التي كانت مع علي يظهر منها تنقص لأبي بكر وعمر، ولا فيها من يقدم عليا على أبي بكر وعمر، ولا كان سب عثمان شائعا فيها، وإنما كان يتكلم به بعضهم فيرد عليه آخر، وكذلك تفضيل علي عليه لم يكن مشهورا فيها، بخلاف سب علي فإنه كان شائعا في أتباع معاوية، ولهذا كان علي وأصحابه أولى بالحق، وأقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، كما في الصحيح (١) عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين فتقتلهم أولى الطائفتين بالحق».
وكان سب علي ولعنه من البغي الذي استحقت به الطائفة أن يقال لها: الطائفة الباغية، كما رواه البخاري في صحيحه (٢) عن خالد الحذاء، عن عكرمة قال: قال لي ابن عباس ولابنه علي: " انطلقا إلى أبي سعيد واسمعا من حديثه فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه فأخذ رداءه فاحتبى به ثم أنشأ يحدثنا حتى إذا أتى على ذكر بناء المسجد فقال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ ، فجعل ينفض التراب عنه ويقول: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن" (٣) ورواه مسلم عن أبي سعيد أيضا قال: "أخبرني من هو خير مني أبو قتادة: أن رسول الله ﷺ قال لعمار - حين جعل يحفر الخندق - جعل يمسح رأسه ويقول: «بؤس ابن سمية تقتله فئة باغية» ورواه مسلم (٤) أيضا عن أم سلمة، عن النبي ﷺ أنه قال: «تقتل عمارا الفئة الباغية».
وهذا أيضا يدل على صحة إمامة علي، ووجوب طاعته، وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة، والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار - وإن كان متأولا - أنه لم يكن يجوز قتال علي، وعلى هذا فمقاتله مخطئ، وإن كان متأولا، أو باغ بلا تأويل،
стр. 107
وهو أصح القولين، وهو الحكم بتخطئة من قاتل عليا، وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين.
وكذلك أنكر يحيى بن معين على الشافعي استدلاله بسيرة علي في قتال البغاة المتأولين، قال: أيجعل طلحة والزبير بغاة؟ ! ، رد عليه الإمام أحمد فقال ويحك وأي شيء يسعه أن يضع في هذا المقام: يعني إن لم يقتد بسيرة علي في ذلك لم يكن معه سنة من الخلفاء الراشدين في قتال البغاة. والقول الثاني: أن كلاً منهما مصيب، وهذا بناء على قول من يقول: كل مجتهد مصيب.
وهو قول طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية.
وفيها قول ثالث: أن المصيب واحد لا بعينه، ذكر الأقوال الثلاثة ابن حامد والقاضي وغيرهما.
وهذا القول يشبه قول المتوقفين في خلافة علي من أهل البصرة، وأهل الحديث، وأهل الكلام: كالكرامية الذين يقولون: كلاهما كان إماما، ويجوزون عقد الخلافة لاثنين.
لكن المنصوص عن أحمد تبديع من توقف في خلافة علي، وقال: هو أضل من حمار أهله، وأمر بهجرانه ونهى عن مناكحته ولم يتردد أحمد ولا أحد من أئمة السنة في أنه ليس غير علي أولى بالحق منه، ولا شكوا في ذلك.
فتصويب أحدهما لا بعينه تجويز لأن يكون غير علي أولى منه بالحق وهذا لا يقوله إلا مبتدع ضال، فيه نوع من النصب، وإن كان متأولا، لكن قد يسكت بعضهم عن تخطئة أحد، كما يمسكون عن ذمه والطعن عليه، إمساكا عما شجر بينهم، وهذا يشبه قول من يصوب الطائفتين.
ولم يسترب أئمة السنة وعلماء الحديث: أن عليا أولى بالحق وأقرب إليه، كما دل عليه النص، وإن استرابوا في وصف الطائفة الأخرى بظلم أو بغي، ومن وصفها بالظلم والبغي - لما جاء من حديث عمار - جعل المجتهد في ذلك من أهل التأويل.
يبقى أن يقال: فالله تعالى قد أمر بقتال الطائفة الباغية، فيكون قتالها كان واجبا مع علي، والذين قعدوا عن القتال هم جملة أعيان الصحابة: كسعد، وزيد، وابن عمر،
стр. 108
وأسامة، ومحمد بن مسلمة، وأبي بكرة، وهم يروون النصوص عن النبي ﷺ في القعود عن القتال في الفتنة، وقوله ﷺ : «القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، والساعي فيها خير. . .» الحديث (١) وقوله: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» (٢) وأمره لصاحب السيف عند الفتنة أن يتخذ سيفا من خشب، جاء علي بن أبي طالب إلى أُبي فدعاه إلى الخروج معه، فقال له أُبي: "إن خليلي وابن عمك عهد إلي إذا اختلف الناس أن أتخذ سيفا من خشب، فقد اتخذته، فإن شئت خرجت به معك" (٣) وبحديث أبي بكرة للأحنف بن قيس لما أراد أن يذهب ليقاتل مع علي، وهو قوله: ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» (٤) الحديث. والاحتجاج على ذلك بقوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٥) وهذا مذهب أهل الحديث وعامة أئمة السنة، حتى قال: لا يختلف أصحابنا أن قعود علي عن القتال كان أفضل له لو قعد، وهذا ظاهر من حاله في تلومه في القتال، وتبرمه به، ومراجعة الحسن ابنه له في ذلك، وقوله له: ألم أنهك يا أبت؟ ، وقوله: لله در مقامٍ قامه سعد بن مالك، وعبدالله بن عمر، إن كان برا إن أجره لعظيم، وإن كان إثما إن خطأه ليسير.
وهذا يعارض وجوب طاعته، وبهذا احتجوا على الإمام أحمد في ترك التربيع بخلافته، فإنه لما أظهر ذلك قال له بعضهم: إذا قلت كان إماما واجب الطاعة ففي ذلك طعن على طلحة والزبير، حيث لم يطيعاه بل قاتلاه، فقال لهم: أحمد: إني لست من حربهم في شيء - يعني أن ما تنازع فيه علي وإخوانه - لا أدخل بينهم فيه، لما بينهم من الاجتهاد والتأويل الذي هم أعلم به مني، وليس ذلك من مسائل العلم التي تعنيني، حتى أعرف حقيقة حال كل واحد منهم، وأنا مأمور بالاستغفار
стр. 109
لهم، وأن يكون قلبي لهم سليما، ومأمور بمحبتهم وموالاتهم، ولهم من السوابق والفضائل ما لا يهدر، ولكن اعتقاد خلافته وإمامته ثابت بالنص، وما ثبت بالنص وجب اتباعه، وإن كان بعض الأكابر تركه، كما أن إمامة عثمان وخلافته ثابتة إلى حين انقراض أيامه، وإن كان في تخلف بعضهم عن طاعته أو نصرته، وفي مخالفة بعضهم له من التأويل ما فيه، إذ كان أهون مما جرى في خلافة علي.
وهذا الموضع هو الذي تنازع فيه اجتهاد السلف والخلف: فمن قوم يقولون بوجوب القتال مع علي كما فعله من قاتل معه، وكما يقول كثير من أهل الكلام والرأي الذين صنفوا في قتال أهل البغي، حيث أوجبوا القتال معه، لوجوب طاعته ووجوب قتال البغاة، ومبدأ ترتيب ذلك من فقهاء الكوفة واتبعهم آخرون.
ومن قوم يقولون: بل المشروع ترك القتال في الفتنة، كما جاءت به النصوص الكثيرة المشهورة، كما فعله من فعله من القاعدين عن القتال، لإخبار النبي ﷺ أن ترك القتال في الفتنة خير وأن الفرار من الفتن باتخاذ غنم في رؤوس الجبال خير من القتال فيها، وكنهيه لمن نهاه عن القتال فيها، وأمره باتخاذ سيف من خشب، ولكون علي لم يذم القاعدين عن القتال معه، بل ربما غبطهم في آخر الأمر.
ولأجل هذه النصوص لا يختلف أصحابنا أن ترك علي القتال كان أفضل، لأن النصوص صرحت بأن القاعد فيها خير من القائم، والبعد عنها خير من الوقوع فيها، قالوا: ورجحان العمل يظهر برجحان عاقبته، ومن المعلوم أنهم إذا لم يبدؤوه بقتال، فلو لم يقاتلهم لم يقع أكثر مما ووقع من خروجهم عن طاعته، لكن بالقتال زاد البلاء، وسفكت الدماء، وتنافرت القلوب، وخرجت عليه الخوارج، وحكم الحكمان، حتى سمي منازعه بأمير المؤمنين، فظهر من المفاسد ما لم يكن قبل القتال، ولم يحصل به مصلحة راجحة.
وهذا دليل على أن تركه كان أفضل من فعله، فإن فضائل الأعمال إنما هي بنتائجها وعواقبها، والقرآن إنما فيه قتال الطائفة الباغية بعد الاقتتال، فإنه قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا
стр. 110
الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١)، فلم يأمر بالقتال ابتداء مع واحدة من الطائفتين، لكن أمر بالإصلاح وبقتال الباغية، وإن قيل: " الباغية يعم الابتداء والبغي بعد الاقتتال، قيل: فليس في الآية أمر لأحدهما بأن تقاتل الأخرى، وإنما هو أمر لسائر المؤمنين بقتال الباغية، والكلام هنا: إنما هو في أن فعل القتال من علي لم يكن مأمورا به، بل كان تركه أفضل، وأما إذا قاتل لكون القتال جائزا وإن كان تركه أفضل، أو لكونه مجتهدا فيه وليس بجائز في الباطن: فهنا الكلام في وجوب القتال معه للطائفة الباغية، أو الإمساك عن القتال في الفتنة، وهو موضع تعارض الأدلة، واجتهاد العلماء والمجاهدين من المؤمنين بعد الجزم بأنه وشيعته أولى الطائفتين بالحق، فيمكن وجهان: أحدهما: أن الأمر بقتال الطائفة الباغية مشروط بالقدرة والإمكان، إذ ليس قتالهم بأولى من قتال المشركين والكفار، ومعلوم أن ذلك مشروط بالقدرة والإمكان، فقد تكون المصلحة المشروعة أحيانا هي التآلف بالمال والمسالمة والمعاهدة، كما فعله النبي ﷺ غير مرة، والإمام إذا اعتقد وجود القدرة ولم تكن حاصلة كان الترك في نفس الأمر أصلح (٢).
موقف علي ﵁ من الخلفاء قبله ﵃ -
موقفه من أبي بكر:
روى علي بن أبي طالب ﵁ قال: قام أبو بكر بعدما استخلف بثلاث، فقال: من يَستَقيلُني بيعتي فأقيله؟ ، فقلت: والله لا نقيلك، ولا نستقيلك، من ذا الذي يؤخرك وقد قدمك رسول الله ﷺ (٣)، هذا كلام علي بن أبي طالب ﵁ الحكم العدل في خلافة أبي بكر، ولذلك مما قال: ... فمشيتُ عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته، ونهضتُ في تلك الأحداث - حروب الردة - حتى زاغ الباطل وزهق، وكانت كلمة الله هي العليا
стр. 111
ولو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسر وسدد وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهداً (١)، وقال لما توفي أبوبكر ﵁: "رحمك الله أبا بكر، كنت إلف رسول الله، وأنسه ومستراحه، وموضعا لسره ومشاورته، وأول القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غنى في دين الله، وأحوطهم على رسول الله ﷺ ، وأحدبهم على الإسلام، وأيمنهم على أصحابه وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقبا، وأكثرهم سوابقا، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأقربهم من رسول الله ﵁ مجلسا، وأشبههم به هديا وخلقا وسمتا وفعلا، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده، فجزاك الله عن الإسلام خيرا، وعن رسول الله ﷺ خيرا، صدَّقت رسول الله ﷺ حين كذبه الناس، فسماك الله في تنزيله صديقا فقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢)، واسيت رسول الله ﷺ حين تخلوا، وقمت معه عند المكاره حين عنه قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم الصحبة، ثاني اثنين، وصاحبه في الغار، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة، ومواطن الكره، خلفته في أمته بأحسن الخلافة حين ارتد الناس، وقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي، قويت حين ضعُف أصحابك، ونهضت حين وهنوا، وبرزت حين استكانوا، ولزمت منهاج رسول الله ﷺ إذ هَمُّوا، وقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا، مضيت بنور إذ وقفوا، فاتبعوك فهُدوا، كنت أخفضهم صوتا، وأعلاهم فوقا، وأقلهم كلاما، وأصوبهم منطقا، وأطولهم صمتا، وأبلغهم قولا، وأكبرهم رأيا، وأشجعهم نفسا، وأشدهم يقينا، وأحسنهم عقلا، وأعرفهم بالأمور، كنت والله للدين يعسوبا أولا حين نفر عنه الناس، وأخيرا حين أقبلوا، كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا، ورعيت ما أهملوا، وحفظت ما أضاعوا لعلمك بما جهلوا، شمرت إذ خنعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ جزعوا، وأدركت آثار ما طلبوا، وراجعوا رشدهم برأيك، فظفروا ونالوا بك ما لم يحتسبوا،
стр. 112
كنت على الكافرين عذابا صبا، وللمسلمين غيثا وخصبا، فطرت والله بغنائها، وفزت بجبائها، وذهبت بفضائلها، وأدركت سوابقها، لم تُفَل حجتك، ولم تضعُف نصرتك، ولم تختر نفسَك، ولم يزغ قلبك، كنت كالجبل، فلا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله ﷺ : «أمَنَّ الناس عليه في صحبتك وذات يدك» وكنت ضعيفا في بدنك، قويا في أمر الله، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله، جليلا في أعين المؤمنين، كبيرا في أنفسهم، لم يكن لأحد فيك مغمز، ولا لقائل فيك مهمز، ولا لأحد فيك مطمع، ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ له بحقه، والقوي العزيز عندك ذليل حتى تأخذ منه الحق، القريب والبعيد في ذلك سواء، أقرب الناس إليك أطوعهم لله وأتقاهم له، شأنك الحق والصدق والرفق، قولك حق وحتم، وأمرك حكم وحزم، ورأيك علم وعزم، فأقلعت وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأُطْفئت النيران، وقوي الإيمان، واعتدل بك الدين، وثبت الإسلام والمسلمون، وقوي الإيمان، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، فسبقت والله سبقا بعيدا، وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا، وفزت بالخير، فجللت عن البكا، وعظمت رزيتك في السماء، وهدت مصيبتك الأنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا له أمره، فو الله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله ﷺ بمثلك أبدا، كنت للدين عزا وحرزا وكهفا، وللمؤمنين فيئا وحصنا وغيثا، فألحقك الله بميتة نبيك، ولا أحرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك، فإنا لله وإنا إليه راجعون"، فسكت الناس حتى انقضى كلامه، ثم بكوا عليه حتى علت أصواتهم، وقالوا: صدقت يا ابن عم رسول الله ﷺ (١)، وقال ﵁: لله بلاء أبي بكر لقد قوم الأود، وداوى العلل، واقام السنة، وخلف البدعة، وذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها واتقى شرها، أدى لله طاعة واتقاه بحقه. . . . الخ (٢)، هذا كلام علي بن أبي طالب ﵁، نطق بالحق في تأبين أبي بكر ﵁، وشهد بما علم، وأنعم بشهادة من عرف لله حقه ولرسول الله حقه، ولأبي بكر حقه، وقال محمد بن
стр. 113
الحنفية ﵀: قلت لأبي: "يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: يا بني، أو ما تعرف؟ ! فقلت؟ لا، قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: ثم عثمان! فقلت: ثم أنت؟ فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين" (١)، ولما توفي أبو بكر ﵁ تزوج علي ﵁ أسماء بنت عميس بعده وربا ابنه محمد صغيرا، وولاه كبيرا على مصر ونشبت بينه وبين عمرو بن العاص حرب سنة (٣٨)(٢)، كان عمرو ﵁ في صف معاوية ﵁، وكان الحكم مع أبي موسى ﵁ فمكر بأبي موسى، وقد اتفقا على أن يخلع كل منهما صاحبه ويختار الناس، فلم يفعل عمرو ﵁، اجتهد فأخطأ، وقد ندم عند فاته ﵁ فقال: "اللهم إنك أمرت عمرو بن العاص بأشياء فتركها، ونهيته عن أشياء فارتكبها، فلا إله إلا أنت، لا إله إلا أنت.
قالها ثلاثا جامعا يديه معتصما بهما حتى قبض (٣).
قال ابن شماسة المهري: "حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياقة الموت، يبكي طويلا، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه، أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ ، أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ ، قال: فأقبل بوجهه، فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، إني قد كنت على أطباق ثلاث، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله ﷺ مني، ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه، فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: «ما لك يا عمرو؟ » قال: قلت: أردت أن أشترط، قال: ... «تشترط بماذا؟ » قلت: أن يغفر لي، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ » وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ ، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء ما أدري
стр. 114
ما حالي فيها، فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة، ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي" (١).
ونقول تبا لأولئك الناقمين على أبي بكر ﵁ انتصارا لإخوانهم المرتدين، مستدلين بروايات مصنوعة مزورة، معرضين عن حقائق الكتاب والسنة، موغلين في عداوة الإسلام وأهله، ومن التزوير ما جاء في كتاب التحفة الاثني عشرية: إذ حذف الشريف الرضى صاحب نهج البلاغة حفظا لمذهبه الفاسد، حذف لفظ أبي بكر وأثبت بدله: فلان، وتأبى الأوصاف إلا أبا بكر، ولهذا الإيهام اختلف الشراح، فقال البعض هو أبو بكر، وقال آخرون: هو عمر، ورجح الأكثرون الأول، وهو الحق، والعجب أن الناقمين على الصحابة وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، يفعلون ذلك بزعمهم حب آل البيت، وهم والله برآء من حب آل البيت، لأنه حب عار عن الصدق اتخذوه لغايات يسعون لتحقيقها، بدعوى الحب الكاذب، حتى صار ذلك عارا على آل البيت، قال عليّ بن الحسين ﵀ وكان أفضل هاشمي في زمانه: "أيها الناس أحبونا بحب الإسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارًا" (٢).
قلت ليس حب آل البيت عارا، ولكن لكثرة ما وضع له من الزور والكذب عليهم فردا فردا روايات لا يصدقها مجنون فضلا عن عاقل أصبح حب آل البيت عارا بسببها، ونِعْم حب آل البيت عند أهل السنة، إنه حب الإسلام الذي نشده علي بن الحسين ﵀.
أما الرافضة فقد أخبر بهلاكهم وضلالهم عليٌّ نفسه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فيك مَثَلٌ من عيسى بن مريم أبغضته يهود، حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليس به».
стр. 115
قال: ثم قال علي ﵁: "يهلك فيَّ رجلان: محب مطْرٍ يفرط لي بما ليس فيَّ، ومبغض مفترٍ يحمله شنآني على أن يبهتني" (١).
هذا النص طابق الواقع فاليهود أبغضوا عيسى ﵇، ورموا أمه ﵍ بالزنا، والخوارج أبغضوا عليا ﵁ حتى بهتوه، والنصارى أحبو عيسى ﵇ حتى جعلوه ابن الله، والرافضة زعموا حب علي ﵁ حتى مدحوه بما ليس فيه، وألقوا عليه من صفات الإله ما شاؤوا، بل جعله النصيرية - وهم من الرافضة - إلها وعبدوه، ولذلك قال ﵁: يهلك فيَّ رجلان: محب مطْرٍ يفرط لي بما ليس فيَّ، ومبغض مفترٍ يحمله شنآني على أن يبهتني.
ومراده هاتان الفرقتان الضالتان، وهما من أهل النار، قال علي ﵁: «لَيَحبني قوم حتى يدخلوا النار في حبي، ولَيَبغضني قوم حتى يدخلوا النار في بغضي» (٢)، وقال ﵁: «اللهم العن كل مبغضٍ لنا، وكل محبٍ لنا غال» (٣).
موقف علي من عمر ﵄:
دخل علي ﵁ في بيعة عمر ﵁، وكان من أعظم أعوانه على الحق، وكان يذكره بالخير ويثني عليه في كل مناسبة، قال ﵁: إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر، ما كنا نعدُّ أن السكينة لا تنزل إلا على لسان عمر (٤)، ورفض علي ﵁ ذهاب الخليفة عمر ﵁ للاشتراك في فتح فارس خوفا على حياته، وقال له: إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله تعالى الذي أظهره، وجنده الذي أعده وأمده حتى بلغ ما بلغ وطلع حيثما طلع، ونحن على وعد من الله تعالى حيث قال عز اسمه ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا
стр. 116
يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١)، والله تعالى منجز وعده وناصر جنده، ومكان القيم بالأمر في الإسلام مكان النظام من الخرز، فإن انقع النظام تفرق الخرز، ورب متفرق لم يجتمع، والعرب اليوم، وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع، فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب واصْلَهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتفضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها.
إن العجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا: هذا أصل العرب، فإذا قطعتموه استحرتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك (٢). وقلت: نعم المشير والمستشار علي ﵁، لقد نصح لله ولرسوله ولعمر أمير المؤمنين، وللأمة كلها، سبحان الله كأنه يسمع ويرى موقف الرافضة اليوم من عمر ﵁.
عمر ﵁ ابن بنت عمة رسول الله ﷺ ، وعمة علي أيضا، سمَّى عليٌّ بعمر ﵄، والمسمى هو عمر بن علي بن أبي طالب ولعلي منه حفيد اسمه محمد، ولمحمد حفيد اسمه عبدالله، روى عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه محمد، عن أبيه عمر، عن جده علي عدة أحاديث (٣).
موقف علي من عثمان ﵄:
إن العاقل ليعجب أشد العجب من ادعاء الرافضة أنهم شيعة علي بن أبي طالب ﵁، وهم يتجاهلون حبه للخلفاء الثلاثة قبله: أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃، وأقواله الصحيحة الصريحة برهان يدق أنوف الرافضة، فقد قال في أبي بكر وعمر ﵄: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وبعد أبي بكر عمر، ولو شئت أخبرتكم بالثالث» (٤)، وقال عبد الله بن عمر ﵄: «كنا نتحدث على عهد رسول الله ﷺ : إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر،
стр. 117
ثم عثمان، فيبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره» (١)، وقال علي ﵃: «لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري» (٢)، وزوج عمر بنته ... أم كلثوم الكبرى ولدت لعمر زيدا ورقية، وقد قدمنا نص الخطبة العصماء التي أبَّنَ بها علي أبا بكر ﵄، لأن أبا بكر كان صديق علي في عهد رسول الله ﷺ ، ثم صار بعد ذلك خليفة رسول الله ﷺ ، وإماما لخيار الأمة ومنهم علي ﵁، وكذلك تمنى أن يلقى الله بمثل عمل عمر ﵃، هذه أخوة الإسلام.
ومن حب علي للثلاثة سمى بهم أولاده، ومن أحب إنسانا أبدى تكريمه، ومن تكريم علي لأبي بكر ﵄ أنه سمى أحد أبنائه أبا بكر، فأبو بكر بن علي بن أبي طالب ﵁، قتل مع أخيه الحسين بن علي ﵁ في يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وأمه ليلى ابنة مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم (٣).
وعمر بن علي بن أبي طالب، من نسله عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب سمى أحد بنيه أبا بكر، والآخر باسم عمر وعثمان بن علي بن أبي طالب، له رواية (٤)، وتتوالى التسمية بالثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان من أبناء علي بن أبي طالب ﵃، فالحسن بن علي ﵁ يسمي ولده أبا بكر وهو أبو بكر بن الحسن بن علي، وأمه أم ولد (٥)، وسمى عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب (٦)، وله منه حفيد اسمه: محمد له رواية، ولم يتخلف الحسين ﵁ عن التبرك بأسماء الثلاثة فقد سمى أبا بكر بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٧)، وسمى عمر بن
стр. 118
الحسين بن علي (١)، وله منه حفيد اسمه: علي ومن نسله: أبو عبد الله الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن الحسين بن علي بن أبي طالب، يروي بسند عن أبي هريرة ﵁ (٢)، وكذلك علي زين العابدين سمى، عمر بن علي زين العابدين بن الحسين (٣) , وسمى عثمان بن علي بن الحسين، له رواية عن أبيه (٤)، وكذلك عبد الله بن جعفر بن أبي طالب سمى أحد بنيه باسم أبي بكر وسمى ابنا آخر له باسم معاوية، ومعاوية هذا سمى أحد بنيه يزيد (٥)، فأصبح من آل هاشم معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وحفيده يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
ولهذا كان الشيعة المتقدمون متفقين على تفضيل أبي بكر وعمر.
نقل عبد الجبار الهمداني من كتاب: تثبيت النبوة أن أبا القاسم نصر بن الصباح البلخي قال في كتاب النقض على ابن الراوندي: سأل شريك بن عبد الله فقال له: "أيهما أفضل: أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر، فقال السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ ! فقال له: نعم: من لم يقل هذا فليس شيعيا! ! والله لقد رقى هذه الأعواد علي فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، فكيف نرد قوله، وكيف نكذبه؟ والله ما كان كذابا" (٦)، وهكذا حال الناس حتى في الكوفة، ولم ينتقض الأمر إلا بظهور دعاة الضلال، قال أبو إسحاق السبيعي ﵀: "خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما، وقدمت الآن الكوفة وهم يقولون ويقولون، ولا والله ما أدري ما يقولون" (٧)، فأبو اسحاق أنكر تلك
стр. 119
الأقاويل، ونفى علمه بها في السابقين، وهذا ما كان عليه جميع الصحابة ﵃، ومنهم علي ﵁ قد تواتر عنه من طرق كثيرة قيل: إنها تبلغ ثمانين طريقا أنه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم وعمر» (١)، ومن بعد الصحابة التابعون، قال ليث بن أبي سليم ﵀: "أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدا"، وقال مسروق وطاووس - وهما من أجل التابعين رحمهما الله: "حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة" (٢).
قلت: هذا موقف العالمين بقدر وفضل آل البيت، بعيدا عن الغلو والزندقة، هم شيعة الحق والهدى، ليسوا كمن رفض الحق وانتحل الكذب والزور والبهتان، وصنع من آل البيت آلهة يعبدون من دون الله ، كل ذلك من أجل الكيد لخير القرون ومن تبعهم بإحسان، أهل السنة والجماعة السائرين على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، فهم الطائفة المنصورة لا يضرهم من خالفهم حتي يأتي وعد الله .
ختم الخلافة ووحدة الأمة:
بقتل علي ﵁ وتنازل الحسن ﵁ ختمت خلافة النبوة، وختمت وحدة الأمة على المنهج النبوي، وصار للسنة مدلولان:
الأول: يطلق على المنهج المخصوص بالسلوك والاتباع لأمر الكتاب والسنة فعلا وتركا، وهو ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃، فلما قُتل علي ﵁ وظهرت البدعة في الدين وصار لها شيع وأنصار، وجُعل لكل شيعة منها اسم، وأُطلق على الملتزمين بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃، والذين اتبعوهم لقب: أهل السنة والجماعة، فالمراد بالسنة هنا معناها اللغوي، والتعريف فيها للعهد.
الثاني: إطلاق السنة على أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته وشمائله، ويطلق عند الفقهاء على ما واظب عليه ﷺ غالباً لا على سبيل الوجوب، وبالمدلول الأول اللغوي يأخذ كل من ابتدع في الدين ولهم في ذلك اصطلاحات وقواعد في إثبات
стр. 120
السنة ونفيها وتأويلها وتعارضها، كما أن للفقهاء والمتكلمين المنسوبين إلى السنة والجماعة بالمعنى الأصلي قواعد في ذلك.
ومن هنا يتبين أن ما كان عليه السلف في الصدر الأول لم يسمَّ مذهباً في الإسلام، لأنه هو الإسلام كله، وهو كلٌ لا يتجزأ، ولا يجوز أن تفترق فيه الأمة، وقد أمرنا الله بإقامة ذلك المنهج، وهو الدين: وصيته تعالى إلى الأنبياء، ومنهم نبينا محمد ﷺ ، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١)، لكن من غفلة البعض سمّى ذلك مذهبا ليقابل به مذاهب المبتدعين، وكذلك مسمى السلف أو السلفية أُطلق على غير الواقع، فاعتبار مسمى "السلف" أو "السلفية" مذهبا غيرُ صحيح، الصحيح أنه دليل على التزام المنهج المخصوص بالسلوك والاتباع، المجافي للابتداع في الدين، والغلو فيه، لأن القرآن إمام رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ إمام لأصحابه ﵃، وأصحابه أئمة لمن بعدهم، وهم التابعون ﵏، هكذا أهل السنة والجماعة، كانوا متفقين هم ومن بعدهم في الرد على أصحاب الأهواء، وقد تسكع أصحاب الأهواء بآرائهم فأحدثوا بدعا مختلفة؛ جائرة عن القصد ومفارقة عن الصراط المستقيم.
فالمراد "بالسلف" أو "السلفية" الذين آثروا منهج الرسول ﷺ ولم يحيدوا عنه ولاسيما في الاعتقاد، ولذلك كبُر على المبتدعين ما دعا إليه السلفيون، أعني أهل السنة والجماعة، فسماهم الروافض النواصب بالنظر لغلو الرافضة في آل البيت، واعتدال أهل السنة والجماعة العارفين بفضل آل البيت، ووجوب محبتهم على السَّنن الصحيح، ويستمر السجال العقدي بين أهل السنة والغلاة بكل فرقهم وبدعهم المتنوعة، والتي لا تقف عند حد، حتى قام مجدد الاعتقاد في جزيرة العرب الإمام
стр. 121
محمد بن عبد الوهاب رحمة الله علينا وعليه، معتمدا براهين الكتاب والسنة، لم يجاوز ما قال الله في كتابه العزيز، وما صح من سنة رسول الله ﷺ بأقسامها الثلاثة، ولاقت دعوة الإمام التصحيحية قبولا ولاسيما في جزيرة العرب، وقامت على نهج تلك الدعوة المباركة دولة التوحيد المباركة، فلم يرُقْ ذلك لأهل الأهواء ناشري الضلال، من الأئمة المضلين وأتباعهم الغوغائيين، فلقبوهم وقالوا: "وهابيون" نسبة إلى الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمة الله علينا وعليه، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب في الفقه على مذهب الإمام أحمد إمام أهل السنة، وفي العقيدة على اعتماد السلف منهج الكتاب والسنة الصحيحة والعمل بذلك، وكذلك الإمام محمد بن سعود على ذلك.
وبالمناسبة ما يزعم الناس من تسمية أهل السنة "بالوهابية" غلط كبير وقع فيه الأعداء، والجهال بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فالأعداء أخذوا عيوب الفرقة الوهابية أتباع إمام الإباضية بالمغرب عبد الوهاب بن رستم، وهم من الخوارج، وقد انشقت عنهم فرقة النكارية؛ لأنهم أنكروا على عبد الوهاب بن رستم، وأتباعه أمورا لم يوافقوهم فيها (١)، فأخذ أعداء دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب يلصقون عيوب تلك الفرقة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، واتبعهم الجهال من المسلمين، لأمور: منها العنصرية العمياء، أو السياسة الضالة، أو التدين بالبدع والخرافات، أو الجهل بكل ذلك واتباع كل ناعق.
ومن هنا تعلم عداوة المبتدعين لمنهج السلف، لأن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله علينا وعليه، أحيا منهج السلف في الاعتقاد والسلوك، فكل من يرمي متبعي هذا المنهج بلقب "الوهابية" فهو مبتدع ولا ريب، وقد فارق المنهج السوي، فالسلفيون هم الذين لا يقعون في الإفراط، ولا يقبلون التفريط، أمة وسط بين الغلاة والمفرطين.
стр. 122
الحقد على الإسلام
في عهد رسول الله ﷺ -:
لم يرسل الله نبيا من الأنبياء إلا عاداه قومه، وكذبه الكثيرون منهم، إلا ما كان من أمر قوم يونس فإنهم آمنوا به ولم يكذبوه فمتعهم الله إلى حين، قال تعالى: ... ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (١)، وكذلك نبينا محمد ﷺ لم يؤمن به فئام من الناس، وإن كان المؤمنون به هم أكثر الأمم يوم القيامة، قال ﷺ : «عرضت علي الأمم فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط، والنبي ليس معه أحد، حتى رفع لي سواد عظيم قلت: ما هذا؟ أمتي هذه؟ ، قيل: هذا موسى وقومه، قيل: انظر إلى الأفق فإذا سواد يملأ الأفق، ثم قيل لي: انظر ها هنا وها هنا في آفاق السماء، فإذا سواد قد ملأ الأفق، قيل: هذه أمتك ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفا بغير حساب» (٢).
ومع هذه الكثرة من المؤمنين به ﷺ فإن أعداءً بقوا على مر العصور وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولذلك قال ورقة بن نوفل لنبينا محمد ﷺ لما أخبره بما كان يرى: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعا، أكون حيا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : «أو مخرجي هم؟ ! » فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا (٣)، وفعلا كاد له كفار قريش وأخرجوه ومن آمن معه، واستقبله الأنصار في المدينة فأعزه الله ومن هاجر معه بنصرتهم ﵃، ومع ذلك كاد له اليهود، حاولوا اغتياله حين خرج إلى بني النضير يستعينهم في عقل الكلابيين، وكانوا قد دسوا إلى قريش حين نزلوا بأحد في قتال رسول الله ﷺ ، فحضّوهم على القتال، ودلّوهم على العورة، فلما كلمهم رسول الله ﷺ في عقل الكلابيين قالوا: اجلس أبا القاسم
стр. 123
حتى تطعم وترجع بحاجتك، ونقوم فنتشاور ونصلح أمرنا فيما جئتنا له، فجلس رسول الله ﷺ ومن تبعه من أصحابه في ظل جدار، ينتظر أن يصلحوا أمرهم فلما جلسوا والشيطان معهم لا يفارقهم ائتمروا بقتل رسول الله ﷺ فقالوا: لن تجدوه أقرب منه الآن، فاستريحوا منه تأمنوا في دياركم، ويرفع عنكم البلاء فقال: رجل إن شئتم ظهرت فوق البيت ودليت عليه حجرا فقتلته، فأوحى الله إليه ﷺ فأخبره بما ائتمروا من شأنه، فعصمه الله ، فقام رسول الله ﷺ كأنه يريد يقضي حاجة، وترك أصحابه في مجلسهم، وانتظر أعداء الله فراث عليهم، وأقبل رجل من أهل المدينة فسألوه عنه فقال: لقيته قد دخل أزقة المدينة، فقالوا لأصحابه: عجل أبو القاسم أن يقيم أمرنا في حاجته التي جاء بها، ثم قام أصحاب رسول الله ﷺ فرجعوا، ونزل القرآن قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١)، فلما أظهر الله رسوله على ما أرادوا به، وعلى خيانتهم لله ولرسوله، أمر بإجلائهم وإخراجهم من ديارهم، وأمرهم أن يسيروا حيث شاؤوا (٢)، ولم تكن محاولة اغتيال رسول الله نبينا محمد ﷺ الأخيرة فقد دُس له السم في الطعام، أهدت له يهودية بخيبر شاةً مصلية سمتها فأكل رسول الله ﷺ منها، وأكل القوم فقال: «ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة» فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري، فأرسل إلى اليهودية فقال: «ما حملك على الذي صنعت؟ » قالت: "إن كنت نبيا لم يضرك الذي صنعت، وإن كنت ملكا أرحت الناس منك"، فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت، ثم قال في وجعه الذي مات فيه: «ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر فهذا أوان قطعت أبهري» (٣)، وهذه مكرمة لرسول الله ﷺ لينال أجر الشهيد، ولم تكن المواجهة في غزواته ﷺ إلا مع الأعداء، وأطلعه الله على من أظهر له الإيمان وأبطن الكفر، ونهاه أن يصلي على أحد مات
стр. 124
منهم، ولا يقم على قبره، فقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١) وأخبر بهم حذيفة بن اليمان ﵁ ليقي أصحابه من بعده شرهم، فكان عمر بن الخطاب ﵁ يخشى على نفسه من ذلك، مات رجل من المنافقين فلم يصل عليه حذيفة ﵁، فقال له عمر ﵁: أمن القوم هو؟ ، قال: نعم، فقال له عمر: بالله منهم أنا؟ ، قال: لا، ولن أخبر به أحدا بعدك (٢)،
وقال حذيفة ﵁: ما بقي من المنافقين إلا أربعة، أحدهم شيخ كبير، لا يجد برد الماء من الكبر (٣)، والمنافقون فضحهم الله في كتابه العزيز، تارة بأقوالهم، وأخرى بأفعالهم، وثالثة بصفاتهم:
ومثال الأقوال: قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤)، ومثال الأفعال: الشنيعة أن وقف على الثنية جماعة منهم تمالأؤا على أن يرجموا رسول الله ﷺ فأطلع الله سبحانه نبيه ﷺ على أسرارهم، فانحدر رسول الله ﷺ من الثنية، وقال لصاحبيه: حذيفة وعمار: «هل تدرون ما أراد القوم؟ » قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : «أرادوا أن يرجموني في الثنية، فيطرحوني منها» فقالا: "أفلا تأمرنا يا رسول الله فنضرب أعناقهم إذا اجتمع إليك الناس؟ "، فقال: «أكره أن يتحدث الناس أن محمدا قد وضع يده في أصحابه (٥) يقتلهم» ثم ذكر الحديث في دعائه إياهم، وأخباره إياهم بسرائرهم، واعتراف بعضهم وتوبتهم، وقبوله ﷺ منهم، قال ابن إسحاق: وأمره أن يدعو حصين بن نمير، فقال له: «ويحك ما حملك على هذا؟ » قال: "حملني عليه أني ظننت أن الله لم يطلعك عليه، فأما إذا أطلعك الله عليه وعلمته، فإني أشهد اليوم أنك رسول الله، وأني لم أؤمن بك قط
стр. 125
قبل الساعة يقينا" (١)، ولم يأمر به الرسول ﷺ لأن الأمر يتعلق به شخصيا، وما كان ينتقم لنفسه ﷺ ، ولأنه في حماية الله وعصمته، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).
ومثال الصفات قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (٤)، وخداع المنافقين لله وللمؤمنين إظهارهم بألسنتهم من القول والتصديق خلاف الذي في قلوبهم من الشك والتكذيب، ليتقي بذلك ما يخاف من المؤمنين، فقلوبهم مريضة بما أبطنوا من الكفر، ويرون ما يقومون به من فساد إصلاحاً، وهم قليلوا الذكر لله تعالى، ومن قلة ذلك عدم شهود صلاة العشاء والفجر، إلا نزرا، قال رسول الله ﷺ : «إن اثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لاتوهما ولو حبوا، ولقد هممت ان آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم الحطب، ثم أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فاحرق عليهم بيوتهم بالنار» (٥)، وكذلك من صفاتهم مداومة تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر، قال رسول الله ﷺ : «تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس فكانت بين قرني الشيطان أو على قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» (٦).
стр. 126
وقد يرد السؤال، لِمَ لم يأمر ﷺ بقتلهم وقد علم أنهم منافقون، والجواب: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يستأذنه أن يساره فأذن له، فساره في قتل رجل من المنافقين يستأذنه فيه، فجهر رسول الله ﷺ بكلامه فقال: «أليس يشهد أن لا اله الا الله؟ » قال: بلى، ولا شهادة له «قال أليس يشهد أن محمدا رسول الله؟ » قال بلى، ولا شهادة له «قال أليس يصلي؟ » قال: بلى، ولا صلاة له «قال أولئك الذين نهيت عن قتلهم» (١)، فعاملهم رسول الله ﷺ بظاهر الحال، حتى لا تقع الأمة في ضلال وحرج، فالله أخبره بالمنافقين، ولكن الأمة لن يكون لها إلا ما ظهر من حال الشخص من إقامة أركان الإسلام والإيمان ولو ظاهرا، وإلا وقعت الأمة في ضلال باتهام البريء، وعدم القدرة على تمييز المنافق من غيره، وليس للأمة إلا ما قام عليه الدليل الشرعي من الكتاب والسنة.
وما أشبه الليلة بالبارحة فقد كان عمر بن الخطاب ﵁ شديدا على المنافقين، لا يمنعهم منه إلا رسول الله ﷺ ، ولذلك ذهل حينما سمع الناس يقولون: مات رسول الله، فقال ﵁ من فرط حبه لرسول الله ﷺ وبغضه للمنافقين، وقابله المغيرة فقال: "مات رسول الله ﷺ يا عمر قال: "كذبت والله ما مات رسول الله ﷺ ، ولا يموت حتى يأمر بقتل المنافقين، بل أنت تحوشك فتنة" (٢)، وهو اليوم شديد على الرافضة فلا يطيقون ذكره بخير، تضامنا مع إخوانهم الأقدمين، وتبقى العداوة من الأشرار لله ولرسوله وعباده الصالحين، ومن أشد العداوة للإسلام اليوم الرافضة فالله يقول: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٣)، والرافضة من الذين أشركوا، وشرك الأئمة المضلين منهم وأتباعهم الغلاة شرك أكبر، وكتبهم مليئة بذلك وأقوالهم الشنيعة على الله وعلى رسوله ﷺ وعلى علي بن أبي طالب وذريته ﵃، وأفعالهم تقضي بأنهم مشركون.
стр. 127
ادعاء النبوة:
لإدعاء النبوة سببان في نظري:
الأول: زعمهم أن من ادعى النبوة إنما سلك ذلك تبعا لمن سبق، أو أنه تعلم ذلك من الكهان، أو أنه شعرٌ تلفظ به ليأخذ بألباب السامعين، فجرى المدعي على هذا الزعم.
الثاني: الرغبة في الشهرة والملك والثراء والسيادة على الناس، ولو بالدجل والكذب، وكان أول من ادعى النبوة الأسود العنسي الكاهن؛ ادعى النبوّة في اليمن واستولى على بلادها، تبعه بنو مذجح، وقاموا معه، وقائدهم سهلة بن كعب، وأخرج عمال رسول الله، فكتب رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل ﵁ وسادات اليمن، فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي بيَّته فقتله، وأخبر رسول الله بقتله ليلة قتل، فسر المسلمون، وقبض رسول الله من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول (١)، فإيمان العنسي بنبوة نبينا محمد ﷺ لم يجاوز السببين المذكورين آنفا، وهو باطل وعكسه تماما إيمان أبي مسلم الخولاني، طلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ ، قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ ، قال: نعم! ، فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائماً يصلي فيها، وقد صارت عليه برداً وسلاماً، وقدم المدينة بعد موت النبي ﷺ فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر ﵄ وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله (٢).
ولم يكن العنسي آخر من يدعي النبوة في زمن رسول الله ﷺ فمسيلمة الكذاب ادعى النبوة أيضا، وتبعه بنوا حنيفة وقاموا بأمر مسيلمة، وكتب إلى رسول الله كتابا يتضمن السبب الذي دفعه إلى ادعاء النبوة، فقال: من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإن الأرض نصفها لك ونصفها لي، فأجاب ﷺ «من محمد إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
стр. 128
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، وكان مسيلمة يقول: محمد رسول قريش، وأنا رسول بني حنيفة، فأنزل الله فيه وفي العنسي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢)، وقال رسول الله ﷺ : «بينا أنا نائم أتيت بخزائن الأرض، فوضع في كفي سواران من ذهب، فكبرا علي فأوحي الي أن انفخهما، فنفختهما فذهبا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما: صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة» (٣)، وتوفي رسول الله ﷺ ومسيلمة لا زال يدعي لنفسه النبوة، وتبعه فئام من قومه، وكذلك طليحة بن خويلد الأسدي أصابه الطمع فزعم أنه نبي، وآمن به قومه، بنو أسد، هذه الأحداث الثلاث كانت رأس الفتنة والحقد على الإسلام، أهلك الله العنسي ومن تبعه في حياة رسول الله ﷺ ، وبقيت فتنة مسيلمة، وطليحة قائمة إلى أن ولي أبو بكر ﵁ الخلافة (٤).
في عهد أبي بكر ﵁ -
وإذا كان عهد رسول الله ﷺ لم يسلم من محاولات الكيد للإسلام، وإثارة الفتنة ضد ما جاء به رسول الله ﷺ ، فلا غرو أن يُدلي الأشرار بأفكارهم، وهم أعداء الإسلام وقد تنفسوا الصعداء بانتقال رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وقد جرحوا الجسد الإسلامي، وربما آلموه أحيانا كثيرة، وأنَّى لهم القضاء عليه، تدور عليهم الدوائر، وكل عمل أتوه فهو خاسر بائر، فالمرتدون بعد وفاة رسول الله ﷺ ، لم يكن الإيمان رسخ في قلوبهم، فكان الشك في صدق رسول الله ﷺ لا زال يراودهم، فلما توفي رسول الله ﷺ ، خرجت الأفعى من حجرها، جاهدة تبث سمومها لتقتل الجسد
стр. 129
الإسلامي، وقد أدرك ذلك أبو بكر، وأعيان الصحابة من المهاجرين والأنصار ﵃، قام مالك بن التيهان الأنصاري حتى وقف على قومه، فقال: "يا معشر الأنصار، أنصتوا واسمعوا مقالتي، وتفهموا ما ألقيه إليكم، اعلموا أنه قد شمتت اليهود والنصارى بموت نبينا محمد ﵇، وقد ظهرت حسيكة أهل الردة، وعُظْم المصائب علينا أن مسيلمة الكذاب خرج بأرض اليمامة يرعد ويبرق، وقد تعلمون أنه كان يدعي النبوة في حياة نبينا ﷺ ، والآن قد بلغني أن طليحة بن خويلد الأسدي أيضا قد ادعى النبوة ببلاد نجد، وأنا والله خائف على قبائل العرب أن ترتد عن دين الإسلام، فإن لم يقم بهذا الأمر رجل من بني هاشم، أو رجل من قريش فهو والله الهلاك والبوار"، وقد همت أكثر القبائل بالردة، بل أعلن بعضها عدم دفع الزكاة: الركن الثالث من أركان الإسلام، واجتمعت بنو حنيفة إلى مسيلمة الكذاب بأرض اليمامة، فقلدوه أمرهم وادعى أنه نبيهم، فارتدت بنو أسد ورأسوا على أنفسهم طليحة بن خويلد الأسدي، وهو الذي ادعى النبوة في أرض بني أسد، وارتدت فزارة ورأسوا عليهم عيينة بن حصن الفزاري، وارتدت بنو عامر وغطفان، ورأسوا على أنفسهم قرة بن سلمة القشيري، وارتدت بنو سليم ورأسوا على أنفسهم الفجاءة بن عبد ياليل السلمي، وارتدت طائفة من بني تميم ورأسوا عليهم امرأة يقال لها سجاح.
وبلغ ذلك أبا بكر ﵁ فاغتم، بادر إلى المسجد فنادى في العرب، فقام في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس، إنما أنا رجل منكم أغني ما تغنون، وأحامي كما تحامون، وأنتم شركائي في هذا الأمر"، دارت الشورى بين موافق على القتال ومخالف، ولكن الله سلم وجعل الناس يجتمعون إلى أبي بكر ﵁، من كل ناحية، ويتقربون إليه، وإلى الله تعالى بقتال أهل الردة، فقد برئ الله منهم لرجوعهم عن دين الإسلام، ومنعهم الزكاة، وعزم أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ على أن يوجه إليهم بخالد بن الوليد في المهاجرين والأنصار، فكانوا سيفه القاطع، ورمحه النافذ، وسهمه الصائب ﵃.
ضج المسلمون إلى أبي بكر ﵁، وقالوا: "يا خليفة رسول الله ﷺ ، ألا تسمع إلى ما قد انتشر من ذكر هذا الملعون الكذاب بأرض اليمامة؟ ! ، فقال أبو بكر ﵁: لا
стр. 130
تعجلوا، فإني أرجو أن يكون الله ﵎ قد أذن بهلاكه، ثم كتب أبو بكر ﵁ إلى خالد بن الوليد، وهو يومئذ مقيم في البطاح: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عثمان، خليفة رسول الله ﵁ إلى خالد بن الوليد ومن معه من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، أما بعد: يا خالد، فإني قد أمرتك بالجد في أمر الله، والمجاهدة لمن تولى عنه إلى غيره، ورجع عن دين الإسلام والهدى، إلى الضلالة والردى، وعهدي إليك يا خالد أن تتقي الله وحده لا شريك له، وعليك بالرفق والتأني".
هذا في شأن مسيلمة الكذاب مدعي النبوة في عهد رسول الله ﷺ لم يتم القضاء عليه، نعق الغراب فتبعه كل غراب، إلا من تاب بعد ذلك وأناب، لما قام لهم السيف والكتاب، والسنة وفصل الخطاب، جيَّشَ لهم أبو بكر خليفة رسول الله، من خيرة الأصحاب من أذلهم فقُتل من قُتل، وعاد منهم من عاد إلى الحق والصواب.
بعث إليهم أبو بكر خالد بن الوليد ﵄، فقتل مسيلمة الكذاب، وقاتل بني حنيفة وأهل الردة وأطاعوه، وكان عامر بن الطفيل الدوسي (١)، من أصحاب الرايات ممن شهد اليمامة مع خالد بن الوليد (٢).
دعا أبو بكر خالد بن الوليد ﵄، فعقد له عقدا، وضم إليه الجيش، ثم قال: "يا خالد، سر نحو طليحة بن خويلد الأسدي ومن معه من بني أسد وغطفان وفزارة، وانظر إذا وصلت إلى القوم ونزلت بديارهم وسمعت أذانا، فلا تقاتلن أحدا حتى تعذر إليهم وتنذرهم، ثم دسس إلى أمرائهم وأشرافهم فأعطهم من المال على أقدارهم، وانظر إذا وافيتهم، فلا تنزلن بهم نهارا فيروا عسكرك، ويعلموا ما فيه من الناس، ولكن انزل بهم ليلا عند وقت نومهم، ثم ارعوا إبلكم وحركوا أسلحتكم، وهولوا عليهم ما قدرتم، وإن أظفركم الله بطليحة بن خويلد وأصحابه، فسر نحو البطاح من أرض تميم، إلى مالك بن نويرة، وأصحابه ولعلي آتيك من ناحية أخرى إن قدرنا على ذلك، إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
стр. 131
فقال خالد: "يا خليفة رسول الله، فإذا أنا وافيت القوم، فإلى ما أدعوهم؟ ، قال: ادعهم إلى عشر خصال، شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والطاعة، والجماعة"، ثم كتب إليهم أبو بكر ﵁ (١).
ولقي خالد ﵁ القوم ومنهم طليحة وقومه، فانهزم طليحة إلى الشام، ثم أسلم وحسن إسلامه، أحرم بالحج، فرآه عمر، فقال: "إني لا أحبك بعد قتل الرّجلين الصّالحين: عكّاشة بن محصن، وثابت بن أقرم"، وكانا طليقين لخالد، فلقيهم طليحة وسلمة فقتلاهما، فقال طليحة: "هما رجلان أكرمهما اللَّه بيدي ولم يهني بأيديهما" (٢).
فالردة كانت من أعظم ما حدث بعد موت رسول الله ﷺ وكان أمرها عظيما، ووقتها عصيبا، فالمرتدون على أحوال:
منهم من كان حديث عهد بإسلام فكان من السهل أن تجتاحه الفتنة، ويُلم به هاجس الشيطان، فوقعت منه الردة.
ومنهم من منع الزكاة ولم يرتد عن الشهادتين وبقية فرائض الإسلام، وتأول قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣)، فقال: كنا ندفعها لرسول الله ﷺ ، لأن الله أمره أن يأخذ من أموالنا صدقة يطهرنا بها، ويصلي علينا - يدعو لهم - فصلاته سكن لنا، وليس ذلك لأبي بكر.
ومنهم من ارتد طمعا في السيادة والملك.
وعلى هذا أكثر قبائل العرب إلا من ادعى فيهم النبوة وصدقوه ولو ظاهرا، كقوم سجاح بنت المنذر، وقيل بنت الحارث التميمي (٤): الكاهنة تنبأت وزوجت نفسها من مسيلمة، في قصة شهيرة، وصح أنها أسلمت بعد وحسن إسلامها.
стр. 132
فكان الكتاب والسنة لهم بالمرصاد، أنفذ أبو بكر الصديق ﵁: خليفة رسول الله ﷺ جيشا لمحاربتهم، مع أنه لم يعلم عنهم الامتناع عما سوى الزكاة من فرائض الإسلام، لكن الإخلال بركن واحد من أركان الإسلام إخلال بالكل، ولذلك قال أبو بكر ﵁: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه" فقال عمر: "فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق" وفي رواية "عناقا" وهو أصح (١).
فبفضل الله ثم بجهود أبي بكر، والصحابة من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان عاد الأمر إلى نصابه، ومع ذلك بقيت لعمر ومن بعده بقية فتن، والله المستعان.
في عهد عمر ﵁ -
لم تكن الردة قاصرة على ما سبق بل لعهد أمير المؤمنين عمر الفاروق نصيب من ذلك وإن قلَّ، فقد ارتد في عهده ﵁ بنوا غسان قوم جبلة بن الأيهم، قاتل عامر بن الطفيل الدوسي، وابنه جندب (٢) في معركة اليرموك، وكان تنصر ولحق بالشام هو وقومه، ومات على ردته، وقيل: إنه أسلم، ويروى أن عمر ﵁ كتب إلى أحبار الشام لما لحق بهم كتاباً فيه: إن جبلة ورد إليَّ في سراة قومه، فأسلم فأكرمته ثم سار إلى مكة فطاف فوطئ إزاره رجل من بني فزارة فلطمه جبلة، فهشم أنفه وكسر ثناياه، وفي رواية قلع عينه فاستعدى الفزاري على جبلة إليّ، فحكمت إما بالعفو وإما بالقصاص، فقال: أتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة؟ ! ، فقلت: شملك
стр. 133
وإياه الإسلام، فما تفضله إلا بالعافية، فسأل جبلة التأخير إلى الغد فلما كان من الليل ركب مع بني عمه ولحق بالشام مرتداً، وروي أنه ندم على ما فعله وأنشد (١):
تنصرت بعد الحق عارا للطمة ... ولم يك فيها لو صبرت لها ضرر
فأدركني منها لجاج حمية ... فبعت لها العين الصحيحة بالعور
فياليت أمي لم تلدني وليتني ... صبرت على القول الذي قاله عمر
لم نسمع بمدع للنبوة في عهد الفاروق عمر ﵁ والذي يظهر أن الإسلام بعد حروب الردة وقر في قلوب الناس، ولسطوة عمر وقوته دور في تثبيت الحق، فقد كان سيفا للحق مصلتا على رقاب الزنادقة، وكم كان يقول لرسول الله ﷺ : "دعني اضرب عنقه فإنه منافق" وهو الرجل الذي استجاب الله دعوة نبيه فيه حين قال ﷺ : «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام» (٢)، فكان عمر ﵁ هو عز الإسلام، وكان أبو جهل عدو الإسلام، وهو ابن عم أم عمر بن الخطاب، وكذلك خالد بن الوليد ﵄.
لم يكن عمر جبارا بل باحثا عن العدل، مناصرا للحق، وقافا عنده لا يعدوه إلى غيره، ولما كثر المسلمون في عهد عمر ﵁ ضاق بهم المسجد، فاشترى عمر ما حول المسجد من الدور، إلا دار العباس بن عبد المطلب ﵁، وحجر أمهات المؤمنين ﵅، فقال عمر للعباس: "يا أبا الفضل إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم، وقد ابتعت ما حوله من المنازل، نوسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين، فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها، وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين أوسع بها في مسجدهم، فقال العباس: ما كنت لأفعل، قال فقال له عمر: اختر مني إحدى ثلاث: إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين، وإما أن أخططك حيث شئت من المدينة وابنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تصدق بها على المسلمين فنوسع بها في مسجدهم، فقال: لا ولا واحدة منها، فقال عمر: اجعل بيني وبينك من شئت، فقال: أبي بن كعب"، فانطلقا إلى أبي فقصا عليه القصة فقال أبي: "إن شئتما حدثتكما
стр. 134
بحديث سمعته من النبي، ﷺ ، فقالا: حدثنا، فقال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول إن الله أوحى إلى داود أن ابن لي بيتا أذكر فيه، فخط له هذه الخطة بيت المقدس، فإذا تربيعها بيت رجل من بني إسرائيل، فسأله داود أن يبيعه إياه فأبي، فحدث داود نفسه أن يأخذ منه، فأوحى الله إليه أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتا اذكر فيه، فأردت أن تدخل في بيتي الغصب وليس من شأني الغصب، وإن عقوبتك أن لا تبنيه، قال: يا رب فمن ولدي؟ ، قال: من ولدك"، قال فأخذ عمر بمجامع ثياب أبي بن كعب وقال: "جئتك بشيء فجئت بما هو أشد منه، لتخرجن مما قلت، فجاء يقوده حتى أدخله المسجد فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيهم أبو ذر فقال: إني نشدت الله رجلا سمع رسول الله ﷺ ، يذكر حديث بيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره".
فقال أبو ذر: "أنا سمعته من رسول الله ﷺ ، قال آخر: أنا سمعته، وقال آخر أنا سمعته، يعني من رسول الله، ﷺ ، قال: فأرسل عمر أبيا، قال: وأقبل أبي على عمر فقال: يا عمر أتتهمني على حديث رسول الله، ﷺ ؟ فقال عمر: يا أبا المنذر، لا والله ما أتهمتك عليه، ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله ﷺ ظاهرا، قال: وقال: عمر للعباس: اذهب فلا أعرض لك في دارك، فقال العباس: أما إذ فعلت هذا فإني قد تصدقت بها على المسلمين، أوسع بها عليهم في مسجدهم، فأما وأنت تخاصمني فلا، قال: فخط عمر لهم دارهم التي وبناها من بيت مال المسلمين" (١)، الله أكبر أي عدل هذا، وأي بحث عن الحق، والتزام به عند ظهوره، إن هذا نتاج مدرسة محمد ﷺ .
لكن يبقى الحاقدون على الإسلام يمارسون ما تهوى أنفسهم من الضلال، والانتقام للجاهلية الجهلاء، فيظهر الحقد المجوسي منتقما.
الحقد المجوسي:
علمنا من تأويل رسول الله ﷺ رؤياه، ورؤى الأنبياء حق، قال ﷺ : «رأيت الناس مجتمعين في صعيد فقام أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي بعض نزعه ضعف
стр. 135
والله يغفر له ثم أخذها عمر فاستحالت بيده غربا فلم أر عبقريا في الناس يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن» (١)، قال العلماء: هذا المنام مثال واضح لما جرى لأبي بكر وعمر ﵄ في خلافتهما، وحسن سيرتهما، وظهور آثارهما، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي ﷺ ومن بركته وآثار صحبته، فكان النبي ﷺ هو صاحب الأمر فقام به أكبر قيام، وقرر قواعد الإسلام، ومهد أموره وأوضح أصوله وفروعه، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأنزل الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢)، ثم توفي ﷺ فخلفه أبو بكر ﵁ سنتين وأشهرا، وهو المراد بقوله ﷺ ذنوبا أو ذنوبين - وهذا شك من الراوي - والمراد ذنوبان، كما صرح به في الرواية الأخرى، وحصل في خلافته قتال أهل الردة وقطع دابرهم، واتساع ملك الإسلام، ثم توفي فخلفه عمر ﵁، فاتسع الإسلام في زمنه، وتقرر لهم من أحكامه ما لم يقع مثله، فعبَّر بالقليب عن أمر المسلمين، لما فيها من الماء الذي به حياتهم وصلاحهم، وشبَّه أميرهم بالمستقى لهم، وسقيه هو قيامه بمصالحهم، وتدبير أمورهم.
وأما قوله ﷺ في أبي بكر ﵁: وفي نزعه ضعف، فليس فيه حطّ من فضيلة أبي بكر، ولا إثبات فضيلة لعمر عليه، وإنما هو إخبار عن مدة ولايتهما، وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها، ولاتساع الإسلام وبلاده، والأموال وغيرها، والفتوحات، ومصَّرَ الأمصار، ودوَّنَ الدواوين.
وأما قوله ﷺ : والله يغفر له، فليس فيه تنقيص له، ولا إشارة إلى ذنب، وإنما هي كلمة كان المسلمون يدعمون بها كلامهم، ونعمت الدعامة، وقد سبق في صحيح مسلم أنها كلمة كان المسلمون يقولونها: افعل كذا والله يغفر لك.
قال العلماء: وفي كل هذا إعلام بخلافة أبي بكر وعمر، وصحة ولايتهما، وبيان صفتها، وانتفاع المسلمين بها (٣).
стр. 136
هذا ما أثار الحقد المجوسي، ولاسيما فتح بلاد فارس، وتطهيرها من عبادة غير الله ، فحرك المجوس أصابعهم، واستطاعوا بقدر من الله أن يصلوا إلى رمز الإسلام عمر بن الخطاب بتحريك ذلك العلج المجوسي ليقضي الله أمرا كان مفعولا، كان أبو لؤلؤة المجوسي أشقى الخلق بما أقدم عليه من قتل عمر بن الخطاب، وكان أبو لؤلؤة المجوسي مملوكا للمغيرة، وكان قتلُه عمر مؤامرة منه مع غيره من المجوس الأسرى، الذين جيء بهم أسرى إلى المدينة (١)، فقال: إن المغيرة قد جعل عليَّ من الخراج ما لا أطيق، قال: كم جعل عليك؟ قال: كذا وكذا، قال: وما عملك؟ قال: أجوب الأرجاء (٢)، قال: وما ذاك عليك بكثير، ليس بأرضنا أحد يعملها غيرك، ألا تصنع لي رحى؟ ، قال: "بلى والله، لأجعلن لك رحى يسمع بها أهل الآفاق"، فخرج عمر إلى الحج، فلما صدر اضطجع بالمحصب، وجعل رداءه تحت رأسه، فنظر إلى القمر فأعجبه استواؤه وحسنه، فقال: "بدأ ضعيفا ثم لم يزل الله يزيده وينميه حتى استوى، فكان أحسن ما كان، ثم هو ينقص حتى يرجع كما كان، وكذلك الخلق كله"، ثم رفع يديه فقال: "اللهم إن رعيتي قد كثرت وانتشرت فاقبضني إليك غير عاجز ولا مضيع" فصدر إلى المدينة فذُكر له أن امرأة من المسلمين ماتت بالبيداء، مطروحة على الارض يمر بها الناس لا يكفنها أحد، ولا يواريها أحد حتى مر بها كليب بن البكير الليثي، فأقام عليها حتى كفنها وواراها، فذكر ذلك لعمر فقال: "من مر عليها من المسلمين؟ "، فقالوا: لقد مر عليها عبد الله بن عمر فيمن مر عليها من المسلمين، فدعاه وقال: "ويحك! مررت على امرأة من المسلمين مطروحة على ظهر الطريق، فلم توارها ولم تكفنها؟ ، قال: ما شعرت بها ولا ذكرها لي أحد، فقال: لقد خشيت أن لا يكون فيك خير، فقال: من واراها وكفنها؟ قالوا: كليب بن بكير الليثي، قال: والله لحري أن يصيب كليب خيرا"، فخرج عمر يوقظ الناس بدرته لصلاة الصبح، فلقيه الكافر أبو لؤلؤة فطعنه ثلاث طعنات بين الثنة والسرة، وطعن كليب بن بكير فأجهز عليه، وتصايح الناس، فرمى رجل على رأسه ببرنس ثم اضطبعه إليه، وحمل عمر إلى الدار
стр. 137
فصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس، وقيل لعمر: الصلاة فصلى وجرحه يثعب، وقال: "لا حظ في الاسلام لمن لا صلاة له" فصلى ودمه يثعب، ثم انصرف الناس عليه فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنه ليس بك بأس، وإنا لنرجو أن ينسئ الله في أثرك ويؤخرك إلى حين، أو إلى خير، فدخل عليه ابن عباس وكان يعجب به، فقال: "اخرج فانظر من صاحبي؟ " ثم خرج فجاء فقال: أبشر يا أمير المؤمنين، صاحبك أبو لؤلؤة المجوسي: عبد المغيرة بن شعبة، فكبر حتى خرج صوته من الباب، ثم قال: "الحمد لله الذي لم يجعله رجلا من المسلمين، يحاجني بسجدة سجدها لله يوم القيامة" ثم أقبل على القوم فقال: "أكان هذا عن ملإ منكم؟ " فقالوا: معاذ الله، والله لوددنا أنا فديناك بآبائنا، وزدنا في عمرك من أعمارنا، إنه ليس بك بأس، قال: "أي يرفأ، ويحك، اسقني" فجاءه بقدح فيه نبيذ حلو فشربه، فألصق رداءه ببطنه، قال: فلما وقع الشراب في بطنه خرج من الطعنات، قالوا: الحمد لله، هذا دم استكن في جوفك، فأخرجه الله من جوفك، قال: أي يرفأ، ويحك، اسقني لبنا، فجاء بلبن فشربه، فلما وقع في جوفه خرج من الطعنات، فلما رأوا ذلك علموا أنه هالك، قالوا: جزاك الله خيرا، قد كنت تعمل فينا بكتاب الله، وتتبع سنة صاحبيك، لا تعدل عنها إلى غيرها، جزاك الله أحسن الجزاء، قال: "بالإمارة تغبطونني، فو الله لوددت أني أنجو منها كفافا لا علي ولا لي، قوموا فتشاوروا في أمركم، أمروا عليكم رجلا منكم، فمن خالفه فاضربوا رأسه" قال: فقاموا وعبدالله بن عمر مسنده إلى صدره، فقال عبدالله: "أتؤمرون وأمير المؤمنين حي؟ "، فقال عمر: "لا، وليصل صهيب ثلاثا، وانتظروا طلحة، وتشاوروا في أمركم، " قال: "اذهب إلى عائشة فاقرأ عليها مني السلام، وقل: إن عمر يقول: إن كان ذلك لا يضر بك ولا يضيق عليك، فإني أحب أن أدفن مع صاحبي، وإن كان يضربك ويضيق عليك، فلعمري لقد دفن في هذا البقيع من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأمهات المؤمنين من هو خير من عمر" فجاءها الرسول فقالت: "إن ذلك لا يضر ولا يضيق عليّ" قال: "فادفنوني معهما" قال عبدالله بن عمر: "فجعل الموت يغشاه وأنا أمسكه إلى صدري" قال: "ويحك ضع رأسي بالأرض" قال: "فأخذته غشية فوجدت من ذلك"
стр. 138
فأفاق فقال: "ضع رأسي بالأرض" فوضعت رأسه بالأرض فعفره بالتراب فقال: "ويل عمر وويل أمه إن لم يغفر الله له".
قال محمد بن عمرو: وأهل الشورى: علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبدالرحمن بن عوف ﵁ (١).
وأخيرا تحققت الشهادة لعمر ﵁ أخبر بها رسول الله ﷺ وتقدم بيان ذلك.
في عهد عثمان ﵁ -:
كانت المؤشرات من رسول الله ﷺ أن عهد عثمان ﵁ منذر بخطر، كما تقدم وقد نبتت في عهده ﵁ الفتنة التي طار شررها شيئا فشيئا حتى عم الأمصار الإسلامية، وافترقت الأمة بسبب ذلك فرقا أصولها ثلاث وسبعون فرقة، وهي اليوم أكثر من ذلك، فأول ما ظهر وميض الفتنة في مجلس سعيد بن العاص والي عثمان على الكوفة، وذلك على أثر كلام دار في مجلسه، كان من الحاضرين فيه الأشتر، وابن ذي الحبكة، وابن الكواء، وغيرهم، وعدتهم بضعة عشر رجلا، تألبوا على عصبية أثاروا بذلك أقوالا على سعيد بن العاص، فكتب أشراف أهل الكوفة وصلحاؤهم إلى عثمان في إخراجهم فكتب: "إذا اجتمع ملؤكم على ذلك فألحقوهم بمعاوية" (٢).
وكتب عثمان إلى معاوية: "إن أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفرا خلقوا للفتنة، فارعهم وقم عليهم، فإن آنست منهم رشدا فأقبل منهم، وإن أعيوك فارددهم عليهم" (٣).
فلما قدموا على معاوية ﵁ رحب بهم واحتفى بهم، وذكَّرهم فضل قريش في العرب، وقد بلغه أنهم ينقمون من قريش، فذكّرهم بالإسلام ووعظهم، فلم يرق لهم
стр. 139
ما قال معاوية ﵁ في مدح قريش، وقال أحدهم: "أما ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا" (١).
فقال معاوية: "عرفتكم الآن، علمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول، وأنت خطيب القوم ولا أرى لك عقلا، أُعظِّم عليك أمر الإسلام، وأذكّرك به، وتذكّرني الجاهلية، وقد وعظتك" (٢). ثم قال ﵁: "إن قريشا لم تُعَز في جاهلية ولا إسلام إلا بالله ، لم تكن بأكثر العرب، ولا أشدهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحسابا، وأمحضهم أنسابا، وأعظمهم أخطارا، وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس يأكل بعضهم بعضا إلا بالله الذي لا يُستذل من أعز، ولا يوضع من رفع، فبوأهم حرما آمنا يتخطف الناس من حولهم، هل تعرفون عربا، أو عجما، أو سودا، أو حمرا، إلا قد أصابه الدهر في بلده وحرمته بدولة، إلا ما كان من قريش، فإنه لم يردهم أحد من الناس بكيد إلا جعل الله خده الأسفل، حتى أراد الله أن يستنقذ من أكرم واتبع دينه من هوان الدنيا، وسوء مرد الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثم ارتضى له أصحابا، فكان خيارهم قريشا، ثم بنى هذا الملك عليهم، وجعل هذه الخلافة فيهم، ولا يصلح ذلك إلا عليهم، فكان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم بالله، أَفَتراه لا يحطوهم وهم على دينه، وقد حاطهم في الجاهلية من الملوك الذين كانوا يدينونكم! أفٍ لك ولأصحابك! " (٣).
أذن لهم معاوية ﵁ بعد كلام طويل اقتبسنا منه ما تقدم، وقال ﵁: "اذهبوا حيث شئتم، فإني كاتب إلى أمير المؤمنين فيكم" (٤)، وهؤلاء هم أول الخوارج.
كتب معاوية ﵁ إلى عثمان ﵁، مبينا ضلالهم وفساد معتقدهم، وأن الله سيفضحهم، ويكشف أسرارهم، وتمادى القوم في طلب الفتنة، فلم يفجأ الناس في يوم جمعة إلا والأشتر على باب المسجد يقول: "أيها الناس إني قد جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان، وتركت سعيدا يريده على نقصان نسائكم على مائة درهم، وردّ أولى البلاء
стр. 140
منكم إلى ألفين، ويزعم أنّ فيكم بستان قريش" فاستخف النّاس، وجعل أهل الرأي ينهونهم فلا يسمعون منهم (١).
وهكذا تدرج طلب الفتنة، ومن طلابها الأشتر ومن سايره، ولاسيما بعد وقوفه على باب المسجد معلنا ذلك الخبر المكذوب، وأخذ شرر الفتنة يتناثر، حتى أسعرها عدو الله ورسوله عبدالله بن سبأ لعنه الله، ولعن من والاه، فإنه يهودي من أهل صنعاء، أمه سوداء أظهر الإسلام زمان عثمان ﵁، وأبطن الكفر والحقد على الإسلام، وتنقل في بلدان المسلمين ينشر الضلال، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: "لَعجبٌ ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويُكذِّب بأن محمدا يرجع وقد قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (٢)، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى" فقُبل ذلك عنه، رغم أنه استدلال باطل، ووضع لهم عقيدة الرجعة فتكلموا فيها، ثم قال لهم بعد ذلك: "إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصى محمد، ثم قال: محمد خاتم الانبياء، وعلي خاتم الأوصياء" ثم قال بعد ذلك: "من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ ، ووثب على وصي رسول الله ﷺ " وتناول أمر الأمة، ثم قال لهم بعد ذلك: "إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله ﷺ ، فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدؤوا بالطعن على أمرائكم، واظهروا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر" (٣).
هكذا سمى ضلاله أمرا بالمعروف، ونهيا عن المنكر، وما هو إلا أمر بالمنكر، وهو الحقد على الإسلام، وتفكيك جماعة المسلمين، وشرذمتهم لتضعف شوكتهم، ويسهل القضاء عليهم، ونهي عن المعروف، والمنكر عنده الإسلام برمته، واجتماع المسلمين على الكتاب والسنة، نشر ابن السوداء الفتنة بين المسلمين،
стр. 141
فتجول في الأمصار، ولم يسلم من شره بادئ ذي بدء إلا المدينة، كان نشاطه في مصر، والبصرة والكوفة، وتجول في الأعراب، وكان الكذب والتزوير مطيته للوصول إلى قلوب الناس، والتأثير عليهم بحب آل البيت، ونصرة علي بن أبي طالب الخليفة الراشد ﵁، وزعم أن عثمان ﵁ لا حق له في الخلافة، فاجتمع له عدد من الناس، أشعل بهم الفتنة، فاتّهم ولاة عثمان على الأمصار بكتب مزورة يرسلها من مصرٍ إلى مصرٍ، استفسد بها الكثيرين من الناس، وتعاونوا على الإثم والعدوان، حتى استمالوا بعض من بعثه عثمان لمعرفة حقيقة الأمر، ونتج عن جهود ابن السوداء المعروف بعبدالله بن سبأ انشقاق فرقتين من المسلمين، فرقة أخذت برأيه في عثمان ﵁ وهم الخوارج، والفرقة الثانية أخذت برأيه في الرجعة والوصية وهم الرافضة.
فتنة الخلاف
لا نشك في أن أتباع المصطفى ﷺ على درجات متفاوتة في فهم الإسلام وتطبيقه، منذ عهد الصحابة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ونعلم أن الأفهام تختلف، ويقبل منها في أحيان، لكنها مقيدة بعدم مصادمة الإسلام، ونريد بالإسلام ما قام البرهان عليه من الكتاب العزيز، وصحيح السنة النبوية، وما أجمع عليه علماء الأمة، وقد تعددت الأفهام من أصحاب رسول الله، فالإنفاق في سبيل الله مثلا: فهم منه أبو بكر ﵁ أنه دفع المال كاملا، وفهم عمر بن الخطاب ﵁ أنه نصف المال، وفهم أبو ذر ﵁ أن ما يزيد عن القوت اليومي يجب إنفاقه، هذا اجتهاد من كل منهم ﵃، والدافع إليه حب الخير والتنافس في نصرة الإسلام، والمستند في هذا عموم قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، فالمسارعة في العبادات البدنية والمالية، وما هو مشترك بينهما كالحج والعمرة مطلوب بعموم هذه الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٢)، وهذا حث على إنفاق ما هو نفيس في طاعة الله، لأن الردي لا ينبغي التقرب به إلى الله مع
стр. 142
وجود الطيب النفيس، وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، كل هذا من أجل التنافس في الخير، وإن اختلفت الآراء في نوع المنافسة والتفاوت فيها، فهذا التفاوت لا يشقي أصحابه، ما داموا يدورون في فلك الإسلام، ولم تفرقهم الأفهام في أصول الدين وقواعده الكلية، كالأئمة الأربعة ﵏، ومن نهج نهجهم، في البناء على الأدلة والبراهين، والاستنباط منها، فلا يبعدهم عن الإسلام ما وقع بينهم من الخلاف في الفروع، هذا ما درجت عليه الأمة في القرون المفضلة، مجتمعة على الإسلام، قامعة لكل من يثير الخلافات الهدامة، والتي يقصد منها إثارة الشبه، ولذلك وصفت هذه القرون بأنها خير القرون، يقول رسول الله ﷺ : «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». قال عمران ﵁: لا أدري، أذكر النبي ﷺ بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، وقال النبي ﷺ : ... «إن بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن) (٢)، وهذه الخيرية أساسها دعوة رسول الله ﷺ للأنصار، وأبناء الأنصار (٣)، فإن الخير فيهم وفي عقبهم موجود بدعوة رسول الله ﷺ ، وغير معدوم في المهاجرين وأبنائهم وأبناء أبنائهم، ولا في غيرهم من الذين أتوا من بعدهم وهم يقولون: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤)، وعلى هذا تأسست قوة الإسلام، وتماسك بنيانه، وتوحدت أفكار المسلمين.
وعلى هذا الأساس فإن كل خلاف يقع بين المؤمنين لا يعدو البحث عن الحق؛ فإذا ظهر الحق إلتأم الشمل وزال الخلاف، وعلى هذا ما جرى بين المهاجرين والأنصار ﵃ في سقيفة بني ساعدة حسم الأمر لما ظهر الحق، وكذلك خلاف الصحابة ﵃ في قتال أهل الردة لما ظهر الحق إلتأم الشمل وتوحدت الكلمة، في وصية أبي بكر بالخلافة لعمر لما بان الحق رجع من تخوف من شدة عمر، وعلم أن أبا بكر ما أراد إلا العدل، والخير للأمة؛ فإنه عليم بفضل عمر، ولم تكن شدته
стр. 143
إلا في إحقاق الحق، وقمع الباطل، وإذا كان بعض الصحابة شارك في الخلاف على عثمان، فإنه لِما وقع من استغلال من غير الصحابة، قال أبو جعفر القارئ مولى ابن عباس: "كان المصريون الذين حصروا عثمان ستمائة, رأسهم عبد الرحمن بن عديس البلوي, وكنانة بن بشر بن عتاب الكندي, وعمرو بن الحمق الخزاعي، والذين قدموا من الكوفة مائتين, رأسهم مالك الأشتر النخعي, والذين قدموا من البصرة مائة رجل رأسهم حكيم بن جبلة العبدي، وكانوا يدا واحدة في الشر، وكان حثالة من الناس قد ضووا إليهم، قد مزجت عهودهم وأماناتهم, مفتونون, وكان أصحاب النبي ﷺ الذين خذلوا عثمان كرهوا الفتنة، وظنوا أن الأمر لا يبلغ قتله، فندموا على ما صنعوا في أمره، ولعمري لو قاموا أو قام بعضهم فحثا في وجوههم التراب لانصرفوا خاسرين" (١)، على أن الذين كرهو الفتنة ووقفوا على الحياد هم عدد غير قليل؛ قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن علية، حدثنا أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ عشرات الألوف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين" (٢).
قلت: هذه شهادة موثقة بكبار الأئمة، تكتب بماء الذهب لصحتها، لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقته (٣)، ولكن تقدم أن من حضر للدفاع عن عثمان ﵁ كانوا ستمائة، فلعل الغالب من غير الصحابة، فنلاحظ أن الذين وقفوا مع عثمان ﵃ وكانوا على استعداد للدفاع عنه؛ لأنهم عرفوا أن من قدم من مصر والكوفة والبصرة ما هم إلا خوارج الفتنة من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة، فهم يريدون قتل عثمان أو تسفك دماء دونه، لذلك عزم عثمان عليهم بعدم القتال دفاعا عنه، جاء زيد بن ثابت إلى عثمان فقال له: "إن الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصارا لله مرتين" فقال عثمان: "أما القتل فلا" وقال: "أنا
стр. 144
أكلهم إلى الله ولا أقاتلهم؛ فإن ذلك أعظم لحجتي عليهم" وقال ﵁: "أعظمكم عني غناءً رجل كف يده وسلاحه" وقال أبو هريرة ﵁: "كنت في الدار يوم قتل عثمان فسمعته يقول: عزمت على من رأى لنا عليه سمعا وطاعة أن يلقي سلاحه، فألقى القوم أسلحتهم إلا مروان فإنه قال: وأنا أعزم على نفسي ألا ألقي سلاحي، قال: وكان شجاعا، قال أبو هريرة ﵁: فألقيت سيفي فلا أدري من أخذه" (١).
وبعض الصحابة الذين لم يقفوا مع عثمان كان هاجسهم الخوف من الفتنة، فكان القادمون من مصر والكوفة والبصرة بغاة لهم مآرب أفسدت ذات البين، وشرذمة الأمة، وتجلى خطر الخوارج بعد التحكيم فيما بين علي ومعاوية ﵄، ولو طلبوا الحق ولم يكن لهم مآرب غير مشروعة لما قتل عثمان ﵁.
فتنة الخروج:
لم تكن هذه الفتنة غائبة عن رسول الله ﷺ فقد أُطلع على وقوعها وحذر منها ﷺ ، قال مُرة البهزي: بينما نحن مع رسول الله ﷺ ذات يوم في طريق من طرق المدينة فقال: «كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الارض كأنها صياصي (٢) بقر؟ » قالوا: فنصنع ماذا يا نبي الله؟ قال: «عليكم بهذا وأصحابه» قال: فأسرعت حتى عطفت على الرجل، فقلت: هذا يا نبي الله؟ ، قال: «هذا» فإذا هو عثمان (٣)، هذه الرواية تشير إلى أن عثمان على الحق، وأنه شهيد بسببها، فقد صعد رسول الله ﷺ أحدا، ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃، فرجف بهم، فقال رسول الله ﷺ : «أثبت أحد فإنما عليك نبي، وصديق، وشهيدان» (٤)، وكما استشهد عمر ﵁ بطعنة من الحقد المجوسي، فسيكون ذلك لعثمان ﵁، فإن الخوارج له بالمرصاد وقدر الله نافذ، كما في حديث حذيفة ﵁ قال: «كان الناس يسألون
стр. 145
رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ ، قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ ، قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ ، قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ ، قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ ، قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ ، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١)، صحيح أن حديث حذيفة هذا عام في الفتن التي تظهر في كل زمان، لكن تضمن النبأ عن أصول الفتن فتنة الخوارج قتلة عثمان ﵁ وفتنة الروافض الغالين في علي وذريته ﵃، وقد تقدم الكلام عن الخوارج في خلافة عثمان ﵁ واستشهاده على أيديهم، وسيأتي مزيد بيان عنهم في خلافة علي ﵁، ولم يكن الرافضة أحسن حالا من الخوارج في محاربة عثمان ﵁، بل جدوا في ذلك، وأرعدوا وأبرقوا، ولهم مزاعم.
مزاعم الرافضة ضد عثمان
زعم طاغية الشيعة ومدلسهم الحسن بن المطهر الحلي في كتابه منهاج الكرامة أن عثمان ولَّى أمور المسلمين من لا يصلح للولاية (٢)، فأجابه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، بأن عليا ﵁ ولى زياد بن أبي سفيان، وولى الأشتر النخعي، وولى محمد بن أبي بكر، وأمثال هؤلاء، ولا يشك عاقل أن معاوية بن أبي سفيان كان خيرا من هؤلاء كلهم.