← Сияса и кади

Сияса и кади · id 36110

الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ابن داود الحنبلي

ابن داود الحنبلي

Полный текст (502 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قال العلماء: المراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف، والصبر على الأذى في كل ذلك واحتمال المشاق في ذات الله تعالة. وقوله: إحرص -بكسر الراء. وقوله: أحمد، وجامع الترمذي فلي وصية النبي ﷺ لابن عباس حين كان رديفه فقال فيه: " .. وإذا استعنت فاستعن بالله" وهذا منتزع من قوله تعالى: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين﴾ وهي كلمة عظيمة جامع يقال: إن سر الكتب الإلهية يرجع إليها وتدور عليها. والله أعلم. قال تعالى حكاية عن عبده ورسوله نوح ﵇ حين كذبه قومه ﴿وقالوا مجنون .. ﴾ ﴿فدعا ربَّه أني مغلوب فانتصر﴾ أي ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت لدينك. قال تعالة: ﴿ففتحنا أبواب السماء بمار منهمر﴾ أي كثير ونبعت الأرض كلها حتى أخذ الله بثأر "نوح" وأغرقهم عن آخرهم ونجى نوحًا وأهله. قال تعالى: ﴿فلنعم المجيبون﴾. أي فنحن أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه ونجيناه وأهله من الكرب العظيم الذي لحق قومه وهو الغرق "وجعلنا ذريته هم الباقين﴾. وقرأ عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وابن الزبير ﵃ قوله: "ولتكن

стр. 457

منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمررون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابه" ولكن لم تثبت هذه القراءة في سواء المصحف فلا يكون قرآنًا بل قالوها على وجه التفسير. وفيها إشارة إلى الاستعانة بالله فيما يصاب به الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر وتجرع مشاقه وأن ذلك سبب لنصره والاستظهار على الأعداء. كما قال تعالى: ﴿ .. ثم بغى عليه لينصرنه الله﴾ وروى الحافظ أبو نعيم- في الحلية- بسنده عن عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه في الطريق فقلت: حدثني حديثًا أحفظه عنك في مقامي وأوجز قال: أوحى الله إلى داود ﵇: "ياداود أما وعزتي وعظمتي لا ينتصر بي عبد من عبادي دون خلقي أعلم ذلك من نيته فتكيده السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له منهن فرجًا ومخرجًا أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني أعلم ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماوات من يده وأرسخت الأرض من تحته ولا أبالي في أي واد هلك. وفي استعانة العبد بالله -تعالى- وجد فائدتان: أحدهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات وإزالة المنكرات. الثاني: لا بد من معين على مصالح دينه ودنياه ولا يكون ذلك إلا من الله فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله فهو المخذول. كما قال تعالى: ﴿وما النَّصر إلا من عند الله﴾ يعني هو الذي نصر من أراد بحكمته ولو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم. من غير احتياج إلى قتالكم، كقوله -سبحانه- بعد أمره المؤمنين بالقتال: ﴿ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض﴾. وقوله: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده﴾ ثم أمرهم بالتوكل عليه فقال: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾.

стр. 458

وفي الحديث الصحيح المتقدم قريبًا قوله ﷺ في خطبته (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) وكان أيضًا: يعلم أصحابه أن يقولوا: (الحمد لله نستعينه ونستهديه) الحديث. وفي دعاء القنوت الذي كان عمر وغيره يدعو به: (اللهم إنا نستعينك ونستهديك ... ) وروى أبو بكر بن أبي الدنيا -بسنده- عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول في دعائه: (اللهم اجعلني ممن توكل عليك فكفيتهن واستهداك فهديته واستعان بك فأعنته واستنصرك فنصرته). وفي سنن البيهقي ومعجم الطبراني، وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا: " ألا أعلمكم الكلمات التي تكلم بها موسى ﵇ حين جاوز البحر ببني إسرائيل؟ فقلنا بلى يارسول الله، فقال: (قولوا اللهم لك الحمد واليك المشتكى، وأنت المستعان وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). وأمر ﷺ معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك) رواه أحمد، والنسائي وغيرهما فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات وفي الصبر على المقدورات كما قال يعقوب النبي ﵇ لبنيه ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾. ولهذا قالت عائشة ﵂ -هذه الكلمات لما قال أهل الإفك ماقالوا و ﴿قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا﴾. وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قال رب احكم بالحق وربنا الرحمان المستعان على ما تصفون﴾. ولما دخلوا على عثمان بن عفان ﵁ وضربوه: جعل يقول -والدماء

стр. 459

تسيل عليه: " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعينك عليهم، وأستعينك على جميع أموري، وأسألك الصبر على ما ابتليتني". وروى أبو بكر بن السني وغيره من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كنا مع النبص لى في غزوة فلقي العدو فسمعته يقول: (يامالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين). وروى أبو الشيخ الأصبهاني من حديث أبي طلحة: ولقد رأيت الرجال تصرع وقال عمر بن الخطاب في أول خطبة خطبها على المنبر: ألا إن العرب جمل أنف قد أخذت في خطامه، ألا وإني حامله على المحجة مستعيناً بالله - تعالى عليه - في مصالح دينه ودنياه. كما قال الزبير بن العوام ﵁ في وصيته لابنه عبد الله: إن عجزت فاستعن بمولاي، فقال له ابنه: يا أبت من مولاك؟ قال: الله -تعالى- قال: فما وقعت في كربة إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه. ولما احتضر خالد بن الوليد قال رجل ممن حوله: والله إنه ليسوء، يعني الموت. قال خالد: أجل فأستعين بالله . وقال عامر بن عبد الله بن الزبير -عند موته: إني أستعين الله على مصرعي هذا فالملهوف إذا صدق في الإستعانة به - سبحانه- وحده، كاشفًا للكرب يخلصه منها. ولبعضهم: فاستعن بالله واستعنه ... فإنه خير مستعان ومن كلام بعض المتقدمين: يارب عجبت لمن يعرفكن كيف يرجو غيرك عجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك. وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليهما- لا تستعين بغير الله يكلك الله إليه. انتهى. كما قيل: من استعان بغير الله في طلب ... فإن نصرته عجز وخذلان

стр. 460

حقيقة هذا تقتضي انقطاع العبد وإعراضه عن التعلق بالخلق وعن سؤالهم أو جلب نقع أو دفع ضر، وذلك يستلزم إفراد الله -تعالى- بالطاعة والعبادة، وفي الكتب المنزلة يقول الله -تعالى- يا عبدي إذا سألت فاسألني وإذا انتصرت فانتصر بي، فإني قوي. فمن استنصر بالله وتوكل عليه كفاه ما أهمه، وحفظه من الشركة الناس وعصمه، وإن استعان به بصدق وإخلاص نصره على عدوه، واخذ بثأره. قال تعالى: ﴿يا أيها الذي أمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ وقال تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ وفي اثر إلهي يقول الله -تعالى- ابن آدم إرض بنصرتي لك فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك، ومن قام لله بأمر طالبًا منه المعونة، كفاه ما أهمه، قال تعالى: ﴿فأصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزءين﴾. فإذا ترك الآمر الناهي الالتفات إلى الخلق في إنكاره، وأحسن العمل بإخلاص كان الظفر له، وإن كان غير ذلك كان الخذلان والصغار والذلة والمهانة وبقي المنكر على حاله. كما قيل: إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده تنبيه أيها الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر اعتبر، واستعن بالله في أمورك وانزجر، فإذا ظلمت فتوكل عليه واصطبر وتضرع إلى ملاك وقل: ﴿إني مغلوب فانتصر﴾ لعلك تحظى بجنات ونهر: ﴿في مقعد صدّق عند مليك مقتدر﴾. إلهي بك يستعين المستضعف، وبك يستنصر الذليل، والى جناب عزك بلجأ المزلوم فمن غيرك ينفس خناق كرب المكروب؟ ومن سواك يجيب دعوة المضطر؟ فأنت المأمول لإزالة الشدائد وجنابك المعد لطلب الفوائد. فصل (٣٨): استحباب طلب الآمر الناهي إعانة الله ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر طلب إعانة الله فإذا أراد فعل ذلك أن

стр. 461

يقول ماروى أبو داود، والترمذي من حديث أنس بن مالك ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا غزا قال: (اللهم، ت عضدي ونصيري، بل أجول وبك أصول، وبك أقاتل) هذه رواية أبي داود .. وفي رواية الترمذي: "أنت عضدي وأنت نصيري، وبك أقاتل" وقال هذا حديث حسن. ثم يكثر من قول (حسبنا الله ونعم الوكيل) لأنه سبحانه أثنى على قوم يقولوه: ﴿الذين قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ أي الموكول إليه في الأمور. فعيل - بمعنى مفعول "فانقلبوا" فانصرفوا طبنعمة من الله" بعافية "لم يمسهم سوء" لم يصبهم أذى ولا مكروه " واتبعوا رضوان اللهط في طاعته وطاعة رسوله " والله ذو فضل عظيم". قال بعض العارفين: ) قد جرت عادة الله - سبحانه- أن من التجأ إليه بصدق مهد مقيله في ظل كفايته، فلا البلاء يمسكه ولا العناء يصيبه ولا النصب يظله (. وفي صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس ﵄ قال " حسبنا الله ونعم الوكيل" قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار وقالها محمد ﷺ حين قالوا ﴿ .. إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾. وروى ابن أبي الدنيا بسنده عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اشتد غمه مسح يده على رأسه ولحيته وتنفس الصعداء وقال: (حسبي الله ونعم الوكيل) وفي مسند الفردوس من حديث شداد بن أوس ﵁ قال: (حسبي الله ونعم الوكيل أمان كل خائف). وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده- عن أبي هريرة مرفوعًا: " إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل).

стр. 462

قال ابن الزاعوني: رأيت في المنام كأني أمضي إلى قبر الإمام أحمد وإذا به جالس على قبره، وهو شيخ كبير في السن فقال لي يا فلان: قل أنصارنا ومات أصحابنا ثم قال: إذا أردت أن تنصر فإذا دعوت فقل: يا عظيم يا عظيم وادع بما شئت تنصر". فإذا شرع في إزالة المنكر. قال ما ثبت في الصحيحين، ومسند أحمدن وجامع الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود -٠ ﵁ قال: دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بعود كان بيده ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا) (جاء الحق ومايبدئ الباطل ومايعيد). ورواه الحافظ أبو نعيم -في الحلية- من حديث ابن عباس ولفظه قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وعلى الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، قد ثبت لهم إبليس أقدامها بالرصاص فجاء رسول الله ﷺ ومعه قضيب فجعل يهوي إلى كل صنم منها فيخر لوجهه وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا) حتى مر عليها كلها وقد بوب أبو زكريا النووي على ذلك فقال باب ما يقول إذا شرع في إزالة المنكر. وذكر الحديث بالرواية الأولى. وقوله (يطعنها) بفتح العين المهملة، وقيل بالضم. وقوله (زهق الباطل) أي هلك. فصل (٣٩): استحباب تحلي الآمر الناهي بالصبر والاحتمال: ومما يستحب- بعد ذلك- للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر: الصبر والاحتمال مع التخلق بما يلحق ذلك من الأقوال والأفعال (لأن الصبر مقام من مقامات الدين، ومنزلة من منازل السالكين ومتعين على الناهين والآمرين وهو خاص ببني آدم ولا يتصور في الملائكة

стр. 463

والبهائم أما البهائم فلنقصانها وأما الملائكة فلكمالها فيجب الصبر -حينئذ - على ما يصاب به العبد من الأذى في غير الدين، فقد ذكر - سبحانه- الصبر فلي كتابه في نيف وسبعين من المواضع فقال عز من قائل واشرف مسؤول وكامل: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ وجمع للصابرين بين أجور لم يجمعها لغيرهم بقوله: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ فالهدى والصلوات والرحمة مجموعة للصابرين. وقال تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة أولئك هم المهتدون﴾. وقال تعالى ﴿والله يحب الصابرين﴾ وقال تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين ﴿وإن تصبروا وتتقوا لايضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط﴾ يرشدهم - سبحانه- إلى السلامة من شر الأشرار، وكيد الفجار، باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائه. وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطو واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ وعلق -سبحانه- النصر على الصبر فقال تعالى: ﴿بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربك بخمسة ألاف من الملائكة مسومين﴾. وقال تعالى مثنياً على الأنبياء لصبرهم على أذى قومهم وتكذيبهم، ثم نصرهم عليهم: ﴿ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتتهم نصرنا﴾ وقال تعالى: حاكياً عن موسى: ﴿قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا﴾

стр. 464

واثنى -سبحانه- على عبده "داود" حيث لم يجاوز الحد بقوله ﴿إنال وجدناه صابراً نعم العبد﴾ وقال تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ قال العلماء: كفى بالصبر أن الأعمال كلها تضاعف الحسنة بعشرة إلى سبعمائة إلا الصبر، فإن أجره يوفى بغير حساب. وقال تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق فإنا نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون﴾ وقال تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ وأمر - سبحانه- نبيه محمدًا ﷺ أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل تسهيًلا عليه وتثبيتًا له ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾

стр. 465

وأثنى سبحانه على عبده "داود" حيث لم يجاوز الحد بقوله: "إنا وجدناه صابراً نعم العبد". وقال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب). قال العلماء: كفى بالصبر أن الأعمال كلها تضاعف الحسنة بعشرة إلى سبعمائة إلا الصبر، فإن أجره يوفى بغير حساب. وقال تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون). وقال تعالى: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور). وأمر سبحانه نبيه محمداً ﷺ أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولوا العزم من الرسل، تسهيلاً عليه وتثبيتاً له (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل). ثم قال: "وتستعجل لهم" أي لا تستعجل بالدعاء عليهم، وحلول العقاب بهم في الدنيا، لأن النبي ﷺ كان قد ضجر بعض الضجر وأحب أن ينزل العذاب على من أبى من قومه فأمره بالصبر كما صبر الأنبياء من قبله ﴿كأنهم يوم يرون مايوعدون ... ﴾ من العذاب ﴿لم يلبثوا﴾ في الدنيا ﴿إلا ساعة من نهار﴾ لأن مكثهم في الدنيا قليل في جنب مكثهم في عذاب الآخرة. وقال تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم﴾ أي ولنختبرنكم. وقرأ أخياركم بالمثناة التحتية حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين عليه. وأصل الابتلاء الاختبار والامتحان، وابتلاؤه -سبحانه- ليس ليعلم أحوالهم، لأنه عالم بأحوالهم وما ضمرت به قلوبهم وإنما ابتلاهم، ليعلم العباد أحوال بعضهم بعضًا. وقال تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك﴾

стр. 466

(أي لبلائه فيما ابتلاك به قومك" فإنك بأعيننا" أي بمنظر منا نرى ونسمع ما تقول وتفعل) وقال تعالى: ﴿فاصبر صبرًا جميًلا﴾ وهو الصبر ال ١ ي لا شكوى معه. وأمر -سبحانه- رسوله ﷺ بالصبر على ما يقوله من كذبه منس فهاء قومه، وأن يهجرهم هجرًا جميًلا فقال: ﴿واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميًلا﴾ وهو الذي لا عتاب معه. وقال تعالى: ﴿ولربك فاصبر﴾ أي اجعل صبرك على أذاهم لوجه الله. قال مجاهد. وقال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيًلا فاصبر فحكم ربك﴾ أي كما أكرمتك بما أنزلت عليك، فاصبر على قضائي وقدري، واعلم أني سأدبرك بحسن تدبيري. وقال تعالى: ﴿وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ أي كونوا من المؤمنين العاملين صالحًا، المتواضعين بالصبر على اذى الناس، وعلى الرحمة بهم. وقال تعالى: ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ إلى غير ذلك من الآيات فسبحانه من كريم جواد يعطي عبده كل هذه الكرامات، وأضعافها بصبر ساعة، فظهر -حينئذ- أن خير الدنيا والآخرة في الصبر. وأنشدوا: وصبرت فكان الصبر مني سجية ... وحسبك أن الله أثنى على الصبر. وأما الأمر بالصبر على ما يصاب به الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بخصوصية فقد جاء مصرحًا به في قوله تعالى -حكاية عن عبده لقمان الحكيم ﵇ حين وصى ابنه

стр. 467

بقوله: ﴿يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾ قال المفسرون: لما نهى لقمان ابنه عن الشرك، وأخبر - ثانياً- بعلم الله- تعالى وباهر قدرته، أمره يما يتوصل به إليه -سبحانه- من الطاعات: فبدأ باشرفهما وهو الصلاة حيث يتوجه إليه بها، ثم بالأم بالمعروف والنهي عن المنكر ثم بالصبر على ما يصيبه من المحن جميعها، وعلى ما يصيبه بسبب الأمر بالمعروف ممن يبعثه عليه، والنهي عن المنكر ثم بالصبر على ما يصيبه من المحن جميعها، وعلى ما يصيبه بسبب الأمر بالمعروف ممن يبعثه عليه، والنهي عن المنكر ممن ينكره عليه فكثيرًا مايؤذي فاعله. وقال جمهور أهل التفسير: وهذه الآية تقتضي حضًا على تغيير المنكر وجوازه مع خوف القتل، وان المغير يؤدي أحيانًا وأن ما تقدم من الطاعات- في هذه الآية- كان مامورًا به في سائر الملل. قوله: "إن ذلك من عزم الأمور" قال مقاتل: إن ذلك الصبر على الأذى فيهما من حق الأمور التي أمر الله بها. وقيل معناه: إن ذلك من معزوم الأمور وقيل: (من مكارم الأخلاق، وعزائم أهل الخير السالكين طريق النجاة) والعزم ضبط الأمر ومراعاة إصلاحه. وفي الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على المكروه لا ينبغي أن يمنع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرر إلا أن يخاف مكروهًا لا يطاق- قاله الواحدي. فالصبر على مايصاب به الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر من أجل المقاماة، وأحسن طرقة العبادات، وهو عبارة عن ثبات باعث الدين في مقاومة باعث الشهوة، وهذه المقاومة من خاصية الآدميين، فإن ثبت حتى قهره واستمر على مخالفة الشهوة فقد نصر حزب الله والتحق بالصابرين، وإن تخاذل وضعف حتى غلبت الشهوة ولم يصبر في دفعها التحق بأتباع الشياطين فالجود بالصبر والاحتمال والإغضاء من أعلى مراتب الجود وأشرفها، وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال واعزل له وأنصر، وأملك لنفسه، وأشرف لها ولا يقدر عليها إلا النفوس الشريفة، فمن صعب عليه الجود بما له فعليه بهذا الجود، فإنه ثمرة عواقبه الحميدة في الدنيا قبل الآخرة، وهذا جود الفتوة. قال تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾

стр. 468

قال الإمام أبو حامد الغوالي ﵀: واعلم أن الصبر ينقسم -باعتبار حكمه- إلى فرض ونقل ومكروه ومحرم. فالصبر عن المحظورات فرض. وعن المكروهات نفل والصبر على الأذى المحظور محرم كمن تقطع يده أو يد ولده، فهو يصبر عليه ساكتًا. وكمن يقصد حريمه بشهوة محظورة فتهيج غيرته فيصبر على إظهار الغيرة، ويسكت على ما يجري على أهله فهذا الصب محرم. والصبر المكروه، هو الصبر على أذى يناله بجهة مكروهة في الشرع، فليكن الشرع محك الصبر، فلا ينبغي أن يخيل إليك أن جميع أنواع الصبر محمودة بل المراد به أنواع مخصوصة منه، إذ لا يستغنى عن الصبر في مواطنه. قال أبو حامد: وجميع مايلقى العبد في هذه الدار لا يخلو عن أحد نوعين: النوع الأول: مايوافق الهوى، وهو الصحة والسلامة والمالي والجاه وكثرة العشيرة واتساع الأسباب وكثرة الأتباع والأنصار، وجميع ملاذ الدنيا فما أحوج العبد إلى الصبر عليها، فإنه إن لم يضبط نفسه عن الاسترسال والكون إليها والإنهماك في ملاذها المباحة أخررجه ذلك إلى البطر والطغيان. قال الله تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى﴾ النوع الثاني: مالا يوافق الهوى والطبع وذلك على ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما يرتبط باختيار العبد وهو سائر أفعاله من طاعة ومعصية وهو ضربان: الضرب الأول: الطاعة فالعبد محتاج إلى الصبر عليها، فالصبر على الطاعة شديد، أن النفس-بطبيعتها- تنفر عن ىلعبودية وتشتهي الربوبية. ولذلك قال بعض السلف: ما من نفس إ لا وهي مضمرة ما أظهر فرعون من قوله: "أنا ربكم الأعلى" ولكمن فرعون وجد مجاًلا وقبوًلا فأظهر. ثم من العبادات مايكره -بسبب الكسل- كالعبادات البدنية، ومنها مايكره بسبب البخل ومنها ما يكره بسببهما كالحج والجهاد، فالصبر على الطاعة صبر على الشدائد ويحتاج المطيع إلى شدائد ولعملك المراد بقوله تعالى: ﴿﴾ الذين صبروا أي صبروا تمام الصبر في ثلاثة أحوال: الأولى: قبل الطاعة. وذلك في تصحيح النية من شوائب الرياء ودواعي الآفات. الثانية: الصبر حالة العمل كي لا يغفل عن الله في أثناء عمله ولا يتكاسل عن تحقيق

стр. 469

آدابه وسننه، فيلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ. كما قال بعض السلف: وهذا من شدائد العمل: ﴿نعم أجر العاملين الذين صبروا﴾ الحالة الثالثة: الصبر بعد الفراغ من العمل عن إفشائهن والتظاهر به للسمعة والرياء والنظر إليه بعين العجب وعن كل ما يبطل العمل ويحبطه. الضرب الثاني: المعاصي فما أحوج العبد إلى الصبر عنها وقد جمع الله تعالى أنواع المعاصي في قوله: ﴿وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى﴾ وأشد أنواع الصبر، الصبر عن المعاصي المألوفة في العادات، فإن العادة طبيعة خامسة. فإذا انضافت إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشياطين على جند الله تعالى. القسم الثاني: مالا يرتبط هجومه باختيار العبد له وله اختيار في دفعه كما لو أوذي بفعل أو قول، وجنى عليه في نفسه أو ماله فالصبر على ذلك بترك المكافأة تارة يكون واجباً، وتارة يكون فضيلة. فالصبر على أذى الناس من أعلى مراتب الصبر، لأن باعث الشهوة والغضب يتعاونان على باعث الدين، قال عيسى ﵇ لقد قيل لكم من قبل: إن السن بالسن والأنف بالأنف وأنا أقول لكم ولا تقاوموا الشر بالشر بل من ضرب خدك الأيمن فحول إليه الخد الأيسر، ومن أخذ رداءك فأعطه إزارك، ومن سخرك لتسير معه ميًلا فسر معه ميلين. كل ذلك أمر بالصبر على الأذى. القسم الثالث: مالا يدخل تحت الاختيار أوله وآخره، كالمصائب مثل موت الأعزة وهلاك الأموال وزوال الصحة بالمرض وفساد الأعضاء وسائر أنواع البلاء فالصبر على ذلك من أعلى مقامات الصبر. والله أعلم. وفي الصحيحين ومسند أحمد وسنن النسائي من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : (لا أحد أصبر على أذى من الله . إنه ليشرك به ويجعل له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم) وفي صحيح البخاري، ومسند أحمد، وسنن النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا

стр. 470

يقول الله ﵎ يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ويكذبني وما ينبغي له أن يكذبني، أما شتمه فيقول: إن لي ولدًا. وفي رواية قال: قال الله : (كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني وشتمني ولم يكن له أن يشتمني أما تكذيبه لي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادتهن واما شتمه إياي، فقوله اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد). وروى نحوه البخاري من حديث ابن عباس بلفظ: (كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فزعم أن لا أقدر أعيده كما كان وأما شتمه أياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدًا" فمن أسمائه - سبحانه- الصبور. وروي أن الله أوحى إلى داود ﵇ تخلق بأخلاقي، وإن من أخلاقي أني أنا الصبور. فصل (٤٠): صبر النبي على أذى قريش عشرين عامًا وعفوه عنهم بعد أن أظفره الله بهم وأما صبر رسول الله ﷺ فلقد صبر على مقاساة قريش وأذى الجاهلية، ومصابرته الشدائد الصعبة معهم إلى أن أظفره الله عليهم، ونصره عليهم، وحكمه فيهم فما زاد على أن عفا وصفح وقال "ما تقولون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، فقال أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم﴾ إذهبوا فأنتم الطلقاء. وكل صابر قد عرفت عنه زلة وحفظت عنه هفوة، وهو ﷺ لا يزيد مع الأذى إلا صبرًا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلمًا، لأن الله تعالى خصه بمناقب عديدة، ومنحه بكرائم الكرائم وأعلى - في الدارين - مقاله ومقامه، وكمل فيه جميع المحاسن وأفاض عليه من

стр. 471

عين الصبر ماء غير آسن، فكان ﷺ : " اصبر الناس على مايصاب به من الأذى بقيامه في دين الله "- تعالى. ففي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ بحكي نبيًا من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون" وفي رواية "اللهم أهد قومي". قال أبو زكريا النواوي: وهذا النبي المشار إليه من المتقدمين وقد جرى لنبينا ﷺ نحو هذا يوم أحد. وفي صحيح مسلم ومسند أحمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه من ديث أنس- ﵁ أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشج رأسه فجعل يسلت الدم عن وجهه، ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، كسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله) فأنزل الله ﴿لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا م عند الله وما عند الله \خير للأبرار﴾ وفي رواية قال: (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم) وروى البخاري ذكر الشج، والآية في ترجمة باب والشج: الجرح (الرباعية) بفتح الراء، وتخفيف الباء الموحدة، والباء المثناة من تحت بوزن ثمانية - هي السن التي بين الثنية والناب من كل جانب (والذي كسر رباعيته ﷺ هو عتبة بن وقاص

стр. 472

أخو سعد وجرح شفته السفلى، وعمر بن قمئة الليثي جرح وجهه يومئذ، وعبد الله بن شهاب الزهري شجه قي وجه يومئذ). وكان هؤلاء ومعهم أبي بن خلف تعاهدوا يوم أحد ليقتـ لن رسول الله ﷺ أو ليقتـ لن دونه. (روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه، فقال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾. ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا فلقد وطئ ظهرك، وادمي وجهك وكسرت رباعيتك فابيت أن تقول إلا خيراً. فقلت: (اللهم أغفر لقومين فإنهم لا يعلمون). (ففي هذا بيان وقوع الإبتلاء - صلوات الله وسلامه عليهم - ليظهر ما كانوا عليه من الصبر والحلم والعفو والشفقة على قومهمن ودعائهم لهم بالهداية، وينالوا - بذلك جزيل الجر، ولتعرف أممهم وغيرهم ما أصابهم فيتأسوا بهم). قال القاضي أبو الفضل عياض بن مكوسى - في كتابه الشفا- أنظر مافي هذا القول من جماع الفضل ودرجات الإحسام- وحسن الخلق وكرم النفس وغاية الصبر والحلم، إذ لم يقتصر ﷺ -على السكوت عنهم حتى عفار ثم اشفق عليهم ورحمهم ودعا وشفع لهم فقال: (اللهم أغ فر واهد)، ثم أظهر سبب الشفقة والرجمة بقوله "لقومي" ثكم اعتذر عنهم بجهلهم بقوله: (فإنه لا يعلمون). انتهى وفي الصحيحين، ومسند أحمد من حديث أبي هريرة- ﵁ قال لما كان يوم حنين آثر سول الله ﷺ ناسًا من أشراف العرب فآثرهم- يومئذ - في القسمة فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، ولا أريد بها وجه الله، قال فقلت: لأخبرن النبي ﷺ قال: فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصرف. ثم قال: (فمن يعدل إذا

стр. 473

لم يعدل الله ورسوله) ثم قال: (يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) فقلت: "لا جرم لا أرفع إ ليه بعدها حديثًا). وفي رواية لأحمد قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: (لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)، فأتي رسول الله بمال فقسمه- قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه: والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة. قال فتثبت حتى سمعت ما قالا، ثم أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنك قلت لنا: لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا وإني مررت بفلان وفلان يقولان كذا وكذا فاحمر وجه رسول الله ﷺ ثم قال: (دعنا منك فقد أوذي موسى بأكثر من ذلك ثم صبر). وروى أبو داود قوله: (لايبلغني أحد- إلى قوله: سليم الصدر). ورواه الترمذي بزيادة عن ذلك. والرجل المبهم هو معتب بن قشير قاله أبو عبد الله محمد الواقدي والصرف: بكسر الصاد - صبغ أحمر. وقوله (لا جرم) أي لا نكر ولا نكير بل حق واجب. وقيل معناه: لا محالة ولابد -والله أعلم. وروى أبو بكر البزار -وأبو الشيخ عبد الله بن محمد الأصبهاني وغيرهما من حديث أبي هريرة- ﵁ قال: جاء أعرابي يومًا فطلب من النبي ﷺ شيئًا فأعطاه، فقال: أحسن إليك؟ فقال الأعرابي: لا ولا أجملت، فغضب المسامون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا ثم قام ودخل منزله وارسل إلى الأعرابي وزاده شيئًا ثم قال: أحسنت إليك؟ قال نعم فجاك الله من أهل وعشيرة خيرًا. فقال النبي ﷺ إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ماقلت بين يدي حتى يذهب مافي صدورهم

стр. 474

عليك قال: نعم فلما كان من الغد أو العشي جاء. فقال النبي ﷺ إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضي كذلك؟ قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا. فقال النبي ﷺ مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل له ناقة فشردت عنه أتبعها الناس فلم يزيدوها عليه إلا نفورًا فناداهم صاحبها: خلوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها منكم وأعلم فتوجه صاحب الناقة بين يديها فأخذ -لها- من قمام الأرض فردها حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها واستوى عليها وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار. وأورده القاضي أبو الفضل عياض- في كتابه الشفا وقمام الأرض هو الكناسة وما تقمه الدابة أي تأكله. فصل (٤١): يبتلي المرء على قدر دينه والمرء يبتلي على قدر دينه وقوة يقينه . وفي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه، وصحيح ابن حبان من حديث سعد بن أبي وقاص قال: سألت رسول الله ﷺ أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، الرجل يبتلى على حسب دينه فإن كان رقيق الدين ابتلي على حسب ذلك وإن كان صلب الدين ابتلي على حسب ذلك فما يزالل البلاء بالرجل حتى يمش على الأرض وما عليه خطيئة) قال الترمذي حديث حسن صحيح، وفي رواية قال سال رسول الله ﷺ أي الناس أشد بلاء: قال الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلي الناس على قدر دينهم فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي في الناس ما عليه خطيئة. وفي رواية .. فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد .. فذكره ورواه ابن أبي الدنيا وغيره.

стр. 475

وروى ابن ماجه، والحاكم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه دخل على رسول الله ﷺ وهو موعوك عليه قطيفة فوضع يده فوق القطيفة، فقال: ما اشد حماك يا رسول الله! . قال إنا كذلك يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر" ثم قال: يارسول الله من أشد الناس بلاء؟ قال: (الأنبياء) قال ثم من؟ قال: العلماء، قال ثم من؟ قال: الصالحون الحديث رواه ابن أبي الدنيا. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وروى الطبراني من حديث فاطمة مرفوع: " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون وكما لا يخلو الأنبياء من الابتلاء بالجاحدين فكذلك لا يخلو الأولياء والعلماء والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر عن الابتلاء بالجاهلين". وفي كل ما يحصل لهم من ذلك خير من الدنيا والآخرة. وفي صحيح أبي عبد الله البخاري، والموطأ ن ومسند أحمد من حديث أبي هريرتة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من يرد الله به خيرا يصب منه). قوله (يصب) بفتح الصاد وكسرها وهو المشهور ومعناه يبتليه بالمصائب لثيبه عليها. وفي الصحيحين، ومسند أحمد، وجامع الترمذي من حديث عطاء بن يسار عن أبي سعي الخدري وأبي هريرة ﵄ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته).

стр. 476

(الوصب): المرض والألم. (والنصب): الأعياء والتعب. (والسقم) بضم السين وإسكان القاف وفتحها لغتان وهما المرض وكذلك السقام والهم والحزن، قيل: هما بمعنى واحد وهو تحسر القلب، وشغله بالفكر والتأسف على ما فات من الدنيا. وقيل: يشغل القلب فيما يخاف ويرجى. وفي صحيح البخاري ومسند أحمد من حديث عائشة مرفوعًا: " ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها". ولأحمد - أيضًا - ومسلم، قال: لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا نقص الله بها من خطيئته. وفي رواية: إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة. ولمسلم -أيضًا - والترمذي. قال: لا يصيب المؤمن مصيبة، حتى الشوكة إلا قضى بها أو قال: كفر بها من خطاياه. لا يدري الراوي أيتهما قال عروة. ولمسلم - أيضًا - في الموطأ قال: دخل شباب من فريش على عائشة وهي بمنى وهم يضحكون، فقالت ما يضحككم قالوا فلانًا خر على طنب فسطاط، فكادت عنفه أو عينه أن تذهب، فقالت: لا تضحكوا فإن سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة). ولأحمد قالت: إن رسول الله ﷺ طرقه وجع فجعل يشتكي ويتقلب على فراشه فقالت عائشة: لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه فقال النبي ثلة: (إن الصالحين يشدد عليهم

стр. 477

وإنه لا يصيب مؤمنًا نكبة من شوكة فما فوق ذلك إلا حطت عنه خطيئة ورفع بها درجة) وله رواية أخرى قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له مايكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها. قوله: (حتى الشوكة) مكثلثة الأعراب (يشاكها وتشوكه) أي يصاب بها وفي مسند الإمام أحمدن وسنن أبي داود من حديث محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده كانت له صحبه: أنه خرج زائرًا لرجل من إخوانه بلغة شكايته فدخل عليه. فقال: أتيتك زائرًا وعائدًا مبشرًا. قال: كيف جمعت هذا كله؟ قال خرجت وأنا أريد زيارتك فبلغني شكايتك فكانت عيادة وأبشرك بشيء سمعته من رسول الله ﷺ يقول: (إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده). وفي رواية: "ثم صبر على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له منه " اللفظ لأحمد. وروى أبو يعلى الموصلي وابن حبان- في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: " إن الرجل ليكون له عند الله منزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره، حتى يبلعه إياه. وفي جامع الترمذي، وسنن ابن ماجه من حديث أنس مرفوعًا: إذا أراد الله بعبده خيرًا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا اراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة. وروى الإمام أحمد، وغيره من حديث محمود بن لبيد النصاري مرفوعًا: " إن عظم الجزاء مع عظم

стр. 478

البلاء وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط". هذا لفظ الترمذي وقال حسن صحيح. ورواه مالك في الموطأ بلفظ: (مازال المؤمن يضار في ولده وحاجته حتى يلقى الله وليست له خطيئة). وفي مسند أحمد وجامع الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: " مايزال البلاء بالمؤمن والمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ورواه- مالك في الموطأ- ولفظه: مايزال المؤمن يصاب في ولده وحامته حتى يلقى الله وليست له خطيئة. وفي صحيح مسلم- ومسند أحمد، وجامع الترمذي من حيث أبي هريرة ﵁ قال لما نزلت: ﴿من يعمل سوءًا يجز به﴾ بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًان فقال رسول الله ﷺ : (قاربوا وسددوا ففي كل مايصاب به المسلم كفارة. حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها* وروى احمد، والترمذي - أيضًا- من حديث أبي بكر بن أبي زهير، قال أخبرت أن أبا بكر ﵁ قال: يارسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجر به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرا﴾ فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر، ألا اقرئك آية أنزلت علي؟ قلت: بلى يارسول الله قال فأقرأنيها فلا أعلم أني وجدت في ظهري انقسامًا فتمطيت لها، فقال رسول الله ﷺ : ما

стр. 479

شأنك يا أبا بكر؟ قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءًا وإنا لمجزون بما عملنا؟ فقال رسول الله ﷺ أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس عليكم ذنوب وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزون به يوم القيامة". فالثواب الوارد لأهل البلاء- في هذه الأحاديث، وفي غيرها- إنما هو منوط بالصبر لا على نفس النصيبة مثل قوله ﷺ : (من عزى مصابًا فله مثل أجره) أي مثل أجر صبره. وروى أبو نعيم - بسنده- عن سفيان الثوري، أنه قال: إنما الأجر على قدر الصبر. وأنشدوا: إذا ما نابك الأمر ... فكن بالصبر لواذا وإلا فاتك الأجر ... فلا هذا ولا هذا وقال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام وقد ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور على مصيبته وهذا خطأ صريح، فإن المصائب ليست من كسبه بمباشرة ولا تسبب فمن قتل ولده، أو غصب ماله، أو أصيب ببلاء في جسده فليس هذه المصائب من كسبه ولا تسببه، حتى يؤجر علبها، بل إن صبر عليها كان له أجر الصابرين وإن رضي بها كان له أجر الراضين، ولا يؤجر على نفس المصيبة، لأنها ليست من عمله، وقد قال تعالى: ﴿إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾ كيف والمصائب الدنيوية عقوبات على الذنوب، والعقوبة ليست ثوابًا، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ انتهى والله أعلم فصل (٤٢): إذا تحقق المصاب من أن المصيبة بتقدير الله وإرادته هانت عليه والمصاب إذا علم وتحقق أن المصيبة بتقدير الله وإرادته هانت عليه . قال الله تعالى: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾.

стр. 480

وقال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾. قال ابن عباس: " إلا بإذن الله" أي بأمر الله يعني عن قدره ومشيئته. وقيل إلا بعلم الله. وقيل: سبب نزول الآية: أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقاً لصانهم الله عن المصائب في الدنيا فيبين - سبحانه- أن ما أصاب من مصيبة في نفس أو مال أو قول أو فعل يقتضي همًّا أو يوجب عقابًا عاجًلا أو آجًلا فبعلمه وقضائه. قوله: " ومن يؤمن بالله" أي يصدق، ويعلم أنه لا يصيبه مصيبة "إلا بإذن الله" أي ومن أصابته مصيبة فعلن أنها بقضاء الله وقدره فصب واحتسب واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته في الدنيا هدى في قلبه، ويقينًا صادقًا". وقيل " يهد قلبه" عند المصيبة ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ قال: سعيد بن جبير ومقاتل وابن حبان. وقال ابن عباس: هو أن يجعل الله في قلبه اليقين، ليعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. وفي صحيح البخاري تعليقًا عن علقمة، عن عبد الله يعني ابن مسعود ﵁ " ومن يؤمن بالله يهد قلبه" هو الذي إذا أصابته مصيبة رضي وعرف أنها من الله. وقد روى في صحيح البخاري من حديث علقمة، قال: شهدنا عند رسول الله ﷺ -عند عبد الله بن مسعود- ﵁ عرض المصاحف فأتى على هذه الآية: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾. قال: هي المصيبات تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم ويرضى.

стр. 481

وروى الحاكم، والبزار، والطبراني من حديث عائشة مرفوعًا: لا يغني حذر من قدر .. الحديث). وروى عبد الله بن أحمد نحوه من حديث معاذ بن جبل بلفظ: (لاينفع حذر من قدر) وأنشد بعضهم: ماقدر الله لي لابد أن يدركني ... من ذا الذي يدفع المقدور بالحذر فإذا علم العبد أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر أو نفع أو ضر، وإن اجتهاد الخلف كلهم جميعاً على خلاف المقدور غيير مفيد شيئًا البت، بل بيده كل حركة وسكون، وإنما أمرره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، وأن قلوب الخلق بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأنه - سبحانه - قدر في الأزل، أم ما أصاب المؤمن لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه/ لم يبال باحتمال ما يصيبه في الله، وأغمض عينيه عن ملاحظة غير الله-تعالى- من المخلوقين وعاد يشهد وحده تصريفه عن تصريف وجود الممكنات، وتشعب صور المحملات، وما يلقيه الشيطان - عنده - من الوساوس والخيالات، وفتح بصيرته في النظر إلى تقدير الحركات، وتحريك السكنات، وقام الله بالحق، صابراً على الأذى من جميع الخلق، فحمد -ظ عند صباح السلامة- مسراء أولاً وآخرًا ونصر دين الله فكان له وليًا وناصرًا، وأرضى الله فأرضى عنه الناس، وجعل من الناس المتوقع البائس واوجب ذلك له توحيد ربه وإفراده بالسؤال، والاستعانة والتضرع والابتهال، فهو مزيل النوب ومفرج الكرب. وأنشدوا: ما قد قضى يا نفس فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر ولبعضهم: وإذا رميت بما رميت فلا تقل ... أوذيت من زيد الزمان وعمره

стр. 482

واصبر فكم هم أتى لك عسره ... ليلا فبشرك الصباح بيسره ولكم على يأس أتى فرح الفتى ... من سر غيب لا يلم بفكره وقال بعضهم: ولقد تمر الحادثات على الفتى ... فتزول حتى ما تمر بفكره هون عليك فرب أمر هائل ... دفعت قواه بدافع لم تدره ولرب ليل بالهموم كدمَّل ... صابرته حتى ظفرت بفجره فصل (٤٣): وعد الله المؤمنين الذين يعملون الصالحات باستخلافهم في الأرض وتمكين دينهم لهم: قال الله تعالى: ﴿وعد الله الذين أنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوف أمنا .... ﴾ نزلت هذه الآية في أبي بكر وعمر. وقيل: شكا بعض الصحابة جهد ما يكابدونه من الأصدقاء، وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم، وأنهم لا يصنعون فنزلت الآية. وقيل: الآية عامة لجميع المؤمنين وعدهم الله أن يملكهم البلاد ويجعلهم أهلها كالذي جرى في الشام ومصر والعراق، وخراسان والمغرب، وغيرها فوعد الله حق وكلامه صدق. قال ابن العربي: فحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين، فصاروا قاهرين، كانوا مطلوبين فصاروا طالبين، فهذا نهاية الأمن والعز ولما جرى للمسلمين ما جرى في أحد غيرها حتى أخبر - سبحانه-بقوله: ﴿إذا جلاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب للحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزاًلا شديدًا﴾ ثم إن الله تعالى رد الكافرين لم ينالوا خيرًا وأمن المؤمنين وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم يطؤوها وهو المراد بقوله ﴿ليتسخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾. يعني بني إسرائيل إذ أهلك الجبابرة بمصر والشام وارثهم أرضهم وديارهم، فقال:

стр. 483

﴿وأورثنا القوم الذين كانوا ستضعفون مشارق الرض ومغاربها﴾ وهمكذا كان الصحابة مستضعفين خافيسن ثم إن الله - تعالى-أمنهم وملكهم. وفي الصحيحين، وسنن أبي داود، والنسائي من حديث خباب بن الأرث- ﵁ قال شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متسد بردة في ظل الكعبة فقلنا: ألا ستنصر لنا، ألا تدعوا لنا؟ فقال: (قدج كان قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجع نصفين ويمنشط بأمشاط الحديد ما دنن لحمه وعظمهما يصده ذلك ع دينه-والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء اليمن إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون). وفي رواية البخاري قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو متوسد في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة. فقلت: ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر وجه فقال: (لقد كان من قبلكن ليمشط بأمشاط الحديد) ثم ذكر معناه. وفي رواية أبي داود مثل الأولى وزاد بعد بعد قوله: (بأمشاط الحدي) (ما دون عظمة من لحم وعصب مايصرفه ذلك ع دينه. وروى النسائي طرفاً من أوله إلى قوله (وتدعو لنا) قوله (ألا تستنصر)؟ أي تدعو لنا بالنصر وقوله: (بالمنشار) هو بالنون من نشرت الخشبة، (وبالباء المهموز) مفعال من أنشرت الخشبية بالمنشار. وقوله- في الرواية الثانية (وهو محمر وجه) قيل من الغضب. وقوله (بأمشاط الحديد) يقال مشط ومشاط كرمح ورماح وخف وخفاف. قال بعض العلماء وفي هذا الحديث -والله أعلم- إشارة إلى ذلك الحديث الذي رواه الهيثم بن خارجه قال: حدث عبد بن عبد الرحمن بن زيدي بن جابر الأزدي. قال سمعت الوضين بن عطاء، عن يزيد بن مرتد عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه، ولبستم بتاركيه يمنعكم

стр. 484

الفقر والمخافة، ألا وإن رحى بن مرح قد دارت، ألا وإن رحلة الإيمان دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا وإن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا وأنه سيكون بعدي امراء يقضون لكم يقضون لأنفسهم مالا يقضون لكم فإن اطعتموهن أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم) قالوا: يا رسول الله كيف نصنع؟ قال: (كما صنع أصحاب عيبسى ابن مريم ﵇ نشروا بالمناشير، وحملوا على الخشب، موت في طاعة خير من حياة في معصية الله .) ورواه الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، في كتاب الحجة، وعلقة أبو محمد الخلال في كتاب - الأمر بالمعروف وانهي عن المنكر- فقال: ذكر أبو نصر البلخي المكتب باسناده عن أنس بن مالك رفعه بنجوه. وأنشدوا: لا تيأسن إذا ما ضقت من فرج ... يأتي به الله في الروحاء والدلج فما تجرع كأس الصبر معتصم ... بالله إلا أتاه الله بالفرج وروى الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بسنده، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن جده ابن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ يا ابن مسعود قلت: لبيك يارسول الله. قال: هل علمت أن بني اسرائيل افترقوا على اثنين وسبعين فرقة لم ينج منها إلا ثلاث فرقن قامت بين الملوك الجبابرة قامت بعد عيسى فدعت إلى دين الله بين الملوك الجبابرة فقاتلهم فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال فقامت بين الملوك والجبابرة تدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران فصبرت ونجت. ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال ولم تطق القيام بالقسط فلحقت بالجبال فعبدت وترهبت وهم الذين ذكرهم الله -عز وجلا ﴿ورهبانية ابتدعوها وما كتبناها عليهم﴾. ورواه محمد بن جرير الطبري بلفظ آخر من طريق أخرى في صحيح مسلم مسند أحمد من حديث الي هريرة ﵁ أن

стр. 485

رجًلا قال: يارسول الله لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال: ٠ لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم، ما دمت على ذلك). قوله (تسفهم المل) بضم التاء وكسر السين وتشديد الفاء و (المل) يفتح الميم وتشديد اللام هو الرماد الحار أي كأنما تطعمهم الرماد الحار غير مكترث، وهو تشبيه ما سيلحقهم من الإثم بما يلحق كل الرماد الحار من الألم ولا شيء على هذا المحسن إليهم لكي ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم من حقه وإدخالهم الأذى عليه كا ذكر النووي وغيره). وفي الصحيحين ومسند أحمد، والموطأ، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى نفذ ما عنده- قال (مايكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطى الله أحداً عطاء هو خير وأوسع من الصبر. وروى أبو نعيم، وأبو بكر البغدادي من حديث ابن مسعود مرفوعًا "الصبر نصف الإيمان". وروى أبو منصور الديلمي -في مسند الفردوس- من حديث أنس مرفوعًا "الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر. وفي رواية له أنه ﷺ سئل عن الإيمان، فقال: الصبر.

стр. 486

وروى أبو يعلى الموصلي من حديث جابر قال: سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان قال: "الصبر والسماحة". وروى الطبراني من حديث عائشة مرفوعًا: "لو كان الصبر رجًلا لكان كريمًا". وقال بعض الصحابة: ما كنا نعد إيمان الرجل إيمانًا إذا لم يصبر على الأذى. وروى ابن حبان- في صحيحه- وابن مردويه بسنديهما عن ابن عمر قال: لما نزلت هذه الآية ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة﴾ وقال رسول الله: ٠ رب زد أمتي) فأنزل الله ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا .. ﴾. قال النبي ﷺ : (رب زد أمتي) فأنزل الله: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾. وروى أبو بكر بن أبي الدنيا، والبيهقي - في شعل الإيمان - والأصبهاني بسندهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: " إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة نادى مناد: أين أهلل الفضل؟ قال فيقوم ناس وهم يسيرون فينطلقون سراعًا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقولون: إنا نراكم سراعًا إلى الجنة فمن أنتم؟ فيقولون نحن أهل الفضل. فيقولون ما فضلكم؟ فيقولون كنا إذا ظلمنا صبرنا وإا أسيء إلينا غفرنا وحلمنا. فيقال لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. وفي مسند أحمدن وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه من حديث أبي كبشة سعد بن عمرو وقيل: عمرو وقيل عامر بن سعد الأنماري مرفوعًا: "ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه فقال: فأما التي اقسم عليهن فإنه ما نقص مال من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزًا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه

стр. 487

باب فقر أو كلمة نحوها .. الحديث قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأنشدوا: تنكر لي دهري ولم يدر أنني ... أعز وأحداث الزمان تهون وظل يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكون وفي مسند أحمد، وجامع الترمذي -أيضًا- من حديث ابن عباس ﵄ قال: كنت رديف النبي ﷺ فقال: " ياغلام -ظ أو يا غليم- ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت بلى فقال: (احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرجاء يعرفك في الشدة وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستن بالله قد جف القلم بما هو كائن فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وان مع العسر يسرا). وللحديث ألفاظ وطرق متعددة تقدم بعضها قبل هذا الفصل، والله أعلم. وأنشدوا: فصبرا على حلو القضا ومره ... فإن اعتياد الصب أدنى إلى اليسر ومن عصمة الله الرضا بقضائه ... ومن لطفه توفيقه العبد للصبر. ولبعضهم: تصبر إن عقب الصبر خير ... ولا تجزع لنائبة تنوب فإن اليسر بعد العسر يأتي ... وعند الضيق تنفرج الكروب وكم جزعت نفوس من أمور ... أتى من دونها فرج قريب وروى الإمام أحمد في الزهد - بسنده- عن ميمون بن مهران ﵀ عليه - أنه كان يقول: ما منال عبد شيئًا من شيم الخير نبي ولا غ يره إ لا بالصبر. كما قيل: إن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- أنشد أبياتًا ومنها قوله: إني نظرت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر

стр. 488

وقل من جد في أمر يطلبه ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر والصبر محمود العاقبة يثمر النجح، ويورث المقصود، ويكبت العدو، ويغيظ الحسود، ويفضل لصاحبه بالسيادة، ويكسوه فضيلة الحوم، ويدفع عنه نقيصة الحرمان, وروى الإمام أحمد - أيضًا في الزهد بسنده، عن راشد بن أبي راشد قال: كان زيد بن ميسرة يقول: لا تضر نعمة معها شكر، ولا بلاء معه صبرن ولبلاء في طاعة الله خير من نعمة في معصيته- ٠. كان كفار قريش كأبي جهل وعتبة والوليد قد اتخذوا فقراء الصحابة كعمار، وبلال وخباب، وصهيب سخريًا يستهزءون بهم، ويضحكون منهم فإذا كان يوم القيامة قيل لهم: ﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ على أذاكم واستهزائكم. لما علم الصالحون أن الدنيا دار رحلة، دافعوا زمان البلاء، وأولجو في ليل الصبر، علمًا منهم بقرب الأجر فما كانت إلا رقدة حتى صيحوا منزل السلامة. أصبر على غير الزمان فإنما ... فرج الشدائد مثل حل عقال نفدت أبصار بصائرهم بنور الغيب إلى مشاهدة موصوف الوعد، فتعلقت به الآمال بما عانيت مواطن القلوب. كما قيل. نفس المحب على الآلان صابرة ... لعل مسقمها يومًا يداويها قال عمر بن الخطاب ﵁ وجدنا خير عيشنا الصبر وقال عامر الشعبي: قال علي بن أبي طالب: إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأي من الجسد ولا إيمان لمن لا صبر له. وعزى ﵁ رجًلا فقال: إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور وإن جزعت جرت عليك وأنت مأزور. ولقد أحسن القائل: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم وقال ابن عباس ضري الله عنهما: من حقيقة الإيمان الصبر على المكاره وقال الحسن

стр. 489

البصري رحمة الله عليه: الصبر كنز من كنوز الجنة لا يعطيه الله إلا لمن كرم عليه، وقال أيضًا: المؤمن إن ظلم صبر وإن سفه عليه حلم وإن جبر عليه عدل يؤذى فيحتمل صبور على الأذى محتمل على القذى. وقال إبراهيم التيمي: ما من عبد وهب الله له صبرًا على الذي وصبرًا على البلاء وصبرًا على المصائب إلا وقد أوتي أفضل ما أوتيه أحد بعد الإيمان بالله وهذا منتزع من قوله تعالى ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر .. ﴾ إلى قوله: ﴿والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك هم المتقون﴾ قال العلماء: البأساء الفقر ونحوه والضرائب المرض ونحوه وحين البأس حالة الجهاد ونحوه دون حلاوة شهد الولاء تجشم مرارة البلاء لأن البلاء بقدر الولاء وأنشدوا: الصبر مثل اسمه من مذاقته ... لكن عواقبه أحلا من العسل منكم رفع الصبر مرتبته من أعتلقه بيديه. وأعلا قيمه من جعله نصب عينين، واستنطقوا الأفواه بالثناء عليه واستطلقوا الأيدي المقبوضة بالإحسان إليه، كان في جيب بعض السلف ورقة يفتحها كل ساعة فينظر فيها وفيها مكتوب: " واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا" من فعل مايحب لقي مايكره ومن صبر على ما يكره نال ما يحب كما قال بعض الحكماء لا ينال العاقل القليل ما يحب إلا بالصبر على الكثير مما يكره، فالصبر سلاح يحمي من المعاطب، وينجي من قبضة التلف بعد انقضاء القواصب، ويفضي بصاحبه إلى ارتفاع عوارق المراتب. وأنشد بعضهم: صبرت على بعض الأذى خوف كله ... ودافعت عن نفسي بنفسي فعزت وجرعتها المكروه حتى تدربت ... ولو جملة حملتها لاشمأزت فيا رب عز سائفق للنفس ذلة ... ويارب نفس بالتذلل عزت وقال غيره: تعودت مس الضر حتى الفته ... واسلمني (حسن العز) إلى الصبر وصيرني بأسي من الناس راجيًا ... لسرعة صنع الله من حيث لا أدري ووسع صدري للأذى كثرة الأذى .. وقد كنت أحيانًا يضيق به صدري إذا أنا لم اقبل من الدهر كلما ... تكرهت منه طال عتبي على الدهر

стр. 490

فصل (٤٤): من أخص آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: توطين النفس على الصبر بدليل أن الله قرن الصبر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمن آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وصية لقمان السابق ذكرها -فينبغي - حينئذ - للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا أوذي في عرضه أو بدنه أو ماله أن لا يحزن، ولا يصده ذلك عن نصرة دين الله - تعالى - وإقامة حدوده بل يثبت، فإن العاقبة له. قال الله تعالى: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ فعزاهم وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وحضهم على قتال عدوهم ونهاهم عن العجز والفشل وهو الجبن (ولا تهنوا) أي لا تضعفو ولا تجبنوا عن جهاد أعدائكم لما أصابكم (ولا تحزنوا) على ظهورهم ولا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة. (وأنتم الأعلون) أي لكن تكون العاقبة بالنصر والظفر. قال الله تعالى: ﴿ .. ﴾ ثم قال سبحانه: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ (أي إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل منكم طائفة فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ أي نديل للأعداء عليكم تارة، وإن كانت العاقبة لكم، لما لنا في ذلك من الحكم ثم قال: ﴿وليعلم الله الذين آمنوا﴾ أي من يصبر على نيل العداء منه ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾ يعني يقتلون في سبيل الله ويب ١ لون مهجهم في مرضاته ﴿والله لا يحب الظالمين﴾ ﴿وليمحص الله الذين آمنوا﴾ "أي يكفر عنهم من ذنوبهم إن كان لهم ذنوب، وإلا رفع في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به قالوا: ﴿ويمحق الكافرين﴾ أي فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم. قال الله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾

стр. 491

أي حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد. وقال في سورية البقرة: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله إلا أن صر الله قريب﴾ وقال الله تعالى: ﴿ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ ولهذا قال ههنا: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقاومة الأعداء. وأنشدا في كان وكان: كم يصبر حتى يعلو على رأس الملك ... من جر ضرب المطارق والكور والسندان فما ملك مصر يوسف حتى سجن وسقى العصعص ... من إخواتوا وزليخا والقيد والسجان فاصبر لربك وأض واشكر على سائر النعم ... تعط المزيد وتحظى بجنة الرضوان فصل (٤٥): وجوب تحمل الآمر الناهي الصبر المترتب على أمره ونهيه: روى الإمام أبو بكر بن أبي الدنيا - بسنده- ع ن شيخ من قريش قال: مر دهثم ومعه أصحابه برجل يضرب غلامه. فقال له: يا عبد الله اتق الله فيه فوضع السهم بين أذني دهثم فوثب أصحابه عليه. فقال دهثم لأصحابه: مهًلا فإني سمعت الله ذكر عن رجل وصيته لابنه فقال: ﴿يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك﴾ وقد أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر فدعونا نصبر على ما أصابنا فندخل في وصية الرجل الرجل الصالح. وروى أبو بكر أحمد المروزي - في كتاب الأمر بالمعروف - بإسناده، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا هريرة مر بالمعروف، وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمر) قال: يا رسول الله آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر

стр. 492

أوذي قال: نعم كما أوذيت الأنبياء ﵈. وفي حديث ابن عباس -المتقدم قريبًا -وصيته ﷺ له لما كان رديفه ومنه قوله (واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا وان النصر مع الصبر) الحديث. وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا﴾ قوله تعالى: ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا الفين بإذن الله والله مع الصابرين﴾ وقوله تعالى - في قصة طالوت ﴿فلما جاوزه والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾ وقوله ﴿بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾ إلى غير ذلك فالنصر منوط بالصبر. وروى الأمام أحمد في كتاب الزهد بسنده عن الحسن البصري ﵀ عليه- من قوله تعالى ﴿والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ قال "والله لنصبرن أو لنهلكن". قال أبو العباس تقي الدين بن تيمية ﵀ الصبر على أذى الخلق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يستعمل لزم أحد أمرين. إما تعطيل الأمر والنهي وإما حصول فتنة ومفسدة أعظم منه مفسدة ترك الأمر والنهي أو مثلها أو قريب منها وكلاهما معصية وفساد. قال: "وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور" فمن امرر ولم يصبر أو صبر ولم يأمر أو لم يأمر ولم يصبر حصل من هذه الأقسام الثلاثة مفسدة وإنما الإصلاح في أن يأمر ويصبر. وقال بعض السلف: لا يجد اليوم أحد السلامة إلا أن يكون معه عقل وصبر يحتمل به أذى الناس. وقال العلام ابن القيم: الصبر والاحتمال والإغضاء مرتبة شريفة من مراتب الجود وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال وأعز له وأنصر وأملك لنفسه واشرف لها ولا يقدر عليها إلا النفوس الكبار فمن صعب عليه الجود بما له فعليه بهذا الجود فإنه يجتني ثمرة

стр. 493

عواقبه الحميدة في الدنيا قبل الآخرة. وهذا وجود الفتوة قال تعالى: ﴿ .. والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له .. ﴾ وفي هذا الجود قال الله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها قمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين﴾ فذكر المقامات الثلاثة في هذه الآية مقام العدل وأذن فيه ومقام الفضل وندب إليه ومقام الظلم وحرمه". وقبل لبي علي الفضيل بن عياض - قدس الله روحه- ألا نأمر وننهى؟ فقال: إن قومًا أمرروا ونهوا فكفروا وذلك أنهم لم يصبروا على ما أصيبوا. كما قال عبد الله بن المبارك: فمن صبر فما أقل ما يصبر ... ومن جزع فما أقل ما يتمتع سئل البطال: عن الشجاعة. قال: صبر ساعة. كما قيل: فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويحمد غب السير من هو سائر فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويذهب هذا كله ويزول وقال غيره: الدهر لا يبقى على حاله ... لكنه يقبل أو يدبر فإن تلقاك بمكروهة ... فاصبر فإن الدهر لا يصبر وقال يحيى بن معاذ الرازي -قدس الله روحه- عن الحسن البصري أنه قال: "ليس شيء على العبد أشد من الحلم عند الجهاد والصبر على الأذى" وروى أبو بكر بن أحمد المروزي بسنده عن الحسن: "ليس حسن الجوار كف الأذى، حسن الجوار الصبر على الأذى" قال أبو داود سليمان بن الأشعث: قلت لأحمد ﵀ يشتم الآمر بالمعروف؟ قال: يحتمل، من يريد أن يأمر وينهي لا يريد أن ينتصر بعد ذلك. وسأله أبو طالب أحمد بن حميد فقال: إذا أمرته بمعروف فلم ينته؟ قال: دعه إن

стр. 494

رددت عليه ذهب الأمر بالمعروف وصرت منتصرًا لنفسك فيخرج إلى الأثم. ونقل عن مهنا بن يحيى الشامي أنه قال: يأمر بالرفق والخضوع. قلت كيف؟ قال: إن اسمعوه مايكره لا يغضب فيريد أن ينصر نفسه. وأنشد محمود الوراق: اصبر على الظلم ولا تنتصر ... فالظلم مردود على الظالم وكل إلى الله ظلومًا فما ... ربى عن الظالم بالنائم ونقل حنبل، عن أحمد أنه قال - في المحنة - إن عرضت على السيف لا أجيب، وقال عمر بن حبيب: من اراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليوطن نفسه على الصبر وليثق بالثواب من الله فمن وثق بالثواب لم يجد المستأنف الأذى. وقد روي عن الأستاذ الجليل أبي إسحاق إبراهيم بن أدهم - قدس الله روحه- في الصبر على البلاء واحتمال الأذى أشياء كثيرة. ومن أمثلتها: أنه خرج إلى بعض البراري فاستقبله رجل. فقال له: أنت عبد؟ فقال: نعم. فقال: أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة فقال الرجل: إنما أردت العمران. فقال: هو المقبرة فغاظه ذلك فضرب رأسه بالسوط فشجه شجة فأدماه ورده إلى البلد فاستقبله أصحابه فقالوا: ما هذا؟ فأخبرهم الجندي. فقالوا: هذا إبراهيم بن أدهم فنزل الجندي عن دابته وقبل يده ورجليه وجعل يعتذر إليه فقبل له: لم قلت أنا عبد؟ قال: إنه لم يسألني أنت عبد من؟ بل قال أنت عبد؟ قلت: نعم لأني عبد الله. ولما ضرب رأس سالت الله له الجنة. فقيل له: إنه ظلمك، فكيف سألت الله له الجنة؟ فقال علمت أني أؤجر على هذا. فلم أحب أن يصيبني منه الخير ويصيبه مني الشر. وأنشدوا: سأصدق نفسي إن في الصدق راحة ... وأرضي بدنياي وإن هي قلت وإن طرقتني الحادثات بنكبة ... تذكرت ما عوقبت منه فقلت وما محنة إلا ولله نعمة ... إذا قابلتها أدبرت وتولت

стр. 495

فصل (٤٦): قال العلامة ابن القيم: وللعبد فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه احد عشر مشهدًا . المشهد الأول: القدر: وهو أن يعلم أن ما جرى عليه بمشيئة الله وقضائه وقدره فيراه كالتأذي بالحر والبرد، والمرض والألم وهبوب الرياح وانقطاع الأمطار، فإن الكل أوجبته مشيئة الله فما شاء كان ووجب وجوده ومالم يشأ لم يكن وامتنع وجوده وإذا شهد هذا، استراح وعلم أنه كائن لا محالة فما للجزع منه وجه وهو كالجزع من الحر والبرد والمرض والموت. المشهد الثاني: مشهد "الصبر فيشهده ويشهد وجوبه وحسن عاقبته وجزاء أهله وما يترتب عليه من الغبطة والسرور ويخلصه من ندامة المقابلة والانتقام فما انتقم أحد لنفسه قط إلا أعقبه ذلك ندامة. وعلم إن لم يصبر اختيارًا على هذا -وهو محمود - صبر اضطرارًا على أكثر منه وهو مذموم. المشهد الثالث: مشهد العفو والصفح والحلم فإنه متى شهد ذلك وفضله وحلاوته وعزته لم يعدل عنه إلا لغبش في بصيرته. فإنه مازاد الله عبدًا يعفو إلا عزًا. كما صح ذلك عن النبي ﷺ وعلم بالتجربة والوجود. وما أنتقم أحد لنفسه إلا ذل، هذا وفي الصفح والعفو والحلم من الحلاوة والطمأنينة وشرف النفس وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام. المشهد الرابع: وهو مشهد الرضا وهو فوق مشهد العفو والصفح وهذا لا يكون إلا للنفوس المطمئنة، سيما إن كان ما أصيبت به سببه القيام لله. فإذا كان ما أصيب به في الله وفي مرضاته ومحبته رضيت بما نالها في الله. وهذا شأن كل محب صادق يرضى بما يناله في رضى محبوبه من المكاره. ومتى تسخط به أو تشكي منه كان دليًلا على كذبه في محبته والواقع شاهد بذلك والمحب الصادق كما قال منشد: من أجلك جعلت خدي أرضًا .. للشامت والحسود حتى ترضى ومن لم يرضى بما يصيبه في سبيل رضا وحبوبه فلينزل عن جرة المحبة وليتأخر فليس من ذا الشأن. المشهد الخامس: مشهد الإحسان وهو أرفع مما قبله وهو أن يقابل إساءة المسيء بالإحسان فيحسن إليه كما أساء هو إليه. ويهون هذا عليه علمه بأنه قد ربح عليه وأنه قد
следующие страницы →