Полный текст (502 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وما توفيقي إلا بالله عليك توكلت وإليك أنيب﴾ الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الفحشاء والمنكر والعصيان، قضى بنفع العبد وضره، وأمضى القدر بشره وخيره. كما حرك أهل عبادته إلى نصرة دينه وأزعج. وأوقد نيران غيرته في أفئدة أحبته وأجج. وهدى للقيام بأوامره ونواهيه أولي الألباب، وأوجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنص الكتاب. فقال سبحانه خطابًا خاصًا لقوم يعقلون، وأمرًا عامًا لمن بعدهم يخلفون ﴿ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ أحمده تعالى على التوفيق للإسلام، وأشكره على إنعامه الخاص والعام، وأستعينه وأستمده، وأتوكل عليه وأسأله عملًا يقرب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهًا واحدًا صمدًا لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولا يشرك في حكمه أحدًا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي بيَّن الدين ونوَّر، وأعلن التوحيد وأظهر، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فظهر دينه على سائر الأديان، وعظم قدره بنزول القرآن، وأحلت له الغنائم ودفعت (بعلو) همته العظائم. صلى الله عليه وعلى آله المطهرين من الأدناس وأصحابه المعظمين الأكياس. صلاة توجب لنا ولهم جزيل الإنعام، بدار الجود والفضل والإكرام، أما بعد فقد قال الله تعالى في وصف عباده القائمين بنصرة دينه إلى يوم النشور: ﴿ولينصرنَّ الله من ينصره إن الله لقويٌ عزيزٌ الَّذين إن مَّكَّنَّهم في الأرض أقاموا الصَّلاة وآتوا الزَّكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾. وروى الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري- ﵀ في صحيحه من حديث أبي عتبة، عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي أحد ثقات الشاميين وأعيانهم، عن أبي الوليد عمير بن هانئ العنسي
стр. 2
الدمشقي الداراني، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان- ﵁ وهم بالشام يقول سمعت النبي- ﷺ يقول: "لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك". قال عمير: فقال مالك بن يخامر: قال: معاذ بن جبل- ﵁ وهم بالشام فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذًا يقول وهم بالشام). ورواه مسلم في صحيحه دون قول مالك وكذلك ابن ماجه.
وفي رواية الصحيحين قال: قال رسول الله- ﷺ "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين علة ما ناوأهم إلى يوم القيامة". ورواها الإمام أحمد في مسنده وفي الصحيحين- من حديث المغيرة بن شعبة- ﵁ قال: رسول الله- ﷺ "لا يزال ناس من أمتي ظاهرين" وفي رواية: "لا تزال طائفة من أمتي" وذكره. وفي رواية لهما لن يزال من أمتي ظاهرين على الناس. وذكره وفي مسند الإمام أحمد وجامع أبي عيسى الترمذي من حديث معاوية بن قرة المزني عن أبيه- ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ولا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة). قال الترمذي حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجة وليس عنده ذكر الشام وأورده أبو محمد البغوي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ وفي صحيح مسلم، وسنن ابن ماجه من حديث ثوبان مولى النبي- ﷺ و- ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) وقد رواه الإمام أحمد، وأبو داود- في جملة حديث طويل- والله أعلم. وفي المعجم الأوسط لأبي القاسم الطبراني من حديث الوليد بن عبادة عن عامر بن عبد الواحد الأحول، عن أبي صالح الخولاني عن أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله- ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم خذلان من خذلهم ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة" وهذا من أفراد الوليد. وروى ابن ماجه نحوه من حديث أبي هريرة- أيضًا- ولفظه: "لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله- لا يضرها من خالفها".
стр. 3
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة- أيضًا- ﵁ عن النبي- ﷺ أنه قال: (لا يزال هذا الأمر أو قال: على هذا الأمر عصابة على الحق لا يضرهم خلاف من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله).
وفي المسند- أيضًا- من حديث أبي عبد الله الشامي قال: سمعت معاوية يقول: (يا أهل الشام حدثني الأنصاري قال شعبة يعني زيد بن أرقم- ﵁ أن رسول الله- ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين. وإني لأرجو أن تكونوا (منهم) يا أهل الشام).
روى يوسف بن سعيد بن مسلم. قال: حدثنا ابن كثير هو محمد، عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس- رضي الله (عنه) - قال: قال رسول الله- ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة).
وأومأ بيده إلى الشام.
أنكره البخاري، أن يكون من حديث قتادة عن أنس وقال: إنما هو عن مطرف عن ابن عمر.
وفي مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، من حديث عمران بن حصين- ﵁ أن النبي- ﷺ قال: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدَّجال).
قوله: (لا تزال) لا تبرح. أخبر- ﷺ أن خلاصة هذه الأمة لا تزال أبدًا على هذا الحال الذي أخبر.
و(الطائفة) الجماعة. وهم العصابة في الحديث الآخر.
وفي رواية (أمة) وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وممن خلقنا أمةً يهدون بالحق وبه يعدلون﴾.
ففي هذه الأحاديث: دليل على ظهور الباطل وكثرته لأنه إذا لم يكن على الحق إلا
стр. 4
طائفة واحدة فالباقون على الضلالة. لقوله: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) كما قال- تعالى- فيهم: ﴿وقليل ما هم﴾ وسيأتي- في الباب الثالث- قوله- ﷺ : (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ).
قوله: (قائمة) قيل: يحتمل وجهين:
الأوَّل: أن يكون معناه موفيه، لأن العرب تقول: فلان قام بالأمر أي وفاة حقه.
الثاني: أن يكون معنى قائمة ثابتة. كما قال تعالى-: ﴿قائمة على أصولها﴾.
وقوله: (بأمر الله) الأمر- هنا- هو إتباع ما أمر. واجتناب ما نهى على واجبه ومندوبه.
وقوله: (منصورين) وفي رواية (ظاهرين) وهما بمعنى واحد.
وقوله: (ناوأهم) - هو بهمزة بعد الواو- أي عاداهم.
وقوله: (لا يضرهم من خذلهم) وفي رواية: (من خالفهم) قيل ثلاثة أوجه ذكرها الإمام عبد الله بن أبي جمرة وغيره:
الأول: أن يكون المراد به الأشخاص القائمون بالأمر لا يقدر أحد على ضرهم.
الثاني: الضرر لا يلحق فعلهم، ويقبل منهم، ولا ينقص لهم من أجورهم شيء وإن كانوا مجاورين للمخالفين لهم.
الثالث: أن يكون المراد لا يضرهم ولا يضر عملهم. ثن قال: وهذا أظهر الأوجه، بدليل قوله- تعالى-: ﴿وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين﴾.
فللَّه سبحانه- وله الحمد- عناية بهذا الدين، لاسيما الأرض التي بارك فيها للعالمين وأظهر على الحق العصابة المنصورة الظاهرة، وأيقنت على النصر متمًا لنصر القلوب الزاكية الطاهرة وأرغم- بذلك- معاطس أهل الزيغ والنفاق، وجعله أميرًا للمؤمنين إلى يوم الحشر والتلاق ونسأله- تعالى- دوام هذه النعمة الجمة، وأن يجعلها متصلة.
وفي الحديث بشارة عظيمة لمن اتصف بالصفة المذكورة، أنه لا يخاف الضرر، وإن كثر أهل الفساد، فيكون أبدًا مطمئن النفس، منشرح الصدر، لأن المؤمنين الذين أوجب لهم النصر بمجرد الفضل هم الموصوفون في الحديث.
стр. 5
وقد قال بعض السلف، إذا وافقت الشريعة، ولاحظت الحقيقة فلا تبال وإن خالف رأيك جميع الخليقة.
قوله: (حتى يأتي أمر الله) المراد به قيام الساعة كما في بقية الروايات.
وقيل: الآيات الكبار كما في الرواية الأخرى: (حتى تقاتل آخرهم المسيح الدجال) وقال بعض علماء أهل التصوف: إن أمر الله عام، والمراد به الخصوص أي يختص كل أحد (بجدثه) وهو الموت. فيكون المراد بسياق الحديث: بأن يموتوا على الخبر فتنشرح صدورهم للموعد الجميل، لأن خيرهم متعد ولو لم يكن متعديًا انقطعت آثارهم ولكنهم يخلفون جيلًا جيلًا. والله أعلم.
(وقد نص الإمام أحمد على أن أصحاب الحديث هم الطائفة المذكورون في هذه الأحاديث المذكورة.
ونص- أيضًا- على أنهم الفرقة الناجية. في الحديث الآخر الذي رواه. وكذا قال يزيد بن هارون، وغيره).
قال أبو زكريا يحيى النووي: (يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين فمنهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخر من الخير. انتهى).
قال بعض العارفين: (جعل الله المسلمين على أنواع، فعوامهم كالرعية للملك، وكتبة الحديث كخزان الملك، وأهل القرآن كحفاظ الذخائر ونفائس الأموال، والفقهاء بمنزلة الوكلاء للملك، إذ الفقيه (يوقِّع) عن الله، وعلماء الأصول كالقواد وأمراء الجيوش، والأولياء كأركان الباب، وأرباب القلوب وأصحاب الصفاء كخواص الملك وجلسائه.
فشغل قومًا بحفظ أركان الشرع، وآخرين بإمضاء الأحكام، وآخرين بإمضاء الأحكام، وآخرين بالرد على المخالفين، وآخرين بالأمر المعروف والنهي عن المنكر).
وروى أبو بكر البزار من حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ أن
стр. 6
النبي- ﷺ قال: (إني لأعرف ناسًا ما هم أنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء بمنزلتهم يوم القيامة، الذين يحبون الله تعالى، ويحببونه إلى خلقه، يأمرونهم بطاعة الله، فإذا أطاعوا الله أحبهم الله).
وروى الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي- ﵀ في كتابه- الحجة على تارك المحجة نحوه من حديث يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك مرفوعًا: "ألا أخبركم بأقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء؟ يغبطهم يوم القيامة النبيون والشهداء بمنازلهم من الله- على منابر من نور، يعرفون عليها قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: قومٌ يحببون عباد الله إلى الله- تعالى- ويحببون الله إلى عباده، يمشون (على) الأرض نصحًا فقال: هذا يحبب الله إلى عباده، فكيف يحببون عباد الله إلى الله- تعالى-؟ قال: يأمرونهم بما يحب الله- وينهونهم عما يكره الله، فإذا أطاعوا أحببهم الله- ومن هذه الطائفة التي بهذا الوصف تذكر، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر فلا يزال في كل عصر طائفة قائمين لله بالحق داعين بهممهم الخلق، منحوا بحسن المتابعة رتبة الدعوة، وجعلوا للمتقين قدوة قد ظهرت في الخلق آثارهم، وأشرقت في الآفاق أنوارهم، من اقتدى بهم اهتدى، ومن خالفهم عن طريق الحق واعتدى، تالله ما اهتم بالخلاص، إلا أهل التقى والإخلاص. أيامهم بالأمر بالمعروف زاهرة، ودولتهم بالنهي عن المنكر قاهرة، قد باعوا عرض الدنيا بجوهر الآخرة، فأسبغ عليهم مولاهم نعمة باطنة وظاهرة".
قال الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد البرتي: حدثنا أبو حذيفة هو موسى بن مسعود النهدي قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن (بن) الحضرمي قال: أخبرني من سمع النبي- ﷺ يقول: (إن في آخر أمتي قومًا يعطون من الأجر مثل ما لأولهم ينكرون المنكر) ورواه حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة، عن عطاء بنحوه.
ورواه الشيخ أبو الفتح نصر- في كتاب الحجة- من حديث طاهر بن الفضل قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب فذكره.
فمن أنكر منكرًا، وبذل فيه جهدًا، وأخلص لله- تعالى- قصده، كان من آخر الصدر الأول عارفًا- كما تقدم في الحديث- آنفًا.
стр. 7
وفي جامع الترمذي بعبارة مستعذبة المعاني وإشارة مستغربة المباني من حديث أنس- ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : (مثل أمتي مثل المطر لا يدري آخره خير أم أوله).
ورواه أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي- في مسند الشهاب- من حديث ابن عمر.
ورواه الإمام أحمد من حديث عمار بن ياسر مرفوعًا بتقديم (أوله) على (آخره) قال ذلك- ﷺ مبهمًا بقوله: (لا يدري). ثم صرح بذكر الأول والآخر، ولم يذكر الوسط.
قال بعض العلماء: فإن قيل: فما وجه كون الحديث مشعرًا بمشابهة آخر الأمة أولها في الخير، مع ما ثبت في الأحاديث المشهورة في تفضيل صدر هذه الأمة على من بعدهم كقوله: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم) وقوله: (فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصفيه).
ثم ما صرح به القرآن من تفضيلهم في غير ما آية كقوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون ..... ﴾ الآية. وقوله: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ...... ﴾ الآية. إلى غير ذلك فالجواب أن الأحاديث كلها صحيحة مقبولة لا تناقض فيها، إذ كل منها ورد على حال خاصة ووصف خاص، وجملتها تدل على فضيلة هذه الأمة، وشرفها عند الله- .
أما قوله: (لا يدري آخره خير أم أوله) أبهم القول فيه، لعلمه بما يكون من الأخيار والسادات من الأبرار، في آخر الزمان من أمته، وأنه يكون فيهم من يلحق بأولها في فضله وفضيلته، من جهة من جهات أعماله ومجاهداته، وثوابه و (إن) لم يدرك ما فاته من فضيلة تقدمهم إياه، وسبقهم بصحبة المصطفى- ﷺ فقال: (لا يدري) أي بالرأي والاستنباط بل بما أخبر به من الغيب، ليشمر المشمرون في كل زمن إلى الجد، وطلب سنن من تقدم. والمعنى الآخر وهو أن لا ييأس أحد من توفيق الله وفضله، الذي لا يقف على زمن بعينه أن يوصل من شاء من متأخري هذه الأمة في آخر أمرها فضل من تقدمها.
وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة، لما بعثه خالد بن الوليد بشيرًا إلى رسول الله- ﷺ يوم مؤتة في آخره (فبكى) أصحاب رسول الله- ﷺ وهم حوله. فقال
стр. 8
وما يبكيكم؟ قالوا: قتل خيارنا وأشرافنا فقال: (لا تبكوا فإنما مثل أمتي مثل حديقةٍ قام عليها صاحبها، فحلق سعفها، وهيأ مساكبها، فأطعمت عامًا فوجًا، وعامًا فوجًا، فلعل آخرها طعمًا يكون أجودها قنوانًا، وأطولها شمراخًا، والذي بعثني بالحق نبيًا ليجدن ابن مريم في أمتي خلفًا من حواريه).
وفي حديث جبير بن نفير الحضرمي- ﵁ أن رسول الله- ﷺ قال: (ليدركن المسيح من هذه الأمة أقوامًا إنهم لمثلكم أو خير منكم- ثلاث مرات- ولن يجزيّ الله أمةً أنا أولها والمسيح آخرها).
فظهر بما تقدم، أن الأخير قد يساوي الأول مع تجويز أن يفضل قوم من المتأخرين بقوله: (أو خير منكم).
وفي حديث أبي ثعلبة الخشني الآتي في الباب العاشر قوله- ﷺ : (إن من ورائكم أيامًا، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل أجر خمسين رجلًا يعلمون مثل عملكم) قال ابن المبارك: وزادني غير عتبة قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: لا، بل أجر خمسين رجلًا منكم. رواه أصحاب السنن وغيرهم. فانظر وجه الجمع بين هذه المماثلة والتفضيل للمتأخرين في هذين الحديثين. وهي فضيلة القرن الأول، وأنه لا يدرك أحد مُدَّ أحدهم، وذلك أنَّ أصحابه- ﵃ سبقوا الخلق، وفضلوا من بعدهم، بسبقهم في الوجود في زمنه، وبصحبتهم إيَّاه، ورؤيته لا يلحقهم في هذا أحد بنفقةٍ ولا عمل، لقوله: ﴿والسابقون الأولون﴾.
كما روى مسلم، وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد) يعني أن هذا أمر فرحتم بسبقه، فلم يعنه بقوله مما ذكر في الأحاديث الأخر من مساواة الآخرين لهم، أو فضلهم، بل أراد أن الآخرين يساوون الأولين في الأعمال وثواب الطاعات والمجاهدات (والأفعال) ألا تسمعه كيف قال: (ثواب العامل
стр. 9
منكم)؟ فبان أن الأولين فضلوا بالصحبة والسبق لكن يساويهم الآخرون، أو يفضلونهم في ثواب المعاملة الأجر.
أما وجه المساواة ففيما يأتي في الباب الثالث.
من قوله- ﷺ : (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ). فكما أن الدين كان محتاجًا إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها، وتثبيت الناس على السنة وإظهارها. لكن الفضل للمتقدم كالزرع الذي يحتاج إلى المطر الأول والمطر الثاني لكن العمدة الكبرى على الأوَّل.
قال بعض العلماء: فعمل المتأخرين في غربة الإسلام عملًا أخرًا يوازي عمل الأولين في غربة الإسلام أولًا لاستواء مجاهدتهم، وقلة عددهم ومساعديهم.
ووجه فضل المتأخرين في غربة الإسلام أخرًا على الأولين، في المجاهدة وأجر العمل والمكان، أن الأولين جاهدوا مع المصطفى- ﷺ (بالإضافة إلى) رؤيته ودعائه، (ومعونته) وتحريضه وشفقته- فكان لهم- بذلك- أقوى عدد ومدد لم يكن للمتأخرين وكانت مجاهدتهم أعظم، ومعاناتهم أتم وأبلغ فكان أجرهم أزيد وأكثر.
وقد روى الطبراني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه- ﷺ قال لأصحابه: (أيُّ الخلق أعجب إيمانًا! قالوا: الملائكة قال: وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم، قالوا: فالأنبياء. قال: وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم قالوا: فنحن قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ! قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني).
وروى الإمام أحمد، وغيره من حديث أبي أمامة مرفوعًا. (طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى لمن آمن بي ولم يرني. ثلاث مرات).
وبسنده، عن أبي محيريز قال: قلت لأبي جمعة رجل من الصحابة: حدثنا حديثًا
стр. 10
سمعته من رسول الله- ﷺ قال نعم أحدثكم حديثًا جيدًا: تغذينا مع رسول الله- ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقال يا رسول الله: هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك قال: (نعم قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني).
يشير- في هذه الأحاديث- إلى فضل أيام المتأخرين مع قلة مددهم، فالآمر بالمعروف الناهي عن المنكر في زماننا، قائم بالركن الأعظم في الدين، والمهم الذي ابتعث الله به جميع المرسلين، لأن عليه مدار أمر الدين، وبأسبابه أنيطت منازل الكونين.
وقد روى الترمذي وغيره من حديث عمرو بن ميمون الأودي أنَّ رسول الله- ﷺ قال لبلال بن الحارث يومًا: (اعلم يا بلال، قال: ما أعلم؟ قال: اعلم أنَّ من (أحيا) سنةً من سنتي لأميتت بعدي كان له من الأجر مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا).
وروى- أيضًا- بسنده عن أنس بن مالك- ﵁ أن رسول الله- ﷺ قال له: (يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل، ثم قال: يا بين وذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحياني ومن أحياني كان معي في الجنة).
وقال: حديث حسن غريب. فهذا أتم شرف وأكمل فضل أخبر به- ﷺ في حق من أحيا سنته.
وروى البيهقي في كتاب المدخل من حديث حمزة بن الحسن عن محمد بن عجلان القرشي عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : (القائم بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد).
وروى الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي، من حديث عبد الحميد بن عبد العزيز بن أبي داود عن أبي جعفر رفعه قال: قال رسول الله- ﷺ : (من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد).
стр. 11
ورواه البيهقي من حديث ابن عباس، من رواية الحسن بن قتيبة.
ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة- بإسناد لا بأس به- إلا أنه قال: (فله أجر شهيد) وسيأتي- في الباب الثالث- من رواية الترمذي، عن كثير بن عبد الله لن عمرة عوف، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "إن الدين بدأ غريبًا، ويرجع غريبًا، فطوبى للغرباء".
وهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي إلى غير ذلك من الألفاظ. فلما ذكر ﷺ عود غربة الإسلام فضل أهلها بقوله: فسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء، فخص الآخرين من غرباء الإسلام بطوبى لصعوبة الأمر عليهم وشدة المعاناة في حفظ الدين لهم. كما قال: في آخر زمنهم: ( .... المتمسك فيه بدينه كالقابض على الجمر .... ).
والمقصود أنَّ الفساد في زماننا قد اتسع خرقه، وأظلم فقه بإفشائه وإشهاره، ومداهنة بعض الناس في إنكاره. وأطم المصائب، وأعظم المعائب، وأرذل الخصال، وأوضع المراتب أخذ المال السحت على الإقرار عليه، وحماية فاعله من أن يتوصل بالإنكار إليه، فلا حول ولا قوة إلا بالله ولا نعتمد في كراهة ذلك على سواه.
أي ركن وقد وهى؟ وأي نور للأمة قد ذهب واختفى، مذ رفع بساط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المألوف.
وقد قال أبو حامد الغزالي- ﵀: "ولو طوى بساط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأهمل عمله تعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفتن، وفشت الضلالة وشاعت الجهالة، وانتشر الفساد، واتسع الخرق وخربت البلاد. وهلك الصالح بطالح العباد، وإن لم يشعروا به إلى يوم التناد. وقد كان الذي خفنا أن يكون. فإنا لله وإنا إليه راجعون، إذ (اندرس) من هذا القطب عمله وعلمه، وانمحقت- بالكلية- حقيقته ورسمه. واستولت على القلوب- مداهنة الخلق، وانمحقت عنها مراقبة الخالق. واسترسل الناس في إتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعز- على بساط الأرض- مؤمن صادق. لا تأخذه في الله لومة لائم".
فهذا قول- أبي حامد- في زمانه، وفيه؟ ؟ ؟ ؟ ؟ الغفير من أقرانه. فما الظن بهذا الزمان وقد تمكن من غالب أهله الشيطان، وفشت فيهم المنكرات الجليلات، وظهرت عليهم ملازمة الحفيرات، وصار تعاطي ذلك بينهم مألوفًا، وعدم الإنكار عليهم معروفًا، وعاد الإسلام غريبًا كما بدأ غريبًا. والمنكر للمنكر الآمر بالمعروف طريدًا، والساكت المتخلي
стр. 12
حبيبًا. وعظمت الخطوب والعظائم، ولم يبق إلا القليل ممن لا تأخذه في الله لومة لائم فظل- بذلك- علم الدِّين مندرسًا، ومنار الهدى- في أقطار الأرض- منطمسًا، وأصبح بين الخلق مطويًا، وبات نسيًا منسيًا. فما أقرب الساكتين عن المنكر من فاعليه وما أبعدهم من ذوق حلاوة الإيمان وما فيه، وما أحقهم بلزوم هذه الآية الشريفة الشريفة التي تظهر للناس سريرتهم قوله- تعالى-: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوأدُّون من حادَّ الله ورسوله ول كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ فمن سعى في تلافي هذه الفتن المستمرة، وسد تلك الثلمة المستقرة، فقد جدد السنة الفاخرة، ناهضًا بإحياء معالمها الداثرة، (لأن معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل والتجارب ومعظم الشرائع، إذا لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان، وعن غيره محمود حسن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وأن (درء) أفسد المفاسد فأفسدها مقصود حسن. وأن تقديم المصالح الراجحة على المفاسد المرجوحة محمود حسن. وأن درء المفاسد الراجحة عن المصالح المرجوحة محمود حسن.
واتفق العلماء على ذلك. كما قال الإمام الحبر عز الدين بن عبد السلام. ثم قال: واعلم أن أكساب العباد ضربان.
أحدهما: ما هو سبب المصالح وهو أنواع: أحدها ما هو سبب لمصالح دنيوية والثاني ما هو سبب لمصالح أخروية والثالث ما هو سبب لمصالح دنيوية وأخروية. وكل هذه الأكساب مأمور بها، ويتأكد الأمر بها على قدر مراتبها في الحسن والرشاد.
الضرب الثاني: من الإكساب: ما هو سبب المفاسد وهو أنواع أحدها: ما هو سبب لمفاسد دنيوية، الثاني: ما هو سبب لمفاسد أخروية. الثالث: ما هو سبب لمفاسد دنيوية وأخروية وكل هذه الأكساب منهي عنها، ويتأكد النهي عنها على قدر مراتبها في القبح والفساد) انتهى. والله أعلم.
فلما شاهدت نقص الدين بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ملمًا، قصدت جمع كتاب- يفصل ذلك والتحريض عليه- مهمًا. وذلك بعد استخارة الله وسؤاله أن يصحبني توفيقًا، ويفتح- لي إلى ذلك المنهج- طريقًا، لأن أولى ما انصرفت إليه عناية ذوي الهمم، وأحق ما اهتدى بأنواره في غياهب الظُّلم، وأنفع ما استدرت به صنوف النعم. وأمتع ما
стр. 13
استدرئت به صروف النقم ما أمر الله- تعالى- به في كتابه العظيم، وفيه رغب رسوله الكريم، وجنح إليه المرسلون والأنبياء، وعول عليه الصالحون والأولياء، فهممت بتلخيصه للنفع العاجل، والأجر المدخل الآجل.
وحركت الإدارة الرحمانية العزمة الصارمة المحمدية، لأن من علم شرف المطلوب جد وعزم، وإنما يكون الاجتهاد على قدر الهمم، فشرعت في ذلك طلبًا لما هناك، معرضًا على الإطالة، خوف السآمة والملالة.
وسميته "بالكنز الأكبر في الأمر المعروف والنهي عن المنكر". وجعلته عشرة أبواب معتمدًا في إنجازه على الكريم الوهاب.
الباب الأول: في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان فرضيتهما، وبيان ذم تارك ذلك، وتأكيد الإثم على من صد عنه.
الباب الثاني: في بيان أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشروطه، ودرجاته، ومراتبه.
الباب الثالث: في بيان طبقات الناس من الآمرين والمأمورين والمتخلفين، وأن القائمين- بذلك- بين أهل الفساد- من الغرباء المكروهين.
الباب الرابع: في بيان ما يستحب من الأفعال والأقوال والأحوال في (الأمر) بالمعروف والنهي عن المنكر.
الباب الخامس: في بيان ما يكره من الأقوال والأفعال والأحوال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الباب السادس: في بيان ما يسقط به وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يندب من التخلي عن ذلك في غالب الأحيان وأكثر الأزمان.
الباب السابع: في عد الاشتراط للآمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون سليمًا من المعصية، وأن ذلك غير مختص بولاة الأمور. وفيه فصل ذكر شيء من المنكرات المألوفة من الناس.
الباب الثامن: في الحث على إقامة الحدود، وبيان تحريم تعطيلها بشفاعة وغيرها إذا اتصلت بولي الأمر.
الباب التاسع: في فضل الإصلاح بين الناس، واستجاب معونتهم على البر والتقوى.
стр. 14
الباب العاشر: في خاتمة الكتاب، ويشتمل على أربعة فصول معرفات تزيل الاكتئاب وبها يتم قصدته من جمعه، وأردته من تهذيبه ووضعه- والله الموفق لإتمامه وإكمال أمره وإبرامه.
وسيأتي فصول منكرات في بعض الأبواب، تمكن من نيل المقصود من فحوى الخطاب. على سبيل الاختصار، وسلوك طريق الإنجاز والاقتصاد، لأن الإطناب يوجب الضجر، والاختصار يبعث القرائح والفكر، فليس للناظر فيه أن يفهمه بما عداه، أو يعارضه بشيء المراد منه سواه، بل يمعن النظر في ذلك بعقل مجرد عن الأهواء، وقلب مشحون بالبر، فرب كنز ناله فقير، وكم من فضل فاز به صغير. والعبد معترف بالتقصير عن هذه المنزلة الشريفة، والعجز التام عن إدراك تلك المرتبة المنفية خائف أن لا يقوم بالقصد المطلوب، ولا يأتي بالمطلب المرغوب، لكن المرجو من فضل الرحمن تيسير ذلك بإخلاص، وجزيل النفع للعام والخاص، جبرًا منه لعبده، وإحسانًا بكرمه ورفده، إنه سميع الدعاء، واسع العطاء، قد عمر بره وعمر خيره- تبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره.
стр. 15
الباب الأول: في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان فرضيتهما . وذم تارك ذلك وتأكيد الإثم على من صد عنه. قال الله تعالى وجل ذكره وتقدست أسماؤه التي عجز عن حصرها العالمون ﴿ولتكن منكم أمَّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾. وقال تعالى إخبارًا عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم ﴿كنتم خير أمَّةٍ أخرجت للنَّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾. وقال عز من قائل: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمَّةٌ قائمةٌ يتلون آيات الله أنآء الَّليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الأخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسرعون في الخيرات وأولئك من الصَّالحين﴾. وقال تعالى: ﴿لا خير في كثير من نَّجواهم إلَّا من أمر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاح بين النَّاس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾. وقال : ﴿يا أيُّها الَّذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾. وقال جلت عظمته: ﴿يا أيُّها الَّذين آمنوا كونوا قوَّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنَّكم شنئان قومٍ على ألاَّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتَّقوا الله إنَّ الله خبير بما تعملون﴾.
وقال أصدق قائل: ﴿لولا ينهاهم الربَّانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون﴾.
وقال سبحانه- واصفًا لعباده القائمين لنصرة دينه، ومثنيًا عليهم بكل خير جسيم: ﴿يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾.
стр. 16
وقال تعالى- توبيخًا لقوم يجهلون، وتقريعًا لمن بعدهم يخلفون: ﴿لعن الَّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾.
وقال- عز من قائل- مخاطبًا كليمه موسى بن عمران، واصفًا لحبيبه المبعوث من عدنان حيث نوه بذكر صفاته الظاهرات: ﴿الَّذين يتَّبعون الرَّسول النَّبي الأمّيَّ الَّذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التَّوّراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلُّ لهم الطيِّبات﴾. وقال تعالى: ﴿ومن قوم موسى أمَّةٌ يهدون بالحق﴾.
وقال- سبحانه- منوهًا بنجاة الناهين عن المنكر من العذاب لعلهم يستبقون ﴿وإذ قالت أمَّةٌ منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرةً إلى ربِّكم ولعلَّهم يتَّقون فلمَّا نسوا ما ذكروا به أنجينا الَّذين ينهون عن السُّوء وأخذنا الَّذين ظلموا بعذاب بئس بما كانوا يفسقون﴾.
وقال- تعالى- مبينًا صفات المنافقين، ومعرفًا أخلاق الفاسقين، أنهم ينهون عن المعروف ويأمرون بالمنكر المألوف، فأراد- سبحانه- بذلك أن يخزيهم بقوله: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم مِّن بعضٍ يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم﴾.
ثم (جلَّى) - تعالى- أوصاف عباده المؤمنين والمؤمنات، وأوردها بأكمل المعاني، وأحسن العبارات، حيث افتتحها بالأمر بالمعروف، إذ كان المؤمن بها أجمل منعوت وموصوف. فقال من لا إله سواه: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله﴾.
وقال- ﵎ في السورة التي ذكرنا فيها فضله ومنَّه: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنَّة﴾.
ثم ذكر- سبحانه- أوصاف هؤلاء السادة، ليبادر الفائزون إلى التحلي بها فينالوا مراده. فقال- وهو خير المحسنين-: ﴿التَّائبون العابدون الحامدون السَّائحون
стр. 17
الرَّاكعون السَّاجدون الآمرون بالمعروف والنَّاهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾.
وقال- : ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقيَّة ينهون عن الفساد في الأرض إلَّا قليلًا ممَّن أنجينا منهم واتَّبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين﴾.
ثم تولى الله- سبحانه- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنفسه الشريفة، ونظم ذلك منبهًا عليه فذ هذه الآية اللطيفة فقال- مفهِّمًا ومعلِّمًا لقوم يعقلون-: ﴿- إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلَّكم تذكَّرون﴾.
ووعد- تعالى- عباده القائمين بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتأييدهم ونصرتهم على أهل الفساد بعد تعظيم الأجور فقال: ﴿ولولا دفع النَّاس بعضهم ببعض لهَّدِّمت صوامع وبيعٌ وصلواتٌ ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرنَّ الله من ينصره إنَّ الله لقويٌ عزيزٌ الذَّين إن مَّكَّنَّهم في الأرض أقاموا الصَّلاة وآتوا الزَّكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾.
وقال- تعالى-: ﴿وجاهدوا في الله حقَّ جهاده هو اجتباكم﴾.
ثم أمر- سبحانه- بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم بالصبر عليه على لسان عبده لقمان الحكيم حين وصى لابنه دلالة على استباق الخيرات والأجر الموفور.
حيث قال: ﴿يا بني أقم الصلاة أمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إنَّ ذلك من عزم الأمور﴾.
وقال- تعالى-: ﴿والعصر إنَّ الإنسان لفي خسرٍ إلَّا الذَّين آمنوا وعملوا الصَّالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصَّبر﴾.
стр. 18
فصل- ١ - : حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين أم فرض كفاية
أما قوله- : ﴿ولتكن منكم أمَّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾.
فقال جماعةٌ من أهل التفسير: الأمر متوجه إلى من توجه الخطاب عليهم وهم الأوس والخزرج وأمره- سبحانه- لهم بذلك أمر لجميع الأمة ومن تابعهم إلى يوم القيامة، فهو من الخطاب الخاص الذي يراد به العام.
واللام في قوله (ولتكن) لام الأمر. و (من) - هنا- صلةٌ ليست للتبعيض.
كقوله- تعالى-: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾.
وقال أبو إسحاق الزجاج: (من) هنا- لبيان الجنس فيكون متعلق الأمر- أيضًا- جميع الأمة، يدعون جميع العالم إلى الخير- الكفار إلى الإسلام، والعصاة إلى الطاعة- فظاهر هذا يشعر بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين فيكون معنى الآية: كونوا كلكم أمةً يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وقال جماعةٌ: معنى قوله: (أمة) أي أئمة فتكون (من) هنا للتبعيض أي أئمة منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الدعاء إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يصلح إلا لمن (علم) المعروف والمنكر وكيف يرتب الأمر في إقامته. وكيف يباشر ذلك الأمر.
(لأن) الجاهل ربما أمر بمنكر ونهي عن المعروف. وقد يغلظ في موضع اللين، أو يلين في موضع التغليظ، فعلى هذا يكون متعلق الأمر ببعض الأئمة وهم الذين يصلحون لذلك وهذا يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية. وهو قول الجمهور كما سيأتي:
قوله: ﴿يدعون إلى الخير﴾ هو عام في جميع التكاليف، فدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيره من الطاعات. ثم جيء بالخاص، إعلامًا بفضله وشرفه. فقال: ﴿ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ كقول الله- تعالى-: ﴿وجبريل وميكال﴾ وقوله:
стр. 19
﴿والصَّلاة الوسطى﴾ وقوله: ﴿فيهما فاكهةٌ ونخلٌ ورمانٌ﴾ وقوله في الحديث: (كان- ﷺ يحب الحلوى والعسل وما يشابه ذلك).
وقوله: ﴿ويأمرون بالمعروف﴾ فالأمر ضد النهي. المره منه (أمره) بالفتح، والجمع (أوامر) يقال: (أمور) بكذا على فعول. والنهي خلافه.
يقال: (نهاه) (ينهاه) (نهيًا) (فانتهى) و (تناهى) أي كف. وهو (نهوٌّ) و (النُّهية) الاسم منه. و (تناهوا) أي نهي بعضهم بعضًا.
و(المعروف) طاعة الله قاله أبو سليمان الداراني.
وقال الراغب: المعروف كل ما يستحسنه العقل. وأما المنكر فهو: معصية الله. وقيل: كل ما يستقبحه العقل وينكره. وقبل: المعروف خدمة الحق، والمنكر صحبة النفس. وقيل: المعروف إيثار حق الحق، والمنكر اختيار حظ النفس. وقيل: المعروف ما يزلفك إليه، والمنكر ما حجبك عنه.
وقوله: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ جعل سبحانه- الفلاح منوطًا بذلك يعني المتصفين بما تقدَّم هم الناجون الفائزون فازوا بالجنة ونجوا من النار.
وقيل: الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا. قاله ابن عباس. وقيل: الفلاح بمعنى البقاء أي الباقون في النعيم المقيم المقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة.
فمن اتصف من الأمة بهذه الصفات دخل معهم في الثناء والمدح لهم.
كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب في حجة حجها رأى من الناس نزغة فقرأ هذه الآية: ﴿كنتم خير أمَّةٍ أخرجت للنَّاس﴾ قال: من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها. رواه محمد بن جرير.
ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله: ﴿كانوا لا يتناهون عن مُّنكرٍ فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾.
стр. 20
في الآية إشارة إلى (أقوام) قاموا بالله لله، لا تأخذهم لومة لائم، وقفوا على دلالات أمره، واستغرقوا أعمارهم في تحصيا رضاه، عملوا لله، ونصحوا لدين الله، ودعوا خلق الله إلى الله. فربحت تجارتهم، وما خسرت صفقتهم.
ثم قال- تعالى- بعد ذلك: ﴿ولا تكونوا كالَّذين تفرَّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيمٌ﴾ نهى سبحانه هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضين في تفرقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهؤلاء أقوام أظهر- سبحانه- عليهم في الابتداء رقوم الطلب ثم وسمهم في الانتهاء بكيِّ الفرقة، فباتوا في سلك الأحباب، وأصبحوا في زمرة الأجانب. والله أعلم.
فصل- ٢ - : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين أم فرض كفاية
وأما قوله- تعالى-: ﴿كنتم خير أمَّةٍ أخرجت للنَّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾.
(فقال عكرمة، ومقاتل: نزلت في ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة.
وذلك أن مالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا اليهوديين.
قالا: نحن أفضل منكم، وديننا خير مما تدعونا إليه فأنزل الله هذه الآية).
[وقال ابن عباس: هم الذين هاجروا مع النبي- ﷺ إلى المدينة وقال الضحاك: هم أصحاب محمد- ﷺ خاصة الرواة الدعاة، الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم.
وقال الحسن البصري، ومجاهد، وجماعةٌ: الخطاب لجميع الأمة بأنهم خير الأمم- ويؤيد ذلك كونهم شهداء على الناس. وقوله- ﷺ : (نحن الآخرون السابقون ..... ) الحديث].
стр. 21
وقال قتادة: أمة محمد- ﷺ لم يؤمر نبي قبلهم بالقتال. فهم يقاتلون الكفار، ويدخلونهم في دينهم وهم خير أمة أخرجت للناس.
وفي جامع الترمذي وغيره من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده (معاوية بن حيدة) ﵁ أنه سمع النبي- ﷺ يقول في قوله- تعالى-: ﴿كنتم خير أمَّةٍ أخرجت للنَّاس﴾ قال: (أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله- تعالى-)
قال الترمذي: حديث حسن.
ورواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم بغير ذكر الآية. وقال: (موفون فهم خير الأمم) والله أعلم.
قوله- تعالى-: ﴿كنتم خير أمَّةٍ﴾ هو الخير، ولا يراد بها هنا الدالة على مضي الزمان.
وقال مجاهد: كنتم خير أمة أخرجت للناس على الشرائط المذكورة.
فعلى هذا يكون المعنى: كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله. فبدأ سبحانه- بذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل ذكر الإيمان تأكيدًا على المؤمنين فلا يتم المؤمنين إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وقته معاينته لا يسعهم التخلف عنه.
وقال قوم: قوله (للناس) من صلة قوله: خير أمة، أي أنتم خير الناس للناس.
وفي صحيح أبي عبد الله البخاري من حديث أبي هريرة- ﵁ موقوفًا في قوله- تعالى-: ﴿كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس﴾ قال: "خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام". وهكذا.
قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والربيع بن أنس، وعطية العوفي: ﴿كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس﴾ يعني: خير الناس للناس والمعنى. أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس.
стр. 22
وروى البخاري من حديث أبي هريرة- ﵁ أيضًا- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: (عجب الله- من قوم يدخلون الجنة في السلاسل) ورواه أحمد، وأبو داود ولفظهما: "عجب ربنا من قومٍ يقادون إلى الجنة في السلاسل".
"رواه البخاري- أيضًا ..... ".
وروى الإمام أحمد نحوه من حديث أبي أمامة- ﵁ قال: استضحك رسول الله- ﷺ فقيل: ما يضحك؟ قال: "قوم يساقون إلى الجنة مقرنين في السلاسل".
وفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث سهل بن سعد الساعدي- ﵁ قال: كنت مع النبي- ﷺ بالخندق فأخذ الكرز مني فحفر به فصادف حجرًا فضحك قيل: ما يضحك يا رسول الله؟ قال: (ضحكت من ناس يؤتي بهم من قبل المشرق في الكبول يساقون إلى الجنة).
(الكرز) بفتح الكاف وهو الفأس و (الكبول) بالضم القيود. واحدها كبل بفتح أوله وإسكان الموحدة. قاله أهل اللغة.
قال جماعة من المفسرين: كان- في الآية- هي التامة فيكون المعنى: خلقتم ووجدتم خير أمة وقيل كان هنا زائدة فيكون المعنى: أنتم خير أمة وقيل المعنى كنتم في علم الله- تعالى- وقيل: في اللوح المحفوظ. وقيل: فيما أخبرت به الأمم قديمًا عنكم فالأمم إذا فضلوا أمة أية أمة كانت هذه الأمة خيرها وأخرجت أبرزت. والله أعلم.
قوله: ﴿تأمرون بالمعروف﴾ وهو كل ما يؤمر به شرعًا ﴿وتنهون عن المنكر﴾ وهو كل ما ينهى عنه شرعًا.
قال المفسرون: هذا كلام أخرج مخرج الثناء من الله- تعالى-.
والمدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك، واتصفوا به، فإذا تركوا الأمر بالمعروف وتواطئوا على المنكر، زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذم وكان سببًا لهلاكهم.
قال المفسرون: فهذا يدل على أن فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ بين
стр. 23
أنهم كانوا خير أمة فكذلك إن لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر كانوا شر أمة وقيل إنما صارت أمة محمد ﷺ خير أمة لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى.
وقال بعض العلماء: قدم سبحانه في هذه الآية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان، لأن الإيمان مشترك بين جميع الأمم، فليس هذا هو المؤثر لحصول هذه الزيادة، بل المؤثر كونهم أقوى حالًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما الإيمان شرط. والله أعلم.
فصل- ٣ - : دليل كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفعال الصالحين وخلال المتقين
وأما قوله- تعالى-: ﴿- ليسوا سواء مِّن أهل الكتاب أمَّةٌ قائمةٌ يتلون آيات الله أناء الَّليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الأخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسرعون في الخيرات وأولئك من الصَّالحين﴾.
قال المفسرون: (الواو في (ليسوا) هي لأهل الكتاب السابق ذكرهم في قوله: ﴿ ..... ولو آمن الكتاب لكان خيرًا لهم منهم المؤمنون أكثرهم الفاسقون ..... ﴾ الآيات.
و(سواء) خبر ليس فالمعنى: ليس أهل الكتاب مستويين، بل منهم من آمن بكتابه وبالقرآن ممن أدرك شريعة الإسلام، أو كان على استقامة فمات قبل أن يدركها.
(فغاير سبحانه بين أهل الكتاب كما غاير بين النور والظلام مغايرة تضاد).
وقوله: ﴿مِّن أهل الكتاب أمُّةٌ قائمةٌ﴾ مبتدأ وخبر وهم أهل القرآن ومعنى (قائمة) مستقيمة.
وقال: مجاهد، والحسن، وابن جريج: عادلة.
وقال ابن عباس: مهتدية قائمة بأمر الله لم يضيعوه ولم يتركوه.
وقال قتادة والربيع بن أنس قائمة على كتاب الله وحدوده مهتدية.
стр. 24
وقال السدي قانتة مطيعة.
فأثبت منافاة بين أحوال الأولياء أحوال الأعداء، فكيف يستوي الضياء والظلمة، واليقين والتهمة، والوصلة والفرقة، والبعاد والألفة، والمعتكف على البساط والمنصرف عن الباب. هيهات لا يلتقيان ومتى يتفقان أو يستويان).
ثم وصف- سبحانه- الأمة القائمة بأنها تالية آناء الليل ممدود الأول والآخر أي ساعاته وعبر بالتلاوة في ساعات الليل عن التهجد بالقرآن ﴿وهم يسجدون﴾ لأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فالمعنى أن تلك التلاوة كانت في صلاة وقيل: أريد بالسجود الخشوع والخضوع وظاهر قوله: ﴿آناء الليل﴾ جميع ساعاته فيبعد صدور ذلك أعني التلاوة والسجود من كل شخص، وإنما يكون ذلك من جماعة، لأن بعض الناس يقوم أول الليل، وبعضهم يقوم آخره وبعضهم بعد هجعه ثم يعود إلى نومه فيأتي من مجموع الليل وجماعات الناس استيعاب ساعات الليل بالقيام.
قوله: ﴿يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ أي بكل ما يجب الإيمان به (ويأمرون بالمعروف) قال ابن عباس: بتوحيد الله ﴿وينهون عن المنكر﴾ أي الشرك.
وقال الزجاج: بإتباع النبي- ﷺ وينهون عن نقض ميثاقه فلم يشهد لهم- سبحانه- بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قوله: ﴿ويسارعون في الخيرات﴾ أي ﴿يبادرون فيها﴾ خوف الفوت بالموت.
وقيل: يعملونها غير متثاقلين فيها. ﴿وأولئك من الصالحين﴾ يعني أولئك الموصوفون بتلك الأوصاف الستة في الآية من الذين صلحت أعمالهم عن الله تعالى- وهذه أعلى المنازل.
قال الله تعالى حكاية عن نبيه، وابن نبيه سليمان بن داود ﵉: "وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين".
فقد ثبت بذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفعال الصالحين وخلال عباد الله المتقين. والذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية كما ذكر غير واحد من العلماء والله أعلم.
стр. 25
فصل- ٤ - : دليل كون الأمر بالمعروف من أخص الأعمال الصالحة المتقبلة عند الله تعالى
وأما قوله: ﴿لا خير في كثير من نَّجواهم إلَّا من أمر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاح بين النَّاس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾.
فقال مجاهد: هذه الآية عامة في حق جميع الناس.
(فالنجوى) السر بين اثنين تقول: (ناجيت) فلانًا (مناجاة) وهي المسارة مصدر. وقيل: النجوى- (هاهنا) الرجال المتناجون وقد تسمى به الجماعة كما يقال قوم (عدل) ورضى و (من) في موضع رفع أي: لكن من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ففي نجواه خير.
وقيل: النجوى ما ينفرد بتدبير قوم سرًا أو جهرًا فيكون المعنى: لا خير في كثير مما يدبرونه بينهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس.
وقال أبو إسحاق الزجاج وجماعة: النجوى كلام الجماعة المنفردة أو الاثنان كان ذلك سرًا أو جهرًا. وقوله (أمر) أي دعا إلى ذلك وحث عليه.
والصدقة على قسمين: صدقة على النفس وصدقة على الغير، فالصدقة على النفس حملها على أداء حقوق الله- تعالى-، ومنعها عن مخالفة أمره وتقصير يدها عن أذية الخلق، وصون (خواطرها) وعقائدها عن السوء للناس.
وأما الصدقة على الغير فصدقة بالمال وصدقة بالقلب، وصدقة بالبدن، فالصدقة بالمال بإنفاق النعمة، والصدقة بالبدن بالقيام لهم بالخدمة، والصدقة بالقلب: بحسن النية وتوكيد الهمة.
(والمعروف كل حسن في الشرع قال- ﷺ : (كل معروفٍ صدقة) ومن ذلك إنجاد المسلمين وإسعادهم فيها لهم فيه قربة إلى الله- تعالى- وزلفى لديه).
وقال مقاتل: المعروف عن الفرض. فمن تصدق وأمر بمعروف وأصلح بين الناس فإن لسان فعله أبلغ في الوعظ من لسان نطقه. والفتوة أن يسعى الإنسان لغيره- وقد نفى سبحانه الخير عن تارك ذلك.
стр. 26
ثم قال: ﴿ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله﴾ أي طلبًا لرضاه ﴿فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾ وسيأتي الكلام في الإصلاح بين الناس- في الباب التاسع- إن شاء الله- إن شاء الله- تعالى-.
فصل- ٥ - : تحذير المحتسب (الآمر الناهي) والحاكم من التأثر ببغضه للبعض عند الحكم تفاديًا للظلم
وأما قوله- تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾.
قال المفسرون: (قوامين) مبالغة ليتكرر منكم القيام (بالقسط) وهو العدل فلا تعدلوا عنه يمينًا ولا شمالًا، وألا تأخذكم في الحق لومة لائم ولا يصرفكم عنه صارف. وأن تكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه.
﴿شهداء لله﴾ أي: في شهادتكم لله يعني لذاته ولوجهه ولمرضاته وثوابه- فحينئذٍ- تكون صحيحة عادلة حقًا خالية عن التحريف والتبديل والكتمان. ولهذا قال: ﴿ولو على أنفسكم﴾ أي: إقراره بالحقوق عليها.
وقيل: اشهد بالحق ولو عاد ضر الشهادة عليك.
ثم ذكر الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما، ثم ثنى بالأقربين، إذ هم مظنة المودة والتعصب. أي وإن كانت الشهادة على والديك وأقربائك فلا تراعهم فيها بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكمًا على كل أحد.
وهذه الآية صريحة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دالة على وجوبه حتى على الوالدين والأقربين، وأن يقول الحق على نفسه وعلى الناس أجمعين.
قال أهل التحقيق: نهى الله- تعالى- عن الجور والميل والظلم وأمر العدل وأن المرء لا يقول الحق ولو كان ذلك يعود عليه أو على أعز أهله (بضر)، فإن كلمة الحق مطلوبة، واجبة يقول الحق، ويعمل بالحق وهذا كله مفهوم من هذه الآية.
(شهداء بالقسط) أي بالعدل. (شهداء لله) فالمؤمن أمره حق، وقوله حق، وفعله حق،
стр. 27
ودينه حق، فإن تكلم تكلم بحق وإن أمر أمر بحق، وإن أعطى أعطى حقًا، وإن منع منع بالحق، وإن حكم حكم بعدل وحق.
ولما كان الحق مطلوبًا للمرء وهو من أعظم الأشياء وأفضلها- سأله النبي- ﷺ ربه. فقال: وأسألك كلمة الحق في الغضب (والرضا) فهذه صفة المؤمن.
ثم إن الله- تعالى- حذر من اللي في قول الحق والقيام به وهو التحريف بألفاظ يوري بها عن قوله الحق.
وقال بعض العرفين: القيام لله بالعدل هو بإيفاء حقوقه من نفسك، واستيفاء حقوقه من غيرك، إما بأمر بمعروف أو زجر عن مكروه، أو وعظ بنصح أو إرشاد إلى شرع، أو هداية إلى حق، ومن بقى لله عليه حق لم يباشر خلاصه التحقيق سره. وأصل الدين إيثار حق الحق على حق الخلق، فمن آثر على الله- سبحانه- أحدًا من والد أو ولد أو قريب أو نسيب فهو بمعزل عن القيام بالقسط.
وأما قوله- تعالى- في سورة المائدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ..... ﴾ فمعناه، كونوا قائمين بالعدل، قوالين بالصدق لله لا لأجل الناس. والقيام لله، هو القيام بجميع وظائف الطاعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقو الحق في الغضب (والرضا) - كما تقدم ... وكل ما لله فيه طاعة يلزم المؤمن القيام فيه ولو على نفسه.
وقال بعض العارفين: معنى الآية، لا يعوقنكم حصول نصيب لكم في شيء (عن) الوفاء لنا، والقيام بما يجب عليكم من قنا. كما قيل: من لم يسقط عنه صواعد رغائبه، ولم يمنع منه تراكم شهواته ومطالبه لم يقم لله بحق، ولم يف لواجباته بشرط.
قوله تعالى: ﴿ولا يجرمنَّكم شنئان قومٍ على ألَّا تعدلوا اعدلوا﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم بل استعملوا العدل في كل أحد صديقًا كان أو 'دوًا).
وقال بعض العارفين: معنى الآية لا يحملنكم ضغائن صدوركم على الحلول بجنبات الحيف، فإن مرتع الظلم وبييء، ومواضغ الزيغ مهلكة. ثم قال: (اعدلوا) ولا تكون حقيقة العدل إلا بالعدول عن كل نصيب وحظ والعدل أقرب للتقوى، والجور سبب الردى.
стр. 28
فصل- ٦ - : التحذير من الارتداد عن الدين
وأما قوله- : ﴿يا أيُّها الَّذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبُّهم ويحبُّونه أذلَّةٍ على المؤمنين أعزَّةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لوّمة لائمٍ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾. الارتداد عن الدين هو: الرجوع عن الحق. فأخبر سبحانه عن قدرته العظيمة- أنه من تولى عن نصرة دينه، وإقامة شريعته (فإنه) يستبدل به من هو خير لها منهم وأشد منعةً وأقوم سبيلًا كما قال تعالى: ﴿فإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم﴾.
وقال بعض العارفين: (جعل سبحانه صفة من لا يرتد عن الدين أن يحب الله ويحبه الله وفي ذلك بشارة عظيمة للمؤمنين، لأنه يجب أن يعلم أن من كان غير مرتد فإن الله يحبه، وفيه إشارة دقيقة، فإن من كان مؤمنًا يجب أن يكون لله محبًا، فإذا لم يكن له محبًا فالخطر بصحة إيمانه).
فمحبة الله للعبد إما أن تكون بنحو الرحمة عليه، أو بمعنى (اللطف والإحسان إليه) أو المدح له والثناء عليه. وقيل: تقريبه وتخصيص محله، وقيل غير ذلك.
وأما محبة العبد لله- سبحانه- فهي حالة لطيفة يجدها في قلبه تحمله على إيثار موافقة أمره، وترك حظوظه فيه وإيثار حقوقه- تعالى- بكل وجه.
قال بعضهم: المحبة ارتياح القلب بوجود المحبوب. وقيل ذهاب المحب بالكلية في ذكر المحبوب. وقيل: خلوص المحب لمحبوبه بكل وجه.
ويقال: (المحبة قضية توجب المحبة) (فمحبة) الحق أوجبت محبة العبد قال الله- تعالى-: ﴿يحبهم ويحبونه﴾.
ثم بين سبحانه صفة المحبين فقال: ﴿أذلة على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين﴾ لأن ذلك من صفات المؤمنين الكمل يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه متعززًا على خصمه وعدوه.
كما قال- تعالى-: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ وفي صفته- ﷺ : "الضحوك القتال" فهو ضحوك لأوليائه، قتال لأعدائه، ثم قال- في
стр. 29
وصفهم بالجهاد في سبيله-: (يجاهدون في سبيل الله في نصرة دينه من قتال الكفار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
وقيل: يجاهدون بنفوسهم من حيث استدامة الطاعات وبقلوبهم بقطع المنى والطلبات وبأرواحهم بحذف العلاقات (وبأسرارهم) بالاستقامة على الشهود في دوام الأوقات.
ثم قال: ﴿ولا يخافون لومة لائم﴾ أي لا يردهم عما هم فيه من قتال أعداء الله وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر راد، ولا يصدنهم عنه صاد، ولا لومة لائم، ولا عذل عاذل فلا يخافون في الله لومة لائم.
أي هم صلاب في دينه لا يبالون من لام فيه. فمتى شرعوا في أمر بمعروف أو نهي عن منكر أمضوه، لا يمنعهم اعتراض معترض ولا قول قائل وهذان الوصفان أعني الجهاد والصلابة في الدين نتيجة الأوصاف السابقة من قوله: ﴿يحبهم ويحبونه﴾، لأن من أحب الله لا يخشى سواه. فلا يلاحظون فيه صحبة حميم. ولا يركنون إلى ثناء حكيم وقوله: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾. إشارة إلى أن ما تقدم من الأوصاف التي تحلى بها المؤمن. فذكر سبحانه أن فضل الله يؤتيه من يشاء. أراد: ليس بسابقة بل على سبيل الإحسان منه تعالى لمن أراد الإحسان إليه. ﴿والله واسع﴾ الإحسان والأفضال ﴿عليم﴾ بمن يضع ذلك فيه من عباده ممن يحرمه إياه.
ثم قال سبحانه: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾.
(أي ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ أي المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من إقام الصلاة التي هي من أكبر أركان الإسلام وهي لله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة المحتاجين من الضعفاء والمساكين.
ثم قال- تعالى-: ﴿ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح ومنصور في الدنيا والآخرة).
وقال بعض العارفين: (حزب الله هم الفانون عن حظوظهم، القائمون بالحق لسيدهم ومعبودهم، فمن قام لله بصدق انخنس دونه كل مبطل، وإذا أشرقت شموس أهل الحق أدبرت ظلم المبطلين).
стр. 30
فصل- ٧ - : التحذير من التفريط في الإنكار على فاعل المنكر
وأما قوله- تعالى-: ﴿لولا ينهاهم الرَّبَّانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون﴾.
فقال بعض المفسرين- ﵏: (لولا تخضيض يتضمن توبيخ العلماء والعباد على سكوتهم عن النهب عن معاصي الله- تعالى- والأمر بالمعروف، وبين سبحانه أنهم أثموا بترك النهي).
وقيل: معنى قوله (لولا ينهاهم) أي هلا كان ينهاهم عن تعاطي ذلك (الربانيون) منهم وهم العلماء أرباب الولايات عليهم، (والأحبار) وهم العلماء فقط.
وقيل: الرباني من كان لله وبالله، لم تبق منه بقية لغير الله.
(والإثم) - هنا- سائر الأقوال التي يترتب عليها الإثم.
قال الإمام أثير الدين أبو حيان: (والظاهر أن الضمير في (كانوا) عائد على الربانيين والأحبار، إذ هم المتحدث عنهم والموبخون بعدم النهي عن المنكر).
قال ابن عباس: يعني الربانيين أنهم ﴿بئس ما كانوا يصنعون﴾ يعني في تركهم ذلك وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (قال) لهؤلاء حين لم ينهوا ولهؤلاء حين علموا وروى محمد بن جرير الطبري بسنده عن ابن عباس- ﵄ قال: ما في القرآن أشد توبيخًا من هذه الآية.
وبسنده عن الضحاك (بن مزاحم) أنه قال: (ما في القرآن أخوف عندي منها وروى عن ابن عباس نحوه).
قال بعض العلماء: وكأن المعنى في ذلك أن مواقع المعصية فعلها مع الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها، أما الذي ينهاه فلا شهوة معه إلى فعل غيره فإذا فرَّط في الإنكار كان أشد حالًا من المواقع فظهر بذلك الفرق بين متعاطي الذنب وبين تارك النهي.
стр. 31
فصل- ٨ - : من صور جزاء التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللعن وهو الطرد من رحمة الله
وأما قوله- تعالى-: ﴿لعن الَّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾.
أخبر بأنه- سبحانه- لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل.
قال ابن عباس: لعنوا على عهد موسى في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، وعلة عهد محمد في القرآن.- صلوات الله عليهم أجمعين. لأن التوراة لسان موسى والزبور لسان داود، والإنجيل لسان عيسى، والقرآن لسان محمد.
قال أثير الدين أبو حيان في تفسيره: والظاهر من الآية الإخبار عن أسلاف اليهود والنصارى أنهم ملعونون. وبناء الفعل للمفعول به يحتمل أن يكون الله هو اللاعن لهم على لسان داود وعيسى، ويحتمل أن يكونا هما اللاعنين لهم ولما كانوا يتبجحون بإسلامهم، وأنهم أولاد الأنبياء أخبروا أن الكفار- منهم- ملعونون على لسان أنبيائهم.
واللعن: الطرد من رحمة الله- تعالى-:
وقوله- تعالى-: ﴿ذلك بما عصوا﴾ أي ذلك اللعن كان بسبب عصيانهم وذكر هذا على سبيل التوكيد. ﴿وكانوا يعتدون﴾ يحتمل أن يكون معطوفًا على عصوا أي بكونهم يتجاوزون الحد في العصيان وينتهون إلى أقصى غاياته.
وقوله- تعالى-: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾ ظاهره التفاعل بمعنى الاشتراك أي لا ينهي بعضهم بعضًا عن المنكر، وذلك أنهم جمعوا بين فعل المنكر والتجاهل به وعدم النهي عنه، فإذا فعلت المعاصي جهارًا، وتواطأ الناس على عد الإنكار كان ذلك تحريضًا على فعلها (وسببًا) مثيرًا لإفشائها وكثرتها.
وهذا غاية التشديد، إذ علل استحقاقهم اللعنة بتركهم النهي عن المنكر فمن فعل منكرًا ولم ينه غيره عن فعل منكر (فقد جمع بين معصيتين: معصية فعل المنكر، ومعصية عدم النهي عنه).
стр. 32
وسيأتي في أوائل الباب السابق قول بعض الأصوليين: فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضًا، واستدل بهذه الآية.
قال بعض العلماء- ﵏: فلو لم يكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضًا لما لعنوا أثموا بتركه، لأن تارك النوافل لا يستحق ذلك فمن أمكنه أن يأمر وينهي ولم يفعل- مع قدرته- استحق التعذيب واللعن والمقت بدليل هذه الآية الكريمة.
قال ابن عباس- ﵄: كان (بنو) إسرائيل ثلاث فرق فرقة اعتدوا في السبت، وفرقة نهوهم لكن لم يدعوا مجالستهم ولا مؤاكلتهم، وفرقة لما رأوهم يعتدون ارتحلوا عنهم وبقيت الفرقتان المعتدية والناهية المخالطة فلعنوا جميعًا.
وفي مسند الإمام أحمد- ﵁، وسنن أبي داود الترمذي، وابن ماجه- ﵃ من حديث عبد الله بن مسهود- ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : (لم وقعت (بنو) إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم زاد أحمد: قال يزيد: أحسبه قال: وأسواقهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. وكان رسول الله ﷺ متكئًا فجلس فقال: لا، والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا).
هذا لفظ أحمد، والترمذي. وقال فيه: حديث حسن.
ولأبي داود. قال: قال رسول الله- ﷺ : (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقي الرجل فيقول: يا هذا اتق الله، ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه في الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه، وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم على بعض. ثم قال: ﴿لعن الَّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وَّكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن مُّنكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ترى كثيرًا منهم يتولون الَّذين كفروا لبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليِّهم﴾ إلى قوله: ﴿فاسقون﴾ ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا).
стр. 33
زاد أبو داود- وفي رواية: "أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم".
وللترمذي وابن ماجه عن أبي عبيدة أن رسول الله- ﷺ قال: لما وقع النقص في بني إسرائيل كان الرجل منهم يرى أخاه يقع على الذنب، فينهاه عنه فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يأكله وشريبه وخليطه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ونزل فيهم فقال: ﴿لعن الَّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وَّكانوا يعتدون﴾ وقرأ حتى بلغ ﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرًا منهم فاسقون﴾ قال: وكان (نبيُّ- ﷺ ) متكئًا (فجلس) فقال: لا حتى تأخذوا على يد الظالم، فتأطروه على الحق أطرًا هذا مرسل.
قال الترمذي: حديث حسن.
ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا ورواه- أيضًا- عن أبي عبيدة مرسلًا. ورواه عنه ابن مسعود مرفوعًا.
ورواه البيهقي- في شعب الإيمان بسنده، عن ابن مسعود- أيضًا- مرفوعًا. ولفظه: "هل تدرون فيما سخط الله على بني إسرائيل قالوا: الله ورسوله أعلم قال: إن الرجل كان يرى الرجل منهم على معصية فينهاه بعض النهي ثم يلقاه بعد فيصافحه ويؤاكله ويشاربه كأنه لم يره على معصية حتى كثر ذلك فيهم فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم وذكر الحديث.
قوله: ﴿أكيله وشريبه﴾ يعني: مؤاكله ومشاربه. (والقعيد) المجالس ففعيل بمعنى مفاعل (ولتقصرنه) أي لتحبسنه.
(ولتأطروهم) أي تعطفوهم على الحق الذي خالفوه وتردونهم إليه. واللع أعلم.
وقوله- تعالى-: ﴿لبئس ما كانوا يفعلون﴾ ذم لما صدر منهم من فعل المنكر، وعدم تناهيهم عنه.
وقال محمود الزمخشري: (تعجيب من سوء فعلهم مؤكدًا لذلك بالقسم، فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المنكر، وقلة رغبتهم فيه. كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كتاب الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب) انتهى.
стр. 34
وروي من حديث أبي عمرو بن حماس بن عمرو الليثي قال: خرج عبد الله بن الزبير من عند عائشة على كعب- ﵃ وهو جالس في المسجد في حلقةٍ يحدث. فقال: يا أبا إسحاق هل يعلم الله من علامة في خلقه إذا سخط عليهم يعرف بها؟ قال: نعم يذلهم فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ثم قرأ: ﴿لعن الَّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾.
فصل- ٩ - : دليل كون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من شرائع الإيمان أي من شروط تمامه
وأما قوله- تعالى-: ﴿الَّذين يتَّبعون الرَّسول النَّبي الأمّيَّ الَّذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التَّوّراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلُّ لهم الطيِّبات﴾.
قال المفسرون: هذا بقية خطابه- تعالى- لموسى وفيه تبشير له ببعثه نبينا- ﷺ وذكر لصفاته فعد منها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقال: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر﴾.
قال ابن عباس، وعطاء: يأمرهم بخلع الأنداد وبمكارم الأخلاق، وصلة الأرحام. وقيل: المعروف الإيمان وقيل: الحق وقيل: كل ما عرف بالشرع من المعروف والمنكر- كما تقدم-.
وقال بعضا العارفين: (المعروف هو القيام بحق الله، والمنكر هو البقاء بوصف الحظوظ وأحكام الهوى، والتعريج في (أوطان) المنى، وما يصوره تزويرات الدعوى والفاصل بين الجنسين، والمميز بين القسمين- الشريعة. فالحسن- من أفعال العباد: ما كان بنعت الإذن من مالك الأعيان- سبحانه- والقبيح: ما كان موافقًا للنهي والزجر. والله أعلم.
فصل- ١٠ -
ثناء الله على طائفة من قوم موسى
لاجتهادها في هداية الخلق إلى الحق
وأما وقوله-تعالى-: ﴿ومن قوم موسى أمَّةٌ يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ أي يدعون
стр. 35
الناس إلى الهداية ﴿وبه يعدلون﴾ يعني في الحكم ذكر جماعة من المفسرين: أن هؤلاء قوم من وراء الصين يعبدون الله بالحق والعدل آمنوا بمحمد- ﷺ . يستقبلون قبلتنا. لا يصل إلينا منهم أحد ولا يصل منا إليهم أحد. وأن جبريل ﵇ ذهب بالنبي ﷺ ليلة المعراج [إليهم] فآمنوا به وعلمهم شيئًا من القرآن. ثم لما رجع النبي ﷺ من ليلته أنزل عليه قوله تعالى: ﴿وممَّن خلقّنا أمَّةٌ يهدون بالحقّ وبه يعدلون﴾ يعني أمة محمد- ﷺ .
يعلمه سبحانه (أن) الذي أعطيت موسى في قومه أعطيتك في أمتك وقيل هم الذين آمنوا بنبينا- ﷺ من أهل الكتاب.
وقيل: قوم من بني إسرائيل تمسكوا بشرع موسى قبل نسخه ولم يبدلوا ولم يقتلوا الأنبياء سبقت لهم العناية وصدقت فيهم الولاية فبقوا على الحق من غير تحريف ولا تحويل، وأدركتهم (الرحمة) السابقة فلم تتطرق إليهم مفاجأة تغيير ولا خفي تبديل.
فصل- ١١ - : وجوب اجتهاد الآمرين الناهين في الأمر والنهي وإن لم يستجب الجمهور إقامة للحجة الإلهية لله على خلقه ولاحتمال ازدجارهم وانتهائهم
وأما قوله- تعالى-: ﴿وإذ قالت أمَّةٌ منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرةً إلى ربِّكم ولعلَّهم يتَّقون فلمَّا نسوا ما ذكروا به أنجينا الَّذين ينهون عن السُّوء وأخذنا الَّذين ظلموا بعذاب بئس بما كانوا يفسقون﴾ ﴿فلمَّا نسوا ما ذكروا به﴾ أي تركوا ما يوعظون به ﴿أنجينا الَّذين ينهون عن السُّوء وأخذنا الَّذين ظلموا بعذاب بئس بما كانوا يفسقون﴾.
(لما أعلن الفسقة من بني إسرائيل بفعل ما نهوا عنه من صيد الحيتان يوم السبت قامت فرقة أخرى منهم فنهت وجاهرت بالنهي واعتزلت. ويقال: أن الناهين قالوا: لا نساكنكم فقسموا القرية بينهم وأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين المتكبين للنهي أحد فقالوا: إن للناس لشأنًا فعلوا على الجداد فنظروا فإذا هم قردة ففتحوا الباب، ودخلوا عليهم فعرفت القردة أنسابهم من الإنس ولا يعرف الإنس أنسابهم من
стр. 36
القردة فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم! ! فتقول برأسها: نعم).
قال قتادة: صار الشباب قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم.
وقال جمهور أهل التفسير: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق وهو الظاهر من الضمائر في الآية فرقة عصت وصادت وكانوا نحو السبعين ألفًا، وفرقة نهت واعتزلت، وكانوا اثنى عشر ألفًا. وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص، وأن هذه الفرقة قالت للناهية: (لم تعظون قومًا) - تريد العاصية- (الله مهلكهم أو معذبهم) على غلبة الظن وما عهد من فعل الله- تعالى- حينئذ بالأمم العاصية فقالت الناهية: (معذرة) موعظتنا معذرة إلى الله ولعلهم يتقون.
واختلف المفسرون فيما فعل بالطائفة التي لم تنه ولم تعص.
فقال ابن عباس: هلكت مع الذين ظلموا وهم العاصون، عقوبةً على ترك النهي. (قال أبو عبد الله القرطبي: وهو الظاهر من الآية). (وقال- أيضًا-: ما أدري ما فعل بهم): ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم. فقال: ﴿لم تعظون قومًا الله مهلكهم﴾.
فدل قول ابن عباس- ﵄-على أن الله -تعالى-أهلك الطائفة التي لم تعص ولم تنه العاصين لظاهر الآية وأنه- سبحانه- لم ينج سوى الناهين عن السوء الواعظين، فبين سبحانه- في هذه الآية الكريمة: أن الناجين استفادوا النجاة بالنهي عن السوء.
قال الغزالي: ويدل ذلك على الوجوب- أيضًا انتهى.
فصل- ١٢ - : الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف من أخص أوصاف المنافقين
وأما قوله- تعالى-: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم مِّن بعضٍ يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم﴾.
стр. 37
بين سبحانه أن ذكور المنافقين وإناثهم ليسوا من المؤمنين. كما قال تعالى: ﴿ويحلفون بالله إنَّهم لمنكم وما هم منكم﴾ بل بعضهم من بعض في الحكم والمنزلة والنفاق وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاق. فهم على دين واحد متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.
وليس المعنى على التبعيض حقيقة، لأن ذلك معلوم (فالمؤمن بالمؤمن يتقوى، والمنافق بالمنافق يتعاضد. والمنافق (لصاحبه) أس به قوامه وأصل به قيامه، يعينه على فساده، ويغمي عليه طريق رشاده) وصفهم- سبحانه- بخلاف أوصاف المؤمنين، وأنهم يأمرون بالمنكر وهو الكفر والمعاصي، وينهون عن المعروف وهو الإيمان والطاعات- كما سبق بيانه- والله أعلم).
قوله: ﴿ويقبضون أيديهم﴾ عبارة عن عدم الإنفاق في سبيل الله- تعالى- قاله الحسن.
وقيل: تركوه أمره حتى صار كالمنسي فصيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه.
وقيل: عن الجهاد. وقال سفيان: عن رفع الأيدي في الدعاء، و (النسيان) - هنا- الترك قال قتادة تركوا طاعة الله ورسوله. ونسيهم أي تركهم من الخير. وأما من الشر فلم ينسهم.
وقوله: ﴿إن المنافقين هم الفاسقون﴾ أي هم الكاملون في الفسق الذي هز: التمرد في الكفر والانسلاخ من كل خير.
وللمنافق خمس خصال بنص القرآن: يأمر بالمنكر، وينهي عن المعروف، ولا يقوم إلى الصلاة إلا وهو كسلان، ويبخل بالزكاة، ويتخلف عن الجهاد إذا أمره الله، ويثبط غيره والله أعلم.
стр. 38
فصل- ١٣ - : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص أوصاف المؤمنين
وأما قوله- تعالى-: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله﴾.
لما ذكر الله- تعالى- المنافقين والمنافقات وما هم عليه من الأوصاف القبيحة والأعمال الفاسدة ذكر المؤمنين والمؤمنات فقال في أولئك: ﴿بعضهم من بعض﴾ وفي هؤلاء: ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ في الدين، واتفاق الكلمة، والعون، والنصرة إذ لا ولاية بين المنافقين ولا شفاعة لهم (ول يدعون) بعضهم لبعض (فكان المراد- هنا-) أن الولاية في الله خاصة وسيأتي ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري- ﵁ أن النبي- ﷺ قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا).
أي يعين بعضهم بعضًا على الطاعات، ويتواصون بترك المحظورات فتحابهم (في الله) وقيامهم بحق الله، وصحبتهم لله، وعداوتهم لأجل الله، تركوا حظوظهم لحق الله، وآثروا- على هواهم- (رضا) الله.
أولئك (الذين) عصمهم في الحال، ويرحمهم في المآل.
ولما وصف المؤمنين يكون بعضهم أولياء بعض ذكر بعده ما جرى كالتفسير والشرح له وهي الخمسة التي يتميز بها المؤمن على المنافق في الآية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والجهاد وهو المراد في هذه الآية بقوله: ﴿ويطيعون الله ورسوله﴾، فإن هذه الكلمة جامعة للمندوبات (وأقواها دلالة على صحة عقيدتهم وسلامة سريرتهم).
وأخص أوصاف المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتقدمه على بقية الأوصاف فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في الآية فيثبت بذلك أن أخص أوصاف المؤمنين وأقواها دلالة على صحة
стр. 39
عقيدتهم وسلامة سريرتهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قوله: ﴿أولئك سيرحمهم الله﴾ يعني الموصوفين بهذه الأوصاف الجميلة.
قال الإمام محمود الزمخشري: السين مفيدة وجوب الرحمة لا محالة، فهي تؤكد الوعد والوعيد.
ولما كانت الرحمة- هنا- عبارة- عما يترتب على تلك الأعمال الصالحة من الثواب في الآخرة أتى بالسين التي تدل على استقبال الفصل.
﴿إن الله عزيز﴾ أي غالب على كل شيء قادر عليه.
﴿حكيم﴾ واضع كلا موضعه. والله أعلم.
فصل- ١٤ - : مراتب الجهاد في سبيل الله ثلاثة: جهاد الكفار وجهاد النفس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وأما قوله- تعالى-: ﴿- إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنَّة﴾.
اشترى- سبحانه- منهم أنفسهم فوهبوا قلوبهم شكرًا له فقال: اشترى نفوسهم. وأما القلوب فاستأسرها قهرًا. والقهر في سنة الأحباب أعز من الفضل.
وقال أبو علي الدقاق: لم يقل- سبحانه-: اشترى قلوبهم، لأن القلب وقف على محبته والوقف لا يشتري.
فجعل- سبحانه- العوض عن بذل النفس أعلى الأشياء وأغلاها وهو الجنة ومن بذل نفسه لله- تعالى- وقام في رضاه وطاعته أربح الله تجارته، وجبر فاقته، وأسكنه جنته وهذا من أنواع الجهاد وأن الجهاد أنواع. وهو من أفضل ما يعده المرء ليوم الفاقة.
وهو على أقسام: فتارةً يكون الجهاد في الأعداء من الكفار، وتارة يكون في النفوس، وهي أعدى الأعداء، وتارةً يكون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال بعض العلماء: وهو مطلوب في هذا الزَّمان، لأن الكفار قد انكسرت شوكتهم
стр. 40
وقال مددهم وعلت كلمت الإسلام، وظهرت. وبقى اليوم جهاد النفوس، والتكلم بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قوله: ﴿التَّائبون العابدون الحامدون السَّائحون الرَّاكعون السَّاجدون الآمرون بالمعروف والنَّاهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾.
قال ابن عباس- ﵄: "لما نزلت ﴿إن الله اشترى من المؤمنين .... ﴾ الآية قال رجل: يا رسول الله وإن زنى وإن سرق، وإن شرب الخمر، فنزلت ﴿التائبون العابدون﴾ الآية قوله ﴿التائبون﴾ أي الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله إلى الحالة المحمودة في طاعة الله).
(العابدون) أي المطيعون (بالعبادة).
(الحامدون) الراضون بقضائه، المصرفون نعمته في طاعته، الذين يحمدونه على كل حال.
(السائحون) الصائمون. روى عن ابن مسعود، وابن عباس، وعائشة- ﵃.
وقيل: "السياحة الجهاد"- كما روى مرفوعًا.
وقيل: الذين حبسوا أنفسهم في أوامره طلبًا لمرضاته.
وقيل: السائحون- بأفكارهم- في توحيده.
(الراكعون) يعني في الصلاة المكتوبة وغيرها.
وقيل: الخاضعون لله في جميع الأحوال.
(الآمرون بالمعروف) أي بالسنة.
وقيل: بالإيمان والعمل الصالح.
وقيل: الذين يدعون الخلق إلى الله، ويحذرونهم عن غير الله، يتواصون بالإقبال على الله، وترك الاشتغال بغير الله.
﴿والناهون عن المنكر﴾ قيل: عن البدعة.
وقيل: عن الكفر.
следующие страницы →