← История

История · id 36102

الهادي والمهتدي

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (217 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والله ينصر من ينصره، وخاذل من كفره، ولن يؤتى مثلكم عن قلة، ولكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها، وليصل كل رجل منكم بأصحابه"، وقد تابع الصديق هذا الجانب الهام، في بناء الحضارة الإسلامية، والارتقاء بالشعوب من ظلمات الجاهلية، إلى نور الإسلام، فجهز لفتح العراق جيشا بقيادة خالد بن الوليد ﵁، وأمره أن يأتي الأبلة، ليدخل العراق من أعاليها، وأن يتألف الناس، ويدعوهم إلى الله ، فإن أجابوا وإلا أخذ منهم الجزية، وإن امتنعوا عن ذلك قاتلهم، وأمره ألا يكره أحدا على المسير معه، لأنه لا يأمن غدره، ولا يستعين بمن ارتد عن الإسلام، ولو عاد عن ردته، فهو غير مأمون ولاسيما وهو قريب عهد بردة، وهذه فطنة عظيمة من أبي بكر ﵁، وأخذ أبو بكر يتابع أخبار خالد في سيره في الفتح، ويمده بالسرايا والبعوث والجيوش عند حاجته إلى ذلك، وسار خالد ﵁ في فتح أمصار العراق، يبث سراياه لحصار الحصون، ويستنزلون أهلها قسرا وقهرا، وصلحا ويسرا، وكان في جملة ما نزل بالصلح قوم من نصارى العرب، فيهم عمرو بن عبد المسيح بن نُفيلة، وجد خالد معه كيسا فقال: ما في هذا الكيس؟ وفتحه خالد فوجد فيه شيئا، فقال ابن نُفيلة: هو سم ساعة، فقال: ولم استصحبته معك؟ ! فقال: حتى إذا رأيت مكروها في قومي أكلته فالموت أحب إلي من ذلك، فأخذه خالد في يده وقال: إنه لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها، ثم قال: بسم الله خير الأسماء، رب الأرض والسماء، الذي ليس يضر مع اسمه داء، الرحمن الرحيم، قال: وأهوى إليه الأمراء ليمنعوه، فبادرهم فابتلعه، فلما رأى ذلك ابن نُفيلة قال: والله يا معشر العرب، لتملكن ما أردتم مادام منكم أحد - يعني بهذه الصفة - ثم التفت إلى قومه أهل الحيرة، فقال: لم أر كاليوم أمراء أوضح إقبالا من هذا، ثم دعاهم وسألوا خالدا الصلح، فصالحهم وكتب لهم، وقدم خالد ﵁ برهانا جديدا على كمال الإيمان، وقوة التوكل، وبعد نظر من خالد ليعلم القوم وكبيرهم أن هذه هي صفة أتباع محمد ﷺ ، وليست الحالة الوحيدة، فمثل هذا كثير (١)، وهو ما

стр. 72

فهمه ابن نفيلة وقومه، وبرز الوفاء من خالد لموعود وعده رسول الله ﷺ ، هو

стр. 73

صحابي يقال له: شويل (١)، وذلك أنه لما ذكر رسول الله ﷺ ، قصور الحيرة، وكأن شُرُفها أنياب الكلاب، فقال له يا رسول الله، هب لي ابنة نفيلة، واسمها كرامة، فقال: هي لك، فلما كان يوم خالد هذا ادعاها شويل ﵁، وشهد له اثنان، فلم يصالحهم خالد حتى يسلموها، فامتنع قومها من تسليمها وقالوا: ما تريد من امرأة ابنة ثمانين سنة؟ ! ، فقالت لقومها: ادفعوني إليه، فإني سأفتدي منه، وإنه قد رآني وأنا شابة، وسلمت إليه، فلما خلا بها قالت: ما تريد امرأة بنت ثمانين سنة؟ ! ، وأنا أفتدي منك فاحكم بما تريد، وقال: والله لا أفديك بأقل من عشر مائة، فاستكثرتها خديعة منها، ثم أتت قومها وأحضروا له ألف درهم، ولامه الناس وقالوا: لو طلبت أكثر من مائة ألف لدفعوها إليك، فقال: وهل عدد أكثر من عشر مائة؟ ! ، وذهب إلى خالد وقال: إنما أردت أكثر العدد، فقال خالد: أردت أمرا وأراد الله غيره، وإنا نحكم بظاهر قولك، ونيتك عند الله، كاذبا كنت أم صادقا، وفي هذه القصة جانبان هامان: الأول: الوفاء بما وعد به رسول الله ﷺ شويلا ﵁، كما وفّى عمر ﵁ لسراقة بسواري كسرى. الثاني: العدل: بعدم قبول دعوى شويل ﵁ أنه ما أراد إلا أكثر العدد، وقد صلى خالد لما فتح الحيرة ثمان ركعات بتسليمة واحدة، اقتداء برسول الله ﷺ ، يوم فتح مكة فقد صلى ثمان ركعات شكرا لله على ذلك الفتح العظيم، وما أشبه الليلة بالبارحة في حياة خالد بن الوليد ﵁، يعظمه أبو بكر فيقول: والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد، وبعث إليه وهو في العراق ليقدم إلى الشام، فيكون الأمير على من بها، وقد حفظ الصديق ﵁ للأمة أمر دينها بجمع القرآن الكريم من صدور الرجال، واللخاف والعُسُب، وكلف بذلك زيد بن ثابت ﵁، وقد لفت نظره إلى هذا العمل العظيم ما وقع للقراء من القتل في يوم

стр. 74

اليمامة، فتنبه إلى خطورة عدم جمع القرآن وكتابته في مصحف يحفظ للأمة أمر دينها، وقد كانت هذه الإنجازات الإسلامية في مدة قصيرة لم تتجاوز أربعة وعشرين شهرا (١). أبو بكر عند احتضاره ﵁ -: إن أبا بكر ﵁ كغيره يصيب ويخطئ، لأنه غير معصوم، ونبينا محمد بن عبدالله ﷺ هو الوحيد من البشر المعصوم الذي لا يرد له قول، فكان أبو بكر ﵁ كغيره من الناس يجتهد فيصيب وله أجران، ويجتهد فيخطئ وله أجر الاجتهاد، وخطؤه مغفور، لأنه لم يرد سوى الحق، وإقامة العدل، ولم يُخْف أبو بكر ﵁، ما فكر فيه وتمنى الإقدام عليه أو الإحجام عنه، وهذا من الحرص على الخير، والتحرز من الشر، وكفى المرءَ نبلا أن تعد معايبه، ولا عيب والله نشهد به على أبي بكر ﵁، أكرم الأصحاب، وأحب الأحباب إلى رسول رب الأرباب، فخسئ والله من ثلبه وخاب. قال ﵁: "ما آسَى على شيء إلا على ثلاث فعلتها، ووددت أني تركتها، وثلاث تركتها ووددت أني فعلتها، وثلاث وددت إني سألت رسول الله ﷺ عنها: فأما الثلاث التي فعلتها، ووددت أني تركتها: فوددت أني لم أكن فتشت بيت فاطمة، ووددت أني لم أكن حرّقت الفُجَاءة وأطلقته نجيحاً، أو قتلته صريحاً، وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قَذَفْتُ الأمر في عنق أحد الرجلين، فكان أميراً وكنت وزيراً. والثلاث التي تركتها وددت أني فعلتها: وددت أني يوم أُتيت بالأشعث بن قيس أسيراً ضربت عنقه، فإنه قد خُيل لي أنه لا يرى شَرّاً إلا أعانه، وددت أني كنت قد قذفت المشرق بعمر بن الخطاب، فكنت قد بسطت يميني وشمالي في سبيل الله، وددت أني يوم جهَزْت جيش الردة ورجعت أقمت مكاني فإن سلم المسلمون سلموا، وإن كان غير ذلك كنت صدر اللقاء أو مَدَداً. وكان أبو بكر ﵁ قد بلغ مع الجيش إلى مرحلة من المدينة، وهو الموضع المعروف بذي القصة (٢).

стр. 75

والثلاث التي وددت أني سألت رسول اللهّ ﷺ عنها: وددت أني كنت سألته في مَنْ هذا الأمر، فلا يُنازَع الأمر أهله، وددت أني سألته عن ميراث العمة وبنت الأخ فإن بنفسي منهما حاجة، ووددت أني سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب فنعطيهم إياه (١). هذا ما دار في ذهن أبي بكر ﵁ وهو في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة، ذكر أمورا لا حرج عليه فيها، فقد وفّى في أمانته، فنقول يا أبا بكر رضي الله عنك إن كنت تحرجت مما ذكرت، فنقول لا تثريب عليك، فقد بذلت ما برأت والله به ذمتك، ولن يخزيك الله ، هذا ظننا بربنا ﵃. نقول هذا لأنك رويت وأنت الصادق المصدّق أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال» (٢) - يعني مال الله - وقلت: "ليس لهم أن يزيدوا على المأكل، وإني والله لا أغير شيئا من صدقات النبي ﷺ التي كانت عليها في عهد النبي ﷺ ، ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله ﷺ "، فتشهد عليٌّ ثم قال: "إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك، وذكر قرابتهم من رسول الله ﷺ وحقهم"، فتكلم أبو بكر فقال: "والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي" (٣). فكنتُ خليفة رسول الله ﷺ والتزمتُ بما التزم به رسول الله ﷺ ، فأي خطأ في هذا، ولِمَ لَمْ يوص رسول الله ﷺ وقد أمر الله بذلك في كتابه العزيز، فقال : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) وأمر بها ﷺ سعد بن مالك ﵁، قال سعد: قال: دعاني رسول اللَّهِ ﷺ وأنا مريض فقالَ: «أوصيت؟ » قلت: نعم. قال: «بِكَمْ؟ » قلت: بمالي كله في سبيل الله، قال: «فما أبقيت لولدك؟ » قلت: هم أغنياء بخير، قال: «أَوصِ

стр. 76

بالعُشر» فما زلت أنا قصه حتى قال: «أوص بالثلث، والثلث كثير» (١)، وقال ﷺ : «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث» (٢)، فالوصية للوارث منتفية، والوصية لغير الوارث ثابتة، وهي في سبيل الله على العموم، ولكنها ثابتة في حق الأمة دون النبي ﷺ ، لأن الأنبياء لا يورثون، وكل ما تركوا فهو صدقة في سبيل الله قلّ أو كثير، إلا ما هو مستثنى للنفقة بقوله ﷺ : «إنما يأكل آل محمد من هذا المال» (٣)، وبقوله ﷺ : «إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركت بعد مؤنة عاملي، ونفقة نسائي صدقة» (٤)، فكون فاطمة ﵂ لم تعلم بهذا الحكم الشرعي لا يقلل من شرفها على نساء العالمين، ولا على مكانتها عند الصحابة ومنهم أبو بكر ﵃، ولا عند الأمة المحمدية، وكونها تطالب أبا بكر ﵁ فذاك من حقها حسب فهمها، ولذلك عللت مطالبتها ﵂ بسؤال أبي بكر فقالت له: «من يرثك؟ ، قال: أهلي وولدي، قالت: فمالي لا أرث النبي ﷺ ؟ ! قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنا لا نورث» ولكني أعول من كان النبي ﷺ يعوله، وأنفق على من كان النبي ﷺ ينفق عليه (٥)، وفي رواية أنها قالت: "أفي الله أن ترث أباك، ولا أرث أبي؟ ، أما قال رسول الله: المرء يحفظ ولده؟ " فبكى أبو بكر بكاء شديدا (٦). نعم بكى أبو بكر ﵁ فبين يديه بنت رسول الله ﵂، وقد قال ﷺ : «فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني» (٧)، وحاشا أبا بكر ﵁ أن يسيء

стр. 77

إلى بنت رسول الله ﷺ ، فلم يفعل ما فعل ظلما وعدوانا، بل فعله اقتداء برسول الله ﷺ ، وتنفيذا لأمره ﷺ ، لكنه بكى لأنه وقع بين نارين: عدم رضا فاطمة ﵂، والعمل بما سمع من رسول الله ﷺ ، فكان بلاءً لأبي بكر ﵁ أيهما يقدم، ولكن قد قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، وقد أخبره ﷺ أنه لا يورث، فاختار ما هو حق، وهذه منقبة عظيمة لأبي بكر ﵁ ولكنه آلمه ما سمع من فاطمة ﵂ لعظم مكانتها في نفسه. أما كون فاطمة ﵂ وجدت على أبي بكر ﵁، فهجرته ولم تكلمه حتى ماتت (٢)، فهذا يحتمل أحد أمرين: الأول: أنها هجرته ولم تكلمه، لعدم قناعتها بما روى عن أبيها، وهذا فيه بعد ولا يليق ببنت رسول الله ﷺ أن ترد رواية عن أبيها، من رجل تعرف قدره ومكانته عند أبيها، ثم لا ترضى بما قضى به والدها ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣)، ولا ريب أن أبابكر ﵁ لو ساير فاطمة ﵂ لخالف نص القرآن، وقد سمع قول رسول الله ﷺ : أنه لا يورث، والمحصلة حكم النص القرآني، وحاشا أبابكر أن يعص الله ورسوله، ولو كانت فاطمة ﵂ كبيرة القدر عنده، ألم يقل رسول الله ﷺ : «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٤)، فلو أنها سرقت وقطع رسول الله يدها، هل يعني هذا أنه لا يحبها، بلى والله إنها لحبيبته، ولكن حكم الله لا يستثني شريفا ولا وضيعا. والثاني: تفسير الهجر بعدم زيارته، فليست من المحارم اللاتي يجب التواصل معهن، فلزمت بيتها، ولو كانت محرما فإن اشتغال الخليفة بأمور المسلمين، قد

стр. 78

يقلل التواصل إلى حد كبير، دون القطيعة، فإنها غير واردة البتة، ولم تكلمه في أمر الميراث مرة ثانية قناعة منها بما ذكر لها من كلام رسول الله ﷺ ، والالتزام بالنفقة، وهذا والله هو اللائق ببنت رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنها، ولو كان أبوبكر ﵁ أخطأ فعلا في حقها، فكيف وهو لم يخطئ، وكلما في الأمر أنه أنفذ ما كان عليه رسول الله ﷺ ، وعمل بكتاب الله، وثبت على ذلك، لكن أصحاب الأهواء لا يروق لهم إلا متابعة منهجهم في ثلب الإسلام ورجاله الذين اصطفاهم الله لنقله إلى الناس كافة، كابرا عن كابر، فكان ما ذهبوا إليه طعنا في فاطمة ﵂ قبل أن يكون ثلبا في أبي بكر ﵁، وصاحب الهوى لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، ولم تكن فاطمة ﵂ وحيدة في أمر المطالبة في الميراث، أزواج رسول الله ﷺ أيضا طالبن أبابكر ﵁ بذلك، تقول أم المؤمنين عائشة: أَرسل أَزواج النَّبِيِّ ﷺ عثْمان إلى أَبِى بكرٍ يسألنه ثُمُنهن مما أَفاء اللَّه على رسولِهِ ﷺ ، فكنت أَنا أَردهن، فقلتُ لهن ألا تتَقِينَ الله، أَلم تعلَمن أَن النبِي ﷺ كَان يقول: «لاَ نورث، ما تركنا صدقة - يرِيد بِذلِك نفسه - إِنما يأكل آل محمدٍ فِي هذا الْمالِ» فانتهى أزواج النبي ﷺ إلى ما أخبرتهن (١). فكانت هذه الصدقة بيد علي ﵁ منعها علي عباسا فغلبه عليها، ثم كانت بيد حسن بن علي ﵁، ثم بيد حسين بن علي ﵁، ثم بيد علي بن حسين ﵀، وحسن ابن حسن ﵀، وكلاهما كانا يتداولانها، ثم بيد زيد بن حسن، وهي صدقة رسول الله ﷺ حقا (٢)، فهذا أبو بكر ﵁، وضع صدقة رسول الله ﷺ بيد علي ﵁، ولم يرصدها في صدقات بيت مال المسلمين، فأي صدق وإخلاص بعد هذا، وتتوالى الرقابة والتصريف في علي وأبنائه. أما قوله: «ووددت أني لم أكن حرّقت الفُجَاءة» هو بحير بن إياس، على وزن بعير (٣)، وكان من أمره أنه ارتد، وكوَّن حربة على المسلمين، وقدم إلى قومه بني

стр. 79

سليم يدعوهم إلى الردة (١)، وكان من أمره التلبيس على أبي بكر ﵁ قال له: إني مسلم وقد أردت جهاد من ارتد من الكفار، فاحملني وأعني، فحمله أبو بكر، على ظهر (٢) وأعطاه سلاحا، فخرج يستعرض الناس المسلم والمرتد، يأخذ أموالهم ويصيب من امتنع منهم، ومعه رجل من بني الشريد يقال له: نُجبة بن أبي الميثاء، فلما بلغ أبا بكر خبره كتب إلى طريفة بن حاجز: أن عدو الله الفجاءة أتاني يزعم أنه مسلم، ويسألني أن أقويه على من ارتد عن الاسلام، فحملته وسلّحته، ثم انتهى إليَّ من يقين الخبر أن عدو الله قد استعرض الناس المسلم والمرتد، يأخذ أموالهم ويقتل من خالفه منهم، فسر إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله، أو تأخذه فتأتيني به، فسار إليه طريفة بن حاجز فلما التقى الناس كانت بينهم الرمي بالنبل، فقتل نُجبة بن أبي الميثاء بسهم رمي به، فلما رأى الفجاءة من المسلمين الجد قال لطريفة: والله ما أنت بأولى بالأمر مني، أنت أمير لأبي بكر وأنا أميره، فقال له طريفة: إن كنت صادقا فضع السلاح وانطلق معي إلى أبي بكر، فخرج معه فلما قدما عليه أمر أبو بكر طريفة بن حاجز فقال: أخرج به إلى هذا البقيع فحرقه فيه بالنار، فخرج به طريفة إلى المصلى فأوقد له نارا فقذفه فيها، فقال خفاف بن ندبة يذكر الفجاءة فيما صنع: لِمَ يأخذون سلاحه لقتاله ... ولذاكم عند الإله أثام لا دينهم ديني ولا أنا فاتن ... حتى يسير إلى الطراة شمام (٣). وفي رواية: جاءت بنو سليم إلى أبي بكر فقالوا: إن العرب قد كفرت فأمدنا بالسلاح، فأمر لهم بسلاح فأقبلوا يقاتلون أبا بكر، فقال لهم عباس بن مرداس: لِمَ تأخذون سلاحه لقتاله ... ولكم به عند الإله آثام (٤). تأثم أبو بكر ﵁ من التحريق بالنار، لأن العذاب بها توعد الله به العصاة في الآخرة، وقد فعل ذلك علي ﵁ حين حرق أناسا من الشيعة قالوا: يا أمير المؤمنين

стр. 80

أنت هو، قال: من أنا؟ قالوا: أنت هو، قال: ويلكم من أنا؟ قالوا: أنت ربنا، أنت ربنا، قال ارجعوا فأبوا، فضرب أعناقهم، ثم خد لهم في الأرض ثم قال: يا قنبر ائتني بحزم الحطب، فأحرقهم بالنار ثم قال: لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قنبرا (١). قال ابن عباس ﵄: لو كنت أنا لم أحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب الله» (٢)، ولقتلتهم، لقوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (٣)، فبلغ ذلك علياً فقال: ويح ابن أم الفضل، إنه لغواص على الهنات (٤)، ولذلك ندم أبو بكر ﵁، ولا ضير عليهما فالزنادقة مصيرهم النار، إن عاجلا أو آجلا، ولكن لشدة تمسكهما بالكتاب والسنة حصل منهما التأثم، وجزاهما الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء. أما قول أبي بكر: "وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قَذَفْتُ الأمر". فقد حاول أن يلقي بالأمر على كاهل أحد الرجلين: عمر بن الخطاب، وأبي عبيدة عامر بن الجراح، ﵄، وهما أهل لذلك، ولكن أراد أبو بكر أمرا، وأراد الله غيره، ولا راد لإرادته تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٥) وإنما حكى أبو بكر ما يتمناه في ذلك الحين، وهذه أمنية مَن تجرد عن الهوى والشهوات، فزكا وجلَّ عن الشبهات. وقوله: "وددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيراً ضربت عنقه". كان الأشعث بن قيس ممن ارتد بعد النبي ﷺ ، فسير أبو بكر الجنود إلى اليمن، فأخذوا الأشعث أسيراً، فأحضر بين يديه، فقال له: استبقني لحربك وزوجني أختك، فأطلقه أبو بكر وزوجه أخته، وهي أم محمد بن الأشعث، ولما تزوجها اخترط سيفه، ودخل سوق الإبل فجعل لا يرى جملاً ولا ناقة إلا عرقه، وصاح الناس:

стр. 81

كفر الأشعث، فلما فرغ طرح سيفه، وقال: إني والله ما كفرت، ولكن زوجني هذا الرجل أخته، ولو كنا ببلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه، يا أهل المدينة، انحروا وكلوا، ويا أصحاب الإبل، تعالوا خذوا أثمانها فما رئي وليمة مثلها (١)، وقد عمل أبو بكر ﵁ بالأصل أن من تاب يتوب الله عليه، ولعله تأمل الأمر فوجد ما ذكر علة لما قال، قال ﵁: فإنه قد خُيل لي أنه لا يرى شَرّاً إلا أعانه، ولكن الله أراد لهما خيرا مما أراد أبو بكر ﵁، فقد صنع خيرا بقبول توبة الأشعث، وأحسن بتزويجه أخته، وكان الخير في حسن إسلام الأشعث بعد ردته، وشارك في الفتح الإسلامي، شهد الأشعث اليرموك بالشام، ففقئت عينه، ثم سار إلى العراق فشهد القادسية والمدائن، وجلولاء، ونهاوند، وسكن الكوفة وابتنى بها داراً، وشهد صفين مع علي ﵁، وكان ممن ألزم علياً بالتحكيم، وشهد الحكمين بدومة الجندل، وكان عثمان ﵁، قد استعمله على أذربيجان، وكان الحسن بن علي ﵄ تزوج ابنته (٢)، وكل هذا حدث بعد وفاة أبي بكر ﵁، ولو شاهد هذا لسر ﵁، بعدم قتله: فقد تحقق لأبي بكر بعد موته ما نوى من الخير. وقوله: "وددت أني يوم جهَزْت جيش الردة". هذا من حرصه ﵁ على إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، يريد مشاركة الأمة في كل صغيرة وكبيرة من أمور الإسلام، كيف لا وهو السابق لكل خير وفضيلة، شهد بذلك أصحاب رسول الله دون استثناء، وكان في بقائه خير كثير للأمة المحمدية، وقد أصاب والله علي بن أبي طالب ﵁ حين قال له وهو يثنيه عن الخروج: «أشمر سيفك، ولا تفجعنا بنفسك، فو الله لئن أُصِبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدا» (٣)، وكان أبو بكر ﵁ قد بلغ مع الجيش إلى مرحلة من المدينة، وهو الموضع المعروف بذي القصة (٤). وقوله: "وددت أني كنت سألته في مَنْ هذا الأمر".

стр. 82

هذه الأمنية أراد بها التوكيد على عدم رغبته في ولاية الناس، لكن الله أراد ذلك لأبي بكر ﵁ ليناله من أجر الصبر على بلائها، وأجر الاجتهاد في مصالح المسلمين، وأجر مقارعة أعداء الدين، والحفظ على وحدة الأمة المحمدية، يناله أجر ذلك كله، فضلا من الله ورحمة، وهداية منه تعالى إلى سبل الخير والرشاد، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). وقد ورد ما يشير إلى أن أبا بكر هو المقدم لحمل هذه المهمة العظمى، قال رسول الله ﷺ لعائشة أم المؤمنين ﵂: «أدعي لي أبا بكر، وأخاك حتى أكتب كتابا؛ فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبا الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٢)، وفي رواية قال رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن أبي بكر: «إئتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبي بكر كتابا؛ لا يختلف عليه» فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: «أبا الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٣)، صدق من لا ينطق عن الهوى ﷺ ، وإنما نزاهة أبي بكر وحرصه على نفع الناس، واستقرار الوضع بحسم الموقف بأمر من الله ورسوله، لعبد من عباده كائنا من كان، فلا يُنازَع الأمر أهله، وكانت هذه الأمنية من أبي بكر ﵁ حرصا على وحدة الأمة المحمدية، ومستقبل الإسلام، وكان ذلك بفضل الله في ولايته، التي أبا الله والمؤمنون أن يُختلف عليها. وقوله: "وددت أني سألته عن ميراث العمة وبنت الأخ". هذا من اجتهاده في مصالح المسلمين، فالعمة وبنت الأخ، لا إرث لهما، مع إخوتهما، ولا ترثان منفردتين (٤)، فأراد أن ينظر في أمرهما بما لا يعارض الشرع، وقد كان عمر يقول: عجبا للعمة تورث ولا ترث (٥)، وهذا ما كان في نفس أبي بكر ﵁. وقوله: "ووددت أني سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب".

стр. 83

لأنه لم يرق له ﵁ أن يجد الأنصار في أنفسهم، ولاسيما أن لهم عند رسول الله من الفضل والمكانة ما ليس لغيرهم ﵃، وقد أخذ بعضهم موقفا من بيعته، فتمنى مقولة من رسول الله ﷺ يستند إليها في هذا الأمر، وذلك من تقواه وورعه ﵁. وفاة أبي بكر ﵁ -: لم يرض رب العزة والجلال لعبده وخليفة رسوله إلا أن تختم حياته بسبب يجعله عند الله من الشهداء الأبرار، وإن كان قد شهد له رسول الله ﷺ بالجنة فقد سمّته اليهود في شيء من الطعام، وأكل معه الحارث بن كَلدَة فعمي، وكان السم لسنة، ومرض أبو بكر ﵁ قبل وفاته بخمسة عشر يوماً، فقيل له: لو أرسلت إلى الطبيب، فقال: قد رآني، قالوا: فماذا قال لك؟ قال: قال: إني أفعل ما أشاء، قالت عائشة ﵂: كان أول ما بدأ أبو بكر ﵁ أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يوماً بارداً فحُم خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى الصلاة، وكان يأمر عمر بن الخطاب ﵁ يصلي بالناس (١)، فتكون وفاته في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من جمادى الآخرة، من سنة ثلاث عشرة من الهجرة، على رأس ثنتي عشرة سنة وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوما من مهاجر رسول الله ﷺ ، وسقط القمر الثاني في حجرة عائشة كما رأت وهو أبوبكر (٢)، ولما توفي ﵁ ارتجت المدينة بالبكاء، ودهش الناس كيوم قبض النبي ﷺ ، فجاء علي بن أبي طالب ﵁ باكيا مسرعا، وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر ﵁، فقال: "رحمك الله أبا بكر، كنت إلف رسول الله، وأنسه ومستراحه، وموضعا لسره ومشاورته، وأول القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غنى في دين الله، وأحوطهم على رسول الله ﷺ ، وأحدبهم على الإسلام، وأيمنهم على أصحابه وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقبا، وأكثرهم سوابقا، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأقربهم من رسول الله ﵁ مجلسا، وأشبههم به هديا وخلقا وسمتا وفعلا، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده، فجزاك الله عن الإسلام خيرا، وعن رسول الله ﷺ

стр. 84

خيرا، صدَّقت رسول الله ﷺ حين كذبه الناس، فسماك الله في تنزيله صديقا وشهد لك بالتقوى فقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١)، واسيتَ رسول الله ﷺ حين تخلوا، وقمتَ معه عند المكاره حين عنه قعدوا، وصحبتَه في الشدة أكرم الصحبة، ثاني اثنين، وصاحبه في الغار، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة، ومواطن الكره، خلفته في أمته بأحسن الخلافة حين ارتد الناس، وقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي، قويت حين ضعف أصحابك، ونهضت حين وهنوا، وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، ولزمت منهاج رسول الله ﷺ إذ هَمّوا، وقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا، مضيت بنور إذ وقفوا، فاتبعوك فهدوا، كنت أخفضهم صوتا، وأعلاهم فوقا، وأقلهم كلاما، وأصوبهم منطقا، وأطولهم صمتا، وأبلغهم قولا، وأكبرهم رأيا، وأشجعهم نفسا، وأشدهم يقينا، وأحسنهم عقلا، وأعرفهم بالأمور، كنت والله للدين يعسوبا أولاً حين نفر عنه الناس، وأخيرا حين أقبلوا، كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا، ورعيت ما أهملوا، وحفظت ما أضاعوا لعلمك بما جهلوا، شمرت إذ خنعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ جزعوا، وأدركت آثار ما طلبوا، وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا، ونالوا بك ما لم يحتسبوا، كنت على الكافرين عذابا صبا، وللمسلمين غيثا وخصبا، فطرت والله بغنائها، وفزت بجبائها، وذهبت بفضائلها، وأدركت سوابقها، لم تُفَل حجتك، ولم تضعف نصرتك، ولم تختر نفسك، ولم يزغ قلبك، كنت كالجبل، فلا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله ﷺ : «أمَنَّ الناس عليه في صحبتك وذات يدك» وكنت ضعيفا في بدنك، قويا في أمر الله، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله، جليلا في أعين المؤمنين، كبيرا في أنفسهم، لم يكن لأحد فيك مغمز، ولا لقائل فيك مهمز، ولا لأحد فيك مطمع، ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ له بحقه، والقوي العزيز عندك ذليل حتى تأخذ منه الحق، القريب والبعيد في ذلك سواء، أقرب الناس إليك أطوعهم لله وأتقاهم له،

стр. 85

شأنك الحق والصدق والرفق، قولك حق وحتم، وأمرك حكم وحزم، ورأيك علم وعزم، فأقلعت وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفئت النيران، وقوي الإيمان، واعتدل بك الدين، وثبت الإسلام والمسلمون، وقوي الإيمان، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، فسبقت والله سبقا بعيدا، وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا، وفزت بالخير، فجللت عن البكا، وعظمت رزيتك في السماء، وهدت مصيبتك الأنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا له أمره، فو الله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله ﷺ بمثلك أبدا، كنت للدين عزا وحرزا وكهفا، وللمؤمنين فيئا وحصنا وغيثا، فألحقك الله بميتة نبيك، ولا أحرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك، فإنا لله وإنا إليه راجعون"، فسكت الناس حتى انقضى كلامه، ثم بكوا عليه حتى علت أصواتهم، وقالوا: صدقت يا ابن عم رسول الله ﷺ (١)، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يوما (٢). وأخيرا من مثل أبي بكر ﵁ قال الله عنه وعن رسوله ﷺ : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣)، فالذي جاء بالصدق هو رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ ، والذي صدق به هو أبو بكر الصديق ﵁، مناصر رسول الله ﷺ ، منذ الوهلة الأولى، من كرّمه بقول الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٤)، قال أبو بكر: قلت: للنبي ﷺ : وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» (٥)، لله درك يا أبا بكر نلت شهادات عليا لم ينهلها أحد بعدك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وخلفك الفاروق ﵁ فلم يفته أمر الفتح الإسلامي، وهو ما سنذكره فيما يلي في عهده ﵁، وهو ما أحزن الفرس اليوم.

стр. 86

عمر بن الخطاب ﵁ - نسبه: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى بن قرط بن رياح بن عبد الله بن رزاح بن عدىّ بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة. وإذا قيل: العدوىّ، فهو نسبة إلى عدي بن كعب (١). وأمه حنتمة بنت هاشم ذي الرمحين بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة, وهي ابنة عم خالد بن الوليد ﵁، ومن قال فيها: حنتمة بنت هشام بن المغيرة فقد وهم لأن هشام بن المغيرة هو أخو هاشم والدها، وهشام هو والد أبي جهل، وهو ابن عم خالد بن الوليد، فالثلاثة أبناء العم: خالد بن الوليد بن المغيرة، وحنتمة بنت هاشم ذي الرمحين بن المغيرة، وأبو جهل الحارث بن هشام بن المغيرة, كنيته أبو الحكم، وكنّاه الصحابة أبا جهل لعدم قبوله الإيمان بنبوة ... محمد ﷺ (٢). صفته ﵁ -: كان، ﵁ رجلا طوالا أصلع، أعسر أيسر، أحور العينين، آدم اللون، وقيل: كان أبيض شديد البياض تعلوه حمرة، أشنب الأسنان، وكان يصفر لحيته، ويرجل رأسه بالحناء (٣). إسلامه: أسلم بعد أبي بكر والسابقين في العهد المكي ﵃، بعد خمسة وأربعين رجلا، وإحدى وعشرين امرأة. وقد دُونت قصة إسلامه في كتب السير، يعرفها المبتدئون من أبناء المسلمين، لقّبه رسول الله ﷺ بالفاروق، وذلك لاستقامته على الحق، وشجاعته في إظهاره، وقد

стр. 87

أعز الله به الإسلام، وقد كان قويا أمينا، لا تأخذه في الحق لومة لائم، كما قال عثمان وعلي ﵄ (١). فكان من فضل الله على هذه الأمة أن استُخلف عليها بعد نبيها ﷺ أفضل الأمة أبو بكر ﵁، وكان من أبرز أعماله ﵁ أربع ركائز قام عليها الإسلام بعد وفاة رسول الله ﷺ . الركيزة الأولى: قمعُ المرتدين من العرب، وإعادتهم إلى حضيرة الإسلام، وكانت للردة أسباب من أبرزها منع الزكاة الركن الرابع من أركان الإسلام، فالأركان الخمسة عند أبي بكر ﵁ كل لا يتجزأ وهي كذلك عند المسلمين كافة، ولذلك قال أبوبكر ﵁: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فكان القضاء على المرتدين نصرا مؤزرا للإسلام والمسلمين. الركيزة الثانية: جمع القرآن فقد كان لحروب الردة أثر كبير على القراء من الصحابة، فقد استشهد في وقعة اليمامة عدد كبير منهم، وبذلك تنبه أبو بكر ﵁ إلى خطورة ذهاب القرآن الذي لم يدون، وإنما كان محفوظا في صدور القراء، إلا ما كان في بعض اللِّخاف والعُسُب، فأمر ﵁ بكتابة القرآن، وبدأ بعد معركة اليمامة التي وقعت في أواخر السنة الحادية عشرة، أو أوائل الثانية عشرة، وانتهى قبل وفاته ﵁، مستغرقا خمسة عشر شهرا، وتم ذلك جمعاً وكتابة قبل وفاته ﵁ (٢). الركيزة الثالثة: تسيير جيش أسامة، وعدم حل لواء عقده رسول الله ﷺ ، فكانت خطوة مباركة في بدء الفتح الإسلامي. الركيزة الرابعة: عهدُ أبي بكر ﵁ بالخلافة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ثاني الخلفاء الراشدين، وأول من لقّب بأمير المؤمنين، صحابي جليل، وشجاع حازم، صاحب

стр. 88

الفتوحات، يضرب بعدله المثل، كان في الجاهلية من أبطال قريش وأشرافهم، وله السفارة فيهم، ينافر عنهم وينذر من أرادوا إنذاره، وقد أعز الله بإسلامه المسلمين، أسلم قبل الهجرة بخمس سنين، وأعلن لقريش هجرته إلى المدينة، وشهد الوقائع كلها، وكان عمر ﵁ يقضي على عهد رسول الله ﷺ ونزل القرآن بموافقته. قال عبد الله بن عمر ﵄: "ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه وقال فيه ابن الخطاب، أو قال: عمر، إلا نزل القرآن على نحو مما قال عمر" (١). وقال عمر ﵁ (٢): "وافقت ربي في أربع، قلت: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٣)، وقلت: يا رسول الله لو اتخذت على نسائك حجابا: فإنه يدخل عليك البر والفاجر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٤)، وفي رواية أنه قال: وقوله للنبي ﷺ لما اعتزل نساءه ووجد عليهن: يا رسول الله، إن كنت طلقتهن، فإن الله معك، وملائكته، وجبريل، وميكائيل، وأنا، وأبو بكر، والمؤمنون معك". قال عمر ﵁: "وقَلَّ ما تكلمتُ - وأحمدُ الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، فنزلت آية التخيير (٥)، وقلت لأزواج النبي: لتنتهن أو ليبدله الله سبحانه أزواجا خيرا منكن، فأنزل الله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (٦)، ونزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ

стр. 89

أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١)، فقلت: فتبارك الله أحسن الخالقين" فنزلت: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٢). وليست موافقاته ﵁ محصورة في هذه الخصال، فقد وافق في أكثر من الأربع المذكورة. ومما وافق فيه القرآن قبل نزوله: في النهي عن الصلاة على المنافقين، قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٣)، وفي قوله لليهود: من كان عدوا لجبريل، فنزلت الآية ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وهي أكثر فقد عد الحافظ أبو موسى المديني من ذلك اثنتي عشرة خصلة (٥). خلافة عمر بن الخطاب بويع عمر بن الخطاب بالخلافة يوم وفاة أبي بكر في السنة الثالثة عشرة من الهجرة، وثبتت خلافته بالعهد من أبي بكر ﵁، فبايعه الناس، وثبتت له البيعة باتفاق الأمة عليه، من عهِد أبي بكر ﵁ واستخلفه أبو بكر ﵁ لما يعلم من فضله على سائر من بقي من الصحابة ﵃، وصلابته في الحق، ولم ينازعه في ذلك أحد من الصحابة ﵃، فلما بايعه الصحابة ﵃ تواضع لهم، وواسى نفسه بهم، فلم يكن عليه باب ولا حجاب، يصلي الصلاة ثم يقعد فيكلمه من شاء (٦).

стр. 90

وتوجهت إرادته إلى السير فيما سار فيه خليفة رسول الله أبو بكر ﵁، حيث عزم على ما عزم عليه رسول الله ﷺ من تسيير الجيوش لفتح الأمصار وإعلاء كلمة الله التي أُرسل نبينا محمد ﷺ لنشرها، وشُرع من أجلها الجهاد في سبيل الله، فكان ذلك الاقتداء من الخليفتين أبي بكر وعمر أمرا شرعيا، وعملا مرضيا، ففتح الله على يدي عمر بن الخطاب ﵁ في سني خلافته أمصارا كثيرة من أرض فارس والعراق والشام، في معارك ضارية منها: الأهواز، ودستميسان، واليرموك، وبيت المقدس، ودمشق، وميسان، والجابية، وجلولاء، وقيساريّة، وبابل، ونهاوند، أرّجان، وإصطخر الأولى، وهمذان (١)، وأجنادين، وقد سار عمر ﵁ في خلافته سيرة عظيمة، لم يكن لمن تلاه مثلها إلى يومنا هذا، ولربما إلى يوم الدين، سوى ما ذكر من أمر المهدي عند أهل السنة، فقد ورد أنه يملأ الأرض عدلا (٢). إن فضائل عمر كثيرة، والأدلة في هذا كثيرة، فهو أول من وضع للعرب التاريخ الهجري، واتخذ بيت المال، وأمر ببناء البصرة والكوفة، وهو أول من دوّن الدواوين في الإسلام، لقَّبه رسول الله ﷺ بالفاروق، وسراج الجنة، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، قال أبو بكر ﵁ حين عهد له بالخلافة: ولّيت عليهم خيرهم، وصدق أبو بكر ﵁ فإن عمر بن الخطاب أفضل الأمة بعد أبي بكر ﵄، وقد كان عمر ﵁ دوّخ الفرس، والروم وأذلهم، وأزال ملكهم، وألجأهم الى الهرب، حتى وصلت خيوله افريقية، وأوائل خراسان، وأوائل الهند، فذلّ الشرك كله بذلك، وعَزّ الإسلام بمكانه وسلطانه، وبه عز من أسلم منهم، وبذلك ظهر الإسلام ظهورا كبيرا بالفتوحات، شرقا وغربا، وصارت كلمة الله هي العليا بما جرى في تلك الأمصار.

стр. 91

عمر بين الحياة والموت: حج عمر ﵁ بالناس عشر سنين متوالية، ثم صدر إلى المدينة، ليتلقى طعنة من يد آثمة ملعونة، لقد كان الحدث فاجعة كبرى، خاف المسلمون أن يسترد ملوك الفرس والروم قوتهم بفقد المؤمنين أميرهم، فاجتمعوا في خلوة عن عمر ﵁، وفكروا في الأمر، وحداهم الأمل أن يستخلف عليهم. فعادوا وقالوا له: "أوصنا يا أمير المؤمنين، قال: أوصيكم بالقرآن فتمسكوا به، فبه هدى اللهُ نبيّكم وهداكم من بعده، وفيه نجاتكم. قالوا: أوصنا، قال: أوصيكم بالمهاجرين والانصار وذكر فضلهم. قالوا: أوصنا، قال: أوصيكم بالعرب فإنهم مادة الاسلام. قالوا: أوصنا، قال: اوصيكم بذمتكم فإنهم ذمة نبيكم وقوت عيالكم (١). قالوا: أوصنا، قال: قوموا عني وإلا قمت عنكم. فلما رآه أصحاب رسول الله ﷺ لا يذكر أحدا للخلافة، ابتدأ ابن عباس ﵁ يسأله الاستخلاف، وافتتح الكلام، فقال عمر ﵁: "قد توليتها حياتي، واجتهدت لكم رأيي، ونصحت لكم جهدي، ومنعت نفسي وأهلي، وأرجو أن أنجو منها كَفافا لا عليّ ولا لي"، فأَثْنَوا، وابتدأ علي ﵁ يبشره عن رسول الله ﷺ بالجنة، وقال له: وأشار الى ابن عباس يشهد على رسول الله ﷺ بمثل ما شهدتُ، وسأله غيرهما الاستخلاف، فقال: "ما أحب أن أتحملها حيا وميتا"، قالوا: بل تفعل، ولك في ذلك الأجر، انظر يا أمير المؤمنين لأمة محمد ﷺ ، فقال: دلوني على من أستخلف، فقال له المغيرة: أنا أدلك عليه: عبد الله بن عمر، فقال له عمر: والله ما أردت بذلك الله، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين، وما يمنعك من إخوانك، وأشار إلى عليّ، وعثمان، وعبد الرحمن، وتلك الجماعة ﵃، فقال عمر: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبابكر ﵁ - وإن أترك فقد ترك من هو خير مني - يعني رسول الله ﷺ - ثم قال: هي في واحد من هؤلاء الستة: الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وقبض وهو عنهم راض: علي، وعثمان ابنا عبد مناف، وسعد وعبد الرحمن خالا رسول

стр. 92

الله ﷺ ، والزبير حواريّ رسول الله ﷺ ، وطلحة وقاية رسول الله ﷺ "، ثم حذر كل واحد منهم من خلق كرهه له. وقال لعلي: "إن وُليتَ هذا فاعدل، ولا تحمل بني هاشم على رقاب الناس، وقال لعثمان: إن وليتَ هذا فاعدل، ولا تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، ثم أقبل على عمار، ومقداد ﵄: في أن يكونا في ثلاثين من المهاجرين، وقال لأبي طلحة الانصاري ﵁: إن الله لم يزل يعزّ هذا الاسلام بقومك، فكن في خمسين منهم، فإذا متُّ فليصلّ عليّ صهيب، وليصلّ بالناس إلى أن يقيموا خليفة، وكونوا عليهم رقباء، لئلا يستبدّ مستبد، وقال: لا يأتي اليوم الثالث إلا وقد أقمتم أحدا من هؤلاء الستة خليفة، وجدّوا في أمركم، وجاهدوا عدوكم"، فلما قبض أنفذوا وصيته كما رسم ﵃ (١)، رحل عمر بعد ما أدى الأمانة ونصح للأمة، وقد ورد في وصية عمر ﵁ ما يبطل دعوى الرافضة أن الرسول ﷺ أوصى لعلي، والعجب أن عمر ﵁ قال هذا في جمع غفير من الصحابة ﵃ ومنهم علي ﵁، فلا علي ﵁ أنكر وادعى الوصية، ولا الصحابة ﵃ أنكروا ذلك من عمر ﵁، ولم ينكروا على علي ﵁ عدم اعتراضه على قول عمر في عدم استخلاف رسول الله ﷺ ، ولاسيما وقد قال له: "إن وُليتَ هذا فاعدل، ولا تحمل بني هاشم على رقاب الناس" وفي رواية أنه بعد أن سمى الستة ﵃، وهم من المبشرين بالجنة قال: "يشهدكم عبد الله ابن عمر، وليس له من الأمر شيء، فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمِّر، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي، بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، أن يقبل من محسنهم، وأن يُعفَى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام، وجباية المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويُرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله،

стр. 93

وذمة رسوله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم" (١). مات مقتولا يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجّة قتله أبو لؤلؤة فيروز المجوسي في صلاة الصّبح، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وقد كتب الله له الشهادة على يد ذلك المجوسي الخاسر في الدنيا والآخرة، وصلّى عليه صهيب ﵁، وقبر في حجرة عائشة ﵂ مع رسول الله ﷺ وأبى بكر ﵁، القمر الثالث حسب رؤيا أم المؤمنين عائشة ﵂ (٢)، وكان قاتله فيروز، أبو لؤلؤة، لعنه الله: غلام المغيرة بن شعبة، المُمجد عند الرافضة، أعداء الإسلام والمسلمين. وكانت ولايته ﵁ عشر سنين وستة أشهر وخمس ليال. ولا ريب أنه حصل للأمة خير كثير باستخلاف أبي بكر لعمر ﵄، روى ابن عباس ﵄، قال: "وُضِعت جنازة عمر، فقام الناس يدعون وأنا فيهم، فوضع رجل يده على منكبي. فالتفت، فإذا عليٌّ، فأوسعت له، فزاحم عليه وقال: ما خلفتَ بعدك أحدا أحب إليَّ من أن ألقى الله بمثل عمله منك، وإن كنت أظن أن الله سيجعلك مع صاحبيك، وأكثر ما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وجئت أنا وأبو بكر وعمر» قد كنت أظن أن الله سيجعلك معهما (٣)، نعم المقدر علي ﵁.

стр. 94

عثمان بن عفان ﵁ - نسبه: هو: عثمان بن عفّان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة، يكنى: أبا عمرو، وأبا عبد الله، وأبا ليلى، اجتمع في النسب مع رسول الله ﷺ في عبد مناف، ومع معاوية في أمية، وأم عثمان ﵁ أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أمها: البيضاء بنت عبد المطلب، وهي بنت عمة رسول الله ﷺ (١). صفته ﵁ -: كان رجلا ليس بالقصير ولا بالطويل، حسن الوجه، رقيق البشرة، كث اللّحية عظيمها، أسمر اللون، كثير شعر الرأس، وكان يشدّ أسنانه بالذهب (٢). إسلامه ﵁ -: قالت له خالته وكانت كاهنة: محمد بن عبد الله رسول الله، من عند الله جاء بتنزيل الله، يدعو إلى الله، ثم قالت: مصباحه مصباح، ودينه فلاح، وأمره نجاح، وقرنه نطاح، دانت له البطاح، ما ينفع الصياح، لو وقع الذباح، وسلت الصفاح، ومدت الرماح، قال عثمان ﵁ ثم انصرفت، ووقع كلامها في قلبي، فجعلت أفكر فيه، وكان لي مجلس عند أبي بكر، فأتيته فأصبته في مجلس ليس عنده أحد، فجلست إليه فرآني منكسرا فسألني عن أمري، فأخبرته بما سمعت من خالتي، فقال: يا عثمان ويحك إنك رجل حازم لا يخفى عليك الحق من الباطل، ما هذه الأوثان التي يعبدها قومنا أليست من حجارة لا تضر ولا تنفع، صم لا تبصر ولا تسمع؟ ! ، قلت: بلى والله إنها كذلك، فقال: والله صدقتك خالتك، هذا محمد بن عبدالله قد بعثه الله برسالته إلى خلقه، فهل لك أن تأتيه فتسمع منه؟ ، قلت: نعم، فو الله ما كان بأسرع من أن مر رسول الله، ومعه علي بن أبي طالب يحمل ثوبا، فلما رآه

стр. 95

أبوبكر قام فساره في أذنه بشيء، فجاء رسول الله فقعد ثم أقبل عَليَّ فقال: يا عثمان أجب الله إلى جنته، فإني رسول الله إليك والي خلقه، قال: فو الله ما تمالكت حين سمعت قوله أن أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله (١). زواجه وهجرته ﵁ -: زوّجه رسول الله ﷺ ابنته: رقية، وهو بمكة، فهاجر بها إلى أرض الحبشة، فقال رسول الله ﷺ : إنهما لأوّل من هاجر إلى الله، بعد: إبراهيم، ولوط، ثم هاجر إلى المدينة، فهو من المهاجرين الأوّلين ﵃، له هجرتان: الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة، وزوجه رسول الله ﷺ أم كلثوم بالمدينة، بعد وفاة رقية ﵄، ولما ماتت أم كلثوم قال رسول الله ﷺ : «لو كانت عندي ثالثة لزوجت عُثْمَان» (٢)، ولقب لذلك ذا النورين، وشهد له بالجنة، لما روى أبو موسى الأشعري ﵁: أنه حرس رسول الله ﷺ وهو جالس في بئر أريس، فجاء أبو بكر وعمر وعثمان على الولا، وبعد الاستئذان لكل واحد منهم، أمر رسول الله أبا موسى أن يأذن له ويبشره بالجنة، وزاد في بشارة عثمان على بلوى تصيبه (٣)، وأخبر أنه شهيد، فقد صعد أحدا، ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃، فرجف بهم، فقال رسول الله ﷺ : «أثبت أحد فإنما عليك نبي، وصديق، وشهيدان» (٤)، واستخلفه رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع، وفي غزوته إلى غطفان (٥)، وقد ورد ما يفيد أن الله غفر لعثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وذلك أنه جاء إلى النبي ﷺ بألف دينار، حين جهز جيش العسرة، فنثرها في حجره، فأخذ النبي ﷺ يقلبها في حجره ويقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين» (٦)، وهو أحد

стр. 96

الستة الذين جعل عمر ﵁ فيهم الشورى، وأخبر أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راض، وأنعم بها شهادة من عمر رجل الأمانة والعدل. نفقته في سبيل الله: كان عثمان ﵁ ممن اعتز بهم الإسلام في عهد ظهوره، وبعد ذلك «فبئر رومة» (١)، كانت ركيّة ليهوديّ يبيع ماءها للمسلمين، فقال النبيّ ﷺ من يشتري رومة؟ » فيجعلها للمسلمين يضرب بدلوه في دلائهم، وله بها مشرب في الجنة؟ فأتى عثمان ﵁ اليهودىّ فساومه بها، فأبى أن يبيعها كلّها، فاشترى نصفها باثني عشر ألف درهما، فجعله للمسلمين. فقال عثمان ﵁: إن شئت فلي يوم، ولك يوم، وإن شئت جعلت على نصيبي قرنين؟ ، قال اليهودىّ: لي يوم ولك يوم. فإذا كان يوم عثمان ﵁ استقى المسلمون ما يكفيهم يومين. فلما رأى ذلك اليهودىّ قال لعثمان ﵁: أفسدت عليّ ركيّتى، فاشتر النصف الآخر بثمانية آلاف درهم (٢). وقال رسول الله ﷺ : «من يزيد في مسجدنا؟ » فاشترى عثمان ﵁ موضع خمس سواري، فزاده في المسجد. وجهّز عثمان ﵁ جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيرا، وأتمها ألفا بخمسين فرسا، وهذا في الجهاد في سبيل الله ، فكم يكون الأجر فيه لعثمان ﵁، ولم يكن هذا هو الموقف الوحيد لعثمان ﵁ فإنه لما أراد فتح إفريقية استشار كبار الصحابة وأصحاب الرأي، وأخذ يدعو الناس إلى الجهاد، ويحثهم على التطوع، فتقاطروا من مختلف القبائل للاشتراك في هذه الغزوة، وأعان الجيش بألف بعير من ماله. واشترى أرضا يقال لها: «حشّ كوكب» فزادها توسعة في البقيع، وهي التي دفن فيها (٣)، ومعلوم تجهيزه لجيش العسرة، في غزوة تبوك حين حض النبي ﷺ على ذلك، فقام عثمان بن عفان ﵁ فقال: "يا رسول الله علي بمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله"، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان ﵁ فقال: "يا رسول الله علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله"، ثم حض على الجيش

стр. 97

فقام عثمان بن عفان ﵁ فقال: "يا رسول الله علي ثلاث مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله"، فنزل رسول الله ﷺ عن المنبر وهو يقول: «ما على عثمان ما عمل بعد هذه، ما على عثمان ما عمل بعد هذه» (١)، وجهز الجيش بألف دينار نثرها في حجر رسول الله ﷺ . وأخذ يقلبها في حجره ويقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين» (٢). لماذا لم يشهد بدرا ﵁ -: ولم يشهد بدرا، لأن رسول الله ﷺ خلّفه لتمريض رقية ﵂، وكانت ثقيلة، فماتت ودفنها، ولذلك اعتبره رسول الله ﷺ كمن حضر، وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره. لماذا لم يشهد بيعة الرضوان ﵁ -: لأن رسول الله ﷺ أرسله إلى قريش، ليخبرهم أنه لم يجئ لقتال، ولذلك اعتبره رسول الله ﷺ كمن حضر، فبايع له رسول الله ﷺ بشماله، وهي منقبة عظيمة لعثمان ﵁، وفيها إشارة من النبي ﷺ أن عثمان ﵁ صادق الإيمان بالله ورسوله، وأنه مع رسول الله ﷺ في المنشط والمكره. خلافة عثمان ﵁ - بويع عثمان ﵁ بالخلافة غرة المحرّم سنة أربع وعشرين، وهو يومئذ ابن تسع وستين سنة. وكان الرَّيُّ من خراسان أوّل الفتح الإسلامي في خلافة عثمان ﵁، وأمير الجيوش: أبو موسى الأشعريّ ﵁، ثم الإسكندرية، ثم سابور، ثم إفريقية، ثم قبرس، من سواحل بحر الرّوم الأبيض المتوسط، وفارس الأولى، ثم جور، وفارس الآخرة، سَنَة تسع وعشرين، ثم طبرستان، وكرمان، وسجستان، ثم

стр. 98

الأساورة في البحر، ثم إفريقية، ثم حصون قبرس، ثم ساحل الأردن (١)، ثم كانت مرو، على يد: عبد الله بن عامر، سنة أربع وثلاثين. بروز البلوى التي وُعد بها عثمان: ﵁ - نقم بعض الصحابة ﵃ على عثمان ﵁ أمورا لم يرها عثمان ﵁ مما ينكر، وكذلك بعض الصحابة ﵃، ولما اشتد الخلاف كتب نفر من الصحابة بعضهم إِلى بعض، أن أقدموا فالجهاد عندنا، ونال الناس من عثمان، وليس أحد من الصحابة ينهى عن ذلك، ولا يذب إِلا نفر، منهم زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وأبو هريرة، وآخرون هم من ستمائة رجل منعهم عثمان من الدفاع عنه، وحُصر عثمان ﵁ في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، بسبب ما أخذ عليه، وقد اعتذر لعثمان ﵁ أبو بكر بن العربي ﵀ في كتابه العواصم من القواصم، وقد أجاد وأفاد، ورد باعتذاره الحق إلى نصابه، وكان من أسباب الفتنة على عثمان ﵁ أنه اجتهد في أمور سُبق إلى مثلها من الشيخين ﵄، ولم يرضها أناس، فعاملهم بلطف، ورقة وتواضع، ولم يستعمل الحزم كما فعل عمر مع المخالفين، ولذلك قال له علي ﵁: "إنّ عمر كان يطأ على صماخ من ولّى، وأنت ترفق بهم وكانوا أخوف لعمر من غلامه يرفأ، ومعاوية يستبدّ عليك، ويقول هذا أمر عثمان فلا تُغيِّر عليه" (٢). وطلب المحاصرون من عثمان ﵁ أن يعتزل، فأبى أن يعتزل، لقول رسول الله ﷺ : «يا عثمان إنه لعل الله يقمصك قميصا، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم» (٣). وأبا أن يقاتلهم، ونهى عن ذلك، وأغلق بابه، وفاءً لما سمع من رسول الله، أن له الجنة على بلوى تصيبه، فحوصر أكثر من عشرين يوما، وهو في الدار في ستمائة رجل لم يسمح لهم بالدفاع عنه، فاقتحم المحاصرون عليه الدار، فضربه الملعون نيار بن عياض الأسلميّ بمشقص، في وجهه، فسال الدم على

стр. 99

المصحف في حجره، عند قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١)، فأي مصيبة أعظم من مصيبة عثمان، ولكنها برد وسلام على عثمان عاقبتها الجنة، والمصيبة الماحقة على من حاصره وسعى في قتله. وكان قتله يوم الجمعة لثمان ليال خلون من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة، بعد أن حجّ بالناس عشر سنين متوالية، والسنة التي قتل فيها أقام لهم الحج عبد الله بن عباس ﵄، وصلّى بالناس في بالمدينة وخطبهم على بن أبى طالب ﵁. ودفن ليلا في البقيع، بأرض اشتراها فزادها توسعة في البقيع، وكانت ولايته اثنتي عشرة سنة، إلا اثنتي عشرة ليلة (٢). لماذا يسميه الرافضة نعثلا ؟ ! لكثرة شعر رأسه ولحيته سماه الرافضة بذلك، تعاموا عن فضائله، وأبصروا كثرة شعر رأسه ولحيته فأطلقوا عليه ما يروقهم قاتلهم الله، فهم للشر أنزع، وعن الخير أبعد (٣)، وربما أرادوا ثلب عثمان بأسوأ معاني هذه الكلمة، وهم بوصف السوء أولى، ويكفي عثمان أنه شيخ تستحي منه الملائكة، واستحى منه رسول الله ﷺ (٤). تنبيه: إن خلافة الثلاثة؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃ تضمنها وعد الله المؤمنين بالاستخلاف في الأرض، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥) ولم يخلف الله وعده فقد خاطبهم به فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 100

مِنْكُمْ﴾ يعني الذين آمنوا مع رسول الله ﷺ ، فتحقق ذلك للمؤمنين بتمكين أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃ واستخلافهم، والتمكين لهم في الأرض، وجعلهم آمنين يَغزون ولا يُغزون، ويخيفون الأعداء ولا يخيفهم عدو، ولم يشق بهم جليسهم علي بن أبي طالب ﵁ الخليفة الراشد الرابع، فقد كان على الحق، وما حدث له ولعثمان قبله هو من البلاء، ولم يُمكَّن لعلي ﵁ ليقضي الله أمرا كان مفعولا.

стр. 101

علي بن أبي طالب ﵁ - نسبه ﵁ -: عليّ بن أبى طالب: عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم رسول الله ﷺ ، يكنى: أبا الحسن ﵄. أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، أسلمت وهي أوّل هاشمية ولدت لهاشمىّ (١). صفته ﵁ -: كان عريض اللحية وقد أخذت ما بين منكبيه، أصلع على رأسه زغيبات (٢). خلافة علي بن أبي طالب ﵁ -: ثبتت إمامة عثمان ﵁ بعد عمر ﵁ بعقد مَن عقد له الإمامة من أصحاب الشورى، الذين نص عليهم عمر ﵁، وهم خيار عدول، شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وتوفي وهو راض عنهم، فاختاروه ورضوا بإمامته، وأجمعوا على فضله وعدله. وثبتت إمامة علي ﵁ بعد عثمان ﵁ بعقد مَن عقدها له من الصحابة ﵃، من أهل الحل والعقد، قال ابن عمر ﵄: «كنا نقول على عهد رسول الله ﷺ : النبي، ثم أبو بكر، ثم عمر، ولقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إليَّ من حمر النعم: تزوج فاطمة، وولدت له، وغلَّق الأبواب غير بابه (٣)، ودفع الراية إليه يوم خيبر» (٤)، ولأنه لم يدَّعِها أحد من أهل الشورى غيره في وقته، وقد أجمعوا على فضله وعدله، وأحقيته بالخلافة، وقد حان وقتها له ﵁، وأن امتناعه عن دعوى الأمر لنفسه في وقت الخلفاء قبله كان حقا، لعلمه أن ذلك ليس وقت قيامه، لم يحتجّ علي على أحقيته بنص من الكتاب

стр. 102

ولا من السنة، لا بحديث الغدير ولا بغيره، وإنما ظن أنه الأحق لقربه من رسول الله ﷺ نسبا وصهرا، ولو علم إشارة واحدة في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ ، لا تحتمل التأويل على أحقيته بالخلافة لبادر إلى ذكرها والاستشهاد بها، ولكان أبو بكر وعمر وبقية الصحابة من أطوع الناس لعلي تنفيذا لما أورد، وقد كان علي الخليفة الراشد ﵁ ذكيا، فقد استدل على خطأ الزبير، قال علي للزبير ﵄: "تذكر يوم مررت مع رسول الله، ﷺ في بني غنم فنظر إلي فضحك وضحكت إليه، فقلتَ له: لا يدع ابن أبي طالب زهوه"، فقال لك رسول الله ﷺ : «ليس به زهو، لتقاتلنه وأنت ظالم له» قال الزبير: "اللهم نعم، ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبداً"، فانصرف علي إلى أصحابه فقال: "أما الزبير فقد أعطى الله عهداً أن لا يقاتلكم"، ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: "ما كنت في موطن منذ عقلت إلا وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا، قالت: فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أدعهم وأذهب" (١)، فكيف يستدل على خطأ الزبير، ولا يستدل على الإمامة الكبرى، لم يكن ذلك من الخليفة الراشد علي ﵁ إلا لعدم مجرد الإشارة فضلا عن النص، وأنه قلما كان لنفسه في وقت الخلفاء قبله، ثم لما صار الأمر أظهر وأعلن، ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد ﵁، كما مضى من قبله من الخلفاء، وأئمة العدل على السداد والرشاد، متبعين لكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ، هؤلاء هم الأئمة الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم ﵃ أجمعين، هم أصحاب الخلافة الراشدة، المأمور باتباع ما سنوا، قال رسول لله ﷺ : «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» (٢)، وهم خلفاء النبوة، قال سفينة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك» ثم قال سفينة للراوي عنه وهو سعيد بن جمهان: أمسك خلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان، ثم أمسك خلافة علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين (٣)،

стр. 103

ثلاثون سنة أقام الخلفاء الراشدون العدل على نهج النبوة، وابتدأ الملك بأمر معاوية بن أبي سفيان ﵄، ولم يكن في عداد خلفاء النبوة، وإن قيل خلافة معاوية، فذاك ملك وليس خلافة نبوة، وأشار رسول الله ﷺ إلى هذه المراحل، قال حذيفة بن اليمان ﵁: كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ ، قال: «نعم» قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ ، قال: «نعم، وفيه دخن» قلت: وما دخنه؟ ، قال: «قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر» قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ ، قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها» قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ ، قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ ، قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١). نفهم من حوار حذيفة هذا أن الخير الذي عاشه هو عهد النبوة وخلافة الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، والشر بعد ذلك ما وقع في خلافة عثمان ﵁ من خروج عليه وقتله ظلما وعدوانا، وهم أول نابتة الخوارج، والخير بعد هذا خلافة علي ﵁، وكان فيها الدخن بالخلاف بينه وبين معاوية لأن كلا الفريقين أتباع علي ﵁، وأتباع معاوية ﵁ هم من المسلمين، يؤيد هذا قول رسول الله ﷺ عن الحسن ﵁: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» (٢)، وقد وقع بينهما خلاف بسبب الشر الذي وقع لعثمان ﵁، لم يكن معاوية ﵁ معترضا على خلافة علي ﵁، بل طالب عليا بقتلة عثمان لأنه من أبناء عمومته يجتمع معه في أمية بن عبد شمس جد أبي سفيان ﵁، وتحققت سيادة الحسن ﵁ بحقن دماء المسلمين، إذ تنازل لمعاوية ﵁، والدعاة على أبواب جهنم هم الفرق

стр. 104

الضالة كالخوارج، والروافض، وما تولد منهما بعد ذلك، فقد أحدثوا في الدين أمورا عظيمة، تنسف أصول الإسلام، فالخوارج انشقوا عن الخليفة الراشد علي ﵁، في سنة (٣٧) وكفروه ومن معه، وزعموا أنهم هم المؤمنون، وحملوا السلاح لقتال من خالفهم، واستباحة ماله ودمه وعرضه، وقد تبرؤوا من خلافة عثمان بعد الفتنة، وهم رأسها، وتبرؤوا من خلافة علي بعد التحكيم، بدعوى لا حكم إلا لله ، وهي مقولة حق أريد بها باطل، كما قال علي ﵁، ولم تكن الرافضة أقل شرا وفسادا في الأرض من الخوارج: فإن من اعتقادهم القول بتحريف القرآن، وأن لهم قرآنا يأتي به المهدي المنتظر، من أبرز الأحكام فيه قتل العرب عن بكرة أبيهم، انتقاما لدولة الفرس، لأن عقيدتهم تكفير الصحابة جميعا عدا ما لا يزيد عن عدد أصابع اليدين، ورمي عائشة بالفاحشة، والقول بعصمة الأئمة من أبناء علي ﵁، ولاسيما ذرية الحسين ﵁، وعلمهم الغيب والتصرف في الكون، وكلام كثير لا يصدقه المجانين فضلا عن العقلاء، يدعون الناس إلى الإيمان بها، ومن لم يؤمن بها فهو عندهم كافر مباح الدم والعرض والمال، ينالون بقتله وتعذيبه أعلى الدرجات في الجنة بزعمهم، فهم لا شك دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم كفر، والكافر مصيره النار، نعوذ بالله من الضلال، ولذلك قال علي ﵁: في هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم إنا قوم أصابتنا فتنة هذه الدنيا (١)، ولا ريب أن الناس أصابتهم فتنة الدنيا خلال الست السنوات الأخيرة من خلافة عثمان ﵁، وما بعدها، ولذلك قال علي ﵁ هذا القول، فمن الناس من فتن في دينه، ومنهم من فتن في ماله وولده، ومنهم من فتن بطلب الجاه والسيادة، وكثرة الثراء والأتباع، وهكذا تستمر الفتنة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وقد كره علي ﵁ ازدحام الناس عليه، فمنهم المحب الصادق، ومنهم المحب الغالي، ومنهم الكاره له كالخوارج ومن شايعهم، فلما ضجر منهم قال: «اللهم إني قد كرهتهم وكرهوني، فأرحني منهم وأرحهم مني» (٢).

стр. 105

قتل علي ﵁ -: لم يكن علي ﵁ جاهلا بمجرايات الأمور، فلديه من خبر رسول الله ﷺ بها ما جعله يقول: «يا للدماء, لتُخضبن هذه من هذا» (١) - يعني لحيته من دم رأسه - وقد علم من رسول الله ﷺ ، كما علم عثمان أنه شهيد، وأنه يلج الجنة بسبب بلوى تصيبه، وفي رواية أن عليا ﵁ قال: «لتُخضبن هذه من هذا، فما ينتظر بالأشقى» قالوا: فأخبرنا به نبير عترته, قال: إذاً تالله تقتلون غير قاتلي, قالوا: أفلا تستخلف, قال: لا, ولكني أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله ﷺ , قالوا: فما تقول لربك إذا لقيته؟ قال: أقول: «اللهم إنك تركتني فيهم، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم; فإن شئت أصلحتهم, وإن شئت أفسدتهم» (٢). فكان القدر المحتوم على يد عبد الرحمن بن ملجم وشبيب الأشجعي اكتنفا عليا حين خرج إلى الفجر, فأما شبيب فضربه فأخطأه وثبت سيفه في الحائط, ثم أحصر نحو أبواب كندة, وقال الناس: عليكم صاحب السيف; فلما خشي أن يؤخذ رمى بالسيف ودخل في عرض الناس, وأما عبد الرحمن فضربه بالسيف على قرنه, ثم أحصر نحو باب الفيل; فأدركه عُريض أو عُويض الحضرمي; فأخذه فأدخله على علي, فقال علي: "إن أنا مت فاقتلوه إن شئتم أو دعوه، وإن أنا نجوت كان القصاص" (٣). برز انقسام المسلمين في خلافة عثمان، واستقر في خلافة علي ﵄، وهو من علامات نبوة رسول الله ﷺ ، وكان أمرا لا مفر منه، ولكن للمحق دلائل كونه على الحق، وللباغي دلائل تدل على بغيه. قال شيخ الإسلام ﵀ (٤): الخوارج تكفر عثمان وعليا وسائر أهل الجماعة. وأما "شيعة علي الذين شايعوه بعد التحكيم، وشيعة معاوية التي شايعته بعد التحكيم فكان بينهما من التقابل، وتلاعن بعضهم، وتكافر بعضهم ما كان، ولم تكن الشيعة

стр. 106

التي كانت مع علي يظهر منها تنقص لأبي بكر وعمر، ولا فيها من يقدم عليا على أبي بكر وعمر، ولا كان سب عثمان شائعا فيها، وإنما كان يتكلم به بعضهم فيرد عليه آخر، وكذلك تفضيل علي عليه لم يكن مشهورا فيها، بخلاف سب علي فإنه كان شائعا في أتباع معاوية، ولهذا كان علي وأصحابه أولى بالحق، وأقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، كما في الصحيح (١) عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين فتقتلهم أولى الطائفتين بالحق». وكان سب علي ولعنه من البغي الذي استحقت به الطائفة أن يقال لها: الطائفة الباغية، كما رواه البخاري في صحيحه (٢) عن خالد الحذاء، عن عكرمة قال: قال لي ابن عباس ولابنه علي: " انطلقا إلى أبي سعيد واسمعا من حديثه فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه فأخذ رداءه فاحتبى به ثم أنشأ يحدثنا حتى إذا أتى على ذكر بناء المسجد فقال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ ، فجعل ينفض التراب عنه ويقول: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن" (٣) ورواه مسلم عن أبي سعيد أيضا قال: "أخبرني من هو خير مني أبو قتادة: أن رسول الله ﷺ قال لعمار - حين جعل يحفر الخندق - جعل يمسح رأسه ويقول: «بؤس ابن سمية تقتله فئة باغية» ورواه مسلم (٤) أيضا عن أم سلمة، عن النبي ﷺ أنه قال: «تقتل عمارا الفئة الباغية». وهذا أيضا يدل على صحة إمامة علي، ووجوب طاعته، وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة، والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار - وإن كان متأولا - أنه لم يكن يجوز قتال علي، وعلى هذا فمقاتله مخطئ، وإن كان متأولا، أو باغ بلا تأويل،

стр. 107

وهو أصح القولين، وهو الحكم بتخطئة من قاتل عليا، وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين. وكذلك أنكر يحيى بن معين على الشافعي استدلاله بسيرة علي في قتال البغاة المتأولين، قال: أيجعل طلحة والزبير بغاة؟ ! ، رد عليه الإمام أحمد فقال ويحك وأي شيء يسعه أن يضع في هذا المقام: يعني إن لم يقتد بسيرة علي في ذلك لم يكن معه سنة من الخلفاء الراشدين في قتال البغاة. والقول الثاني: أن كلاً منهما مصيب، وهذا بناء على قول من يقول: كل مجتهد مصيب. وهو قول طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية. وفيها قول ثالث: أن المصيب واحد لا بعينه، ذكر الأقوال الثلاثة ابن حامد والقاضي وغيرهما. وهذا القول يشبه قول المتوقفين في خلافة علي من أهل البصرة، وأهل الحديث، وأهل الكلام: كالكرامية الذين يقولون: كلاهما كان إماما، ويجوزون عقد الخلافة لاثنين. لكن المنصوص عن أحمد تبديع من توقف في خلافة علي، وقال: هو أضل من حمار أهله، وأمر بهجرانه ونهى عن مناكحته ولم يتردد أحمد ولا أحد من أئمة السنة في أنه ليس غير علي أولى بالحق منه، ولا شكوا في ذلك. فتصويب أحدهما لا بعينه تجويز لأن يكون غير علي أولى منه بالحق وهذا لا يقوله إلا مبتدع ضال، فيه نوع من النصب، وإن كان متأولا، لكن قد يسكت بعضهم عن تخطئة أحد، كما يمسكون عن ذمه والطعن عليه، إمساكا عما شجر بينهم، وهذا يشبه قول من يصوب الطائفتين. ولم يسترب أئمة السنة وعلماء الحديث: أن عليا أولى بالحق وأقرب إليه، كما دل عليه النص، وإن استرابوا في وصف الطائفة الأخرى بظلم أو بغي، ومن وصفها بالظلم والبغي - لما جاء من حديث عمار - جعل المجتهد في ذلك من أهل التأويل. يبقى أن يقال: فالله تعالى قد أمر بقتال الطائفة الباغية، فيكون قتالها كان واجبا مع علي، والذين قعدوا عن القتال هم جملة أعيان الصحابة: كسعد، وزيد، وابن عمر،

стр. 108

وأسامة، ومحمد بن مسلمة، وأبي بكرة، وهم يروون النصوص عن النبي ﷺ في القعود عن القتال في الفتنة، وقوله ﷺ : «القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، والساعي فيها خير. . .» الحديث (١) وقوله: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» (٢) وأمره لصاحب السيف عند الفتنة أن يتخذ سيفا من خشب، جاء علي بن أبي طالب إلى أُبي فدعاه إلى الخروج معه، فقال له أُبي: "إن خليلي وابن عمك عهد إلي إذا اختلف الناس أن أتخذ سيفا من خشب، فقد اتخذته، فإن شئت خرجت به معك" (٣) وبحديث أبي بكرة للأحنف بن قيس لما أراد أن يذهب ليقاتل مع علي، وهو قوله: ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» (٤) الحديث. والاحتجاج على ذلك بقوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٥) وهذا مذهب أهل الحديث وعامة أئمة السنة، حتى قال: لا يختلف أصحابنا أن قعود علي عن القتال كان أفضل له لو قعد، وهذا ظاهر من حاله في تلومه في القتال، وتبرمه به، ومراجعة الحسن ابنه له في ذلك، وقوله له: ألم أنهك يا أبت؟ ، وقوله: لله در مقامٍ قامه سعد بن مالك، وعبدالله بن عمر، إن كان برا إن أجره لعظيم، وإن كان إثما إن خطأه ليسير. وهذا يعارض وجوب طاعته، وبهذا احتجوا على الإمام أحمد في ترك التربيع بخلافته، فإنه لما أظهر ذلك قال له بعضهم: إذا قلت كان إماما واجب الطاعة ففي ذلك طعن على طلحة والزبير، حيث لم يطيعاه بل قاتلاه، فقال لهم: أحمد: إني لست من حربهم في شيء - يعني أن ما تنازع فيه علي وإخوانه - لا أدخل بينهم فيه، لما بينهم من الاجتهاد والتأويل الذي هم أعلم به مني، وليس ذلك من مسائل العلم التي تعنيني، حتى أعرف حقيقة حال كل واحد منهم، وأنا مأمور بالاستغفار

стр. 109

لهم، وأن يكون قلبي لهم سليما، ومأمور بمحبتهم وموالاتهم، ولهم من السوابق والفضائل ما لا يهدر، ولكن اعتقاد خلافته وإمامته ثابت بالنص، وما ثبت بالنص وجب اتباعه، وإن كان بعض الأكابر تركه، كما أن إمامة عثمان وخلافته ثابتة إلى حين انقراض أيامه، وإن كان في تخلف بعضهم عن طاعته أو نصرته، وفي مخالفة بعضهم له من التأويل ما فيه، إذ كان أهون مما جرى في خلافة علي. وهذا الموضع هو الذي تنازع فيه اجتهاد السلف والخلف: فمن قوم يقولون بوجوب القتال مع علي كما فعله من قاتل معه، وكما يقول كثير من أهل الكلام والرأي الذين صنفوا في قتال أهل البغي، حيث أوجبوا القتال معه، لوجوب طاعته ووجوب قتال البغاة، ومبدأ ترتيب ذلك من فقهاء الكوفة واتبعهم آخرون. ومن قوم يقولون: بل المشروع ترك القتال في الفتنة، كما جاءت به النصوص الكثيرة المشهورة، كما فعله من فعله من القاعدين عن القتال، لإخبار النبي ﷺ أن ترك القتال في الفتنة خير وأن الفرار من الفتن باتخاذ غنم في رؤوس الجبال خير من القتال فيها، وكنهيه لمن نهاه عن القتال فيها، وأمره باتخاذ سيف من خشب، ولكون علي لم يذم القاعدين عن القتال معه، بل ربما غبطهم في آخر الأمر. ولأجل هذه النصوص لا يختلف أصحابنا أن ترك علي القتال كان أفضل، لأن النصوص صرحت بأن القاعد فيها خير من القائم، والبعد عنها خير من الوقوع فيها، قالوا: ورجحان العمل يظهر برجحان عاقبته، ومن المعلوم أنهم إذا لم يبدؤوه بقتال، فلو لم يقاتلهم لم يقع أكثر مما ووقع من خروجهم عن طاعته، لكن بالقتال زاد البلاء، وسفكت الدماء، وتنافرت القلوب، وخرجت عليه الخوارج، وحكم الحكمان، حتى سمي منازعه بأمير المؤمنين، فظهر من المفاسد ما لم يكن قبل القتال، ولم يحصل به مصلحة راجحة. وهذا دليل على أن تركه كان أفضل من فعله، فإن فضائل الأعمال إنما هي بنتائجها وعواقبها، والقرآن إنما فيه قتال الطائفة الباغية بعد الاقتتال، فإنه قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا

стр. 110

الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١)، فلم يأمر بالقتال ابتداء مع واحدة من الطائفتين، لكن أمر بالإصلاح وبقتال الباغية، وإن قيل: " الباغية يعم الابتداء والبغي بعد الاقتتال، قيل: فليس في الآية أمر لأحدهما بأن تقاتل الأخرى، وإنما هو أمر لسائر المؤمنين بقتال الباغية، والكلام هنا: إنما هو في أن فعل القتال من علي لم يكن مأمورا به، بل كان تركه أفضل، وأما إذا قاتل لكون القتال جائزا وإن كان تركه أفضل، أو لكونه مجتهدا فيه وليس بجائز في الباطن: فهنا الكلام في وجوب القتال معه للطائفة الباغية، أو الإمساك عن القتال في الفتنة، وهو موضع تعارض الأدلة، واجتهاد العلماء والمجاهدين من المؤمنين بعد الجزم بأنه وشيعته أولى الطائفتين بالحق، فيمكن وجهان: أحدهما: أن الأمر بقتال الطائفة الباغية مشروط بالقدرة والإمكان، إذ ليس قتالهم بأولى من قتال المشركين والكفار، ومعلوم أن ذلك مشروط بالقدرة والإمكان، فقد تكون المصلحة المشروعة أحيانا هي التآلف بالمال والمسالمة والمعاهدة، كما فعله النبي ﷺ غير مرة، والإمام إذا اعتقد وجود القدرة ولم تكن حاصلة كان الترك في نفس الأمر أصلح (٢). موقف علي ﵁ من الخلفاء قبله ﵃ - موقفه من أبي بكر: روى علي بن أبي طالب ﵁ قال: قام أبو بكر بعدما استخلف بثلاث، فقال: من يَستَقيلُني بيعتي فأقيله؟ ، فقلت: والله لا نقيلك، ولا نستقيلك، من ذا الذي يؤخرك وقد قدمك رسول الله ﷺ (٣)، هذا كلام علي بن أبي طالب ﵁ الحكم العدل في خلافة أبي بكر، ولذلك مما قال: ... فمشيتُ عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته، ونهضتُ في تلك الأحداث - حروب الردة - حتى زاغ الباطل وزهق، وكانت كلمة الله هي العليا
следующие страницы →