزل به مكتوبا، إلى الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، وهذه رتبة رفيعة لجبريل ﵇ فهو روح القدس، وهو الأمين على وحي الله تعالى لجميع الرسل ﵈، اصطفاه الله من الملائكة لما بيْنه تعالى وبيْن الأنبياء والرسل من أمر النبوات والرسالات، ولما شاء سبحانه، قال : ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ (١)، فالله الذي أنزله بدلالة هذه الآية: وبدلالة قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)، منسوبا إلى ذاته سبحانه، والمراد بالحق: ما ورد فيه من أحكام، فذلك حق لا مرية فيه، نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة واحدة، وكان النازل به جبريل ﵇، فوضعه في بيت العزة، وأملاه على السفرة الكرام، ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ أي بذلك الحق نزل من السماء الدنيا إلى النبي محمد ﷺ ، ليحقق ما أراد الله في هذا الكون، من العدالة والأمن والاستقرار، ووحدة البشرية في العبادة والمعاملات. قال ابن عباس: نزل القرآن جملة واحدة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفَرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفَرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على النبي ﷺ عشرين سنة (٤).

стр. 42

المرتبة الثانية: نزل به جبريل ﵇، قال : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (١)، وهنا نسب النزول به إلى جبريل ﵇ لأنه نزل به أولا: من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وثانيا: من بيت العزة إلى السفرة الكرام منجما على قلب نبينا محمد ﷺ ، وهذا شرف النبوة والرسالة الذي اصطفى الله له عبده ورسوله نبينا محمد الصادق الأمين ﷺ . المرتبة الثالثة: بلاغ رسول الله نبينا محمد ﷺ من آمن به، بلَّغ أصحابه ﵃، وهو بلاغ للأمة كلها إذ خاطبه ربه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢)، وقد بلَّغ ﷺ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله عن أمته خير ما يجَزَي نبيا عن أمته. المرتبة الرابعة: بلاغ الصحابة ﵃، كل من صحب رسول الله ﷺ مؤمنا به؛ كان واعيا لكل كلمة سمعها من رسول الله ﷺ ، لذلك نال شرف البلاغ عن رسول الله ﷺ حين أدَّاها كما سمعها، أو على معنى ما سمعها، لصحابي مثله، أو تابعي بعده، من غير زيادة ولا نقص، ولذلك قال عبد الله بن مسعود ﵁ مفتخرا بالنقل عن رسول الله ﷺ : «والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه» (٣)، قال عبد الرحمن السلمي: "حدثنا من كان يقرؤنا من أصحاب النبي ﷺ ، أنهم كانوا يقترئون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا:

стр. 43

فعلمنا العلم والعمل" (١)، هؤلاء وأمثالهم من الجم الغفير من أصحاب رسول الله ﷺ هم نقلة القرآن الكريم عن رسول الله ﷺ ، وعنهم نقل العُدُول الأخيار من التابعين الأبرار، وعنهم تابعوهم من الأئمة الأعلام، وهكذا يتواتر النقل إلى قيام الساعة، بنقل العدل عن مثله، ومثل القرآن كان أصحاب رسول الله ﵃، يلتقطون كلامه ﷺ في كل صغيرة وكبيرة. كلام رسول الله ﷺ -: ومثل العناية بالقرآن كان أصحاب رسول الله ﵃، يلتقطون كلامه ﷺ في كل صغيرة وكبيرة، كما قيل لسلمان ﵁: "قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة: فقال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم" (٢). لقد اعتنى الصحابة ﵃ بالسماع من رسول الله ﷺ ، ومنهم من انقطع عن الكسب ولازم رسول الله حتى أكثر الرواية عنه ﷺ وتقدم ذكر المكثرين: وهم سبعة ﵃، تكلم رسول الله ﷺ بادئ ذي بدء بكلام رب العالمين، الذي نزل به الروح الأمين جبريل ﵇ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (٣)، فكلام رسول الله ﷺ أصدق الكلام وأبينه بعد كلام رب العزة والجلال، وإذا كان رسول الله ﷺ معروفا عند قريش قبل البعثة بالصادق الأمين، فقد قال عنه ربنا جل وعلا في القرآن: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤)، وقال تعالى آمراً بأخذ ما يأمر به ﷺ ، والانتهاء عما نهى عنه ﷺ : قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٥)، وذلك لكمال صدقه ﷺ ونصحه للأمة، وحذر تعالى من مخالفة

стр. 44

ذلك فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، وبين سبحانه أن مخالفة أمره ﷺ ونهيه ليست من صفات المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٢)، وقال ﷺ عن كلامه: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ألا ولا لقطة من مال معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروهم، فإن لم يقروهم فلهم أن يعقبوهم بمثل قراهم» (٣)، فأصبح التشريع الإسلامي كتابا وسنة: ما قال الله في كتابه العزيز، وما قال رسوله الصادق الأمين، فالحرام ما حرم الله ورسوله، والحلال ما أحل الله ورسوله، أضاف رسول الله ﷺ ، ما سنه الخلفاء الراشدون، وهم صفوة الخلق بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، والمراد ما اجتهد فيه كل واحد منهم مما لا نص فيه فإنه شرع يلزم الأمة المحمدية العمل به، قال ﷺ : «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم يرى بعدي اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة» (٤). بناء على هذا فإن التشريع الإسلامي كتابا وسنة من لدن حكيم حميد: هو الله وحده لا شريك له، فما كان من حلال وحرام فهو بأمره تعالى، سواء ورد النص به في القرآن أو السنة النبوية، أو فيهما معا، وعلم الكتاب والسنة توارثه عن رسول الله ﷺ العلماء من أصحابه، وعنهم من بعدهم، قال رسول الله ﷺ : «يرث

стр. 45

هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالي» (١)، فقد ورث الصحابة من رسول الله ﷺ علم الكتاب والسنة، وهم خلفه ﷺ واجتهد الخلفاء الراشدون ﵃ فيما حدث في زمنهم من قضايا لم يرد فيها نص من كتاب ولا سنة، فكانوا خير الناس، وكان زمنهم خير الأزمان، إذ حفظوا للأمة المحمدية كل شيء عن رسول الله ﷺ فقامت دولة الخلافة الراشدة على أزكى ما يكون من العدل والمساواة، وسياسة الأمة بذلك في شئون الدنيا والآخرة، حتى لكأنك ترى رسول الله ﷺ وتسمع صوته، لكثرة ما يلتزم كل واحد منهم ﵃ بأداء ما سمع من رسول الله بكل صدق وأمانة وإخلاص، وكان يستوثق بعضهم بعضا فيما سمع حتى يروي الحديث الواحد العشرات منهم ﵃، وجاء بعد الصحابة التابعون ﵏. ولم يكن حرص الصحابة ﵃ على السماع من رسول الله ﷺ قاصرا على النص القرآني الكريم، بل كانوا يرقبون ألفاظه وحركاته وسكناته، ليعلموا المراد من ذلك، الذكور منهم والإناث على حد سواء، فما أكثر ما تجد في السنة قول الصحابي سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا، كقول النعمان بن بشير: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلال بين والحرام بين ... » (٢)، ولم يكتفوا بالسماع فما أكثر ما تجد في السنة قول الصحابي: سألت رسول الله ﷺ عن كذا وكذا، كقول عائشة ﵂: "سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة" (٣)، ولم يكف ذلك بل كانوا يرصدون أفعاله، فما أكثر ما تجد الصحابي يقول: رأيت رسول الله ﷺ يفعل كذا وكذا، وكقول عائشة ﵂: "كنت قاعدة أغزل، والنبي ﷺ يخصف نعله، فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولد نورا، فبُهت،

стр. 46

فنظر إليِّ رسول الله ﷺ فقال: «ما بالك يا عائشة؟ بُهت؟ ! » قلت: جعل جبينك يعرق، وجعل عرقك يتولد نورا، ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره، قال: وما يقول أبو كبير؟ قلت: يقول: ومبرءًا من كل غُبَّرِ حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل قالت: فقام النبي ﷺ وقبل بين عينيَّ" وقال: «جزاك الله يا عائشة خيرا، ما سُررتِ مني كسروري بك» (١)، هذه أم المؤمنين حبيبة رسول الله ﷺ تقول ما تقول عن حبيبها، ويأبا الزنادقة إلا القدح في طهرها، لعن الله من قدح به، ومن صدقه، ومن أذاعه ونشره، وكقول عبد الله بن عمر ﵄: «رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعل التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها» (٢)، أو يقول: كنت عند رسول الله فجاء رجل فقال كذا وكذا، كقول عدي بن حاتم ﵁: «كنت عند رسول الله فجاءه رجلان، أحدهما يشكوا العيلة، والآخر يشكو قطع السبيل. . .» (٣)، وأسلوب آخر هو رصد ما يفعله بعض الصحابة بحضور رسول الله ﷺ ، فيُقر الفاعل على فعله، أو ينهاه عما فعل، ولم يكن ذلك في حال بل في أحوال كثيرة، وأبواب من العلم لا تحصى، بل كان من حرصهم أن من اضطر للغياب عن مجلس رسول الله ﷺ كلف بعض من يحضر بالسماع من رسول الله ﷺ فإذا عاد سأل صاحبه عن قول رسول الله ﷺ ، فقد كان عمر ﵁ وهو من خواص الصحابة يتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ هو وجار له، فينزل عمر ﵁ يوما، ويأتي جاره ﵁ بما استفاده ذلك اليوم، وينزل جاره يوما، فيأتي عمر بما استفاد ذلك اليوم (٤)، وهذا أنس بن مالك وهو خادم رسول الله ﷺ يقول: «والله ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله ﷺ ، ولكن كان يحدث بعضنا بعضا، ولا يتهم

стр. 47

بعضنا بعضا» (١)، ومنهم من لازم رسول الله وانقطع للأخذ عنه قال أبو هريرة ﵁: "إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا، ثم يتلو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون" (٣)، وأخذ صغار الصحابة عن كبارهم، فكانوا جميعا في الخير كتلة واحدة يأمن بعضهم بعضا، أصفى الناس قلوبا وأصدقهم ألسنة، وأقومهم بالحق، وأقمعهم للباطل، حقا والله هم العدول الأمناء، وقد شهد لهم جميعا بذلك، ولمن بعدهم من التابعين وأتباعهم ومن تبعهم بإحسان، شهد لهم رسول الله ﷺ فقال: «يرث هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالي» (٤)، فورث الصحابة من رسول الله ﷺ علم الكتاب والسنة، وهم خلفه ﷺ فتسلسل الصدق المطلق، والوثوق الكامل بتلك المراتب الأربع، وعلى هذا المنهج قامت دولة الخلافة الراشدة على أزكا ما يكون من العدل والمساواة، وسياسة الأمة بذلك في شئون الدنيا والآخرة، بكل صدق وأمانة وإخلاص، وبرزت خيرية القرون الثلاثة، الأمثل فالأمثل، متضمنة رجال البلاغ في المرتبة الخامسة من التابعين وأتباعهم ﵏.

стр. 48

المرتبة الخامسة: هم الذين لم يدركوا رسول الله ﷺ ، وأدركوا أصحابه ﵃، وهم من يسمون بالتابعين، تلقفوا علم الكتاب والسنة عن أصحاب رسول الله ﵃، حتى إن بعضهم رأى سبعين صحابيا، ومن أئمتهم سعيد بن جبير، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، والزهري، وغيرهم كثير ﵏، كلهم التزم نهج الصحابة فيما نقلوا عن رسول الله ﷺ ، وهكذا ورث علم الكتاب والسنة من كل خلف عدوله، فالصحابة كلهم عدول بتعديل الله ورسوله لهم، وبإجماع المسلمين إلا من شذ ممن لا خلاق لهم، وعن الصحابة ورثه العُدُول من التابعين ﵏، وعنهم أتباع التابعين ﵏، وهلم جرا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهم ينفون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين، تبقى الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، وهم على هذا النهج القويم، لا يضرهم من خالفهم، نصر من الله وفتح قريب.

стр. 49

الخلافة الراشدة الله أكبر، ماذا كان حال المسلمين في عهد رسول الله ﷺ ، من الوحدة والانجبار، ومن الذي لا يتمنى أن يكون رأى رسول الله ﷺ ولو مرة واحدة؟ ! ! ، ومن الذي لا يتمنى اليوم أن يرى رسول الله ﷺ في نومه؟ ! إن عزاءنا في ذلك أن العاملين بالكتاب والسنة، هم الداعون إلى تلك الوحدة، وذلك الانجبار، وهم أمته وهم الغر المحجّلون على الحقيقة، وهو ﷺ قائدهم، وهم الواردون حوضه، وما قال ﷺ : ... «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ» (١)، ما قال هذا ﷺ إلا لأن الخلفاء هم الصفوة من الأصحاب، والأصحاب هم الصفوة من الناس، وأمته ﷺ هي الصفوة من الأمم، إن من يجعل الرسول ﷺ وأصحابه، في القدوة والعمل كغيرهم من الناس فقد ضل سواء السبيل، وهو ممن اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم، إن أصحاب رسول الله ﷺ ومن نهج نهجهم إلى يوم الدين، هم الفرقة الناجية؛ لأنهم اتبعوا ولم يبتدعوا؛ لأنهم المحققون لقيود الكتاب والسنة، آمنوا بالكتاب والسنة جملة وتفصيلا، فطبقوا قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢)، وكم يخافون من قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣)، ويعملون بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٤)، حياتهم دعوة وإصلاح وبناء عملا بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ

стр. 50

اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١)، نقاء في الاعتقاد، حين تحقق فيهم قول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٢)، تمسكوا بوصية رسول الله ﷺ «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ » قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد» (٣)، وهم الواعون لقوله ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ألا ولا لقطة من مال معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروهم، فإن لم يقروهم فلهم أن يعقبوهم بمثل قراهم» (٤)، وهم الصابرون امتثالا لقول رسول الله ﷺ : «إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» (٥)، وغير ذلك كثير من منهج الإسلام، مما يطول ذكره وتفصيله، إنها فرقة مجاهدة في تطبيق الكتاب والسنة، جملة وتفصيلا، في كل مناحي الحياة، حتى في كيفية لباس الثوب، والنعل، وآداب الدخول والخروج، وركوب الدابة، قائمون على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي وعد الله ، ومن كان حريصا على مثل هذه الشعائر اليسيرة السهلة، فهو لما سواها من الأمور العظيمة أطلب، وعليها أحرص، ولرسم الصورة لمنهج المهتدين، نَطْرق باب المهتدي الأول. والعجب أن لفتة أعرض عنها أهل الأهواء، وكأنها عندهم لم تكن ولم ينطق بها المصطفى ﷺ ، مع أنها من غرر كلامه ﷺ ، ومن علامات صدق نبوته حين قال في شأن الاختلاف والفتن: «فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتى وسنة الخلفاء

стр. 51

الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ» (١)، لفتة هامة في سداد أهل السنة، وإشارة واضحة وجلية إلى أنه سيكون بعده ﷺ خلفاء من أصحابه يلون أمر الأمة المحمدية، فأمر الأمة بالتمسك بسنته ﷺ ، وبما يسنه كل واحد منهم، لأنهم راشدون مهديون، ولا أشك في علم رسول الله بأعيانهم، وقد ورد عنه ما يشير إلى ذلك في صور منامية رآها رسول الله، فقال ﷺ : «رأيت الناس مجتمعين فى صعيد، فقام أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين، وفى بعض نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم أخذها عمر، فاستحالت بيده غربا، فلم أر عبقريا في الناس يفري فريه، حتى ضرب الناس بعطن» (٢)، فاجتماع الناس فيه إشارة إلى اجتماعهم على الخلافة ونزع أبي بكر أولا، يدل على أنه الخليفة بعد رسول الله ﷺ ، والضعف في النزع إشارة إلى قلة الزمن الذي يكون فيه أبو بكر ﵁ خليفة، وهو ما حدث فعلا فلم يبق في الخلافة سوى سنتين، ونزعُ عمر ثانيا، فيه إشارة إلى أنه الخليفة بعد أبي بكر ﵁، ويدل وصف عمر ﵁ بقوة النزع على مدة خلافته وقوة عهده، وهو ما حدث فعلا، فلم يكن في الخلفاء بعده أعظم منه عملا، ولا عدلا، ولا قوة للأمة ﵁، ومما يؤكد أحقية أبي بكر ﵁ بالخلافة قول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣)، فالآية عامة في استخلاف المؤمنين بعد المشركين، وأهل الكتاب، وهو وعد بشر الله به المؤمنين في أول الإسلام، لتقوى عزائمهم على الثبات ومقارعة المشركين، واليهود والنصارى، وعد بأن يكون للمؤمنين خلفاء يخلفون، أولهم يخلف رسولَ الله ﷺ ، فكان أول الخلفاء أبو بكر ﵁؛ تحققت هذه الآية الكريمة فيه، وفي الثلاثة بعده ﵃، فهم في مقدمة الذين آمنوا وعملوا الصالحات، واستخلفهم بعد رسوله واحد تلو الآخر، ووعد الله الذين آمنوا بالمغفرة

стр. 52

والأجر العظيم قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١)، وهذه تحققت في جميع الصحابة ﵃ وأبو بكر ﵁ هو أكمل الناس إيمانا بعد رسول الله ﷺ ، بشهادة عمر بن الخطاب ﵁ حين قال: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم» (٢)، وكفى والله بها شهادة من عدل خبير بأبي بكر بعد رسول الله ﷺ ، ونعود إلى الحديث السابق فنجد فيه إلماحة قوية تؤكد أن خلافة عمر ﵁ بعد أبي بكر ﵁، وتشير إلى ما يكون في عهده من خير للإسلام والمسلمين، فطابق الخُبْرُ الخَبَر في هذا الأمر العظيم المعتبر، فُتحت الأمصار شرقا وغربا، ودوَّى صوت المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح في تلك الأمصار، ومن هنا اشتدت عداوة الحاقدين على عمر بن الخطاب ﵁ كأبي لؤلؤة المجوسي لعنه الله، وأتباعه الذين لا زالت نار حقدهم تضطرم إلى اليوم. أما قوله ﷺ : «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشى فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة» (٣)، ففيه إشارة إلى ما سيحدث من خلاف وفتن يشعلها أهل الكيد للإسلام، وأن ذلك سيحدث لا محالة، ولا يكون إلا بالإحداث فيما جاء به ﷺ ، وحذر من المحدثات في الدين لأنها أبواب الضلال. موقف الصحابة من الخلافة الراشدة لم يشك الصحابة ﵃ في أن مراتب الخلافة الراشدة، بعد النبوة على الولاء، روى ابن عمر ﵄ قال: كنا نُخَيِّر بين الناس في زمان رسول الله ﷺ : أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره (٤).

стр. 53

وبالطبع علي ﵁ رابع الخلفاء، وهو القائل ﵁: "خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، وبعد أبي بكر: عمر، ولو شئت أن أسمي لكم الثالث لفعلت" (١)، ولا ريب أن الثالث عثمان، وقد روى محمد بن علي بن أبي طالب: المعروف بابن الحنفية قال: قلت لأبي: "يا أبت، من أفضل هذه الأمة بعد النبي ﷺ ؟ قال: سبحان الله يا بني: أبو بكر. قال: قلت: ثم من؟ قال: سبحان الله يا بني: عمر. قال: قلت: ثم أنت يا أمير المؤمنين؟ قال: لست هناك، ثم أنا بعد ذلك رجل من المسلمين، لي ما لهم، وعليّ ما عليهم" (٢). يفهم من قول علي ﵁: "لست هناك" أنه ﵁ يعلم موقعه في الخلافة، وأنه ليس بعد عمر ﵁، ولذلك بايع عمر ولم ينازعه، ولما كان موقعه بعد عثمان بايعه الصحابة فقام لذلك، ولم ينازعه معاوية ﵁ في الخلافة بل في المطالبة بقتل قتلة عثمان ﵁، وقد كان أمر مراتب الخلافة عندهم من البدهيات، ولذلك كان الحادي يحدو بعثمان وهو يقول: إن الأمير بعده علي ... وفي الزبير خلف رضي. قال كعب: ولكنه صاحب البغلة الشهباء، يعني معاوية, فقيل لمعاوية: إن كعبا يسخر بك ويزعم أنك تلي هذا الأمر, قال: فأتاه فقال: يا أبا إسحاق, وكيف وهاهنا علي والزبير وأصحاب محمد, قال: «أنت صاحبها» (٣). وفي قول معاوية هذا دلالة على أنه يعلم رتبة عليّ ﵁ في الخلافة وأنها بعد عثمان، ويعلم أن الزبير أحق منه بها بعد علي ﵃، ولعل كعب الأحبار ﵀ قال ما قال لمعاوية ﵁ إما لعلم عنده من الكتاب؛ "التوراة" أو من قول رسول الله ﷺ : «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك» وهو الأولى عندي، قال سفينة للراوي عنه وهو سعيد بن جمهان: "أمسك خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان، ثم أمسك خلافة علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين" (٤)، وقال رسول

стр. 54

الله ﷺ : «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء» (١)، حيث تنتهي الخلافة الراشدة بقتل علي ﵁، ولعن الله قاتله عبد الرحمن بن ملجم، وقد تجاوز خبر الخلفاء حدود الخلافة الراشدة، روى عبد الله بن عمرو ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون اثنا عشر خليفة» - فذكر أبا بكر ﵁، وعمر ﵁، وعثمان ﵁ - فقال له رجل من قومه: إنما جلسنا إليك لتذكرنا، ما لنا وما لهذا؟ فقال: والذي نفسي بيده، لو تركتني لأخبرتكم بما قال فيهم واحدا واحدا (٢)، روى جابر بن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبي ﷺ ، فسمعته يقول: «إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة» قال: ثم تكلم بكلام خفي عَليّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلهم من قريش» (٣). قلت: بيَّن الحافظ ابن حجر ﵀ المراد من هذا الحديث بناء على تأييد القاضي عياض ﵀ بقوله: في بعض طرق الحديث الصحيحة «كلهم يجتمع عليه الناس» وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر ﵁، ثم عمر ﵁، ثم عثمان ﵁، ثم علي ﵁، إلى أن وقع أمر الحكمين في صفين فسمي معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية ﵁ عند صلح الحسن ﵁، ثم اجتمعوا على ولده يزيد، ولم ينتظم للحسين ﵁ أمر بل قتل قبل ذلك، ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة: الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام فولي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه، وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ، ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك، لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لم

стр. 55

تطل مدته، بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان، ولما مات يزيد ولي أخوه إبراهيم فغلبه مروان، ثم ثار على مروان بنو العباس إلى أن قتل، ثم كان أول خلفاء بني العباس أبو العباس السفاح، ولم تطل مدته مع كثرة من ثار عليه، ثم ولي أخوه المنصور فطالت مدته لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس، واستمرت في أيديهم متغلبين عليها إلى أن تسموا بالخلافة بعد ذلك، وانفرط الأمر في جميع أقطار الأرض، فلم يبق من الخلافة إلا الاسم في بعض البلاد، بعد أن كانوا في أيام بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع أقطار الأرض، شرقا وغربا وشمالا ويمينا مما غلب عليه المسلمون، ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة على شيء منها إلا بأمر الخليفة، ومن نظر في أخبارهم عرف صحة ذلك، فعلى هذا يكون المراد بقوله ثم يكون الهرج يعني القتل الناشئ عن الفتن، وقوعا فاشيا يفشو ويستمر ويزداد على مدى الأيام، وكذا كان والله المستعان (١). مكانة أبي بكر ﵁ -: هو رجل الإسلام الأول بعد رسول الله ﵁، أسلم بإسلامه ستة نفر، خمسة من العشرة المبشرين بالجنة: وهم عثمان، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة، والسادس خباب بن الأرت ﵃، ولقد أعز الله الإسلام بخلافة أبي بكر الصديق ﵁، فقد كان الرجل الأول من رجال الإسلام العظام عند رسول الله ﷺ ، رفيق درب رسول الله ﷺ من أول وهلة، عرفه وآمن به وصدقه ولازمه ملازمة الظل للجسد، ولم يفضِّل عليه رسول الله ﷺ أحدا من أصحابه بل كان سيدهم والمقدم عليهم في كل شأن، وقد أَم الناس ورسول الله ﷺ حي، عن عائشة رضي الله عمها قالت: "لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: «مروا أبا بكر أن يصلى بالناس» فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى ما يقم

стр. 56

مقامك لا يُسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: «مروا أبا بكر يصلى بالناس» فقلت: لحفصة قولي له إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى ما يقم مقامك لا يُسمع الناس، فلو أمرت عمر، قال: «إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر أن يصلى بالناس» فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة، فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه يخطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبى بكر، فكان أبو بكر يصلى قائما، وكان رسول الله ﷺ يصلى قاعدا، يقتدى أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر ﵁ " (١)، ولو كان عمر ﵁ أفضل من أبي بكر أو حتى مساويا له في الفضل لم يُغلظ رسول الله ﷺ الكلام لحفصة مع وجاهة العذر، ولكنه فضل أبي بكر ﵁، وأول من يعترف به عمر ﵁، ولم يكن خافيا أمر رسول الله ﷺ بلالا أن يُقِّدم أبا بكر ليصلي بالناس صلاة العصر، في اليوم الذي ذهب فيه رسول الله ﷺ للإصلاح بين بني عمرو بن عوف (٢)، وقال ﷺ : «ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت، أبا بكر ولكن أخي وصاحبي» (٣)، فلم يفضل أحدا من أهل الأرض على أبي بكر ﵁، إشارة واضحة في استحقاق أبي بكر ﵁، لو جازت الخلة لأحد من الناس لكانت لأبي بكر كلام من لا ينطق عن الهوى ﷺ ، ومن هنا عرف الصحابة فضل أبي بكر، وقد قال عمر ﵁: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم» (٤)، وهذا الأمر أغاظ كثيرا أتباع أبي لؤلؤة المجوسي على أبي بكر وعمر وعامة الصحابة، وعلى كل من رضي بذلك.

стр. 57

أبو بكر ﵁ نسبه: سمي عتيقا لرقة حسنه وجماله، وهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وأمه أم الخير، واسمها سلمى بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، فصخر عم أبي قحافة عثمان، وسلمى ابنة عمه. ولد بمكة، بعد الفيل بسنتين وستة أشهر، ونشأ سيداً من سادات قريش، وغنياً من كبار موسريهم، وعالماً بأنساب القبائل وأخبارها وسياستها، وكانت العرب تلقبه بعالم قريش، حرم على نفسه الخمر في الجاهلية، فلم يشربها. وهو أول من آمن برسول الله ﷺ من الرجال، وأحد أعاظم العرب، وأول الخلفاء الراشدين (١). صفته ﵁ -: كان رجلا نحيفا خفيف اللحم أبيض، وكان يخضب بالحناء والكتم (٢). إسلامه ﵁ -: أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق، قالت: أسماء بنت أبي بكر ﵄: أسلم أبي أول المسلمين؛ ولا والله ما عقلت أبي إلا وهو يدين الدين، وقالت أم المؤمنين عائشة ﵂: ما عقلت أبويَّ إلا وهما يدينان الدين، وما مر علينا يوم قط إلا ورسول الله يأتينا فيه بكرة وعشية. فأبو بكر ﵁ صحب النبيّ ﷺ قبل البعثة، وسبق إلى الإيمان به، واستمرّ معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار، وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحجّ في الناس في حياة رسول اللَّه ﷺ سنة تسع، واستقرّ خليفة في الأرض بعده، ولقّبه المسلمون خليفة رسول اللَّه. أسلم أبوه ﵁، وروى عن النبيّ ﷺ (٣).

стр. 58

خلافة أبي بكر ﵁ - توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول، من السنة الحادية عشرة من هجرته ﷺ ، ودفن في بيت عائشة ﵂، وكانت قد رأت سابقا ثلاثة أقمار سقطن في حجرتها, قالت ﵂: "فقصصت رؤياي على أبي بكر الصديق، فلما توفي رسول الله ﷺ ، ودفن في بيتها، قال لها أبو بكر: هذا أحد أقمارك, وهو خيرها" (١)، دفن خير الأقمار وكان أمر الأمة المحمدية بيده ﷺ ، وكانت وفاته ﷺ أمرا مذهلا لأصحابه لشدة حبهم له ﷺ ، وملازمتهم مجالسه ﷺ ، وكم كان يقول: كنت أنا وأبو بكر وعمر، خرجت أنا وأبو بكر وعمر، وقال في قصة كلام البقرة، والذئب، وقد استغرب أناس كلامهما: ... «آمنت به أنا وأبو بكر، وعمر» (٢)، وغيرهما كثير من أصحابه، أحبوه حبا جما، وفدوه بأموالهم وأنفسهم، فعظمت وفاته عليهم حتى قام عمر ﵁ يخطب في الناس، فقال المغيرة ﵁: "يا عمر، مات والله رسول الله، فقال عمر: كذبت ما مات رسول الله، ولكنك رجل تحوشك فتنة، ولن يموت رسول الله حتى يُفني المنافقين"، ما أراد عمر إلا هلاك أعداء الإسلام، وهو يعلم وجود الكثيرين منهم في ذلك الوقت، فلما جاء أبو بكر ﵁ وعمر يخطب قال له: اجلس، فأبى عمر ﵁، وهو يعلم فضل أبي بكر ﵁، ولكن حبه لرسول الله ﷺ كان أكبر بكثير من طاعة أبي بكر ﵁ فتشهد أبو بكر ﵁، فمال الناس إليه، وتركوا عمر ﵁، لمعرفتهم بفضل أبي بكر ﵁ على عمر ﵁، فقال أبو بكر ﵁: أما بعد: من كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣)، وقال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل

стр. 59

هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم فما أسمعُ بشرا من الناس إلا يتلوها، فأخبر سعيد بن المسيب أن عمر قال: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعَقِرت حتى ما تُقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها أن النبي ﷺ قد مات" (١)، حصل للناس إفاقة من هول ما سمعوا من موت رسول الله ﵁ كان قول أبي بكر ﵁ بلسما شافيا لتلك الصدمة، بعد هذا انصرف الصحابة إلى التفكير في مصير الأمة المحمدية بعد نبيها، ولا يلزم أن يحضر جميع الصحابة سقيفة بني ساعدة، بل يكفي منهم النخبة ولم يكن ذلك إلا برعاية ربانية، فقد وعد بحفظ الذكر؛ والشريعة الإسلامية برمتها من الذكر، فكان اجتماع الأعيان في سقيفة بني ساعدة أمرا اجتهاديا ليس في أمر الأمة المحمدية بعد وفاة رسول الله ﷺ نص صريح لشخص معين لا من الكتاب العزيز، ولا من السنة النبوية، سوى بعض الإضاءات، السالف ذكرها، ومن ذلك قوله ﷺ : «يأبا الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٢)، وكذلك قوله ﷺ : «لا ينبغي لقوم يكون فيهم أبو بكر يؤمهم غيره» (٣)، وكذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وهو الخليفة الرابع ذكر أبا بكر وشرفه وفضله وقال: "قدم رسول الله ﷺ أبا بكر فصلى بالناس, وقد رأى مكاني, وما كنت غائبا ولا مريضا, ولو أراد أن يقدمني لقدمني, فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا" (٤)، قال عمر بن الخطاب ﵁: "إنه كان من شأن الناس أن رسول الله ﷺ توفي فأتينا فقيل لنا: إن الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة مع سعد بن عبادة يبايعونه، فقمت وقام أبو بكر، وأبو عبيدة بن الجراح، نحوهم فزعين أن يحدثوا في الإسلام فتقا، فلقيَنا رجلان من الأنصار، رجل صدق: عويم بن ساعدة، ومعن بن عدي، فقالا: أين تريدون؟ فقلنا: قومَكم، لِما بلغنا من أمرهم، فقالا: ارجعوا فإنكم لن تُخالَفوا، ولن يؤت شيء تكرهونه، فأبينا إلا أن نمضي، وأنا أزوي كلاما أريد أن أتكلم به، حتى انتهينا إلى القوم،

стр. 60

وإذا هم عكوف هنالك على سعد بن عبادة، وهو على سرير له مريض، فلما غشيناهم تكلموا فقالوا: يا معشر قريش، منا أمير ومنكم أمير، فقام الحباب بن المنذر فقال: أنا جُذيلها المحكك وعُذيقها المرجَّب، إن شئتم والله رددناها جذعة، فقال أبو بكر: على رسلكم، فذهبت لأتكلم فقال: أنصت يا عمر (١)، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر الأنصار، إنا والله ما ننكر فضلكم، ولا بلاءكم في الإسلام، ولا حقكم الواجب علينا، ولكنكم قد عرفتم أن هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب، ليس بها غيرهم، وأن العرب لن تجتمع إلا على رجل منهم (٢)، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، فاتقوا الله ولا تصدعوا الإسلام، ولا تكونوا أول من أحدث في الاسلام، ألا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين. قال عمر: لي، ولأبي عبيدة بن الجراح - فأيهما بايعتم فهو لكم ثقة، قال: فو الله ما بقي شيء كنت أحب أن أقوله إلا وقد قاله يومئذ، غير هذه الكلمة - يعني ترشيحه - فو الله لأن أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا في غير معصية، أحب إلي من أن أكون أميرا على قوم فيهم أبو بكر، قال: ثم قلت: يا معشر الأنصار، يا معشر المسلمين، إن أولى الناس بأمر رسول الله ﷺ من بعده ثاني اثنين إذ هما في الغار: أبو بكر السباق المبين، ثم أخذت بيده وبادرني رجل من الأنصار، فضرب

стр. 61

على يده قبل أن أضرب على يده، ثم ضربت على يده وتتابع الناس" (١)، هذا هو الحق المبين، الذي أعمى الله عنه خلائق زعموا عدم أحقية أبي بكر ﵁ بالخلافة، مع علمهم بوجود العباس ﵁ عم رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يجله كثيرا، حتى قال: «عم الرجل صنو أبيه» (٢) ولم ينظر الناس في استخلافه، ولم يكن المقدم عندهم، ولا الإمام الأعظم، وإنما كان المقدم والإمام الأعظم أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه. وإن للأنصار فضلهم ومكانتهم في نصرة الله ورسوله، والتضحية في سبيل الله بالنفس والنفيس، فلهم الحق كل الحق أن يتطلعوا إلى شيء من الأمر بعد رسول الله ﷺ ، كما تطلعوا إلى أن يعطيهم رسول الله من غنائم يوم حنين، وعتبوا على ذلك، فلما أبان لهم رسول الله ﷺ الحق قبلوا وطابت أنفسهم؛ لأن الإسلام مقدم عندهم على كل شيء، وهنا كان أبو بكر وعمر وأبو عبيدة أبعد نظرا من سعد بن عبادة وقومه ﵃، خافوا من الانشقاق، فيكون ذلك بابا من الشر على وحدة الأمة المحمدية، ولاسيما والأمر لا زال في صُبحه، وأمام من يلي أمر الأمة من الأعمال ما يستدعي وحدة الصف على ما كان عليه رسول الله ﷺ ، هذا من جانب ومن جانب آخر الأنصار أنفسهم يعرفون مكانة قريش بين القبائل في الجاهلية، وما لهم من تأثير على سير الأحداث، فذكَّرهم أبو بكر ﵁ الأمر الخطير، مع الاعتراف بفضل الأنصار، وبمكانتهم في الأمة المحمدية، فالناس دثار رسول الله ﷺ ، وشعاره الأنصار، ولم يسعَ أبو بكر ﵁ لترشيح نفسه، ولكنه رشح أحد اثنين وهما من يعرف الأنصار والمهاجرون فضلهم، الأمر الذي لا يختلف عليه اثنان منهم، أبا حفص عمر ﵁، وأبا عبيدة عامر بن الجراح ﵁، فالأول الفاروق، والثاني أمين الأمة، ولا غرابة في مبادرة عمر ﵁ إلى ترشيح أبي بكر، فالصحابة مجمعون على فضل أبي بكر ﵁، المهاجرون منهم والأنصار، وأنه الخيار منهم، والسابق الأول إلى كل فضيلة، وهو من يدعى من أبواب الجنة الثمانية، لطرْقه أبواب الخير المتعلقة بها، ولذلك لم يُنازَع عمر ﵁ في ترشيحه

стр. 62

لأبي بكر، بل أول من سبق لمبايعة أبي بكر رجل من الأنصار، تلاه عمر، وتتابع الناس رضا بأبي بكر، لم تكن البيعة بسيف أبي بكر، ولا بمال تألفهم به، ولا بقهر عشيرة، بل بالسابقة والفضل المستحق، وصدق فيه قول رسول الله ﷺ : «معَاذ الله أَن يختَلف المؤمِنونَ فِي أبي بكر» (١)، وما جنوا من ذلك إلا العدل والإحسان فكانت خلافة أبي بكر ﵁ قَدَراً فيه الخير الذي أراده الله للأمة المحمدية، ولو لم يرد الله ذلك لأبي بكرـ وربنا الفعال لما يريد - ما كان لأبي بكر ولا غيره أن يَمْكُن من ذلك، ولكن الله قدر، فله الحمد والمنة، وكل من لم يرض بخلافة أبي بكر فقد سخط قدر الله ورحمته لعباده المؤمنين، فإن خلافته نواة الوحدة الإسلامية، بعد رسول الله ﷺ ، والعجب أن أبا بكر ﵁ بعد أن رضيه المهاجرون والأنصار، خلفا لرسول الله ﷺ وليا لأمر الأمة المحمدية طلب الإقالة، روى علي بن أبي طالب ﵁ قال: "قام أبو بكر بعدما استخلف بثلاث، فقال: من يَستَقيلُني بيعتي فأقيله؟ ، فقلت: والله لا نقيلك، ولا نستقيلك، من ذا الذي يؤخرك وقد قدمك رسول الله ﷺ " (٢)، هذا كلام علي ابن أبي طالب ﵁ الحكم العدل في خلافة أبي بكر ﵁. الوحدة الإسلامية في عهد أبي بكر ﵁ -: حرصُ أبي بكر على وحدة الأمة المحمدية كان شغله الشاغل لا غيره، وقد نتج عن ذلك الحرص نجاح عظيم في صمود الحق أمام الباطل، فكان موقفه من الخلافة لبنة قوية في بناء الوحدة المحمدية، بناء أقامه رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وبعد ذلك سائر المؤمنين، وكان موقف أبي بكر ﵁ من تسيير جيش أسامة ﵁ فتحا عظيما، وسعة في رقعه البلاد ووحدة الأمة المحمدية، وكان موقفه من الردة ضربة للباطل ونصرا مؤزرا للإسلام وأهله، وقوة لوحدة الأمة المحمدية، فالمسلمون أسس وحدتهم رسول الله ﷺ على أربع ركائز، والخامسة حمايتها، إذ لا تقوم وحدتهم إلا بها محقَّقَة في حياتهم حتى لقاء الله ، وهذا الذي جعل أبا بكر ﵁ يتحمل الأمانة، من غير طمع في الدنيا وزخارفها،

стр. 63

اقتدى بصاحبه ﷺ في الهدى، والعدل، والأمانة، والزهد في الدنيا، والإخلاص لله ورسوله ﷺ ، وحماية الوحدة الإسلامية. موقف أبي بكر ﵁ من استخلافه: تقدم بيان أن أبا بكر ﵁ لم يحرص على شيء حرصه على وحدة الأمة المحمدية، وقد بين للناس ما رآه الأسلم لبقاء الأمر على ما كان عليه في حياة رسول الله ﷺ ، اعترف بفضل الأنصار ﵃، وذكر لهم مكانة قريش بين قبائل العرب، ورشح للخلافة أحد رجلين: عمر بن الخطاب ﵁ ولم يفضُله أحد، ويعلمون جميعا من هو عمر، إنه الرجل الذي أعز الله به الإسلام، ﵁، والآخر أبو عبيدة أمين الأمة ﵁، مكانته معروفة عند المهاجرين والأنصار ﵃، ولم يدعُ أبو بكر إلى نفسه لا من قريب ولا من بعيد، بل لمَّا حصل له ما حصل من البيعة، قال بعد ثلاث: «من يَستَقيلُني بيعتي فأقيله؟ » (١)، فلما أيقن ألا مفر له من إرادة الله ، ثم بيعة الصحابة له، علم أنه كُلِّف أمر الأمة المحمدية، ولما تقرر أن يحمل الأمانة صعد المنبر، فجلس دون مجلس رسول الله ﷺ بمرقاة، ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: "إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني! ، لا أقول: إني أفضلكم فضلا، ولكني أفضلكم حملاً، وأثنى على الأنصار خيراً وقال: إنا وإياكم، معشر الأنصار كما قال القائل: جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت أبو أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملت" (٢). وأعرف الناس بالرجل أهل بيته، تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: "تُوِّفي رسولُ الله، فو الله لو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضَها، إشرأب النفاق بالمدينة، وارتدت العربُ، فو الله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها وغَنَائها في الإسلام" (٣)، لقوة حجته، واستناده إلى علمه بالكتاب والسنة، وثقته بربه، فما طلب سوى وحدة الأمة المحمدية على الكتاب والسنة، وعزة الإسلام المطلقة،

стр. 64

فكسر الله أعداءه في جزيرة العرب وخارجها، لم يسعَ أبو بكر ﵁ إلى الخلافة، بل الخلافة سعت إليه، لأنه ﵁ كان أزْهَدَ الناس، وأكثرهم تواضعاً: في أخلاقه، ولباسه، ومطعمه، ومشربه، وتأكد ذلك بعد توليه الخلافة، إذ كان لبسه في خلافته الشملة، قدمَ إليه زعماء العرب وأشرافهم، وملوك اليمن وعليهم الْحُلَل، وبرود الْوَشْي المثقل بالذهب، والتيجان، فلما شاهدوا ما عليه من اللباس والزهد والتواضع والنسك، وما هو عليه من الوقار والهيبة ذهبوا مَذهبه، ونزعوا ما كان عليهم، وكان ممن وفد عليه من ملوك اليمن ذو الكلاع ملك حمير، ومعه ألف عبد دون من كان معه من عشيرته، وعليه التاج والحُلَل، فلما شاهد من أبي بكر ﵁ ذلك الزهد والتواضع ألقى ما كان عليه وَتَزَيَّا بِزِيِّ أبي بكر، حتى إنه رؤي يوماً في سوق من أسواق المدينة على كتفيه جلد شاة، ففزعت عشيرته لذلك وقالوا له: "قد فضحتنا بين المهاجرين والأنصار، قال: أفأردتم مني أن أكون ملكاً جباراً في الجاهلية، جباراً في الإسلام، لا تكون طاعة الرب إلا بالتواضع لله والزهد في هذه الدنيا" (١)، وتواضعت الملوك ومَنْ ورد عليه من الوفود بعد التكبر، وتذللوا بعد التجبر. أبرز الأحداث في خلافة أبي بكر ﵁ -: لم تنطفئ العداوة للإسلام، من اليهود والذين أشركوا، حتى في حياة رسول الله ﷺ ، ولكن الله مكن للإسلام في جزيرة العرب، وأذاع صيته في أنحاء من الأرض، فما سمع أناس بوفاة رسول الله ﷺ إلا واشرأبت أعناقهم، وجاشت صدورهم بما فيها من الرغبات، وكان أول من برز مظهرا رغبة شخصية أبداها: الحباب بن المنذر ﵁ في طلب الخلافة، حين قال في سقيفة بني ساعده: "أنا جُذيلها المحكك، وعُذيقها المرجَّب، إن شئتم والله رددناها جذعة" (٢)، ولكن الله أراد خلاف ذلك، فكان أفضل الأمة بعد نبيها الأَولَى والأحق عند الله ورسوله والمؤمنين، وما كاد يستقر الأمر في يد أبي بكر ﵁ حتى أطلَّت الفتنة برأسها من خلال من زعم أن الزكاة لا تؤدى إلا للنبي ﷺ ، ولا يستحق جمعها أحد بعده، وكانت مهمة الفتح

стр. 65

الإسلامي معقودة من قبل رسول الله ﷺ لجيش يقوده أسامة بن زيد ﵁، وجهه رسول الله ﷺ إلى الشام، فلما وصل إلى مكان يسمى ذي خشب (١)، توفي رسول الله ﷺ (٢)، وفي الوقت نفسه ارتد بعض العرب، فاجتمع أصحاب رسول الله ﷺ ورأوا ضرورة إلغاء جيش أسامة، فلما عزم أبو بكر ﵁ على إنفاذ جيش أسامة ﵁، والحال ما ذكرنا، لم يرض هذا الإجراء كثير من الصحابة ﵃ ومنهم عمر بن الخطاب ﵁، وأشاروا على خليفة رسول الله أن لا ينفذ جيش أسامة؛ لاحتياجه إليه فيما هو أهم، في الأحداث القائمة، لرد خطرها عن الإسلام والمسلمين، والاستقواء بجيش أسامة على قمع المرتدين، وإعادتهم إلى حضيرة الإسلام، وإلا اتسع الخرق على الراقع، وربما تكون فتنة كبرى، يصطلي بنارها المسلمون، وتقوى شوكة الأعداء، ولا ريب أنها مشورة ذات أهمية بالغة، ولها وزنها وقدرها العظيم، وهم مأجورون على ذلك ﵃، غير أن شجاعة الصديق وبعد نظره، وتعظيمه لله ورسوله جعله يأبى أشد الإباء، ويقول لمحبيه والناصحين له: «والذي لا إله إلا هو لو جرَّت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددت جيشاً وجهه رسول الله ﷺ ، ولا حللت لواءً عقده رسول الله ﷺ » (٣)، لأجهزن جيش أسامة، وآمر الحرس يكونون حول المدينة، فحاوره يزيد الضخم فقال: ما أراك تنحاش لِما قد بلغ من الناس، ولِما يتوقع من إغارة العدو؟ ، فقال: ما دخلني إشفاق من شيءٍ، ولا دخلني في الدين وحشة إلى أحد بعد ليلة الغار، فإن رسول الله ﷺ حين رأى إشفاقي عليه وعلى الدين، قال لي: «هون عليك، فإن الله قد قضى لهذا الأمر بالنصر والتمام» (٤)، فسمع الصحابة وأطاعوا، وخرج أبو بكر ﵁

стр. 66

شاهراً سيفه، راكباً على راحلته إلى ذي القَصَّة (١)، فجاء علي بن أبي طالب ﵁، فأخذ بزمام راحلته، فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله ﷺ ؟ ! ، أقول لك ما قال لك رسول الله ﷺ يوم أحد: «أشمر سيفك، ولا تفجعنا بنفسك» فو الله لئن أُصِبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبداً، فرجع وأمضى الجيش (٢)، وأمر أسامة بن زيد أن يَنفذ في جيشه، وسأله أن يترك له عمر ﵁ يستعين به على أمره، فقال: فما تقول في نفسك؟ (٣)، فقال: يا ابن أخي! فعل الناس ما ترى فدع لي عمر، وأنفذ لوجهك، فخرج أسامة ﵁ بالناس وشيّعه أبو بكر ﵁ فقال له: ما أنا بموصيك بشيء، ولا آمرك به، وإنما آمرك ما أمرك به رسول الله، وامض حيث ولاك رسول الله. نفَّذ أسامة ﵁، وكان أبو بكر ﵁ حكيما موفقا في هذا القرار الصارم، وكان فيه من الخير: تقديس عمل رسول الله ﷺ ، إذ عقد اللواء لأسامة ﵁ ووجهه بجيش إلى الروم، ومن يجسر على حل أمر أبرمه رسول الله ﷺ ، فكان هذا من فقه أبي بكر ﵁، فقد عظَّم الله ورسوله في هذا الإجراء، ولم يشك في نصر الله للمؤمنين، قال الزهري ﵀: من فضل أبي بكر أنه لم يشك في الله ساعة (٤)، ومن شدة وثوقه بالله تعالى كان المنقوش على خاتمه «نِعْمَ اللهُ القادر» وقد حصل بهذا الاستقواءُ الذي أراده الصحابة ﵃ خير كثير، فإنه لما أنفذ أسامة ﵁ بجيشه، جعل لا يمر بقبيلٍ يريدون الارتداد إلاّ قالوا: لولا أن لهؤلاء قوةً ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم، وقتلوهم ورجعوا

стр. 67

سالمين فثبت من كان يفكر في الردة على الإسلام (١)، أقام أسامة ﵁ بجيشة منذ خرج إلى أن قدم المدينة منصرفا كما قيل: سبعين يوما، أو ستين يوماً، أو أربعين يوماً، ثم دخل المدينة ولواؤه معقود، حتى دخل المسجد، فصلى، ثم دخل إلى بيته ولواؤه الذي عقده رسول الله ﷺ معه (٢)، وكان من بركة عمل أبي بكر هذا الوفاء بما عزم عليه رسول الله ﷺ ، وما أحست به أحياء العرب من منعة الإسلام وأهله، وعلم المسلمون بُعد نظر خليفة رسول الله، وصدق عمر بن الخطاب إذ قال: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم» (٣). حروب الردة لقد كان موقف أبي بكر ﵁ من ردة العرب إلهاما عظيما من الله تعالى، وهو من حفظه تعالى لدين الإسلام، وكان فتحا عظيما، فقد ارتدت العرب إلا أهل المسجدين وَمَنْ بينهما، وأُناساً من العرب؛ منهم: عدي بن حاتم ﵁، قدم بإبل الصدقة إلى أبي بكر ﵁، ففي ذلك يقول الحارث بن مالك الطائي: وَفَيْنَا وفاء لم يَرَ النَّاس مثله ... وَسَرْبَلَنَا مجداً عديُّ بن حاتم (٤). قال زياد بن سبرة اليعمري ﵁: أقبلت مع رسول الله ﷺ حتى وقف على ناس من أشجع وجهينة، فمازحهم وضحك معهم، فوجدت في نفسي، فقلت: يا رسول الله، تضاحك أشجع وجهينة؟ فغضب ورفع يديه فضرب بهما منكبي، ثم قال: «أما إنهم خير من بني فزارة، وخير من بني الشريد، وخير من قومك، أولاء استغفروا الله» (٥)، فلما كان الردة لم يبق من أولئك الذين خَيَّر عليهم رسول الله ﷺ أحد إلا ارتد، وجعلت أتوقع ردة قومي، فأتيت عمر ﵁، فأخبرته، فقال: لا تخافن،

стр. 68

أما سمعته يقول: «أولاء استغفروا الله تعالى» (١)، وهذا يوقفنا على علامة أخرى من علامات نبوته ﷺ ، فقد حدث ما أشار إليه في ذلك التخيير، وعلامة أخرى رواها الحافظ ابن حجر ﵀: أن النبي ﷺ رأى الحنفية (٢) في بيت فاطمة، فأخبر عليا أنها ستصير له، وأنه يولد له منها ولد اسمه محمد، قال الحافظ: وهذا يؤكد أن عليا ﵁ قد شارك في حروب الردة (٣)، كيف لا وهو القائل ﵁: "فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الأحداث - حروب الردة - حتى زاغ الباطل وزهق، وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسر وسدد وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهداً" (٤)، ولولا الله ثم وقفة أبي بكر والصحابة ﵃ في القضاء على الفتنة لولا ذلك لما قام للإسلام قائمة، ولما جُيِّشت الجيوش لفتح الأمصار شرقا وغربا تستقبل الأذان والعدل والمساواة، إن أبا بكر ﵁، بموقفه من المرتدين ومؤازرة الصحابة ﵃ له استعاد هيبة الإسلام، وحمى أركانه، وقد لقي الصحابة في ذلك شدة، ولاسيما في وقعة اليمامة التي قاتل فيها الْمسلمون مسيلمة الكذاب ومن معه، واستشهد فيها من الصحابة أكثر من ستمائة رجل، وكان جملة القتلى من الْمسلمين نحو (٩٦٠) رجلاً، منهم سبعون من الحفاظ (٥)، وقتل من الْمرتدين أكثر من عشرين ألف رجل (٦)، ولسنا في صدد تفصيلات حروب الردة، فذلك القول فيه طويل، وإنما أردنا التذكير بشيء من ذلك.

стр. 69

وقد عرف الناس ضلال من ارتد، فأخذ بعضهم يعير بعضا بذلك الضلال، قال عليّ بن هوذة بن عليّ الحنفي - من بني حنيفة - بعد قتل مسيلمة الكذاب، وسمع الناس يعيّرون بني حنيفة بالردّة فقال يذكر من ارتدّ من العرب غير بني حنيفة: رمتنا القبائل بالمنكرات ... وما نحن إلاّ كمن قد جحد ولسنا بأكفر من عامر ... ولا غطفان ولا من أسد ولا من سليم وألفافها ... ولا من تميم وأهل الجند ولا ذي الخمار ولا قومه ... ولا أشعث العرب لولا النّكد ولا من عرانين من وائل ... بسوق النّجير (١) وسوق النّقد (٢) وكنّا أناسا على غرّة ... نرى الغيّ من أمرنا كالرّشد ندين كما دان كذّابنا ... فيا ليت والده لم يلد! (٣). بعد حروب الردة: لما عاود العرب الإسلام بعد الردة، ندبهم أبو بكر، ومستشاره عمر، ﵄، إلى الجهاد، فسارت العرب إلى الشام والعراق، والذين ساروا إلى الشام توجهوا بعد فتحه إلى مصر، ففتحوها، فكان فيهم من له صحبة، وفيهم من لا صحبة له، وإن أدركوا الجاهلية، فإن كل من شهد الفتوح أيام أبي بكر وعمر ﵄ أدركوا الجاهلية، فإن آخر أيام عمر بعد وفاة النبي ﷺ بثلاث عشرة سنة تقريباً، كل من قاتل في أيام أبي بكر وعمر كان كبيراً في حياة النبي ﷺ (٤)، وكان عهد أبي بكر قوة للحضارة الإسلامية، ففي عهده اتسعت رقعة البلاد الإسلامية زيادة على ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ ، وقد كان عزَم على إكمال ما بدأه رسول الله ﷺ ، من أعمال الفتح الإسلامي، عملا بقول الله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ

стр. 70

صَاغِرُونَ﴾ (١)، وبقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، واقتداء برسول الله ﷺ ، فإن خروجه ﷺ عام تبوك بالناس، وفي وقت شديد الحر، كثير الجَهد والمشقة، ثم عقد لواء الجهاد بعد ذلك لأسامة ﵁، ليسير بمن معه لفتح تخوم الشام، تنفيذا لأمر ربه تعالى، وإعلاما لأمته بأهمية الفتح الإسلامي، وتبليغ الناس دعوة الحق، وقد أدرك هذا أبو بكر ﵁، فكان أول عمل قام به إنفاذ أسامة بن زيد ﵁ في جيش إلى البلقاء من الشام، إذ لم يتم ذلك في حياة النبي ﷺ ، وقد كان انتقاله إلى الرفيق الأعلى مصابا جللا دهى المسلمين، فلم يكن فراقه هينا على أصحابه ﵃، فاشتد الحال، ونجمت أمور خطيرة بموته ﷺ ، لم تهدد أمن المسلمين فحسب، بل هددت بقاء الإسلام كما أراد رسول الله ﷺ ، وقد فهم أبو بكرأن تجهيز جيش أسامة كان بداية الفتح الإسلامي، ونشر دين الله في الأرض، ولم يقف أبو بكر ﵁ عند هذا الحد، بل شرع في جمع الأمراء والجيوش من أماكن متفرقة من جزيرة العرب، ليبعث بها لفتح الشام والعراق، وفاء لما نوى رسول الله ﷺ حين عقد اللواء لأسامة ﵁، فلما اجتمع عنده ما أراد من الجيوش قام في الناس خطيبا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم حث الناس على الجهاد، فقال: "ألا إن لكل أمر جوامع فمن بلغها فهي حسبه، ومن عمل لله كفاه الله، عليكم بالجد والقصد فإن الجد والقصد أبلغ، ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا إيمان لمن لا خشية له، ولا عمل لمن لا نية له، ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله، لَما ينبغي للمسلم أن يختص به، هذه هي النجاة التي دل الله عليها، فنجّى بها من الخزي، وألحق بها من الكرامة"، ثم شرع ﵁ في تولية الأمراء، وعقد الألوية والرايات، وبعثهم في أول سنة (١٣ هـ) وتم فيما لا يجاوز ستة أشهر فتح أمصار كثيرة من الشام أرض الروم، وكانت مقولة عظيمة لأبي بكر ﵁ حينما بلغه أن جيوش الروم تتحزب على المسلمين فكان مما قال ﵁: "أَلْقَوا جنود المشركين، وأنتم أنصار الله،

стр. 71

والله ينصر من ينصره، وخاذل من كفره، ولن يؤتى مثلكم عن قلة، ولكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها، وليصل كل رجل منكم بأصحابه"، وقد تابع الصديق هذا الجانب الهام، في بناء الحضارة الإسلامية، والارتقاء بالشعوب من ظلمات الجاهلية، إلى نور الإسلام، فجهز لفتح العراق جيشا بقيادة خالد بن الوليد ﵁، وأمره أن يأتي الأبلة، ليدخل العراق من أعاليها، وأن يتألف الناس، ويدعوهم إلى الله ، فإن أجابوا وإلا أخذ منهم الجزية، وإن امتنعوا عن ذلك قاتلهم، وأمره ألا يكره أحدا على المسير معه، لأنه لا يأمن غدره، ولا يستعين بمن ارتد عن الإسلام، ولو عاد عن ردته، فهو غير مأمون ولاسيما وهو قريب عهد بردة، وهذه فطنة عظيمة من أبي بكر ﵁، وأخذ أبو بكر يتابع أخبار خالد في سيره في الفتح، ويمده بالسرايا والبعوث والجيوش عند حاجته إلى ذلك، وسار خالد ﵁ في فتح أمصار العراق، يبث سراياه لحصار الحصون، ويستنزلون أهلها قسرا وقهرا، وصلحا ويسرا، وكان في جملة ما نزل بالصلح قوم من نصارى العرب، فيهم عمرو بن عبد المسيح بن نُفيلة، وجد خالد معه كيسا فقال: ما في هذا الكيس؟ وفتحه خالد فوجد فيه شيئا، فقال ابن نُفيلة: هو سم ساعة، فقال: ولم استصحبته معك؟ ! فقال: حتى إذا رأيت مكروها في قومي أكلته فالموت أحب إلي من ذلك، فأخذه خالد في يده وقال: إنه لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها، ثم قال: بسم الله خير الأسماء، رب الأرض والسماء، الذي ليس يضر مع اسمه داء، الرحمن الرحيم، قال: وأهوى إليه الأمراء ليمنعوه، فبادرهم فابتلعه، فلما رأى ذلك ابن نُفيلة قال: والله يا معشر العرب، لتملكن ما أردتم مادام منكم أحد - يعني بهذه الصفة - ثم التفت إلى قومه أهل الحيرة، فقال: لم أر كاليوم أمراء أوضح إقبالا من هذا، ثم دعاهم وسألوا خالدا الصلح، فصالحهم وكتب لهم، وقدم خالد ﵁ برهانا جديدا على كمال الإيمان، وقوة التوكل، وبعد نظر من خالد ليعلم القوم وكبيرهم أن هذه هي صفة أتباع محمد ﷺ ، وليست الحالة الوحيدة، فمثل هذا كثير (١)، وهو ما

стр. 72

فهمه ابن نفيلة وقومه، وبرز الوفاء من خالد لموعود وعده رسول الله ﷺ ، هو

стр. 73

صحابي يقال له: شويل (١)، وذلك أنه لما ذكر رسول الله ﷺ ، قصور الحيرة، وكأن شُرُفها أنياب الكلاب، فقال له يا رسول الله، هب لي ابنة نفيلة، واسمها كرامة، فقال: هي لك، فلما كان يوم خالد هذا ادعاها شويل ﵁، وشهد له اثنان، فلم يصالحهم خالد حتى يسلموها، فامتنع قومها من تسليمها وقالوا: ما تريد من امرأة ابنة ثمانين سنة؟ ! ، فقالت لقومها: ادفعوني إليه، فإني سأفتدي منه، وإنه قد رآني وأنا شابة، وسلمت إليه، فلما خلا بها قالت: ما تريد امرأة بنت ثمانين سنة؟ ! ، وأنا أفتدي منك فاحكم بما تريد، وقال: والله لا أفديك بأقل من عشر مائة، فاستكثرتها خديعة منها، ثم أتت قومها وأحضروا له ألف درهم، ولامه الناس وقالوا: لو طلبت أكثر من مائة ألف لدفعوها إليك، فقال: وهل عدد أكثر من عشر مائة؟ ! ، وذهب إلى خالد وقال: إنما أردت أكثر العدد، فقال خالد: أردت أمرا وأراد الله غيره، وإنا نحكم بظاهر قولك، ونيتك عند الله، كاذبا كنت أم صادقا، وفي هذه القصة جانبان هامان: الأول: الوفاء بما وعد به رسول الله ﷺ شويلا ﵁، كما وفّى عمر ﵁ لسراقة بسواري كسرى. الثاني: العدل: بعدم قبول دعوى شويل ﵁ أنه ما أراد إلا أكثر العدد، وقد صلى خالد لما فتح الحيرة ثمان ركعات بتسليمة واحدة، اقتداء برسول الله ﷺ ، يوم فتح مكة فقد صلى ثمان ركعات شكرا لله على ذلك الفتح العظيم، وما أشبه الليلة بالبارحة في حياة خالد بن الوليد ﵁، يعظمه أبو بكر فيقول: والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد، وبعث إليه وهو في العراق ليقدم إلى الشام، فيكون الأمير على من بها، وقد حفظ الصديق ﵁ للأمة أمر دينها بجمع القرآن الكريم من صدور الرجال، واللخاف والعُسُب، وكلف بذلك زيد بن ثابت ﵁، وقد لفت نظره إلى هذا العمل العظيم ما وقع للقراء من القتل في يوم

стр. 74

اليمامة، فتنبه إلى خطورة عدم جمع القرآن وكتابته في مصحف يحفظ للأمة أمر دينها، وقد كانت هذه الإنجازات الإسلامية في مدة قصيرة لم تتجاوز أربعة وعشرين شهرا (١). أبو بكر عند احتضاره ﵁ -: إن أبا بكر ﵁ كغيره يصيب ويخطئ، لأنه غير معصوم، ونبينا محمد بن عبدالله ﷺ هو الوحيد من البشر المعصوم الذي لا يرد له قول، فكان أبو بكر ﵁ كغيره من الناس يجتهد فيصيب وله أجران، ويجتهد فيخطئ وله أجر الاجتهاد، وخطؤه مغفور، لأنه لم يرد سوى الحق، وإقامة العدل، ولم يُخْف أبو بكر ﵁، ما فكر فيه وتمنى الإقدام عليه أو الإحجام عنه، وهذا من الحرص على الخير، والتحرز من الشر، وكفى المرءَ نبلا أن تعد معايبه، ولا عيب والله نشهد به على أبي بكر ﵁، أكرم الأصحاب، وأحب الأحباب إلى رسول رب الأرباب، فخسئ والله من ثلبه وخاب. قال ﵁: "ما آسَى على شيء إلا على ثلاث فعلتها، ووددت أني تركتها، وثلاث تركتها ووددت أني فعلتها، وثلاث وددت إني سألت رسول الله ﷺ عنها: فأما الثلاث التي فعلتها، ووددت أني تركتها: فوددت أني لم أكن فتشت بيت فاطمة، ووددت أني لم أكن حرّقت الفُجَاءة وأطلقته نجيحاً، أو قتلته صريحاً، وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قَذَفْتُ الأمر في عنق أحد الرجلين، فكان أميراً وكنت وزيراً. والثلاث التي تركتها وددت أني فعلتها: وددت أني يوم أُتيت بالأشعث بن قيس أسيراً ضربت عنقه، فإنه قد خُيل لي أنه لا يرى شَرّاً إلا أعانه، وددت أني كنت قد قذفت المشرق بعمر بن الخطاب، فكنت قد بسطت يميني وشمالي في سبيل الله، وددت أني يوم جهَزْت جيش الردة ورجعت أقمت مكاني فإن سلم المسلمون سلموا، وإن كان غير ذلك كنت صدر اللقاء أو مَدَداً. وكان أبو بكر ﵁ قد بلغ مع الجيش إلى مرحلة من المدينة، وهو الموضع المعروف بذي القصة (٢).

стр. 75

والثلاث التي وددت أني سألت رسول اللهّ ﷺ عنها: وددت أني كنت سألته في مَنْ هذا الأمر، فلا يُنازَع الأمر أهله، وددت أني سألته عن ميراث العمة وبنت الأخ فإن بنفسي منهما حاجة، ووددت أني سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب فنعطيهم إياه (١). هذا ما دار في ذهن أبي بكر ﵁ وهو في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة، ذكر أمورا لا حرج عليه فيها، فقد وفّى في أمانته، فنقول يا أبا بكر رضي الله عنك إن كنت تحرجت مما ذكرت، فنقول لا تثريب عليك، فقد بذلت ما برأت والله به ذمتك، ولن يخزيك الله ، هذا ظننا بربنا ﵃. نقول هذا لأنك رويت وأنت الصادق المصدّق أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال» (٢) - يعني مال الله - وقلت: "ليس لهم أن يزيدوا على المأكل، وإني والله لا أغير شيئا من صدقات النبي ﷺ التي كانت عليها في عهد النبي ﷺ ، ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله ﷺ "، فتشهد عليٌّ ثم قال: "إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك، وذكر قرابتهم من رسول الله ﷺ وحقهم"، فتكلم أبو بكر فقال: "والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي" (٣). فكنتُ خليفة رسول الله ﷺ والتزمتُ بما التزم به رسول الله ﷺ ، فأي خطأ في هذا، ولِمَ لَمْ يوص رسول الله ﷺ وقد أمر الله بذلك في كتابه العزيز، فقال : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) وأمر بها ﷺ سعد بن مالك ﵁، قال سعد: قال: دعاني رسول اللَّهِ ﷺ وأنا مريض فقالَ: «أوصيت؟ » قلت: نعم. قال: «بِكَمْ؟ » قلت: بمالي كله في سبيل الله، قال: «فما أبقيت لولدك؟ » قلت: هم أغنياء بخير، قال: «أَوصِ
следующие страницы →