← История

История · id 36102

الهادي والمهتدي

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (217 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فتجول في الأمصار، ولم يسلم من شره بادئ ذي بدء إلا المدينة، كان نشاطه في مصر، والبصرة والكوفة، وتجول في الأعراب، وكان الكذب والتزوير مطيته للوصول إلى قلوب الناس، والتأثير عليهم بحب آل البيت، ونصرة علي بن أبي طالب الخليفة الراشد ﵁، وزعم أن عثمان ﵁ لا حق له في الخلافة، فاجتمع له عدد من الناس، أشعل بهم الفتنة، فاتّهم ولاة عثمان على الأمصار بكتب مزورة يرسلها من مصرٍ إلى مصرٍ، استفسد بها الكثيرين من الناس، وتعاونوا على الإثم والعدوان، حتى استمالوا بعض من بعثه عثمان لمعرفة حقيقة الأمر، ونتج عن جهود ابن السوداء المعروف بعبدالله بن سبأ انشقاق فرقتين من المسلمين، فرقة أخذت برأيه في عثمان ﵁ وهم الخوارج، والفرقة الثانية أخذت برأيه في الرجعة والوصية وهم الرافضة. فتنة الخلاف لا نشك في أن أتباع المصطفى ﷺ على درجات متفاوتة في فهم الإسلام وتطبيقه، منذ عهد الصحابة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ونعلم أن الأفهام تختلف، ويقبل منها في أحيان، لكنها مقيدة بعدم مصادمة الإسلام، ونريد بالإسلام ما قام البرهان عليه من الكتاب العزيز، وصحيح السنة النبوية، وما أجمع عليه علماء الأمة، وقد تعددت الأفهام من أصحاب رسول الله، فالإنفاق في سبيل الله مثلا: فهم منه أبو بكر ﵁ أنه دفع المال كاملا، وفهم عمر بن الخطاب ﵁ أنه نصف المال، وفهم أبو ذر ﵁ أن ما يزيد عن القوت اليومي يجب إنفاقه، هذا اجتهاد من كل منهم ﵃، والدافع إليه حب الخير والتنافس في نصرة الإسلام، والمستند في هذا عموم قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، فالمسارعة في العبادات البدنية والمالية، وما هو مشترك بينهما كالحج والعمرة مطلوب بعموم هذه الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٢)، وهذا حث على إنفاق ما هو نفيس في طاعة الله، لأن الردي لا ينبغي التقرب به إلى الله مع

стр. 142

وجود الطيب النفيس، وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، كل هذا من أجل التنافس في الخير، وإن اختلفت الآراء في نوع المنافسة والتفاوت فيها، فهذا التفاوت لا يشقي أصحابه، ما داموا يدورون في فلك الإسلام، ولم تفرقهم الأفهام في أصول الدين وقواعده الكلية، كالأئمة الأربعة ﵏، ومن نهج نهجهم، في البناء على الأدلة والبراهين، والاستنباط منها، فلا يبعدهم عن الإسلام ما وقع بينهم من الخلاف في الفروع، هذا ما درجت عليه الأمة في القرون المفضلة، مجتمعة على الإسلام، قامعة لكل من يثير الخلافات الهدامة، والتي يقصد منها إثارة الشبه، ولذلك وصفت هذه القرون بأنها خير القرون، يقول رسول الله ﷺ : «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». قال عمران ﵁: لا أدري، أذكر النبي ﷺ بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، وقال النبي ﷺ : ... «إن بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن) (٢)، وهذه الخيرية أساسها دعوة رسول الله ﷺ للأنصار، وأبناء الأنصار (٣)، فإن الخير فيهم وفي عقبهم موجود بدعوة رسول الله ﷺ ، وغير معدوم في المهاجرين وأبنائهم وأبناء أبنائهم، ولا في غيرهم من الذين أتوا من بعدهم وهم يقولون: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤)، وعلى هذا تأسست قوة الإسلام، وتماسك بنيانه، وتوحدت أفكار المسلمين. وعلى هذا الأساس فإن كل خلاف يقع بين المؤمنين لا يعدو البحث عن الحق؛ فإذا ظهر الحق إلتأم الشمل وزال الخلاف، وعلى هذا ما جرى بين المهاجرين والأنصار ﵃ في سقيفة بني ساعدة حسم الأمر لما ظهر الحق، وكذلك خلاف الصحابة ﵃ في قتال أهل الردة لما ظهر الحق إلتأم الشمل وتوحدت الكلمة، في وصية أبي بكر بالخلافة لعمر لما بان الحق رجع من تخوف من شدة عمر، وعلم أن أبا بكر ما أراد إلا العدل، والخير للأمة؛ فإنه عليم بفضل عمر، ولم تكن شدته

стр. 143

إلا في إحقاق الحق، وقمع الباطل، وإذا كان بعض الصحابة شارك في الخلاف على عثمان، فإنه لِما وقع من استغلال من غير الصحابة، قال أبو جعفر القارئ مولى ابن عباس: "كان المصريون الذين حصروا عثمان ستمائة, رأسهم عبد الرحمن بن عديس البلوي, وكنانة بن بشر بن عتاب الكندي, وعمرو بن الحمق الخزاعي، والذين قدموا من الكوفة مائتين, رأسهم مالك الأشتر النخعي, والذين قدموا من البصرة مائة رجل رأسهم حكيم بن جبلة العبدي، وكانوا يدا واحدة في الشر، وكان حثالة من الناس قد ضووا إليهم، قد مزجت عهودهم وأماناتهم, مفتونون, وكان أصحاب النبي ﷺ الذين خذلوا عثمان كرهوا الفتنة، وظنوا أن الأمر لا يبلغ قتله، فندموا على ما صنعوا في أمره، ولعمري لو قاموا أو قام بعضهم فحثا في وجوههم التراب لانصرفوا خاسرين" (١)، على أن الذين كرهو الفتنة ووقفوا على الحياد هم عدد غير قليل؛ قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن علية، حدثنا أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ عشرات الألوف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين" (٢). قلت: هذه شهادة موثقة بكبار الأئمة، تكتب بماء الذهب لصحتها، لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقته (٣)، ولكن تقدم أن من حضر للدفاع عن عثمان ﵁ كانوا ستمائة، فلعل الغالب من غير الصحابة، فنلاحظ أن الذين وقفوا مع عثمان ﵃ وكانوا على استعداد للدفاع عنه؛ لأنهم عرفوا أن من قدم من مصر والكوفة والبصرة ما هم إلا خوارج الفتنة من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة، فهم يريدون قتل عثمان أو تسفك دماء دونه، لذلك عزم عثمان عليهم بعدم القتال دفاعا عنه، جاء زيد بن ثابت إلى عثمان فقال له: "إن الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصارا لله مرتين" فقال عثمان: "أما القتل فلا" وقال: "أنا

стр. 144

أكلهم إلى الله ولا أقاتلهم؛ فإن ذلك أعظم لحجتي عليهم" وقال ﵁: "أعظمكم عني غناءً رجل كف يده وسلاحه" وقال أبو هريرة ﵁: "كنت في الدار يوم قتل عثمان فسمعته يقول: عزمت على من رأى لنا عليه سمعا وطاعة أن يلقي سلاحه، فألقى القوم أسلحتهم إلا مروان فإنه قال: وأنا أعزم على نفسي ألا ألقي سلاحي، قال: وكان شجاعا، قال أبو هريرة ﵁: فألقيت سيفي فلا أدري من أخذه" (١). وبعض الصحابة الذين لم يقفوا مع عثمان كان هاجسهم الخوف من الفتنة، فكان القادمون من مصر والكوفة والبصرة بغاة لهم مآرب أفسدت ذات البين، وشرذمة الأمة، وتجلى خطر الخوارج بعد التحكيم فيما بين علي ومعاوية ﵄، ولو طلبوا الحق ولم يكن لهم مآرب غير مشروعة لما قتل عثمان ﵁. فتنة الخروج: لم تكن هذه الفتنة غائبة عن رسول الله ﷺ فقد أُطلع على وقوعها وحذر منها ﷺ ، قال مُرة البهزي: بينما نحن مع رسول الله ﷺ ذات يوم في طريق من طرق المدينة فقال: «كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الارض كأنها صياصي (٢) بقر؟ » قالوا: فنصنع ماذا يا نبي الله؟ قال: «عليكم بهذا وأصحابه» قال: فأسرعت حتى عطفت على الرجل، فقلت: هذا يا نبي الله؟ ، قال: «هذا» فإذا هو عثمان (٣)، هذه الرواية تشير إلى أن عثمان على الحق، وأنه شهيد بسببها، فقد صعد رسول الله ﷺ أحدا، ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃، فرجف بهم، فقال رسول الله ﷺ : «أثبت أحد فإنما عليك نبي، وصديق، وشهيدان» (٤)، وكما استشهد عمر ﵁ بطعنة من الحقد المجوسي، فسيكون ذلك لعثمان ﵁، فإن الخوارج له بالمرصاد وقدر الله نافذ، كما في حديث حذيفة ﵁ قال: «كان الناس يسألون

стр. 145

رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ ، قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ ، قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ ، قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ ، قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ ، قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ ، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١)، صحيح أن حديث حذيفة هذا عام في الفتن التي تظهر في كل زمان، لكن تضمن النبأ عن أصول الفتن فتنة الخوارج قتلة عثمان ﵁ وفتنة الروافض الغالين في علي وذريته ﵃، وقد تقدم الكلام عن الخوارج في خلافة عثمان ﵁ واستشهاده على أيديهم، وسيأتي مزيد بيان عنهم في خلافة علي ﵁، ولم يكن الرافضة أحسن حالا من الخوارج في محاربة عثمان ﵁، بل جدوا في ذلك، وأرعدوا وأبرقوا، ولهم مزاعم. مزاعم الرافضة ضد عثمان زعم طاغية الشيعة ومدلسهم الحسن بن المطهر الحلي في كتابه منهاج الكرامة أن عثمان ولَّى أمور المسلمين من لا يصلح للولاية (٢)، فأجابه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، بأن عليا ﵁ ولى زياد بن أبي سفيان، وولى الأشتر النخعي، وولى محمد بن أبي بكر، وأمثال هؤلاء، ولا يشك عاقل أن معاوية بن أبي سفيان كان خيرا من هؤلاء كلهم.

стр. 146

قال رحمة الله علينا وعليه: "ومن العجب أن الشيعة ينكرون على عثمان أنه ولَّى أقاربه من بني أمية، ومعلوم أن عليا ولَّى أقاربه من قبل أبيه وأمه، فولَّى عبيد الله بن عباس على اليمن، وولَّى على مكة والطائف قثم بن العباس، وأما المدينة فقيل: إنه ولَّى عليها سهل بن حنيف وقيل: ثمامة بن العباس، وأما البصرة فولَّى عليها عبد الله بن عباس، وولَّى على مصر ربيبه محمد بن أبي بكر الذي رباه في حجره؛ لأنه تزوج أمه بعد وفاة أبي بكر، وكان محمد صغيرا". ثم إن الإمامية تدَّعي أن عليا نص على أولاده في الخلافة - أو على ولده، وولده على ولده الآخر وهلم جرا - ومن المعلوم إن كان تولية الأقربين منكرا، فتولية الخلافة العظمى أولى من إمارة بعض الأعمال. . .، وإذا قال قائل: لعليّ حجة فيما فعله، قيل له: وحجة عثمان فيما فعله أعظم. وإذا ادَّعى لعلي العصمة ونحوها مما يقطع عنه أَلْسِنة الطاعنين، كان ما يُدَّعى لعثمان من الاجتهاد الذي يقطع أَلْسِنة الطاعنين أقرب إلى المعقول والمنقول. . .، ثم قال رحمة الله علينا وعليه: إن بني أمية كان رسول الله ﷺ يستعملهم في حياته، واستعملهم بعده من لا يتهم بقرابة فيهم: أبو بكر وعمر، ولا تعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمال لرسول الله ﷺ أكثر من بني عبد شمس، لأنهم كانوا كثيرين، وكان فيهم شرف وسؤدد، فاستعمل النبي ﷺ في عزة الإسلام على أفضل الأرض مكة عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية، واستعمل على نجران أبا سفيان بن حرب بن أمية، واستعمل خالد بن سعيد بن العاص على صدقات بني مذحج، وعلى صنعاء واليمن حتى مات رسول الله ﷺ ، واستعمل عثمان بن سعيد بن العاص على تيماء وخيبر وقرى عُرينة، واستعمل أبان بن سعيد بن العاص على بعض السرايا، ثم استعمله على البحرين فلم يزل عليها بعد العلاء الحضرمي - حليف بني أمية - حتى توفي النبي ﷺ ، فيقول عثمان: أنا لم أستعمل إلا من استعمله النبي ﷺ ، ومن جنسهم ومن قبيلتهم، وكذلك أبو بكر وعمر بعده. . .، فكان الاحتجاج على جواز الاستعمال من بني أمية بالنص الثابت عن النبي ﷺ أظهر عند كل عاقل من دعوى كون الخلافة في واحد معين من بني هاشم بالنص، لأن هذا كذب باتفاق أهل العلم بالنقل، وذلك صدق باتفاق أهل العلم بالنقل، والذي

стр. 147

يستعرض حياة عمال عثمان وجهادهم وفضائلهم يراهم في الذروة العليا من رجال الدولة، ولا يتردد في أنهم من بناة الأساس الأقوم من مجد الإسلام الإداري والعسكري، ولهم ثواب نتائجه في الفتوح وانتشار دعوة الإسلام بما يعده التاريخ من معجزاته الخارقة للعادات ﷺ (١).

стр. 148

القسم الثاني افتراق الأمة الإسلامية كانت الأمة في حياة نبيها الخاتم صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، كانت أمة واحدة على البيضاء لم يزغ أحد من المسلمين عنها، فلما انتقل النبي الكريم ﷺ إلى الرفيق الأعلى، تحركت القلوب المريضة، والتي كانت قريبة عهد بالجاهلية فأوجدت ثلما في ذلك المنهج القويم، فكانت سيوف الصحابة بقيادة أبي بكر خليفة رسول الله ﵁ لهم بالمرصاد، ضربت المرتدين بيد من حديد، فقتل منهم من قتل، وتاب من تاب، واستقام أمر الأمة في عهد أبي بكر ﵁، وصار في عهد أمير المؤمنين عمر ﵁ على أحسن ما يرام، وكان بابا مؤصدا في وجوه الزنادقة، فلما قتل كسر الباب ولن يغلق أبدا (١)، فتولى عثمان ﵁ أمر المسلمين، ولكنه موعود بالبلاء، ولاسيما وقد كسر الباب، فاتسع الخرق على الراقع حتى قتل عثمان، وفي عهده ﵁ نبتت فرقة الخوارج: أول فرقة خرجت عن نهج الأمة الصحيح؛ وذلك أول ما ظهر وميض الفتنة في مجلس سعيد بن العاص والي عثمان على الكوفة، وذلك على أثر كلام دار في مجلسه، كان من الحاضرين فيه الأشتر، وابن ذي الحبكة، وابن الكواء، وغيرهم، وعدتهم بضعة عشر رجلا، تألبوا على عصبية أثاروا بذلك أقوالا على سعيد بن العاص، وقد تقدم ذكر هذا تحت عنوان الحقد على الإسلام في عهد عثمان، ولكن استشرى في عهد علي، وانتشر بتوسع بعد قتله ﵁. فُرقة المسلمين في العهد الأول قتل عثمان بضربة من نابتة الخوارج، وبايع الصحابة عليا ﵁ ولكن جد البغاة في خلق الفتنة، وشرذمة الأمة فبرزت المطالبة بقتلة عثمان من قبل معاوية ﵁ ومن شايعه من أهل الشام، وهو حق ولكن لم يعط علي ﵁ فرصة الاستقرار ليتم النظر في قتل عثمان ﵁، ولقد ظُلم علي كما ظُلم عثمان ﵄، ولا ريب في أن للأشرار دور في ظلمهما؛ ظهر ذلك جليا في أمر الحكيم، إذ برز الخوارج

стр. 149

منكرين على علي ﵁ قبول التحكيم، فكفروه ومن معه زاعمين أنه حكّم الرجال في كتاب الله، فقوي بهذا ما بدأه أهل مصر والبصرة والكوفة من الخروج من صف الأمة. الموقف بين علي ومعاوية ﵄ المهم أن نعلم أن القتال الذي حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن على الإمامة، فإن أهل الجمل وصفين لم يقاتلوا على تنصيب إمام غير علي ﵁، ولا كان معاوية ﵁ يقول: إنه الإمام دون علي ﵄، ولا قال ذلك طلحة والزبير ﵄، وإنما كان القتال فتنة عند كثير من العلماء، بسبب اجتهادهم في كيفية القصاص من قاتلي عثمان ﵁، وهو من باب قتال أهل البغي والعدل، وإن أبا مسلم الخولاني وأناساً معه قالوا لمعاوية: "أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ "، فقال: "لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما، وأنا ابن عمته؟ ، والطالب بدمه، فأتوه فقولوا له، فليدفع إلي قتلة عثمان، وأسلم له". فأتوا عليا فكلموه، فلم يدفعهم إليه (١)، ولم يكن علي ﵁ بمنعه تسليم قتلة عثمان حماية لهم، فقد كان هو وأولاده في جانب عثمان، ولكنه لم يسلم القتلة لأنه ولي الأمر، ولم يستقر له ذلك حتى يتسنى له ملاحقة القتلة ومحاكمتهم، وهم الغوغاء من الناس ونزاع القبائل قادتهم من الخوارج، ولهم شوكة في الأمصار، ولا أشك في أن إصرار معاوية على طلبه نشأ عن حمية ونصرة لعثمان، ولا أستبعد استغلال الموقف من آخرين لمآرب أخرى. ومنشأ الخلاف أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام: القسم الأول: ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف، وأن مخالفه باغ، فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه، فيما اعتقدوا أنه على الحق، ففعلوا ذلك،

стр. 150

ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده. القسم الثاني: عكس هؤلاء، ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق مع الطرف الآخر، فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه. القسم الثالث: اشتبهت عليهم القضية، وتحيروا فيها، ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين، فاعتزلوا الفريقين، وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم، لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك (١). وبناءً على ما تقدم يحسن أن نظهر موقف أهل السنة فيما جرى من الأحداث من عهد عثمان إلى مقتل علي ﵄، فإن أهل السنة والجماعة لا يعتقدون أن الصحابي معصوم من كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، ثم إذا كان صدر من أحدهم ذنب فيكون إما قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بسابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ ، وهم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي هم مجتهدون فيها إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور، إذن فاعتقادنا بعدالة الصحابة لا يستلزم العصمة، فالعدالة استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا، حتى تحصل ثقة النفس بصدقه (٢)، فالأحداث حصل في أمرها اجتهاد من الأخيار، واستغلال من الأشرار، ولذلك قال الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵀: "أولئك قوم طهّر الله أيدينا من دمائهم، فيجب أن نطهر ألسنتنا من أعراضهم" (٣).

стр. 151

كل خير لابد أن يقابله شر استطاعت تلك المحاولات الشريرة في عهد الخلفاء الراشدين ﵃ أن تبث سمومها في الجسد الإسلامي، الشيء الذي جعل تلك السموم تنغر وتتفجر حينا بعد حين، ولم تكن أحداث الردة في عهد أبي بكر، إلا ومن مسبباتها الحقد على الإسلام، ولم يكن قتل عمر ﵁، وقتل عثمان ﵁، والخلاف بين علي ﵁، ومعاوية ﵁، وقتل علي ﵁، إلا من أسبابه الحقد على الإسلام، وبداية معاناة الجسد الإسلامي من تلك السموم، برزت بوضوح تام في عهد الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁، وما نتج عن الخلاف بينه وبين معاوية ﵁، من ظهور أول الفرق الخوارج، والشيعة؛ فإنه بظهور هاتين الفرقتين برز في الأمة الإسلامية، التفاوت في الفكر، فأخذت كل فرقة من الفرقتين تصنع فلسفتها للإسلام وفق متطلبات وجودها، دون سواها، وأصبح في ذلك الوقت تجزئة ثلاثية للجسد الإسلامي، مَن نهج نهج الخلفاء الراشدين ﵃، المهتدين بهدي رسول الله ﷺ ، وهم أهل السنة والجماعة، والفرقتان الناشئتان: الخوارج، والشيعة، وفرقة الصوفية وليدة التشيع، هذه الفرق توجهت كل واحدة منها لوضع فلسفة للإسلام تجعلها قادرة على الصدّ والهيمنة على ما سواها ولو فكريا، بغض النظر في كثير من المواقف عن واقعية تلك الفلسفة، وقربها أو بعدها مما جاء به المصطفى ﷺ ، وأفلحت في ضرب وحدة الاعتقاد التي ترك النبي ﷺ أصحابه عليها، وتمسك بها الخلفاء الراشدون ﵃، ومن سوء هذا المسلك ظهرت الانقسامات، داخل كل فرقة، لأن المنطلق لم يكن شرعيا، وإن كان التشيع في بداية أمره لم يكن أكثر من مناصرة أمير المؤمنين علي ﵁، لكنه نحى به المغرضون بعد ذلك إلى الرفض، والتزوير والغلو في علي وذريته ﵃، وكانت محبة آل البيت ﵃ سلاحا فتاكا اقتحم به المزورون قلوب العامة البسطاء، والأمر مجرد رغبة في إيجاد فكر جديد، يناوئ ما كان عليه الخلفاء الراشدون ومنهم علي بن أبي طالب ﵁، ومن هنا اسحقوا مقولة أبي عبدالله جعفر الصادق ﵀ لما زعموا أن أهل السنّة سموهم الرافضة، ليستحلوا دماءهم، فشكوا ذلك إلى أبي عبدالله جعفر الصادق فقال: "الرافضة؟ ! " قالوا: نعم، فقال: "لا والله ما هم

стр. 152

سموكم .. ولكن الله سماكم به" (١)، لأنهم رفضوا ما كان عليه الخلفاء الراشدون من الهدي النبوي، ورغبوا في فكر يناوئ ذلك فجاؤوا بفكر سقيم يؤصّل لتلك الرغبة، ويرسم لها مستقبل الإسلام الذي يريدون، ولم تكن فرقة الخوارج أحسن حالا من سابقتها، شذت عن لواء أمير المؤمنين علي ﵁، زاعمة أنه حكّم غير كتاب الله، فقالوا: لا حكم إلا لله، وقد فطن علي ﵁ للأمر فقال: "كلمة حق أريد بها باطل" فكما اتخذ الرافضة الغلو في حب آل البيت ذريعة لنشر الزور في العامة، ونقض وحدة الاعتقاد، اتخذ الخوارج قضية التحكيم لمعاداة علي والخروج عليه وتكفيره، تحت شعار لا حكم إلا لله، فاستحلوا بعد ذلك دماء المسلمين، وأموالهم وأعراضهم، وجاءت الصوفية بفرية الكشف، وتعيين الأقطاب، وزعم التصرف في الكون، وجلب المنافع، ودفع المضار، بعد أن كانت بدايتها مجرد الزهد في الدنيا وشهواتها، فتغاير المسلمون في مجالات فكرية وسياسية مزّقتهم، حتى أصبحوا شيعا وأحزابا، وتحقق ما أخبر به المصطفى ﷺ ، من افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة في الجنة، هذا معاوية بن أبي سفيان ﵁ يقول: "إن رسول الله ﷺ قام فينا فقال: «ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين: اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة» (٢)، وفي نظري والله أعلم أنه لا مفهوم للعدد هنا، وذلك كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٣)، وإنما أريد به تكثير عدد الفرق في الأمة الإسلامية، وهو كذلك، فلو أجرينا إحصاءً للفرق الإسلامية اليوم لوجدناها بالمئات، إذا راعينا فلسفة كل فرقة، أو جماعة وممارساتها لتلك الفلسفة، وليس الحق إلا مع واحدة، وهي المتمسكة بما كان عليه رسول الله ﷺ ، ويؤيد أن تلك الفرق في النار قول رسول الله ﷺ فيما

стр. 153

يحكيه عن الله : «يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ ، قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد» قالوا: يا رسول الله، وأينا ذلك الواحد؟ قال: «أبشروا، فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألفا، ثم قال: والذي نفسي بيده، إني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبرنا، فقال: «أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» فكبرنا، فقال: «ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض، أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود» (١)، وهذا معني أتباعه ﷺ بحق من الصحابة وغيرهم، ومعلوم أن الأمر كان مستقيما طيلة تلك الفترة، فلما ظهرت الفرقتان: الخوارج، والرافضة، بدأ الخروج عن النهج الصحيح، عند بعض المسلمين، يقول رسول الله ﷺ : «أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك أعفر، ثم ملك وجبروت، يُستحل فيها الخمر، والحرير» (٢)، ولست في هذا البحث معنيا بالحكم على الفرق الإسلامية، أو الجماعات الإسلامية، ولا مسئولا عن بيان قرب أو بعد كل فرقة أو جماعة، من الإسلام الذي جاء به نبينا محمد ﷺ ، فقد حسم الأمر ﷺ ، ولا أعتقد أن الحق يخفى على طالبه، إلا من طبع الله على قلبه فأنى لك أن تهديه، لكن سأعمل قدر المستطاع على بيان الفرقة التي هديت إلى العمل بالإسلام، الذي جاء به نبي الهدى والرحمة محمد بن عبدالله ﷺ ، الإسلام المبني على الكتاب والسنة، وليس الإسلام المفلسف، أو المنتقى، أو الإسلام الذي بني لتحقيق مطالب لا تجوز هذه الحياة، أو إسلام المنتقم لأسلافه من اليهود والنصارى والمجوس، إسلام منقطع عن الآخرة تماما، وقد سميناه إسلاما مجاراة لأصحابه، ومن المعلوم

стр. 154

بدهيا، أن كل ما جانب الكتاب والسنّة الصحيحة، فهو هراء والإسلام منه براء، نعلم أن رسول الله ﷺ أخبر عن تلك الفرق أنها في النار، إلا واحدة، وبين ﷺ أن الفرقة الناجية هم الباقون على ما كان عليه ﷺ وأصحابه ﵃، ومما يؤيد هذا حديث حذيفة ﵁ قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم» قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ ، قال: «نعم، وفيه دخن» قلت: وما دخنه؟ ، قال: «قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر» قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ ، قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها» قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا» قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ ، قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ ، قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١)، وعجبا لمن يُخرج الخلفاء الراشدين وعموم الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم ﵃ والتابعين لهم بإحسان من جماعة المسلمين، بل هم جماعة المسلمين، وهم الفرقة الناجية، فمن مثل أبي بكر ﵁ من عموم الفرق التي تدعي أنها الناجية، ومن مثل عمر بن الخطاب ﵁، أحب العمرين إلى الله، إذ تحقق فيه دعاء رسول الله ﷺ : «اللهم أيد هذا الدين بأحب الرجلين إليك: عمر بن الخطاب، أو أبي جهل بن هشام» (٢). فكان أحب الرجلين إليه عمر ﵁، روى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ جماعة، منهم: علي بن أبي طالب، وابن عباس، وعائشة، وأبو سعيد الخدري، وابن مسعود، وخباب، وأنس ﵃، فضيلة تفرد بها عمر، لم يشركه فيها أحد ﵁. والمراد بأحب العمرين أفضلهما عند الله، فإن الله لا يحب من كفر به، ولو كان لكل منهما مكانته في الجاهلية، فإن من أسلم أزكى وأفضل من الباقي عليها، قال

стр. 155

رسول الله ﷺ : «تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (١)، فقِه عمر بإسلامه فكان الخيار. عمر فرّق الله به بين الحق والباطل، في مكة والمدينة وغيرهما، وإذا سلك فجا سلك الشيطان فجا آخر، ثم عثمان ذو النورين ﵁، من تستحي منه الملائكة، وهو مجهز جيش العسرة في سبيل الله، وهو جامع القرآن في مصحف واحد، وحاقن دماء المسلمين في الفتنة الكبرى، وعلي بن أبي طالب ﵁ ابن عم رسول الله ﷺ ، وزوج بنته سيدة نساء العالمين في الجنة، ومن أحبه الله ورسوله، هؤلاء مبشرون بالجنة، من ضمن العشرة ﵃، وهم صفوة أصحاب رسول الله ﷺ ، وأصحابه ﷺ هم صفوة الناس، بعد رسول الله ﷺ ، والأمة المحمدية هي صفوة الأمم، وقد أيد الله رسوله ﷺ بالسابقين الأولين، في مكة وفي بيعة العقبة الأولى، والثانية، وقام معه المهاجرون والأنصار، بأمر هذا الدين، فأعزه الله بهم ونصره، فنفذ أمر الله تعالى، وبلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاد، فما ترك خيرا إلا دل الأمة عليه، ولا شرا إلا حذرها منه، وقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ» (٢)، وقال: ... «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (٣) وقال ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. . .» الحديث (٤). إنه المعصوم ﷺ ، صفوة الخلق أجمعين من الأولين والآخرين، تعلّم منه أصحابه أحب الناس إليه، يقول ﷺ : «دعوا لي أصحابي، فو الذي نفسي بيده، لو أنفقتم مثل أحد - أو مثل الجبال - ذهبا، ما بلغتم أعمالهم» (٥) فلا أحد أحق منهم

стр. 156

بوصف، الإيمان والصدق والإخلاص، ولا أولى منهم بوصف النصرة والجهاد في سبيل الله، فهم أهل السمع والطاعة لله ورسوله، وهم أهل الالتزام بكل ما جاء في الكتاب والسنة، وإن جالت الأفكار، وتبارت المهارات في البلاغة والأسلوب والبيان، فللهداية والإرشاد، في إطار لا يجوز الخروج عنه بحال، إطار التوجيه الإلهي، والهدي النبوي، جعلوا قلوبهم أوعية لكتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، من قال عنهم رب العزة والجلال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (٢)، من وصفهم رسول الله ﷺ بقوله: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (٣)، فقد حملوا كلام رسول الله ﷺ في كل صغيرة وكبيرة، وهم العدول الأمناء بشهادة الله، ورسوله، وإجماع المسلمين، بهذا الوصف، وبهذه الشهادة لم ينلها أحد بعدهم، إلا من نهج نهجهم، ونهل من مشربهم العذب النقي، كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، حملوا ميراث النبوة، أمانة في أعناقهم يؤدونها، كما أخذوها من رسول الله ﷺ ، فخلف من بعدهم المهتدون بهديهم، المقتفون أثرهم في اتباع رسول الله ﷺ ، رغم ما بُلي به الإسلام من ظهور فرق شذّت عن منهج النبوة، وعابت أصحاب رسول الله ﷺ ، فتنوعت لديهم المشارب، وبرزت منهم ضد الإسلام الأنياب والمخالب، فكان المتمسكون بالكتاب والسنة لهم بالمرصاد، فكما بلّغهم أصحاب رسول الله ﷺ ، عن رسول الله أمر هذا الدين، امتثلوا أمره ﷺ بالتبليغ عنه لمن بعدهم، وأنفذوا في ذلك أعمارهم، واستفرغوا جهدهم وبادروا إلى ما رغّب فيه من ذلك الأمر الجسيم، حيث دعا لهم بالنُّضْرة والنعيم، وكفاهم هذا الدعاء شرفا، بوأهم الله من الجنة غرفا، ولقّاهم الفوز العظيم، وقد تخير الله تعالى من كل خلف عدوله لفهم كلام رسوله ﷺ على الوجه

стр. 157

الصحيح، واصطفاهم لنقده ونقله، فحفظوه من التبديل والتحريف، وعرّفوا ما يتعلق بشأنه أوضح تعريف، وتصرفوا في أنواع بيانه أحسن تصريف، حتى استبان منه الصحيح والحسن، والمنكر والضعيف، فهم كما وصفهم ﷺ ، خير القرون، أصحاب رسول الله ﷺ ، والتابعون لهم بإحسان، وأتباع التابعين، ولا ريب في أن يلحق بهم من نهج نهجهم، وتمسك بما تمسكوا به من هدي الكتاب والسنة، وهم الطائفة المنصورة، يقول رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق، منصورة حتى يأتي أمر الله» (١)، ولا تعارض بين هذا وقول الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم؟ ، لأن أصحاب رسول الله ﷺ هم نقلة حديث رسول الله ﷺ ، ومن عمل عملهم ونهج نهجهم، من التابعين، وأتباعهم، والسائرين على نهجهم إلى يوم الدين هم كذلك منهم، سواء اشتهروا برواية الحديث أو بغير ذلك، مادامت سيرتهم لا تخرج عن نهج الصحابة القويم سيما في أمور الاعتقاد، فلو كانوا فقهاء، أو أدباء، أو أطباء، أو منهدسين، أو تجارا، أو أصحاب حرف مما لا يمكن حصره من أنواع المهن، هم من الطائفة المنصورة، وهم من الفرقة الناجية، إذا كانوا على مثل الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وإنما خص الإمام أحمد وغيره أصحاب الحديث، لظهورهم في هذه الصفة، صفة التمسك بما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، ولا يمنع دخول غيرهم ممن اعتقد اعتقادهم وعمل عملهم إلى يوم الدين، وهذه الطائفة هي الفرقة الناجية من ثلاث وسبعين فرقة، لثباتها على ما عليه النبي ﷺ وأصحابه، أجاب بذلك رسول الله ﷺ من سأله عنها (٢).

стр. 158

التحالف الثلاثي إن اليهود والنصارى والذين أشركوا بكل طوائفهم، ضد الإسلام، ومرادنا بالإسلام ما جاء به رسول الله نبينا محمد بن عبدالله ﷺ ، وهو ما قام الدليل على أنه من عند لله إما بالكتاب العزيز، أو بالسنة النبوية الصحيحة، أو بهما معا، ولم يكن مرادنا الإسلام الصوري الذي يعيشه أكثر أفراد الأمة اليوم، إسلام فارق أهله الكتاب والسنة في كثير من أمور الاعتقاد، واشتغلوا بالبدع والإحداث في الدين، وصدق الإمام مالك بن أنس قال: "لو أن العبد ارتكب الكبائر بعد أن لا يشرك بالله شيئا ثم نجا من هذه الأهواء والبدع والتناول لأصحاب رسول الله ﷺ أرجو أن يكون في أعلا درجة الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وذلك أن كل كبيرة فيما بين العبد وبين الله فهو منه على رجاء وكل هوى ليس منه على رجاء إنما يهوي بصاحبه في نار جهنم من مات على السنة فليبشر من مات على السنة فليبشر من مات على السنة فليبشر" (١)، معرضين عن قول الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢)، وعن قول رسول الله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد» (٣)، وهم يجهلون أو يتجاهلون أنهم بهذا السلوك شايعوا التحالف الثلاثي، باتخاذهم علم الكلام منارا يسيرون عليه في تقرير كل ما يتعلق بالاعتقاد، وبنوا عليه أمورا ذات خطر عظيم في التوحيد، وجعلوا من طرق التصوف منهجا في السلوك يسيرون عليه في كثير من ممارساتهم التعبدية، فأحدثوا في الدين ما ليس منه، وأبدعوا في الابتداع، حتى خرج بعضهم من دين الله ، وأصبح زنديقا ملحدا، وقال بألوهية نفسه (٤)، وكم يَسعد التحالف الثلاثي بوجود مثل هؤلاء، ينتسبون إلى الإسلام، ويعبثون به، لأنهم في حقيقة الأمر ليسوا من أهله.

стр. 159

عهد عمر ﵁ - لم يكن عهد عمر بن الخطاب أقل خيرا وبركة على الإسلام والمسلمين من عهد أبي بكر الصديق، فهما ﵄ وزيرا رسول الله ﷺ ، فكثيرا ما كان يقول: أنا وأبو بكر وعمر، قال علي ﵁ مخاطبا عمر حين دفنه في بيت عائشة: "كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك محمد ﷺ وأبو بكر ﵁ لأنى أسمع رسول الله يقول ذهبت أنا وأبو بكر وعمر ورجعت أنا وأبو بكر وعمر" (١)، نالا من تربيته وتعليمه ما لم ينله غيرهما ﵄. إن ما ورد في حديث حذيفة ﵁، أمر عام لا يخص زمان دون زمان، إنه عام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يجوز تطبيق ما ورد من أخبار الفتن على فتنة معينة، ولا تحديدها بزمن، إنها إخبار عن كثرة الفتن والعداء لهذا الدين، فإذا ما وقع شيء منها علم أهل السنة والجماعة، أنها مما حذر منه رسول الله ﷺ ، فتعاملوا معها وفق ما وجه به ﷺ ، فهي عندهم من صدق نبوته ﷺ ، ونعلم يقينا مما تقدم أن الفرقة الناجية هي من تقدم وصفهم بالتزام منهج الكتاب والسنة، في كل زمان ومكان، وإن حصل لهم ما حصل من البلاء، وأن من عداهم أهل زيغ وضلال، وإن كانوا من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، كل من خرج عن منهج الكتاب والسنة، وتنكب ما جاء به رسول الله، وجانب نهج الخلفاء الراشدين، ومن تبعهم بإحسان، لا شك أنه من أهل الزيغ والضلال، ولا ينضوي تحت مسمى الفرقة الناجية، وإن زعم أنه من المسلمين، وإن زعم أن الحق معه والباطل عند غيره، وإن أكثر من الفلسفة والتحوير والتطور، فذلك كله منه لا يعدو أن يكون إيغالا منه في الضلال، ولا نجاة لأحد منهم إلا بتوبة صادقة، وعمل دؤوب بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وفق المنهج الذي لزمه أصحاب رسول الله ﷺ ، وخلفاؤه الراشدون ﵃، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. إن المعارضين لدين الله لم يسلم منهم عهد النبوة، وكانوا ينشطون من حين لآخر، ويتحينون الفرص للانقضاض على الإسلام، لكنهم مخذولون من الله ورسوله

стр. 160

والمؤمنين، كم خسئوا وانقلبوا صاغرين، ومع ذلك لم يسلم عهد عمر بن الخطاب ﵁ من محاولاتهم وكانوا في ضعف، فقد مكن الله أمر الإسلام بخلافة أبي بكر ﵁، وكسر شوكة أهل الشك والعناد، وكان عهد عمر ﵁ قوة أخرى أعز الله بها الإسلام، إنه الفاروق يهرب منه كل شيطان من الجن والإنس، وكان حريصا كل الحرص على حماية الإسلام، ولاسيما جانب التوحيد، فقد أمر بقطع الشجرة التي بايع الأصحاب رسول الله ﷺ تحتها، وسميت البيعة فيما بعد بيعة الرضوان، وكذلك لما رأى كثرة الذكر لخالد بن الوليد سيف الله، وما يحكى من مهاراته في الجهاد، وحسن قيادته، ودقة تدبيره وتخطيطه لأمور الجيش المعارك، خشي أن يفتن الناس به، فيظنون به ما ليس فيه، فالتوحيد شأنه أعظم من قيادة خالد ﵁، وقد تقبل خالد ذلك الإجراء بصدر رحب، فهو من مدرسة محمد ﷺ ، ولم يظن بعمر إلا الخير، قال أحد القساوسة لخالد ﵁: "أيها السيد إني قد تفرست فيك الشجاعة فبالله من أنت من أصحاب محمد" فقال: أنا خالد بن الوليد المخزومي فقال: "أنت وحق ديني الذي فتحت بلاد الشام، وأذللت ملوكها وبطارقها، وإن صفتك عندي" ثم إنه دخل الدير وأتى ومعه سفط ففتحه، وإذا فيه بين أوراقه ورقة وفيها صفة عمر بن الخطاب ﵁ وزيه وصورته، وصورة أبي عبيدة ﵁، وصورة خالد بن الوليد ﵁ والسيف في يده مشهور. قال: "ما زلت أسمع أخبارك كلها، فلم عزلك عمر بن الخطاب وولى غيرك؟ ! ". فقال خالد: "اعلم أن عمر هو الإمام وهو الخليفة، ومهما أمرنا فلا نخالفه، فإن الله أمرنا بذلك في كتابه فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١)، فطاعته فرض علينا، لأنه يحكم بالعدل، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإنا قد وجهنا إليه خمس الغنائم من الفتوح كلها من الأموال، فما ازداد في الدنيا إلا زهدا، ولا آثر الدنيا على الآخرة، بل مجلسه على التراب، ولباسه المرقعة، ويمشي في سوق المدينة متواضعا راجلا، فالتواضع لباسه، والتقوى أساسه، والذكر شعاره، والعدل في الرعية دثاره، وما زال يعطف على اليتيم،

стр. 161

ويرفق بالأرملة والمسكين، ويرفد أبناء السبيل، فظ في دين الله، غليظ على أعداء الله، قائم بشعائر الله، لا يستحي من الحق، ولا يداهن الخلق". فقال القس: أكانت له الهيبة على عهد نبيكم؟ . قال خالد ﵁: نعم سمعت سعد بن أبي وقاص ﵁ يقول: استأذن يوما عمر ﵁ فأُذن له، فدخل ورسول الله ﷺ يضحك، فقال عمر ﵁: أضحك الله سنك يا رسول الله (١). قال: «عجبت من هؤلاء اللواتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب» فقال عمر أنت أحق أن يهبنك، وقال لهن: يا عدوات أنفسكن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟ ! ؛ فقلن: نعم، أنت فظ غليظ دون رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غيره» (٢). قال: فلما سمع القس ذلك قال: "بركة نبيكم عادت على إمامكم وعليكم". فقال خالد ﵁: وما يمنعك من الدخول في ديننا؟ ! فقال حتى يشاء صاحب هذه الخضراء (٣). قال الإمام مالك بن أنس ﵀: كان عمر رجلا جسيما أصلع وكان يشبه خالد بن الوليد، وأنه خرج سحرا فلقيه شيخ فقال مرحبا بك يا أبا الوليد يعني خالد فرد عليه عمر فقال عزلك ابن الخطاب قال له عمر: نعم، قال لا يشبع لا أشبع الله بطنه فماذا عندك؟ ، قال ما عندي إلا سمع وطاعة قال فلما أصبح بعث إلى خالد بن الوليد فقال أي شيء قال لك الرجل قال ما قال لي شيئا، قال فقال الرجل قد كان بعض ذلك فاعف عفا الله عنك فضحك عمر وأخبرهم الخبر، وقال لأن يكون من ورائي على مثل رأيك أحب إلي من كذا وكذا (٤). وفي رواية: قدم علقمة بن علاثة على عمر من الشام فسأله أن ينقل ديوان ابن أخيه إليه، وسأله راعيا لإبله فلم يجبه إلى شيء من ذلك، فلما كان الليل التقى هو وعمر فظن علقمة أن عمر خالد بن الوليد؛ وكان يُشبّه به فقال: ما حمل أمير

стр. 162

المؤمنين على عزلك بعد عنائك وبلائك؟ ! ، فقال عمر: زعم أني جواد أنفق المال في غير حقه، قال علقمة: والله لقد جئت من الشام أسأله أن ينقل ديوان ابن أخي إلي، وراعيا لإبلي، فآيسني من كل خير هو عنده، قال عمر: قد كان ذلك منه في أمري فماذا عندك؟ ، فقال علقمة وماذا يكون عندي، هم قوم ولاهم الله أمرا ولهم علينا حق؛ فأما حقهم فيؤدى، وأما حقنا فنطلبه إلى الله، فافترقا فلما كان من الغد اجتمع علقمة وخالد عند عمر، فقال عمر: هيه يا خالد لقيت علقمة البارحة فقلت كيت وكيت، فقال خالد والله ما فعلت، فجعل علقمة يعجب من جحده، ثم قال عمر يا علقمة قلت هم قوم ولّاهم الله أمرا، ثم أقتص كلام علقمة الذي كلمه، وخالد ينكر ما سمع، وعلقمة يقول: خل أبا سليمان قد كان ذلك، ثم قال عمر: نعم يا علقمة أنا الذي لقيتك وكلمتك؛ ولأن يكون ما قلت وتكلمت به في قلب كل أسود وأحمر من هذه الأمة أحب إلي من حمر النعم (١). هذا حال المخلصين لولي الأمر، وليت عثمان ﵁ وجد من أهل مصر والكوفة والبصرة مثل قول علقمة، كذلك علي ﵁ لم يلق من الخوارج والرافضة إلا التكفير والغلو الخذلان، فنشأت ثلاث فرق هي أمهات الفرق الضالة، فجميع الفرق الضالة على كثرتها ترجع إلى ثلاث: الخوارج، والرافضة، والصوفية الغالية. الخوارج بدأ انشطار الوحدة الإسلامية بفتنة عثمان ﵁، وتحقق بالفتنة بين علي ومعاوية ﵄، وذلك بخروج المطالبين بدم عثمان، الأمر الذي نتج عنه تعميق الخلاف بين المسلمين باستحداث أمورا لم تكن في عهد رسول الله ﷺ ، ولا عهد الخليفتين أبي بكر وعمر ﵄، ولا أقرها الخليفتان عثمان وعلي ﵄، ولاسيما عليا وآل بيته ﵃، وظهر الابتداع في الدين في صور شتى منها القريب والبعيد والموغل في البعد والمارق، وتطور ذلك باستخدام الفلسفة من علم الكلام، وتحكيم العقل فيما جاء به الكتاب والسنة، إما بالتأويل،

стр. 163

وصرف الأمور عن ظواهرها، وإما بالقدح في نقلة السنة العدول، ونبزهم بالكذب على رسول الله واختلاق ما يناقض الكتاب والسنة الصحيحة، كما سيأتي عن الرافضة، فكان أول من شذ عن الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين الخوارج؛ فهم نابتة سوء برزت في عهد عثمان ﵁، واشتهر أمرهم في الخروج على علي الخليفة الراشد ﵁، وشهدوا بالضلال على من هو خير منهم أصحاب رسول الله ﷺ بل بالكفر فكفروا عليا من معه من الأصحاب ﵃، بل أبطلوا شهادة الله لهم بالإيمان، فإذا فعلو هذا مع زكاهم الله، وشهد لهم بالخيرية والإيمان، فهم مع عامة المؤمنين أشد عداوة فلا يرون لهم حقًا لمن عداهم ليس لهم إلا السيف واستباحة المال والعرض، ولم تجتمع كلمة المسلمين على الخوارج، بل هم أنفسهم على كثرة فرقهم لم يجتمعوا، وكفّر بعضهم بعضا والتاريخ شاهد بذلك، وذلك رحمة من الله بالمسلمين فلو اجتمعت كلمتهم لعادت الجاهلية على أشدها، وانتشر الفساد في الأرض، وتعطلت شعائر الإسلام من صوم وصلاة وحج وزكاة وغير ذلك، فالحمد لله الذي لم يظهر الخوارج على كثرة فرقهم على عباده الصالحين، فكا هذا نصرا منه تعالى لعباده المؤمنين قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (١)، وهذا من أوضح الأدلة على فساد منهج الخوارج؛ لأن الله لم يجمع كلمتهم بل كان يقتل بعضهم بعضا ويكفر بعضهم بعضا، وقد جمع الله كلمة أهل السنة والجماعة، وأقام لهم من الحكام من حكم فيهم بكتاب الله وسنة رسوله، وإن وقعت من بعضهم هنات، ولكنهم إلى الخير أنزع، ولإقامة العدل والحدود أقرب، أما الخوارج فقد وصفهم رسول الله ﷺ لأمته، وبين الحكم عليهم، حين أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل» فقال عمر: " يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟ " فقال: «دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر

стр. 164

إلى نصله (١) فلا يوجد فيه شيء (٢)، ثم ينظر إلى رصافه (٣) فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه (٤)، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه (٥) فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر (٦)، ويخرجون على حين فرقة من الناس» (٧). قال أبو سعيد: "فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن علي ابن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي ﷺ الذي نعته " (٨) هذا وصفهم والحكم عليهم، فسماهم الناس خوارج لخروجهم على عثمان الخليفة الراشد، واستباحتهم دمه، في الأشهر الحرم، في ذي الحجة، واقتحام داره وقتله وهو يتلوا كتاب الله لتقع أول قطرة من دمه على قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٩). وبقتله وقعت الفتنة العظيمة التي أخبر بها رسول الله ﷺ ، والناس في بقايا من شرها إلى اليوم، فظهرت أول فرقة شقّت الوحدة الإسلامية، مع الاحتراز عن التعميم فما كل فرد منهم كان يريد قتل عثمان ﵁، ولا كل فرد رضي بقتله ﵁، ومنهم من قصد وترصد وانتهز الفرصة فتولى كبر تلك الفتنة، ولا أستبعد أنهم نواة الخوارج المنشقين على علي ﵁، فارقوا معاوية إلى صف علي ﵄، ثم واصلوا كسر الوحدة الإسلامية بإعلانهم تكفير علي ﵁، وكذلك ليس كل من خرج على علي كان مكفرا له، بدليل رجوع عدد كبير منهم لما ناظرهم

стр. 165

ابن عباس ﵄، قدروا بأربعة آلاف (١)، وبقي من كتبت عليهم الشقوة على ضلالهم. ولو كانوا طلاب حق لما خفي عليهم الأمر سواء في عهد عثمان ﵁ أو عهد علي ﵁، فالصحابة كثر وكتاب الله محكَّم، وسنة رسول الله ناطقة بالحق، ولكن لهم غاية أبعد من الحق وهو الباطل، الذي اتخذوه شرعة ومنهاجا لتكفير عثمان ثم علي ﵄، وتكفير من كان معهما على الحق، ولم يخف أمرهم على رسول الله ﷺ ، ولذلك عُدّ قتلهم من قبل علي ﵁ فتحا من أجل الفتوح، لأنهم كانوا لا يرون طاعة خليفة، ولا يرونها في قرشي، وكان ضررهم معلوما (٢)، وكانت علامتهم ما أخبر به رسول الله ﷺ فيما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ يقسم قسما (٣)، فأتاه رجل من بني تميم يقال له: ذو الخويصرة فقال: يا رسول الله! اعدل، فقال ﷺ : «هاك لقد خبت وخسرت إن لم أعدل» فقال عمر ﵁: دعني يا رسول الله أقتله، فقال: «لا، إن لهذا أصحابا يخرجون عند اختلاف من الناس. . . .» الحديث تقدم ذكره (٤). وذو الثُّدية هو: حرقوس بن زهير، أحد الخوارج يوم النهروان، قاتلهم علي ﵁، وتفقد قتلاهم، فاستخرج من بينهم ذا الثُّدية، فرآه ناقص اليد، ليس فيها عظم، طرفها حلمة مثل الثدي، عليها خمس شعرات أو سبع، رؤوسها معقفة، ثم نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة (٥)، حينها سجد علي شكرا لله لما رأى ذا الثُّدية في القتلى، لأن ذلك كان علامة على أنه ﵁ على الحق (٦). يتلخص من هذا أن نابتة الخوارج أولهم ذو الخويصرة التميمي، وأن شوكتهم تقوى عند اختلاف الناس، وحصل الاختلاف على عثمان ﵁ فبرز ناب الخوارج ليكسر الوحدة الإسلامية، وتبلور في عهد علي ﵁، وامتد شرهم بعد ذلك.

стр. 166

الرافضة إن أخطر ما دخل على الإسلام الطعن في الصحابة، والقول بردتهم، ليتمكن أصحاب هذا النهج الفاحش من هدم الإسلام من أصله، وتجفيف منبعه الأصيل الصافي، وإحلال الزور والهتان محله، وقد تقبل أمة من الناس هذا المبدأ لإقناعهم بظلم آل البيت وردة الصحابة، فمن أين يأتيهم الهدى وقد أبعدوا عن منبعه؛ نهج النبي المصطفى ﷺ ، ونهج صحابته الصادقين الأمناء، شهد الله لهم بأنهم السابقون الأولون، ومات رسول الله ﷺ وهو راض عنهم ﵃، ثم يأتي الزنادقة لتدمير الإسلام بدعوى ردة الصحابة وتكفيرهم بذلك، والزنادقة يرون المتمسكين بنهج النبوة والخلافة الراشدة كفارا كذلك، وكفرهم أشد من كفر اليهود والنصارى، لأن كفر هؤلاء بعد إيمان، وكفر أولئك بادئ ذي بدء، كبرت كلمة تخرج من أفوههم إن يقولون إلا كذبا، والرافضة عبارة عن جماعات متفرقة في العالم الإسلامي وغيره، ولاء بعضها لولاية الفقيه دولة الرافضة في إيران التي لا تملك غير الكيد والدس للعالم الإسلامي، ولا تعيش إلا على الكذب والنفاق، منهجها العقائدي تكفير من لا يكفر الصحابة، ولا يقول بولاية علي وذريته وبعصمتهم وعلمهم الغيب، والسياسة عندها ترمي إلى استعادة المجد الفارسي، وإحياء الحقد الصفوي الذي يستبيح دماء العرب وأعراضهم وأموالهم، ولو كانوا على مذهبهم في التشيع، وزعمهم حب آل البيت إنما هو استقواء لاسترداد الملك الفارسي، والفكرة في أصلها يهودية أسسها عبدالله بن سبأ بدعوى حب آل البيت، وتقبلها الأتباع وهم قسمان: الأول: من كان مؤمنا بدعوة ابن سبأ على أصلها والهدف منها الانتقام من الإسلام وأهله. والثاني: من تقبلها على ظاهرها ولم يعلم أنها دعوة باطنية، غلفت بدعوى حب آل البيت، على طريقة دس السم في العسل، وهؤلاء نقول لهم: إن الشيعة هم ممن شايعوا عليا ﵁، على أن الحق في جانبه دون معاوية ﵁، وهذا حق، ولم يكفروا

стр. 167

أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن نازعوا في ولاية أبي بكر ﵁، ولم يزعموا أن أحدا من هذه الأمة معصوما سوى رسول الله ﷺ ، ولم يزعموا أن بقعة على وجه الأرض أشرف من مكة المكرمة، والمدينة المنورة، ومكة أشرف من المدينة بوجود بيت الله فيها، والمدينة أشرف من مكة بجسد رسول الله ﷺ فبينهما عموم وخصوص من وجه، ثم المسجد الأقصى لقول رسول الله ﷺ : «لا تُشَدُّ الرّحال إلاّ إِلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصَى» (١)، والمراد عدم جواز شد الرحال للعبادة والتقرب إلى الله تعالى، إلى أي مسجد، على وجه الأرض بهذا القصد إلا للثلاثة المذكورة، وهذا تشريع رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، لعموم الأمة المحمدية، وقد تضمن هذا التشريع هدفا عظيما وهو وحدة الأمة المحمدية في شد الرحال للعبادة، وعلى هذا الأساس فكلنا شيعة محمد ﷺ ، وعلي ﵁ وآل البيت عموما؛ لأن هذا منهجهم، ومن زعم أنه من شيعة علي ﵁، وكان على غير هذه المقاصد، فهو إما تابع لابن سبأ، وإما جاهل بهذه المقاصد مُغرّر به، فإن كان تابعا لابن سبأ فلا شك في مجوسيته ويهوديته، وأنه حرب على الإسلام والمسلمين، وإن لبس عباءة حب آل البيت، فإنما هي شكل لا مضمون، وإن كان جاهلا مُغرّرا به، فندعوه إلى نبع الإسلام الصافي: الكتاب والسنة، ونحذره من البقاء في وحل الباطنية، والتبعية لأئمتها المضلين، وقد قال رسول الله ﷺ : «إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، ولن تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي المشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، وسيخرج في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي، ولكن لا تزال في أمتي طائفة يقاتلون على الحق، ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله» (٢)، فمن عرف الحق واهتدى فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومن اختار مزاعم ابن سبأ فتلك مجوسية معلومة، ومن بقي جامدا على جهله فلا يصح أن يكون من شيعة علي بل هو من الرافضة وهم الذين ناصبوا أصحاب رسول الله

стр. 168

العداء الشديد، ولم يستثنوا من تكفيرهم، إلا عليا وآل البيت ﵃، ونفرا قليلا: خمسة أو سبعة أو تسعة، ولم يصل إلى العشرين من توغل في الاستثناء، وزعموا أن الصحابة ارتدوا وحبط عملهم، وأعجبهم قول رسول الله ﷺ : «إني لكم فرط على الحوض. فإياي! لا يأتينّ أحدكم فيُذب عني كما يُذب البعير الضال، فأقول فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقا» (١)، ليستشهدوا به على ردة الصحابة صدق الله العظيم، لقول: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا» واستدلالهم باطل؛ لأن الصحابة ﵃ وردت تزكيتهم في الكتاب والسنة، وبإجماع المسلمين أن الصحابة ومنهم الخلفاء لم يرتدوا، ولم يكن فيها إلا نفر قليل، منهم بعض الأعراب الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام، فلما توفي رسول الله ﷺ ، ارتدوا ومنعوا الزكاة، فقاتلهم على ذلك أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ ، وعاد أكثرهم إلى الإسلام، وأبلوا في الفتوح بلاء حسنا. أما الحديث فهو عند عامة المسلمين من العام الذي يراد به الخاص، وما أكثر ذلك في الشريعة الإسلامية، وليس المراد به كل فرد من الناس: الصحابة أو غيرهم، وهم يستدلون بحديث حذيفة أن رسول الله ﷺ قال له: «فإني مسر إليك سرا لا تحدثن به أحدا أبدا، إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان»، رهطٌ ذوي عدد من المنافقين، قال: فلما توفي رسول الله ﷺ ، واستخلف عمر ﵁، كان إذا مات الرجل من صحابة النبي ﷺ ممن يظن عمر أنه من أولئك الرهط أخذ بيد حذيفة فقاده، فإن مشى معه صلى عليه، وإن انتزع من يده لم يصل عليه، وأمر من يصلي عليه (٢)، واستدلال الرافضة بهذا على تكفير الصحابة باطل لأمرين: أولا: أن الله أخبر نبيه ﷺ في كتابه العزيز بصفات المنافقين، فهو يعرفهم بصفاتهم، وإن كانوا يصحبونه في ظاهر الحال، لكنه يعلم مآلهم فمنهم من تدركه رحمة الله ويتوب ويحسن إسلامه، ومنهم يبقى على نفاقه حتى يدركه الموت على الكفر بالله كما أخبره الله بذلك: فقال: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ

стр. 169

عَظِيمٍ﴾ (١)، ثم إن المنافقين الذين عدهم رسول الله ﷺ نفر قليل بالنسبة لمجموع الصحابة ﵃، وفي نهيه ﷺ عن الصلاة عليهم، وأخباره ﷺ حذيفة ﵁ بذلك إشارة إلى أنهم يموتون على الكفر. ثانيا: إن المنافقين الذين أخبر بهم حذيفة عرفهم بأعيانهم، فقد ورد من طريق جبير بن مطعم أنهم اثنى عشر رجلا، لم يبق منه غير رجل واحد (٢)، وقد قال حذيفة ﵁: ما بقي من المنافقين إلا أربعة، أحدهم شيخ كبير لا يجد برد الماء من الكبر، فقال له رجل: فمن هؤلاء الذين ينقبون بيوتنا ويسرقون علائقنا، قال: ويحك! أولئك الفساق (٣)، وهو كذلك فما كل فاسق منافق، فقد يقع المؤمن في المعصية وهو بريء من النفاق، ألم تسمع أنه ﷺ أتي بابن النعيمان وقد شرب الخمر فجلده، ثم أتي به فجلده، أتي به مرارا أربعا أو خمسا، فقال رجل: "اللهم العنه ما أكثر ما يشرب، وما أكثر ما يجلد"، فقال النبي ﷺ : «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» (٤)، فتعميم الرافضة ذلك على جمع أصحاب رسول الله ﷺ أوقعهم في مصائب كبيرة وعظيمة وهي: ١ - إن قولهم هذا طعن في الشريعة الإسلامية كلها، لأن الصحابة هم نقلتها عن رسول الله، ولا تقوم للرافضة الحجة بما يروون عن آل لبيت؛ لأن ما هو صحيح من الرواية عن آل البيت هو مروي عن صحابة غيرهم، وثابت عند أهل السنة، ولم ينفرد الرافضة إلا برواية الكذب والزور على آل البيت، ووضع الكثير منها تدعيما لعقيدتهم الباطلة في الصحابة وغيرهم، وقد طهر الله قلوب وألسنة وكتب أهل السنة من ذلك الدنس العظيم الذي وقع فيه الرافضة. ٢ - إنه طعن في رسول الله؛ لأننا نقول: إن الصحابة اختارهم الله لرسوله أعوانا، قال عبدالله بن مسعود ﵁: "إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون

стр. 170

على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيّء" (١)، والمراد بالمسلمين هنا الصحابة ﵃، فالشريعة الإسلامية أفضل الشرائع وأكملها، ومحمد خير البشر، وأصحابه خير الناس، فهم المقارنون له ﷺ ، والقرين بالقرين يقتدي، والرافضة لا يرون هذا في الصحابة، ويلزمهم الطعن في رسول الله ﷺ ، ولا غرابة فيمن كان قرينه عبدالله بن سبأ، وابو لؤلؤة المجوسي. ٣ - الطعن في الرب ، وذلك على مراد الرافضة: لأن الله أختار من الناس محمدا نبيا ورسولا، واختار من الناس أصحابا له وقرناء، وقد رماهم الرافضة بالردة، وجعلهم الله نقلة الشريعة، فكيف يسوغ هذا مع ما تعتقد الرافضة؟ ! ! ، هل يرضى الله لنبيه عبده ورسوله وخليله ﷺ يرضى له أصحابا أشقيا، ويزيغ قلوبهم بعد جهادهم مع رسوله، وشهادته لهم في كتابه العزيز، وشهادة رسوله لهم فيما صح وثبت عنه، اللهم لا، وسبحانك هذا بهتان عظيم، تبوء به الرافضة بين يديك، أنت تحكم بين عبادك، وأنت أحكم الحاكمين. ٤ - إنه طعن في القرآن الموصوف من رب العزة والجلال بقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٢)، امتدح أصحاب رسول الله، وأنالهم من الفضل في الدنيا ولآخرة ما لم يحصل لأحد سواهم بعد الأنبياء والرسل، ولا ينكر هذا ويتأوله بالباطل والزور والبهتان على الله ورسوله إلا الرافضة. ٥ - إنه طعن في آل البيت جميعا؛ لأنهم أتباع رسول الله وصحابته دون استثناء، وبناء عليه إما أن يكونوا على خير كما يعتقد أهل السنة، وهو الموافق لما جاء في الكتاب والسنة، وإما على شر كما هو لازم اعتقاد الرافضة، وهو مذهب ابن سبأ وأتباعه.

стр. 171

ما الحكم في قوم هذا شأنهم ؟ الرافضة أحدثوا في الإسلام ما لم يأذن به الله، تبعوا عدو الله ابن السوداء اليهودي في عقيدة الرجعة، وبذلك فسروا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (١) فهم زنادقة، الصواب في أمرهم إعلان الجهاد عليهم من قبل أهل السنة والجماعة، ومحوهم من الأرض، فإن نفرا من أهل الشام شربوا الخمر وعليهم يزيد بن أبي سفيان، فقالوا: هي لنا حلال، وتأولوا هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، فكتب يزيد فيهم إلى عمر، فكتب عمر إليه: أن ابعث بهم إليَّ قبل أن يفسدوا مَن قِبَلك، فلما قدموا إلى عمر استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين! نرى أنهم قد كذبوا على الله، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به فاضرب أعناقهم، وعلي ﵁ ساكت، قال: فما تقول يا أبا الحسن؟ ، فقال: أرى أن تستتيبهم فإن تابوا جلدتهم ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، فإنهم قد كذبوا على الله، وشرعوا في دين الله ما لم يأذن به. صدق أبو الحسن ﵁ ولكن الرافضة الزنادقة لا يستتابون، لأخذهم بالتقية، فتسقط عنهم الاستتابة، ويقع عليهم ضرب الأعناق. فإذا كان هذا حكم علي ﵁ في نفر استحلوا بالتأويل ما حرم الله، فكيف بمن كذب على الله، وزور دينا للقضاء على دين الله (٣)، وتبعوا ابن السوداء في القول بالوصية، وكما أن محمدا ﷺ خاتم الأنبياء، فعلي ﵁ خاتم الأوصياء، وهذا افتراء على الله وعلى رسوله ﷺ ، وبنوا على ذلك أن موالاة علي ﵁ ركن من أركان الإسلام، ومن لم يقل بها فهو كافر، حلال الدم والمال والعرض، وقالوا بحل المتعة، رغم رواية علي ﵁ تحريمها، ورد على ابن عباس فقال: «إنك امرؤ تائه، إن رسول الله ﷺ حرم المتعة يوم خيبر، ولحوم الحمر الإنسية» (٤)، ولم

стр. 172

يكتفوا باستحلال ما حرم رسول الله، بل وضعوا الأحاديث في ثواب المتمتع، من الرجال والنساء، وقد طفحت كتبهم بذلك، وهي ظاهرة الكذب والتزوير، لا يقبلها إلا زنديق، ومعلوم أن أول من نشر الكذب على رسول الله ﷺ الرافضة، لأنهم كفَّروا أصحاب رسول الله ﷺ ، وزعموا أن الطريق الصحيح لأخذ الرواية هو ما كان عن آل البيت فقط، فاندفعوا لتأييد زعمهم إلى خلق أحاديث منسوبة إلى آل البيت ﵃، مستغلين حب الناس لآل البيت ﵃، مصرحين بردة الصحابة وكفرهم، حتى يتم لهم ما يريدون من هدم الإسلام الصحيح، وقد زعموا العصمة لعلي والأئمة من ذريته ﵃، بل زعموا لهم القدرة على تسيير الكون نيابة عن الله ، وزعموا أن حساب الخلق في الآخرة موكّل به علي، وغير ذلك كثير دوِّن في كتبهم، وعلى رأي أبي الحسن علي ﵄، فقد شرَّعوا في دين الله ما لم يأذن به، والحكم فيهم القتل. مسلمون ولكن المسلمون اليوم زادوا على مليار مسلم، ومع هذا العدد الهائل، فإنهم متخاذلون، أذلاء، فرطوا في أسباب العزة والمنعة، وسلبتهم ملذات الدنيا وشهواتها، فنسوا الله في عظائم الأمور من دينهم، فأنساهم الله أنفسهم، فتحقق فيهم قول رسول الله ﷺ : «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (١) وقوله: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها» قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ ، قال: «أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، تنتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن» قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: «حب الحياة وكراهية الموت» (٢) والمشكلة في أن الكثيرين من المسلمين اليوم ما عرفوا الإسلام الصحيح، وانتشر فيهم العمل بالبدع والمحدثات في الدين، وما لم يكن في عهد النبوة، والخلافة الراشدة، فلم يتمسكوا

стр. 173

بالنهج ذاته بل حادوا عنه، وتأثروا بأحداث الفتنة بين عثمان وظالميه، وبين علي وظالميه، ويزنوا الأمور بما كان نهجا نبويا، فعدم فهم الكثيرين من المسلين اليوم لهذا الجانب بدقة وعمق وتجرد، جعلهم يقعون فيما نسب إلى الإسلام وليس منه، ومن ذلك التعصب المذهبي مع وجود الدليل الشرعي، والتعصب العقدي، مع قيام أدلة الحق وقرائنه، والتعصب السلوكي، وتربية النفس على بدع ما أنزل الله بها من سلطان، وكل يدعي وصلا ليلى وليلى لا تقر له بذاكا، كل يقول: إنه مسلم وأن الحق معه، وهم في طامة عظمى يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، وما كان هذا والله بين المسلمين في عهد النبوة ولا الخلافة الراشدة، لكن الحاقدين على الإسلام دبروا المكائد للإسلام وأهله، ورسموا خطط التدمير فأجادوا وتقبل السذج من المسلمين الفكرة، حتى أو صلتهم إلى الدمار في الدنيا، والهلاك في الآخرة، والأمثلة حية ملموسة اليوم: دعوى تحرير المرأة، والأمر أن حرية المرأة معلومة في الإسلام، لا مطعن فيها ولا اعتراض عليها من المسلمين، فخالقها العالم بما يصلحها وما يفسدها حدد واجباتها، وبين حقوقها، في إطار يكرمها ويجعلها عزيزة مصونة إلى أن تلقى الله ، والذين يعترضون على حقوق المرأة وغيرها من الأمور المشروعة في الإسلام واحد من ثلاثة: ١ - إما كافر بمحمد ﷺ ، وبما نزل عليه من الحق، كاليهود والنصارى والذين أشركوا، فهذا لا غرابة في طعنه على حقوق المرأة وغيرها من القرارات الشرعية في الإسلام، لأنه عدو للإسلام ونبيه جملة وتفصيلا، فمن الطبيعي جدا أن يمكر ويدبر ويخطط لكسر ما عند عدوه من قيم وفضائل، ترتقي بها عن مرابض الدواب وسلوكياتها كما هو الحال في بلاد الغرب ومن شايعها، ومن تدبير عدو الإسلام اصطياد المغرورين بما لديه من تفوق علمي واقتصادي، وانفلات في القيم والفضائل، باسم الحرية، وقد نجح الأعداء في هذا الجانب من خطط تدمير الإسلام وأهله إلى حد كبير، فكان لهم قطعان من البشر يسومونها في أوطان المسلمين لتنفيذ مشروع التدمير، بألفاظ معسولة، وأفكار مغسولة من القيم والفضائل، تذليلا لإنشاء مراتع الشهوات والقضاء على الإسلام وأهله؛ لأن الإسلام قيم وفضائل، وللأسف نجحت تلك القطعان في القيام بخدمة العدو، بسبب ما هيئ

стр. 174

لهم من التلميع الإعلامي، والوصول بهم إلى مراكز مؤثرة في الفكر والسلوك الاجتماعي، فاستجالوا الكثيرين من البسطاء من أبناء المسلمين، لانبهارهم بما حصل عليه دعاتهم من شهرة، وتسويق واسع لأفكارهم المسمومة، ولبعدهم عن نهج العهد النبوي والخلافة الراشدة، وما تلا ذلك من الخير، ولذلك وقعوا في حبائل الأعداء وأذنابهم. ٢ - ثلة من أبناء المسلمين أوفدوا إلى بلاد الأعداء وهم غير محصنين بالقيم والفضائل الدينية، نعم أخذوا جرعات محدودة، سرعان ما تبددت من أذهانهم إما لأنهم أخذوا لغرض دنيوي، فانتهى استذكارها والعمل بها بعد الحصول على الشهادة ومنحة السفر إلى بلاد الأعداء، أو أنها لضعف التحصيل فيها تبددت أمام ما رأى من حضارة في بلاد الغرب، وأمام ما قدم له من أفكار أسهمت في القضاء إلى حد كبير على ما لديه من قيم وفضائل إسلامية، بعد أن أقنعوه بأن السبب في عدم وجود تلك الحضارة في بلاد الإسلام بالصورة ذاتها في بلاد الغرب إنما هو الإسلام الذي يحرم كل شيء في نظرهم، هذه الثلة من أبناء المسلمين عادت إلى الوطن الإسلامي سهاما مسمومة وموجهة إلى الجسد الإسلامي بحقد شديد، وهم من القطعان الذين تقدمت الإشارة إليهم، لكنهم دونهم في اتخاذ القرار، جندوا لهدم الإسلام بدعاوى التحرير، والتقدم والتحضر، ورموا الإسلام زورا وبهتانا بأنه سبب في التخلف والتحجر، وكبت الحريات، وهذه الثلة مهمتها تهيئة الناس للمشروع المعادي للإسلام، ليتم اتخاذ القرار من مالكيه في الوقت المناسب، ولا يخلو حال هذه الثلة من إحدى ثلاث: أـ إما أن تكون لهم بقية من قيم ومرجعية دينية، لكنهم يرون حصرها في العبادة، ولا علاقة لها بشؤون الحياة على مبدأ فصل الدين عن الدولة، وهؤلاء خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، والعمل السيئ كبير جدا وأثره على الإسلام وأهله كبير، وهو ما أوصل المسلمين اليوم إلى الذل والإذعان للغرب في كل المجالات، وتحجيم الدور الإسلامي في حياة المسلمين إلى حد بدأ الأعداء يفكرون في تنفيذ أسباب اقتلاعه من جذوره، ليعود المسلمون في جاهلية جديدة تفوق الجاهلية الأولى، فلا هم بالمسلمين، حقا ولا هم كفار من الدرجة الأولى عند الغرب، وإن

стр. 175

رضي الغرب بالنتيجة فسوف يكونون كفارا من الدرجة الثالثة وربما أبعد، على غرار معاملة إسرائيل لليهود فليسوا كلهم في طبقة واحدة عندهم. ب - وإما أن تكون مرجعية القيم لديهم غربية بحته ولا علاقة لها بالإسلام ففي هذه الحال أصبحوا أعداء خلّص للإسلام وأهله شأنهم شأن الغرب تماما، والواقع أن العالم الإسلامي لا يخلوا من أصحاب الأمرين وهم كما قال الرسول ﷺ : «دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا» (١)، وكم من أبناء المسلمين من خرج ضالا مضلا يدعي النبوة، وكم منهم من ينادي باستبعاد العمل بالسنة النبوية الصحيحة، والعجب العجاب أن زعيما كان لشعب مسلم يصلي بالناس العصر ثلاث ركعات، ويسلم عامدا لا ساهيا فيذكّر، فيقول: هات دليلا من القرآن على تحديد الركعات في الصلاة، فيقال: إنه مبين بالسنة النبوية، فيقول محمد رجل وأنا رجل، ويمزق صحيح البخاري، وصحيح مسلم، ويضع كتابا يضاهي به القرآن، ويلقب نفسه رسول الصحراء، وزعيم آخر لشعب مسلم يمنع تعدد الزوجات، ويبيح للعمال الفطر في رمضان، حتى لا يتدنى إنتاج المصانع في بلده، وأي مصانع يا ترى! ! ، ويقول للعمال: افطروا ولن أدخل الجنة إلا وأنتم معي، وله طامات لقي ربه بها، وزعيم آخر يغزو بلدا آمنا مجاورا مد له يد العون في الرخاء والشدة، يتخذ قرار الغزو تحت تأثير تعاطي المخدرات كما قيل، وزعيم شعب مسلم يعلن كفانا مساجد، ويصدر أمرا بمنع بناء المساجد في بلاده التي يدين أهلها بالإسلام، هؤلاء يخشون الإسلام، ويخافون من الملتزمين به على الوجه الصحيح، فإذا ما سنحت لهم فرصة لضربه تذرعوا بأي خطأ يقع من شاذ، أو جاهل مراهق غُرّر به، أو جماعة لم تسلك المنهج النبوي الصحيح، وعمموا ذلك على المسلمين، وأجروا التنكيل بكل أحد، دون وازع ولا ضمير، وما أكثر ما تغيب حقوق الإنسان في السجون والمعتقلات، ولا يطالبون بها إلا في حاله مناقضة الإسلام، وتدمير ما جاء به من الحق، فماذا يقول أبناء جلدتنا، والذين يتكلمون بألسنتنا؟ ! ، إذا ما لقوا ربهم، أم أنهم لا يؤمنون بالبعث؟ ولا مفر لهم من

стр. 176

لقاء الله تعالى، إنهم صنائع الغرب لضرب الإسلام في عقر داره، وبأيدي أبنائه العاقين المارقين من القيم، هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وهذا غيض من فيض، والأمثلة كثيرة ولا حصر لها، وتُبارك القطعان الموجهة من أعداء الإسلام هذه التصرفات، ويطبل لها الإعلام الخائن المأجور، وتتقبّل الشعوب الإمعة الساذجة هذه الترهات، ويكمم دعاة الحق والفضيلة، ويقتل منهم من يقتل، ويوضع في غياهب السجون الآلاف المؤلفة منهم يسامون سوء العذاب، كل هذا يتم بواسطة صنائع الغرب من أبناء المسلين، هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وتمر بهم الأحداث إلى أن يكشف التاريخ للشعوب، ما أخفاه الغرب وقطعانه المسرّحة لهدم الإسلام وأهله، وحينئذ يقولون: هؤلاء الذين أضلونا. ج - وإما أن يكونوا رعاعا، يتبعون كل ناعق بحق وباطل، كما قال رسول الله ﷺ : «لا تكونوا إمعة تقُولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا» (١)، وقد قابلنا الكثيرين منهم وناقشونا فيما يخص بلادنا مهد الإسلام ومنبع الفضيلة، زادها الله شرفا وحماية وحرسها من كل عدو ولاسيّما الأعداء اللذين هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ناقشنا السذج فلما أوضحنا لهم الحق مستندين في ذلك إلى الكتاب والسنة، والبيان وفق الواقع والشواهد من الأحداث، قالوا: ما عرفنا هذا، ظنناهم يريدون الخير لنا ولبلادنا، فكأني بهم لسذاجتهم إمعات إن أحسن الناس أحسنوا، وإن ظلموا ظلموا، وكأني بهم عند ظهور الحق يقولون: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ (٢) هذا واقع المسلمين اليوم، بعدٌ عن نهج النبوة والخلافة الراشدة، وشتاتٌ وفرقةٌ، وهوى متبعٌ، وشهواتٌ لا حصر لها، تدميرٌ للقيم والفضيلة، وظلم واستبداد، واتباع لفكر الغرب ومخرجاته المنتنة، فتحقق في الأمة الإسلامية أنها غثاء كغثاء السيل. أما النساء المستغربات فلسن صنائع مباشرة للغرب، بل صنائع الصنائع، فأولياؤهن من الصنائع، دعَوهن إلى الفكر الغربي، وسمحوا لهن بالتبرج، وتلقي الفكر الغربي، ومنهم من أوفد موليته إلى الغرب لتتلقى ما تلَقى هو من السموم،

стр. 177

من منابعها الدنسة، ومنهم من ساير الآخرين من الأتباع السذج، فخرج على الإسلام نساء يطعنن على ما جاء به في شأن المرأة: فالحجاب يطلبن بدلا عنه تبرج الجاهلية الأولى، وإلعدّة في الطلاق أو الوفاة ينادين بإلغائها والاكتفاء بالكشف المخبري، والأجانب عندهن لا فرق بينهم وبين المحارم، تكلم من تريد، وتجلس مع من تريد، وتسافر مع من تريد، في وقت نسيت أو تناست المرأة المغرورة، أن ربها وخالقها تعبّدها بهذه الأمور فالحكمة منها قبل كل شيء التعبد لله لأنه تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، ولا تخرج المرأة من التكليف بأنواع العبادة إلا إذا لم تكن من الجن والإنس، فالعبادة ليست قاصرة على الصلاة والصيام، ولا على الزكاة والحج، هي كذلك قائمة في الاعتقاد وفي الأقوال والأفعال، ومن ثمار التعبد ظهور القيم والفضائل والعزة والكرامة في أكمل صورها، فالله تعالى خلق الإنسان وجعله يعيش حياة دنيوية قصيرة، لابتلائه بما جاءت به الرسل، فيظهر المحسن والمسيء، وينال كل منهما جزاءه في الحياة الآخرة الأبدية، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢)، ومقتضى ما أقدم عليه المستغربون رجالا ونساء من هذا السلوك وتلك الدعوة القذرة، أن الله وهو خالق المرأة جاهل بما يصلحها، وأن ما نزل على محمد ﷺ من الكتاب والسنة لم يعد صالحا لحال المرأة اليوم، ولا عادلا في شأنها، وأصبحت قوانين الغرب وسلوكياته هي ما يصلح به شأن المرأة، فالمستغربون اليوم أحسن منهم الجاهليون الأولون حين قالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (٣)، وقد كان آباؤهم على الضلال، فلم يبغوا بما كان عليه آباؤهم بديلا، والمستغربون اليوم وجدوا آباءهم على الحق والهدى، نهج لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فبرزوا لهدم ما عليه آباؤهم من الهدى، وتباروا لإرساء الزندقة والكفر على أنقاض الفضيلة والقيم الإسلامية، كل هذا من أجل مشاركة الغرب حياتهم البهيمية، ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ

стр. 178

أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١)، حتى تداعت الأمم اليوم على المسلمين من كل حدب وصوب، بعد أن دمروا الأخلاق والقيم، ينهبون الثروات، ويسومون المسلمين سوء العذاب، والمسلمون يصدق عليهم أنهم غثاء، وليسوا في نظري أحسن حالا من قبيلة إياد في الجاهلية التي استعدى عليها أعداؤها من كل مكان، ولم يسمعوا نداء المصلح من عقلائها أحد شعرائها وهو لقيط بن يعمر الإيادي إذ قال لهم: بل أيها الركب المزجى على عجل ... نحو الجزيرة مرتادا ومنتجعا أبلغ إيادا وخلل في سراتهم ... إني أرى الرأي إن لم أعص قد نصعا يا لهف نفسي أن كانت أموركم ... وأحكم أمر الناس فاجتمعا ألا تخافون قوما لا أبا لكم ... أمسوا إليكم كأمثال الدبا سرعا فهم سراع إليكم بين ملتقط ... شوكا وآخر يجني الصاب والسلعا لو أن جمعهم راموا بهدته ... شم الشماريخ من ثهلان لانصدعا في كل يوم يسنون الحراب لكم ... لا يهجعون إذا ما غامل هجعا خرزا عيونهم كأن لحظهم ... حريق نار ترى من السنا قطعا لا الحرث يشغلهم بل لايرون لهم ... من دون بيضتكم ريا ولا شيعا وأنتم تحرثون الأرض عن سفه ... في كل معتمل تبغون مزدرعا وتلبسون ثياب الأمن ضاحية ... لا تجمعوم وهذا الليث قد جمعا وقد أظلم من شطر ثغركم ... هول له ظلم تغشاكم قطعا ما أراكم نياما في بلهنية ... وقد ترون شهاب الحرب قد سطعا فاشفوا غليلي برأي منكم حسن ... يضحي فؤادي له ريان قد نقعا قومو قياما على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا قد ينال الأمن من فزعا يا قوم إني لكم من عز أولكم ... إرثا أحاذر أن يودي فينقطعا يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرا ... على نسائكم كسرى وما جمعا هو الجلاء الذي يجتث أصلكم ... فشمروا واستعدوا للحروب معا

стр. 179

هذا كتابي إليكم والنذير معا ... فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا لقد بذلت لكم نصحي بلا دخل ... فاستيقضوا إن خير العلم ما نفعا هذا والله حال المسلمين اليوم مع العالم الآخر، ولا يأس من روح الله، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وتبقى طائفة من المسلمين المؤمنين قائمة بالإسلام الصحيح، أتباع عهد النبوة والخلافة الراشدة، وينتصر الإسلام، ويقوى المسلمون، ويختم لهم بخير، خبر من لا ينطق عن الهوى ﷺ ، قال ﷺ «لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» (١). الطريق إلى وحدة المسلمين يحسن بنا في هذا العصر الذي تفجرت فيه المعلومات، وكثر فيه القُرَّاء والعلماء والباحثون، وتحررت فيه عقول من قيود التبعية لغير الله ورسوله، وبما أن الأساس الذي لا يختلف عليه المسلمون هو الإيمان بالله ربا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا وبالإسلام دينا، ولم تخدش وحدة المسلمين إلا بموت رسول الله وما تلا ذلك من أمر الخلافة، خلاف حدث بين أصحاب رسول الله في الاستحقاق وليس في الجواز، فإننا ندعو العقلاء اليوم على اختلاف مذاهبهم، ندعوهم إلى التجرد، ودراسة الحال بينهم بتجرد كامل، ونية صادقة للوصول إلى الحق وقبوله والعمل به، طاعة لله ورسوله، وعودة بالمسلمين إلى وحدة الاعتقاد والإتباع والمنهج، متخذين قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢)، شعارا للتجرد والإنصاف، وإذا كان الإصلاح بين المؤمنين مطلوباً في الحقوق الخاصة والعامة، فإنه في العقيدة أوجب الوجبات، إن رسول الله يقول: «ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين: اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة» (٣)، وما دام الأمر كذلك نتساءل ما أسباب هذا الافتراق؟ ، والجواب لم نقف

стр. 180

على سبب فرَّق الأمم السابقة سوى الاعتقاد، وما بعث الله رسولا إلا قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (١)، قالها نوح، وإبراهيم، وهود، وصالح، وشعيب، وموسى، وعيسى، ﵈، كانت دعوتهم متفقة على عبادة الله وحده لا شريك له؛ لأنها محور الوحدة بين العباد، وهي سبيل الله الذي لا يضيع سالكه أبدا؛ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٢)، ونهى تعالى عن سلوك أي سبيل آخر لأنها طرق ضلال نهايتها إبعاد سالكها عن الصواب؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٣)، أكد تعالى هذا الشأن بأن جعله وصيته لعباده، لأن الوصية زيادة حرص على الموصى به، والعمل بها مضمون العاقبة؛ قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤)، وأكثر مما ذكرت أن الله تعالى طالب كل أمة بعبادته وحده لا شريك له، وأمرهم باجتناب كل معبود سواه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٥)، ومع ذلك لم يُرزق بعضهم الهداية إلى عبادة الله ، قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٦). ويكفي دليلا على كثرة الفرق الضالة استعراض فرق الخوارج، والرافضة، ومن تسموا بالشيعة، وفرق الصوفية فإنه يُرى العجب العجاب من كثرة الفرق واختلافها في العقيدة والمنهج، وما بينها من العداوة والبغضاء؛ يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا، ومن كان له عقل نظيف يجزم بأنهم ليسوا من الناجين،
следующие страницы →