Полный текст (187 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
ـ[الشرح المختصر على نظم الآجرومية]ـ
المؤلف: أحمد بن عمر الحازمي
مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشيخ الحازمي
http://alhazme.net
[ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١٢ درسا]
стр. 2
عناصر الدرس
* نصائح لطالب العلم.
* المبادئ العشرة.
* مقدمات الناظم.
* باب الكلام.
* أقسام الكلام وعلامات الاسم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
كما عُلم بأنه سيكون ثَمَّ دروس تتعلق ببعض المتون، وهي خاصة بعلوم الآلة من النحو والصرف والبيان، ويلحقه شيء من المنطق _إن شاء الله تعالى_ في هذه الأسابيع الأربعة المتتالية، وكل أسبوع نأخذ فيه متنا، ويكون فيه شرح على جهة التقعيد والتأصيل، وسنسعى _بإذن الله تعالى_ أن يكون ثَمَّ شرح مختصر يليق بطالب العلم؛ لكن على جهة التقعيد والتأصيل كما ذكرنا، وليس على ذكر المعاني فحسب؛ لأن العلم إنما يؤخذ بالقواعد، ويؤخذ بالأصول، لا بالمعاني التي تكون على جهة الإجمال.
ومثل هذه الدورات التي تقام في مثل هذه الإجازات الصيفية، المقصود بها أن يَعمُرَ طالب العلم وقته بالعلم الشرعي، وليس المراد اختصار العلم كما قد يظنه طلاب العلم، هذا غلط في الفهم؛ إذ اختصار العلم يؤدي إلى تفويت العلم؛ لأن ثَمَّ خلل يقع فيه في الاختصار، المسائل لابدّ من إيضاحها على جهة التفصيل فيما يحتاج إلى تفصيل، وبعض المسائل لا تُفهم إلّا بذكر قيودها وشروطها، حينئذ لابدّ من ذكر ما يتعلق بالمسألة من جهة المنطوق والمفهوم، وأما الاختصار قد يكون مخلّا، وإذا وقع الخلل حينئذ لا يمكن أن يقال بأن طالب العلم قد درس هذا الفن، أو درس هذا الكتاب؛ لأن أهل العلم لهم مغزى في اختصار العلم في هذه المختصرات، وهي وسيلة إلى ضبط العلم؛ بمعنى أنه يقلّل لك الألفاظ التي تحمل المعاني الكثيرة، ولذلك يعرّفون الاختصار والمختصر بأنه: "ذو اللّفظ القليل والمعنى الكثير"، يعني ما قلّت ألفاظه وكثرت معانيه، فإذا أخذ اللّفظ القليل مع المعنى القليل حينئذ لم يأتِ على سننِ أهل العلم.
هل المختصرات كلها في العلوم؟ قاعدة فيها عند أهل العلم أن الطالب لا يمكن أن يحصّل العلم الشرعي إلّا بتحصيل هذه المتون، فهي وسيلة إلى ضبطه، وهي وسيلة إلى فهم العلم كلّه، سواء كان علوم آلة أو كانت علوم مقاصد، لا يمكن أن يصل إلى العلم وتحقيق العلم وضبط العلم من حيث التأصيل والتقعيد إلّا بالعناية بهذه المتون على الطريقة التي عناها أهل العلم، ولذلك قالوا المختصرات ثم عرّفوا المختصر بأنه: "اللّفظ القليل ذو المعنى الكثير"، حينئذ لا يمكن أن يؤخذ اللّفظ القليل بالمعنى القليل، بل لابدّ أن يكون ماذا؟ أن يكون الشرح موازيا للّفظ أو لهذا المصطلح عند أهل العلم، وإذا تقرر ذلك حينئذ نعلم أن الغاية أو الأصل في وضع مثل هذه الدورات ليس الاختصار المخلّ لشرح العلم أو لشرح الكتاب، وإنما المراد به إعمار وقت طالب العلم، حيث يقرأ في الصباح ويقرأ في المساء على نهج أهل العلم القدماء، الذين كانوا يعمرون أوقاتهم بالعلم كلّه صباحا ومساء، ولا يعطى العلم فضول الأوقات، كما قد يظنه من يظن بأن العلم إذا أعطي ساعة أو ساعتين في اليوم حينئذ كفاه وقد حصّل مهما حصّل.
стр. 3
والهمّة التي تكون عند طلاب العلم لا بدّ أن تكون منضبطة على ضبط ما أراده أهل العلم، بمعنى أن الهمّة قد تكون منطلقة عند طالب العلم، يريد أن يكون عالما، يريد أن يكون ضابطا للعلم الشرعي، ونحو ذلك، ولكن تجده عند التطبيق يخالف تلك الهمّة، لا يمكن أن يريد طالب العلم أن يكون عالما واعيا للفقه والحديث والتفسير ونحو ذلك ثم لا يعطي للعلم كلّه؛ ولذلك اتفقوا على أن العلم إذا أعطيته كلّك أعطاك بعضه، فكيف إذا أعطيته بعض البعض؟ لن تأخذ منه شيئا البتّة، يعني إذا أعطيت العلم كلّ وقتك صباحا ومساء تنال شيئا من العلم، قليل؛ لأن العلم لا يحيط به أحد، حينئذ إذا أعطيته بعضك أو بعض بعضك _يعني بعض الوقت_ إذن لن تنال شيئا البتة.
ولذلك نقول الوصية في مقدمة شرح هذا الكتاب أن يعتني طالب العلم بحفظ وقته ولا سيّما في مثل هذه الإجازات، طالب العلم قد يكون متفرّغا نوعا ما هذه الثلاثة أشهر _تزيد أو تقل_ وإذا عمرها بعلم شرعي وتحصيله حينئذ سينال حظا وافرا، ولا يكن همّ طالب العلم كالعوام، سهر اللّيل للصباح ونوم النهار ثم لا يحصّل، تمرّ عليه الأيام والساعات والدقائق ولم يحفظ شيئا ولم يُنهِ شيئا، ولا فرق بين طالب العلم والعوام في مثل هذه المسائل, الوصية أن يحفظ طالب العلم وقته، وأن يجعله في العلم؛ إذ العلم أفضل وأحسن وأجمل ما تعمر به الأوقات، ولذلك قيل: "قيمة كل امرئ ما يحسنه"؛ فالذي تحسنه من العلم الشرعي هو قيمتك وإلّا كنت كالبهيم؛ لأن الله جعل في الإنسان عقلا يدرك به الحقائق ويميز بين الحق والباطل، وأنت ما خلقت في هذه الحياة إلّا من أجل تحقيق العبودية لله تعالى، قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، والعبادة توقيفية، طريقها الوحي، والوحي والعلم به هو العلم الشرعي، وإذا لم يكن علم حينئذ كيف تعلم العلم الشرعي؟ وإذا لم تعلم العلم الشرعي حينئذ كيف تحقّق العبودية لله _عزّ وجل_؟ ولذلك نصّ ابن القيم (رحمه الله تعالى) على أن من أجمل ما يقرب به فضل العلم أن أهل العلم أجمعوا على أن العبادة لا تصح إلّا بتحقيق شرطين اثنين، وهما الإخلاص والمتابعة، وكل منهما لا يمكن أن يتحقق إلّا بالعلم.
فما هو الإخلاص؟ وما حقيقة الإخلاص؟ وما هي ضوابطه؟ وما هي عوائقه؟
هذا لابدّ من علم شرعي، ولابدّ من نظر في كتاب وسنة، وكذلك المتابعة للنبي ﷺ كيف تتحقق؟ كيف تصلي؟ كيف تزكي؟ كيف تصوم؟ كيف تحجّ؟ كيف تدعو إلى الله _عزّ وجل_؟
كل هذه متعلقة بالعلم الشرعي، وقوله ﷺ في ذلك ميزان: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ"؛ إذن العلم الشرعي يتحقق به صحّة كل عبادة، تصور أنك تعبد الله _عزّ وجل_ صباح مساء، والإنسان المكلّف بالأوامر والواجبات العامة، فروض العيان أو فروض الكفايات أو المستحبات= لايمكن أن يتحقق ذلك إلّا بالتحقق بالعلم الشرعي؛ إذن هذا يدل على أن العلم الشرعي مطلب وغاية.
стр. 4
بحثنا في النحو وهو وسيلة بل من أعظم الوسائل لفهم الشريعة, الشريعة موقوفة على فهم, فهمها موقوف على فهم لسان العرب، لا يمكن أن يكون ثمة فهم للكتاب والسنة إلّا بفهم لسان العرب، ولسان العرب المراد به (لغة العرب)، ولغة العرب أنواع؛ لكن الذي يحتاجه طالب العلم من حيث الفهم أربعة علوم: (النحو، والصرف، والبيان، وفقه اللغة)، فقه اللغة يعني: "معرفة الألفاظ ومعانيها ودلالاتها" هذه إنما تعرف بالنظر في المعاجم، وممارسة كتب التفسير، وما ذكره أهل العلم عند كلّ لفظة من ألفاظ القرآن أو من ألفاظ السنة، والنحو أهمها وأبوها (كما يقول بعض المحشّين)، ثم تأتي مرتبة الصرف، ثم يأتي بعد ذلك علم المعاني، فبهذه العلوم حينئذ ينتظم لطالب العلم أو تكون له القاعدة في علم أصول الفقه؛ إذ مبناه على لسان العرب، وإذا حصلت له القاعدة في أصول الفقه مع هذه العلوم الثلاثة= حينئذ صحّ وجاز أن ينظر في الكتاب والسنة نظر مجتهد، بمعنى أنه لا يقلد أحدا، وإنما ينظر فيه نظر استقلال مع الاستعانة بمفهوم أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، إذن العلم إنما يكون مبنيا على فهم لغة العرب، وهذا أمر مجمع عليه لا خلاف بين أهل العلم المتقدّمين _فيمن كتب وصنّف_ أن لسان العرب شرط في الاجتهاد، ومعنى الاجتهاد أن ينظر في كلّ مسألة وينظر في دليلها ثم يقول: (والرّاجح كذا)، هذا هو الاجتهاد، ترجيح على حسب ما يقتضيه الدليل، وهذه مرحلة الاجتهاد أو مرتبة الاجتهاد لا تحلّ لكل أحد من الناس ولو كان طالب علم، بل ولو كان عالما، لماذا؟ لأنه موقوف على ضوابط، هذه الضوابط من أساسها وما تبنى عليه هو فهم لسان العرب، وذكرنا أن إجماع أهل العلم أن لسان العرب شرط في صحة الاجتهاد، فإذا كان كذلك حينئذ لابدّ من العناية بالنحو عناية فائقة, طلاب العلم قد يبدأ بالتفسير، قد يبدأ بالفقه، قد يبدأ بالحديث، ثم تذهب الأعمار، ثم هو هو مقلّد، ولسبب فوات العناية بعلوم الآلة يقع طالب العلم في تخبط لأنه يسير _يعني_ بلا قائد، هذا الذي ضيع طلاب العلم الآن؛ لأنهم يسيرون على أهوائهم، لأنهم يسيرون على ما تشتهيه أنفسهم، ويظن أن موافقة الواقع وما عليه الناس هو الصحيح، لا ليس الأمر كذلك، بل لابدّ من نظرٍ في كلام أهل العلم المتقدمين، الذين صنّفوا وكتبوا في العلم واختصروا وشرحوا ونظموا، كلّ ذلك ويذكرون في مقدّماتهم من هو الذي يدرس هذا الكتاب وهذا النظم و ... إلى آخره.
стр. 5
قسَّموا طلاب العلم إلى مبتدئين ومتوسطين ومنتهين، وجعلوا متونا خاصة بالمبتدئين، ومتونا خاصة بالمتوسّطين، ومتونا خاصة بالمنتهين، وشرحوا هذه المتون وحشّوا عليها، ومنها المنثور ومنها المنظوم، كلّ ذلك يدل على أنه قد ضبطوا الأمر، وليس لطالب العلم حينئذ الخيار إلّا أن يسلك ما سلكه العلماء السابقون، وليس عندهم إلّا طريقا واحدا= وهو أنه يعتني طالب العلم بهذه المتون المشهورات، لكل علم ثَمَّ متون مشهورة، لا يأتي للغرائب وإنما ينظر إلى ما اشتهر عند أهل العلم، فمثلا في النحو اشتهر الآجرومية والملحة والقطر، حينئذ يسلك هذا المسلك، وهذه المتون الأربعة مثلا لها شروحات، وكلّ شرح له ميزته التي تختلف عن الشرح الآخر، وكذلك الحواشي، كذلك ما يتعلق بالمتن؛ حيث إعراب الشواهد ونحو ذلك، حينئذ هذه مرحلة أولى (العناية بالمختصر)، ثم لا علم إلّا بحفظ, طالب العلم تختلف الهمم بعض طلاب العلم يريد أن يرفع بالعلم جهله، هذا لا إشكال فيه، هذا قد يكتفي بالنظر في مفهومات العلوم _يعني يفهم العلم_ وله ذلك، وطالب علم يريد أن يحقق العلم الشرعي؛ بمعنى أنه يكون في طبقة أهل العلم وجهاد العلماء، وأن يجتهد ويفقه المسائل التي يُعَنْوَنُ لها بالنوازل ونحو ذلك، يعني يريد أن يكون عالما، هذا باختصار.
_ كيف تكون عالما؟
стр. 6
لابد من مختصرات، ولابد من حفظها، لا علم إلّا بحفظ، وإذا لم تحفظ حينئذ لن تكون شيئا البتة، النحو من المنظومات المشهورات أو من الكتب المشهورة على جهة التأصيل نظم أو نثر ابن آجرّوم يسمى بالآجرومية، وله نظم للعمريطي، وله نظم لعبيد ربه محمد ابن آبّ الشنقيطي، والثاني أجود من الأول لميزتين، الأول: أنه لم يطل وإنما نظم النثر كما هو، وأما العمريطي فقد زاد وقد سمّاه كالشرح للكتاب؛ بمعنى أنه فصل في بعض المسائل وهذا قد ينافي، ثم جاءت في ربع المئة، لا جاءت في ربع ألف (مئتين وخمسين بيتًا)، حينئذ هذا العدد يعتبر كبيرا بالنسبة لطالب العلم المبتدئ، وخاصة إذا أراد أن يحفظ الملحة، حينئذ لا داعي لحفظ مثل هذا النظم الذي فيه شيء من الطول، أما المتن الذي معنا فهو أقل عددا، وثانيا: هذا المتن أو النظم يعتبر سهل العبارة؛ بمعنى العبارات واضحة تحتاج إلى شيء من التعليق والإيضاح لمن أراده مصنفا كغيره، وكذلك فيه شيء من الأمثلة، وكذلك زادوا ثالثا: بأنه قد اشتهر في هذا الوقت، حينئذ يعتني به طالب العلم إما بالنثر _إن استطاع أن يحفظ النثر_ وإما بالنظم وهو أجود، وعلوم الآلة _كقاعدة_ علوم الآلة الأولى أن يشتغل بها طالب العلم من جهة الحفظ بالمنظومات، ولا ينظر في المنثورات؛ لأن هذه العلوم لا تطلب لذاتها، ليست هي المقصودة، المقصود هو علم الوحي، والنحو ليس بعلم الوحي، وإنما هو وسيلة؛ إذن هو وسيلة لغيره، والنثر حفظه فيه شيء من الصعوبة، بل هو صعب، فإذا كان كذلك حينئذ يوفر طالب العلم جهده وقوته وحفظه وذهنه في حفظ المقاصد، لو حفظ في الفقه نثرا هذا هو الأصل ولا يحفظ نظما، كذلك في باب المعتقد يحفظ النثر ولا يحفظ النظم، وكذلك في باب الحديث يحفظ النثر ولا يحفظ النظم، لأنها مقاصد، هي الشريعة، لأنها كلام الله وكلام رسوله ﵌، وأما ما كان وسيلة لفهم العلم الشرعي هذا الأولى أن يشتغل بالمنظومات، علم النحو من أجل معرفته وهذه القواعد أهل العلم أنه لا يشرع طالب العلم حتى يعرف ماهو العلم الذي يطلبه, العلم له أو [علم النحو]: يطلق في "اللغة" يراد به القصد، (نحوت جهة كذا) أي: (قصدتها)، وهذا هو المشهور (معنى القصد).
وأما في "الاصطلاح": فالنحو "علم بأصول يعرف بها أحوال أواخر الكلم إعرابا وبناء".
стр. 7
علم واضح يراد به الإدراك، علم بماذا؟ قال: بأصول، والأصول جمع أصل، والمراد به هنا القاعدة؛ لأن العلوم _علوم الآلة_ قواعد، يعني عندك قاعدة (الفاعل مرفوع)، هذه قاعدة من قواعد العلم _علم النحو_ فكل فاعل مرفوع، (المفعول به منصوب) إذن كلّ مفعول به منصوب، وإذا جاء بك أو مرّ بك فاعل فارفعه، وإذا جاء بك أو مرّ بك مفعول به فانصبه، حينئذ نقول: تطبيقا لهذه القواعد تجري الأحكام على الآحاد والجزئيات، "فعلم بأصول" أي بقواعد، إذن علم النحو علم قواعد، لذلك يسمى في الدراسات الآن قواعد (وهو كذلك) , القواعد هذه يعرف بها _أي بواسطتها_ ويميز أحوال أواخر الكلم _يعني الكلمات_, (كلمة) في لسان العرب لا تخرج عن ثلاثة أنواع: إما اسم وإما فعل وإما حرف، فكل كلام العرب _ولو نظرت في القرآن أو نظرت في السنة_ لا يخرج عن هذه الثلاثة أنواع بالاستقراء والتتبع، وهو دليل قطعي لفائدة أن الكلمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام إما اسم وإما فعل وإما حرف، هذه الكلمة مؤلفة من حروف، كـ (زيد) مؤلفة من ثلاثة أحرف: (ز، ي، د) كلّ حرف منها محرّك _له حركة_ الحرف الأول والحرف الثاني لا علاقة بالنحو به البتّة، لا يبحثون فيه وإنما يبحثون في آخر الكلمة _الحرف الأخير_ (زيدٌ) يبحثون في حركة الدّال، (بيتٌ) يبحثون في حركة التاء وهكذا، ولذلك قال: "يعرف بها أحوال" جمع حال _أي صفة_، والمراد بالصفة هنا الرفع والنّصب والخفض والسكون، إذا تجاوزنا حينئذ "أحوال أواخر الكلم" يعني رفعه أو نصبه أو خفضه، فأواخر الكلم لأن مبحث النحاة إنما يتعلق بآخر الكلمة، وما قبله يكون مبحثا للصرفيين كما سيأتي، وقد يشترك النحاة والصرفيون في الحرف الأخير؛ لكن من جهة ماذا؟ يبحث النحاة في حركة الحرف الأخير من حيث الإعراب والبناء _يعني كون هذه الكلمة معربة وحركتها الضمة أو الفتحة أو الكسرة أو السكون أو هذه الكلمة مبنية وبناؤها يكون على الفتح أو الضم أو الكسر أو السكون_ حينئذ انحصر بحث النحاة، انظر؛ علم كبير جليل انحصر في حرف واحد، ما حركته؟ الضمة أو الفتحة أو الكسرة أو السكون، إذن؛ علم بأصول _بقواعد_ هذه القواعد نستفيد بها ماذا؟ معرفة أحوال (يعني صفات)، والمراد بالصفات الرفع والنصب والخفض والجزم، متعلق هذه الصفات ماهو أواخر الكلم إعرابا وبناء، يعني الضمة قد تكون للإعراب وقد تكون للبناء، والفتحة تكون للإعراب وتكون للبناء، الذي يميز هذا عن ذاك إنما هو مبحث النحاة، هذا حده.
_[موضوعه]: الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء، الكلمات العربية لا من حيث أوزانها _ (فَتَحَ) على وزن (فَعَلَ) _ هذا لا يبحث فيه النحاة، و (اسْتَغْفَرَ) على وزن (اسْتَفْعَلَ)، و (قَالَ) أصل (قَوَلَ) حُرِّكَت الواو وفتح ما قبلها وقلبت ألفا، لا يبحث النحاة في ذلك وإنما يبحثون في الكلمة العربية من حيث الإعراب والبناء، هي معربة وسبب إعرابها كذا، وهي مبنية وسبب بنائها كذا.
стр. 8
_[مسائله]: ما سيأتي بحثه من الأبواب أهميته كما سبق فهم الشريعة (انتبه لهذه)، فهم الشريعة فهما صحيحا دون تقليد مبني على فهم هذه العلوم، شئت أم أبيت، أجمع أهل العلم على هذا، فهم الشريعة موقوف على هذا العلم ثم صيانة اللسان عن الخطأ في من الوقوع في اللحن، وليس الثاني هو الغاية، بعضهم يذكر إذا ذكر أهمية النحو قال: (من أجل أن تصون لسانك عن الخطأ في الكلام) ليس هذا غاية طالب العلم، يعمر وقته بما يقربه إلى الله تعالى فلابدّ أن تكون النية صالحة، وإذا كان نية طالب العلم بدراسة النحو إقامة اللسان فقط ما أجر على ذلك, يؤجر؟ لا يؤجر على ذلك، لماذا؟ لأن إقامة اللسان ليست مقصدا شرعيا، وإنما يكون مأجورا إذا نوى بتحصيل هذا العلم أن يكون معينا له على فهم الشريعة، وإذا كان كذلك حينئذ صار قربة وطاعة إلى الله تعالى، حكمه فرض كفاية، ليس مستحبّا، وإنما هو فرض كفاية، وعلى المجتهد الذي يجتهد في المسائل الشرعية والنظر فيها يكون فرض عين، بمعنى إنه إذا اجتهد دون أن يكون عالما بهذا الفن فهو آثم، وإذا تكلم في التفسير وقد نص أهل العلم على ذلك أن المتكلم في التفسير لا يحل له الكلام حتى يكون مليّا بعلم اللّسان، وأهمها علم النّحو؛ فلا يحل لمسلم أن يتكلم في كلام الله تعالى إلّا إذا أتقن هذا العلم.
قال الناظم رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال عُبَيْدُ رَبِّهِ مُحَمَّدٌ في بَعْضِ النُّسَخِ:
قَالَ ابْنُ آبَّ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ ... اللهَ فِي كُلِّ الأُمُورِ أَحْمَدُ
مُصَلِّيًا عَلَى الرَّسُولِ المُنْتَقَى ... وَآلِهِ وَصَحْبِهِ ذَوِي التُّقَى
وَبَعْدُ فَالقَصْدُ بِذَا المَنْظُومِ ... تَسْهِيلُ مَنْثُورِ ابْنِ آجُرُّومِ
لِمَنْ أَرَادَ حِفْظَهُ وَعَسُرَا ... عَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَ مَا قَدْ نُثِرَا
واللهَ أَسْتَعِينُ فِي كُلِّ عَمَلْ ... إِلَيْهِ قَصْدِي وَعَلَيْهِ المُتَّكَلْ
البدء بالبسملة كثر في منظومات أهل العلم، وهو جائز بالإجماع وإن كان شعرا، إلّا أنه جاء في بيان ما يتعلق بالشريعة، وإذا كان كذلك صار طاعة، وإذا صار طاعة جاز الابتداء بالبسملة، وأما قول الشعبي والزهري أجمعوا أن لا يكتبوا أمام الشعر (بسم الله الرحمن الرحيم)؛ فليس المراد به المنظومات العلمية، وإنما المراد به ما عداها، قول الزهري: "مضت السُّنة أن لا يكتبوا في الشعر (بسم الله الرحمن الرحيم) " كذلك محمول على غير ما يتعلق بالعلم الشرعي، وأما ما يتعلق بالعلم الشرعي فمحلّ وفاق بين أهل العلم أنه يستحب أن يفتتح بالبسملة.
قال عبيد ربه محمد: [قال ابن آبّ واسمه محمد] هذا أو ذاك، اختلفت النسخ في أول شطر، والخلاف سهل, الناظم هو (محمد ابن آبّ) القلّاوي الأصل، قبيلة الأقلال الشنقيطية مولده ومسكنه في مدينة أتوات قيل المغربية، توفي سنة ألف ومئة وستين، فهو متأخر، [قال عبيد ربه محمد] محمد: هذا عطف بيان، عبيد ربه: هذا الفاعل، [قال عبيد ربه محمد]: يعني يقول، قال بمعنى يقول، هذا كقوله تعالى ﴿أتَى أمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، ومن سند العرب أنهم يطلقون الفعل الماضي مراد به المستقبل، ماذا قال؟
стр. 9
[اللهَ في كلّ الأمور أحمد]: (الله) بالنصب على التعظيم، وهو مفعول به مقدم، والعامل فيه (أحْمَدُ)، كأنه قال: (أحْمَدُ اللهَ)، وقدم المفعول به لقصد الاختصاص الفصل كما تحفظون ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ أصلها (نعبدك) لما فصل وقدم؟ يعني (لا نعبد إلّا إياك)، ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ قال أهل العلم فيها معنى (لا اله إلّا الله) إثباتا ونفيا، ووجهه أنه قدم ما حقه التأخير، ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ إذن لا نعبد إلّا إياك، (الله أحمد) يعني لا أحمد إلّا الله، منصوب على التعظيم، [في كلّ الأمور] جمع أمر، والمراد به الشأن والحال، يعني في كلّ الشؤون، وهو كذلك سواء كانت سرّاء أو كانت ضرّاء؛ فيحمد المسلم ربه _جلّ وعلا_ على السّراء كما يحمده على الضراء، وهذا شأن المسلم، [أحمد] هذه جملة فعلية، والحمد هو "ذكر محاسن المحمود مع حبّه وتعظيمه وإجلاله"؛ لأن ذكر محاسن المحمود إما أن تكون مع الحب والتعظيم فهو الحمد، وإلّا فهو المدح، فيشترك الحمد مع المدح.
[مصليّا على الرّسول المنتقى] أولّا حَمَدَ اللهَ تعالى، وهذا شأن المسلم أن يحمد الله تعالى مطلقا، ثم يأتي بالمرتبة أشرف الخلق _وهو نبينا محمد ﷺ _ وحقه بعد حق الله تعالى، مصليّا على الرسول، (أحمد) حال كوني مصليا، وحال مقابلة ومقارنة كلّ شيء بحسبه، يعني أحمد الله تعالى أولا (تكلم بلساني)، ثم بعد الإنتهاء من الحمد أصلي على النبي ﵌، و [مصليا] أي طالبا من الله صلاته، والصلاة من الله (ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى)، وصلاة الملائكة عليه هي (ثناؤهم عليه)، والآدميون سؤالهم من الله أن يثني عليه ويزيده تشريفا، [مصليا] أي طالبا من الله صلاته وهي ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، كما قال أبو العالية وعلّقه البخاري عنه، [مصلّيا على الرّسول] والرسول في اللغة: (هو الذي يتابع أخبار الذي بعثه)، وأما في الشرع: (فهو إنسان ذكر حرّ أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه)، [المنتقى] يعني المختار، [الرسول] جاء بـ (ألْ)، وإذا أطلق الرسول في أمة محمد ﷺ فهو عَلَمٌ بالغلبة على نبينا ﵊ فلا يحتاج إلى أن ينص عليه بذكر اسمه، فقيل (اللهم صلِّ على النبي أو على نبينا) صار علما بالغلبة، و [الرسول] هذا جنس يطلق على نوح ومن بعده إلى نبينا ﷺ ؛ ولكن إذا كان الناطق من أمة محمد ﷺ انصرف إلى نبينا، إذن [المنتقى] أي المختار.
[وآله] أي أتباعه على دينه في هذا المقام، أي مصلّيا على الرسول ومصليا على آله، أي أتباعه على دينه، والنص دلّ على أن الصلاة تكون تابعة على الأتباع، كما جاء في الحديث: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ"، إذن الصلاة على الآل بالنص.
[وصحبه] اسم (جمع صاحب) كراكب وركب، صاحب: (هو من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك)، وهنا الصلاة عليهم على جهة التبع لا استقلالا، لما لهم من شرف حفظ الشريعة.
стр. 10
[ذوي التّقى]: تقى والتقوى بمعنى واحد، يعني مصدر، و [ذو] تجمع على ذوي، ولذلك جمع [ذوي التقى] يعني أصحاب التقوى، يعني المتصفين بهذه الصفة العظيمة وهي التقوى، وحقيقتها: (امتثال المأمور واجتناب المحظور).
[وبعد]: والأصل فيها على السنة أن يقال: (أما بعد)، ولكن توسع أهل العلم فأقاموا الواو مقام (أما)، الأصل (أما بعد)، قالوا: [وبعد]، [وبعد]: هذا من ظروف الغاية، ظرف مبهم مجهول المعنى، ولا يفهم إلّا إذا أضيف إلى غيره، يعني مثل (أما بعد حمد الله تعالى والثناء كذا).
[فالقصد]: الفاء واقعة في جواب الشرط، أي المقصود، (قصد) هنا مطلب بمعنى اسم المفعول، (والقصد) هو: "إتيان الشيء"، يعني لماذا جئت ونظمت؟ أو ما الذي تريده من متعلق النية بنثر ابن آجروم؟
قال: [فالقصد بذا المنظوم]: [بذا] هذا اسم إشارة، والمشار هنا المرتب الحاضر بالذهن، [المنظوم] يعني الذي نظمه، منظومته هذه ما القصد بها؟
قال: [تسهيل]: يعني تيسير، [منثور]: نثر، ما يقابل الشعر، [ابن آجروم]: وهو (أبو عبد الله محمد ابن محمد ابن داوود الصنهاجي) معروف بابن آجروم، توفي سنة ثلاثة وعشرين وسبع مئة، و (آجروم) قيل: المراد به "الفقير الصوفي"، إذن النظم إنما قصد به الناظم، وجعل النثر نظما _وهو ما يسمى بالعقد عند أرباب البديع_ قصده تسهيل ابن آجروم، لماذا؟ لأن النظم أسهل من حيث الحفظ من النثر، والنثر فيه شيء من الصعوبة، ولذلك قال بعضهم:
وبعد فالعلم إذا لم ينضبط.:. بالحفظ لم ينفع ومن مارى غلط
وأسهل المحفوظ نظم الشعر.:. لأنه أحضر عند الذكر
إذن [تسهيل] أي تيسير، هذا خبر قصد، [فالقصد بذا المنظوم تسهيل] هذا مصدر، المراد به التيسير لمن أراد حفظه وعسر عليه أن يحفظ ما قد نثر، إذن حفظ المنثور فيه عسر قديما وحديثا، وهو مشتهر عند أهل العلم بأن النثر فيه شيء من الصعوبة، ولذلك نقل النثر إلى النظم، وما أكثر المنظومات في العلوم على جهة العموم، يعني في العلوم على جهة العموم سواء كانت علوم آلة أو مقاصد.
стр. 11
[لمن]: اللّام لتعليل، [لمن أراد حفظه]: يعني استظهاره عن ظهر قلب، [وعسرا]: الألف للإطلاق، يعني شقّ على الطالب، [عسر]: ضد يسر، [عليه]: متعلق بعسر، [أن يحفظ]: يعني (أن) وما دخلت عليه تأويل مصدر نائب فاعل لـ (عسر)، [ما قد نثرا]: يعني الذي قد نثرا، الألف للإطلاق، إذن قصده بهذا النظم أن يسهل على طالب العلم، فإذا أراد حفظ النظم حينئذ اشتغل بدرسه، يعني بدراسته، وإذا لم يرد فلا يشتغل به، لماذا؟ لأن النظم وإن كان سهلا من حيث الحفظ إلّا أن فيه شيئا من الصعوبة من حيث الفهم، لأن فيه تقديما وتأخيرا، وفيه بيان للمتعلّق ونحو ذلك، وقد يضطر إلى التقديم والتأخير، قد يغلق المعنى؛ ولذلك يحتاج إلى تأنٍّ في الفهم، بخلاف المنثور؛ فالضرورات لا تدخل النثر وإنما تدخل المنظومات، وهذا الذي يجعل بعض المنظومات _بل كثير منها_ فيها شيء من الصعوبة من حيث الفهم فحسب، وأما من حيث الحفظ فهي أسهل، والعكس في المنثور؛ لأنه من حيث الحفظ فيه شيء من الصعوبة، ومن حيث الفهم فهو أسهل، تقرأ الشطر أو الشطرين أو البيت والبيتين من النظم وفيه شيء من الإغلاق، إذا رجعت إلى النثر فإذا به واضح تقرؤه كما هو، ولكن هذا لا يجعل أن يكون المفهوم غاية فحسب، بمعنى أنه يجمع طالب العلم بين الحفظ والفهم.
[والله أستعين في كلّ عمل]: أستعين الله، [الله أستعين] يعني: الاستعانة متعلقة بالله تعالى، ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: لا نستعين إلّا بك، الاستعانة عبادة ولا تكون إلّا بالله تعالى، والله _جلّ وعلا_، (أسْتَعِينُ= اسْتَفْعَلَ) من العون، أي: أطلب العون في كلّ عمل، يعني في عملي كله ظاهره وباطنه.
[إليه قصدي]: إليه سبحانه قصدي، قصدي إليه لا إلى غيره، (وقَصَدَ قَصْدَهُ= نَحَا نَحْوَهُ).
[وعليه المتكل]: عليه سبحانه المتكل، (اتَّكَلَ على فلانٍ في أمرِهِ) إذا اعتمده.
هذا ما يتعلق بالمقدمة، ثم قال رحمه الله تعالى:
باب الكلام
إنَّ الْكَلَامَ عِنْدَنَا فَلْتَسْتَمِعْ ... لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مُفِيدٌ قَدْ وُضِعْ
الكلام معرفته مهمة في أول فهم علم النحو، ويبدأ النحاة في المختصرات والمتوسطات والمنتهيات بعلم أو بتعريف الكلام؛ لأنه مقصود بالذات (هذا أوَّلًا)، ولأنه الذي يقع به التفاهم والتخاطب، لا تفهم ما يكن في صدور الناس إلّا إذا تكلموا، وإذا كان كذلك حينئذ لابدّ من معرفة ما هو الكلام.
[الكلام] في اصطلاح النحاة: "ما اجتمع فيه أربعة أركان"؛ ولذلك قال: [إن الكلام عندنا] أي: في حكمنا، في حكمنا نحن معاشر النحاة، وهنا يتكلم عن نفسه وعن غيره من النحاة.
[فلتستمع]: (الفاء) عاطفة، [تستمع]: جملة معترضة؛ لأنه أراد بها التثمين، [لفظ]: هذا خبر إن، [مركب مفيد قد وضع]: أربعة أركان إذا وُجِدَتْ على وفق ما قيده به النحاة فهو الكلام، إن عُدِمَتْ كلّها أو بعضها حينئذ انتفى وصف وصفك، هذا شأن الأركان، ركن كالفاتحة والركوع والسجود، إذا وجد حينئذ مع بقية الأركان وجدت الصلاة، وإذا انتفت الأركان أو انتفى بعضها انتفت الصلاة، كذلك هنا الكلام لا يكون كلاما نحويا إلّا باجتماع هذه الأربعة أركان.
стр. 12
[اللفظ]: له معنيان: (المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي)، والمعنى اللغوي المراد باللفظ هو: "الطرح والرمي"، قالوا: (أكلت التمرة ولفظت نواها) أي طرحتها.
وأما في "الاصطلاح": فاللفظ هو "الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية التي أولها الألف وآخرها الياء"، لابدّ أن يكون اللّفظ صوتا، ولا يكون لفظ بدون صوت، ثم الصوت يشتمل على بعض الحروف _لا جميع الحروف_ التي أولها الألف وآخرها الياء، يعني الحروف الهجائية، فـ (زيد، وقام، وإلى) نقول: هذه ألفاظ، لماذا؟ لكونها اشتملت على صوت إذا نطق به، وهي مؤلفة من حروف، _مهملا_ مستعملا كان أو مهملا.
"اللفظ نوعان": (لفظ مستعمل، ولفظ مهمل)، [المستعمل]: "هو الذي نطقت به العرب"، يعني وضعته العرب، ولقّن عليه العرب كـ (زيد، وقام، وإلى، ومن، وكتب، وجاء، .. ونحوه) كلها ألفاظ وضعتها العرب، نسميه لفظا مستعملا إذن، ما وضعته العرب هو المستعمل، اللفظ الثاني من نوعي اللفظ ما يسمى بـ[المهمل]، والإهمال المراد به: "الترك"، يعني: "لفظ لم تضعه العرب"، قالوا: كـ (ديز) مقلوب زيد، (زيد) نطقت به العرب، و (ديز) مقلوب زيد، يعني نقرأه بالعكس، (ديز) هذا لم تضعه العرب، لم تنطق بهذا اللّفظ، كذلك (جعفر) وضعته العرب ونطقت به، و (رفعج) _بالعكس_ ما وضعته العرب؛ إذن ليس كلّ لفظ يكون عربيا؛ لأن [اللفظ العربي] هو: "ما نطقت به العرب"، وما لم تنطق به العرب فليس بلفظ عربي، وإن كان لفظا لأنه صوت مشتمل على بعض الحروف الهجائية، إذن الركن الأول أن يكون الكلام لفظا، فإذا لم يكن لفظا حينئذ لا يكون كلاما، ولذلك الكتابة إذا لم تنطق بها قرأتها _الكتابة_ ليس بلفظ؛ لأنها ليست بصوت، إذن الكتابة لا يسمى كلاما عند النحاة، الإشارة قال له، أفاد أو لم يفد، أفاد الإشارة من أسفل إلى علو (يعني قم)، أو من أعلى إلى أسفل (يعني اجلس)، أفادت أم لا؟ أفادت، لكن هل تسمى كلاما؟ لا تسمى كلاما، لماذا؟ لانتفاء القيد الأول أو الركن الأول، وهو كونه لفظا، إذن اللفظ هو الصوت، لابدّ أن يكون منطوقا به، فإذا أفاد ولم يكن منطوقا به _كالكتابة والإشارة_ فلا يسمى كلاما.
[الثاني: مركب]: التركيب في اللغة: "وضع شيء على شيء مطلقا".
стр. 13
والمراد به في "الاصطلاح": "ما تركب من كلمتين فأكثر"، يعني كلام تركب من كلمتين فأكثر، أقل ما يصدق عليه أنه كلام عند النحاة أن يكون مؤلفا من كلمتين _ثنتين_، وما زاد على ذلك لا بأس به، قد يكون لكن المراد أنه لا يقل عن كلمتين، فكلمة (زيد) وحدها هي لفظ؛ لكن هل هي كلام؟ وُجِدَ القيدُ الأوَّلُ، وهو كونها لفظا؛ لكنها ليست بكلام، لماذا؟ لأن الكلام لا يتحقق إلّا إذا كان مركبّا، وما المراد بالتركيب؟ أن يكون مؤلّفا من كلمتين فأكثر، و (زيد) كلمة واحدة، إذن لو قال: (زيد) أو قال: (قام) فقط، أو (إلى) أو (من) ولم يذكر كلمة أخرى يضمها إلى هذه الكلمة= لا يسمى كلاما، إذن الكلمة الواحدة لا يسمى كلاما، لماذا؟ لكونه غير مركب، وجد الركن الأول وهو كونه لفظا؛ ولكن انتفى الركن الثاني وهو كونه مركبا، إذن كلّ كلام يشترط فيه أن يكون مركبا، وإذا أردت بالتركيب هنا أو فسر التركيب بما ذكر حينئذ من باب التقريب أن يقال: (المراد بالمركب هنا المركب الإسنادي التام)، واختصارا أن يقال: (الجملة الاسمية المؤلّفة من مبتدأ وخبر، والجملة الفعلية المؤلفة من فعل وفاعل أو فعل ونائبه) يعني كلمة "مركبة" هذه فيها إجمال، ما المراد بها؟ المراد به المركب الإسنادي التام، ما المراد بالمركب الإسنادي؟ مبتدأ وخبر (زيد قائم)، هذا أقل ما يقال بأنه كلام، (قام زيد)، جملة فعلية، إذن من باب الإيضاح والتقعيد في هذا المقام نقول: [المركب المراد به: الجملة الفعلية والجملة الاسمية]، "والجملة الفعلية" المراد بها المؤلفة من فعل وفاعله، أو فعل ونائب فاعل، (ضرب زيد) هذه جملة فعلية، (قام زيد) هذه جملة فعلية، عندنا كلمتان كذلك (زيد قائم)، (محمد مسافر) تقول هذه مؤلفة من كلمتين، إذن المركب ما تركب من كلمتين فأكثر، قد يكون التألف هنا من كلمتين ملفوظا به، (زيد قائم) ملفوظ به _يعني لفظت بالكلمتين_، وفي بعض المواضع قد تحذف إحدى الكلمتين، تقول (من جاء؟) زيد، هنا (زيد) ليست كـ (زيد) السابقة، (زيد) السابقة في ابتداء الكلام، و (زيد) ليست بكلام، لماذا؟ لأنه وإن كانت لفظا إلّا أنها ليست بمركبة، أما إذا قيل في جواب لسؤال (من جاء؟) زيد، (زيد) هنا كلام، كيف؟ (جاء) كلام، وهو لفظ واحد، نقول لا، هو مركب من كلمتين، إحدى الكلمتين ملفوظ بها، والأخرى محذوفة، فـ (زيد) فاعل لفعل محذوف، والأصل: (من جاء؟) تقول: (جاء زيد)، حينئذ (زيد) في هذا المقام نقول: هي فاعل لفعل محذوف، ولذلك نقول: [المركب: ما تركب من كلمتين فأكثر حقيقة أو حكما]، بمعنى أنه لا يشترط في التركيب أن يلفظ بالكلمتين، لا قد تكون إحدى الكلمتين ملفوظا بها، وقد تكون الأخرى محذوفة؛ لكن لابدّ من قرينة، ويأتي معنا _إن شاء الله_ في المبتدأ والفاعل، قد يحذف الكلمتان (هل جاء زيد؟ نعم)، هذا حرف، هل يحصل الكلام بالحرف؟ قطعا لا، لماذا؟ لكونه ليس مركبا، حرف، قلنا لابد أن يكون مركبا، والمراد به الجملة الاسمية _مبتدأ وخبر_، والجملة الفعلية _فعل وفاعل_؛ إذن الحرف ليس داخلا في مفهوم الكلام، فإذا قيل: (هل جاء زيد؟) قلت: (نعم)، (نعم) هذا حرف، (نعم جاء زيد)، إذن (جاء زيد) جملة فعلية محذوفة، حذف الفعل وحذف
стр. 14
فاعله، إذن [لفظ مركب] المراد بالتركيب ماهو؟ [ما تركب من كلمتين فأكثر حقيقة]، بأن تنطق بالكلمتين، (زيد قائم)، (قام زيد) نطقت بهما، [أو حكما] بأن تحذف إحدى الكلمتين، كأن يكون في جواب السؤال (من جاء؟ زيد)، (زيد) فاعل لفعل محذوف، نطقت بكلمة وحذفت الأخرى، وقد تحذف الكلمتين، (هل جاء زيد؟ نعم، لا) لا الجوابية ونعم الجوابية، التي تقع جوابا لسؤال، يحذف بعدهما الجزءان، يعني الكلمتان، فتركيب حينئذ كله يكون مقدرا، هذا الركن الثاني وهو التركيب.
[مفيد]: مُفِيدٌ أصله مِنْ أَفَادَ يُفِيدُ، [والمفيد]: المراد به هنا "ما أفاد فائدة يحسن السكوت عليها من المتكلم"، ما أفاد فائدة يحسن السكوت عليها من المتكلم، بحيث لا يبقى السامع منتظرا لشيء آخر، وهذا إنما يتحقق بماذا؟ فيما زاد على كلمتين، قلنا المركب ما تركب من كلمتين فأكثر، هل كلما وجدت الكلمتان وجد الكلام؟ الجواب: لا، واضح السؤال؟ قلنا: المركب ماهو؟ [ما تركب من كلمتين فأكثر]، ثلاث، أربع، عشر، هل كلما وجد الكلمتان وجد الكلام؟ الجواب: لا، إن قلت: (إن قام زيد) لفظ، هل هو لفظ؟ نعم، صوت سمعته بأذنك، هل هو مؤلف من كلمتين؟ فيه كلمتان؟ بل ثلاث، (إن) هذا حرف، (قام) هذا فعل، (زيد)، هل حصلت به الفائدة؟ الجواب: لا، لأن السامع ينتظر شيئا آخر بعده، (إن قام زيد)، (إن جاء عمر)، (إن حضر الطالب)، يحتاج إلى ماذا؟ يحتاج إلى جواب، إذن لم تحصل الفائدة من هذا التركيب، هل هو كلام؟ الجواب: لا، إذن المركب الذي لا تحصل به الفائدة لا يسمى كلاما، إذن [مفيد]: "ما أفاد فائدة يحسن السكوت عليها من المتكلم بحيث لا ينتظر السامع لشيء آخر"، كالمثال السابق الذي ذكرناه.
[قد وضع]: يعني: "موضوع"، هذا الركن الرابع، واختلف النحاة _شراح الأجرومية_ في معرفة المراد بالوضع هنا، هل المراد به القصد _بأن يكون الكلام مقصودا منويا من المتكلم_؟ أو يكون المراد به المعنى الثاني _موضوعا بالوضع العربي_؟
وينبني على هذا خلاف مهم، وهو أنه إذا فسر بالقصد (والقصد: هو إرادة المتكلم إفادة السامع) بمعنى أنه إذا تكلم لابد أن ينوي بقلبه أنه أراد إفادتك= فخرج بهذا القيد _إذا فسر بالقصد_ كلام النائم، فلو تكلم النائم _النائم كاسمه لا يدري ما يحصل_ فلو تكلم بكلام نقول: هل قصد النائم بهذا الكلام إفادة السامع؟ الجواب لا، إذن لا يسمى كلاما، لو قام من النوم وقال: (لزيد عندي ألف ريال) هل يعتبر إقراضا؟ لا يعتبر، هل يسمى كلاما؟ لا يسمى كلاما، لماذا؟ (لزيد عندي ألف ريال): لفظ مركب مفيد، أليس كذلك؟ (لزيد عندي مال)، لكن لكونه لم يقصد _لأن النائم لا قصد له_ انتفى عنه وصف الكلام، كذلك الساهي والمجنون إذا تكلم واعترف بشيء ما لا يعتبر كلاما.
стр. 15
[النوع الثاني أو التعريف الثاني= الوضع المراد] المراد بالوضع هنا "الوضع العربي" فيحترز به عن كلام البربر والإنجليز والفرنسيين ونحو ذلك، حينئذ سواء كان اللفظ المركب المفيد مقصودا أو لا فهو كلام، فإذا قام النائم وتكلم نقول: هذا كلام عربي، وجدت فيه الأركان الأربعة (لفظ، مركب، مفيد، وموضوع بالوضع العربي)، بمعنى الكلمات عربية نطق بها العرب، يعني لم يتكلم بالإنجليزي فلو تكلم بالإنجليزي لو جاء بلفظ مركب مفيد= قلنا: هذا ليس بكلام عربي، لماذا؟ لأنه ليس موضوعا بوضع العرب، وهذا هو الصحيح، أن يفسر الوضع هنا بالوضع العربي، حينئذ خرج به كلام البربر، وكل كلام أجنبي ليس بكلام العرب فلا يسمى كلاما في اصطلاح النحاة البتة، فدخل معنا كلام النائم والساهي والغافل والمجنون ومن جرى على لسانه مالا يقصده يسمى كلاما، فالنائم إذا قام وتكلم وقال: (زوجتي طالق) قل: هذا كلام عربي، نعم، هو كلام عربي؛ لكن لا يترتب الحكم الشرعي، وفرق بين البحث اللغوي والبحث الشرعي، الفتوح في شرح المختصر رجح أن يكون الوضع المراد به القصد؛ لإخراج ما قد يترتب على كلام النائم، فإذا طلق زوجته وهو نائم _أو المجنون طلق زوجته_ هل يقع الطلاق؟ يقع أو لا يقع؟ لا يقع، لماذا؟ لا لكونه كلاما عربيا أو لا، وإنما لانتفاء القصد، لأنه نائم، "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ"، إذن الحكم شرعي، فلم تترتب الثمرة على كلامه، لا لكونه ليس بكلام عربي، وإنما لمجيء الحكم الشرعي وأنه غير مكلف كالنائم والمجنون والساهي والغافل، الصحيح أن المجنون بالإجماع أنه غير مكلف، كذلك النائم غير مكلف، حينئذ عدم ترتيب الأحكام الشرعية على كلام هؤلاء لا يلزم منه أن لا يكون كلاما، بل هو كلام عربي، والأحكام منفية لوجود الدليل الرافع لها، إذن [لفظ مركب مفيد قد وضع] يعني بالوضع العربي، متى ما وجدت هذه الأركان الأربعة حكمنا عليه بأنه كلام في اصطلاح النحاة، وإذا انتفت أو انتفى بعضها حكمنا عليه بكونه ليس بكلام عند النحاة.
ثم قال رحمه الله تعالى:
أقْسَامُهُ الَّتِي عَلَيْهَا يُبْنَى ... اسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفُ مَعْنَى
[أقسامه]: عرفنا أن الكلام مركب، أليس كذلك؟ [والمركب] ما هو؟ "ما تركب من كلمتين" هذا فيه إجمال، حينئذ الكلام له أجزاء، ماهي هذه الأجزاء التي يتألف منها الكلام؟
عرفنا أن الكلام لابد من ضم كلمة إلى أخرى "ما تركب من كلمتين فأكثر"، إذن لابدّ من أجزاء، لأنه كلٌّ، فإذا كان كذلك يَرِدُ السؤالُ: ماهي أجزاء الكلام التي يتألف منها الكلام؟
فقال ﵀: [أقسامه] أي: أقسام أجزائه التي يتألف منها.
[التي عليها يبنى]: يبنى عليها، احترز به من نوعه الذي إليه ينقسم.
[اسم وفعل ثم حرف معنى]: والدليل على أن أجزاء الكلام أو أقسام الكلمة _تعبير أدق_ محصورة في هذه الأجزاء الثلاث= هو التتبع والاستقراء، يعني نظر النحاة في كلام العرب، بحثوا وبحثوا فلم يجدوا إلّا أن الكلام مؤلف من:
[اسم]: وهو كلمة دلّت على معنى في نفسها ولم تقترن بزمان.
أو [فعل]: وهو كلمة دلّت على معنى كالاسم؛ إلّا أنها فارقتها باقترانها بأحد الأزمنة الثلاثة.
стр. 16
أو [حرف]: وهو ما دلّ على معنى في غيره، لا في نفسه.
حينئذ حصروا الأجزاء في ثلاث وهذا محل وفاق بينهم.
[اسم وفعل ثم]: هذه بمعنى الواو، [حرف معنى]: قيّد الحرف بكونه حرف معنى احترازا عن حرف التهجي، لأن الحرف عند النحاة نوعان: (حرف معنى، وحرف مبنى)، "حرف معنى"= كلمة، مثل ماذا؟ (مِنْ) حرف، (إلَى، بَلَى)، نعم هذه حروف، كلّ واحد منها حرف، يسمى ماذا؟ حرف معنى، "وهو الذي يكون جزءا من أجزاء الكلام، مجازا أو على التوسع"، الثاني: "حرف مبنى": "وهو الذي تبنى منه الكلمة"، (زيد)، (ز) هذا يسمى ماذا حرف مبنى، (ي)، (د)، أجزاء كلمة (زيد)، كلّ حرف يسمى حرف مبنى، يعني بنيت الكلمة من هذا الحرف.
الذي يعتبر قسيما للاسم والحرف، يعتبر قسما من أقسام الكلمة، هل هو (ز) أو (من)؟ الأول أو الثاني؟ الثاني، إذن إذا قلت "حرف" حينئذ دخل معك حرف المبنى، فلابد من إخراجه، "حرف معنى" احترازا عن حرف المبنى، أي وضع ليدل على معنى.
ثم قال:
فَالاسْمُ بِالْخَفْضِ وَبِالتَّنْوِينِ أوْ ... دُخُولِ (ألْ) يُعْرَفُ فَاقْفُ مَا قَفَوْا
لما ذكر الاسم والفعل والحرف _وهي داخلة تحت مسمى الكلمة_ حينئذ نحتاج إلى تمييز الاسم عن الفعل عن الحرف، بمعنى أنه متى يحكم الناظم بأن هذه الكلمة اسم؟ ومتى يحكم الناظم بأن هذه الكلمة فعل، أو أنها حرف؟ ما مميزات كلّ واحد من هذه الأقسام الثلاثة؟
كلّ واحد منها له حدّ وله علامة، [حَدٌّ]: يعني تعريف، فالاسم يتميز عن الفعل بحقيقته، يعني بتعريفه، وتعريف [الاسم]: "هو كلمة _والكلمة جنس يدخل تحت ثلاثة أشياء الاسم والفعل والحرف_ دلّت على معنى بنفسها"، يعني في نفسها دون ضميمة كلمة أخرى، (زيد) عرفت أن المراد به شخص معين، (بيت) عرفت المراد به، (مسجد)، (قلم)، (ساعة)، كلّ لفظ من هذه الألفاظ إذا أطلق دل على معنى تفهمه بالإطلاق اللفظي، إذن فيها معنى، دلّت على معنى بنفسها دون ضميمة كلمة أخرى، ولم تقترن بزمان، يعني بأحد الأزمة الثلاثة التي هي الماضي والحال والاستقبال، (زيد) ليس به ماضٍ، ليس به دلالة على المستقبل أو الحال، وكذلك (بيت)، و ... ، هذا هو حقيقة الاسم، وأما من حيث العلامة فذكر له أربع علامات.
стр. 17
[فالاسم]: (فـ) هذه تسمى (فـ) الفصيحة، [الاسم بالخفض يعرف] فالاسم مبتدأ، وجملة (يعرف) متأخرة، هذه في الشطر الثاني، خبر المبتدأ، وقوله: [بالخفض]: متعلق به، ترتيب الكلام هكذا: (فالاسم يعرف) يعني يميز عن ماذا؟ عن الفعل والحرف، عندنا ثلاثة أقسام، نريد تمييز الاسم عن قسيميه الفعل والحرف، فالاسم يعرف بماذا؟ قال: [بالخفض] وعطف عليه [التنوين] أو [دخول (ألْ)] [وبحروف الجر] عطف على ما سبق، إذن ذكر أربع علامات، [الخفض] المراد به مسمى الخفض، [يعرف بالخفض] أي: بمسمّى الخفض، يعني ليس بلفظ الخفض وإنما بمسماه، ماهو مسماه؟ هو الكسرة التي يحدثها عامل الجرِّ، فمتى ما رأيت الكسرة؛ لكن بشرط ليست كلّ كسرة، وإنما الكسرة التي يقتضيها عامل الجرّ، بمعنى: عامل الجرّ منحصر في اثنين لا ثالث لهما على الصحيح، وهما: "حرف الجر" كلّ حرف جر ما بعده يكون مجرورا، وجره يكون بالكسرة، الكسرة هذه أوجدها وأحدثها عامله وهو حرف الخفض، "الثاني المضاف" فإذا قلت: (خرجت من المسجد) نقول: (المسجد) هذا اسم، والذي دل على كونه اسما وجود الخفض وهو الكسرة، هل كلّ كسرة تكون علامة على اسمية الكلمة؟ الجواب: لا، هل وجد ضابط الكسرة الذي يكون علامة في هذا التركيب؟ نقول: نعم، لماذا؟ لأن (مِنْ) حرف جر، بمعنى أنه يقتضي أن يكون ما بعده مجرورا، فإذا قلت: (خرجت من المسجد) بالكسر، هذه الكسرة أحدثها (مِنْ) وهو عامل الجر، (جاء غلام زيد) نقول: (زيد) هذا اسم، ما الذي دلّ على أنه اسم؟ وجود الكسرة، ما الذي أحدث هذه الكسرة؟ من أين جاءت؟ من لفظ (غلام) لكونه مضافا، إذن كلّ تركيب إضافي الثاني يكون ماذا _المضاف إليه_؟ يكون مجرورا، لماذا؟ لكونه اسما، إذن المضاف والمضاف إليه، أما المضاف _كما سيأتي_ على حسب العوامل، المضاف إليه وهو (زيد) بقولك (غلامُ زيدٍ) لا يكون إلّا مخفوضا، وإذا كان كذلك فلا يكون إلّا اسما؛ لأن الاسم من علامته الخفض، عرفنا هذا إذن.
[يعرف بالخفض]: يعني بالكسرة التي يحدثها عامل الجر ﴿يَا أيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ﴾، (قُمِ) اسم؟ والكسرة هذه هل هي علامة على اسمية الكلمة؟ الجواب: لا، إذن قولنا ليس كلّ كسرة تكون علامة على الاسمية احترازا من هذه الكسرة ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾، (قُمِ) وجدت الكسرة، لو كان الطالب ظاهريًّا لقال (قم) هذا اسم لماذا؟ لوجود الكسرة، إذن وجود الكسرة لا يدل على أن مدخولها يكون اسما، لماذا؟ لكون هذه الكسرة لم يقتضيها عامل الجر، يعني هذا اللفظ (قم) لم يدخل عليه حرف جر، وليس مضافا، (إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ)، (إنِ امْرُؤٌ)؟ أجيبوا، (إن) دخلت عليه الكسرة هنا (إنِ امْرُؤٌ) هذه الكسرة ليست علامة على اسمية الكلمة؛ لأن (إنْ) بالإجماع على أنها حرف، وهذه الكسرة لم يقتضيها عامل الكسر _عامل الخفض_ وهو حرف الجر والمضاف، إذن هذه الكسرة للتخلص من التقاء الساكنين، كقوله: ﴿قُمِ﴾، إذن فالاسم يعرف بالخفض، والخفض المراد به هنا الكسرة التي يحدثها العامل _عامل الخفض_، ليست كلّ كسرة، ليس كلّ من رأى كسرة حينئذ يقول هي مدخول اسم.
стр. 18
[وبالتنوين]: هذه العلامة الثانية، [التنوين] مصدر نَوَّنَ يُنَوِّنُ تَنْوِينًا، وهو في اللغة: "التصويت"، والمراد به في أصح تعريف يذكر للتنوين: "نون تثبت لفظا لا خطّا"، ما هو التنوين؟ نون تثبت لفظا لا خطا، فكلما وجد التنوين _وهو مشهور بأنواعه_ كلّما وجد التنوين حكمت على الكلمة بكونها اسما، (جَاءَ زَيْدٌ)، (زيدٌ) هذا اسم، لماذا؟ لكونه منونا، (رَأَيْتُ زَيْدًا)، (زَيْدًا) اسم لكونه منونا، (مَرَرْتُ بِزَيْدٍ)، (زَيْدٍ) اسم لكونه منونا، إذن التنوين "نون تثبت لفظا لا خطا"؛ احترازا من التنوين الذي يثبت خطا _يعني يُكْتَبُ_، (زيد) ما تكتب التنوين، (زيد) عندنا ضمتان هنا، الضمة الأولى: هي حركة الإعراب، والضمة الثانية: نائبة عن النون الساكنة، وأما إذا كتب التنوين نون ساكنة، هذا لا يكون تنوينا علامة على الاسم وهو قليل، فلا يذكر إذن، العلامة الثانية [التنوين] فمتى ما كانت الكلمة منونة رفعا أو نصبا أو خفضا فحكم على الكلمة بكونها اسما.
[أو دخول (ألْ)]: يعني كلما وجدت (ألْ) فما بعدها يكون اسما، فأطلق الناظم هنا (ألْ) تعممها سواءً كانت معرّفة أو زائدة أو كانت موصولة، حينئذ كلما وجد لفظ (ألْ) حكمت على كون مدخولها اسما، لكون (ألْ) لا تدخل إلّا على الأسماء، ولا تدخل على الأفعال ولا على الحروف، وقال الناظم هنا ألْ) ولم يقل: (الألف واللام) كما قال صاحب الأصل في النثر، قال: (دخول الألف واللام)، والصحيح أن يقال: (ألْ)؛ لأن (ألْ) مثل (هل)، يعني مؤلفة من حرفين، نطق العرب _قاعدة العرب_ أن الحرف إذا كان مؤلفا من حرفين نطق باسمه _نطق بالمسمى_، فيقال (مِنْ) ولا يقال الميم والنون، ويقال (هل) ولا يقال الهاء واللام، لماذا؟ لأنه مؤلف من حرفين فينطق بالمسمى، وإذا كان مؤلفا من حرف واحد فينطق بالاسم، فباء الجر تقول (مررت بزيد)، (بـ) أو (الباء)؟ تقول الباء، (اللّام) حرف جرّ فتأتي بالاسم، إذن ما كان على حرف واحد تنطق بالاسم، وما كان على حرفين ينطق بالمسمى، و (ألْ) على الصحيح أنها مؤلفة من حرفين الهمزة _وعلى الصحيح أنها همزة قطع_ واللّام، إذن (ألْ) مثل (هل)، ولذلك أصاب هنا، قال: دخول (ألْ)، [أو دخول (ألْ)]: مطلقا كما ذكرنا، حينئذ البيت مثلا تحكم على كون هذا اللفظ اسما لوجود الياء.
[فاقف]: أيها الطالب، [ماقفوا]: (قفوا) المراد به المتابعة، قَفَوْتُ قَفْوًا وَقُفُوًّا= تَبِعْتُ، يعنى تَبِعَ ماذكره النحاة في هذه المسائل.
стр. 19
العلامة الرابعة، قال: [وبحروف الجر]: يعني بواحد من حروف الجر، وليس المراد كل حروف الجر، وإنما المراد بواحد من حروف الجر، فمتى ما وجد حرف الجر حكمت على مدخوله بكونه اسما، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، (عبده) اسم أو فعل أو حرف؟ اسم، ما الدليل؟ الكسرة (هذا واحد)، والكسرة لا تدخل إلّا على الاسم، أليس كذلك؟ الكسرة التي أحدثها عامل الخفض وهو موجود هنا وهو الباء، ثانيا: دخول حرف الجرّ وهو الباء، (إلَى الْمَسْجِدِ)، (مسجد) اسم أم فعل؟ اسم، ما الدليل؟ الكسرة وحرف الجرّ والألف واللّام، إذن كم علامة؟ ثلاث علامات، (إلى المسجد)، (مسجد) تقول: هذا اسم، الدليل (إلى) دخلت عليه، و (إلى) لا تدخل إلّا على الاسم، (ألْ) دخلت على مسجد ولا تدخل (ألْ) إلّا على الأسماء، كذلك (الْمَسْجِدِ) بالكسر، الكسر لا يدخل إلّا الأسماء.
ثم استطرد الناظم بذكر بعض حروف الجر ليعرف طالب إذا قيل حروف الأن ما هي حروف الجر؟ لابد أن يحفظ بعض حروف الجرّ المشهورات عند أهل العلم من أجل أن يقف على بعض المواضع التي يحكم عليها بكونها حرف جر، فذكر خمسة عشر حرفا، والنظر فيها من جهتين: "الجهة الأولى في المثال" وهذا الذي يكفينا، "والجهة الثانية في معانيها" يعني معناها كذا، هذا لا يعنينا إنما نذكر مثالا لما ذكره.
[وهي]: أي حروف الجر، [مِنْ]: إذن (مِنْ) حرف جر، كلما وجدت (مِنْ) فاحكم عليه بكونه حرف جر، وأن ما بعده اسم مجرور، ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
[إلَى]: يعني (وإلَى) ﴿إلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى﴾، (إلَى) حرف جر.
[وَعَنْ]: (رَمَيْتُ الْقَوْسَ أو السَّهْمَ عَنِ الْقَوْسِ)، فـ (القوس) هذا اسم لدخول (عن)، و (عن) حرف جر.
[وَفِي]: (الْمَاءُ فِي الْكَأسِ)، (في الكؤوس) في تقول هذه حرف جر، وما بعدها يكون اسما.
[وَرُبَّ]: وهي حرف جر، والمشهور أنها للتقليل، قد تأتى للتكثير، (رُبَّ رَجُلٍ كَرِيمٍ لَقِيتُ)، (رُبَّ) هذه حرف جر، فدل على أن ما بعدها يكون اسما مجرورا.
[وَالْبَاء]: انظر هنا، قال: [من إلى وعن وفي وربّ] حكاها بالمسمى، ثم قال: [والباء] حكاها بالاسم، الفرق أن الأول منه ماهو على حرفين أو ثلاث كـ (رُبَّ) فيحكى بالمسمّى، (والباء) على حرف واحد فيحكى بالاسم، (مَرَرْتُ بِزَيْدٍ): (بزيد) هنا الباء هنا حرف جر، وما بعده اسم مجرور بها.
[وَعَلَى]: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ﴾ نقول هذا اسم لدخول (على) وهو حرف جر.
[وَالْكَاف]: يعني مسمى الكاف، وكذلك مسمى الباء فيما سبق، وحكاه بالاسم، [الكاف]: (لَيْلَةٌ كَالْبَدْرِ، كَالْقَمَرِ)، (الكاف) حرف جر وما بعده اسم.
[وَاللَّام]: أي مسمى اللّام، (الْمَالُ لِزَيْدٍ)، (الْحَصِيرُ لِلْمَسْجِدِ) ونحو ذلك.
стр. 20
[وَالْوَاو، وَالتَّاء]: الواو والتاء ومثلها الباء هذه حروف الخفض، ولكنها _الباء_ قد تستعمل في القسم، وكذلك الواو والتاء، يعني يُقْسَمُ بها، (وَاللهِ، تَاللهِ، بِاللهِ) فيقسم بها مع كونها حروف خفض، بمعنى أنها تزيد على غيرها من جهة أنها قد يقسم بها، معلوم القسم واليمين لشأن البشر عندما يقسمون بالله تعالى، ﴿وَالْفَجْرِ﴾ الواو هذه حرف قسم، وهي تفيد ما تفيده (مِن، وإلى) بمعنى أنها تجر ما بعدها ﴿وَالْفَجْرِ﴾ , ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمَانِهِمْ﴾، (بالله)، (الله لفظ الجلالة) نقول جُرَّ بالباء وهو حرف خفض، وهو في نفس الموضع حرف قسم، يعني يقسم به.
[والتاء]: التاء هذه خاصة بـ (تالله)، يعني ﴿تَاللهِ لَأكِيدَنَّ أصْنَامَكُمْ﴾ (الله) تقول هنا اسم دخل عليه حرف جر وهو التاء، وهو في نفس الوقت حرف قسم، إذن الباء والواو والتاء مع كونها حروف خفض هي كذلك حروف قسم، فيقسم بها.
[وَمُذْ، وَمُنْذُ]: هذه ذكرها ابن آجروم في آخر المخفوضات؛ لكن نقلها المصنف، وهو نقل حسن في معرض ذكر حروف الجرّ، (مُذْ، وَمُنْذُ) لا يدخلان إلّا على الأسماء فقط، زمن يعني كيوم ونحوه، وهما يدلان على معنى (مِنْ) إن كان ما بعدهما ماضيًا، يعني الزمن الذي يكون بعدهما قد يكون ماضيا _يعني مضى وانتهى_، وقد يكون حاضرا، (مَا رَأيْتُهُ مُذْ أَمْس، أو مُنْذُ أَمْس)، (أمس) اسم زمان، وهو زمان ماضٍ، حينئذ تفسر (مذ ومنذ) هنا بمعنى (مِن) يعني الابتداء، (ما رأيته مذ أمس) يعني من أمس، (ما رأيته مذ يوم الجمعة _أمس_، ما رأيته مذ يوم الجمعة) يعني من يوم الجمعة، هذا إذا كان ما بعدها ماضيًا، وإذا كان حاضرا (ما رأيته مذ يومنا، أو منذ يومنا) يعني في يومنا، إذن (مذ ومنذ) تفسر بـ (مِن)، وبـ (فِي) متى نفسرها بمن؟ إذا كان ما بعدها زمن ماضٍ، ومتى نفسرها بمعنى في؟ إذا كان ما بعدها زمن حاضر، هذا إذا دخلت على الاسم وجرته، وأما إذا دخلت على الفعل فهي اسم.
[وَلَعَلَّ، وَقَلَّمَا]: ذكر (لعل) في هذا الموضع، وهي لغة عقيل يعني الجرّ بها لغة عقيل، وسيأتي أنها من النواصب (إنَّ، وَلَيْتَ، وَلَعَلَّ)، (لعل) من أخوات (إنَّ) فينصب بها، لكن في لغة شاذة _وهي لغة عقيل_ قد يجر بها، (لَعَلَّ اللهِ فَضَّلَكُمْ عَلَيْنَا).
[حَتَّى]: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، (مطلعِ) نقول هذا اسم مجرور بدخول حتى.
إذن حروف الجرّ _كما ذكرنا_ ينظر فيها من جهتين: "من جهة المعاني" ولا بحث لنا فيها، وثانيا "من جهة الأمثلة" وهي أن يقف طالب العلم على أن هذا حرف جر.
стр. 21
إذن الاسم يميز عن أخويه الفعل والحرف من جهتين: " [الجهة الأولى: التعريف]، وتعريفه: "كلمة دلت على معنى في نفسها ولم تقترن بزمان" يعني بأحد الأزمنة الثلاثة، وهي الماضي أو الحال أو الاستقبال، [ويميز بالعلامة]، وذكر المصنف أربع علامات، متى ما وجدت واحدة منها حكمنا على مدخولها بكونه اسما، وهي: (الخفض) والمراد بالخفض ماهو؟ الكسرة، أي كسرة؟ لا، إنما الكسرة التي يحدثها عامل الخفض، وعامل الخفض محصور في اثنين: حرف جر ومضاف، إذن كلّ كسرة عن حرف جر فهي علامة، كلّ كسرة يقتضيها المضاف فهي علامة، ما عداه فلا، لأن الكسر قد يكون للتخلص من التقاء الساكنين؛ فيدخل الحرف ويدخل الفعل، "فعل" مثل: (قُمِ اللَّيْلَ) (قم) دخلت عليه الكسرة وليس باسم، لأن هذه الكسرة للتخلص من التقاء الساكنين، كذلك (إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ) (إنْ) ساكنة في الأصل، وهنا تخلصنا _من التخلص_ من التقاء الساكنين بتحريك الأول وهو النون بالكسر، إذن (العلامة الأولى: الخفض)، (العلامة الثانية: التنوين) وهو: "نون تثبت لفظا لا خطا"، فمتى ما رأيت التنوين فاحكم على كون مدخوله اسما، (ثالثا: ألْ _دخول ألْ_) فمتى ما دخلت (ألْ) نحكم عليه بكونه اسما، (رابعا: دخول حرف من حروف الجرّ) واعلم أن المراد هنا بقبول العلامة المراد إمكانية ذلك، يعني لو قلت (جَاءَ رَجُلٌ) (رجل) هذا اسم أم فعل أم حرف؟ اسم بدليل التنوين، هنا نقول التنوين علامة دخلت بالفعل _يعني نطقت بها_، وهل يقبل (رجل) كلمة (ألْ)؟ نعم يقبل كلمة (ألْ)، إذن وجدت فيه علامتان، علامة بالفعل يعني نطق بها، وعلامة بالقوة؛ لكون رجل يقبل (ألْ)، هل يقبل الخفض؟ (رجل) هل يقبل الخفض؟ (مَرَرْتُ بِرَجُلٍ)، (مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ) إذن قَبِلَ (ألْ) وقَبِلَ حرف الجر، لكنه بالقوة، إذن المراد بالعلامات هنا كون الكلمة قابلة، ليس المراد أن تدخلها، فإذا قلت (جاء رجل) العلامة الموجودة المنطوق بها هي التنوين، والعلامات الأخرى يقبلها اللفظ ولكنها بالقوة.
ثم شرع في بيان ما يتعلق بالفعل، الذي يميز به عن الاسم والحرف.
ونقف على هذا، والله أعلم، وصلَّى الله وسلَّمَ على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
طبعا أوقات الدرس ستكون بعد الفجر مختلفا بثلث ساعة وبعد المغرب وبعد العشاء؛ من أجل أن ننتهي في هذا الأسبوع _إن شاء الله تعالى_ من هذا المتن (متن فيه شيء من الطول).
الأسئلة متعلقة بالدرس فقط، لا أجيب شيئا آخر.
стр. 22
إذا كان إعراب كلمة (عندنا): (إنَّ الكلامَ عِنْدَنَا)، (عندنا) في الأصل طبعا نحن نختصر، ما نقف على كلّ كلمة على التفصيل، الشرح هذا مشروحا، والكتاب هذا مشروح بشرح مفصل، من أراده فليرجع، نحن نختصر بالزبدة والخلاصة، فقط القواعد والأصول، فـ (عند) في الأصل أنها ظرف زمان أو مكان، (جئتك عند العصر) يعني وقت العصر وهو ظرف زمان, (بيتك عند المسجد) هذا ظرف مكان، لكن في مثل هذا التركيب لا يمكن حملها على الظرفية الزمانية ولا المكانية، قد ذكر بعض أرباب المعاجم بأنه في مثل هذا التركيب يفسر بالحكم، تقول مثلا: (زيدٌ عندِي أفضلُ مِن عمِّهِ) عندي هنا لا يمكن أن تكون ظرفية لا زمانية ولا مكانية، (زيدٌ عندي) يعني في حكمي؛ إذن (عند) قد تستعمل والمراد بها الحكم (إنَّ الكلامَ عندَنا) يعني في حكمنا معاشر النحاة، حينئذ تكون متعلقة بمحذوف حال من الكلام، (إن الكلام حال كونه في حكمنا).
والمتن هذا ما شرح إلّا النظم في ما نعلمه، وشرح بعض الشرحات لكنه ليس ممزوجا، والشرح الذي لا يكون ممزوجا _بمعنى أنه مسبوك مع المتن_ الفائدة منه قليلة، ولكن بالنسبة لهذا الشرح الذي نسير عليه _إن شاء الله_ بهذه الطريقة التحفة السنية تكفيك _إن شاء الله تعالى_، الطالب الجديد على النحو التحفة السنية تحضر منها وتذاكر، مع حفظ المتن، ومع التعليقات التي تعلقها فيما يتعلق بألفاظ المتن، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 23
عناصر الدرس
* علامات الفعل وعلامات الحرف
* باب الاعراب
* باب علامات الرفع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فلا زال الكلام من الباب الأول "باب الكلام"، حيث ذكر فيه المصنف _رحمه الله تعالى_ تعريف الكلام، عرفنا حَدَّهُ أن: "هو لفظ مركب مفيد بالوضع"، ثم بيَّنَ الأقسام التي يتألف منها الكلام وهي محصورة في ثلاثة: الاسم والفعل والحرف، ثم أراد أن يبين لنا علامات كلّ جزء من هذه الأجزاء الثلاث؛ إذ لا يمكن التمييز بين بعضها عن بعض بتجريدها_ إلّا بمعرفة حدّها، ومعرفة العلامة التي تميز الاسم عن الفعل عن الحرف، كذلك الاسم عن الحرف، وذكرنا حقيقة الاسم، وذكر له المصنف أربع علامات، وهي: [الخفض] علامة أولى، الثانية [التنوين]، الثالثة [دخول ألْ]، الرابعة [دخول حرف من حروف الجر]، ثم استطرد ببيان بعض حروف الجر _وهي مشهورة_، ذكر منها خمسة عشر حرفا، وكلها من المشهورات، وبقي عليه خمسة، وهي ذكرها ابن مالك _رحمه الله تعالى_ ثم قال _رحمه الله تعالى_:
وَالفِعْلُ بِالسِّينِ وَسَوْفَ وَبِقَدْ ... فَاعْلَمْ وَتَا التَّأْنِيثِ مَيْزُهُ وَرَدْ
هذا هو الجزء الثاني من أجزاء الكلام، أو الأجزاء التي يتألف منها الكلام، من مجموعها لا جميعها.
стр. 24
[الفعل]: والفعل كالاسم له حقيقة _يعني تعريف_ وهو أضبط، وله علامات، فحقيقة الفعل هو: "كلمة دلت على معنى في نفسها واقترنت بأحد الأزمنة الثلاثة"، ومراد النحاة بالأزمنة الثلاثة هي الماضي والحال والاستقبال؛ إذ لا يخلو الكلام إما أن يقع ويكون الحدث قد سبق أو يكون مقارنا أو يكون مستقبلا، (كلمة) هذا جنس، يعني يشمل أفرادا، فدخل فيه الاسم والفعل والحرف، أردنا إخراج الحرف فقال: "كلمة دلت على معنى في نفسها" والحرف لا يدل على معنى في نفسه، حينئذ خرج الحرف لأن الحرف لا يدل على معنى في نفسه، واقترن وبقي الاسم معه لأن الاسم يدل على معنى في نفسه، والفعل كذلك يدل على معنى في نفسه، هذا قيد مشترك فيه، الاسم يدل على معنى في نفسه كما ذكرنا اليوم بأن لفظ (بيت) إذا أطلق انصرف إلى المعنى المراد، كذلك كلمة (زيد) انصرف إلى المعنى المراد، فلفظ (زيد) لوحدها تدل على معنى، كذلك الفعل يدل على معنى (قام) يدل على القيام، و (يقوم) يدل على القيام، و (قم) يدل على القيام، و (كتب) و (ضرب) و (قتل) و (مات)، كلها تدل على معنى بنفسها لا نحتاج إلى كلمة أخرى، فإذا أطلقت لفظ (قام) حينئذ علمت منه القيام وأنه وقع في الزمن الماضي، إذن اشترك الفعل والاسم في أن كلّا منهما يدلّ على معنى، والفرق بينهما أن دلالة الاسم على المعنى لا يقترن بها دلالته على زمن من الأزمان الثلاث، وأما الفعل فيزيد على الاسم بأنه يدل على المعنى، وهذا قدر مشترك، إلّا أنه يزيد عليه بأنه يدل على زمن من الأزمنة الثلاثة، فـ (قام) يدل على قيام وقع في الزمن الماضي زيادةً على القيام، (يقوم) يدل على معنى وهذا المعنى هو القيام، ودلالته مع اقترانه بزمن وهو زمن الحال، وكذلك (قم) إذن كلمة دلت على معنى في نفسها واقترنت بأحد الأزمنة الثلاثة، فالاسم والفعل يشتركان في الدلالة على المعنى، وينفرد الاسم عن الفعل بكونه لا يقترن بأحد الأزمنة الثلاث، ولذلك إذا قلت (زيد) - قلت (مسجد) = لا يفهم منه الدلالة على زمن البتة؛ لكن إذا قلت (كَتَبَ) تفهم منه وقوع الكتابة في الزمن الماضي، و (يَكْتُبُ) يعني الآن، و (يَقْرَأ) يعني الآن، و (اكْتُبْ) يعني في الزمن المستقبل، إذن قاعدة: أن الفعل والاسم يشتركان في الدلالة على المعنى، إلّا أن الاسم لا يدل على أحد الأزمنة الثلاثة، والفعل يدل على أحد الأزمنة الثلاثة.
[علامته]: وهي أسهل من حيث الفهم, [والفعل بالسين، وسوف، وبقد، وتا التأنيث]: ذكر أربع علامات فعل مبتدأ وقوله ﴿ميزه ورد﴾ مبتدأ وخبر.
стр. 25
[مَيْزُهُ]: يعني تمييزه، عن ماذا؟ عن الاسم والحرف، نحن نريد أن نميز ماذا؟ أن نميز الفعل، نميزه عن أي شيئ؟ عن أخويه وهما الاسم والحرف، [مَيْزُهُ]: أي ميز الفعل، تمييزه عن أخويه الاسم والحرف، [وَرَد]: بالسين، إذن بالسين متعلق بقوله [وَرَد]، وجملة [مَيْزُهُ وَرَد]: مبتدأ وخبر، هي خبر مبتدأ الفعل، [بالسين]: المراد بالسين هنا _انظر: حكاها بالاسم ولم يحكِها بالمسمى لأن السين هي، سيقول (س)، لم يقل: يُعرف الفعل بـ (س) أو بـ (سا) يعني حكاه بالمسمى وإنما حكاه بالاسم؛ للقاعدة التي ذكرناها اليوم، وهي أن العرب ما كان على حرف واحد تنطق باسمه وما كان على حرفين وأكثر من الحروف تنطق بالمسمى ولذلك قال (سين) _، ومراده سين الاستقبال، [بالسين]: أي سين الاستقبال، (فأل) للعهد الذهني، والمراد بالاستقبال: "الدلالة على تأخير زمن الفعل من الحال"، بمعنى أن قول المتكلم (زَيْدٌ يُصَلِّي) (يُصَلِّي) عند النحاة _عند جمهور النحاة_ أنه يدل على معنى وهو الصلاة، ويدل على زمن، ماهو هذا الزمن؟ الحال والاستقبال، فهو محتمل، فهو يحتمل النوعين، (زيدٌ يصلِّي) الآن _يعني أثناء الصلاة_ أو أنه من صفاته أنه يصلي، فإذا أردت أن تدل على أنه لا يصلي الآن وإنما يصلي في المستقبل تقول: (زَيْدٌ سَيُصَلِّي)، إذن أخرتها، أخرت ماذا؟ أخرت دلالة الفعل (يصلي) عن كونه واقعا الآن إلى الزمن المستقبل، لكنه زمن قريب وليس بزمن بعيد، بخلاف (سوف)، (سوف) أخت (السين)، بل (السين) أخت (سوف)، وقيل إنها مقتطعة من (سوف)، كلاهما (السين وسوف) يدلان على التنفيس _يعني الاستقبال_، يعني تؤخر دلالة الفعل عن الحالة الآن إلى المستقبل؛ فتقول: (زيد يصلي) الآن ويحتمل أنه في المستقبل، فإذا أردت التعيين بأنه يصلي في المستقبل حينئذ إذا أردت المستقبل القريب بعد التكلم بقليل تقول (زيدٌ سَيُصلِّي)، وإذا أردت الزمن البعيد في المستقبل تقول (زيدٌ سَوْفَ) تأتى بسوف، (سَوْفَ يُصَلِّي)، إذن كلا الحرفين دلّا على أن الفعل لم يقع الآن، وإنما يقع في المستقبل، (زيد سيصلي)، (زيد سوف يصلي)، ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾، ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ بكلام من القرآن، و (السين وسوف) مختصان بالفعل المضارع، بمعنى أنهما لا يدخلان إلّا على الفعل المضارع لأن هذه العلامات تميز الكلمة بكونها فعلا.
ثم الفعل ثلاثة أنواع: (ماضٍ، مضارع، أمر)، بعض العلامات مشتركة بين الماضي والمضارع، وبعض العلامات مختصة، هذه العلامات الأولية (السين وسوف) مختصة بالفعل المضارع، يعني لا تقل (سَقَامَ)، ولا (سَوْفَ قَامَ)، نقول هذا لم يسمع من كلام العرب، وإنما تقول (سَوْفَ يَقُومُ)، (سَيَقُومُ)، تدخلها على الفعل المضارع، فلا تدخل على الفعل الماضي، إذن (السين وسوف) مختصان بالفعل المضارع دون الماضي ولا الأمر.
стр. 26
[وَقَدْ]، [وَبِقَدْ]: (قد) هذه حرف، وهي مشتركة بين الفعل الماضي والفعل المضارع، يعني تدخل على الفعل الماضي فتقول: (قَدْ قَامَ زَيْدٌ) , (قد قامَ) (قَامَ) فعل ماضٍ، (زيدٌ) فإذا وجدت (قد) فاحكم على أن ما بعدها فعل، فكلما وجدت (قد) فما بعدها فعل، لكن يحتمل أنه فعل ماضٍ ويحتمل أنه فعل مضارع، فنحتاج إلى علامة أخرى، يعني (قد) تميز الكلمة بأنها فعل، ما نوع الفعل الذي يقع بعد قد؟ قطعا أنه ليس بأمر؛ لأنها لا تدخل على فعل الأمر، ماذا بقي؟ إما أنه فعل ماضٍ وإما أنه فعل مضارع، بخلاف (السين وسوف) فإذا دخلت على الكلمة فاحكم عليها بأنها فعل مضارع، فعل لأنها من خصائص الفعل، وكونه مضارعا لأنها لا تدخل إلّا على الفعل المضارع، وأما (قد) فهي مشتركة، فإذا دخلت على الفعل الماضي _على المشهور_ أفادت أحد المعنيين: إما التحقيق وإما التقريب, التحقيق كقوله تعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ دلت على أن ما بعد (قد) محقق، يعني واقع سيقع، والتقريب كقولك: (قَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ) وهي بعدُ لم تغربْ، أو قول المقيم للصلاة: (قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) ما قامت الصلاة بعد، إن دخل في الصلاة بعد حينئذ نقول قد قامت الصلاة، (قد) أفادت التقريب _يعني قرب قيام الصلاة_، وإذا دخلت على الفعل المضارع حينئذ تفيد أو تدل على أحد المعنيين: إما التقليل وإما التكثير، التقليل يعني كون ما بعد (قد) قليل، مثل ماذا؟ (قَدْ يَصْدُقُ الْكَذُوبُ) (كذوب) كاسمه، (كذوب) يعني كثير الكذب، ولكنه قد يَزِلُّ لسانُه فَيَصْدُقَ، وتقول (قد يصدق الكذوب) وإذن (قد) هنا أفادت ماذا؟ أفادت التقليل، (قَدْ يَجُودُ البخيلُ) البخيل بخيل لا يجود لكنه قد يجود، (قَدْ يَجُودُ الْكَرِيمُ) للتكثير، (قَدْ يَفْعَلُ التَّقِيُّ الْخَيْرَ) للتكثير، إذن (قد) حرف وعلامة تدل على أن ما بعدها فعل، ثم يحتمل أنه فعل ماضٍ ويحتمل أنه فعل مضارع، ثم إذا دخلت على الفعل الماضي أفادت أحد المعنيين: إما التحقيق وإما التقريب، وإذا دخلت على الفعل المضارع أفادت أحد المعنيين: إما التقليل وإما التكثير.
[فَاعْلَمْ]: جملة معترضة.
стр. 27
[وَتَا التَّأنِيثِ]: يعني (وتاء التأنيث)، هذه العلامة الرابعة، وهي تخص الفعل الماضي، يعني لا تدخل على فعل الأمر ولا الفعل المضارع، حينئذ ذكر لك علامة مشتركة بين الماضي والمضارع وهي (قد)، وذكر لك علامة مختصة بالفعل المضارع وهي (السين وسوف) وعلامتين، وذكر لك علامة مختصة بالفعل الماضي وهي (تاء التأنيث الساكنة أصالة)، (تاء التأنيث) يعني تاء تدل على تأنيث ما أسند إليه الفعل، انظر (السين وسوف وقد) تدخل على الفعل وتكون علامة من أوله، (وتاء التأنيث الساكنة) تكون علامة من الأخير، (قَالَتْ عَائِشَةُ): (قالَتْ) أين لحقت التاء هنا؟ الأخير، إذن تتصل بالأخير، هذه التاء تفيد وتدل على أن ما أسند إليه الفعل _يعني ما بعده =أنه مؤنث، ولذلك نقول (تاء التأنيث) يعني التاء الدالة على تأنيث ما بعدها، تأنيث ما بعدها _يعني_ ما أسند إليه الفعل، سواء كان الفعل تاما أم ناقصا، فتقول (قالت عائشة) أم المؤمنين _رضي الله تعالى عنها_، (عائشة) هذا مؤنث، وهنا لمّا كان الفاعل مؤنثا لحقت التاء _تاء التأنيث_ الفعل، فـ (قالت) نقول هذا فعل، لماذا قلنا هو فعل؟ لاتصال تاء التأنيث الساكنة به، ودلت على ماذا؟ دلت على أن الفاعل مؤنث، (قالت هند) حينئذ تقول (قالت هند) مثله، وكذلك تقول (ضربتُ هِنْد) هذا مغير الصيغة، ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾، (كانت) هي اسم كان، إذن قد يكون الفعل مبنيا للمعلوم وقد يكون مبنيا أو مغيرا الصيغة، وقد يكون اسم كان، (تاء التأنيث) نقول الساكنة؛ لأن تاء التأنيث على نوعين: تكون متحركة وتكون ساكنة، متحركة مثل ماذا؟ هي التي تكون من خصائص الأسماء، (عائشة) هذه التاء تاء التأنيث مربوطة، والمراد هنا تاء التأنيث المفتوحة، (تَكْتُبُ) (تَ) حينئذ نقول هذه التاء المربوطة (عائشة) (شجرة) (بقرة) نقول هذه تاء التأنيث كذلك؛ لكنها ليست علامة للفعل بدليل أنها في الاسم، فإذا كان كذلك فالميز بين التاءين أن نقول (تاء التأنيث الساكنة أصالة) هي التي تلحق الفعل، وتاء التأنيث المتحركة أصالة _بمعنى ليست ساكنة_ (عائشة) تاء مربوطة قد تكون مضمومة إذا وقعت في محل رفع أو تكون منصوبة أو مخفوضة، و (شجرة) و (بقرة) (هذه شجرة) و (رأيت شجرة) و (نظرت إلى شجرة) تاء هنا تحركت= متحركة، إذن نقول هذه التاء تدخل الاسم وهي من خصائص الأسماء، إذن (تاء التأنيث الساكنة) احترازا من تاء التأنيث المتحركة، فإنها تدخل الأسماء وتكون حركتها حركة الإعراب, (الساكنة أصالة) بمعنى أنه قد يلتقي ساكنان، فتتحرك _يعني هي في أصلها في أصل وضعها ساكنة_ فيلتقي أو تلتقي مع ساكن آخر؛ حينئذ نقول يجب تحريك الأول بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين على الأصل، تقول ﴿قَالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ﴾ (قالَتْ) الأصل أنها ساكنة، (قَالَتْ امْ) في الوصل همزة الوصل تسقط، حينئذ يلتقي عندنا ساكنان (التاء والميم) فوجب تحريك الأول، (قَالَتِ امْ) حركت الأول بالكسر، هي ساكنة في الأصالة ولكنها حركت للتخلص من التقاء الساكنين، (قَالَتِ اخْرُجْ) , ﴿قَالَتَا أتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ هنا لما اتصلت تاء التأنيث الساكنة بالفاعل وهو _ألف ساكنة_ التقى ساكنان، حينئذ حركنا التاء بالفتح
стр. 28
لأن الألف لا يناسبها ما قبلها إلّا الفتح؛ فتعذر تحريكها بالكسر، قال تعالى: ﴿قَالَتَا أتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، (قَالَتَا) أي السموات والأرض، وهنا حركت التاء وهي (تاء التأنيث الساكنة أصالة) حركت للتخلص من التقاء الساكنين، ولم يكن كسرةً وإنما كان فتحةً، لأن الألف لا يناسبها ما قبلها إلّا أن يكون مفتوحا.
إذن هذه أربع علامات تدل على أن مدخولها فعل، ثم هي على ثلاثة أقسام: "مشتركة" كـ (قد)، و"مختصة" كـ (السين وسوف) وتدخل على المضارع، و (تاء التأنيث الساكنة) مختصة وتدخل على الفعل الماضي، لم يذكر علامة فعل الأمر لأنه كوفي، ويرى أن فعل الأمر مقتطع من المضارع كما سيأتي.
حينئذ نقول: علامة فعل الأمر:
أولا: [فعل الأمر]: نقول: "كلمة دلت على طلب حصول الحدث _أو حدث_ في الزمن المستقبل"، حينئذ قال"دلت على طلب حدوث"؛ إذن تدل على حدث، فـ (قُمْ) يدل على حدث وهو القيام، وهو المعنى الذي دل عليه الفعل الماضي أو المضارع، لكن هذا الحدث لم يوجد وإنما يطلب حصوله _إيجاده_ في المستقبل، فـ (قُمْ) لم يوجد القيام بعد، وإنما طلب من المخاطب إيجاد هذا القيام في الزمن المستقبل.
[علامته]: مركبة من شيئين: [أولا]: "دلالته على الطلب بالصيغة"، يعني يدل على الطلب، (قُمْ) تفهم منه ماذا؟ الطلب، "مع قبوله ياء المخاطبة أو نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة"، فـ (قُمْ) نقول هذا فعل أمر، لماذا؟ لأنه دلّ على الطلب بالصيغة، يعني بدون واسطة، ثم "يقبل ياء المخاطبة"، إذا خاطبت امرأة تقول لها ماذا؟ (قُومِي) هذه ياء (ياء المخاطب) قَبِلَ؟ نعم قَبِلَ، إذن هو فعل أمر، أو "نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة"، (قُومَنَّ يَا زَيْدُ) , (قُومَنَّ) هذا فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، إذن علامة فعل الأمر مركبة، مركبة من شيئين: الشيء الأول كونه دالا على الطلب بالصيغة، الشيء الثاني واحد من أمرين: إما قبول ياء المخاطبة، أو نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة، قولنا "يدل على الطلب بصيغته" احترازا مما لو دلّ على الطلب بواسطة، قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾، (لِيُنْفِقْ) هذا أمر، أليس كذلك؟ دلّ على الطلب أو لا؟ دلّ على الطلب، هل هو فعل أمر؟ الجواب لا، ليس فعل أمر، لماذا؟ لأن دلالته على الطلب بواسطة وهي اللام، (لِ) هذه اللام لام الأمر، (يُنْفِق) هذا فعل مضارع، ولذلك تقول (سَوْفَ يُنْفِقُ زَيْدٌ)، (سَيُنْفِقُ زَيْدٌ)، إذن دخلت (السين وسوف) على (ينفق)، ومع ذلك دلّ على الطلب، لماذا؟ دلّ على الطلب ليس بالصيغة _يعني ليس بالهيئة_ وإنما بواسطة (لام الأمر)، وأما فعل الأمر إنما هو على صيغة (افعل)، فالوجوب حقّق.
ثم قال _رحمه الله تعالى_ مبينا الجزء الثالث:
وَالْحَرْفُ يُعْرَفُ بِألَّا يَقْبَلَا ... لِاسْمٍ وَلَا فِعْلٍ دَلِيلًا كَبَلَى
стр. 29
[حرف]: كلمة دلت على معنى في غيرها، يعني بنفسه لا يفهم منه المعنى، وإنما يفهم منه المعنى متى؟ إذا دخل جملةً مفيدةً، (مَرَرْتُ بِزَيْدٍ)، نقول (الباء) (بِ) هذا لا يدل على معنى في نفسه، ليس كزيد، وليس كقام ويقوم وقم، وإنما يدل على معنى، ويظهر هذا المعنى وينكشف متى؟ إذا ركبته في الجملة، و (مَرَرْتُ بِزَيْدٍ) الباء هنا للتعدية أو للإلصاق، تقول (ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ) الباء للتعدية، (مَرَرْتُ بِزَيْدٍ) الباء للإلصاق، (بِي دَاءٌ) الباء للإلصاق، (بِعْتُ الْبَيْتَ بِأثَاثِهِ) الباء للمعية، بمعنى، إذن هذه المعاني متى ظهرت؟ بعد التركيب، أما الباء لوحدها هكذا فنقول: لا تفيد معنى، لا تدل على معنى، وإنما تدل على معنى إذا كان لها متعلِّق أو متعلَّق، بمعنى أنها دخلت جملة مفيدة، هذا هو الحرف.
[علامته]: عدم العلامة.
[وَالْحَرْفُ يُعْرَفُ]: ويميز عن قسيميه الاسم والفعل.
[بِألَّا]: هذا نفي عدم.
[ألَّا يَقْبَلَا]: الألف هذه للإطلاق.
[لِاسْمٍ وَلَا فِعْلٍ دَلِيلًا]: (ألّا يقبلا دليلا) (دليلا) هذا مفعول، (لا يقبل دليلا) يعني علامة لاسم ولا فعل، يعني لا يقبل علامة الأسماء ولا يقبل علامة الأفعال؛ لأن الأقسام ثلاثة إذا ميزت الأول وميزت الثاني إذن الثالث ما لا يدخل عليه ما يميز الأول والثاني، فإذا مرّ بك لفظ حينئذ أدخل عليه علامات الأسماء فإن قبل واحدا منها فاحكم عليه بأنه اسم، إذا لم يقبل هذا اللفظ شككت فيه هل هو اسم أم فعل أم حرف؟ تقول أدخل عليه علامات الأسماء، جرب الكسر، التنوين، ألْ، دخول حروف الجر، إن لم يقبل، حينئذ تقول نجرب علامات الأفعال، فأدخل عليه علامة من علامات الأفعال، فإن قبل فهو فعل، فإن لم يقبل فاحكم عليه مباشرة _بأنه فعل_ إذن بأنه حرف، لما حكمت عليه بأنه حرف؟ لأنك جربت علامات الأسماء _أدلة الأسماء_ فلم يقبلها، وجربت أدلة الأفعال فلم يقبلها، وليس عندنا إلّا اسم وفعل، فإذا انتفى الاسم والفعل تعين الحرف، "والحرف ما ليست له علامة؛ فقس على قولي تكن علّامة"، ولذلك قال [بألا يقبلا] حرف لا يقبل دليلا لاسم ولا فعل، [كَبَلَى]: كقولك: (بلى)، (بلى) حرف، كنعم جوابية لا تقبل علامة من علامات الأسماء، لا الخفض ولا التنوين ولا دخول ألْ ولا حرفا من حروف الجر، وكذلك لا يقبل السين ولا سوف ولا قد ولا تاء التأنيث الساكنة، إذن امتنعت هذه العلامات كلها _وغيرها مما لم يذكرها الناظم_ فتعين أن نحكم على (بَلَى) أنها حرف وليست باسم ولا فعل، هذا ما يتعلق بالباب الأول.
ثم قال _رحمه الله تعالى_: [باب الإعراب]:
عرفنا فيما سبق أن موضوع فن النحو الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء, _لا سؤال في الدرس_, (من حيث الإعراب والبناء)، إذن لابد أن نعرف ما هو الإعراب، ولابد أن نعرف ماهو البناء، غالب البناء أنه يترك لأنه إذا فهم الإعراب فهم البناء، لأنه نقيضه.
стр. 30
[باب الإعراب]: المصدر: (أعْرَبَ يُعْرِبُ إعْرَابًا)، وله معنيان: (المعنى اللّغوي، والمعنى الاصطلاحي)، (المعنى اللّغوي): المراد به "الإظهار والإبانة والإفصاح"، (أعْرَبَ عَمَّا فِي نَفْسِهِ) إذا أبانه وأظهره، وهذا الشأن كذلك في الإعراب الاصطلاحي، أنه يظهر ويبين المعنى؛ لأن الإعراب هو الذي يكشف المعاني، هو الذي يكشف إذا قلت (ضرب زيد عمر) من الضارب؟ من المضروب؟ ما تدري، نعم صحيح، لا تدري إلّا إذا قلت (ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا) عرفت أن (زيد) هو الضارب و (عمر) هو المضروب، وأما إذا قلت (ضَرَبَ زيد عمر) ما تدري من الضارب ومن المضروب، لأنه يجوز تقديم المفعول به، يحتمل أن (زيد) مضروب، ويحتمل أنه ضارب، ويحتمل أن (عمر) مضروب، ويحتمل أنه ضارب، إذن الذي يميز ويكشف المعنى هو الإعراب، ولذلك الباب هذا فيه أصول وضوابط سنمر عليها بتؤدة، من فهمه يفهم كثيرا من مسائل النحو، من يحفظ قواعد هذا الباب وأصول هذا الباب يسهل عليه الإعراب من كل وجه، لم يبقَ عليه إلّا أن يعرف الحدود التي يذكرها النحاة في باب المبتدأ والخبر والفاعل ونائب الفاعل ... إلى آخره.
[الاِعْرَاب]: قال: (الاِعْرَاب) تخفيف _يعني_ الهمزة هذه للوزن، أصل (الإعراب) لأن الهمزة همزة قطع؛ ولكن خففها بحذفها من أجل الوزن.
الاِعْرَابُ تَغْييرُ أَوَاخِرِ الكَلِمْ ... تَقْدِيرًا اوْ لَفْظًا فَذَا الحَدَّ اغْتَنِمْ
وَذَلِكَ التَّغْيِيرُ لاِضْطِرَابِ ... عَوَامِلٍ تَدْخُلُ لِلإِعْرَابِ
أقْسَامُهُ أَرْبَعَةٌ تُؤَمُّ ... رَفْعٌ وَنَصْبٌ ثُمَّ خَفْضٌ جَزْمُ
فَالأَوَّلاَنِ دُونَ رَيْبٍ وَقَعَا ... فِي الاِسْمِ وَالفِعْلِ المُضَارِعِ مَعَا
فَالاِسْمُ قَدْ خُصِّصَ بِالجَرِّ كَمَا ... قَدْ خُصِّصَ الفِعْلُ بِجَزْمٍ فَاعْلَمَا
ذكر مسألتين فقط، الأولى: [حد الإعراب] تعريفه عند النحاة ماهو، ثانيا: أنواع الإعراب، ماهي؟ أربعة كما سيأتي.
стр. 31
[الإعراب]: قال: [تغيير] هذا قيد جنس، [أواخر الكلمة لاضطراب عواملٍ]: تقديرا أو لفظا، عرفنا أن النظم يقدم ويؤخر، ولذلك ابن آجروم _في الأصل_ أخر تقديرا أو لفظا، [تغيير]: هذا مصدر، والمراد به أثره، يعني التغيّر، ومضى الناظم هنا وذهب على طريقة الكوفيين ونمشي معه، [تغيير]: نقول المراد بالتغيير هنا أثره وهو التغيّر، (انتبه لقاعدة مهمة في طلب العلم يذكرها أهل العلم، وهي أن بعض الألفاظ أو بعض المسائل التي تذكر في الدروس والشروح قد لا يفهمها الطالب، لكنه يقيدها، وقد يفهمها في المستقبل)، [تغيير]: المراد به التغيّر، تغيّر ماذا؟ سبق معنا أن حدّ النحو "علم بأصول يعرف بها أحوال أواخر الكلم"، إذن متعلق بحث النحاة هو آخر الكلمة، والبحث هنا من جهة الإعراب والبناء، إذن الإعراب والبناء، الإعراب إنما يكون محله أواخر الكلم، ولذلك قال هنا [تغيير] يعني تغيّر، تغيّر ماذا؟ أواخر _جمع آخر_ الكلم، هذا اسم جمع للكلمة، يعني كلمة تجمع على كلم، اسم جمع، اسم جنس، اسم جمع، حينئذ نقول الكلمة تجمع على كلمات، وسبق أن الكلمة ثلاثة أنواع: (اسم وفعل وحرف)، الإعراب ماهو: قال: "تغيير أواخر الكلم" حينئذ خذ مثالا كـ (زيد)، (زيد) يتغير حال آخره، قد يكون مرفوعا إذا ركب مع عامل يقتضي الرفع، وقد يكون منصوبا إذا ركب مع عامل يقتضي النصب، وقد يكون مجرورا إذا ركب مع عامل يقتضي الجر، تقول (زيد)، قد ترفعه تقول (جَاءَ زَيْدٌ) بالرفع، (جاء زيدٌ) إذن آخر الكلمة الدّال ما حكمها؟ ما صفتها؟ مرفوعة، لماذا؟ لأن (جاء) فعل، والفعل يقتضي فاعلا، والفاعل مرفوع، إذن رفعت (زيدٌ) لماذا؟ لكونه فاعلا، فاعلا لأي شيء؟ لـ (جَاءَ)، إذن (جَاءَ) عامل فيقتضي _يعني يطلب_ يطلب ماذا؟ يطلب فاعلا، فرفعت (زيدٌ) على أنه فاعل، إذن (زيد) في هذا التركيب مرفوع، آخر الدال عليه ضمة، (رَأَيْتُ زَيْدًا) تغير أو لا؟ تغير، تغير من الرفع إلى النصب، (زيد) كما هي، (ز) (ي) (د)، الدال كما هو لم يتغير، وإنما تغير ماذا؟ حركته، كانت ضمة صارت فتحة، لماذا؟ هل هو بسبب أو بلا سبب؟ بسبب، ماهو السبب؟ تغير العامل، العامل السابق (جاء) يطلب فاعلا فقط، فرفع (زيدٌ) على أنه فاعل، ورأى يطلب مفعولا به، فوجد (زَيْدًا) حينئذ نصبه على أنه مفعول به، (رَأيْتُ) فعل وفاعل، (زَيْدًا)، (مَرَرْتُ بِزَيْدٍ) تغير أو لا؟ تغير، إذن تغير إلى الخفض، صار مكسورا، لماذا؟ لوجود عامل يقتضي ويطلب الخفض وهو الباء، هذا التغيير من الرفع إلى النصب إلى الخفض هو الإعراب الذي عناه الناظم، تغيير، حصل التغيير أو لا من رفع إلى نصب إلى خفض؟ ما الذي دلّنا على هذا التغيير؟ الضمة دلت على الفاعلية، والفتحة دلت على المفعولية، والكسرة دلت على كونه مخفوضا، ولذلك تعلق الحكم هنا بآخر الكلمة، تقول الدال هي محل ظهور الإعراب، هل الدال تغير بذاته؟ الجواب لا، لا يتغير بذاته، وهذا هو الغالب أنه لا يتغير بذاته، إذن نقدر تغيير أواخر يعني أحوال، والمراد بالأحوال الصفات، والصفات المراد بها الرفع والنصب والخفض، وكذلك الجزم في الفعل، لأن الحكم كما هو في الأسماء كذلك في الأفعال، تقول (يَقُومُ) بالرفع، (يَقُومُ زَيْدٌ)،
стр. 32
(يقومُ) بالرفع، لماذا رفعته؟ لأنه لم يتقدمه ناصب ولا جازم، وهو التجرد، إذن (يقومُ) فعل مضارع مرفوع، لماذا رفع؟ لكونه لم يتقدمه جازم ولا ناصب، فاقتضى رفعه، (لَنْ يَقُومَ زَيْدٌ)، (يَقُومَ) تحركت بالفتحة، كان مضمومَ الميم، صار مفتوحا، لماذا؟ لوجود عامل، ما هو العامل؟ (لَنْ) يطلب ماذا؟ يطلب أن يكون الفعل منصوبا، فقال (لَنْ يَقُومَ)، (لَمْ يَقُمْ) سكنت الميم لماذا؟ لكونه ركب مع عامل يقتضي الجزم فجزم، إذن هذا التغيير (يقومُ، يقومَ، يقمْ) نقول هذا يسمى إعرابا، الدليل عليه الضمة في (يقومُ) والفتحة في (يقومَ) والسكون في (يقمْ)، يسمى ماذا؟ يسمى إعرابا، قد يتغير الآخر بذاته وهذا قلّ ما ذكره النحاة، لكنه هو الواقع، (جاءَ أبوكَ) (رَأيْتُ أبَاكَ) (مَرَرْتُ بِأبِيكَ)، (أبوك) = (أبو) الواو هذه أصل، (جاء أبوك) (أبوك) هذا بالرفع لأنه من الأسماء الستة، إذن هذه الواو هي لام الكلمة، هي الحرف الأخير، مثل الدال من (زيد)، لما انتقل وركب مع عامل يقتضي النصب، (رأيتُ أباك) تغير بذاته أو لا؟ تغير بذاته، (مررْتُ بأبيكَ) (أبِي) الياء هي لام الكلمة، كالدال من (زيد) تغيرت من الألف إلى الياء، إذن أواخر _وإن ذكر في التحفة عندكم أن المراد به الذات_ لا يتغير، هذا ليس على إطلاقه، وإنما هو في بعض الأحوال، يعني إن لم يكن من الأسماء الستة ولا المثنى ولا جمع المذكر السالم، لأن هذه تعرب بماذا؟ تعرب بالحروف، فما كان إعرابه بالحروف يتغير آخر الكلمة، وما لم يكن كذلك حينئذ يبقى على أصله، إذن تغيير أواخر الكلمة، إذن الآخِر بذاته لا يتغير إلّا إذا كان إعرابه بحرف، وأما إذا كان إعرابه بضمة أو فتحة أو كسرة هذا يبقى على حاله، فدال من (زيد) باقية كما هي، (جاءَ زيدٌ) (رأيْتُ زيدًا) (مررْتُ بزيدٍ) فلم تتغير، لكن (أخوك، أخاك، أخيك) نقول هذا تغير فيه الآخر.
قوله [الكلم]: المراد به نوعان: (الاسم المتمكن، والفعل المضارع الخالي من النونين)، إذا قلت الكلمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام (الاسم والفعل والحرف) _هذا المبحث مهم جدا (الاسم والفعل والحرف) _, الحرف مبني لا حظَّ له من الإعراب، هل هو نوع من أنواع الكلمة؟ نعم هو نوع من أنواع الكلمة، هل هو داخل في هذا الحدّ؟ نحن نعرّف ماذا؟ نعرّف الإعراب، إذن ما يدخله الإعراب هو الذي يجب إدخاله في الحد، ومالا يدخله الإعراب يجب إخراجه، فالمبني لا يدخل معنا، المبني الذي يلزم حالة واحدة لا يدخل معنا، (ضَرَبَ) هذا فعل ماضٍ، وسيأتي أنه مبني على الفتح، مبني إذن ليس معربا، وإذا كان كذلك نحن نحدّ ماذا؟ نحدّ الإعراب، ونبين محله أين يظهر، فيظهر في ماذا؟ فيما يكون قابلا للإعراب، وما لا يقبل الإعراب لا يدخل معنا في الحد.
стр. 33
الحاصل نقول: الاسم نوعان: منه "معرب"، ومنه "مبني"، المبني ليس داخلا معنا، طيب الفعل نوعان: "معرب" و"مبني"، المبني نوعان: (الماضي والأمر)، وليس داخلا معنا، الفعل المضارع قد يكون معربا وقد يكون مبنيا، في حالة الإعراب يدخل معنا، وفي حالة البناء يخرج من الحد، إذن الاسم منه معرب ومنه مبني، المبني خرج، لا دخول له معنا البتة، ولذلك نقول الاسم المتمكن، يعني المبني يسمى غير متمكن، والمعرب هو الذي تمكن في باب الإعراب، النوع الثاني من الأفعال "الفعل المضارع"، وأما الأمر فهو مبني على الصحيح، وأما الفعل الماضي فهو مبني، حينئذ ماذا بقي؟ بقي معنا الفعل المضارع، هل كل فعل مضارع يكون معربا؟ الجواب لا، الخالي من نوني التوكيد والإناث، إذن المراد بالكلم هنا شيئان: (الاسم المعرب المتمكن، والفعل المضارع الخالي من نوني الإناث والتوكيد)، هذا مهم جدا، حينئذ نقول: "الاسم المتمكن" ما المراد به؟ الاسم المفرد، كـ (زيد، وهند) إذا كان منصرفا، وكذلك الاسم المفرد غير المنصرف كـ (أحمد، وعُمر، ونحو ذلك)، ثالثا: "الأسماء الستة"، رابعا: "المثنى" داخل معنا، "جمع التكسير" سواء كان منصرفا أو غير منصرف، كذلك "جمع المؤنث السالم" فهو داخل معنا، حينئذ نقول هذه كلها، (الاسم المفرد المنصرف، الاسم المفرد غير المنصرف، جمع التكسير المنصرف، جمع التكسير غير المنصرف، الأسماء الستة، المثنى، جمع المؤنث السالم، جمع المذكر السالم)، هذه كم؟ ثمانية، إذن الاسم المتمكن المراد به هذه الثمانية، ماعداه ليس بداخل معنا، هذه تحفظها يسهل عليك باب الإعراب، النوع الثاني: "الفعل المضارع الخالي من نوني الإناث والتوكيد"، يعني المعرب، هذا له ثلاثة أنواع: [إما أن يكون صحيح الآخر] كـ (يَضْرِبُ)، (يَضْرِبُ) صحيح الآخر، [أو يكون معتل الآخر] كـ (يَدْعُو، ويَخْشَى، ويَرْمِي)، [الثالث أن يكون من الأمثلة الخمسة]، ثمانية، وثلاث= أحد عشر نوعا، إذن المراد بالكلم أحد عشر نوعا، لا يدخل معنا الاسم المبني مطلقا، ولا الفعل المبني مطلقا، سواء كان ماضيا أو أمرا، ولا الفعل المضارع المتصل به نون الإناث أو نونا التوكيد.
стр. 34
[تغيير أواخر الكلم]: التغيير هذا لأي سبب؟ قلنا لاختلاف العوامل، ولذلك قال: [وذلك التغيير لاضطراب عوامل]: اضطراب، قالوا (اضطَّرَبَ الشَّيْءُ= تَحَرَّكَ وَمَاجَ فاضطرب)، يعني اللام هنا للتعليل، [لاضطراب] أي لأجل تغيير، هذا ما حصل هكذا، وإنما حصل من أجل اختلاف العوامل الداخلة على المعمول؛ لأن الاختلاف قد يكون لغير عامل, (حيث) في لسان العرب تنطق بثلاث لغات على المشهور (حيثُ، حيثَ، حيث) تغير آخر الكلم أو لا؟ تغير آخر الكلم؛ لكن تغيره لأي سبب؟ لاختلاف العوامل، كـ (جاءَ زيدٌ، ورأيْتُ زيدًا، ومررْتُ بزيدٍ)؟ الجواب لا، وإنما لاختلاف اللغات، إذن لابد أن يكون هذا التغيير من رفع إلى نصب إلى خفض إنما يكون لاختلاف العوامل، ولذلك قال: [وذلك التغيير لاضطراب]: يعني لاختلاف العوامل، وهي علة لتغيير أحوال أواخر الكلم، [لاضطراب عواملٍ]: بالخفض، وهو ممنوع من الصرف من أجل الوزن، (عوامل) جمع (عامل)، عندنا (عامل) وعندنا (معمول) وعندنا (عمل)، ماذا؟ عامل ومعمول وعمل؟ العامل كـ (جاءَ) من قولك (جاءَ زيدٌ)، (جاءَ) هذا عامل، و (رأى) من قولك (رأيْتُ زيدًا) هذا عامل، و (إنَّ زيدًا) (إنَّ) عامل، أليس كذلك؟ والمعمول هو (زيدٌ) من قولك (جاءَ زيدٌ) يعني المكان الذي ظهر فيه الإعراب نقول هذا معمول، العمل هو الرفع أو النصب أو الخفض أو الجزم، إذن (العوامل) جمع (عامل)، وهو ما أوجب كون آخر الكلمة على وجه مخصوص من رفع أو نصب أو خفض أو جزم، والمعمول هو ما يظهر فيه الإعراب تقديرا أو لفظا، والعمل هو ما يحدثه العامل وتختلف بسببه أحوال آخر المعرب، تدخل هذه العوامل للإعراب، يعني مجيؤها لما تقتضيه من الفاعلية والمفعولية والإضافة هذا يتضح بيانه على جهة الأفراد والآحاد بمعرفة الأبواب الآتية _إن شاء الله تعالى_ بابًا بابًا.
قوله: [تقديرا أو لفظا] هذا تقسيم للإعراب، يعني هذا التغيير قد يكون ملفوظا به، وقد يكون مقدّرا، يعني لا يظهر، وإنما يُنوَى إذا قلت (جاءَ زيدٌ والفتى) و (رأيْتُ زيدًا والفتى) و (مررْتُ بزيدٍ والفتى)، (جاءَ زيدٌ) ظهر الرفع فيه، (جاءَ) فعل ماضٍ يقتضي فاعلا، (زيدٌ) فاعل رُفع، إذن معرب ظهر فيه الإعراب على أنه فاعل، علامة إعرابه أو رفعه الضمة، منطوق بها أو لا؟ نطقت بها، (والفتى) الواو حرف عطف، و (الفتى) معطوف على المرفوع، والمعطوف على المرفوع مرفوع، أين الرفع؟ (فتى) ليس عندنا رفع، وإنما هو مقدر، يعني منوي، منوي في القلب: "إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"، حينئذ تنوي بقلبك أن ضمةً هنا على الألف (الفَتَى) لكنها لا يمكن إظهارها فتقدرها، حينئذ تقول (الفتى) معطوف على (زيد) والمعطوف على المرفوع مرفوع، ورفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها التعذر، (رأيْتُ زيدًا والفَتَى)، (زيدًا) نطقْت بالفتحة، (والفَتَى) قدرت الفتحة، (مررْتُ بزيدٍ) نطقت بالفتحة، إذن يكون الإعراب ظاهرا، (والفَتَى) قدرت فيه الكسرة، إذن لا يظهر.
الإعراب التقديري على المشهور _من أجل ضبط المسألة_ يكون في أربعة صور: [الاسم المقصور، والاسم المنقوص، والمضاف إلى ياء المتكلم، والفعل المضارع المعتل الآخر].
стр. 35
[الاسم المقصور]: كـ (الفَتَى)، وهو ما آخره ألف لازمة، كل اسم معرب آخره ألف لازمة، (جاءَ الفَتَى)، و (الأسَارَى).
[الاسم المنقوص]: كل اسم معرب آخره ياء لازمة، (جاءَ القَاضِي)، و (الجوَارِي).
[المضاف إلى ياء المتكلم]: _كذلك_ كل اسم معرب أضيف إلى ياء المتكلم، كـ (غلامِي).
[الفعل المضارع المعتل الآخر]: ما كان آخره _لامه_ حرف من حروف العلة الثلاث.
الواو والياء جميعا والألف - قلنا حروف الاعتلال مختلف.
كما قال الحريري في الملحة.
إذن هذه المواضع الأربعة يكون الإعراب فيها تقديريا، يكون الإعراب فيها مقدرا، يعني لا ينطق بالحركة، أما المقصور فجميع الحركات الرفع والنصب والخفض نقول هذا ماذا؟ يكون مقدرا، (جاء الفتى، رأيت الفتى، مررت بالفتى)، حركات كلها مقدرة، منع من ظهورها التعذر، يعني لا يمكن أن ينطق بالحركة البتة، المنقوص يقدر فيه الضمة والكسرة، وأما الفتحة فتظهر، تقول (رَأيْتُ القاضِيَ) الفتحة ظهرت، ليس مقدرا، بخلاف (جَاءَ القاضِي)، و (مررْتُ بالقَاضِي) فتكون الحركة حينئذ _الضمة وكذلك الكسرة_ تكونا مقدرتين، والمانع من الظهور هنا الثقل لا التعذر، الثالث المضاف إلى ياء المتكلم تقدر فيه جميع الحركات، (جاءَ غلامِي، ورأيْتُ غلامِي، ومررْتُ بغلامِي) هذه ثلاثة مواضع تكون الحركات فيها كلها مقدرة، والمانع هو التعذر العرضي، الفعل المضارع (يَخْشَى، ويَدْعُو، ويَرْمِي)، أما (يخشى) ما كان آخره ألفا لازمة فتقدر فيه جميع الحركات، يعني الضمة والفتحة والكسرة، الكسرة لا تقدر، لماذا لا تقدر؟ لا تدخل الفعل، نعم إذن (يخشى) تقدر فيه الضمة والفتحة، وأما الجزم فيظهر لأنه بحذف آخره، وأما (يرمي) و (يدعو) فيقدر فيه الضمة، والفتحة تظهر لخفتها، هذا ما يتعلق بالتقدير، إذن الإعراب تغيير أواخر الكلم تقديرا أو لفظا.
[فذا الحد اغتنم]: يعني (فذا) المشار إليه (الحد) السابق (اغتنم) يعني عده غنيمة، وذلك التغيير سببه ماذا؟ قال للاضطراب، يعني لأجل اضطراب العوامل، يعني لاختلاف العوامل تتردد على الاسم الواحد، تدخل هذه العوامل بالإعراب، يعني مقتضية للإعراب، هذا ما يتعلق بحدّ الإعراب، والضوابط هذه مهمة، تعينك على ضبط الإعراب، الذي لا يضبطها ولا يميز بين الإعراب التقديري ولا اللفظي إذا جاء يعرب يخلّط، والذي لا يميز بين ما يظهر فيه الإعراب من المعربات أو المبنيات إذا جاء يعرب يخلط.
أقْسَامُهُ أَرْبَعَةٌ تُؤَمُّ ... رَفْعٌ وَنَصْبٌ ثُمَّ خَفْضٌ جَزْمُ
الإعراب أنواع أربعة، له أنواع أربعة، هو جنس يدخل تحته أربعة أنواع.
стр. 36
[أقسامه]: أي الإعراب، [أربعة]: لا زائد عليها، يعني بطريق التتبع والاستقراء، [تُؤَمُّ]: يعني تُقْصَدُ، من أمَّهُ، ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ يعني قاصدين البيت الحرام، [تُؤَمُّ]: أي تُقْصَدُ، [رَفْعٌ]: هذا الأول، [وَنَصْبٌ]: هذا الثاني، ثم يحتمل أن هذه الترتيب لأن ما بعده دون ما قبله، [ثُمَّ خَفْضٌ جَزْمُ]: يعني وجزم، هذه الأربعة منها ماهو مشترك ومنها ماهو مختص، منها ماهو مشترك بين الاسم والفعل، أي اسم؟ الاسم المعرب، وأي فعل؟ الفعل المعرب يعني الفعل المضارع الخالي من النونين، ومنها ماهو مختص بالفعل، ومنها ماهو مختص بالاسم، فقال: [فالأوَّلانِ]: فاء الفصيحة، ما هما الأولان؟ (رفعٌ ونصبٌ)، سابق أقسامه أربعة (رفع ونصب ثم خفض جزم)، [فالأوَّلانِ]: وهما الرفع والنصب، [دُونَ رَيْبٍ]: يعني من غير شك، [وَقَعَا فِي الاسْمِ وَالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ مَعَا]: يعني يدخل الرفع الاسم، ويدخل الرفع الفعل المضارع، فالاسم يكون مرفوعا، والاسم يكون منصوبا، والفعل المضارع يكون مرفوعا، والفعل المضارع يكون منصوبا، فليس الرفع من خصائص الأسماء، بل يدخل الأسماء ويدخل الفعل المضارع، وليس النصب من خصائص الأسماء، بل يدخل الأسماء ويدخل الفعل المضارع، ولذلك قال: [فالأوَّلانِ]: أي الرفع والنصب، [دُونَ رَيْبٍ]: يعني بلا شك، لأنه محل وفاق، [وَقَعَا]: هذه الألف فاعل يعود على الأوَّلَيْنِ، [فِي الاسْمِ]: هل كل اسم يدخله الرفع والنصب؟ لا، وإنما بعض الاسم، وهو الاسم المتمكن، حينئذ تقول في "الاسم المعرب"، لابد أن تقيده، لأن الاسم المبني لا يدخله الرفع ولا النصب، [وَالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ مَعَا]: يعني الفعل المضارع مطلقا، أو الخالي من النونين، الخالي إذن قيده الخالي من النونين، (زَيْدٌ يَقُومُ) (زيدٌ) اسم، و (يقومُ) فعل، (زيدٌ) مرفوع ورفعه ضمة، و (يقومُ) مرفوع ورفعه ضمة، إذن الضمة دخلت الاسم ودخلت الفعل، و (يخشَى الفتَى)، (يخشَى) هذا فعل مضارع خالٍ من النونين، إذن لا يكون مبنيا، يكون معربا، ولم يتقدمه ناصب ولا جازم، حينئذ يكون مرفوعا، ما رفعه؟ بماذا يرفع؟ بالضمة، أين هي؟ مقدرة، (الفتَى) فاعل لـ (يخشَى)، والفاعل مرفوع ورفعه الضمة، أين هي؟ مقدرة، إذن قدرت الضمة في الفعل كما قدرت في الاسم، (يَخشَى الفَتَى)، وظهرت في الاسم كما ظهرت في الفعل، في قولك (زيدٌ يقومُ)، (إنَّ زيدًا، لَنْ يقُومَ)، (زيدًا) وهو اسم، دخله النصب، لماذا؟ لوجود العامل المقتضي للنصب وهو (إنَّ)، (لَنْ يقومَ) بالنصب، إذن دخل الفتح _النصب_ الفعل المضارع كما دخل الاسم.
فَالاِسْمُ قَدْ خُصِّصَ بِالجَرِّ كَمَا ... قَدْ خُصِّصَ الفِعْلُ بِجَزْمٍ فَاعْلَمَا
من خصائص الأسماء كونها تدخلها حروف الجر، أليس كذلك؟ مرَّ معنا [وبحروف الجرّ]، حينئذ مقتضى حرف الجر هو الكسر لما اختص العامل بالاسم اختص أثره بمدخوله، إذن الخفض خاص بالأسماء، لا يجر إلا الاسم، لا يدخل الكسر الذي يقتضيه العامل إلّا الأسماء، إذن الأفعال لا تجر، ولذلك قال: [فَالاِسْمُ قَدْ خُصِّصَ بِالجَرِّ]: يعني الكسر، سواء كان ظاهرا أو مقدرا.
стр. 37
[كَمَا قَدْ خُصِّصَ الفِعْلُ بِجَزْمٍ]: [كَمَا قَدْ خُصِّصَ الفِعْلُ]: يعني المعرب، فالاسم أي المعرب، والفعل أي المعرب، والمراد به الفعل المضارع، [بِجَزْمٍ]: ظاهرا كان أو مقدرًا، (مررْتُ بزيْدٍ وَالفَتَى) (مررْتُ) فعل وفاعل، والباء حرف جر، و (زيدٍ) مجرور بالباء، وجره كسرة ظاهرة نطقت بها، فالاسم دخله ماذا؟ الجر، وهو من خصائصه، يعني لا يدخل على الأفعال البتة، وهذا الجر في (زيدٍ) ظاهر، (والفَتَى) _كذلك_ معطوف على المجرور، والمعطوف على المجرور مجرور، وجره كسرة مقدرة على آخره لأنه مقصور، والمقصور لا تظهر عليه الحركات، ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (يَكُن) فعل مضارع، ودخلت عليه (لم)، و (لم) من الجوازم، حينئذ يكون الفعل مجزوما وجزمه سكون، أين السكون؟ (لَمْ يَكُنْ) لو وقفت هكذا رجع السكون، (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ) التقى ساكنان (الْ، يَكُنْ) النون ساكنة، واللام من (الْ) ساكنة، فالتقى ساكنان، إذن حركنا الأول، إذن (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ) (يكن) نقول هذا فعل مضارع مجزوم وجزمه سكون مقدّر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ (يَلِدْ) فعل مضارع مجزوم بـ (لم) وجزمه سكون ظاهر، إذن الخفض من خصائص الأسماء ولا يدخل الأفعال، وقد يكون الخفض ظاهرا وقد يكون مقدرا، كذلك الجزم من خصائص الفعل المضارع ولا يدخل الأسماء البتة، وقد يكون هذا الجزم _الذي هو السكون_ قد يكون ظاهرا وقد يكون مقدرا، [فَاعْلَمَا]: أي فاعْلَمَنْ، هذه الألف بدل عن نون التوكيد الخفيفة، إذن عرفنا أن الإعراب حده ما ذكره المصنف، ثم أقسامه أربعة: (رفع، ونصب، وخفض، وجزم) وهي عند التقسيم على ثلاثة أقسام: منها (مشترك بالاسم والفعل)، ومنها (خاص بالاسم)، ومنها (خاص بالفعل).
ثم قال: [بَابُ عَلَامَاتِ الرَّفْعِ]: أراد أن يبين كل نوع من الأنواع الأربعة، عندنا أنواع أربعة: (الرفع) له علامات وله مظان، يعني محالّ يكون فيها، و (النصب) له علامات وله مظان، و (الخفض) له علامات، و (الجزم) له علامات، فقال: [بَابُ]: أي هذا باب معرفة [عَلَامَاتِ الرَّفْعِ]: الرفع له أربع علامات بالاستقراء والتتبع، (علامة أصلية واحدة) وهي الضمة، و (ثلاث علامات فرعية) يعني نائبة تنوب عن الضمة، الأصل في هذا الموضع أن يعرب بالضمة، لكنه ما أعرب بالضمة، وإنما أعرب بنائبة، وهي ثلاثة الواو والألف والنون، ولذلك قال الناظم:
ضَمٌّ وَوَاوٌ أَلِفٌ وَالنُّونُ ... عَلاَمَةُ الرَّفْعِ بِهَا تَكُونُ
стр. 38
[ضَمٌّ]: الأصل عند النحاة أن يفرقوا بين الحركات، فيقال الضمة بالتاء إذا كانت للإعراب، ويقال الضم بدون تاء في البناء، فتقول مثلا (مُنْذُ) حرف جر مبني على الضم، وتقول (زَيْدٌ) فاعل مرفوع ورفعه ضمة، من باب الاصطلاح، فقوله: [ضَمٌّ]: أي ضمة، لأنها هي المتعلقة بالإعراب، [وَاوٌ]: يعني وواو، [ألِفٌ]: يعني وألف، [وَالنُّونُ]: هذه أربعُ علامات، الأولى أصلية وهي الضمة، والثلاثة الثانية فرعية نائبة عن الضمة، (ضم): هذا مبتدأ، (علامة الرفع) هذا خبر، ويجوز العكس، (علامة الرفع) هذا مبتدأ مؤخر، و (ضم) هذا خبر مقدم، وهذا الثاني أولى، [عَلاَمَةُ الرَّفْعِ بِهَا تَكُونُ]: (تكون بها) يعني توجد وتحصل بها، أي بهذه العلامات الأربعة، أراد أن يبين لنا العلامات الأربعة هذه أين تكون، الضمة لها مواضع، والواو لها مواضع، وكذلك الألف، وكذلك النون، متى نعرب المرفوع لكونه مرفوعا بضمة؟
قال:
فَارْفَعْ بِضَمٍّ مُفْرَدَ الأَسْمَاءِ ... كَجَاءَ زَيْدٌ صَاحِبُ العَلاَءِ
وَارْفَعْ بِهِ الجَمْعَ المُكَسَّرَ وَمَا ... جُمِعَ مِنْ مُؤَنَّثٍ فَسَلِمَا
كَذَا المُضَارِعُ الَّذِي لَمْ يَتَّصِلْ ... شَيءٌ بِهِ كَيَهْتَدِي وَكَيَصِلْ
هذه أربعة مواضع، إذن الضم إنما يكون في أربعة مواضع، الموضع الأول: (الاسم المفرد)، الموضع الثاني: (جمع التكسير)، الموضع الثالث: (جمع المؤنث السالم)، الموضع الرابع: (الفعل المضارع الذي لم يتصل به شيء ولم يدخل عليه ناصب ولا جازم).
[فَارْفَعْ بِضَمٍّ]: (فَـ) هذه فاء الفصيحة، (فارفع بضم) سواء كان الضم ظاهرا أو مقدرا، [مُفْرَدَ الْأسْمَاءِ]: يعني المفرد من الأسماء، هل عندنا مفرد الأفعال؟ الجواب لا، وإنما الأسماء هنا لبيان الواقع، عند _النحاة_ المفرد له استعمالات، سيأتينا _إن شاء الله_ في المستقبل، المفرد في باب الإعراب _يعني في هذا الموضع_ يعرف بأنه: "ما ليس مثنى ولا مجموعا ولا ملحقا بهما، ولا من الأسماء الستة"، يعني قيود عدمية، مثل ماذا؟ (زَيْدٌ) ليس مثنى ولا مجموعا ولا ملحقا بهما، ولا من الأسماء الستة، بعضهم يعرف المفرد هنا: "ما دلّ على واحد أو واحدة", ما دلّ على واحد كـ (زيد)، أو واحدة كـ (هند)، وهذا جيد، لكن يدخل فيه (أبوك، وأخوك) لأنه دلّ على واحد، إلّا أن يزاد بأن يقال: "ما دل على واحد أو واحدة، وليس من الأسماء الستة"، حينئذ يحسن الإعراب، إذن الاسم المفرد في باب الإعراب "ما ليس مثنى" لأنه لو كان مثنى حينئذ يعرب بالحروف، "ولا مجموعا" بأنواع الجمع كلها إلّا المؤنث _سيذكره المصنف_ وجمع التكسير، "ولا مجموعا" المراد به جمع التصحيح، يعني الجمع المذكر السالم، "ولا ملحقا بهما" بالمثنى أو الجمع، "ولا من الأسماء الستة" مثل ماذا؟ مثل (زيد) و (هند)، وهذان مصروفان في المذكر والمؤنث، ومثل (أحمد) و (زينب)، وهذان ممنوعان من الصرف،
стр. 39
تقول (جاءَ زيدٌ) (زيدٌ) هنا يعرب بالرفع، يعني الضمة، لماذا؟ لكونه فاعلا، ولِمَ أعرب بالضمة؟ لكونه فاعلا، لكونه اسما مفردا، والاسم المفرد: "ما ليس مثنى ... إلى آخره"، و (زيدٌ) كذلك، حينئذ يعرب بالضمة، كذلك (قالَتْ هِنْدُ) تقول (هند) هنا يرفع بالضمة لأنه فاعل، ولماذا رفع بالضمة وهو فاعل ولم يرفع بنائب؟ تقول لأنه اسم مفرد، ويصدق عليه حدّ المفرد، إذن [فارفع بضم مفرد الأسماء]: مثَّلَ له الناظم: (كجاءَ زيدٌ) يعني كقولك (جاءَ زيدٌ)، (جاءَ زيدٌ والفَتَى) (زيدٌ) فاعل مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، وهو اسم مفرد، يعني لو قيل لم أعربته بالضمة؟ تقول لأنه اسم مفرد، ماهو الاسم المفرد؟ تأتي بحدِّه، (والفَتَى) معطوف على (زيدٌ) وهو مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، لم أعربته بالضمة؟ تقول لأنه اسم مفرد، لما قدرت الضمة؟ لأنه اسم مقصور وهكذا.
[كَجَاءَ زَيْدٌ صَاحِبُ الْعَلَاءِ]: (صاحبُ) هذا نعت لـ (زيد)، وهو كذلك مفرد، وهو مضاف، و (العلاءِ) مضاف إليه، علاء في كسماء، المراد به الرفعة.
стр. 40
الموضع الثاني: "جمع التكسير"، وأشار إليه بقوله: [وَارْفَعْ بِهِ الجَمْعَ المُكَسَّرَ]: [وارفع به]: (به) ضمير يعود إلى الضم سواء كان ظاهرا أو مقدرا، (الجمع المكسر): ويقال له "جمع التكسير"، يقال له جمع التكسير، إذا [وارفع به الجمع المكسّر]: المراد به جمع التكسير، هذه عبارة المتقدمين، قالوا الجمع المكسر، عبارة المتأخرين جمع التكسير، (ضابطه): "ما تغيّر عن بناء مفرده"، "جمع تغيّر عن بناء مفرده"، ولا شك أن الجمع ما دلّ على ثلاثة فأكثر، إذن مدلول جمع التكسير من حيث العدد والآحاد يدل على ثلاثة فأكثر، وهذا الأصل في كل جمع سواء كان جمع تصحيح _مذكر سالم_ أو كان جمع مؤنث سالم أو كان جمع تكسير، أقل ما يدل عليه ثلاثة فأكثر على الصحيح، "إذا ما تغير عن بناء مفرده" يعني عن صيغة واحِدِهِ، يعني لم يصح فيه الواحد، وهذا فيه احتراز عن جمع التصحيح، نقول كـ (مسلم) جمعته بواو ونون، قلت ماذا؟ (مسلمون)، المفرد كما هو صح (مسلم، مسلمون)، إذن صح واحده في الجمع، أما جمع المكسر فلا, يتغير، كما تقول مثلا: (رجل) تجمعه جمع تكسير نقول (رجال)، زِيدَ الألف على المفرد، إذن تغير، ثم (رَ)، (رِ) كانت مفتوحة، (رَ)، (رِ)، كذلك (رجُل) الجيم مضمومة، تقول (رِجَا) (جَا)، إذن تغيرت حركة الجيم، إذن لم يصح فيه واحده، بمعنى أنه تكسر إما بتغيير الشكل حركة وإما بزيادة حرف وإما بنقص حرف، ولذلك وجوه التغيير محصورة في ستة بالاستقراء، إما بالزيادة فقط كـ (صِنْوٌ) هذا فرع الشجرة (صِنْوٌ) يجمع على (صِنْوَان)، زيد فيه الألف والنون، لا يقال أنه مثنى، وإنما أنه جمع تكسير، (صِنْوَان) هذا جمع تكسير لـ (صِنْوٌ)، ما وجه التغير هنا؟ نقول التغير بزيادة حرفين، أصله (صِنْوٌ) وزيد عليه الألف والنون، الوجه الثاني بالنقص، مثل ماذا؟ قالوا (تخَمةَ) مفرد، (تخمة) جمع على (تُخَم)، حذفت التاء، (تهمة) (تُهَم)، حذفت التاء، إذن نقص منه حرف، أو الثالث بالشكل فقط، كـ (أسد) يجمع على (أُسْد)، إذا خففت، ولك أن تقول أسد بضمتين (أسد) هذا مفرد، إذا جمعت تقول (أُسد) بالتخفيف، الألف أو الهمزة كانت مفتوحة وصارت مضمومة، إذن تغير، كذلك (نمر) يجمع على (نُمر)، تغيرت النون، أو بالزيادة والشكل معا كـ (رجل) و (رجال)، تغيرت الحركات وزيد فيه الألف، و (سبب) يجمع على (أسباب)، زيد فيه الألف، كذلك تغيرت الحركات، أو بالنقص والشكل كـ (سرير) يجمع على ماذا؟ على (سرر)، (سرير، سُ) تغير الشكل، كذلك (سرير) أين الياء؟ حذفت، إذن بالشكل والنقص، و (رسول) و (رسل) مثله، أو بها الثلاثة، كـ (غلام) و (غلمان) هذا تغير فيه الشكل وزيد ونقص، هذه وجوه التغير في جمع التكسير، إذن [وارفع به]: أي بالضم، [الجمع المكسر]: وعرفنا أنه ما تغير فيه صيغة واحده، أو ما تغير فيه بناء واحده، أو عن بناء واحده، حينئذ يرفع بماذا إذا جاء في محل رفع؟ يرفع بالضمة سواء كانت الضمة ظاهرة أو مقدرة، (جاءَ الرِّجَالُ وَالأسَارَى) (الرجالُ) هذا فاعل مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، لماذا رفعته بالضمة؟ لأنه جمع التكسير، لماذا كانت ظاهرة؟ لأن الحرف الأخير حرف صحيح، يعني ليس من الأربعة الأنواع، لا مقصور ولا
следующие страницы →