← Сияса и кади

Сияса и кади · id 36110

الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ابن داود الحنبلي

ابن داود الحنبلي

Полный текст (502 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

القردة فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم! ! فتقول برأسها: نعم). قال قتادة: صار الشباب قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم. وقال جمهور أهل التفسير: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق وهو الظاهر من الضمائر في الآية فرقة عصت وصادت وكانوا نحو السبعين ألفًا، وفرقة نهت واعتزلت، وكانوا اثنى عشر ألفًا. وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص، وأن هذه الفرقة قالت للناهية: (لم تعظون قومًا) - تريد العاصية- (الله مهلكهم أو معذبهم) على غلبة الظن وما عهد من فعل الله- تعالى- حينئذ بالأمم العاصية فقالت الناهية: (معذرة) موعظتنا معذرة إلى الله ولعلهم يتقون. واختلف المفسرون فيما فعل بالطائفة التي لم تنه ولم تعص. فقال ابن عباس: هلكت مع الذين ظلموا وهم العاصون، عقوبةً على ترك النهي. (قال أبو عبد الله القرطبي: وهو الظاهر من الآية). (وقال- أيضًا-: ما أدري ما فعل بهم): ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم. فقال: ﴿لم تعظون قومًا الله مهلكهم﴾. فدل قول ابن عباس- ﵄-على أن الله -تعالى-أهلك الطائفة التي لم تعص ولم تنه العاصين لظاهر الآية وأنه- سبحانه- لم ينج سوى الناهين عن السوء الواعظين، فبين سبحانه- في هذه الآية الكريمة: أن الناجين استفادوا النجاة بالنهي عن السوء. قال الغزالي: ويدل ذلك على الوجوب- أيضًا انتهى. فصل- ١٢ - : الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف من أخص أوصاف المنافقين وأما قوله- تعالى-: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم مِّن بعضٍ يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم﴾.

стр. 37

بين سبحانه أن ذكور المنافقين وإناثهم ليسوا من المؤمنين. كما قال تعالى: ﴿ويحلفون بالله إنَّهم لمنكم وما هم منكم﴾ بل بعضهم من بعض في الحكم والمنزلة والنفاق وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاق. فهم على دين واحد متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. وليس المعنى على التبعيض حقيقة، لأن ذلك معلوم (فالمؤمن بالمؤمن يتقوى، والمنافق بالمنافق يتعاضد. والمنافق (لصاحبه) أس به قوامه وأصل به قيامه، يعينه على فساده، ويغمي عليه طريق رشاده) وصفهم- سبحانه- بخلاف أوصاف المؤمنين، وأنهم يأمرون بالمنكر وهو الكفر والمعاصي، وينهون عن المعروف وهو الإيمان والطاعات- كما سبق بيانه- والله أعلم). قوله: ﴿ويقبضون أيديهم﴾ عبارة عن عدم الإنفاق في سبيل الله- تعالى- قاله الحسن. وقيل: تركوه أمره حتى صار كالمنسي فصيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه. وقيل: عن الجهاد. وقال سفيان: عن رفع الأيدي في الدعاء، و (النسيان) - هنا- الترك قال قتادة تركوا طاعة الله ورسوله. ونسيهم أي تركهم من الخير. وأما من الشر فلم ينسهم. وقوله: ﴿إن المنافقين هم الفاسقون﴾ أي هم الكاملون في الفسق الذي هز: التمرد في الكفر والانسلاخ من كل خير. وللمنافق خمس خصال بنص القرآن: يأمر بالمنكر، وينهي عن المعروف، ولا يقوم إلى الصلاة إلا وهو كسلان، ويبخل بالزكاة، ويتخلف عن الجهاد إذا أمره الله، ويثبط غيره والله أعلم.

стр. 38

فصل- ١٣ - : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص أوصاف المؤمنين وأما قوله- تعالى-: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله﴾. لما ذكر الله- تعالى- المنافقين والمنافقات وما هم عليه من الأوصاف القبيحة والأعمال الفاسدة ذكر المؤمنين والمؤمنات فقال في أولئك: ﴿بعضهم من بعض﴾ وفي هؤلاء: ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ في الدين، واتفاق الكلمة، والعون، والنصرة إذ لا ولاية بين المنافقين ولا شفاعة لهم (ول يدعون) بعضهم لبعض (فكان المراد- هنا-) أن الولاية في الله خاصة وسيأتي ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري- ﵁ أن النبي- ﷺ قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا). أي يعين بعضهم بعضًا على الطاعات، ويتواصون بترك المحظورات فتحابهم (في الله) وقيامهم بحق الله، وصحبتهم لله، وعداوتهم لأجل الله، تركوا حظوظهم لحق الله، وآثروا- على هواهم- (رضا) الله. أولئك (الذين) عصمهم في الحال، ويرحمهم في المآل. ولما وصف المؤمنين يكون بعضهم أولياء بعض ذكر بعده ما جرى كالتفسير والشرح له وهي الخمسة التي يتميز بها المؤمن على المنافق في الآية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والجهاد وهو المراد في هذه الآية بقوله: ﴿ويطيعون الله ورسوله﴾، فإن هذه الكلمة جامعة للمندوبات (وأقواها دلالة على صحة عقيدتهم وسلامة سريرتهم). وأخص أوصاف المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتقدمه على بقية الأوصاف فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في الآية فيثبت بذلك أن أخص أوصاف المؤمنين وأقواها دلالة على صحة

стр. 39

عقيدتهم وسلامة سريرتهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قوله: ﴿أولئك سيرحمهم الله﴾ يعني الموصوفين بهذه الأوصاف الجميلة. قال الإمام محمود الزمخشري: السين مفيدة وجوب الرحمة لا محالة، فهي تؤكد الوعد والوعيد. ولما كانت الرحمة- هنا- عبارة- عما يترتب على تلك الأعمال الصالحة من الثواب في الآخرة أتى بالسين التي تدل على استقبال الفصل. ﴿إن الله عزيز﴾ أي غالب على كل شيء قادر عليه. ﴿حكيم﴾ واضع كلا موضعه. والله أعلم. فصل- ١٤ - : مراتب الجهاد في سبيل الله ثلاثة: جهاد الكفار وجهاد النفس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأما قوله- تعالى-: ﴿- إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنَّة﴾. اشترى- سبحانه- منهم أنفسهم فوهبوا قلوبهم شكرًا له فقال: اشترى نفوسهم. وأما القلوب فاستأسرها قهرًا. والقهر في سنة الأحباب أعز من الفضل. وقال أبو علي الدقاق: لم يقل- سبحانه-: اشترى قلوبهم، لأن القلب وقف على محبته والوقف لا يشتري. فجعل- سبحانه- العوض عن بذل النفس أعلى الأشياء وأغلاها وهو الجنة ومن بذل نفسه لله- تعالى- وقام في رضاه وطاعته أربح الله تجارته، وجبر فاقته، وأسكنه جنته وهذا من أنواع الجهاد وأن الجهاد أنواع. وهو من أفضل ما يعده المرء ليوم الفاقة. وهو على أقسام: فتارةً يكون الجهاد في الأعداء من الكفار، وتارة يكون في النفوس، وهي أعدى الأعداء، وتارةً يكون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال بعض العلماء: وهو مطلوب في هذا الزَّمان، لأن الكفار قد انكسرت شوكتهم

стр. 40

وقال مددهم وعلت كلمت الإسلام، وظهرت. وبقى اليوم جهاد النفوس، والتكلم بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قوله: ﴿التَّائبون العابدون الحامدون السَّائحون الرَّاكعون السَّاجدون الآمرون بالمعروف والنَّاهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾. قال ابن عباس- ﵄: "لما نزلت ﴿إن الله اشترى من المؤمنين .... ﴾ الآية قال رجل: يا رسول الله وإن زنى وإن سرق، وإن شرب الخمر، فنزلت ﴿التائبون العابدون﴾ الآية قوله ﴿التائبون﴾ أي الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله إلى الحالة المحمودة في طاعة الله). (العابدون) أي المطيعون (بالعبادة). (الحامدون) الراضون بقضائه، المصرفون نعمته في طاعته، الذين يحمدونه على كل حال. (السائحون) الصائمون. روى عن ابن مسعود، وابن عباس، وعائشة- ﵃. وقيل: "السياحة الجهاد"- كما روى مرفوعًا. وقيل: الذين حبسوا أنفسهم في أوامره طلبًا لمرضاته. وقيل: السائحون- بأفكارهم- في توحيده. (الراكعون) يعني في الصلاة المكتوبة وغيرها. وقيل: الخاضعون لله في جميع الأحوال. (الآمرون بالمعروف) أي بالسنة. وقيل: بالإيمان والعمل الصالح. وقيل: الذين يدعون الخلق إلى الله، ويحذرونهم عن غير الله، يتواصون بالإقبال على الله، وترك الاشتغال بغير الله. ﴿والناهون عن المنكر﴾ قيل: عن البدعة. وقيل: عن الكفر.

стр. 41

وقيل: هو عموم في كل معروف ومنكر وينهون أنفسهم عن إتباع المنهي (عنه) والشهوات. ﴿والحافظون لحدود الله﴾ أي القائمون بما أمروا به والمنتهون عما نهوا عنه الواقفون حيث وقفهم، الذين يحفظون مع الله أنفاسهم. قال الإمام أبو حيان- في تفسيره-: فترتيب هذه الصفات في غاية الحسن، إذ بدأ- أولًا- بما يخص الإنسان لغيره، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بما شمل ما يخصه في نفسه وما يتعدى إلى غيره وهو الحفظ لحدود (الله) انتهى. ولما ذكر سبحانه مجموع هذه الأوصاف أمر رسول الله- ﷺ بأن يبشر المؤمنين. وفي الآية التي قبلها قال: (فاستبشروا) أمرهم بالاستبشار فحصلت لهم المزية التامة بأن الله أمرهم به، ثم أمر رسوله- ﷺ أن يبشرهم. والله أعلم. فصل- ١٥ - : من صور جزاء التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الهلاك في الدنيا فضلًا عن العذاب بالآخرة وأما قوله- تعالى-: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلُّوك عن سبيل الله إن يتَّبعون إلَّا الظَّنَّ وإن هم إلَّا يخرصون﴾. قال المفسرون- ﵏: لولا- هنا للتخصيص. كقوله- تعالى- في سورة المائدة: ﴿لولا ينهاهم الربانيون ..... ﴾ صحبها معنى التوبيخ والتأسي الذي ينبغي أن يقع من البشر على هذه الأمم التي لم تهتد. وهذا نحو قوله: "يا حسرة على العباد ..... ". والقرون قوم نوح، وعاد، وثمود. والبقية- هنا- يراد بها الخير والنظر والحزم في الدين وسمى الفضل والجود بقية، لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله. ويقال فلان من بقية القوم أي خيارهم. ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا.

стр. 42

وإنما قيل: بقية، لن الشرائع والدول ونحوها قوتها في أولها ثم لا تزال تضعف فمن ثبت في وقت الضعف فهو بقية الصدر الأول. والمعنى: فلولا كان منهم أولو مراقبة (وخشية) من انتقام الله- تعالى-. وقيل: أولو طاعة، ودين، وعقل، وبصر، ينهون قومهم عن الفساد والفساد- هنا- الكفر وما اقترن به من المعاصي، فبين- سبحانه- أنه أهلك جميعهم إلا قليلًا منهم كانوا ينهون عن الفساد. وقال بعض العارفين: معنى الآية لم يكن منكم مثل هؤلاء الذين كانوا ينهون عن القبائح إلا قليل. وقيل: لم يكن فيمن قبلكم من الأمم ممن ينهي عن الفساد إلا ذو بقية من الدين وهم الذين أطاعوا أنبياءهم. ويحتمل فهلَّا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد. قال الإمام أثير الدين أبو حيان- ﵀: وفي ذلك تنبيه لهذه الأمة وحض لها على تغيير المنكر. والظاهر أن الذين ظلموا هم (تاركوا) النهي عن الفساد. و(ما أترفوا فيه) أي نعموا فيه من حب الرئاسة، والثروة وطلب أسباب العيش الهنيء ورفضوا ما فيه صلاح دينهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فصل- ١٦ - : جمع آية في القرآن هي التي تأمر بالعدل والإحسان وتنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي وأما قوله- تعالى-: ﴿وأولئك الَّذين هدى الله فبهداهم أقتدة قل لَّا أسئلكم عليه أجرًا إن هو إلَّا ذكرى للعالمين﴾. سبب نزولها: ما روى أحمد في المسند من حديث ابن عباس- ﵄-

стр. 43

قال بينما رسول الله ﷺ بفناء بيته بمكة جالسًا، إذ مر به عثمان بن مظعون فكشر إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ ألا تجلس؟ قال: بلى. قال: فجلس رسول الله ﷺ مستقبله فبينما هو يحدثه إذ شخص رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء فنظر ساعة إلى السماء وأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله ﷺ عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره وأخذ ينفض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له وابن مظعون ينظر فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له شخص بصر رسول الله ﷺ إلى السماء- كما شخص أول مرة فأتبعه بصره حتى توارى في السماء فأقبل إلى عثمان". بجلسته الأولى قال: يا محمد فيم كنت أجالسك وآتيك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة قال: وما رأيتني فعلت؟ قال: رأيتك تشخص ببصرك إلى السماء ثم وضعته حيث وضعته على يمينك فتحرفت إليه وتركتني وأخذت تنفض رأسك كأنك تستفقه شيئًا يقال لك. قال: وفطنت لذلك؟ قال: "عثمان": نعم قال رسول الله ﷺ : "أتأتي رسول الله آنفًا وأنت جالس. قال رسول الله. قال نعم. قال فما قال لك؟ قال: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ قال: عثمان فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدًا ﷺ ". ورواه أحمد -أيضًا- بسنده عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: كنت عند رسول الله ﷺ جالسًا إذ شخص ببصره. فذكر نحوه مختصرًا. قال عبد الله بن مسعود ﵁: إن أجمع آية في القرآن ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان ... ﴾. وقال جماعة من العلماء: هذه الآية أجمع آية في القرآن للحث على المصالح كلها وللزجر عن المفاسد بأسرها، فإن الألف واللام في العدل والإحسان للعموم والاستغراق فلا يبق من دق العدل وجله شيء إلا اندرج في قوله: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾. ولا يبق من دق الإحسان وجله شيء إلا اندرج في أمره بالإحسان والعدل. وكذلك الألف واللام -في الفحشاء، والمنكر، والبغي- عامة مستغرقة لأنواع الفواحش ولما ينكر من الأقوال والأعمال وإفراد البغي وهو: ظلم الناس بالنهي عنه مع اندراجه (في الفحشاء والمنكر للاهتمام به كما أفرد إيتاء ذي القربى بالذكر مع اندراجه) في العدل والإحسان اهتمامًا بصلة الأرحام.

стр. 44

أمر في هذه الآية بثلاث، ونهى عن ثلاث، أمر بالعدل وهو: كل فعل مفروض من عقائد وشرائع وسير مع الناس في (أداء) الأمانات وترك الظلم وإعطاء الحق. والإحسان وهو: كل فعل مندوب إليه، قاله ابن عطية. وقال محمود الزمخشري: العدل هو: الواجب، لأن الله -تعالى- عدل فيه على عباده. والإحسان: الندب. وإنما علق أمره بهما، لأن الفرض لابد أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب، وعن ابن عباس ﵄: العدل لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض. وعنه: العدل الحق. وعن سفيان بن عيينة: أنه استواء السريرة والعلانية في العمل وقيل، العدل في الأفعال، والإحسان في الأقوال، فالإحسان لا يخلو من جلب نفع أو دفع ضر أو عنهما وتارة يكون في الدنيا وتارة يكون في العقبى. أما في العقبى: فتعليم العلم، والفتيا والإعانة على جميع الطاعات وعلى دفع المعاصي والمخالفات، فيدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان. كما قال ابن عبد السلام وغيره: "والله أعلم". قال بعض العارفين: (أمر العبد بالعدل فيما بينه وبين ربه)، وفيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الخلق. فالعدل الذي بينه وبين الله إيثار حقه على خطه، وتقديم رضاه -سبحانه- على ما سواه [هواه]، والتجرد عن جميع المزاجر، وملازمة جميع الأوامر. والعدل الذي بينه وبين نفسه منعها عما فيه هلاكها كما قال الله: ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾. وكمال عدله مع نفسه كي عروق طمعه.

стр. 45

والعدل الذي بينه وبين الخلق بذل النصيحة، وترك الخيانة فيما قل أو كثر، والإنصاف لهم بكل وجه، وترك الإساءة إلى كل أحد بقول أو فعل أو هم أو عزم. وأما الإحسان، فهو أن تقوم بكل حق وجب عليك حتى لو كان لطير في ملكك، فلا تقصر في تعهده. ويقال: الإحسان أن تقضي ما عليك من الحقوق، وأن لا تقتضي لك حقًا من أحد. قوله: ﴿وإيتاء ذي القربى﴾ وهو صلة الأرحام. وقد اندرج تحت الإحسان ولكنه نبه عليه اهتمامًا به كما تقدم. وقيل: إعطاؤهم على ما منعهم من الجود والجفاء والحسد. و(الفحشاء) الزنا. وقيل: ما شنعته ظاهرة من المعاصي. وقيل: ما يوجب الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة. وقيل: المجاوز لحدود الله . (والمنكر) الشرك. قاله مقاتل. وقيل: ما توعد عليه بالنار- قاله عبد الله بن السائب. وقيل: ما أنكره الشرع بالنهي عنه. وهو يعمر جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها. وقيل: ما لا يوجب الحد في الدنيا لكن يوجب العذاب في الآخرة. (والبغي) التطاول بالظلم والسعاية فيه. وحقيقته تجاوز الحد وهو داخل في المنكر نبه عليه اهتمامًا باجتنابه- كما تقدم. وجمع سبحانه في المأمور به والمنهي عنه بين ما يجب ويندب وما يحرم ويكره لاشتراك ذلك في قدر مشترك وهو الطلب في الأمر والترك في النهي ولما أمر تعالى بتلك الثلاث ونهى عن تلك الثلاث. قال: ﴿يعظكم﴾ أي بما ذكر من أمر ونهي. والمعنى ينبهكم أحسن تنبيه. ﴿لعلكم تذكرون﴾ أي تنتبهون لما أمرتم به ونهيتم عنه.

стр. 46

قال المفسرون: فقد تضمنت هذه الآية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكما أن الله -تعالى- وحزبه يأمرون بالعدل والإحسان فالشيطان وحزبه يأمرون (بالفحشاء والمنكر) كما قال -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ... ﴾ والله أعلم. فصل -١٧ - : دليل وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه فرض عين في حدود القدر المستطاع وأما قوله -سبحانه-: ﴿ولولا دفع الله النَّاس بعضهم ببعضٍ لهدَّمت صوامع وبيعٌ وصلواتٌ ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرنَّ الله من ينصره إنَّ الله لقويٌ عزيزٌ الَّذين إن مكَّنَّاهم في الأرض أقاموا الصَّلاة وآتوا الزَّكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾. قال المفسرون: في الآية الكريمة تحريض على القتال المأذون فيه وأجرى الله العادة في الأمم الماضية بذلك، بأن ينتظم به الأمر وتقوم به الشرائع وتصان المتعبدات من الهدم وأهلها من القتل، فلولا القتال لتغلب على الحق في كل أمة. كما قال في الآية الأخرى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ... ﴾. قال مجاهد: ولولا دفع الله ظلم قوم بشهادات العدول ونحو هذا. وقال قوم: دفع الظلمة بعدل الولاة. وقال قوم: دفع العذاب بدعاء الأخيار. وقيل: بالقصاص عن النفوس. وقيل: بالنبيين عن المؤمنين. وقال بعض العارفين: يتجاوز -سبحانه- عن الأصاغر لقدر الأكابر ويعفو عن العوام الاحترام للكرام، وتلك سنة أجراها الله -سبحانه- لاستيفاء منازل العبادة، واستصفاء مناهل العرفان، ولا تحويل لسنته، ولا تبديل لكريم عادته.

стр. 47

وأما الصوامع وما بعدها. فقيل: الصوامع للرهبان، والبيع للنصارى، والصلوات لليهود والمساجد للمسلمين. وقيل: الصلوات المعهودة في الأمم. ومعنى: (هدمت) عطلت. وتأخير المساجد، لقدم تلك عليها، أو للانتقال من الشريف إلى ما هو أشرف. ولم يذكر في هذه الآية المجوس ولا أهل الشرك، لأن هؤلاء ليس لهم ما يوجب حمايته ولا يوجد ذكر الله إلا عند أهل الشرائع. ثم أقسم -سبحانه- على أنه لينصرن من ينصره. أي ينصر دينه ونبيه وأولياءه فنصر العبد لربه هو اتباع أمره واجتناب نهيه. وقال الزجاج: من أقام شريعة من شرائعه نصر على إقامة ذلك. ونصره -تعالى- هو أن يظفرهم بأعدائهم، وهذا وعد من الله ينصر من ينصر دينه وشريعته. ونظير هذه الآية قوله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم﴾ أي إن تنصروا دين الله ينصركم على أعدائكم. ثم قال: ﴿ويثبت أقدامكم﴾. قيل: عند القتال. وقيل: على الإسلام. وقيل: على الصراط. وقيل: يثبت القلوب بالأمن. قال القرطبي: فيكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة. وقد قال: في الآية الأخرى: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ... ﴾ (أي حكم وكتب في كتابه الأول وقدره الذي لا يمانع ولا يبدل، بأن النصرة له ولكتابه ولرسوله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة وأن العاقبة لهم ﴿إن الله لقوي عزيز﴾. أي كتب القوي العزيز أنه الغالب لأعدائه. كما قال -تعالى-: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد

стр. 48

يوم لا ينفع الظالمون معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾. وقال -تعالى-: ﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾. أي واجبًا أوجبه -سبحانه- على نفسه. وقال -تعالى-: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون﴾. وقال -تعالى-: ﴿فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفًا﴾. وقال -تعالى-: ﴿أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾. وهذا قدر محكم وأمر مبرم أن العاقبة والنصرة للمؤمنين- القائمين بنصرة دين الله -تعالى-. قال المفسرون: وفي ذلك كله حض على القتال في الله. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستيفاء الحدود وغير ذلك. ثم أخبر -تعالى- في هذه الآية أنه قوي على نصرهم عزيز لا يغلب. [يغالب] قال عثمان بن عفان ﵁: هذا والله ثناء قبل بلاء. يعني أن الله -تعالى- قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا. قوله -تعالى-: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ... ﴾. (مكناهم) أي نصرناهم على عدوهم حتى يتمكنوا من البلاد غير مقهورين. قال المفسرون: في الآية أخذ العهد على من مكنه الله أن يفعل ما رتب على التمكين في الآية. قال ابن أبي نجيح: المشار إليهم هم الولاة. وقال الضحاك: هو شرط شرطه الله على من آتاه الملك. وهذان القولان ضعيفان. وقيل: إذا طالت بهم المدة وساعدهم العمر لم يستفرغوا أعمارهم في استجلاب

стр. 49

حظوظهم ولا في انفناء محبوبهم من الدنيا ولكن قاموا بأداء حقوقنا وقال الحسن البصري: هم أمة محمد ﷺ فبين -سبحانه- أن صفة المؤمنين والصالحين من عباده- أنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأن من ضيع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمن ضيع الصلاة والزكاة. وهذه الآية تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ قرنا الصلاة والزكاة، والله أعلم. فصل -١٨ - : دليل كون المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأمر بطاعة الله والنهي عن معصيته وأما قوله -تعالى- حكاية عن عبده لقمان الحكيم حين وصى لابنه: ﴿يا بنيَّ أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إنَّ ذلك من عزم الأمور﴾. قال المفسرون: لما نهى لقمان ﵇ ابنه عن الشرك وأخبره -ثانيًا- بعلمه تعالى وباهر قدرته، أمره بما يتوسل به إلى الله -تعالى- من الطاعات، فبدأ بأشرفها وهو الصلاة، حيث يتوجه إليه بها، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم بالصبر على ما يصيبه من المحن بسبب الأمر والنهي. و(ما) بمعنى مهما، وأضاف الصبر- بالعطف على الأمر بالمعروف إعلامًا بأذى الناس لمن يأمرهم وينهاهم. قال بعض المفسرين: أي أمر بطاعة الله واتباع أمره. وقال الكلبي في قوله: وانه عن المنكر أي أنكر الظلم وأظهر العدل. وقال غيره: المنكر معاصي الله ومخالفة أمره. وقال بعض العارفين: المعروف الذي يجب الأمر به وهو ما يوصل العبد إلى الله. والمنكر الذي يجب النهي عنه وهو ما يشغل العبد عن الله. ﴿واصبر على ما أصابك﴾ يعني اصبر على ما أصابك من الأذى في طاعة الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 50

وهذا قول ابن عباس ومقاتل. ففي قوله: ﴿واصبر على ما أصابك﴾ تنبيه على (أن) من قام لله بحق امتحن في الله فسبيله أن يصبر لله فإن من صبر لله لم يحسَّر على الله. وسيأتي الكلام على الصبر في آخر الباب الرابع -إن شاء الله -تعالى-. ﴿إن ذلك من عزم الأمور﴾. قال ابن عباس: يريد من حقيقة الإيمان. وقال مقاتل: إن ذلك الصبر على الأذى فيهما من حق الأمور التي أمر الله بها. وقال الكلبي: إن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور. قال الواحدي: وهذه الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على المكروه، إن أصابه فيهما. وفي هذا دليل على أن خوف المكروه لا ينبغي أن يمنع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أن يخاف مكروهًا لا يطيقه- والله أعلم. يا أخي من ذكر الله -تعالى- حظي بالخيرات لديه ومن أمر بالمعروف قربه زلفى إليه، ومن نهى عن المنكر أقبل بالمعونة عليه، ومن صبر على ابتلائه ورضي فله البشارة، ومن سخط وجزع فيا لها من خسارة. فصل -١٩ - : دليل كون أعلى مراتب الجهاد امتثال أمر الله واجتناب نهيه وأما قوله : ﴿ومنهم أميُّون لا يعلمون الكتاب إلَّا أمانيَّ﴾ قيل هو إشارة إلى امتثال ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في وسوسته، والكافرين في كفرهم، والظلمة في رد ظلمهم، وأهل المعاصي والمنكرات في ترك ما هم عليه. وقوله: ﴿هو اجتباكم﴾ أي اختاركم للذب عن دينه والتزام أمره، واجتناب نهيه لأن العبد كلما كان إلى الله أقرب كان جهاده فيه أعظم وهذا تأكيد لأمر المجاهدة أي وجب عليكم أن تجاهدوا، لأنه -سبحانه- اختاركم لذلك بفضله وحسن توفيقه. والله أعلم.

стр. 51

فصل -٢٠ - : دليل كون المقصرين في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في خسر وأما قوله : ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾. فهو قسم منه -سبحانه- بالعصر. قيل: هو الدهر. وقيل صلاة العصر. وقيل آخر النهار. وقيل غير ذلك. ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ أي في خسارة وهلاك. ﴿إلا الذين آمنوا﴾ بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم. ﴿وتواصوا﴾ أي أوصى بعضكم لبعض بالحق أي بأداء الطاعات وترك المحرمات. ﴿وتواصوا بالصبر﴾ أي على المصائب وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر. ويحتمل أن يراد به الصبر على الطاعات فيدخل فيه الصبر عن المعصية وعلى الطاعة قاله ابن عباس ﵄: (فأقسم الله -تعالى- أن كل إنسان في خسر إلا من جمع هذه الأربعة أوصاف). وروى أبو بكر بن مردويه -في مسنده- عن يزيد بن خنيس (قال): دخلنا على سفيان الثوري نعوده وأومأ إلى دار العطارين فدخل عليه- سعيد بن حسان المخزومي فقال له سفيان الثوري: الحديث الذي كنت حدثتني، عن أم صالح، أردده عليّ فقال: حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة رملة قالت: قال رسول الله ﷺ : (كلام ابن آدم عليه لا له ما خلا أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر أو ذكر الله -تعالى-). قال سفيان: وناشدته أو ما سمعت الله يقول في كتابه: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ فهو هذا بعينه. وروى الحديث الترمذي، وابن ماجه ولم يذكروا قول سفيان الثوري إلى آخره والله أعلم.

стр. 52

فلا تخف في الله لومة لائم، لعلك أن تظفر بالغنائم استعمل الشجاعة في النهي عن المنكر، تنل المطلب الأعلى من الكنز الأكبر، فللَّه در أقوام فهموا معنى الوجود، وتأملوا عين المقصود، واشتغلوا بطاعة الملك المعبود، فقاموا بالأمر بالمعروف من غير قيود. متنبهين للنهي عن المنكر والخلق رقود، متيقنين للصبر على ما ينالون من الأقوال والأفعال، ملازمين الرضا عن الله في كل الأحوال، قد شمروا لذلك عن سوق العزائم، فسبقوك وأنت في الغفلة نائم. فصل -٢١ - : دليل كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل ما يعين المؤمن على تزكية نفسه ومعالجة ترقيها في الطاعات وتطهرها من الدنس قال سفيان الثوري وغيره في قوله -تعالى-: ﴿وقولوا للنَّاس حسنًا﴾ أي مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر. وقال ابن عباس في قوله -تعالى-: ﴿أليس منكم رجلٌ رشيدٌ﴾ أي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر. وقال بعض المفسرين في قوله -تعالى-: ﴿لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته﴾ يعني القرآن ﴿ويزكيهم﴾ أي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، لتزكوا أنفسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم. فصل -٢٢ - : الأحاديث الواردة في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأما الأحاديث الواردة في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأدلة وجوبه وتأكيد استحبابه فكثيرة نورد منها طرفًا يسيرًا سوى ما تقدم وما يأتي من ذلك في أبواب الكتاب والله الموفق للصواب.

стр. 53

فمن أمثلتها: ما ثبت في صحيح مسلم، ومسند أحمد، والسنن الأربعة وغيرها من حديث طارق بن شهاب ﵁ قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان بن الحكم، فقام إليه رجل. فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد ترك ما هنالك. فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) هذه رواية مسلم. ورواية الترمذي مثلها إلا أنه قال فقام رجل فقال: يا مروان خالفت السنة فقال: يا فلان ترك ما هنالك فقال: هذا حديث حسن. وفي رواية أبي داود قال: يا مروان خالفت السنة أخرجت المنبر يوم عيد ولم يكن يخرج فيه وبدأت بالخطبة قبل الصلاة. فقال أبو سعيد: من هذا؟ فقال: فلان ابن فلان. فقال: أما هذا فقد قضى ما عليه. وفي رواية النسائي لم يذكر العيد والخطبة ولكن لفظه: أن رسول الله ﷺ قال: من رأى منكم منكرًا فغيره بيده فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بيده فغيره بلسانه فقد برئ ومن لم يستطع منكم أن يغيره بلسانه فغيره بقلبه فقد برئ وذلك أضعف الإيمان. قول (أبي سعيد) ﵁: (أما هذا فقد قضى ما عليه) فيه تصريح بالإنكار. وقد يقال: كيف تأخر أبو سعيد ﵁ عن إنكار هذا المنكر حتى سبقه إليه هذا الرجل؟ قال بعضهم: يحتمل أنَّ أبا سعيد ﵁ لم يكن حاضرًا أول ما شرع مروان في أسباب تقديم الخطبة فأنكر عليه الرجل ثم دخل أبو سعيد وهما في الكلام. ويحتمل أن أبا سعيد كان حاضرًا من الأول ولكنه خاف على نفسه أو غيره من حصول فتنة بسبب إنكاره فسقط عنه الإنكار، ولم يخف ذلك الرجل شيئًا، لاعتقاده بظهور عشيرته أو غير ذلك، أو أنه خاف وخاطر بنفسه وذلك جائز في مثل هذا بل مستحب- كما سيأتي بيانه في أثناء الكتاب، أو أن أبا سعيد هم بالإنكار فبدره الرجل فعضده أبو سعيد ثم جاء في

стр. 54

الحديث الآخر الذي في الصحيحين في باب صلاة العيدين أن أبا سعيد هو الذي جبذ بيد مروان حين رآه يصعد المنبر. وكانا جاءا معًا فرد عليه مروان مثل ما رد هنا. قال النواوي: فيحتمل أنهما قضيتان إحداهما لأبي سعيد والأخرى للرجل بحضرة أبي سعيد. قوله ﷺ : (فليغيره). قال النواوي ﵀: هذا أمر إيجاب بإجماع الأمة. فقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو من النصيحة التي هي الدين، ومن أجله بعث الله رسله، وأنزل كتبه، ووصف هذه الأمة وفضلها -لأجله- على سائر الأمم التي أخرجت للناس. وقوله: (فإن لم يستطع فبلسانه) يعني إن غلب على ظنه أنه إن غير بيده يسبّب منكرًا أشد منه كف يده، واقتصر على القول باللسان، والوعظ والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غير بقلبه وكان في سعة، وهذا هو المراد بهذا الحديث. وقوله: (فبقلبه) معناه فليكرهه بقلبه وذلك هو الذي في وسعه وطاقته. قال الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد القوي -في نظمه-: وأضعفه بالقلب ثم لسانه ... وأقواه إنكار الفتى الجلد باليد فتضمن هذا الحديث: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ثلاث مراتب ليس إلا: الأولى: إزالة المنكر باليد وذلك يكون لمن كان له سلطان يخاف، وإلا قد يأمر وينهي باليد من كان حقيرًا بين الناس ويأمر كثيرًا فيفضي إلى شر وقد يفضي إلى تقاتل- كما سيأتي الكلام عليه في الباب الثاني. المرتبة الثانية: إزالته باللسان، وهذه دون الأولى، فهذه يتصف بها العلماء، لأنهم أهل اللسان فيدعون من يتعاطى المنكر ويأمرونه وينهونه باللسان، ويستدلون على ذلك. المرتبة الثالثة: من لم يكن له سلطان، ولا هو من أهل العلم بل هو ضعيف الإيمان

стр. 55

ويرى منكرًا لا يقدر على إزالته لا بيد ولا بلسان فينكر بقلبه فذو السلطان له يد يمكن أن يقيم دين الله -تعالى- بيده (فله) الجهاد بالسيف واللسان والطعن بالخطى والسنان. وقد يمكن ذلك لمن له جاه أو هو رئيس قومه أو قريته ومن يكون مطاعًا ومن لم يمكنه ذلك انتقل إلى المرتبة الثانية -وهي أدنى من الأولى- الأمر باللسان، وهذه المرتبة يمكن للعلماء أن يقوموا بها، لأن لهم من السلطان على الكلام وتبيين دين الله ما لم يكن لغيرهم فيمكنهم أن يقيموا الأدلة والبراهين عليه، وهم الحكام بالعلم على سائر الخلق، وهم ورثة الأنبياء، ومن كان منهم قاضيًا عالمًا في حقه اليد واللسان، وليس ذلك مخصوصًا بأحد دون أحد، بل من أمكنه أن ينكر باليد ولم ينكر فقد عصى، ومن أمكنه أن يمكر باللسان ولم ينكر فقد عصى، ومن لم ينكر بقلبه فقد عصى. وصفة الإنكار بالقلب أن يعبس عند رؤية المنكر ويكره ذلك بقلبه كراهية شديدة. قال القاضي أبو يعلى: ويجب فعل الكراهة للمنكر كما يجب إنكاره، لأن الشارع أوجب فعل الكراهة بالقلب بقوله: (فإن لم يستطع فبقلبه) انتهى. فقوله ﷺ : (وذلك أضعف الإيمان). قال النواوي: معناه -والله أعلم- أقله ثمرة- انتهى. فأخبر النبي ﷺ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أبواب الإيمان فلا يجوز لأحد السكوت عنه أصلًا، لأنه واجب بأمر الله ورسوله- والله أعلم. قال القاضي أبو الفضل عياض ﵀: هذا الحديث أصل في صفة التغيير فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولًا كان أو فعلًا، فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر أو يأمر من يفعله، وينزع الغصوب ويردها إلى أهلها بنفسه، (أو بأمره إذا أمكنه). وسيأتي - في الباب الرابع- من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا-: (أنه يصيب أمتي في آخر الزمان من سلطانهم شدائد لا ينجو منها إلا رجل عرف دين الله فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه فذلك الذي سبقت له السوابق) الحديث. فإن تعاطى (ذلك الأمر بنفسه) فهو أولى من أن يأمر غيره بفعله. وقد كان النبي ﷺ يغير المناكر بنفسه أحيانًا-.

стр. 56

ففي صحيح مسلم، وغيره من حديث ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه وقال: (يعمد أحدكم إلى جمرةٍ من نار فيطرحها في يده) فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك انتفع به. قال: لا، والله لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله ﷺ . وفي المعنى أحاديث كثيرة. وفي الصحيحين، ومسند أحمد، وجامع الترمذي، من حديث ابن مسعود ﵁ قال: (دخل النبي ﷺ يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا فجعل يطعنها بعود كان في يده). وسيأتي الحديث بأتم من هذا في الباب الرابع -إن شاء الله -تعالى-. قال أبو بكر أحمد بن محمد المروزي: قلت لأبي عبد الله يعني الإمام أحمد ﵀: كيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: باليد واللسان وبالقلب وهو أضعف. وقال -أيضًا- في رواية أبي صالح: التغيير باليد ليس بالسلاح ولا بالسيف. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء: فظاهر هذا يقتضي جواز الإنكار باليد إذا لم يفض للقتل والقتال. والله أعلم. وفي الصحيحين، ومسند أحمد وسنن أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إياكم والجلوس في الطرقات. فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها. فقال رسول الله ﷺ : فإذا أبيتم إلا الجلوس فإذًا أعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله. قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

стр. 57

قوله: (إياكم والجلوس) بالنصب على التحذير. و(أبيتم) بالباء الموحدة. والله أعلم. وفي مسند أحمد، وغيره من حديث أبي شريح خويلد، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: هاني بن عمرو الخزاعي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إياكم والجلوس على الصعدات، فمن جلس منكم على الصعيد فليعطه حقه. قلنا: يا رسول الله، وما حقه؟ قال: غض البصر، ورد التحية، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر). وفي مسند الإمام أحمد -أيضًا- عن جابر ﵁ حديث بيعة العقبة بطوله وفيه (فواعدناه يعني رسول الله ﷺ شعب العقبة. فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين حتى توافينا. فقلنا: يا رسول الله (علام) نبايعك؟ فقال: (تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم ... الحديث وفي آخره: فقمنا إليه فبايعناه فأخذ علينا وشرط على ذلك الجنة). وفي المسند -أيضًا- من حديث أبي ذر ﵁ قال: (بايعني رسول الله ﷺ خمسًا، وواثقني سبعًا، وأشهد الله على تسعًا، لا أخاف في الله لومة لائم). ورواه أحمد -أيضًا- من طريق آخر بلفظ: (أمرني رسول الله ﷺ بسبع: أمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر لمن هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم ... ) مختصر. وفي رواية له: أوصاني خليلي ﷺ بسبع بحب المساكين وأن أدنو منهم، وأن أنظر

стр. 58

إلى من هو أسفل مني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أصل رحمي وإن جفاني، وأن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن أتكلم بالحق ولا تأخذني في الله لومة لائم، وأن لا أسأل الناس شيئًا. وكذلك رواه البيهقي. وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والموطأ، وسنن النسائي من حديث أبي الوليد عبادة بن الصامت ﵁ قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم). وفي رواية قال: (إلا أن تروا كفرًا بواحًا ليس عندكم فيه من الله برهان). رواه ابن ماجه بغير الزيادة. ولفظ الإمام أحمد، عن عبادة أنه قال لأبي هريرة: يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله ﷺ بايعناه على السمع والطاعة، في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله، ولا نخاف لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله ﷺ إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة فهذه بيعة رسول الله ﷺ . قوله: (والمنشط والمكره) بفتح الميم فيهما- أي في السهل والصعب. قال العلماء: معنى ذلك أنه تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس مما ليس بمعصية. و(الأثرة) بفتح الهمزة والمثلثة، وقيل: بضم الهمزة وإسكان المثلثة، وبكسر الهمزة وإسكان المثلثة -وهي الاستتار والاختصاص بأمور الدنيا- كما سيأتي- في الباب السادس. وقوله: (وعلى أن نقول الحق أينما كنا (لا نخاف في الله لومة لائم) أي نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر في كل زمان ومكان لا نداهن فيه أحدًا ولا نخاف ولا نلتفت إلى لومة لائم.

стр. 59

قوله في الرواية الأخرى: (كفرًا بواحًا) بفتح الموحدة بعدها واو ثم ألف مفتوحتين ثم حاء مهملة أي ظاهرًا جهارًا لا يحتمل تأويلًا. يقال: باح الشيء يبوح بواحًا جهر به، ويروى بالراء. وقيل: صراحًا. والمراد بالكفر -هنا- المعاصي فإذا كانت كذلك حل قتالهم ومعنى قوله (ليس عندكم فيه لله برهان) أي تعلمونه من دين الله. فمعناه: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم (ولا تعترضوا) عليهم إلا أن تروا منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيث ما كنتم). والله أعلم. وروى أبو منصور الديلمي -في مسنده الفردوس- من حديث أبي هريرة مرفوعًا "ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يرائي بشيء من عمله، وإذا عرض عليه أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر أمر الآخرة على أمر الدنيا". وفي مسند الإمام أحمد من حديث المقدام بن معديكرب الكندي أنه جلس مع عبادة ابن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي فتذكروا حديث رسول الله ﷺ فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة كلمات رسول الله ﷺ في غزاة كذا وكذا في شأن الأخماس. فقال عبادة: إنَّ رسول الله ﷺ صلى بهم في غزوة إلى جنب بعير من المغنم فلما سلم قام رسول الله ﷺ فتناول وبرة بين أنملتيه. فقال: (إن هذه من غنائمكم وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر، وجاهدوا في الله تعالى، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم، إنه لينجي صاحبه من الهم والغم). ورواه النسائي- بلفظ آخر. ورواه صاحب الفردوس ولفظه: "جاهدوا في الله القريب والبعيد في الحضر والسفر،

стр. 60

فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، إنه لينجي صاحبه من الغم والهم، فأقيموا حدود الله على القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم". وروى الطبراني، وغيره من حديث العباس بن سالم أن عمر قال لكعب الأحبار: كيف تجد نعتي؟ قال: أجد نعتك قرنًا من حديد. قال: وما قرن من حديد؟ قال: أمير سديد لا تأخذه في الله لومة لائم". وقال لقمان لابنه: يا بني قل الحق ولو كان مرًا [وعلى نفسك] ولا تبال بمن غضب. وفي صحيح مسلم، ومسند أحمد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من (أمته) حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويهتدون بهديه، ثم إنها تخلف من بعده خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون). زاد مسلم: "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن. ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". قال أبو رافع: فحدثت به عبد الله بن عمر فأنكره علي. فقدم ابن مسعود فنزل بقناة فاستتبعني إليه عبد الله بن عمر يعوده فانطلقت معه. فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثته ابن عمر. قوله: (حواريون) يعني أصحابًا أخصاء. وقيل الحواري: الناصر المختص بالرجل المصافي له. وقوله: (تخلف) بضم اللام- أي تحدث. وقوله: (ليس وراء ذلك حبة خردل). قال أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية ﵀: (مراده لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن، بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان، ليس مراده

стр. 61

أن من لم ينكر لم يكن معه من الإيمان حبة خردل. قال أبو عبد الله القرطبي: وهذا الحديث لا يخالف ما رويناه في حديث: الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". لأن الأدنى غير الأضعف، فإن الأدنى اسم لما يتباعد عن معاني القرب وإن كان مرجعه في العقبى البقاء. والأضعف اسم لما يظهر لوجه القربة فيه ويخلص له ولكن يكون من نوعه ما هو أقوى وأبلغ عنه. وبسط الكلام في شرحه. انتهى. وقوله: (فنزل بقناة). وقال النواوي: هو بالقاف المفتوحة وآخره تاء التأنيث وهو غير منصرف- واد من أودية المدينة. وقيل: (بفنائه) بالفاء المكسورة وبالمد، وآخره هاء الضمير قبلها همزة- وهو ما بين أيدي المنازل والدور. و(هديه) طريقته وسنته. وأبو رافع هو مولى رسول الله ﷺ واسمه "أسلم" على الصحيح. والله أعلم. وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان -في صحيحه- من حديث عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ فعرفت في وجهه أن قد حقره شيء فتوضأ وما كلم أحدًا. قالت: ثم خرج فلصقت بالحجرات، أسمع ما يقول فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (يا أيها الناس إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أستجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم) فما زاد عليهم حتى نزل. ورواه أبو القاسم إسماعيل -في الترغيب والترهيب- وغيره. قوله: (حفزه) أي يدفعه من خلفه، والليل يحفز النهار أي يسوقه قاله الجوهري.

стр. 62

فلولا أن الأمر بالمعروف فرض لما منع الله -تعالى- إجابة الدعاء، والعطية، والنصر بتضييعه. والله أعلم. وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح عليكم، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله، وليأمر بالمعروف، ولينه عن المنكر، ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار). ورواه أحمد، وعنده ابن مسعود قال: جمعنا رسول الله ﷺ ونحن أربعون قال عبد الله: فكنت آخر من أتاه. فقال: (إنكم مصيبون ومنصورون ومفتوح عليكم ... ) فذكره وزاد قال مؤمل: "ومثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير ردى في بئر فهو ينزع منها بذنبه". ورواه أبو نعيم -في الحلية- بلفظ. قال انتهيت إلى النبي ﷺ وهو في قبة من أدم معه أربعون رجلًا، فقال: (إنه مفتوح لكم ومنصورون ومصيبون فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله، وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) قال: وقال رسول الله ﷺ : (مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير تردى في بئر فهو ينزع بذنبه). ورواه الترمذي من حديث عائشة. وقال: حديث صحيح. وروى أبو بكر البيهقي -في شعب الإيمان من حديث أبي ذر ﵁: "أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نغلب عن ثلاثة، أن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونعلم الناس السنن". وروى الإمام أحمد وابن حبان -في صحيحه- واللفظ له، والدارقطني، والبيهقي، وابن أبي الدنيا، وأبو القاسم الأصبهاني من حديث البراء بن عازب. قال: جاء

стр. 63

أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني عملًا يدخلني الجنة. فقال: (إن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة: اعتق النسمة، وفك الرقبة، قال: يا رسول الله أو ليستا واحدة فقال: لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها). والمنحة الوكوف والفيء على ذي الرحم القاطع، فإن لم تطق ذلك (فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر) فإن لم تطق ذلك (فكف لسانك إلا عن خير) (المنحة) -بكسر الميم- العطية والمراد بها- (ههنا) منحة الشاة. وله معنيان: أحدهما أن يهب له أصلها فيملكه إياها. والثاني أن يهب له لبنها. و(الوكوف) الغزيرة اللبن، التي لا ينقطع لبنها من وكف البيت والدمع إذا تقاطر والله أعلم. وروى الأصفهاني عن القاسم بن مخول النهدي عن أبيه ﵁ في حديث طويل قال: قلت يا رسول الله أوصني. قال: (أقم الصلاة، وآت الزكاة، وصم شهر رمضان وحج البيت واعتمر، وبر والديك، وصل رحمك، وأقر الضيف، ومر بالمعروف وانه عن المنكر، وزل مع الحق حيث زال). وفي الصحيحن، ومسند أحمد، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وابن ماجه من حديث معاوية بن سويد بن مقرن. قال: دخلت على البراء بن عازب فسمعته يقول: (أمرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع. أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصر المظلوم ... ) الحديث. (وله روايات أخر).

стр. 64

قال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: لحقوق بعض المكلفين على بعض أمثلة كثيرة: منها التسليم عند القدوم والانصراف وتشميت العاطس، وعيادة المريض، ومنها الإعانة على البر والتقوى وعلى كل مباح، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الأمر بالمعروف سعي في جلب مصالح المأمور، والنهي عن المنكر سعي في درء مفاسد المنهي وهذا هو النصح لكل مسلم، وقد بايع رسول الله ﷺ جريرًا على النصح لكل مسلم. قلت وسيأتي الحديث في الباب الرابع والله أعلم. ومناه تحمل الشهادة وأداؤها عند الحكام. ومنها حكم الحكام والأئمة والولاة بإنصاف المظلومين من الظالمين. وذكر بعد ذلك أشياء كثيرة من الحقوق يضيق هذا (المقام) بذكرها. والله أعلم. وفي مسند أحمد، وجامع الترمذي من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ على مجلس من الأنصار فقال: (إن أبيتم إلا أن تجلسوا فاهدوا السبيل، وردوا السلام، وأعينوا المظلوم) هذا لفظ أحمد. ولفظ الترمذي: أن رسول الله ﷺ مر بناس من الأنصار وهم جلوس في الطريق فقال: (إن كنتم لابد فاعلين فردوا السلام، وأعينوا المظلوم، واهدوا السبيل) وقال: حديث حسن. وروى الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن النبي ﷺ قال: (شهدت مع عمومتي حلف المطيبين وأنا غلام فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه). ورواه ابن حبان في صحيحه -وأبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي- في تاريخه -والحرث بن أبي أسامة في مسنده- وغيرهم. ويروى في بعض طرقه. قال: أي ابن عوف، قال رسول الله ﷺ : (شهدت حلفًا في دار ابن جدعان بين هاشم وزهرة ولو

стр. 65

دعيت له اليوم لأجبت ما أحب أن نقضته ولي حمر النعم على أن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر وأن نأخذ للمظلوم من الظالم). قوله: (حلفًا) جمع حليف. وأصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والإنفاق. فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله ﷺ : (لا حلف في الإسلام) وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم، وصلة الأرحام فذلك الذي قال فيه ﷺ : (وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة). وهذا التحالف كان قبل أن يبعث النبي ﷺ فرآه واجبًا عليه إذ كان من الفرائض (التي) بعث بها. والله أعلم. أخبرنا شيخنا الحافظ شمس الدين شيخ القراء المجودين أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن الجزري بقراءتي عليه قال: أخبرنا القاضي الرئيس عماد الدين محمد بن موسى بن سليمان الأنصاري. قال أخبرنا الإمام أبو الحسن علي بن أحمد السعدي. قال: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن معمر البغدادي، والعلامة أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري. قال أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن أحمد البرمكي الفقيه. قال: أبرنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن ماسي قال: حدثنا أبو سليمان إبراهيم بن عبد الله بن مسلم الكجي قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا حميد، عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. قال: قلت: يا رسول الله أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تمنعه عن الظلم فذلك نصره إياه). ورواه البخاري، وأحمد، والترمذي، وغيرهم من حديث أنس -أيضًا- بلفظ: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا أفرأيت إن كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو قال: تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره".

стр. 66

وفي رواية نحوه. قالوا: كيف ينصره ظالمًا؟ قال: يأخذ فوق يده". ورواه مسلم في جملة حديث. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال الإمام أبو بكر البيهقي: ومعنى هذا أن الظالم مظلوم من جهته كما قال تعالى: ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه﴾ فكما ينبغي أن ينصر المظلوم إذا كان غير نفس الظالم ويدفع الظلم عنه، كذلك ينبغي أن ينصر إذا كان نفس الظالم ليدفع ظلمه عن نفسه وإنما أمر كلَّ واحد بنصرة أخيه المسلم إذا رآه يظلم وقدر على نصره، وكذلك إذا كان ظالمًا يرده بأي وجه قدر عليه. وفي مسند أحمد، وغيره من حديث جابر ﵁ قال: اقتتل غلامان غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار. فنادى المهاجر أو المهاجرون: يا آل المهاجرين، ونادى الأنصار يا آل الأنصار فخرج النبي ﷺ فقال: "ما هذا) دعوى الجاهلية؟ قالوا: لا يا رسول الله إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر فقال: لا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالمًا كان أو مظلومًا، إن ظالمًا فلينهه، فإنه له نصر، وإن كان مظلومًا فإنه له نصر). أما تسميته ﷺ لذلك دعوى الجاهلية فهو كراهة (منه لذلك) لأنه مما كان عليه الجاهلية من التعاضد بالقبائل في أمور الدنيا وكانت تأخذ حقوقها بالعصبات والقبائل فجاء الإسلام بإبطاله وفصل القضايا بالأحكام الشرعية- والله أعلم. وروى الإمام أحمد -بسنده- عن المقدام أبي كريمة، عن النبي ﷺ أنه قال: (أيما مسلم أضاف قومًا فأصبح الضيف محرومًا فإن حقًا على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله). وروى أبو بكر البيهقي -بسنده- عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خذوا على أيدي سفهاءكم).

стр. 67

وبسنده عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن داود ﵇ قال فيا يخاطب ربه يا رب أي عبادك أحب إليك أحبه بحبك قال: يا داود أحب عبادي إليّ تقي القلب تقي الكفين لا يأتي إلى أحد سوءًا ولا يمشي بالنميمة تزول الجبال ولا يزول أحبني وأحب من يحبني ويحببني إلى عبادي. قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى عبادك؟ قال: تذكرهم بآلائي وبلائي ونعمائي. يا داود إنه ليس من عبد يعين مظلومًا أو يمشي معه في مظلمته إلا أثبت قدميه يوم تزول الأقدام). وفي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن النسائي من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (على كل مسلم صدقة- قال: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق قال أرأيت إن لم يستطع قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة). قوله: (يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق) مرفوع في المواضع الثلاثة وقوله: (يعين ذا الحاجة الملهوف) فالملهوف يطلق على المتحير، وعلى المضطر وعلى المظلوم المستغيث. وقوله: (يمسك عن الشر فإنها صدقة) أي صدقة على نفسه، والمراد أنه إذا أمسك عن الشر لله -تعالى- كان له أجر على ذلك، كما أن للمتصدق بالمال أجرًا. وفي صحيح مسلم، ومسند أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري ﵁ أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ : (يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ونصوم ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة) الحديث هذا لفظ مسلم وأحمد، وفي رواية لأحمد عن أبي سلام، قال: قال لي أبو ذر قلت: يا رسول الله من أين أتصدق وليس لي

стр. 68

مال؟ قال: (إن من أبواب الصدقة التكبير وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وأستغفر الله. وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعزل الشوكة عن طريق الناس والعظم والحجر وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك، ولك من جماعك زوجتك أجر .. ) الحديث. قال أهل اللغة: (الدثور) -بضم الدال وبفتحها- (جمع) دثر، وهو المال الكثير. و (البضع) -بضم الباء الموحدة- هو الفرج. والبضع والمباعضة اسم (الجماع) وقوله: (تصدقون) بتشديد الصاد والدال. وقوله: (وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة) فيه إشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والثواب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر منه في التسبيح والتحميد والتهليل، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية وقد يتعين، ولا يتصور وقوعه نفلًا، والتسبيح والتحميد والتهليل نوافل. ومعلوم أن أجر الفرض أكثر من أجر النفل، لما ثبت في صحي البخاري وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ عن الله : (وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه .. ) الحديث. وقد قال إمام الحرمين أبو المعالي عن بعض العلماء: إن ثواب الفرض يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة. ذكره النواوي. والله أعلم. وفي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث حذيفة بن اليمان. قال: كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ فقال: (أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ فقلت أنا أحفظه كما هو. قال: هات، إنك لجريء. وكيف؟ قلت سمعت رسول الله ﷺ يقول: (فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فقال عمر: ليس هذا [ولكن] أريد التي تموج كموج البحر. قال: قلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إنَّ بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: فيكسر الباب أم يفتح؟ قلت: بل يكسر، قال: ذلك أحرى أن لا يغلق أبدًا.

стр. 69

(قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أنَّ دون غد الليلة إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط). قال: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله. فقال: عمر، وفي رواية لمسلم وأحمد، قال حذيفة: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال: فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره. قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر الفتن تموج كموج البحر؟ قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء. وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه). قال حذيفة وحدثته أن بينك وبينه بابًا مغلقًا يوشك أن يكسر. قال أكسرًا لا أبا لك. فلو أنه فتح لعله كان يعاد. قال لا بل يكسر. وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت. حديثًا ليس بالأغاليظ. قال أبو خالد: فقلت لسعد بن طارق: يا أبا مالك: ما أسود مربادًا إذا؟ قال: قال سده البياض في سواد. قال قلت فما الكوز مجخيًا؟ قوله: (إنك لجريء) بجيم مفتوحة وهمزة في آخره اسم فاعل من الجرأة وهي الإقدام على الصعب. وقيل: جريء غير مستحي. (وفتنة الرجل في أهله) هو ما يعرض له معهم من سوء محبته لهم وشحه عليهم وشغله بهم أو لتفريطه (بما يلزم من القيام بحقوقهم). وقوله (تكفرها الصلاة والصيام والصدقة). ونقل ابن مفلح عن ابن هبيرة أنها المفروضات ثم أضيف إليها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وجعل بمنزلتها. وقوله في الرواية الأخرى: تعرض الفتن على القلب كالحصير. قال الحميدي في

стр. 70

بعض الروايات: والمعنى فيها أن الفتن تحيط بالقلوب كالمحصور المحبوس. يقال (حصره القوم) إذا أحاطوا به وضيقوا عليه. وقال الليث حصير الجنب عرق يمتد معترضًا على الجنب إلى ناحية البطن، شبه إحاطتها بالقلوب بإحاطة هذا العرق بالبطن. وقوله: (عودًا عودًا) هو بضم العين وفتحها، أي مرة بعد مرة. وقوله: (فأي قلب أشربها) يقال: أشرب القلب هذا الأمر إذا دخل فيه وقبله وسكن فيه. وقوله: (نكتة سوداء) أي نكت فيه أثر أسود. وهو دليل السخط وكذلك قال حالة الرضا نكتت فيه نكتة بيضاء. قوله: (مربادًا) بميم مضمومة، وراء ساكنة، وموحدة مفتوحة، وهمزة مكسورة، ودال مهملة مشددة منصوبة منونة وهو الذي في لونه إلى ربده. وهو بين السواد والغبرة وقوله [كالكوز مجخيًا] بميم مضمومة، ثم جيم مفتوحة، ثم خاء معجمة مكسورة- يعني مائلًا. وفسره بعض الرواة بأنه المنكوس -كما تقدم-. ومعنى الحديث: أن القلب إذا افتتن خرجت منه حرمة المعاصي والمنكرات وخرج منه نور الإيمان كما يخرج الماء من الكوز إذا مال، والله أعلم. وروى الحكيم الترمذي، وأبو موسى محمد بن أبي بكر المديني في الترغيب والترهيب -بسنديهما عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في صفة بالمدينة فقام علينا. فقال: (إني رأيت البارحة عجبًا رأيت رجلًا من أمتي أتاه ملك الموت يقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه ورأيت رجلًا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك حتى قال لي في العاشرة: ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة حتى قال: ورأيت رجلًا من أمتي ثمان عشرة مرة) والحديث مطول). ورواه أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني في الترغيب والترهيب -أيضًا- وفيه تقديم وتأخير.

стр. 71

وكان أبو العباس ابن تيمية يعظم شأن هذا الحديث، وكذلك غيره من العلماء ﵃. وفي الترغيب والترهيب للأصبهاني بسنده، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنكم على بينة من ربكم ما لم تظهر فيكم سكرتان سكرة الجهل وسكرة حب العيش وأنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله وستحولون عن ذلك إذا ظهر فيكم حب الدنيا فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر ولا تجاهدون في سبيل الله فالقائمون يومئذ بالكتاب والسنة كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار). ورواه أبو كبر ابن أبي الدنيا من طريق آخر ولفظه: "أنتم اليوم على بينة من ربكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله، وستحولون عن ذلك إذا ظهر فيكم حب الدنيا فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر ولا تجاهدون في سبيل أنتم اليوم على بينة من ربكم ثم تظهر فيكم السكرتان سكرة الجهل، وسكرة حب العيش وستحولون عن ذلك، القائمون يومئذ بالإيمان سرًا وعلانية كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ولهم أجر خمسين. قالوا: يا رسول الله منا أو منهم؟ قال: لا، بل منكم". ورواه الحافظ أبو نعيم -في الحلية- وأبو الشيخ ابن حيان -في كتاب الأمثال- من حديث أنس مرفوعًا بلفظ: "أنتم اليوم على بينة من ربكم، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتجاهدون في الله، ثم تظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل وسكرة حب العيش وستحولون عن ذلك فلا تأمرون بمعروف ولا تنهون عن منكر ولا تجاهدون في الله القائمون يومئذ بالكتاب والسنة لهم أجر خمسين صديقًا قالوا: يا رسول الله منا أو منهم؟ قال: لا بل منكم". ورواه أبو نعيم -أيضًا- من حديث عائشة مرفوعًا: "غشيتكم السكرتان سكرة حب العيش وحبُّ الجهل فعند ذلك لا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر والقائمون بالكتاب وبالسنة كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار". ورواه -أيضًا- من حديث عروة عن أبيه مرفوعًا: "غشيتكم السكرتان، سكرة الجهل

стр. 72

وسكرة حب العيش، فعند ذلك لا تأمرون بمعروف ولا تنهون عن منكر". وروى الإمام أحمد -في المسند- من حديث بنت أبي لهب ﵂ قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر. فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ فقال: ﷺ : (خير الناس أقرؤهم وأتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم). رواه الحافظ أبو نعيم -في كتابه معرفة الصحابة- من حديث شريك، عن سماك، عن زوج درة، عن درة ﵂ قالت: دخل علي النبي ﷺ فقلت: من خير الناس يا رسول الله؟ قال: (أتقاهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم لرحمه). هكذا رواه عثمان بن أبي شيبة عن شريك خالفه الهيثم بن جميل وأحمد بن عبد الملك الحراني. فروياه عن شريك عن عبد الله بن عميرة عن زوج درة عن درة وهي بنت أبي لهب بن عبد المطلب. ورواه الإمام ابن أبي الدنيا- في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبيهقي في الزهد، وأبو الشيخ ابن حيان -في كتاب الثواب- والله أعلم. وروى ابن خزيمة- في صحيحه، وأبو القاسم الأصبهاني بسنديهما عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم. فقال رجل من القوم: يا رسول الله هذا من أشد ما أتيتنا به، قال رسول الله ﷺ : إن أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر صلاة، وحملك عن الضعيف صلاة، وإحالة القذر عن الطريق صلاة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صلاة). قوله: (الميسم) بالمثناة التحتية- هي العلامة أي على كل عضو موسوم بالصنع صنع الله. وقيل: منسم بالنون بالمراد به العظم والله أعلم. وفي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن النسائي، والبيهقي، وصحيحي

стр. 73

الحاكم، وابن حبان، والمعجم الكبير للطبراني بألفاظ مختلفة، عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : (أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله. قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها. قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعًا أو تصنع لأخرق. قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك). هذا لفظ الصحيحين، وأحمد. ورواه الأصبهاني من حديث أبي الدرداء عويمر. قال: (قلت: يا نبي الله إن مع الإيمان عملًا؟ قال: يرضخ مما رزقه الله. قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان فقيرًا لا يجد ما يرضخ به؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قال: قلت: يا رسول الله إن كان عيبًا لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: يعين صانعًا أو يصنع لأخرق. قال: قلت: يا نبي الله إن كان أخرق ولا يستطيع أن يعين مغلوبًا؟ قال: ما تريد أن تترك في صاحبك من خير؟ قال: ليمسكن أذاه عن الناس. قلت: يا نبي الله إذا فعل ذلك يدخل الجنة؟ قال: ما من مسلم أو مؤمن يفعل خصلة من هؤلاء إلا أخذت بيده حتى يدخل الجنة). (الرضخ) الصدقة اليسيرة. و(الأخرق) الذي لا يحسن كسبًا ولا يستطيع. وقيل الأخرق الذي لا رزق له ولا سياسة عنه والخرقان للنساء كذلك. وقيل الأخرق الجاهل بما يجب أن يعمله. وقيل الجاهل هو الأحمق والله أعلم. وفي صحيح مسلم، وسنن أبي داود، والنسائي من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) هذا لفظ مسلم ولفظ أبي داود: قال يصبح على كل سلامى من بني آدم صدقة. وتسليمه على من لقي صدقة وأمره بالمعروف

стр. 74

صدقة ونهيه عن المنكر صدقة. وإماطة الأذى عن الطريق صدقة. وبصعد أهله صدقة ويجزي من ذلك كله ركعتان من الضحى. زاد في رواية: قالوا: يا رسول الله أحدنا يقضي شهوته فيكون له صدقة؟ قال: أرأيت إن وضعها في غير حلها ألم يكن يأثم؟ . وحكى صاحب الأطراف رواية أبي داود للنسائي، وروى الحديث بلفظ آخر. وقال أهل اللغة: السلامى- بضم السين المهملة، وتخفيف اللام، وفتح الميم- المفصل. وفي صحيح مسلم، وسنن النسائي -أيضًا- من حديث عبد الله بن فروخ، أنه سمع (عائشة) ﵂ تقول: قال رسول الله ﷺ : (إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرًا عن طريق الناس أو شوكة أو عظمًا عن طريق الناس، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر، عدد تلك الستين وثلاثمائة مفصل، فإنه يمشي -يومئذ- وقد زحزح نفسه عن النار). قال أبو توبة الربيع بن نافع، وربما قال: (يمسى) يعني بالمهملة. وفي رواية- بعد قوله: (عن منكر) - أو علم خيرًا أو تعلمه. قوله: (مفصل) بفتح الميم وكسر الصاد. و(فروخ) - بفتح الفاء، وتشديد الراء، آخره خاء معجمة -أعجمي لا ينصرف- والله أعلم. وروى الترمذي، وابن حبان -في صحيحه- من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك م دلوك في دلو أخيك لك صدقة). قال الترمذي: حديث حسن. ورواه ابن حبان بلفظ: (ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس. قيل: يا رسول الله ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟ فقال: إن أبواب الخير لكثيرة: التسبيح والتحميد، والتكبير، والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميط الأذى

стр. 75

عن الطريق وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف فهذا كله صدقة منك على نفسك). وقد تقدم بعض روايات هذا الحديث. ورواه البزار، والطبراني من حديث ابن عمر. ولفظه: (إن تبسمك في وجه أخيك يكتب لك به صدقة، وإماطتك الأذى عن الطريق يكتب لك به صدقة. وإن أمرك بالمعروف صدقة وإرشادك الضال يكتب لك به صدقة). (أرض الضلال) يعني المضلة. (والإماطة) الإزالة. (والأذى) كل ما يتأذى منه في الطريق دق أو جل. قاله أهل اللغة وروى الحافظ أحمد البيهقي، عن ليلى امرأة بشير بن معبد المعروف بابن الخصاصية عن زوجها بشير ﵁ أنه سأل النبي ﷺ أصوم يوم الجمعة ولا أكلم ذلك اليوم أحدًا؟ فقال النبي ﷺ : (لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها في شهر وأن لا تكلم أحدًا فلعمري لأن تكلم فتأمر بمعروف أو تنهى عن منكر خير من أن تسكت). وروى أبو حفص عمر بن شاهين، م طريق عبد الرحمن بن عمر بن جبلة. قال: حدثتنا حبة بنت شماح قالت: حدثتني بهية، عن أبيها. قال: سألت رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: (إسباغ الوضوء، والصلاة لوقتها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأمر بالمعروف ما استطعت وأن تلقى الله ولسانك (رطب) من ذكره). وروى الحافظ ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي ذر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كان عليه سلطان فأراد أن يذله نزع الله ربقة الإسلام من عنقه حتى يعود فيكون فيمن يعزه).
следующие страницы →