← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 36103

شرح قواعد الأصول ومعاقد الفصول

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (632 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال: (في أصح الروايتين عن الإمام أحمد) يعني لا تصح الصلاة في الدار المغصوبة في أصح الروايتين عن الإمام أحمد، وهو المذهب عند الحنابلة، المذهب الملتزم به أنها لا تصح في الدار المغصوبة، ولا يسقط بها الطلب، لماذا؟ قالوا لأن النهي يقتضي الفساد، والصحة تقتضي الثواب، فلا يجتمعان، ثواب وعقاب في شيء واحد من جهة واحدة لا يجتمعان، فحينئذ نقدم الحكم بالبطلان، لعلة أن هذه الصلاة منهي عنها فلا تشملها الأوامر التي نصت على وجوب الصلاة، [أقِمِ الصَّلاةَ]، [أقِيمُوا الصَّلاةَ]، نقول ليست هذه الصلاة داخلة فيها، لأن المراد (أقم الصلاة) على وجه الشرع، أن يكون المكان مباحا، أن يكون بوضوء، أن يكون مجتنبا للمحرمات، ألا يصلي في ثوب حرير ..

стр. 107

إلى آخره، أن يأتي بالواجبات وبالأركان، ليس المراد مطلق الصلاة، وإنما الصلاة مقيدة بالشرع، فيصير (أقم الصلاة) فقام عمدا صلى في مكان نجس أو في الحمَّام أو في المقبرة حكمنا في الصلاة بأنها باطلة، لماذا؟ لأن النهي يقتضي الفساد، هل نقول هذه الصلاة مأمور بها؟ لا، ليست مأمورا بها، وليست داخلة في الأوامر وإنما هي منهي عنها، وحينئذ الواجب والأمر لا يشمل المنهي عنه، قال: (لأن النهي يقتضي الفساد والصحة تقتضي الثواب فلا يجتمعان في عمل واحد، ومن أخل ومتى أخل مرتكب النهي بشرط العبادة أفسدها) لو صلى بلا وضوء ما الحكم؟ الصلاة، نقول باطلة أو لم تنعقد؟ إذا أحدث في أثناء الصلاة نقول بطلت الصلاة، وإذا أقدم وهو غير متوضيء نقول لم تنعقد الصلاة، وفرق بينهما، لم تنعقد الصلاة = لم يدخل بالصلاة أصلا، أما الثاني دخل في الصلاة وبطلت الصلاة، إذن: (ومتى أخل مرتكب النهي بشرط العبادة أفسدها) ونية التقرب بالصلاة شرط كما ذكرناه سابقا أن الواجب باعتبار اشتراط النية في الاعتداد به قسمان: منه ما لا يقبل إلا بنية الامتثال، ومنه الصلاة، إذن لابد أن يأتي بشرط الثواب وهو نية التقرب إلى الله ، فإذا لم يأتِ به كمن صلى بلا وضوء، أليس كذلك؟ من لم يأتِ به كمن صلى بغير وضوء، لماذا؟ لأن صحة هذا الواجب متوقفة على شرط الثواب، ونية التقرب بالصلاة شرط والتقرب بالمعصية محال، لأن الصلاة منهي عنها وفعله الذي قضاه بالحركة أو السكون أو قيام أو ركوع أو سجود نقول هذه ليست بعبادة، لأنها معصية والتقرب بالمعصية محال، إذن هل ممكن أن يأتي بشرط الثواب وهو فاعل لمعصية؟ لا يمكن، لا يمكن أن يصح شرط التقرب إلى الله وهو فاعل لمعصية، لأنه لا يتقرب إلى الله بالمعاصي، وإنما يتقرب إليه بالطاعات، وشرط الطاعات امتثال الأمر، أيضا من شرط الصلاة إباحة الموضع، أن يكون مباحا الموضع الذي تصلي فيه، والغصب محرم، فهو كالصلاة في المكان النجس، لو صلى عمدا في مكان نجس دون ضرورة حكمنا ببطلان صلاته، لأن اشتراط الطهارة في الموضع كاشتراطه في البدن والثوب، ولذلك شرط الطهارة طهارة الموضع والبدن والثوب هذا عند جماهير أهل العلم، إذن من شرط الصلاة إباحة الموضع وهو محرم فهو كالنجس، أيضا لأن الأمر بالصلاة لم يتناول هذه المنهي عنها، هذا أهم ما تقف معه، مع قوله (النهي يقتضي الفساد) أن الأمر بالصلاة لم يتناول هذه الصلاة المنهي عنها، هو منهي أن يستعمل الدار المغصوبة مطلقا، لا يرد أن يستعملها لأنها محرمة، لو صححنا استعماله أو مكنا له بعض الاستعمال لجعلنا له يدا على هذه الدار والأصل انتفاؤها، إذن هذه حجة المذهب في عدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة وهو الأرجح، لأن القاعدة أن النهي يقتضي الفساد مطلقا، (وعند من صححها) تفرع المصنف، تفرع فقال (وعند من صححها) إذن بعض العلماء وهو الجمهور يرون أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة، لماذا؟ لأنهم يقسمون النهي إلى ثلاثة أقسام: كلها ذكرها المصنف هنا، (وعند من صححها) يعني من صحح الصلاة في الدار المغصوبة (النهي ثلاثة أقسام: إما أن يرجع إلى ذات المنهي عنه) يعني يكون محل النهي هو الذات، هذه الذات لا توجد،

стр. 108

لا ينبغي أن توجد، وإنما النهي تعلق بها لإعدامها، كقوله: [وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا]، نقول الزنا تعلق به النهي، والمراد بالنهي هنا عدم إيجاد هذه الذات، [لا تُشْرِكْ بِاللهِ]، نقول النهي هنا تعلق بذات الشرك، والذي يضبط لك هذه المسألة أن المراد هو الذات أنه لا يمكن أن يوجد فرض منه وهو صحيح، مثلا قال (لا تشرك بالله) إذن الشرك منهي عنه، هل ثم فردٌ من أفراد الشرك دلَّ دليلٌ خارج عنه بالتصحيح له والإقرار؟ الجواب: لا، أبدا، (لا تشرك) هذا فعل مضارع، وهو مصدر [ .. ]

стр. 109

من مصدر وزمن، دخلت عليه (لا) الناهية، إذن صار نكرة في سياق النهي فتعم، النكرة في سياق النهي من صيغ العموم، حينئذ (لا تشرك) يعني لا يقع منك أي فرد من أفراد الشرك، كل فرد من أفراد الشرك فهو منهي عنه بهذه الآية، فحينئذ نقول: هذا النهي عائذ إلى ذات المنهي عنه، بدليل أنه لا يوجد فرد منه صحيح قد جوزه أو استثني في موضوع آخر، (لا تقربوا الزنا) أيضا نقول إن النهي هنا عائد إلى ذات الزنا، [لا تَأْكُلُوا الرِّبَا] نقول هذا النهي عائد إلى ذات المنهي عنه، إما ان يرجع إلى ذات المنهي عنه حينئذ فيضاد وجوبه، فحينئذ لا يمكن أن يُصحَّح، فإذا قال: (لا تأكلوا الربا)، [وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا]، لا يمكن أن يأتي عقد بربا صريح ليس فيه شبهة أو لم يقل عالم له باستثناء هذه الصورة فنقول هذا صحيح، لماذا؟ لأنه باطل، والبطلان والصحة لا يجتمعان في شيء واحد، كذلك الوجوب والتحريم لا يجتمعان في شيء واحد وقد تعلق النهي بذات المنهي عنه، إما أن يرجع إلى ذات المنهي عنه فيضاد وجوبه، فلا يجتمعان حينئذ، فيستحيل الاجتماع، (أو إلى صفته) يعني النوع الثاني من أقسام النهي عند من صحح الصلاة في الدار المغصوبة أن يرجع النهي إلى صفته، يعني إلى صفة الفعل المنهي عنه لا إلى ذاته، بأن يكون الداء من حيث هي مطلوبة الفعل ولكن لما قام بها وقد نهي عنها فحينئذ نجعل النهي راجعا إلى صفة المنهي عنه، كما مثل هنا وبالمثال يتضح المقال، (أو إلى صفته) يعني صفة المنهي عنه، (أن يكون الفعل مطلوبا والنهي راجع إلى صفة من صفاته، كالصلاة في السُّكْر الصلاة من حيث هي مطلوبة، أليس كذلك؟ [وَأقِيمُوا الصَّلاةَ]، [أقِيمُوا الصَّلاةَ]، "خَمْسُ صَلَوَاتٍ" إذن هي مطلوبة، لكن والسكر أيضا منهي عنه مطلقا، فلما قام بالصلاة وصف السكر بأن كان المصلي سكرانا حينئذ نُهِيَ عن هذه الصلاة وقال: [لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ] صلاة منهي عنها أو لا؟ الصلاة هنا في الآية منهي عنها أو لا؟ نقول منهي عنها، هل النهي لذات الصلاة بحيث أن الصلاة لا يمكن أن توجد كالشرك والزنا؟ نقول: لا، لماذا؟ لتصحيح الصلاة، بل للأمر بها في مواضع أخَر، فحينئذ ننظر إلى هذا النص [لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى] فنقول: النهي هنا راجع إلى صفة في الصلاة لا إلى ذات الصلاة، إذن الصلاة مطلوبة ونُهِيَ عنها لوصف السكر القائم بالمصلي، والحيض، لو صلت الحائض نقول صلاتها منهي عنها، هل النهي هنا لذات الصلاة؟ نقول: لا، وإنما لوصف قائم بالمُصَلِّيةِ، وهي كونها حائضا، ولذلك جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال لفاطمة: "فإذا أقبلتِ الحيضةُ فدعي الصلاةَ، وإذا أدبرتِ اغتسلي وصلي" والأماكن السبعة، ما هي الأماكن السبعة؟ ذكرها هنا في الحاشية، التي جاءت في حديث ابن عمر: "نهى الرسول ﷺ أن يُصَلَّى في سبع مواطن: المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله" نقول الصلاة في موضع من هذه المواضع السبعة منهي عنها، هل نُهِيَ عنها لذاتها؟ الجواب: لا، وإنما نُهِيَ عنها لوصفٍ قام بها وهو كونها في محل منهي عنه، والحديث ضعيف، وإنما

стр. 110

ثبت النهي عن ثلاثة مواضع فقط: المقبرة، والحمام لحديث أبي سعيد: "الأرض كلها مسجد إلا الحمام"، ومعاطن الإبل، لحديث أبي هريرة: "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل"، أما السبعة هذا حديث ضعيف. (والأوقات الخمسة)، أوقات النهي الخمسة، (من طلوع الفجر أو بعد صلاة الفجرإلى طلوع الشمس ومن طلوع الشمس إلى ارتفاعها قيد رمح، وعند قائمة الظهيرة ومن بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، أو عند الشروع في الغروب إلى أن تغيب أو يغيب قرص الشمس كاملا) كما هو في أول النهار، لذلك أول النهار وقتان: من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، ومن طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، أيهما أشد كراهة؟ الثاني، والصواب التحريم ليس الكراهة، لكن على قول الجمهور، أشد كراهة من ارتفاع الشمس، من طلوع الشمس إلى ارتفاعها قيد رمح، لذلك جاء النص فيها، والأوقات الخمسة، إذن نقول هذه الأمثلة التي ذكرها المصنف أمثلة لصلاة اتصفت بصفة وهي منهي عنها، ولكن النهي راجع إلى الوصف، فسماه أبو حنيفة فاسدا، المنهي عنه لوصفه النوع الثاني سماه فاسدا، وسيأتينا في الصحة والبطلان. وقابل الصحة بالبطلان.:. وهو الفساد عند أهل الشان. وخالف النعمان فالفساد.:. ما نهيه للوصف يستفاد.

стр. 111

الباطل والفاسد عند الأحناف في العبادات سيان وفي المعاملات مختلفان، هكذا قاعدة الأحناف، في العبادات سيان يعني مترادفان كالجمهور، وفي المعاملات مختلفان، الباطل ما مُنع بأصله ووصفه، والفاسد هو الذي ذكره هنا ما شُرع بأصله ومُنع بوصفه، بيع الخنزير بالدم، الثمن والمثمن منهي عنه لذاته في البيع فحينئذ نقول هذا باطل، العقد باطل لماذا؟ لأنه مُنِعَ بأصله ووصفه، أما بيع الدرهم بدرهمين الأصل جواز بيع الدرهم بالدرهم بشرطه، فإذا باع درهما بدرهمين حُرِّمَ لا لكون عدم جواز بيع الدرهم بالدرهم (المال بالمال) وإنما للتفاضل الذي وقع في هذا العقد، فهذا شُرعَ بأصله وهو بيع الدرهم بالدرهم إلا أنه لما كان الثمن أكبر من المبيع وقع الربا، وهذا سيأتينا بحثه، فسماه أبو حنيفة فاسدا لأنه شُرع بأصله ومُنعَ بوصفه، ثم قال: (وعندنا) وعند الشافعية (وعندنا) يعني معاشر الحنابلة (وعندنا وعند الشافعية أنه من القسم الأول) وهو أنه منهي لذاته، (وعندنا وعند الشافعية أنه من القسم الأول) يعني النهي لذاته، فحينئذ يكون باطلا، فإذا صلى في الأوقات الخمسة، ما حكم الصلاة؟ باطلة، هكذا إذا صلى في الأوقات الخمسة الصلاة باطلة عند الفقهاء، إذا صلى في أوقات النهي ما حكم الصلاة؟ لم تنعقد، إذا صلى (إذا) شرطية، و (صلى) هذا فعل ماضٍ، كل صلاة في أوقات النهي فهي باطلة؟ كيف تقول باطلة؟ قضاء الفوائت (الفرائض الفائتة) بالإجماع أنها صحيحة وجائزة وليست بباطلة في أوقات النهي، إذن ما يعمم الحكم وإنما تقول ما ليس بقضاء فريضة، أما قضاء الفريضة فهو جائز باتفاق، ما لم يكن كذلك ولم يكن من ذوات الأسباب فالجمهور على البطلان، وما كان من ذوات الأسباب فهذا فيه خلاف بين الشافعية وغيرهم، والجمهور أيضا على البطلان، ولذلك المذهب لا تصح، سواء كان من ذوات الأسباب أو من غيرها وهذا هو الأصح، أن التنفل مطلقا في أوقات النهي محرم على الصحيح وليس بمكروه والصلاة باطلة، إذن أرجعناه إلى الأول وهو كون النهي هنا عائدا إلى الذات (ذات المنهي عنه) وليس عائدا إلى وصفه لأن المنهي عنه الصلاة نفسها بوصف السكر [لا تقربوا الصلاة] حينئذ الصلاة نفسها منهي عنها لأن الصلاة هذه القول بالامتثال في مثل هذه لا يمكن، متعذر، لأن الرجل الآن قائم يصلي، أنت لا تتحدث عن سكر دون صلاة ولا عن صلاة دون سكر، تنبه لهذا!! أنت لا تحكم الآن على صلاة دون سكر ولا سكر دون صلاة، وإنما رجل أمامك الآن يصلي وهو سكران، ما حكم الصلاة؟ نقول الصلاة هذه منهي عنها، نفسها منهي عنها، لماذا؟ لقوله تعالى: [لا تقربوا الصلاة] والنهي يقتضي الفساد مطلقا، أيضا فوات شرط التقرب وهو النية، هل يمكن أن ينوي السكران؟ إيش ينوي؟ ظهرا أو عصرا؟ ما ينوي، فحينئذ لانتفاء النية لا يمكن أن يتصور، لذلك فهو غير مكلف إذا كان قد أخذ في السكر، غير مكلف، إذن غير مخاطب بالصلاة، لو صلى حكمنا على صلاته بأنها باطلة، للنهي ولانتفاء القصد، ما هو المنهي عنه هنا؟ هل هو السُّكر لكونه في الصلاة؟ أو الصلاة التي أُدِّيَتْ بسُكر؟ الثاني، المنهي عنه الصلاة نفسها التي وُصفَتْ بالسُّكر، لا النهي راجعا إلى السُّكر ابتداءً، لا، السُّكر

стр. 112

ابتداءً هذا منهي عنه بنصوص أخرى، يعني التحريم ثابت قبل الصلاة وبعد الصلاة، كذلك صلاة الحائض نقول هذه الصلاة عينها منهي عنها وليس النهي عائدا للحيض لكونه صفة في الصلاة، فدعوى أن النهي متعلق بالصفة (صفة المنهي عنه) لا بذاته هذه عقلية ولا تصح، يعني هذه الدعوة باطلة، وإنما انتفاء الصفة عن الموصوف في مثل هذه الأمثلة التي فيها بالخصوص لا يتصور، بل نقول هذا داخل في القسم الأول فيكون باطلا، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد (رحمة الله عليهم أجمعين) لأن المنهي عنه هو الموصوف وليس الصفة، هو الصلاة نفسها وليس الامتثال، هو الموصوف وليس الصفة، الصلاة الواقعة في حالة السُّكر، الصلاة الواقعة في المقبرة، الصلاة الواقعة وقت الزوال، إذن المنهي عنه هو نفس الصلاة، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة، لأن المنهي عنه نفس هذه الصلاة الواقعة في حالة السُّكر والحيض أو نحوها، ولذلك حكمنا ببطلانها، قال: (ولذلك بطلت)، لأن حكم القسم الأول هو البطلان، (أو لا)، يعني إيش؟ (أو لا إلى واحد منهما)، فالقسم الأول أن يكون عائدا إلى ذات المنهي عنه، القسم الثاني أن يكون عائدا إلى صفة في المنهي عنه، (أو لا إلى واحد) يعني ليس عائدا إلى ذات المنهي عنه ولا إلى صفة قائمة بالمنهي عنه وإنما لأمر خارج عنه، (كلبس الحرير في الصلاة) جاء النص بتحريم لبس الحرير للذكر، وجاء الأمر بالصلاة (صلاة الظهر ونحوها)، فإذا صلى وهو لابس للحرير حينئذ نقول النهي هنا هل هو إلى ذات المنهي عنه؟ قالوا: لا، هل هو إلى وصف قائم بالمنهي عنه؟ الجواب: لا، هكذا عندهم، (فإن المصلي فيه جامع بين القربة والمكروه، إذن هو مطيع من جهة قيامه للصلاة، وهو عاصٍ) هو يقول بين القربة والمكروه، لعله يرى أن لبس الحرير مكروه، والصحيح أنه حرام، بين القربة والتحريم، إذن لبس الحرير حرام، فيأثم على لبس الحرير وفعل الصلاة واجب فيثاب على فعل الصلاة، فحينئذ تصح الصلاة مع الإثم، لا نقول الصلاة باطلة كما قلنا هناك، أن الصلاة في حالة السكر باطلة، بل نقول هنا الصلاة صحيحة مع الإثم على فعل المحرم وهو لبس الحرير، لماذا؟ قال: لأن الجهة منفكة، وهو أن الصلاة مطلوبة من حيث هي ولبس الحرير منهي عنه، محرم من حيث هو، وليس لبس الحرير صفة داخلة في ذات الصلاة أو مؤثرا على الصلاة، فحينئذ نقول الجهة منفكة، ولذلك قال: (فإن المصلي فيه جامع بين القربة) يعني بالصلاة (والمكروه) يعني بلبس الحرير (بالجهتين) جهة القربة والكراهة ولا استحالة في ذلك، فلذلك قال: (بل تصح)، ومن هنا قال بعضهم إن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة لانفكاك الجهة، قال المكان المغصوب كلبس الحرير، الغصب (هذا قول الجمهور لكنه ليس بالصحيح، أن الغصب محرم من حيث هو، والصلاة مطلوبة من حيث هي، إنما الجهة منفكة، فإذا صلى في دار مغصوبة نقول الصلاة صحيحة ويثاب عليها ويأثم من حيث الغصب) لكن نقول هذا ليس بالسديد، لماذا؟ لأن الحكم هنا (دائما نقول) الحكم على صلاة معينة، نجد أمامنا الآن يصلي في دار مغصوبة، كيف نقول الصلاة من حيث هي مطلوبة مثال عليها، والغصب من حيث هو محرم؟ إذا قيل الشيء من حيث هو فاعلم أن هذا القسم منطقي أو

стр. 113

عند المتكلمين، لماذا؟ لأنه إذا قيل في مثل هذه الصلاةِ صلاةٌ من حيث هي نقول هذا أمر ذهني لا وجود له في الخارج، لماذا؟ هل أمرنا الله بصلاة من حيث هي؟ أو بصلاة بشروط ومنها إباحة المكان؟ الثاني وليس الأول، أما من حيث هو يعني معناه تصور صلاة لا في مكان، يمكن؟ هل تتصور الرجل يصلي لا في مكان؟ في الهواء؟ نقول هذا مستحيل، فحينئذ القول بانفكاك الجهة في الصلاة في الدار المغصوبة لا وجه له، وهو قول الجمهور، بل نقول هذه الصلاة عينها لا يمكن أن تنفك الجهة بل الجهة واحدة، فحينئذ يكون من القسم الأول فالصلاة باطلة، وسيأتينا في بحث النهي أن النهي يقتضي الفساد مطلقا، وسيأتي هذا الباب في موضعه، ونقف على هذا. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 114

عناصر الدرس * المكروه * المباح. الدرس الخامس ٤ - و (مكروه) وهو ضد المندوب: ما يقتضي تركه الثواب ولا عقاب على فعله، كالمنهي عنه نهي تنزيه. ٥ - و (مباح)، و (الجائز) و (الحلال) بمعناه: وهو ما لا يتعلق بفعله أو تركه ثواب ولا عقاب. وقد اختلف في حكم الأعيان المنتفع بها قبل الشرع بحكمها، فعند أبي الخطاب والتميمي الإباحة كأبي حنيفة، فلذلك أنكر بعض المعتزلة شرعيته، وعند القاضي وابن حامد وبعض المعتزلة: الحظر، وتوقف الجزري والأكثرون. بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد. فهذا هو الحكم الرابع وهو المكروه الحكم الرابع من الأحكام التي عنَّون لها المصنف بعنوان الأحكام التكليفية قال وهي خمسة، ذكر الواجب والمندوب ثم هذا الرابع وهو المكروه، كما سبق تصنيف هذه الأحكام يختلف طريقة الأصوليين من مذهب إلى مذهب ومن عالم إلى آخر.

стр. 115

وهنا ربَّع بالمكروه، يعني ذكر المكروه بعد الحرام لاشتراكهما في مطلق الطلب، يعني كل منها حرام والمكروه مطلوب وإن كان الحرام مطلوب الترك على جهة الجزم والمكروه مطلوب الترك ليس على جهة الجزم، وأيضاً يشتركان في اللفظ فكما أن المكروه كراهة ذيلية يُطلق في الاصطلاح كراهة أو مكروه، فكذلك الحرام يُسمى مطلقاً في الشرع، وتخصيص المكروه به ما هو منهي عنه نهي تنزيه كما ذكر المصنف وله اصطلاح خاص بالأصوليين، وإذا في الشرع فيُطلق المكروه مراداً به كراهة التحريم كما في قوله تعالى ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ الإسراء٣٨، كل ذلك المشار إليه من قوله ﴿َألاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ إلى آخر ما ذكر من المُحرمات وأشار ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ من أشد المُحرمات وهو الشرك بالله إلى أدناها ﴿كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ إذاً أطلق عليه الكراهة. إذاً يشتركان في اسم الكراهة، ثالثاً ذكر المكروه بعد الحرام لكون كل منهما منهي عنه، فالحرام منهي عنه والمكروه أيضاً منهي عنه، وإن كان النهي في الحرام نهياً على جهة الجزم نهياً جازماً وفي المكروه منهي عنه نهياً غير جازم. إذا اشتركا في ثلاثة أمور، في مُطلق الترك في التسمية في مُطلق النهي، كل منهم منهي، وعليه نقول الأصح عند الجمهور أن المكروه منهي عنه حقيقة كما أن الحرام منهي عنه حقيقة. وذِكر المُصنف لمكروه في ضمن أحكام التكليف يُبين لك أنه يره أن المكره حكم تكليفي وهو الأصح، ولذلك يُقال المكره على وزان المندوب يعني مثله، وكما الأول الذي هو المندوب مأموراً به حقيقة عند الجمهور كذلك المكروه منهي عنه حقيقة عند الجمهور. وكما أن المندوب حكم تكليفي وإن لم يكن موافقاً للجمهور ولكنه على الأصح كذلك المكروه حكمه تكليفي وإن لم يوافق الجمهور. إذاً الجمهور لهم خلافان، إثبات أن المندوب مأمور به حقيقة وعليه الجمهور وغير الجمهور على أنه مأمور به مجازاً. هل المندوب حكم تكليفي؟ الجمهور على أنه ليس بحكم تكليفي وغير الجمهور على أنه حكم تكليفي هو الأصح. المكروه هل هو منهي عنه حقيقة؟ الجمهور نعم هو منهي عنه حقيقة وأدلة هذا دليل ذلك والدليل الدليل والاختلاف الاختلاف كما قال بعضهم، وهل المكروه حكم تكليف؟ الجمهور لا على أنه ليس بحكم تكليفي والصواب بأنه حكم تكليفي ولذلك ذكره المصنف هنا في ضمن الأحكام التكليفية، ولذلك تعجب كثيراً للأصوليين يرى أنه ليس بحكم تكليفي ثم يقول الأحكام التكليفية تقسم: الواجب والمندوب والحرام والمكروه المُباح، المُباح يكاد يكون اتفاق أنه ليس مكلفاً له أما المكروه والمندوب فهذان يذكران في ضمن أحكام الشرع التكليفية، فريق يُرجح بأنهما ليسا بحكمين تكليفيين، إذاً قول هو مكروه شروع في القسم الرابع والمناسبة ما ذكرناها مع المحظور، مكروه على زنة مفعول من كُرِه يُكرَه فهو مكروه. ولا تقل من كَرِه، لأن اسم المفعول يأتي من الفعل مُغيَّر الصيغة، لا تقل من كَرِه لا من كُرِه يُكرَه فهو مكروه.

стр. 116

وأما كاره هذا يأتي من كَرِه يكره فهو كاره، اسم الفاعل يأتي من الفعل المبني للمعلوم، واسم المفعول يأتي من الفعل مُغيَّر الصيغة، حينئذ نقول مكره على زنة اسم مفعول، مُشتق منه كُرِه يُكرَه فهو مكروه. المكروه لغة المبغوض وقيل ضد المحبوب أصلاً من الكره، وقيل من الكريهة وهي الشدة في الحرب، فالمكروه في اللغة هو المبغوض، وكل بغيض إلى النفس فهو مكروه في اللغة، إذاً نقول المكروه ضد المحبوب، وذلك جاء في القرآن ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ الحجرات٧، إذاً المكروه ضد المحبوب، وفي الاصطلاح وهو ضد المندوب، ضد المندوب من أي حيثية نقول كما قلنا في الحظر هناك أنه ضد الواجب باعتبار أنه تقسيم أحكام التكليف لأن المندوب ما يُثاب على فعله ولا يُعاقب على تركه، هنا عكسه يُثاب على الترك امتثالاً ولا يُعاقب على الفعل. من هذه الحيثية هو ضد المندوب. ولذلك عند هذه الجملة يُقرر الأصوليون أن المندوب يسير على وزان المكروه ولذلك في كثير في المسائل التي يذكرونها في المندوب لا تُعاد في المكروه، ولذلك لا يبحثون هل المكروه حكم تكليفي أم لا وأصلاً لا يتكلمون على هذه المسألة ولكن يُقال على وزان المندوب، حينئذ إذا كان على وزانه فالأرجح عند من رجَّح أن المندوب حكم تكليفي حينئذ صار المكروه حكم تكليفي وعند من رجَّح أن الأصح أن المندوب مأمور به حقيقة حينئذ صار المكروه مأمور به حقيقة. وهو أي المكروه ضد المندوب من حيث الأحكام كلها. ما يقتضي تركه ثواباً ولا عقاب على فعله، نأخذ من هذا أن قوله مكروه في الأصل ليس حكماً شرعياً ليس هو الحكم الشرعي وإنما هو مُتعلَق الحكم الشريعي فحينئذ يكون المُصنف هنا أطلق المُتعلَق على المُتعلِق لأن المُتعلِق بالكسر هو الحكم الشرعي ولذا نقول (خطاب الله المُتعلِق) بكسر اللام بفعل الُمكلَّف، إذا فعل المُكلف مُتعلَق به، المكروه صف لفعل المُكلَف، حينئذ نقول الخطاب المُقتضي للفعل أو في المكروه نقول للترك الخطاب المقتضي لترك الفعل اقتضاءاً غير جازم هذا هو الكره.

стр. 117

كونه مُتعلقاً بصفة فعل المُكلَّف حينئذ صارت فعل المكلف مكروها إذا المكروه صفة للفعل المكلف وهو بحكم شرعي، ولذلك قال (ما يقتضي) هذا تعريف به الثمرة واللازم والحكم وإذا أردنا تعريفه من حيث الحقيقة وذكر حد يُبين ويكشف المعنية نقول ما طلب الشارع تركه طلباً غير جازم أكثر الحدود التي تُذكر في الواجب وفي المندوب وفي الحرب والمكروه مُتقاربة وأكثرها لا بأس بها، ولذلك أتي في هذا الدرس على جهة الخصوص بالأسهل، ما طلب الشارع تركه هذا فعل جنس يشمل جميع الأفعال التكليفية الواجب والمندوب والحظر والمكروه والمباح، طلب خرج الإباحة لأنه لا طلب فيها ما طلب الشارع تركه خرج الواجب والمندوب لأن الشارع طلب فعله، طلباً غير جازم، طلباً هذا إعرابه مفعول مطلق مُبين للنوع، طبي غير جازم يعني غير مقطوع به ووجه القطع وعدم القطع في هذا الموضع في الواجب والمندوب يُفسر بترتب العقاب إما على الفعل أو على الترك لماذا لأنك تقول طلباً جازماً، ما هو الطلب الجازم طلب غير جازم ما المراد به طلباً جازماً غير محكوماً به متى حكمنا عليه أنه طلب جازم وهذا طلب غير جازم نقول طلب الجازم في الواجب بحيث رتب الشارع العقوبة على تركه، إذاً عرفنا الجزم باعتبار ترتب العقوبة، قد لا يرد في بعض الأوامر ترتب هل كل واجب أمر به الشرع نص على العقوبة عليه وإلا لما وقع خلاف في كثير من المسائل هل هي واجبة أم لا، نقول صيغة افعل إذا ترجَّح أنها للوجوب حينئذ كلف الصيغة نفسها على ترتب العقاب لأن هذا هو حقيقة الواجب، فإذا قيل صلي ولم يرد ترتب العقوبة على ترك الصلاة حينئذ نأخذ أن صيغة افعل صلي دلت على العقوبة لماذا؟ لأنني لما أقول صلي عند الإطلاق يفيد الواجب، ما ضابط الواجب ذكرناه في الثمرة ما يُثاب على فعله ويُعاقب على تركه، هنا لم تُذكر عقوبة في صلي نقول من جهة اللفظ أُخذت العقوبة وإلا لا معنى لدعوى أن صيغة افعل تدل على الوجوب. إذاً ما طلب الشارع تركه طلباً غير جازم غي قاطع غير مقطوع به بحيث لا يرتب العقوبة على الترك فحينئذ نقول هذا هو المكروه وبعضهم يقول ما نهى الشارع عنه نهياً غير جازم وهذا قليل من الأول على سنن قولهم في الواجب ما أمر به الشارع أمراً غير جازم وكل التعاريف هذه متقاربة وغالباً النقد لا يكاد يسلم منه حد ولكن يكون الأقرب هو الذي يذكر.

стр. 118

ما يقتضي إذا عرفنا حقيقة المكروه من حيث الحقيقة والماهية، من حيث الحكم والثمرة وما يترتب عليه، قال ما أي فعله هذا جنس يقتضي تركه يعني يترتب على تركه أو يطلب تركه، يعني ترك هذا الفعل الثواب، وعرفنا معنى الثواب الجزاء مطلقاً، ولا عقاب على فعله، ما يقتضي تركه الثواب، إذا تركه ولم يفعله ترتب عليه الثواب بشرطه ولذلك نُقيد هنا الثواب ما قيدنا به الحرام لماذا لأن مطلق الترك لا ثواب فيه، وإنما الثواب يترتب على من أتى بهذا الترك وهو فعل أتى به على وجه القربة لله ومثله الترك لما يُحرَم من غير قصد زال عن مُسَلم، وأن قصد الترك غير مشترط بلى لتحصيل الثواب يُشترط، هكذا قال السيوطي. حينئذ نقلو ما يقتضي تركه يعني فعله يقتضي تركه الثواب من الله بشرطه وهو النية التقرب إليه ، فإن تركه لا بنية التقرب نقول لا عقاب هو لا يُعاقب أصلاً وإنما لا يُثاب بزوال شرط الامتثال وهو نية التقرب إليه سبحانه ولا عقاب على فعله لماذا نفينا العقاب؟ لو قال قائل ولا عقاب على فعله لماذا ننفي العقاب على فعل المكروه؟ لأن طلب غير جازم ومعنى أنه طلب غير جازم أن الشرع لم يرتب على فعله العقوبة، إذاً قوله لا عقاب على فعله هذه مرتبة بالجزم وعدم الجزم، عدم الجزم كونه مطلوباً تركه طلباً غير جازم قلنا لابد أن نقف مع جازم وغير جازم، لماذا نفسرها؟ نفسرها جازم بمعنى قاطع ما دليل هذا الجزم لأن رتب الشارع على الفعل في الواجب أو على الترك في المحظور العقوبة. عدم الجزم يعني عدم قطع يعني ما طلب الشارع هذا الفعل قطعاً بمعنى أنه لو تركه لا إثم عليه، ولو ترك الواجب عليه إثم إذا قيده بالجزم.

стр. 119

إذاً ولا عقاب يعني ولا عقوبة ولا تنكيل على المعصية على فعله يعني على فعل المكروه لماذا؟ لأن طلبه غير جازم بحيث جوَّز الشرع الترك مع كونه مطلوباً، إذاً تركه راجح وفعله مرجوح، إذاً عندنا في المكروه راجح ومرجوح كما أن في المندوب راجحاً ومرجوح، عندنا في الاثنين قلنا المكروه ضد المندوب أليس كذلك؟ هذه قاعدة لذلك تصدر بها الباب هنا ومكروه وهو ضد المندوب، ولذلك المتون المفسرة تأتي في الغالب الكلمات تكون تحتها معاني كثيرة، ومكروه وهو ضد المندوب، المندوب فيه فعل وترك، أيهما راجح وأيهم مرجوح؟ فعله راجح وتركه مرجوح، الترك هل مُترب عليه عقاب؟ الجواب لا، وهذا هو شأن المندوب أنه جائز الترك، ولذلك قيل لا يمكن أن يكون الواجب جائز الترك، وهذه على شبهة ما أنكر الواجب الموسع من المعتزلة ونحوهم، أن جائز الترك لا يمكن أن يكون واجباً لماذا؟ لأن الواجب قد رتب على الشرع على تركه العقوبة وجائز الترك مطلقاً لا عقوبة على تركه، إذاً نقول عندنا في المندوب فعل وترك، الفعل راجح لأن الشرع طلب إيجاده والترك مرجوح لأن الشرع لم يرتب العقوبة على الترك، المكروه عكسه عندنا فعله وترك، تركه راجح لأن الشارع طلب الترك لذلك صار راجحاً والفعل مرجوح لأن الشرع لم يُرتب العقوبة على فعله، ما يقتضي تركه ثواب ولا عقاب على فعله إيقاعه وإيجاده كالمنهي عنه نهياً تنزيه، هذه العبارة قد يكون فيها تصحيح أو نوع خطأ في الطابعة ونحوها، المنهي عنه نهي تنزيه، قال مكروه ضد المندوب وعرفه، قال كالمنهي ما هو المُشبَه وما هو المُشبَه به؟ المكروه والمنهي عنه نهي تنزيه هو المكروه، كذلك هو هذا ظاهر العبارة، فما الذي يريده المُنصف من هذه العبارة يمكن أن يكون قوله كالمنهي وهو النهي عنه نهي تنزيه تصح العبارة ولا إشكال، لماذا لأنه فيه بيان أن المنهي نوعان منهي عنه نهي تنزيه ومنهي عنه نهي تحريم ولذلك يُقال لعل في النسخة تصحيحاً، كالمنهي وهو منهي عنه فحينئذ يكون زادنا مسألة وهو أن المكروه منهي عنه وهذه المسألة وإن كانت دخيلة في قول ضد المندوب لكنها من جهة دلالة التضمن، وهنا قد نقف على هذه المسألة، لو قيل وهو منهي عنه نهي تنزيه نستفيد من هذا مسألة جديدة وهو أن المكروه على الأصح عند الجمهور أنه منهي عنه وهذا النهي وهذا النهي نهي تنزيه اعتراضاً من نهي التحريم. هذا عند المتأخرين اصطلاح المفروض على المنهي عنه نهيا تنزيه، المكروه في عرف المتأخرين للتنزيه لا للتحريم وهذا اصطلاح خاص بهم عند الأصوليين وكذلك الفقهاء وإن كان عندهم لا يمتنع أن يُطلق على الحرام لماذا؟ لورده في الكتاب والسنة، ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ﴾ إذاً أُطلق المكروه على الحرام، وبعضهم يمثل إطلاقه على كراهة تنزيهية بقوله ﷺ (وكره لكم قيل وقال) كره هنا فُسرت عند بعضهم بالكراهة التنزيهية، حينئذ على هذا القول المكروه في الشرع يطلق مراداً به التحريم حرام ويُطلق ويُراد به المكروه الذي هو في الاصطلاح للأصوليين المتأخرين.

стр. 120

وحينئ نحتاج إلى قرينة إذا وُسع في هذا المصطلح، لماذا؟ لأنه يصير من قبيل المشترك، إذا كان له معنيان نهي نهي تحريم ونهي نهي تنزيه حينئذ نحتاج إلى دليل يفصل في هذه المسألة كالمنهي عنه نهي تنزيه يُطلق المكروه على الحرام كما ذكرناه أليس كذلك؟ وهذا الإطلاق كثير عند المتقدمين كالإمام أحمد والشافعي وغيرهم من الأئمة ولذلك قيل إن الإمام أحمد قال أكره المتعة والصلاة في المقابر، أكره المتعة وهي حرام والصلاة في المقابر وهما مُحرمان، وإنما كانوا يخافون من إطلاق لفظ الحرام تورعاً لئلا يدخل في قوله ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ النحل١١٦، لأنهم أئمة أعلام، كان الواحد منهم يتورع أن يقول هذا حرام وإنما يقول أكره كذا أكره المتعة أكره الصلاة في المقابر، كذلك يُطلق المكروه على ترك الأولى وهذا ما ذكرناه سابقاً في اصطلاح الشافعية والمالكية، لأن المفهوم لا يُطلق على ما طلب الشارع طلباً غير جازم وإنما يُقيد المكروه ما طلب الشارع تركه طلباً غير جازم بنص خاص، لابد أني ُعين المنهي عنه كقوله ﷺ (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي) قالوا هنا نص وهذه لا يجلس لا الناهية ويجلس فعل مضارع مجزوم بها والأصل فيها أنه للتحريم وصُرف بقرائن أخرى، حينئذ قالوا لما نص هنا فيصدق عليه الحد، حد المكروه ما طلب الشارع تركه طلباً غير جازم ويسمى مكروهاً لأنه نُص عليه بخبر خاص وأما إذا لم ُنص عليه بأن يكون طلب غير جازم لا بنص خالص وإنما بعمومات تدل عليه حينئذ يسمى خلاف الأولى، بناءاً على القاعدة عندهم أن الأمر بالشيء على وزان الواجب، الواجب عندهم قد يأتينا في الأمر ونهي ما أمر به الشارع، الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده نهي التحريم الأمر بالشيء على جهة الإيجاب الأمر بالشيء وجوباً يستلزم النهي عند ضده نهي التحريم، إذا أمر بالشيء ندباً قالوا يستلزم النهي عن ضده نهي خلاف الأولى ولا نقول مكروه، لماذا؟ لأن المكروه لابد أن يكون بدليل خاص وهنا ليس عندنا دليل خاص، يدخل تحت هذا كل ترك للمندوبات فهو خلاف الأولى، قاعدة عامة كل ترك للمندوبات فهو خلاف الأولى، مثلوا لذلك ما مثَّل الشيخ الأمير ﵀ في الندب بصلاة الضحى، صلاة الضحى أُمر بها شرعاً إذاً هي مندوبة هي منهي عن تركها بطريق ماذا؟ بطريق أن الأمر بالشيء ندباً يستلزم النهي عن ضده نهي خلافاً أولى فإذا ترك صلاة الضحى حينئذ نقول وقع في خلاف الأولى، طلب الشارع تركه ما هو؟ ركعتي الضحى طلب الشارع تركه على ماذا يعود الهاء هنا على ترك الترك وليس ترك الفعل، ما طلب الشارع تركه طبياً غير جازم لا على وجه الخصوص لم ينص عليه، لم يقل لا تتركوا صلاة الضحى، فلو جاء نص لا تتركوا صلاة الضحى حينئذ نقول هذا مكروه ترك صلاة الضحى مكروه، لكن لما لم يرد نص حينئذ نقول هذا خلاف خلاف الأولى عن القاعدة العامة الأمر بالشيء ندباً يستلزم النهي عن ضده نهي خلاف الأولى.

стр. 121

إذاً على المذهب فسوا ترك الأولي بشيء مُخالف لنص الشافعية والمالكية يقول في مختصر التحريم ويطلق على ترك الأولى وهو ترك ما فعله راجح أو عكسه ما تركه ترك ما فعله راجح على فعله أو عكسه يعني ترك ما تركه راجح على فعله، فإذا رجح من جهة الشرع الفعل على الترك فحينئذ المخالفة تكون تركاً للأولى وإذا العكس حينئذ يثبت العكس ولكن الأصح عند المتقدمين عدم التفرقة ولا يثبت النهي عن شيء مُعين إلا بنهي خاص، ولذلك كثير من المتقدمين لا يذكرون الكلام في الأولى البتة وإنما الأقسام عندهم خمسة ويذكرون المكروه ويمثلون بما ذكرنها سابقاً، فالمنهي عنه نهي تنزيه، ماذا يُقال للفاعل المكروه؟ قالوا يُقال للفاعل المكروه إذا تلبس به هل يُعاقب؟ لا يُعاقب ولا عقاب على فعله طلباً غير جازماً إذا ليس عندنا عقاب، لكن بماذا يُوصف؟ قالوا يُوصَف بأنه مُخالف لماذا؟ لأنه طُلب منه الترك وهو لم يتركه إذا خالف أو لا؟ خالف ويُطلق عليه إنه مُسيء بمعنى أساء وهذه فيها نزاع هل يُطلق على تارك المكروه أو فاعل المكروه أنه مُسيء أن لا؟ المذهب أنه يُطلق ولذلك الإمام أحمد لما أخبر عن تارك الوتر قال رجل سوء والوتر معلوم أنه مندوب وهذا لمقام الوتر على جهة الخصوص لأنه قيل بوجوبه، وغير ممتثل إذاً مخالف ومُسيء وغير ممتثل مع أنه لا يُذم فاعله ولا يأثم، ما هي صيغ المكروه؟ متى نحكم على الفعل بأنه مكروه أو على القول بأنه مكروه؟ نقلو إذا صُلح على قول من يُقيد الكراهة بأنها خاصة في الشرع بكراهة التنزيه، إذا جاء لفظ كُرِه أو كَرِه وما اُشتق منها حملوه على التنزيه وهذا فيه إشكال الإطلاق هذا فيه إشكال مع ثبوت أن الحرام يُطلق عليه مكروه وحينئذ لابد من البحث عن قرينة عيب هذا في النصوص الشرعية أما في اصطلاح الفقهاء والأصوليين إذا مر معك هذا مكروه تحمله على المصطلح، لماذا؟ لأن أصحاب الحقائق العرفية يتكلمون بألسنته، فالفقيه والأصولي يتكلم بلسانه أن المكروه مراد به ما ذكره المصنف هنا، أما في نصوص الكتاب والسنة فلا يستعجل طالب العلم ويحكم بأنه مكروه لمجرد التصريح أو التنصيص على أنه مكروه وإن ذكر كثير من الأصوليين أن صيغ المكروه أولها هو صيغة كُره ويُكره وما اًشتق منها، ولذلك يمثلون أن الله كُره قيل وقال وكثرة السؤال. ثانياً من صيغ المكروه لفظة البغض وما اشتق منها ويمثلون لذلك بحديث فيه كلام أبغض الحلال إلى الله الطلاق.

стр. 122

أبغض هذا إن صحَّ فحينئذ لا يختص بالمكروه، الثالث وهو أكثرها شيوعاً صيغة لا تفعل إذا دلت قرينة على عدم التحريم، الأصل في النهي مطلق النهي إذا جُرد عن قرينة تدل على التحريم أو قرينة تدل على عدم التحريم يُحمل على التحريم، كذلك مُطلق النهي لا تفعل هذه فيها ثلاثة أحوال إما أن يقترن بها قرينة تدل على التحريم فإجماعاً لها التحريم لا تُشرك ﴿لئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الزمر٦٥، لا تُشرك بالله، إذاً دلت هذه الآية على أن لا تُشرك للتحريم قطعاً، إذا وُلدت قرينة لا تفعل لا تصلي لا تؤجل مثلاً، حينئذ دلت قرينة على أن لا تفعل هذه مراداً بها التنزيه وليس مراداً بها التحريم، إذا جاءت لا تفعل فقط حينئذ تُحمل على الصحيح على التحريم، أما إذا دلت قرينة حينئذ تُحمل على مكروه كراهة تنزيه وليس مكروه كراهة تحريم، إذاً هذه هي الصيغ وأشهرها الثالثة. أما ما جاء للآداب أو كان النهي متعلقاً بالأدب وما نحو ذلك أنه يُحمل مطلقاً دون قرينة على التنزيه هذا يحتاج إلى دليل شرعي وإن شاع عند كثير من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة يقولون هذا النهي للأدب ولذلك بعضهم يقول الكراهة كراهة إرشادية، ويُكثر منها النووي ﵀ في المجموع يقول هذه كراهة إرشادية وهي ما تعلقت بأمر دنيا، لكن نقول القاعدة العامة ونأتي عليها في موضعها أن صيغة افعل إذا كانت ألأدلة الشرعية هي التي دلت على وجوبها فحينئذ الأدلة عامة أليس كذلك، افعل مُطلق الأمر للوجوب أليس كذلك، الأدلة التي دلت على وجوب على مدلول الأدلة الشرعية التي دلت على أن مدلول افعل هو الوجوب عامة لم تفصل في العابدات للوجوب في غير العبادات والعادات للاستحباب والندب، نقول التحريم هذا والأدلة عامة يحتاج إلى دليل، كذلك هنا نقول لا تفعل دلت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والنظر الصحيح للغة العربية دلت على أن مُطلق النهي للتحريم والأدلة عامة لم تُفصل بين الآداب وبين غيرها وبين الأمور الدنيوية ونحوها حينئذ كل لا تفعل في الكتاب والسنة بدون قرينة يُحمل على التحريم، وهل الأدب ونحوه يعتبر قرينة صارفة؟ الجواب لا، فالمنهي عنه نهي تنزيه ثم قال ومُباح، هذا ما يتعلق بالمكروه، ثم قال ومُباح، يعني والحكم تكليفي الحكم الشرعي التكليفي الخامس المُباح أليس هكذا التقدير؟ قال ومُباح هذا معطوف على ماذا؟ على واجبة، دائمة القاعدة أن العطف بالواو إذا عُطفت عدة أشياء يكون على الأول لا يكون على ما قبله، يعني لا نقول هنا مباح معطوف على مكروه ومكروه معطوف على ما قبله هذا خطأ وإنما معطوف على واجبة، إلا إن كان العطف يقتضي الترتيب نقول جاء زيد فعمرو فخالد فحمد إذا لابد من الترتيب، أما إذا جاء زيد وعمرو وخالد ومحمد، محمد هذا معطوف على زيد، ولا ينبني على هذا شيء أبداً.

стр. 123

ومُباح: إذاً والحكم الخامس حكم التكليف الخامس المباح، يلد إشكال كيف يكون المباح حكماً تكليفياً ومعلوم أن التكليف إما ما أمر به الشارع الخطاب بأمر أو نهي إلزام ما فيه مشقة طلب ما فيه مشقة حدود، إذا قيل طلب ما فيه مشقة المباح ليس فيه طلب فلا يدخل في هذا الحد وإذا قيل التكليف إلزام ما فيه مشقة إذاً الإباحة ليس فيها إلزام ولا فيها مشقة، حينئذ لا تكون حكماً تكليفاً، إذا قيل التكليف ارتباط بأمر أو نهي والمباح ليس بأمر ولا نهي، إذاً كيف نجعل هذا الحكم تكليفي وهو لا يدخل في الحكم في حد التكليف؟ جوابان: الأكثر أنه من باب التسامح والتساهل أكثر المعتذرين لهذا يُقال من باب التوسع والتساهل والتسامح، لأن الأحكام أربعة والخامس بدلاً من أن نُخرجه نُدخله معهم، فهم قوم لا يشقى بهم جليسهم، بدلاً من أن نقول خاص ونجعل له حكماً خاص نقول لا هو داخل معهم، والجواب الآخر وهو أحسن وأقعد أن يُقال مُتعَلق الإباحة هو فعل المُكلف وهو اقعد وأحسن أصوب، لماذا؟ لأنه لا شك أنه لا يكاد يكون إجماع إن ل نقل إجماع ولا نلتفت للمعتزلة لأن الإباحة حكم شرعي ولذلك دخلت في الحد السابع، الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بفعل المُكلف بحيث أنه به مُكلف أو احذف هذه الكلمة وقل بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع أو التخيير قلن هنا لإدخال الإباحة، إذاً الإباحة داخلة في قوله خطاب الله المتعلق بفعل المُكلف، إذاً مُتعلق الإباحة هو فعل المُكلف، من هو المُكلف؟ البالغ العاقل، إذاً هل أفعال الصبي تُوصف بكونها مُباحة؟ لا، هل أفعال المجنون تُوصف بكونها مُباحة؟ لا، هل أفعال النائم والساهي والسكران والغافل تُوصف بأنها مُباحة؟ الجواب لا، من أين أخذنا هذا القيد، نقول لأن الإباحة حكم شرعي ومُتعلق الحكم الشرعي هو فعل المُكلف وهؤلاء الذين ذكرناهم ليسوا بمُكلفين، حينئذ أفعالهم لا حُكم لها كالبهيمة، البهيمة لا يتعلق بفعلها إيجاب ولا تحريم ولا كراهة ولا ندب ولا إباحة، كذلك المجنون لا يتعلق به بفعله إيجاب ولا تحريم لأنهما حكمان شرعيان تكليفيان كذلك لا يتعلق بفعله إباحة فحينئذ الأنسب في ذكر المباح في ضمن الأحكام التكليفية أن متعلق الإباحة هو فعل المُكلف من عدا المُكلف لا يوصف فعله بكونه مباحاً إذاً فعل الصبي لا حكم له، حينئذ لا يُضرب الصبي إذا كان على جهة التأديب إذاً فعلى ما هون قبيح، لماذا؟ لأن فعله لا يتعلق به إيجاب ولا تحريم ولا إباحة ولا ندرب ولا كراهة حينئذ كيف تعاقبه على شيء لم يكتبه الله عليه؟ وإنما إذا كان من باب التأديب ونحو ذلك ما يره ولي أمره من مصلحة فلا إشكال، أما أنه يعامل معاملة المُكلف أو يُنظر إليه أنه كالمُكلف هذا فيه تجني.

стр. 124

إذا ومباح على وزن مُفعَل وهو اسم مفعول أباح يُبيح فهو مُبيح، ثم قلنا أُبيح يُباح فهو مُباح، هنا مُباح أصلها مُبيَح مُفعَل على وزن صيغة المفعول، مُفعَل مُبيَح، نُقلت الحركة إلى الساكن قبلها فحينئذ قيل نُبر إلى مُبيَح قبل النقل فقيل تحركت الياء ثم نقل وندر إلى الوجه الثاني فقيل تحرك ما قبلها أو سكنت الياء باعتبار الثاني هو ما تحرك ما قبلها، أولاً مُبيَح الباء ساكنة والياء متحركة، متى نستطيع أن نقلب الياء للمد إذا تحركت الياء وفتحت ما قبلها، مُبيَح لا يمكن أن نقلب الياء لباء فلابد من نقل الحركة لباء فنقول مُباح بإسكان الياء، فننظر نظرين لكلمتين تحركت الياء قبل النقل فقيل مُبيَح فتحركت الياء ثم ننظر إلى بعد النقل فنقول وانفتح ما قبلها فقلت ألفاً هكذا يقول كثير من الصرفيين، لماذا يكون هذا التكلف لأنه ورد قلبها ومعلوم أن القاعدة عندهم أن الياء لا يصح قلبها ألفاً إلا إذا تحركت وفتح ما قبله لا لن تتحرك تحركت ولم ينفتح ما قبلها فالأصل أن تبقى على حقيقتها، لكن ما سُمع مُبيَح ولكن سُمع مُباح فحينئذ لابد من هذا التكلف، وبعضهم يرى وهم قلة أنه اكتفاءاً لجزء العلة فيُقال الأصل تحرك الياء وفتح ما قبلها وهنا وُجد جزء العلة، العلة مركبة عندهم من تحرك وانفتاح فحينئذ نكتفي بجزء العلة فنقول قُلبت الياء ألفاً اكتفاءاً بجزء العلة وهذا أيضاً لا مانع منه.

стр. 125

مُباح قلنا وزنه مُفعَل، المباح لغة المُعلَن والمأذون، يُقال باح الشيء بوحاً ظهر ويتعدى بالحرف فيُقال باح به صاحبه وبالهمزة أيضاً فيُقال أباح، باح به وأباحه، وأباح الرجل ماله أذن في ألأخذ والترك، وجعله مًطلق الطرفين، إذا باح به وأباحه، أباح الرجل ماله يعني أذن في الأخذ منه وسوى بين الطرفين، وأما حده في الشرع فهو ليس فيه طلب وليس فيه إلزام ولذا لا يمكن أن نقول هو طلب ما طلب الشارع فعله، وإنما يقول ما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته، ما هذا جنس يشمل الأحكام التكليفية كلها لا يتعلق به أمر خرج الواجب المندوب ولا نهي خرج به الحرام والمكروه لذاته خرج بعض أفراد المُباح أو نوع المباح لأن المُباح نوعان نوع يكون مقدمة طاعة مقدمة واجب أو مقدمة مندوب وقد يكون مقدمة معصية مقدمة حرام أو مقدمة مكروه، فحينئذ القاعدة العامة أن الوسائل لها أحكام المقاصد، إنما الأعمال بالنيات، فإذا وقع وحصل أن المباح كان وسيل للواجب أخذ حكمه، حينئذ تعلق الثواب بالمباح والأصل في المباح أنه لا يتعلق به أمر فحينئذ كيف تعلق به الثواب وهو مباح من حيث هو ولا يتعلق به أمر ولا نهي نقول هنا الذي لا يتعلق به أمر ولا نهي هو المباح الذي لم يُجعَل مقدمة طاعة ولا معصية، يعني المباح من حيث هو بقطع النظر عن اعتباره وسيلة لغيره، أما إذا كان المباح هو وسيلة للواجب فهو مقدمة واجب أخذ حكم الواجب، وإذا كان المباح وسيلة المندوب فهو مقدمة المندوب حينئذ أخذ حكم المندوب فيصير المباح واجباً ويصير المباح مندوباً ويصير المباح حراماً كل وسيلة أدت على الحرام فهي حرام، فالأصل هي مباحة لا يتعلق بها إثم لكن لما كانت وسيلة إلى المًحرم صارت محرمة، كذلك الوسيلة التي يُتوَل بها إلى المكروه صار حكمها حكم المكروه، قوله لذاته يعني لا يتعلق به أمر الذي يترتب الثواب ولا يتعلق به نهي الذي يترتب على إيجاده العقاب، بذاته يعين بالنظر لنفسه دون اعتبار دونه مقدمة لغيره، أما إذا كان مقدمة لغيره فأخذ حكمه ما جُعل مقدم له، لكن يُتنَبه إلى أن المباح لا ينقلب بذاته واجباً يعني إذا قيل مثلاً قد يُتوَصل بالنوم إلى أداء الواجب وجاء عن السلف يقول احتسب نومتي وقومتي وأكلتي وشربتي إلى آخره، الأكل مثلا الأكل مباح في ذاته حكمه مباح الشرب مباح لكن لو كان الأكل يدفع به موت نفسه كاد أن يموت من الجوع ووجد أكلاً ما حكم الأكل؟ واجباً، الأكل من حيث هو مباح لما كان وسيلة لدفع مُحرم صار واجباً ما لم يترك المحرم وهو قتل النفس ما لم تم قتل المحرم إلا به ففعله واجب، فحينئذ صار الأكل واجباً، لكن هل الأكل انقلب من الإباحة ذاته إلى الواجب، نقول لا، وإنما يُعاقب أو يُثاب من جهة النية، وكذلك يقال في النوم نفسه أحتسب نومتي يعني النية أنني أتقرب إلى الله بهذا الفعل المباح ليكون معونة على قيام الليل أو صلاة الفجر ونحو ذلك، أما نفس النوم فلا ينقلب عبادة، لماذا؟ لو قلنا هذه المُباحات انقلبت إلى عبادات ما وجه أن تكون العبادات توقيفية، هل يستقيم أني ُقال العبادات توقيفية وهذا متفق عند السلف أن العبادات توقيفية، ما معنى أن العبادات توقيفية بمعنى أنها موقوفة على

стр. 126

السمع لابد من الإذن ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ الشورى٢١، إذاً من الذي يُشرع؟ هو الله فحينئذ يكون مصدر التشريع والحكم على الشيء بأنه عبادة فعلاً أو تركاً هو الشرع فما طلب الشارع فعله أو تركه على جهة التقرب أو شئت قلت أن العبادة كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة هذا اسم جامع للعبادة، أما ذات المباح فلا ينقلب واجباً ولا ينقلب مندوباً ولا ينقلب عبادة وإنما يأخذ حكم الواجب ويأخذ حكم المندوب ويأخذ حكم المكروه ويأخذ حكم المُحرم، تنبه لهذا، إذاً ما لا يتعلق بفعله أمر ولا نهي لذاته حينئذ نعرف أن المباح قسمان مباح صار مقدمة طاعة أو مقدمة معصية ما كان مقدمة طاعة أخذ حكمه وما كان مقدمة معصية أخذ حكمه، وما ليس كذلك فهو الذي يدخل معنا هنا ما لا يتعلق به ثواب ولا عقاب. ومباح قال في حده كما سيأتي في الجائز والحلال قال في حده وهو ما لا يتعلق بفعله أو تركه ثواب ولا عقاب لذاته، لا يتعلق به ثواب ولا عقاب، لماذا؟ لأنه غير مطلوب الفعل وغير مطلوب الترك، والعقاب والثواب مترتبان متوقفان على ما طلب الشارع فعله جزماً أو غير جزم أو طلب الشارع تركه جزماً أو غير جزم وما عدا ذلك لا ثواب ولا عقاب، إذاً ما وجه نفي الثواب والعقاب عن المُباح نقول لأن الشارع لم يطلب المباح، لا طلب فعله ولا طلب تركه، فلذلك لم يترتب عليه العقاب أو الثواب، هل المباح مأمور به؟ الأئمة الأربعة على أنه ليس مأموراً به، وهذا واضح لا إشكال فيه والكعبي يرى أنه مأموراً به ونحوه عبرة بالخلاف للكعبي المعتزلي، لماذا هو ليس مأموراً به؟ لأن الأمر يستلزم ترجيح الفعل ولا ترجيح في المباح أو شئت قلت الأمر طلب، وإذا كان طلباً صار الفعل راجحاً على الترك، وهل المباح فيه ترجيح من جهة الفعل أو الترك، نقول لا هو مستوي الطرفين، ولذلك قال هناك (والإباحة الخطاب فيه استوى الفعل والاجتناب وسنة ما أحمد قد واظبا عليه والظهور فيه وجبا ثم الخطاب المقتضي للفعل جزما فإيجاب لدى ذي النقل وغيره الندب وما الترك طلب جزما فتحريم له الإثم انتسب أولى مع الخصوص أولى فع ذا خلاف الأولى وكراهة خذا لذاك والإباحة الخطاب فيه استوى الفعل والاجتناب) والإباحة الخطاب فيه استوى الفعل والاجتناب هما مستويا الطرفين الفعل والترك، حينئذ نقول لو قيل بأن المباح مأمور به لكان جهة الطلب مُرجَحة على جهة الترك وهذا مناف لحقيقة المًباح.

стр. 127

قال هنا: مباح الجائز والحلال بمعناه: كما ذكرنا في المستحب وفي المندوب أنه له أسماء إذاً هنا المباح له أسماء، قال ومباح والجائز والحلال، ويُزاد عليه الطِلْق بكسر الطاء وإسكان اللام، قالوا في القاموس الطِلق الحلال، هذه أربعة مباحة وجائز وحلال وطِلق هذه أربعة ألفاظ في الأصل أنها تُحمل على في اصطلاح الأصوليين والفقهاء تُحمل على ما استوى طرفاه، والإباحة الخطاب به استوى الفعل والاجتناب، وإذاً قال هناك وهي (وهي والجواز قد ترادفا في مطلق الإذن لدى من سلفا) وهي أي الإباحة والجواز قد ترادفا إذاً الجائز والمباح مترادفان في مطلق الإذن لكن ثم تفصيل عند التحقيق ثم تفصيل بين الحلال والجائز والمباح، فيُقال يُطلق المُباح والحلال على غير الحرام وهو الذي عليه في المراقي وهي والجواز قد ترادفا في مطلق الإذن يعني ما أذن الشارع في فعله، الفعل إما أن يأذن الشارع في فعله وإما أن يمنع، إذا قلنا في هذا الاعتبار لذلك بعضهم قسم الأحكام التكليفية إلى قسمين، قال حلال وحرام، ما أذن الشارع في فعله يعني أذن في فعله إما على جهة الجزم أو لا على جزم أو مع كونه مرجوحاً، فهذا يعم الواجب والمندوب والمكروه ويخرج الحرام لأنه غير مأذون في الفعل وذلك قال (وهي والجواز قد ترادفا في مطلق الإذن) المراد بمطلق الإذن يعني ما أذن الشارع في فعله بقطع النظر عن كونه واقعاً مع الجزم أولا وبقطع النظر عن كونه واقعاً مع رجحانه أو لا لأن فعل المكروه أذن الشارع في فعله أليس كذلك أذن في فعله إلا أنه مرجوح أو راجح فعل المكروه مكروه أو راجح؟ كرجوح إذاً داخل في مطلق الإذن أم لا داخل في مطلق الإذن، فحينئذ نقول يطلق المباح والحلال على غير الحرام فيعم الواجب والمندوب والمكروه والمباح إذا أطلقنا الحلال، لكن المباح يطلق على الثلاثة الذي هو ماذا الواجب والمندوب والمكروه لأن المباح لا يطلق على المباح، وإنما يطلق على الثلاثة والحلال يطلق على ألربعة، إذاً الحلال يشمل الواجب والمندوب والمكروه والمباح، الحلال يطلق على المباح أم المباح فيطلق على الواجب والمندوب والمكروه ولا يدخل المباح وهذا واضح، لأن المباح لا يطلق على المباح، أما الجائز نقول الحلال يطلق على الأربعة والمباح يطلق على الثلاثة لكن إطلاق المباح على ما استوى طرفاه هو الأصل بمعنى أن لفظ المباح في الأصل في استعمال الأصوليين والفقهاء أنه ما استوى طرفاه، لكن هل يأتي طالب فيفهم إذا قال فقيه هذا المباح يعني واجب؟ هو يطلق على الواجب ولكن إذا جاءت المصطلحات حينئذ يتميز كل مصطلح عن مصطلح آخر، إنما التداخل هذا للتوسع فقط، يعني يجوز المتحدث أن يتوسع فيُدخل الواجب تحت المباح أما إذا جاء في تحرير المسائل حينئذ إذا قيل هذا مباح فلا تقل أنه يحتمل أنه واجب ويحتمل أنه مندوب لأن الواجب يسمى مباحاً وإنما هذا يُذكر في باب التوسع فقط.

стр. 128

أما الجائز لغة فهو العابر يُقال جاز المكان يجوز مجوزاً وجوزاً صار فيه والجائز في اصطلاح الفقهاء أن يُطلق على ما لا يمتنع شرعاً إذاً عندنا شيء يمتنع من جهة الشرع وآخر لا يمتنع شرعاً، ما هو الذي يمتنع وجوده شرعاً؟ الحرام، وما الذي لا يمتنع وجوده شرعاً؟ الأربعة التي هي الواجب والمندوب والمكروه والمباح، إذاً الجائز في اصطلاح الفقهاء يطلق على ما لا يمتنع شرعاً فيعم غير الحرام ويُطلق على ما استوى فيه الأمران شرعاً فحينئذ يختص بالمباح، إذاً الجائز له استعمالان؛ استعمال بمعنى استواء الطرفين وهذا يكون مرادفاً للمباح وهو المراد هنا يُطلق الجائز مراداً به ما لا يمتنع شرعاً فحينئذ لا يكون مرادفاً للمباح بل يكون أعم منه لأنه يشمل المباح وغيره.

стр. 129

صيغ الإباحة كيف نحكم على الشيء بأنه مباح، أولاً صيغة لا حرج، لا حرج إذا جاء في الشرع لا حرج ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ النور٦١، نقول هذا فيه نفي الحرج ونفي الحرج هو معنى المباح، وجاء في الحديث افعل ولا حرج، كذلك نفي الجناح ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ البقرة١٩٨، هذا مباح، كذلك أحل أو اُحل ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ البقرة١٨٧، أيضاً هذا مباح، إذاً من صيغ الإباحة أو ممن يدل على الإباحة نفي الحرج ونفي الجناح ولفظ الإحلال وما اشتق منه. الإباحة عن الأصوليين قسمان إباحة شرعية وإباحة عقلية، الإباحة الشرعية بياء النسبة هي المنسوبة إلى الشرع بمعنى بأنها المأخوذة من الشرع يعني دليلها جاء بخطاب يعني لابد من سمع كتاب أو سنة، ولذلك نقول الإباحة الخطاب فيه استوى الفعل والاجتناب، الخطاب بمعنى كلام الله ، لابد أن يرد الإذن من الشرع. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ البقرة١٨٧، نقول الجماع في ليال رمضان هذا مباح أم لا؟ مُباح، هل هي إباحة شعرية أم عقلية؟ إباحة شرعية، ما المراد بالإباحة الشرعية؟ أنها مأخوذة من الشرع، ما الدليل؟ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ البقرة١٨٧، لابد من دليل. الإباحة الأخرى إباحة عقلية منسوبة إلى العقل وهذه هي التي تسمى عندهم بالبراءة الأصلية أو عدم الأصل وما من البراءة الأصلية قد أُخذت فليست الشرعية، وما من الإباحة من البراءة الأصلية قد أُخذت؟ أُخذت من البراءة الأصلية إذا الإباحة المأخوذة من البراءة الأصلية والمراد بالبراءة الأصلية براءة الذمة أو شئت قل استصحاب العدم بمعنى استصحاب عدم التكليف حتى يرد دليل ناقل عنه، استصحاب عدم التكليف لأن أصل التكليف أو عدمه؟ عدم التكليف الأصل عدم الوجوب، فلا إيجاب إذاً بدليل، والأصل عدم التحريم فلا تحريم إلا بدليل وهكذا، حينئذ نقول استصحاب وعدم التكليف يستصحبه معه حتى يرد دليل ناقل عنه، هذه تسمى إباحة عقلية.

стр. 130

وما من البراءة الأصلية قد أُخذت فليست الشريعة، الفرق بينهما بين الإباحتين أن رفع الإباحة الشرعية يسمى نسخاً ورفع الإباحة العقلية لا يسمى نسخاً، كان في أول الأمر المُكلف مُخيراً بين الصيام والفطر في شهر رمضان يعني يفطر ويُطعم ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ البقرة١٨٤، هذا هو الأصل هذا مباح شرعاً أم لا؟ مباح شرعاً لأنه مأذون به بخطاب شرعي ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ يعني لا يطيقونه على قولين ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ إذا يجوز له أُبيح له أن يُفطر وأن يأتي بالبدل، نزل قوله تعالى ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ البقرة١٨٥، رُفعَت الإباحة الأولى، ماذا نسميه؟ نسميه نسخاً لماذا؟ لأن النسخ يكون رافعاً لما سبق لما ثبت بخطاب شرعي فالنسخ رفع أو بيان والصواب في الحد رفع حكم شرعي بخطاب، لابد أن يكون الحكم الناسخ ثابتاً بخطاب، والحكم المنسوخ أيضاً ثابتاً بخطاب، حينئذ تسمى رفع الإباحة الشرعية تسمى نسخاً.

стр. 131

أما الإباحة العقلية فرفعها لا يسمى نسخاً مثل ماذا؟ إباحة الربا في الأول الإسلام كان الربا مباحاً قم نزلت الآيات للتحريم ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ البقرة٢٧٥، ﴿لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا﴾ آل عمران١٣٠، حينئذ نقول رُفع الحكم الأول لكن لا نسميه إباحة، وإنما نسميه شرعاً استقلالاً ولأن السابق الذي هو إباحة الربا هذا نعبر عنه بأنه مباح نقول كان الربا مباحاً كان الزنا مباحاً ثم بعد ذلك رُفع الحكم هذا بشرع جديد باستئناف شرع جديد، ولو سُمي الأول مباحاً ولكن لا نسميه نسخاً لأن إباحة الربا قبل نزول التحريم لم يكن ثابتاً بشرعه وإنما كان ثابتاً استصحاب العدم وأن الأصل هو استصحاب العدم وأن الأصل هو عدم التكليف، ولذلك ذكر الشيخ الأمير ﵀ أن استصحاب العدم يعتبر حجة في عدم المؤاخذة، ولذلك جاء في غير موضع إلا ما قد سلف ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ النساء٢٣، هذا استثناء منقطع، ﴿مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يعني ما حصل وما سلف من الجمع بين الأختين باعتبار الإباحة العقلية البراءة الأصلية استصحاب العدم هو معقول عليه، إذاً لا مؤاخذة، كذلك لما نزل تحريم الربا كان في أيدي الصحابة أموال ناتجة عن الربا فاستشكلوا وخافوا أني أكلوا منها فنزل قوله تعالى ﴿فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ البقرة٢٧٥، لذا أُبيح ما كان في أيديهم، فحينئذ نقول هذه البراءة الأصلية تعتبر حجة في عدم المؤاخذة، ولذلك جاء قوله ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ التوبة١١٥، فحينئذ لا عقاب إلا بعد الشرع لا مؤاخذة إلا بعد الشرع، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ الإسراء١٥، إذا عرفنا النوعين من الإباحة الشرعية والعقلية، قال وقد اُختلف في الأعيان المتنفع بها قبل الشرع وهذه من المسائل الدخيلة على أصول الفقه بل على المسلمين عموماً يعني ليست من أصول الفقه وليس مما ينبني عليها شيء إلا راداً على المعتزلة وأهل البدع، وقد أُختلف في الأعيان المتنفع بها قبل الشرع: وقد اُختلف بين أهل البدع وأما أهل السنة والجماعة فلا خلاف بينهما، وقد اُختلف في الأعيان: المراد بالأعيان هنا جمع عين أي الذوات، الأعيان مثل الأكل والمأكولات والمشروبات والملبوسات، هذه تسمى أعيان، عين ألأكل يسمى عين وعين المشروب يسمى عين وهلم جرة. وكذلك يذكرون هناك وفي الأفعال الاختيارية والعقود والمعاملات، إذاً كل ما هو صادر عن الآدمية ولا نقول عن المُكلف لأن المسألة مفروضة قبل ورود الشرع.

стр. 132

وقد اُختلف في الأعيان أي في الأفعال والذوات والعقول والمعاملات المُتنفَع بها قبل الشرع يعني قبل ورود ونزول الشرع بحكمها، هذا يُفهَم منه ماذا؟ قبل ورود الشرع ولذلك يقولون إن فُرض خلو زمن عن شرع إذاً المسألة ليست واقعة لأنه لا يخلو زمن عن شرع أبداً، ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ فاطر٢٤، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً﴾ النحل٣٦، ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ القيامة٣٦، ولذلك لما خُلق آدم أُمر ونُهي وكذلك في كل زمان. ولذلك لا يمكن أن يُتصَور ورود هذه المسألة أبداً إلا إذا قُيضت بعد الشرع وجُبل حكم المسألة أو تُتَصور المسألة بأنها بعد نزول الشرع وفي آدمي نشأ في برية ولا يعرف شرعاً ولا غيرها. يعني رجل نشأ في برية بعد بعثة النبي ﷺ لم يسمع بالنبي ﷺ ولم يرد إليه سمع بذلك وعنده أعيان، ما المراد بالأعيان؟ عنده بستان به ثمار هل يجوز له أن يأكل منها أم لا؟ هو محل خلاف الذي يذكره الأصوليون في هذه، وقد اُختلف في الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها، نقول إن فُرض بهذا القيد أنه خلا وقت عن الشرع والصحيح عدم خلو وقت عن شرع وهو ظاهر كلام الإمام أحمد - رحمه الله تعالى – لأنه أول ما خُلق آدم قال له ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ البقرة٣٥، إذً أمره ونهاه منذ أن خُلق آدم أُمر ونُهي، والتكليف هو الخطاب بأمر أو نهي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لا يمكن القول بخلو عن زمن عن شرع، ومن هنا أنكر بعض العلماء ما يسمى بأهل الفترة. لأن عنونته بما اشتهر بأنه بين الأصوليين لم يدركوا الأول ولم يدركهم الثاني يلد عنه إشكال كبير، الله يقول ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ﴾ إن هذه نافية، من هذه زائدة تأكيد صلة، أمة نكرة في سياق النفي، إذا تنصيص نص في العموم، لا يمكن أن توجد أمة إلا وفيها نذير، فكيف يتصور حينئذ قوم عاشوا ولم يدركوا النبي ولم يدركهم الرسول الذي بعده هذا بعيد. أنا لا أثبت ولكن أقول المسألة مطروحة هكذا وهذا ينافي قول الله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات٥٦، الجن والإنس إذاً الإنس هذا اسم جنس مُحلل بـ (ال) فيفيد العموم، كل فرد الحكمة في خلقه ما هو؟ إيجاد العبادة، وما نزل الرسل إلا لبيان هذه العبادة، حينئذ إذا خُلق قوم ولم ينزل إليهم رسول يُبين لهم أو لم يأتي لهم رسول يُبين لهم ما الحكمة التي من أجلها خُلقوا، هل يعتبر هذه التقرير موافق للآية أو مخالف؟ مخالف للآية، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً﴾ النحل٣٦، على كل حال الطبري - رحمه الله تعالى – يرون بعدم وجود بما يسمى بأهل الفترة لهذه النصوص وهو أمر صعب.

стр. 133

وقد اُختلف الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها، قوله المُنتفَع بها هذا قيد احترز به عن بعض الأمور وعليه يُقال هذه مسألة لها التي هي الأعيان قبل ورود الشرع إن فُرض خلو الشرع لها ثلاث أحوال، الأعيان من حيث هي بقطع النظر عن كونها مُنتفع بها أو لا لها ثلاثة أحوال، أولاً ما فيه ضرر محض وليس فيه منفعة البتة، قالوا كالأعشاب التي تكون سامة قاتلة، بعض الشجر إذا أكل منه الإنسان مات لأن أعشابه تكون سامة، هذا فيه ضرر محض، النوع الثاني الذي يكون فيه ضرر من جهة ونفع من جهة أخرى، اجتمع فيه المصلحة والمفسدة المضرة والمنفعة من جهة وهذه م جهة الجهة منفكة، والضرر أرجح من المنفعة أو مساوي في هاتين الحالتين نقول الأعيان مُحرمة لقوله ﷺ ل (لا ضرر ولا ضرار) ما فيه ضرر محض هذه الحالة الأولي، الثانية ما فيه ضرر من جهة ومنفعة من جهة، هاتان محرمتان، لأن الشرع القاعدة العامة الكبرى أن الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى عن ما مفسدته خالصة أو راجحة، لا يمكن أن ينهى عما مصلحته خالصة أو ينهى عما مصلحته راجحة ولا يمكن أن يأمر بما مفسدته خالصة أو مفسدته راجحة وهذا من أدلة بعض القائلين ببطلان الصلاة في الدار المنصوبة لأنها منهي عنها، وإذا كانت منهي عنها إما أن تكون المفسدة خالصة أو راجحة حينئذ المصلحة التي تضمنتها هذه الصلاة المنهي عنها تكون غير مُلتفت إليها والعبرة بالمفسدة الراجحة، الحالة الثالثة ما فيه منفعة محضة وليس فيه مضرة بوجه من الوجوه أو فيه ضرر خفيف لكنه غير مُلتفت إليه، الحالة الثالثة هي التي ذكرها المصنفون، لذلك قال في الأعيان المُنتفَع بها، إذاً هذه إمام أن تكون منفعتها خالصة أو يكون فيها نوع ضرر لكنه خفيف والمنفعة أرجح، احترازاً من ما كانت مضرته خالصة فلا يدخل في الحكم معنا، أو كانت فيه مضرة وفيه منفعة إلا أن المنفعة أقل والمضرة أرجح، إذا خرج بها القيد أمران. وقد اختلف في حكم الأعيان المنتفع بها قبل الشرع بحكمها، فعند أبي الخطاب – الحنبلي - والتميمي الإباحة كأبي حنيفة يعني أنها مُباحة، لماذا؟ قالوا لأن الله خلقها لحكمة فإن لم نُثبت الحكمة هذا خلقها عبثاً، وهل يمكن أن يُفهم حكمة من خلق الأشجار والثمار وجري الأنهار بأنها تكون هكذا زينة للناس ولا يأكلون ولا يشربون؟ لا، لا يدرك العقل هذا وإنما يدرك أن الله خالق للإنسان وخلق هذه الأشجار وهذه المياه وكل ما يمكن أن ينتفع به على وجه الأرض ولم يُعلَم حكمه على قولهم لم يثبت شرع لا يمكن أن يدرك العقل أن هذه خُلقت هكذا عبثاً لا ليُستفاد منها لا ليُأكل لا ليُشرب وإنما نقول خلقها لحكمة ولا تُعلَم هذه الحكمة ولا تُدرَك إلا بكون الآدمي ينتفع بها، إذا هو خالل عن المقصود.

стр. 134

واستدلوا بقوله تعالى هذه تعليل واستدلوا بقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ البقرة٢٩، لكم: اللام هذه لام الملكية ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾، ثم امتن سبحانه بما خلق على وجه الأمر، امتن على العباد ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ هذا امتنان على العباد بخلق ما في الأرض جميعاً، وسبحانه لا يمتن ولا يتمدَّح بما هو مُحرم على العباد، كيف يتمدَّح وأفتخر بشيء ثم اقل لك لا تمسك هذا الشيء أو لا تأكله؟ هذا ممتنع، وإنما يمتدح ويتمدَّح ويمتن جل وعلا بما استفاد العباد منه حينئذ ظاهر الآية أن ما خُلق من الأعيان أنه مُباح للعباد ولا يُسأل عنه إلا إذا دلَّ دليل، وعليه نقول هذه الآية عامة وتُخصص بكل دليل ينقل الأصل من الإباحة إلى التحريم أو الكراهة. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم﴾ كل على وجه الأرض من مشروبات ومأكولات ومن ملبوسات الأصل فيه الإباحة والحل، إذا جاء نوع مُعين مُحرم إذا نحتاج إلى دليل يخصه من الأعيان، كذلك قوله ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الأعراف٣٢، كالآية السابقة، وكذلك قوله ﷺ (من أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء لم يُحرَّم وحُرِم من أجل مسألته) هذا واضح، (من أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء لم يُحرَّم) إذا لم يُحرَم إذاً هو مباح، وحُرِم من أجل مسألته. كذلك حديث ما سكت عنه فهو عفو، إذا الأصل في الأشياء في الأعيان في العقول في الملبوسات المشروبات المأكولات الأصل فيها الإباحة، هذا بعد الشرع، أما قبل الشرع فحينئذ تكون الإباحة عقلية، فعند أبي الخطاب والتميمي الإباحة أي حكمها هو الإباحة، كأبي حنيفة، فلذلك أنكر بعض المعتزلة شرعيته: فلذلك أي لأجل أن الأصل في المسألة فعل إباحة أنكرت المعتزلة أن المباح من الأحكام الشرعية، الإباحة عند الأصوليين عند أهل السنة والجماعة وإذا توسعنا قلنا الأشاعرة معهم وليست بمصطلح صحيح لكن نقول عند الأصوليين أن الإباحة نوعان شرعية وعقلية، عند المعتزلة الإباحة نوع واحد فقط وهي الإباحة العقلية وينكرون الإباحة الشرعية، وهذا خرق للإجماع. وإذا دلت نصوص الكتاب والسنة على ثبوت الإباحة (وأُحل لكم) إلى آخره من الآيات التي وردت كلها تدل على أن الأشياء قد تكون مباحة.

стр. 135

إذاً أنكروا أن المباح من الأحكام الشرعية لأن المباح عندهم له حد خاص ما اقتضى نفي الحرج في فعله وتركه وهذا ثابت قبل الشرع وبعد الشرع، ونقول هذا خرق للإجماع بل المباح حكم شرعي. وعند القاضي وابن حامد وبعض المعتزلة: الحظر .. هذا القول الثاني، إذا في الأعيان المُنتفع بها قولان ذكر المصنف الأول الإباحة والثاني الحظر ويأتي الثالث، الحظر معناه المنع أنه لا يجوز ليأكل أو يشرب حتى يرد دليل على أنه مأذون له هذا الأكل أو الشرب لماذا؟ قالوا لأن هذه المخلوقات ملك لله ، وهذا فيه خلاف؟ ليس فيه خلاف، ما دام ملك لله والتصرف في ملك الغير لا يجوز إلا بإذنه وإثبات قياساً عن الغائب على الشاهد، ما المقصود بالغائب على الشاهد؟ الغائب يعني الله لأنه غيب والشاهد الإنسان الذي، لو كان فيه مثلاً شاة مملوكة لك هل يجوز أن نتصرف فيها؟ لا يجوز هذا تعدي والأصل المنع، قالوا كذلك نقيس الغائب على الشاهد فنمنع أن يُتصَرف في ملك الله إلا بإذنه، نقول هذا قياس فاسد لأن الشاهد لا يتضرر، لو تصرفت في سيارة شخص وأخذتها هل تضرر أو لا؟ تضرر، لكن الله غني ، هذا القياس نقول فاسد وهو مُصادم للأدلة السابقة، إذاً يُرد بثبوت الإباحة وإذا ثبتت الإباحة شرعاً يُرد ما ثبت بالعقل ثم نقول نفس القياس هذا الذي قستموه الغائب عن الشاهد فاسد. لثبوت الفارق وهو أن الشاهد يتضرر إذا تُصرف في ملكه بغير إذنه بخلاف الرب فإنه غني حميد. وتوقف الجزري والأكثرون: هذا القول الثالث في هذه الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع وبعده على ما ذكرناه من قيود، وتوقف معناه أن الحكم متوقف على ورود الشرع بحكمها ولا حكم لها في الحال وليس المراد عدم العلم بأنها محظورة أو مباحة – لا – ليس هو التوقف الذي عند الأصوليين الذي يعتبر حكما، يقول ما حكم كذا؟ يقول أتوقف، يعني لا أدري هل هي حلال أو حرما، نقول لا هذا ليس المراد هنا، المراد أنه أوقف الحكم على الشرع، ثم في الحال، هل نستعمل أو لا نستعمل؟ فيه قولان، بعضهم يرى أن مرد هذا القول إلى الإباحة يعني أقرب إل الإباحة حينئذ يكون القولان متفقين، وبعضهم يرى أنه أقر إلى الحظر وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -. إذا الخلاص في الأعيان المنتفع بها قبل الشرع نقول تصور المسألة هذه ليس على ما أراده المعتزلة وإنما نقول الشرع قبل أن يرد الشرع ثابت قبل شرع محمد ﷺ الشرع والذي قبله إلى بعثة النبي ﷺ فهو باق ثابت، وأما بعد ورود الشرع فحينئذ تلد المسألة التي معنا وفيها ثلاثة أقوال: الإباحة الحظر التوقف، وهذا خلاصة ما ذكره المصنف - رحمه الله تعالى – في الأحكام الشرعية التكليفية وسيأتينا إن شاء الله بعد الأحكام المرئية يوم السبت بإذن الله تعالى وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ﴾ - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - ﴿

стр. 136

عناصر الدرس * الحكم الوضعي * الفرق بين التكليفي والوضعي * العلة والسبب والشرط والمانع. الدرس السادس بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد توقفنا عند قوله و (وضعيةٌ) أي أنه لما ذكر القسم الأول من قسمي الحكم الشرعي وهو قسم التكليفي شرع في بيان القسم الثاني وهو القسم الوضعي، لذلك ذكرنا أنه قسمة ثنائية وأن كلا النوعين داخلان في الحكم الشرعي، لذلك قنا الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المُكلَف بالاقتضاء أو تخيير أو الوضع، هذه ثلاثة أقسام، التخير والاقتضاء يشملهما قسم واحد وهو التكليفي الحكم الشرعي التكليفي، أو الوضعي نقول هذا قسم مستقل أُدخل في حد الحكم الشرعي للدلالة على أن الحكم الوضعي حكم شرعي رداً على ما زعم أن الحكم الوضعي إنما هو حكم عقلي لا شرعي، والصحيح أن الأسباب شرعية أي أنها مأخوذة من الشرع وأن الموانع شرعية بمعنى أنها ثابتة من الشرع وأن الشروط أيضاً شرعية بمعنى أنها ثابتة من الشرع، فلا يُجعَل الشيء سبباً ولا يكون له دليل في الشرع ولا يُجعل الشيء شرطاً لشيء آخر ولم يكن دليل في الشرع، ولا يُجعل الشيء مانعاً من شيء آخر ولا دليل له في الشرع، إذاً لابد من إثبات الحكم الوضعي بدليل شرعي، وعليه يُجعَل قسماً من أقسام الحكم الشرعي، إذاً نقول القسمة ثنائية حكم تكليفي وحكم وضعي، وكلا النوعان شرعيان.

стр. 137

لأن بعض الأصوليين يرى أن الحكم الوضعي السبب هذا حكم عقلي، نقول لا ليس بعقلي، من الذي أخبرنا بأن دلوك الشمس سبب لوجود صلاة الظهر؟ الله ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الإسراء٧٨، من الذي أخبرنا بأن الطهارة شرط لصحة الصلاة؟ الله ، من الذي أخبرنا بأن الحيض مانع من الصلاة والصوم صحة وجوازاً؟ هو الله ، إذاً مراد هذه الشروط والأسباب والموانع هي الشرع فما أثبته الشرع سبباً أثبتناه وما لم يثبته الشرع سبباً لم نُثبته، وما أثبته الشرع شرطاً أثبتناه وما لم يثبته لم نثبته وهلم جرة، لماذا؟ لأن الحكم مأخوذ من الشرع، لذلك قررنا القاعدة كما سبق قوله الحاكم هو الله ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾ الأنعام٥٧، يعني لا حكم شرعياً سواء كان وضعياً أو تكليفياً إلا لله ﴿وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ الرعد٤١، قال: و (وضعيةٌ): هذا معطوف على قوله تكليفية لأنه قال الأحكام قسمان تكليفية وهي خمسة وانتهى من ذكرها وبعض المسائل المتعلق بها أو المتعلقة بها ثم قال ووضعية هذا معطوف على قوله تكليفية، يعني أن القسم الثاني من قسمي الحكم الشرعي هي الأحكام الوضعية، نسبة إلى الوضع لأنه يُقال خطاب وضع، والوضع في اللغة الولادة، يُقال وضعت المرأة إذا ولدت ويلد أيضاً بمعنى الإسقاط والحط فيُقال وضعت الدين عن زيد بمعنى أسقطته وحططته، هذا في اللغة، أما في الاصطلاح فالحكم الشرعي الوضعي هو خطاب الله تعالى المُتعلِق لجعل الشيء سبباً لشيء آخر أو شرطاً له أو مانعاً منه، إذاً خطاب الله لابد من أن يكون مأخذ هذا الحكم الوضعي هو الشرع، ويرد فيه ما وُرِد على الحكم التكليفي بجعل الشيء سبباً لشيء آخر كدخول الوقت سبباً لوجوب الصلوات المكتوبة نقول هذا سبب، من الذي جعل هذا الشيء سبباً؟ نقول خطاب الله المتعلق بكون هذا الشيء سبب لشيء آخر، أو شرطاً له كالطهارة بالنسبة للصلاة والحول بالنسبة للزكاة، أو مانعاً منه كون هذا الشيء مانعاً من كذا نقول هذا أيضاً مأخذه من الشرع، قال خطاب الله المتعلق لكون الشيء مانعاً من هذا الشيء كالحيض مانعاً من الصلاة والصوم ثم خطاب الوضع هو الوارد بأن هذا مانع أو فاسد أو ضده أو أنه قد أوجب شرطاً يكون سبباً وعلى هذا التعريف خطاب الله تعالى المُتعلق بجعل الشيء سبباً لشيء آخر أو شرطاً له أو مانعاً منه، تفهم منه أن الحكم الوضعي منحصر في ثلاثة أشياء الأسباب والشروط والموانع، وهذه مُتفق عليها عند الأصوليين أن السبب حكم شرعي وضعي، وأن الشرط حكم وضعي وأن المانع حكم وضعي، واختلفوا في الصحة والفساد والنقصة والعزيمة والأداة والقضاة والإعادة ونحوها مما يُجعَل وصفاً للحكم التكليفي والأصح أن هذه كلها ليست بحكم وضعي وإنما هي أوصاف للحكم التكليفي كما سيأتي بيانه.

стр. 138

وكذلك العلة أُختلف فيها هل هي من الحكم الوضعي أو من الخطاب التكليفي للنزاع عند الأصوليين أو نقول في حده خبر أُستفيد بنصب الشارع علماً مُعرِفاً لحكمه، خبر أُستفيد أُخذ هذا الخبر من نصب الشارع علماً، نصب الشارع أشياء هذه الأشياء أعلام وأخبار مُعرفة لحكمه، حيث جعل الشرع الحكم التكليفي متوقفاً على وجود هذا الشيء في الحس، كأنه قال إذا زالت الشمس وهذا أمر محسوس إذا زالت الشمس فقد أوجبت عليكم صلاة الظهر نقول هذا حكم وضعي جعله الشرع مُعرِفاً وعلماً على وجوب صلاة الظهر حينئذ خبر إذاً لا إنشاء وهذا من الفوارق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي أن الحكم التكليفي إنشاء والحكم الوضعي خبر والخبر وإنشاء قسمان من أقسام الكلام، بل ينقسم الكلام إلى اثنين ولا ثالث لهما، نقول في حد التكليف الخطاب بأمر أو نهي أليس كذلك؟ الخطاب بأمر سواء كان بأمر إيجاب أو أمر استحباب أو نهي سواء كان نهي إلزام تحريم أو نهي كراهة، إذاً هذه أربعة أنواع ودخلت فيها الأحكام التكليفية حينئذ نقول هذه الأنواع الأربعة هل هي من قبيل الإنشاء أو الخبر عند النُحاة أو عمد البيانيين يقسمون الكلام إلى قسمين خبر وإنشاء ولا ثالث لهما كما قال السيوطي في عقود الجمان (محتمل للصدق والكذب الخبر وغيره الإنشاء ولا ثالث قر. (ما لم يكن محتملاً للصدق والكذب الإنشاء كقل بالحق) هكذا قال جوهر المكنون. (محتمل للصدق والكذب الخبر) ما احتمل الصدق والكذب فهو خبر يعني ما احتمل أن يُقال لقائله أنت صادق أو أنت كاذب هذا هو الخبر، لذاته يعني بقطع النظر عن قائله، الإنشاء عكسه ما لم يكن محتملاً للصدق ولا الكذب وهذه يدخل فيها ثمانية أمور منها الأمر والنهي، ما لم يكن محتملاً للصدق والكذب ككن بالحق ما لم يكن بالصدق والكذب كقل بالحق.

стр. 139

إذاً الإنشاء ما لم يحتمل الصدق والكذب إذاً لا يُقال لقائله كذبت أو صدقت، إذا قال كن هل يُقال صدقت أو كذبت؟ لا يصح أن يُقال له صدقت أو كذبت، لماذا؟ لأن الصدق والكذب إنما يكون لشيء موجود وقع، والأمر والنهي إنما يكونان لشيء معدوم، ولذلك مُتعلق الأمر شيء مستقبل إذاً لم يوجد، ومتعلَق النهي شيء متقبل لم يوجد، ولذلك لا تدخل قد عند النحاة على فعل الأمر لماذا؟ لأن قد هذه تفيد التحقيق وتفيد التأكيد والتأكيد إنما يكون لشيء موجود ثابت، وأما الأمر هذا أمر معدوم، حينئذ نقول خطاب التكليف هذا هو محصور في أمر ونهي بقسمي الأمر والنهي بقسميه، فحينئذ نقول هذا إنشاء وليس بخبر، أما الخبر وهو ما احتمل الصدق والكذب لذاته نقول هذا مفهوم من خطاب الوضع، إذاً خطاب التكليف أو الأحكام التكليفية هذه من قبيل الإنشاء والأحكام الوضعية أو الخطاب والوضعي هذا من قبيل الأخبار، ولذلك يُسمى خطاب الوضع والإخبار أو خطاب الوضع والإعلام والإخبار، هذه أسماء، ولذلك حده في مختصر التحليل يُقال هذا خبر، إذاً ليس بإنشاء للاحتراز عن الحكم التكليفي فإنه إنشاء وليس بخبر، هذا الخبر من أين أُستُفيد من أين أُخذ؟ من الذي أفاد في هذا الخبر؟ أُستفيد بمعنى اُخذ من نصب الشارع علماً معرفاً لحكمه، نصب الشارع أموراً محسوسة هذه الأمور المحسوسة جُعلت أعلاماً وجُعلت أموراً تكشف عن حكم الرب وهو الحكم التكليفي، ولذلك قيل لا خطاب تكليف إلا ومعه حكم وضعي، لماذا؟ لأن هذه الأحكام الوضعية هي أصل وضعها من الرب جل وعلا وُضعت كاشفة للحكم التكليفي، ولذلك ينفك الوضع عن التكليف ولا عكس، بل قيل لا يُتصوَر وجود حكم تكليفي إلا وله سبب أو شرط أو مانع لا يمكن، فحينئذ لا يمكن أن يوجد الحكم التكليفي إلا ومعه حكم وضعي، خبر أُستفيد من نصب الشارع علماً مُعرفاً هذا العلم وهذا المُعرِّف وظيفته أنه يكشف عن حكمه التكليفي، ولذلك سُمي خطاب الوضع والإخبار، لم سُمي خطاب الوضع؟ قالوا لأن الشرع وضع بمعنى شرع أموراً سُميت أسباباً وشروطاً أو موانع يُعرَف عند وجودهاً أحكام الشرع، إذا وُجدت هذه الموانع أو الأسباب أو الشروط حينئذ يُعرف إذا صارت مُعرِفات، وذلك قال الفتوحي والأسباب معرفات، لماذا؟ لأن الشرع وضع هذه الأمور الثلاثة أسباب وشروط وموانع يُعرف عند وجودها أحكام الشرع من إثبات أو نفي، ومُتعلق الحكم الشرعي كما سبق أنه يكون إثباتاً ويكون نفياً، يعني تُبت الصلاة متى عند دلوك الشمس وهو سبب، وتُنفى الصلاة عند وجود الحيض وهو مانع، أليس كذلك؟ وتوجد عند وجود الشرط وتنتفي بانتفاء الشرط وإن لم يكن الشرط لازماً لوجود المشروط، من إثبات الأولى فيه، فالأحكام توجد بوجود الأسباب والشروط وتنتفي بوجود المانع وانتفاء الأسباب والشروط، هذا معنى كونه وضعاً، يعنى الشرع وشع وجعل هذه الأسباب وهذه الشروط وهذه الموانع مُعرفات على حكم الله وجعلها أعلاماً على حكمه جل وعلا، ولذا قيل فائدة الخطاب الوضعي أن فيه تخفيفاً على العباد، لماذا؟ لأنه لو أُحتيز لكل سبب وشرط ومانع أن يكشف عنه نبي بوحي ثم انقطع الوحي لتعذر تطبيق كثير من أحكام شرعية.

стр. 140

فلو قيل لا يُحكم بدخول وقت الصلاة إلا بخبر نبي عن وحي، طيب مات النبي وانقطع الوحي ماذا يحصل؟ ارتفعت الصلاة، لو قيل ما يُحكم بدخول شهر رمضان إلا بخبر نبي عن وحي فمات النبي وانقطع والحي إذاً لا صيام، لا يُعرف دخول شهر ذي الحجة إلا بدخول خبر نبي عن وحي إذاً فائدة الخطاب الوضعي أنه مُخفف عن الأمة ولولاه لولا أن جعل الله هذه الأمور المحسوسة التي لا يلتبس فيها الناس ولا يحصل فيها خلل في إثباتها أو انتفائها لولا جعل هذه الأمور لارتفعت الكثير من الأحكام الشرعية، ففيها تيسير على المُكلَفين، وسُمي أيضاً خطاب إخبار لماذا؟ لأن الرب جل وعلا بوضع هذه الأمور أخبر بوجود أحكامه وانتفائها عند وجود تلك الأمور وانتفائها، فثم وجدت هذه الأسباب فثم حكم الله، ومتى ما انتفت حينئذ ينتفي حكم الرب جل وعلا وهو الحكم التكليفي.

стр. 141

إذاً عرفنا أن الحكم الوضعي هو علم على الحكم التكليفي، يرد السؤال ما العلاقة بينهما؟ نقول الصحيح على خلاف بين الأصوليين العموم والخصوص المطلقة، وهو من ذاك أعم مطلقة، العموم والخصوص المطلق، أيهما أعم وأيهما أخص مطلقاً؟ الوضع اعم مُطلقاً لأنه قد يوجد الحكم الوضعي ولا يوجد الحكم التكليفي والتكليفي أخص مطلقاً لأنه لا يمكن أن يوجد الحكم التكليفي إلا حيث يوجد الحكم الوضعي، قالوا الزنا هذا حرام هذا حكم تكليفي أو وضعي؟ تكليفي تحريم الزنا هذا حكم تكليفي، كونه سبباً للحد؟ هذا حكم وضع، وجوب الزكاة في مال الصبي؟ الصبي هل هو مُكلف أم لا؟ ليس مكلفاً ولذلك كما ذكرناه سابقاً في حد الحكم خطاب الله المُتعلق بفعل المُكلف، من هو المكلف؟ البالغ العاقل هذا أخرج الصبي، إذاً الصبي ليس مكلفاً بالإيجاب والتحريم وهذا متفق عليه. بقى سؤال اعتراض نقول الصبي غير مكلف ولو كان عنده ملايين وحال عليها الحول نقول وجبت؟ كيف وجبت وهو ليس مكلف، نقول هذا حكم وضعي، إذاً ثبت الحكم وضع دون الحكم التكليفي، كذلك ما أتلفه الصبي أو ما أتلفه المجنون أو ما أتلفته بهيمة فحينئذ نحكم بوجود الحكم الوضعي مع عدم وجوب الحكم التكليفي، إذاً الأعم هو الذي ينفرد بصورة لا يشاركه فيها الأخص وهذا هو ضابط العموم والخصوص المطلق أنه يحتاج إلى مادتين، مادة الاجتماع ومادة الافتراق، مادتين بمعنى مثال يصدق عليه أنه تكليفي وأنه وضعي ثم نأتي بمثال آخر ينفرد فيه الأعم عن الأخص وعندنا مثالان الزنا اجتمع فيه حكم تكليفي والحكم الوضعي كونه حكم تكليفياً مُحرماً، كونه حكماً وضعياً سبب للحد. حينئذ اجتمعا فيع وهذا معنى العموم والخصوص، معنى العموم أنهما مجتمعان أما الخصوص فيختص الحكم الوضعي بحكم لا يشاركه فيه الحكم التكليفي هذا العموم ليس الخصوص عفواً العموم الخطاب الوضعي ينفرد بصورة لا يشاركه فيها الحكم التكليفي، إذاً هو شارك التكليفي في صوره ثم انفرد في صورة فيكون أعم، التكليفي لا يمكن أن يوجد في صورة وليس معه الحكم الوضعي هذا هو المراد بالعموم والخصوص والمطلقة أنهما يجتمعان في مادة واحدة كما في صورة المثال ثم الأعم ينفرد بصورة لا يشاركه فيها الأخص بخلاف العموم والخصوص الوجهي فيحتاج إلى ثلاث مواد ثلاثة أمثلة مادة اجتماع ومادة افتراق أحدهما عن الآخر ومادة ثالثة افتراق ما لم يفترق الأول عن الثاني حينئذ نقول هذا يحتاج إلى ثلاث مواد، وهذا ذكرناه هناك.

стр. 142

إذاً عرفنا الآن العلاقة بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي وهو من ذاك أعم مطلقا لما ذكر الحد أو ضابط الحكم الوضعي قال وهو أي هذا الوضعي أعم من ذاك من ذاك أعم مطلقاً، يعني بينهما العموم والخصوص المطلقة، من الفوارق بين الحكم الشرعي التكليفي والحكم الشرعي الوضعي قالوا من حيث الحقيقة أن الحكم الوضعي إخبار وإعلام جعله الشارع علامة على حكمه متى ما وُجد فثم الحكم الشرعي التكليفي وأما الخطاب الشرعي التكليفي فهو خطاب طلب فعل أو ترك أو تخيير، فحينئذ يكون خطاب التكليف مُرتباً على ما قرره السبب أو الشرط أو المانع، يكون الخطاب الشرعي التكليفي مُقرراً لما قرره الشرع بالأسباب والشروط والموانع، فيكون الحكم الوضعي كاشفاً عن الحكم التكليفي، الثاني أن يُقال من حيث الحكم التكليفي يُشترط فيه أن يستطيع المكلف فعله إذاً يُشترط فيه القدرة، خطاب الشرعي التكليفي يُتشرط فيه القدرة أما الوضعي فقد يكون مقدوراً للمُكلف وقد يكون غي مقدور للمكلف، إذاً لا يُشترط في الحكم الشرعي الوضعي أن يكون مقدوراً للمُكلَّف ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ التغابن١٦، ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ البقرة٢٨٦، (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وهذا خاص بالحكم الشرعي التكليفي، فلا يشمل الحكم الشرعي الوضعي، لماذا؟ لأن الحكم الشرعي الوضعي لم يُؤمر به العباد لم يُنط بأفعال العباد وإنما هو من فعل الله ولذلك لا يُطلب تحصيله من العباد، فلم تُشترط فيه القدرة كما اُشترطت في الحكم الشرعي التكليفي، لأنه تعلق الحكم الشرعي وهو فعل العبد فحينئذ لابد أن يكون مقدوراً وتكليف المحال أو بما لا يُطاق هذا ممنوع شرعاً وإن جاز عقلاً ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ البقرة٢٨٦، إذاً ما في وسع ما ليس في طاقتها هذا غي مُكلف به العبد.

стр. 143

إذاً من الفوارق بين الحكم الشرعي التكليفي والوضعي أن التكليفي لابد أن يكون مقدوراً للمكلف لأنه متعلق بفعل المكلف والحكم الشرعي الوضعي لا يُشترط فيه أن يكون مقدورأً للمكلف بل قد يكون مقدوراً له كالسرقة سبب للحد هل يقدر المكلف أن يسرق أو لا؟ يقدر إذاً هذا في مقدوره، لكنه غير مطلوب منه الفعل ومطلوب الترك، وقد يكون غير مقدور على فعله كدولك الشمس دخول الوقت دخول شهر رمضان هل هذا في يد المُكلَّف؟ لا، إذاً قد يكون حكم الشرع الوضعي في مقدور المكلف يستطيعه ولكن لم يُؤمر به وقد لا يكون في مقدوره كدخول الوقت والنقاء من الحيض، إذاً من حيث الحكم التكليفي يُشتَرط فيه الاستطاعة والوضعي لا يُشترط فيه الاستطاعة، التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المُكلَف المستجمع لشروط التكليف أبداً لا يمكن أن يوجد إيجاب أو تحريم أو كراهة أو ندب أو تخيير إلا لفعل من استجمع شروط التكليف، وهو البالغ العاقل الذاكر غير المُلجَأ هذا الذي يصح تكليفه، أما الحكم الشرعي الوضعي فلا يُشترط بل يتعلق بكل إنسان مطلق إنسان، أيهما أعم الإنسان أم المكلف؟ الإنسان لأن كل مكلف إنسان ولا عكس، الصبي إنسان وليس مكلفاً والمكلف بالغ عاقل وهو إنسان، بل قد يتعلق بغير الإنسان كالبهيمة هل يتعلق الحكم الشرعي الوضعي بالبهيمة؟ نقول نعم، من ترك بهيمته تسرح وأتلفت يضمن أو لا يضمن؟ إذاً وجب الضمان بشرطه وجب الضمان، نقول وجب الضمان بفعل البهيمة نفسها هي التي أتلفت وصاحبها قد يكون نائماً في بيته ولا يدري، إذا يجب عليك الضمان، لماذا؟ لأن فعل البهيمة يُنزَّل مُنزَلة فعل صاحبها فيُنسب إليه إذا فرط في تركها، إذاً قد يتعلق الحكم الشرعي الوضعي بغير فعل الإنسان، ويتعلق بالإنسان مطلقاً سواء كان مكلفاً وغير مكلف. إذاً التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلف المستجمع لشروط التكليف بخلاف الوضعي فإنه يتعلق بفعل المكلف وغير المكلف.

стр. 144

التكليفي يُتشرط فيه الكسب والمباشرة من المُكلف نفسه هذا تفصيل ما ذكرناه سابقاً، أن الصلاة والزكاة والصيام والحج نقول هذه أمور مُكلف بها من استجمع شروط التكليف ويُشترط في امتثال هذا الأمر أن يكون مباشراً لها ما يُعبَر بالكسب في هذا الموضع، حينئذ لابد أن يكون هو المباشر لكن الحكم الوضعي لا، لا يشترط فيه أن يكون مباشراً، كما ذكرناه في الصبي والمجنون والبهيمة، بل حتى النائم لو أتلف شيئاً وهو نائم نقول وجب الضمان مع أنه لا يُنسب إليه فعل النائم غير مكلف، فعله كفعل المجنون لا يُنسب إليه فعل، فحينئذ لو أتلف شيئاً وهو نائم نقول وجب الضمان، الحكم التكليفي يُشترط فيه العلم بخلاف الوضع كالنائم يُتلف شيئاً حال نومه فيضمن والرامي قد يريد الصيد من وراء حائل فيُصيب إنسان خطئاً ما يعلم أنه وراءه إنسان ما يعلم أن ثم إنسان وراء هذا الحائل فرمى يريد صيداً فأصاب إنسان يعلم أو لا يعلم؟ نقول لا يعلم، هل يجب عليه الضمان؟ نعم يجب عليه الضمان، لماذا مع كونه كما ذكرنا سابق أن من شروط المُكلف أو المُكلف به العلم به أني كون معلوماً مقدوراً معدوماً ثلاثة شروط والعلم والوسع على المعروف شرط يعم كل ذي تكليف لابد في الحكم الشرعي التكليفي أن يكون الفعل المُكلف به العبد معلوماً له فإذا لم يكن حينئذ لا تكليف لا إيجاب ولا تحريم ولا كراهة ولا ندب، أما الحكم الوضعي فلا، فإذا رمي به شيئاً من خلف الجدار فإذا به نزل على إنسان ومات وجب عليه الضمان، لا يدري نقول لا يشترط فيه العلم. هذه فروق أو أهم ما يُذكر من الفروق بين الحكم الشرعي التكليفي والحكم الشرعي الوضعي.

стр. 145

قال وضعية عرفنا المراد بوضعية، وهي أربعة وهي الاستقراء الشرع يعني معدودة بالأربعة وهذه المسألة فيه نزاع بين الأصوليين وذكرت لكم أن الأسباب والشروط والموانع متفق عليها أنها أحكام وضعية واختلفوا في العلة والأداة والقضاة والإعادة والرخصة والعزيمة والصحة والفساد، هل هذه أحكام وضعية أم لا؟ هل هي أحكام عقلية أم لا؟ نقول والصواب بأنها أوصاف للحكم التكليفي أما العلة فهي جزء من السبب فهي داخلة في السبب، فبعضها يتداخل مع السبب والشرط والمانع، وبعضها قد يكون مبايناً فيكون وصفاً للحكم التكليفي كما سيأتي في الرخصة والعزيمة، الرخصة والعزيمة تنقسم إلى خمسة أقسام لأقسام الأحكام التكليفية، وضعية وهي أربعة: المُصنف هنا جرى على أنها أربعة بجعل العلة أو بقوله ما يظهر به الحكم جعله قسماً مستقلاً فأدرج فيه العلة والسبب وجعل الشرط والمانع من توابعهما، ثم عنون للمنعقد ثم الثالث الصحة والفساد ثم الرخصة والعزيمة، هذه أربعة، أولاً ما يظهر به الحكم وقسمهم إلى قسمين علة وسبب ثم الشرط والمانع لم يجعله داخلاً في جُملة السبب بل جعله من توابع السبب والعلة يعني مكملاً لهما، ثم جعل المُنعقد نوعاً مستقلاً سماه المُنعقد وسيأتي ثم نوعاً ثالثاً وهو الرخصة والعزيمة، ثم نوعاً رابعاً وهو الصحة والفساد وستأتينا، قال أحدها ما يظهر به الحكم، ما شيء يظهر به الحكم، به الباء سببية هنا أي أن الحكم يظهر ويُوجد بوجود هذا الشيء إن وُجد فثم الحكم الشرعي، ولذلك سُميت هذه المعرفات وسُميت أعلام وسُميت أخبار، لماذا؟ لأنها بوجودها تعلم حينئذ حكم الله، حكم الله في الجملة قد يكون معلوم عندك وجوب الصلاة معلوم صلاة الظهر لكن دخوله الآن هذه الساعة وجبت صلاة الظهر من الذي عرفك بهذا الحكم؟ زوال الشمس، فصارت زوال الشمس هو المُعرِّف وهو المُخبِر وهو الذي أعلمك بوجوب بدخول الصلاة مع علمك بالجمل أولاً، ما يظهر به الحكم أي أن الحكم يظهر ويوجد بوجود هذا الشيء فما يوجد التحريم في الخمر إذا وُجد الإسكار، إذا وُجد الإسكار على تحريم الخمر هو الإسكار كل ما وُجد الإسكار فثم التحريم، أليس كذلك؟ كل ما وُجد الإسكار فثم التحريم، قد يلتبس عليك بعض الأمور المشروبة تقول حلال أو حرام؟ فحينئذ تكتشف أو تعرف بدليل آخر أن هذه المشرب مشتمل على إسكار حينئذ نقول ثبت الحكم إذاً ظهر وبان حكم هذا المشروب بوجود هذا الشيء وهو الإسكار فصار الإسكار حينئذ قد أظهر الحكم الشرعي وهو التحريم، كذلك زوال الشمس أنت يلتبس عليك الآن هل وجبت صلاة الظهر أو لا فتعلم بطريق ما أن الشمس قد زالت فحينئذ ظهر الحكم الشرعي وهو وجوب صلاة الظهر بسبب زوال الشمس إذاً صار زوال الشمس مُظهراً للحكم الشرعي وهو وجود الصلاة صلاة الظهر وصار زوال الشمس كاشفاً ومُعرفاً لك بكون أن الآن هذا الوقت قد وجبت عليك صلاة الظهر، ما يظهر به الحكم وهو نوعان قسمه لك المُصنف إلى قسمين علة وسبب، جعل المصنف هنا العلة مقابلة للسبب وهذا محل خلاف، هل العلة من الخطاب الوضعي أم لا؟ قم هل العلة مرادفة للسبب أم لا؟ ومع علة ترادف السبب والفرق بعضهم إليه قد ذهب، العلة والسبب قيل هما بمعنى واحد ومع علة ترادف
следующие страницы →