Полный текст (502 стр.). Показаны 491–502 · переход к 496.
стр. 491
أي حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد.
وقال في سورية البقرة: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله إلا أن صر الله قريب﴾
وقال الله تعالى: ﴿ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾
ولهذا قال ههنا: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقاومة الأعداء.
وأنشدا في كان وكان:
كم يصبر حتى يعلو على رأس الملك ... من جر ضرب المطارق والكور والسندان
فما ملك مصر يوسف حتى سجن وسقى العصعص ... من إخواتوا وزليخا والقيد والسجان
فاصبر لربك وأض واشكر على سائر النعم ... تعط المزيد وتحظى بجنة الرضوان
فصل (٤٥): وجوب تحمل الآمر الناهي الصبر المترتب على أمره ونهيه:
روى الإمام أبو بكر بن أبي الدنيا - بسنده- ع ن شيخ من قريش قال: مر دهثم ومعه أصحابه برجل يضرب غلامه. فقال له: يا عبد الله اتق الله فيه فوضع السهم بين أذني دهثم فوثب أصحابه عليه. فقال دهثم لأصحابه: مهًلا فإني سمعت الله ذكر عن رجل وصيته لابنه فقال: ﴿يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك﴾ وقد أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر فدعونا نصبر على ما أصابنا فندخل في وصية الرجل الرجل الصالح.
وروى أبو بكر أحمد المروزي - في كتاب الأمر بالمعروف - بإسناده، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا هريرة مر بالمعروف، وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمر) قال: يا رسول الله آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر
стр. 492
أوذي قال: نعم كما أوذيت الأنبياء ﵈.
وفي حديث ابن عباس -المتقدم قريبًا -وصيته ﷺ له لما كان رديفه ومنه قوله (واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا وان النصر مع الصبر) الحديث.
وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا﴾ قوله تعالى: ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا الفين بإذن الله والله مع الصابرين﴾ وقوله تعالى - في قصة طالوت ﴿فلما جاوزه والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾ وقوله ﴿بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾ إلى غير ذلك فالنصر منوط بالصبر.
وروى الأمام أحمد في كتاب الزهد بسنده عن الحسن البصري ﵀ عليه- من قوله تعالى ﴿والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ قال "والله لنصبرن أو لنهلكن".
قال أبو العباس تقي الدين بن تيمية ﵀ الصبر على أذى الخلق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يستعمل لزم أحد أمرين. إما تعطيل الأمر والنهي وإما حصول فتنة ومفسدة أعظم منه مفسدة ترك الأمر والنهي أو مثلها أو قريب منها وكلاهما معصية وفساد. قال: "وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور" فمن امرر ولم يصبر أو صبر ولم يأمر أو لم يأمر ولم يصبر حصل من هذه الأقسام الثلاثة مفسدة وإنما الإصلاح في أن يأمر ويصبر.
وقال بعض السلف: لا يجد اليوم أحد السلامة إلا أن يكون معه عقل وصبر يحتمل به أذى الناس.
وقال العلام ابن القيم: الصبر والاحتمال والإغضاء مرتبة شريفة من مراتب الجود وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال وأعز له وأنصر وأملك لنفسه واشرف لها ولا يقدر عليها إلا النفوس الكبار فمن صعب عليه الجود بما له فعليه بهذا الجود فإنه يجتني ثمرة
стр. 493
عواقبه الحميدة في الدنيا قبل الآخرة. وهذا وجود الفتوة قال تعالى: ﴿ .. والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له .. ﴾ وفي هذا الجود قال الله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها قمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين﴾ فذكر المقامات الثلاثة في هذه الآية مقام العدل وأذن فيه ومقام الفضل وندب إليه ومقام الظلم وحرمه".
وقبل لبي علي الفضيل بن عياض - قدس الله روحه- ألا نأمر وننهى؟ فقال: إن قومًا أمرروا ونهوا فكفروا وذلك أنهم لم يصبروا على ما أصيبوا.
كما قال عبد الله بن المبارك:
فمن صبر فما أقل ما يصبر ... ومن جزع فما أقل ما يتمتع
سئل البطال: عن الشجاعة. قال: صبر ساعة. كما قيل:
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويحمد غب السير من هو سائر
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويذهب هذا كله ويزول
وقال غيره:
الدهر لا يبقى على حاله ... لكنه يقبل أو يدبر
فإن تلقاك بمكروهة ... فاصبر فإن الدهر لا يصبر
وقال يحيى بن معاذ الرازي -قدس الله روحه- عن الحسن البصري أنه قال: "ليس شيء على العبد أشد من الحلم عند الجهاد والصبر على الأذى"
وروى أبو بكر بن أحمد المروزي بسنده عن الحسن:
"ليس حسن الجوار كف الأذى، حسن الجوار الصبر على الأذى"
قال أبو داود سليمان بن الأشعث: قلت لأحمد ﵀ يشتم الآمر بالمعروف؟ قال: يحتمل، من يريد أن يأمر وينهي لا يريد أن ينتصر بعد ذلك.
وسأله أبو طالب أحمد بن حميد فقال: إذا أمرته بمعروف فلم ينته؟ قال: دعه إن
стр. 494
رددت عليه ذهب الأمر بالمعروف وصرت منتصرًا لنفسك فيخرج إلى الأثم.
ونقل عن مهنا بن يحيى الشامي أنه قال: يأمر بالرفق والخضوع. قلت كيف؟ قال: إن اسمعوه مايكره لا يغضب فيريد أن ينصر نفسه.
وأنشد محمود الوراق:
اصبر على الظلم ولا تنتصر ... فالظلم مردود على الظالم
وكل إلى الله ظلومًا فما ... ربى عن الظالم بالنائم
ونقل حنبل، عن أحمد أنه قال - في المحنة - إن عرضت على السيف لا أجيب، وقال عمر بن حبيب: من اراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليوطن نفسه على الصبر وليثق بالثواب من الله فمن وثق بالثواب لم يجد المستأنف الأذى.
وقد روي عن الأستاذ الجليل أبي إسحاق إبراهيم بن أدهم - قدس الله روحه- في الصبر على البلاء واحتمال الأذى أشياء كثيرة.
ومن أمثلتها: أنه خرج إلى بعض البراري فاستقبله رجل. فقال له: أنت عبد؟ فقال: نعم. فقال: أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة فقال الرجل: إنما أردت العمران. فقال: هو المقبرة فغاظه ذلك فضرب رأسه بالسوط فشجه شجة فأدماه ورده إلى البلد فاستقبله أصحابه فقالوا: ما هذا؟ فأخبرهم الجندي. فقالوا: هذا إبراهيم بن أدهم فنزل الجندي عن دابته وقبل يده ورجليه وجعل يعتذر إليه فقبل له: لم قلت أنا عبد؟ قال: إنه لم يسألني أنت عبد من؟ بل قال أنت عبد؟ قلت: نعم لأني عبد الله. ولما ضرب رأس سالت الله له الجنة.
فقيل له: إنه ظلمك، فكيف سألت الله له الجنة؟ فقال علمت أني أؤجر على هذا. فلم أحب أن يصيبني منه الخير ويصيبه مني الشر.
وأنشدوا:
سأصدق نفسي إن في الصدق راحة ... وأرضي بدنياي وإن هي قلت
وإن طرقتني الحادثات بنكبة ... تذكرت ما عوقبت منه فقلت
وما محنة إلا ولله نعمة ... إذا قابلتها أدبرت وتولت
стр. 495
فصل (٤٦): قال العلامة ابن القيم: وللعبد فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه احد عشر مشهدًا .
المشهد الأول: القدر: وهو أن يعلم أن ما جرى عليه بمشيئة الله وقضائه وقدره فيراه كالتأذي بالحر والبرد، والمرض والألم وهبوب الرياح وانقطاع الأمطار، فإن الكل أوجبته مشيئة الله فما شاء كان ووجب وجوده ومالم يشأ لم يكن وامتنع وجوده وإذا شهد هذا، استراح وعلم أنه كائن لا محالة فما للجزع منه وجه وهو كالجزع من الحر والبرد والمرض والموت.
المشهد الثاني: مشهد "الصبر فيشهده ويشهد وجوبه وحسن عاقبته وجزاء أهله وما يترتب عليه من الغبطة والسرور ويخلصه من ندامة المقابلة والانتقام فما انتقم أحد لنفسه قط إلا أعقبه ذلك ندامة. وعلم إن لم يصبر اختيارًا على هذا -وهو محمود - صبر اضطرارًا على أكثر منه وهو مذموم.
المشهد الثالث: مشهد العفو والصفح والحلم فإنه متى شهد ذلك وفضله وحلاوته وعزته لم يعدل عنه إلا لغبش في بصيرته. فإنه مازاد الله عبدًا يعفو إلا عزًا. كما صح ذلك عن النبي ﷺ وعلم بالتجربة والوجود. وما أنتقم أحد لنفسه إلا ذل، هذا وفي الصفح والعفو والحلم من الحلاوة والطمأنينة وشرف النفس وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام.
المشهد الرابع: وهو مشهد الرضا وهو فوق مشهد العفو والصفح وهذا لا يكون إلا للنفوس المطمئنة، سيما إن كان ما أصيبت به سببه القيام لله. فإذا كان ما أصيب به في الله وفي مرضاته ومحبته رضيت بما نالها في الله. وهذا شأن كل محب صادق يرضى بما يناله في رضى محبوبه من المكاره. ومتى تسخط به أو تشكي منه كان دليًلا على كذبه في محبته والواقع شاهد بذلك والمحب الصادق كما قال منشد:
من أجلك جعلت خدي أرضًا .. للشامت والحسود حتى ترضى
ومن لم يرضى بما يصيبه في سبيل رضا وحبوبه فلينزل عن جرة المحبة وليتأخر فليس من ذا الشأن.
المشهد الخامس: مشهد الإحسان وهو أرفع مما قبله وهو أن يقابل إساءة المسيء بالإحسان فيحسن إليه كما أساء هو إليه. ويهون هذا عليه علمه بأنه قد ربح عليه وأنه قد
стр. 496
أهدى إليه حسناته ومحاها صحيفته وأثبتها في صحيفة من أساس إليه فينبغي أن تشكره وتحسن إليه بما لا نسبة له إلى ما أحسن به إليك وههنا ينفع استحضار مسالة اقتضاء الهبة الثواب وهذا المسكين قد وهبك حسناته فإن كنت من أهل الكرم فأثبه عليها لتثبت الهبة وتأمن رجوع الواهب فيها.
وفي هذا حكايات معروفة عن أرباب المكارم وأهل العزائم ويهونه عليك - أيضًا علمك بأن الجزاء من جنس العمل فإن كان هذا عملك في إساءة المخلوق إليك عفوت عنه وأحسنت إليه مع حاجتك وضعفك وفقرك وذلك. فهكذا يفعل المحسن القادر العزيز الغني بك في إساءتك ياقبلها بما قابلت به إساءة عبده إليك. فهذا لابد منه وشاهده في السنة من ـوجوه كثيرة لم تأملها.
المشهد السادس: مشهد السلامة وبرد القلب" وهو مشهد شريف جدًا لمن عرفه وذاق حلاوته وهو أن لا يشتغل قلبه وسره بما ناله من الأذى وطلب الوصول إلى درك ثأره وفاء نفسه بل يفرغ قلبه من ذلك ويرى أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له. وألذ وأطيب وأعون على مصالحه، فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ماهو أهم عنده" وخير له منه. فيكون بذلك مغبونًا والرشيد لا يرضى بذلك ويرى أنه من تصرفات السفيه فأين سلامة القلب من امتلائه بالغل والوساوس وأعمال الفكر من إدراك الانتقام؟
المشهد السابع: مشهد الأمن فإنه إذا ترك المقابلة والانتقام آمن ما هو شر من ذلك وإذا انتقم واقعه الخوف ولابد فإن ذلك يزرع العداوة والعاقل لا يأمن عدوه ولو كان حقيرًا.
لا تحقرن صغيرًا في تقلبه ... إن الذبابة تدمي الأسد
فكم من حقير أردى عدوه الكبير؟ فإذا غفر ولم ينتقم ولم يقابل أمن من تولد العداوة أو زيادتها. ولابد أن حلمه وعفوه وصفحه يكسر عنه شوكة عدوه ويكف من جزعه بعكس الانتقام والواقع شاهد بذلك - أيضًا-.
المشهد الثامن: مشهد الجهاد وهو أن يشهد تولد أذى الناس له من جهاده في سبيل الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وأقام دين الله وإعلاء كلماته.
وصاحب هذا المقام قد اشترى الله منه نفسه وماله وعرضه بأعظم ثمن فإن أراد أن يسلم إليه الثمن فليسلم هو السلعة ليستحق ثمنها فلا حق له على من آذاه ولا شيء له قبله إن كان قد رضي بعقد هذا التبايع فإنه قد وجب أجره على الله.
وهذا ثابت بالنص وإجماع الصحابة ﵃ ولهذا منه النبي ﷺ المهاجرين
стр. 497
من سكنى مكة - أعزها الله- ولم يرد على أحد منهم داره ولا ماله الذي أخذه الكفار. ولم يضمنهم دية من قتلوه في سبيل الله.
ولما عزم الصديق ﵁ على تضمين أهل الردة ما أتلفوه من نفوس المسلمين وأموالهم، قال عمر بن الخطاب بمشهد من الصحابة ﵃: تلك دماء وأموال ذهبت في الله وأجورها على الله ولا دية لشهيد فاتفق الصحابة على قول عمر ووافقه عليه الصديق فمن قام لله حتى أوذي في الله - حرام عليه الانتقام - كما قال لقمان لابنه: ﴿وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾.
المشهد التاسع: مشهد النعمة وذلك من وجوه.
أحدها: أن يشهد نعمة الله عليه في أن جعله مظلومًا يترقب النصر ولم يجعله ظالمًا يترقب المقت والأخذ فلو خير العاقل بين الحالتين -ولابد من إحداهما - لأختار أن يكون مظلومًا.
ومنها: أن يشهد نعمة الله عليه في التكفير بذلك من خطاياه فإنه ما أصاب المؤمن هم ولا غم ولا أذى إلا كفر الله به خطاياه فذلك-في الحقيقة- دواء يستخرج به منه داء الخطايا والذنوب ومن رضي أن يلقى الله بأدوائه كلها وأسقامه .. ولم يداوه في الدنيا بدواء يوجب له الشفاء فهو مغبون سفيه. فأذى الخلق لك كالدواء الكريه من الطبيب المشفق عليك فلا تنظر إلى مرارة الدواء وكراهته من كان على يديه وانظر إلى شفقه الطبيب الذي ركبه لك وبعثه إليك على يدي من نفعك بمضرته.
ومنها أن يشهد كون تلك البلية أهون وأسهل من غيرها فنه ما من محنة إلا وفوقها ما هو أقوى منها وأمر، فإن لم يكن فوقها محنة في البدن والمال فلينظر إلى سلامة دينه وإسلامه وتوحيده. وأن كل مصيبة دون مصيبة الدين هينة، وأنهما بالنسبة لمصيبة الدين في الحقيقة نعمة والمصيبة الحقيقية مصيبة الدين. ومنها: توفية أجرها وثوابها يوم الفقر والفاقة.
وفي بعض الآثار: إنه يتمنى أناس يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء. هذا وإن العبد يشتد فرحه يوم القيامة بما له قبل الناس من الحقوق في المال والنفس والعرض فالعاقل يعد هذا دخرًا ليوم الفقر والفاقه. ولا يبطله بالانتقام الذي لا يجدي عليه شيئًا.
стр. 498
المشهد العاشر: مشهد الأسوة وهو مشهد شريف لطيف جدًا، فإن العاقل اللبيب يرضى أن يكون له أسوة برسل الله، وأنبيائه وأوليائه وخاصته من خلقه فإنهم أشد امتحانًا بالناس وأذى الناس إليهم أسرع من السيل في الحدور.
ويكفي تدبر قصص الأنبياء ﵈ مع أممهم وشأن نبينا محمد ﷺ وأذى أعدائه له بما لم يؤذه من قبله وقد قال له ورقة بن نوفل: " لتكذبن ولتخرجن ولتؤذين وقال له: ما جاء أحد بمثل ما جاءت به إلا عودي. وهذا مستمر في ورثته كما كان في مورثهم ﷺ .
أفلا يرضى العبد أن يكون له أسوة بخيار خلق الله وخواص عباده الأمثل فالأمثل.
ومن أحب معرفة ذلك فليقف على محن العلماء وأي الجهال لهم، وقد صنف في ذلك ابن عبد البر كتابًا سماه "محن العلماء".
المشهد الحادي عشر: مشهد التوحيد وهو أجل المشاهد وأرفعها فإذا امتلأ قلبه بمحبة الله والإخلاص له ومعاملته وإيثار مرضاته والتقرب إليه وقرت العين به والأنس به والاطمئنان إليه وسكن إليه وأشتاق إلى لقائه واتخذه وليًا دون ما سواه بحيث فوض إليه أموره كلها ورضي به وبأقضيته وفنى بحبه وخوفه ورجائه وذكره والتوكيل عليه عن كل ما سواه، فإنه لا يبقى في قلبه متسع لشهود أذى الناس له البتة. فضًلا عن أن يشتغل قلبه وفكره وسره بتطلب الانتقام والمقابلة. فهذا لايكون إلا من قلب ليس فيه مايغنيه عن ذلك ويعوضه منه فهو قلب جائع غير شبعان. فإذا رأى أي طعام هفت إليه نوازعه وانبعثت إليه دواعيه وأما من امتلأ قلبه بأغلى الأغذية وأشرفها فإنه لا يلتفت إلى ما دونها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. انتهى.
فالآمر الناهي - أيده الله- تعالى إذا عامل الناس بمقتضى هذه المشاهد من إقامة أعذارهم والعفو عنهم والصبر عليهم وترك مقابلتهم، اشتدت محبتهم له وكان ذلك سببًا لنجاتهم الأخروية والدنيوية إذ يرشدهم ذلك إلى القبول منه وتلقي ما يأمرهم وينهاهم عنه أحسن التلقي.
أنا خوا بباب الطبيب طلبًا للشفاء وصبروا رجاء العافية على شرب الدواء فإن ابتلوا صبروا. وإن أعطوا شكروا فالأمر على السواء، ربحوا والله ما خسروا وعاهدوا على الصبر فما غدروا واحتالوا على نفوسهم فملكوا واسروا فخاطبهم ربهم بقوله: ﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ فينبغي للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر حينئذ أن يوطن نفسه على احتمال
стр. 499
ما يصيبه في دين الله تعالى من المكروه ليسهل عليه ما يلحقه من الأذى. ولئلا يدخل نفسه عليه شيئًا من المهلكات أو تستريح إلى من عودها المعارضة للتقوي به فيكلها الله إليه وكمال التوحيد أن لا يرى الأمور كلها إلا من الله وعلامة ذلك أن لا يغضب على أحد من الخلق بما يجري عليه إذ لا يرى الوسائط ونما يرى مسبب الأسباب فمن الناس من له من التوحيد مثل الجبال ومنهم من له دون المثقال.
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا بسنده عن مبارك بن فضالة عن الحسن البصري أن رجًلا كان يقال له عقيب كان يعبد الله وكان في ذلك الزمان ملك يعذب الناس بالمثلات فقال عقيب: لو نزلت إلى هذا فأمرته بتقوى الله كان أوجب علي، فنزل من الجبل فقال له: يا هذا اتق الله فقال له لجبار: يا كلب مثلك يأمرني بتقوى الله لأعذبنك عذابًا لم يعذب به أحد من العالمين فأمر به أن يسلخ من قدميه إلى رأسه فسلخ فلما بلغ بطنه أن أنة أوحى الله إليه عقيب اصبر أخرجك من دار الحزن إلى دار الفرح ومن دار الضيق إلى دار السعة فلما بلغ السلخ إلى وجهه صاح فأوحى الله إليه عقيب: أبكيت أهل سمائي وأهل أرضي وأذهلت ملائكتي لئن صحت الثالثة لأصبن عليهم العذاب صبًا فصبر حتى سلخ وجهه مخافة أن يأخذ قومه العذاب.
فجهاد النفس على الصبر والاحتمال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل من الصبر في غيره لأن الأمر والنهي أفضل الجهاد وبه صلاح العباد والبلاد إذ تغيير المنكر في غالب الأوقات أميز من عبادة المتعبد في كثير من السنوات فإذا علم العبد ذلك وتأمله بعد النظر فيه فصبر جاءه النصر وحصل له من خيري الدنيا والآخرة ما ليس له حصر.
قال الله تعالى: ﴿حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء وزلا يرد بأسنا عن القوم المجرمين﴾.
وقال تعالى: ﴿ .. حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾
وأنشدوا:
إذا تضايق أمرنا ننتظر فرجا ... فأضيق الأمر أدناه من الفرج
فإذا اشتد الكرب وعظم وتناهى ووجد الإياس من كشفه من جهة المخلوق ووقع التعلق بالخالق وحده أسرع الفرج إلى صاحبه واستجيب دعاه وصار متوكًلا لأن التوكل هو قطع الاستشراف باليأس من المخلوقين.
стр. 500
كما قال الإمام أحمد واستدل بقول إبراهيم ﵇ لما عرض له جبريل في الهواء حين رمي بالمنجنيق. وقال له: ألك حاجة؟ فقال له: أما إ ليك فلا.
قال بعض السلف: الدنيا دار ابتلاء فصابروها وقنطرة محنة فاعبروها فالبلاء ريحان أرواح العارفين والفناء نعيم أسرار الواصلين.
سأصبر حتى يعلم الصبر أنني .. أخوه الذي تطوى عليه جوانحه
وأقبل ميسور الزمان لأنني .. أرى العيش مقصورًا على من يسامحه
البلاء والولاء نجمان طلعا في فلك السعادة والمحبة وردتان لمتعافى غصن القرب, يا من لا يصبر للبلاء على كلمة أين أنت من أقوام يتلقفون البلاء بأكف الرضا.
وأنشدوا:
سأصبر حتى يعلم الصبر أنني ... صبرت على شيء أمر من الصبر
وما صبر صبر الصبر صبري وإنما ... صبرت لأجل الصبر مذ خانني صبري
فهيات قاموا وقعدت، ووصلوا وتباعدت زاحم القوم مهما استطعت واستغث بساقة الركب فقد انقطعت واجتهد في خلاصك - فقد وقعت.
صبر القوم قليًلا واستراحوا طويًلا.
فسبحان من يجبر الكسير ويعز الحقير وينصف المظلوم ويكشف المغموم فلا ييئس المظلوم من الانتصار ولا يعول المقهور إلا على الاصطبار فإن في مطاوئ الأقدار تقليب ما في الليل والنهار.
فصل (٤٧): وقوع المحن على قدر قوى الآمرين الناهين ومراتبهم:
والمحن طهارة للصادقين وكفارة على قدر صدقهم
ووقع المحن على قدر قوى الآمرين والناهين ومراتبهم أما العارفين فإن وقوعها بهم عند ملاحظتهم أنفسهم في الأم والنهي.
وأما الصادقين فإن وقوع المحن بهم طهارة لهم وكفارة على قدر قوة صدقهم محبة الله تعالى لهم يعرفهم بها أنفسهم ويرفعهم في درجاتهم.
وأما بعض الآمرين فإن وقع المحن بهم طهارة لهم وكفارة وذلة ليزول عنهم العجب
стр. 501
بذلك وأما جملة الناس من الآمرين والناهين فإن الله امتحنهم لتعديهم حدوده وتضييعهم أمره وشماتتهم بغيرهم
قال الله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير﴾.
فعلى قدر تضييعه وتقصيره يكون ردهم عليه وامتناعهم من القبول منه وعلى قدر ما يلحقه من خوف المخلوقين يكون تسلطهم عليه وعلى قدر توكله عليهم في معاونته ورجائه بهم يكون بعدهم عتنه فيوكل إليهم وعلى قدر محبة النفس للدنيا والثناء والتصنع يلحقه الضعف عند رؤية المنكر لأن القلب لا يحتمل الموارد عليه فيهيج من الغضب فعون الله تعالى للعبد على قدر صدقه في مجاهدته. وعلى قدر ثباته يستحق التثبيت من الله تعالى: ﴿ .. ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا﴾.
وعلى قدر إخلاص الآمر وإياسه من معاونة الخلق يكون نصر الله له.
وعلى قدر معرفته أن الخلق مأمورون مسلطون لم يملكهم ضرًا ولا نفعًا لأنفسهم ولا لغيرهم يكون قيامه بالحق عليهم بذهاب رهبتهم من قلبه قال الله تعالى: ﴿ .. وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله .. ﴾
فمن خاف مخلوقًا فإنما صرف الضر والنفع إليه.
وعلى قدر ما يعظم الله تعالى في قدر العبد يصغر الخلق كلهم في عينه قال الله تعالى: ﴿ .. إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه مننه ضعف الطالب والمطلوب﴾.
وعلى در إعزاز المؤمن لأم الله يلبسه الله من عزه قال الله تعالى: ﴿يا ايها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾.
وعلى قدر صدق الصادق في البر على القيام بحقوق الله تعالى وحدوده تكون شدة محبته، قال الله تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم﴾.
وفي مسند البزار من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: " إن المعونة تأتي من الله على قدر المؤنة وإن الصبر يأتي من الله على قدر البلاء"
стр. 502
ورواه الحسن بن سفيان بسنده ولفظه: " فينزل المعونة من السماء على قدر المؤنة وينزل الصبر على قدر المصيبة".
ابتلاهم فرضوا وصبروا وأنعم عليهم فاعترفوا وشكروا وجاؤوا بكل ما يرضى ثم اعتذروا وجاهدوا العدو بصبر فما انقشعت الحرب حتى ظفروا.
وأنشدوا:
لله در أناس أخلصوا عمًلا ... على اليقين دانوا بالذي أمروا
أولاهم نعمًا فازداد شكرهم ... ثم ابتلاهم فرضًا بما صبروا
فهذا المذكور في هذا الباب من صفات الأتقياء الأوفياء من الآمرين والناهين لأن من كان ناظرًا إلى الله تعالى - في جميع أحواله صغر في عينه ما سواه من خلقه إذا علم أنه لا يملك الضر والنفع سواه لا إله سبحانه هو الله.
فمن اجتمعت فيه هذه الأخلاق السابق ذكرها في هذا الباب سلك به طريق السلامة من الآفات الداخلة عليه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فعلى قدر صدق المتخلق تثبت فيه وتصير سجية له كما روي عن أبي عبد الله وهب بن منبه رحمة الله عليه أنه ما من عبد يتخلق بخلق أربعين صباحًا إلا جعله الله طبيعة فيه.
فعند ذلك ارجو أن يعان على قصده الصالح وينجح أمره ونهيه كما قال عمر بن عبد العزيز: عون الله لعبده على قدر نيته فمن تمت نيته تمت معونة الله تعالى له.
وقد حكي عن إبراهيم الخواص -قدس الله روحه- أنه خرج لإنكار منكر فنبح عليه كلب فما قدر على الوصول لمكان المنكر فرجع إلى مسجده وتفكر ساعة ثم قام فجعل الكلب يبصبص حوله ولا يؤذيه حتى أزال المنكر فسئل عما جرى له؟ فقال: إنما نبح علي لأن الفساد دخل علي في عقد نيتي بيني وبين الله تعالى فلما رجعت ذكرته فاستغفرت.
فبهذه الآداب المستحبات يصير الأمر بالمعروف لفقدها منكرًا والنهي عن المنكر زوراً مفترى.
فنسأل الله العصمة من الزلل والتوفيق لصالح العمل وأن ينهض -للقيام بذلك- ماضي عزمنا ويوقظ له عين حزمنا بمنة وطوله وقوته وحوله.
والحمد لله لا أبغي به بدًلا، حمدًا كثيرًا دائمًا أبدًا ثم الصلاة على خير الورى وعلى ساداتنا آله وأصحابه الفضلاء.