← Сияса и кади

Сияса и кади · id 36111

بذل النصائح الشرعية فيما على السلطان وولاة الأمور وسائر الرعية

أبو حامد المقدسي

Полный текст (399 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

في العارية الفقراء الذين يصعب عليهم تحصيل الكتب على الأغنياء، وكثيراً ما يشترط الواقف ألا يخرج الكتاب إلا برهن محرز قيمته، وهو شرط صحيح معتبر، فليس للخازن أن يخرجه إلا برهن، صرح به القفال في الفتاوى، والسبكي في تكملة شرح المهذب وذكر أنه ليس هو الرهن الشرعي. العاشر: "شيخ الرواية عليه أن يسمع المحدثين، ويستمع لما يقرؤونه، لفظة لفظة، بحيث يصح سماعهم، وليصبر عليهم؛ فإنهم وفد الله تعالى، ومتى وجد جزء حديث وكتاب تفرد شيخ بروايته كان فرض عين، عليه أن يسمعه". الحادي عشر: "كاتب السماع، عليه ضبط أسماء الحاضرين والسامعين، وتأمل من يسمع، ومن لا يسمع، وألا يكون كاذباً على النبي ﷺ بقوله /: "إن فلاناً سمع ولم يسمع، فإن هو تساهل في ذلك، فليتبوأ مقعده من النار".

стр. 142

الثاني عشر: "الخطيب، عليه أن يرفع صوته بحيث يسمعه أربعون نفساً من أهل الجمعة عندنا، فلو خطب سراً بحيث لم يسمع نفسه لم يصح" على الصحيح، وكذا لو كانوا صماً لا يسمعون لم يصح"، وأوصيه بتقوى الله فإنها رأس ماله، وهو بها أجدر من غيره، فإنه يوصي الناس بها، ويقبح عليه أن يكون بخلاف ذلك، وللناس في ذلك كلام كثير من نظم ونثر، فمنه "أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇ يابن مريم عظ نفسك، فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستح مني". "وأما الالتفات في الخطبة، والدق على درج المنبر في صعوده، والدعاء إذا انتهى صعوده قبل أن يجلس، والمجازفة في وصف السلاطين عند الدعاء لهم، والمبالغة في الإسراع في الخطبة الثانية. فكل ذلك مكروه، ولا بأس بالدعاء للسلطان بالصلاح ونحوه، فإن صلاحه صلاح المسلمين، ولا يطيل الخطبة على الناس؛ فإن وراءه الشيخ، والضعيف، والصغير، وذا الحاجة، ولا يأتي بألفاظ قلقة يصعب فهمها على غير الخاصة، بل يذكر الواضح من الألفاظ، ولا يتكلف السجع، إلى

стр. 143

غير ذلك مما ذكره الفقهاء". الثالث عشر: "الواعظ، وعليه نحو ما على الخطيب، فليذكر بأيام الله تعالى، وليخف القوم في الله وينبئهم بأخبار السلف الصالحين وما كانوا عليه، وأهم ما ينبغي له، وللخطيب أن يتلو على نفسه ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾، ويتذكر قول الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم واعلم أن الكلام إذا خرج من القلب، وصل إلى القلب، فكل خطيب وواعظ لاه يكون عليه سيما الصلاح قل أن ينفع الله به". الرابع عشر: "القاص، وهو من يجلس، أو يقف في الطرقات يذكر شيئاً من الآيات، والأحاديث، وأخبار السلف، وينبغي له ألا يذكر إلا ما تفهمه العامة،

стр. 144

ويشتركون فيه، من الترغيب في الصلاة، والصوم، وإخراج الزكاة، والصدقة، ونحو ذلك، ولا يذكر عليهم شيئاً من أصول الدين، وفنون العقائد، وأحاديث الصفات؛ فإن ذلك يؤذيهم، ويجرهم إلى ما لا ينبغي". الخامس عشر: "قارئ الكرسي: وهو من يجلس يقرأ للعامة على "كرسي" شيئاً من الرقائق، والحديث، والتفسير، فيشترك هو والقاص في ذلك ويفترقان في أن القاص يقرأ من صدره وحفظه، وأما هذا فيقرأ من كتاب، ولا بأس بقراءته مثل: إحياء علوم الدين للغزالي و "رياض الصالحين" للنووي، و "سلاح المؤمن" و "الأدعية" لابن الإمام ونحوها".

стр. 145

السادس عشر: "الإمام من حقه النصح للمؤتمين خلفه: بأن يخلص في صلاته، ويجأر في دعائه، ويتضرع في ابتهاله، ويحسن طهارته وقراءته، ويحضر إلى المسجد أول الوقت؛ فإن اجتمع الناس بادر بالصلاة، وإلا انتظر الجمع ما لم يفحش الانتظار، وبالجملة ينبغي أن يأتي بصلاته على أكمل ما يطيقه من الأحوال، ومراعاة الخلاف، ومما تعم به البلوى إمام مسجد يستنيب في الإمامة بلا عذر /، وقد أفتى الشيخ عز الدين بأنه لا يستحق معلوماً؛ لأنه لم يباشر، ولا يستحق نائبه؛ لأنه غير متول، ووافقه النووي، لكن توقف فيه السبكي"، "وأما من جمع بين إمامة مسجدين فالذي يظهر أنه لا يجوز؛ لأنه مطالب في كل واحد منهما بأن يصلي أول الوقت، وتقديم أحد المسجدين على الآخر تحكم ولا ضرورة إلى ذلك. وأما تولية مدرستين شرط حضور كل منهما في وقت معين يلزم من حضوره في هذه إهمال تلك، فلا يجوز أيضاً". السابع عشر: "المؤذن. فعليه معرفة الوقت، وإبلاغ الصوت. ويؤذن للصبح من نصف الليل، وعند وجوب الوقت، ولذلك فيسن لهما مؤذنان وينبغي له إتقان معرفة علم الميقات لتحقق فن

стр. 146

الهيئة وجهة القبلة على الخصوص". الثامن عشر: "الصوفية. (حياهم الله) وقد تشعبت الأقوال فيهم تشعيباً ناشئاً عن الجهل بحقيقتهم ولكثرة المتلبسين بهما بحيث "قال الشيخ أبو محمد الجويني: "لا يصح الوقف عليهم؛ لأنه لا حد لهم يعرف، والصحيح صحته، وأنهم المعرضون

стр. 147

عن الدنيا، المشتغلون في أغلب الأوقات بالعبادة، ومن ثم قال الأستاذ أبو [القاسم] الجنيد: التصوف استعمال كل خلق سني وترك كل خلق دنيء". "وقال أبو بكر الشبلي: "ضبط حواسك، ومراعاة أنفاسك، وقال ذو النون: الصوفي من إذا نطق أبان نطقه عن الحقائق، وإذا سكت نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق"، وقال علي بن بندار: "التصوف إسقاط رؤية.

стр. 148

الخلق ظاهراً أو باطناً". وقال أبو علي الروذباري: الصوفي من لبس الصوف على اصلفا، وأذاق الهوى طعم الجفاء، ولزم طريق المصطفى، وكانت الدنيا منه القفا". "وقال الشيخ الإمام تقي الدين السبكي ينشد: تنازع الناس في الصوفي واختلفوا … قدما، وظنوه مشتقاً من الصوف ولست أنحل هذا الاسم غير فتى … صافي فصوفى حتى لقب الصوفي وهذه عبارات متقاربة. والحاصل أنهم أهل الله سبحانه وخاصته، الذين

стр. 149

ترتجي الرحمة بذكرهم، ويتنزل الغيب بدعائهم؛ فرضي الله عنهم وعنا بهم، وللقوم أوصاف وأخبار اشتملت عليها كتبهم" "وطرقهم كما قال شيخ الطائفة [أبو القاسم] الجنيد: طريقنا هذا مظبوط بالكتاب والسنة. وقال: الطريق مسدود على خلق الله، إلا على المقتفين آثار رسول الله ﷺ ومن حقهم تربية المريد إذا لاحت عليه لوائح الخير، وإمداده بالخاطر" والدعاء. ومنها: "الوقوف في إظهار ما يطلعهم الله عليه من المغيبات، ويخصهم به

стр. 150

من الكرامات، على الإذن وهم لا يجيزون إشهارها، بلا فائدة، ولا يظهرونها إلا عن إذن لفائدة دينية: من تربية، أو بشارة، أو نذاره". "واعلم أنه قد تشبه بالقوم من ليس منهم؟ فأوجب ذلك نسبة أوليائهم إلى سوء الظن، ولعل ذلك من الله سبحانه قصداً لإخفاء لهذه الطائفة، التي تؤثر الخمول / على الظهور. وأكثرهم لا يرضى بدخول الخوانق، ولا (التعلق بشيء من) أسباب الدنيا. ونحن نتذكر بهم ولا نذكرهم. ولكنا نتكلم على ذوي الأسباب منهم فنقول". التاسع عشر: "شيخ الخانقاه. وربما سمي شيخ الشيوخ؛ وربما قيل شيخ شيوخ العارفين وكان بعض العلماء يشدد النكير في هذه العبارة، ويقول: لم يقنع بادعاء المعرفة؛ حتى ادعى أنه

стр. 151

شيخ شيوخها فحق على شيخ الخانقاه تربية المريد، وحمل الأذى والضين على نفسه، واعتبار قلوب جماعة قبل قوالبهم، والكلام مع كله منهم بحسب ما يقبله عقله، ويحمله قواه، ويصل إليه ذهنه، والكف عن ذكر ألفاظ ليس سامعها من أهلها، كالتجلي، والمشاهدة ورفع الحجاب، والسكر، ونحوها. فإن في ذكرها له من المفاسد ما لا خفاء به، بل يأخذ المريد بالصلاة والتلاوة والذكر، وتربيته على التدريج".

стр. 152

العشرون: "فقراء الخوانق. "وأنت قد عرفت معنى الصوفي، (فقل لفقير) الخانقاه: إذا دخلتها (لتسد رمقك" وتستعين على حصول التصوف والعبادة، فلا بأس. وإن دخلتها لتجعلها وظيفة تحصل بها الدنيا، ولست متصفاً بالإعراض عنها، فأنت مبطل لا تستحق في وقف الصوفية شيئاً، وكل ما تأكله منها حرام؛ لأن الواقف لم يقفها إلا على الصوفية، وأنت لست منهم في شيء. وقد كثر من جماعة اتخاذ الخوانق أسباباً، والدلوق المرفعة طرائقاً للدنيا، فلم يتخلقوا من أخلاق القوم بغير لباء الزوو، وهؤلاء المتشبهة الذين (فيهم يقول) الإمام الشافعي فيما نقل عنه: (رجل نؤوم) أكول كثير الفضول.

стр. 153

"وقال أبو المظفر السمعاني: نعوذ بالله من العقرب، [والفار]، ومن الصوفي إذا عرف باب الدار، وكان أبو حيان يقول: هؤلاء أكلة بطلة سطلة لا شغل، ولا مشغلة، وقيل: "رجل يظهر الإسلام، ويبطن فاسد العقيدة، ونهاية الإقدام في رجله جمجم، وعذبته من قدام، يكون غالباً من بلاد الأعجام". "ولكن فيهم ولله الحمد: من لا يدخل الخانقاه إلا ليقطع، علائقه ويشتغل بربه، ويرضى بما تيسر منها معيناً له على سد رمقه وستر عورته فلله دره". الحادي والعشرون: "خادم الخانقاه. من حقه توفير أوقاتهم للعبادة؛ فإنه في عبادة ما دام يعينهم عليها هذه النية،

стр. 154

فينبغي له السعي في كل ما يكون [ذريعة إلى] ذلك، وينبغي احتياطه بفاضل أقواتهم، ووضعه في مستحق: من مسكين، أو هرة، ولا يرميه؛ فليس من شيمتهم طرد الزاد. وينبغي له أن ينمى وقفهم، كما ذكرنا في مباشري الأوقاف، فإنه المتكلم عنهم في مصالحهم". الثاني والعشروين: "شيخ الزاوية. وغالب الزوايا في البراري، والقرى، فمن حقه تهيئة الطعام للواردين، والمحتاجين، ومؤانستهم إذا قدموا، بحيث تزول عنهم خجلة الغربة، ولا بأس بإفراد مكان للوارد؛ لئلا يستحي وقت أكله وراحته".

стр. 155

الباب الثالث في الكلام على حقيقة الحسبة وما على المتحسب بخصوصه وما يشارك فيه غيره من الحكام وما ينفرد به

стр. 156

الفصل الأول أما الحسبة فقال الإمام أبو الحسن الماوردي في كتاب "الأحكام السلطانية" هي الأمر بالمعروف، إذا ظهر. تركه، والنهي عن المنكر إذ ظهر فعله. قال الله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾. وهذا إن صح عن كل مسلم، فالفرق فيه بين المحتسب، والمتطوع من تسعة أوجه: أحدها: أن فرضه متعين على المحتسب بحكم الولاية، وفرضه على غيره داخل في فرض الكفاية. الثاني: أن قيام المحتسب به من حقوق تصرفه الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه بغيره. الثالث: أنه منصوب للاستعداد إليه [فيما] يجب إنكاره بخلافه. الرابع: أن عليه إجابة من للاستعداء بخلافه. الخامس: أن عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة (ليصل إلى إنكارها)،

стр. 157

ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته، وليس على غيره من المتطوعة بحيث، ولا فحص. السادس: أن له أن يتخذ على الإنكار أعواناً؛ لأنه عمل هو له منصوب، وإليه مندوب، ليكون له أقهر، وعليه اقدر، وليس لغيره ذلك. السابع: أن له أن يعزر في المنكرات الظاهرة ولا يتجاوزها إلى الحدود، وليس للمتطوع ذلك. الثامن: أن له أن يرتزق على حسبته من بيت المال وليس للمتطوع ذلك. التاسع: أن له اجتهاد رأيه فيما يتعلق بالعرف دون الشرع، كالمقاعد في الأسواق، وإخراج الأجنحة، فيقر وينكر من ذلك ما أداه (إليه اجتهاده) وليس ذلك للمتطوع. ومن شروط المحتسب: أن يكون حراً عدلاً، ذا رأي صالح، وصرامة وخشونة في الدين، عالم بالمنكرات الظاهرة، اختلف أصحاب الشافعي هل يجوز له أن يحمل الناس فيما ينكره من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا؟

стр. 158

على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي سعيد الاصطخري أنه (له ذلك) وعليه يجب أن يكون عالماً من أهل الاجتهاد في أحكام الدين، ليجتهد فيها رأيه فيما اختلف فيه. الثاني: ليس له ذلك، ولا يردهم إلى مذهبه، بتسويغ اجتهاد الكافة فيما اختلف فيه، وعليه يجوز أن يكون من غير أهل الاجتهاد إذا كان عارفاً بالمنكرات المتفق عليها.

стр. 159

الفصل الثاني اعلم أن الحسبة واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم، فهي لأحكام القضاء من وجهين: أحدهما: جواز الاستعداء إليه، وسماعه دعوى المستعدي على المستعدى عليه في حقوق الآدميين، وليس هذا على عموم الدعاوى، وإنما يختص بثلاثة أنواع منها: أحدها: أن يكون فيما يتعلق ببخس أو تطفيف في كيل أو وزن. الثاني: فيما يتعلق بغش، أو تدليس في مبيع أو ثمن. الثالث: فيما يتعلق بمطل وتأخير لدين مستحق مع المكنة. وإنما جاز نظره في هذه الأنواع الثلاثة دون ما عداها لتعلقها بمنكر ظاهر، هو منصوب لإزالته، واختصاصها بمعروف بين، هو مندوب إلى إقامته؛ / لأن موضوع الحسبة: إلزام الحقوق والمعونة على استيفائها، وليس للناظر فيها أن يتجاوز ذلك إلى الحكم الناجز والفصل البات. الثاني: من وجهي الموافقة: أن له إلزام المدعى عليه الخروج من الحق الذي عليه،

стр. 160

وليس هذا على العموم في كل حق، وإنما هو خاص في الحقوق التي جاز له سماع الدعوى فيها، إذا وجبت باعتراف مع مكنة ويسار، فيلزم المقر للموسر الخروج منها، ودفعها إلى مستحقها؛ لأن في تأخيره لها منكر مع القدوة هو منصوب لإزالته. وقاصرة عنها من وجهين: أحدهما: قصورها عن سماع عموم الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات، من الدعاوى في العقود، والمعاملات، وسائر الحقوق والمطالبات، فلا يجوز له أن ينتدب لسماع الدعوى لها، وألا يتعرض للحكم فيها، لا في كثير الحقوق، ولا في قليلها، من درهم فما دونه، إلا أن يرد ذلك إليه بنص صريح، يزيد على إطلاق الحسبة، فيجوز ويصير بهذه الزيادة جامعاً بين قضاء وحسبة، فيراعي فيه أن يكون من أهل الاجتهاد؛ وإن اقتصر به على مطلق الحسبة، فالقضاة والحكام بالنظر في قليل ذلك وكثيره أحق. الثاني: أنها مقصورة على الحقوق المعترف بها، فأما ما تداخله التجاحد والتناكر فلا يجوز النظر فيها، لأن الحكم فيها يقف على سماع بينة (واختلاف يمين، ولا يجوز للمحتسب أن يسمع بينة) على إثبات حق، ولا أن يحلف يميناً على نفي حق، والقضاة والحكام بسماع البينات، وإحلاف الخصوم أحق، وزائدة عليها من وجهين:

стр. 161

أحدهما: أنه يجوز للناظر فيها أن يتعرض لتصفح ما يأمر به من المعروف، وينهي عنه من المنكر، وإن لم يحضره خصم يستعدي، وليس للقاضي أن يتعرض لذلك إلا بحضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه، فإن تعرض القاضي لذلك وليس للقاضي خرج عن منصب ولايته، وصار متجوزاً في قاعدة نظره. الثاني: أن للناظر في الحسبة من سلاطة السلطنة، واستطالة الحماة فيما يتعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة؛ لأن الحسبة موضوعة (على الرهبة)، فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة، والغلظة تجورا فيها، ولا خرقاً، والقضاء موضوع للمناصفة، فهو بالأناة، والوقار أخص. وأما بين الحسبة، والمظالم فبينهما شبه مؤتلف، وفرق مختلف أما الشبه الجامع بينهما فمن وجهين: أحدها: أن موضوعها مستقر على الرهبة المختصة بسلاطة السلطنة وقوة الصرامة. والثاني: جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح، والتطلع إلى إنكار العدوان الظاهر. وأما الفرق بينهما من وجهين:

стр. 162

أحدهما: أن النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة، والنظر في الحسبة موضوع لما رفه عنه القضاة، ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى، ورتبة الحسبة أخفض، وجاز لوالي المظالم أن يرفع إلى القضاة، والمحتسبة، ولم يجز للقاضي أن يرفع (إلى والي) المظالم، وجاز له أن يرفع إلى المحتسب، ولم يجز للمحتسب أن يرفع إلى واحد منهما. الثاني: أنه يجوز لوالي المظالم أن يحكم، ولا يجوز (لوالي الحسبة) / أن يحكم … انتهى.

стр. 163

الفصل الثالث إذا تقرر ما وصفناه من موضوع الحسبة، ووضح الفرق بينها وبين القضاة، والمظالم، فهي تشتمل على فصلين: أحدهما: أمر بمعروف. والثاني: نهي عن منكر؛ فأما الأمر بالمعروف فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما يتعلق بحقوق الله. الثاني: ما يتعلق بحقوق الآدميين. والثالث: ما كان مشتركاً بينهما. فالأول ضربان: أحدهما: ما يلزم الأمر به في الجماعة دون الانفراد، كترك الجمعة في وطن مسكون، فإن كانوا عدداً قد اتفق على انعقاد الجمعة بهم، كالأربعين فما زاد فواجب أن يأخذهم بإقامتها، ويأمرهم بفعلها، له أن يأمرهم بصلاة العيد؛ فإن قلنا: هي مسنونة كان الأمر بها ندباً، وإن قلنا من فروض الكفاية كان الأمر بها حتماً. وأما صلاة الجماعة في المساجد، وإقامة الآذان فيها للصلوات، فمن شعائر

стр. 164

الإسلام، وعلامات متعبداته، التي فرق بها رسول الله ﷺ بين دار الإسلام ودار الشرك. فإذا أجمع أهل محلة، أو بلد على تعطيل (الجماعات، ومساجدهم) وترك الآذان في أوقات صلواتهم، كان المحتسب مندوباً إلى أمرهم بذلك، وهل هو واجب عليه، يأثم بتركه أو مستحب له من يثاب على فعله؟ وجهان: فأما من ترك ذلك من آحاد الناس، أو ترك الآذان والإقامة لصلواته، فلا اعتراض للمحتسب عليه إذا لم يجعله عادة، وإلفاً؛ لأنها من الندب الذي يسقط بالأعذار، إلا أن يقترن به استرابة، أو يجعله إلفاً وعادة، ويخاف تعدي ذلك إلى غيره في الاقتداء به، فيراعى حكم المصلحة في زجره. والثاني: ما يؤمر به أحاد الناس، كتأخير الصلاة حتى تخرج وقتها، فيذكر بها ويؤمر بفعلها، ويراعى جوابه عنها.

стр. 165

فإن قال: تركها (لنسيان حثه) على فعلها بعد ذكره، ولم يؤدبه، فإن تركها لتوان أو هوان، أدبه زجراً وأخذه بفعلها جبراً، ولا اعتراض على من أخرها والوقت باق، لاختلاف الفقهاء في فضل التأخير، وكذلك الطهارة إذا فعلها على وجه سائغ يخالف فيه رأي المحتسب من إزالة النجاسة بالمائعات، والوضوء بما [تغير] بالمذرورات الطاهرات، والاقتصار على مسح أقل الرأس، أو العفو عن قدر

стр. 166

الدرهم من النجاسة، فلا اعتراض له في شيء من ذلك بأمر، ولا نهي. ولكن في اعتراضه عليهم في الوضوء بالنبيذ عندم عدم الماء وجهان، لما فيه من الإفضاء إلى استباحته على كل الأحوال، وأنه ربما يؤول شاربه إلى السكر، ثم على نظائر هذا الباب تكون أوامره بالمعروف في حقوق الله تعالى وأما المتعلق بحقوق الآدميين، فضربان، أيضاً عام، وخاص. فأما العام: فكالبلد إذا تعطل شربه، أو استهدم سوره، أو كان يطرقه بنوا السبيل من ذوي الحاجات، فكفوا عن معونتهم، فإن كان في بيت المال مال لم يتوجه عليهم في ذلك، طلب وكذا لو استهدمت مساجدهم وجوامعهم، ومراعاة ابن السبيل فهو فيهم، متوجه إلى كافة ذوي المكنة منهم، ولا يتعين أحدهم في الأمر به. فإن شرعوا فيه سقط عن المحتسب حق الأمر به، وعليه أن يأخذهم ببناء ما هدموه وليس له أن يأخذهم بإتمام ما / استأنفوه.

стр. 167

وأما الخاص فكالحقوق إذا بطلت، والديوان إذا أخرت، فللمحتسب أن يأمر بالخروج منها مع المكنة إذا استعداه أصحاب الحقوق، وليس له أن يحبس بها لأن الحبس حكم، وله أن يلازم عليها لأن لصاحب الحق أن يلازم، وليس له الأخذ بنفقات الأقارب لافتقار ذلك إلى اجتهاد شرعي فيمن (تجب له، ويجب عليه) إلا أن يكون الحاكم قد فرضها، فيجوز للمحتسب أن يأمره بالقيام بها بشرطه. وأما قبول الوصايا والودائع، فليس له أن يأمر بها أعيان الناس وأحادهم، وله أن يأمر بها على العموم حثاً على التعاون بالبر والتقوى، ثم على هذا المثال تكون أوامره بالمعروف في حقوق الآدميين، وأما ما كان مشتركاً بين حقوق الله تعالى، وحقوق الآدميين فكأخذ الأولياء بإنكاح الأيامى، والصالحين من أكفائهن إذا طلبن، وإلزام النساء أحكام العدد إذا فورقن. وله تأديب من خالف في العدة من النساء، وليس له تأديب من امتنع من الأولياء، ويأخذ السادة بحقوق العبيد، والإماء، وأن [لا يكلفوا] من العمل ما لا يطيقون، وكذا أرباب البهائم يأمرهم بعلفها إذا قصروا، وأن لا يستعملوها فيما لا تطيق.

стр. 168

ومن أخذ لقيطاً في كفالته أمره أن يقوم بحق التقاطه، أو يسلمه إلى من يلتزم بكفالته. وكذا واجد الضوال إذا قصر فيها، يأخذه بمثل ذلك من القيام بها، أو تسليمها إلى من يقوم بها، ويكون ضامناً للضالة بالتقصير، ولا يكون ضامناً للقيط، وغذا سلمها إلى غيرها ضمنها، ولا يضمن اللقيط بالتسليم، ثم على نظائر هذا المثال.

стр. 169

الفصل الثاني: في النهي عن المنكر وينقسم أيضاً ثلاثة أقسام: أحدهما: ما كان من حقوق الله تعالى. والثاني: ما كان من حقوق الآدميين. والثالث: ما كان مشتركاً بين الحقين. فالأول على ثلاثة أقسام: أحدها: ما تعلق بالعبادات. والثاني: ما تعلق بالمحظورات. والثالث: ما تعلق بالمعاملات. أما المتعلق بالعبادات؛ فكالقاصد مخالفة هيئتها المشروعة، وتغيير أوصافها المسنونة كأن يقصد الجهر في صلاة الأسرار، وعكسه، أو يزيد فيها، أو في الآذان أذكاراً غير مسنونة، فلمحتسب إنكارها عليه، وتأديب المعاند فيها، إذا لم يقل بما ارتكبه إمام متبوع. وكذا إذا أخل بتطهير جسده، أو ثوبه، أو موضع صلاته، أو بترك الغسل من الجنابة، أو الوضوء، أو الصلاة والصيام، أنكره عليه إذا تحقق ذلك منه، ولا يؤاخذه بالتهمة والظنون، ولكن يجوز له معها أن يعظ ويحذر من عذاب الله تعالى على إسقاط حقوقه، والإخلال بمفروضاته. فإن رآه يأكل في شهر رمضان، لم يقدم على تأديبه، إلا بعد سؤاله عن سبب أكله، إذا التبست أحواله، فربما كان مريضاً، أو مسافراً، ويلزمه السؤال إذا زهرت منه أمارات الريب، فإن ذكر عذراً كف عن زجره، وأمره

стр. 170

بإخفاء أكله، لئلا يعرض نفسه للتهمة، ولئلا يقتدي به من ذوي الجهالة من لا يميز، ولا يلزم إحلافه عند الاسترابة بقوله؛ لأنه موكول إلى أمانته، وإن لم يذكر عذراً جاهر بالإكار عليه وأدبه. فأما الممتنع / من إخراج زكاته؛ فإن كان من الأموال الظاهرة، فلعامل الصدقة أخذها منه جبراً أخص، وهو بتعزيره على الغلول إن لم يجد لع عذراً أحق، وإن كان من الأموال الباطنة فيحتمل أن يكون العامل (بالإنكار عليه أخص)، لأنه لو دفعها إليه أجزأه، ويكون تأديبه معتبراً بشواهد حاله في الامتناع من إخراجها، فإن ذكر أنه يخرجها سراً، وكل إلى أمانته فيها، إن رأى رجلاً يتعرض لمسألة الناس، وطلب الصدقة، وعلم أنه غني عنها بمال أو عمل، أنكر عليه وأدبه فيه. فقد فعل عمر ﵁ مثل ذلك مع قوم من أهل الصفة، وإن رأى عليه آثار الغنى، وهو يسأل أعلمه تحريمها على المستغني، عنها ولم ينكر عليه لجواز أن

стр. 171

يكون في الباطن فقيراً فإن كان ذا جلد وقوة على العمل، زجره وأمره أن يتعرض للاحتراف بعمله فإن أصر على المسألة عزر حتى يقلع عنها، وإذا وجد من يتصدى لعلم الشرع من ليس من أهله، من فقيه، أو واعظ، ولم يأمن اغترار الناس به، في سوء تأويل، أو تحريف جواب، أنكر عليه التصدي لما ليس من أهله، وأظهر أمره لئلا يغتر به، ومن أشكل عليه أمره لم يقدم عليه بالإنكار إلا بعد الاختبار. مر علي بن أبي طالب – ﵁ – بالحسن البصري ﵀ – وهو يتكلم على الناس فاختبره، وقال له: ما عماد الدين؟، قال: الورع، قال: فما آفته، قال: الطمع، قال: تكلم الآن إن شئت؟. وهكذا لو ابتدع بعض المنتسبين للعلم قولاً خرق به الإجماع، وخالف فيه النص، ورد قوله علماء عصره، أنكره عليه وزجره عنه، فإن أقلع وتاب، وإلا فالسلطان بتهذيب الدين أحق. وإذا انفرد بعض المفسرين لكتاب الله تعالى بتأويل، عدل فيه عن ظاهر التنزيل إلى باطن بدعة فتكلف له أغمض معانيه، أو انفرد بعض الرواة

стр. 172

بأحاديث مناكير رواتها تنفر منها النفوس لبعدها عن التأويل، كان (على المحتسب) إنكار ذلك والمنع منه، إذا تميز عنده الصحيح من الفاسد، والحق من الباطل، وذلك من أحد وجهين: إما أن يكون لقوته في العلم أو اجتهاده فيه وإما أن [يتفق] علماء الوقت على إنكاره وابتداعه فنعول على الإنكار على أقاوليهم، وفي المنع منه على اتفاقهم. وأما المتعلق بالمحظورات فهو أن يمنع الناس من مواقف الريب، ومظانها ويقدم الإنكار، ولا يعجل بالعقوبة قبل الإنكار. فإذا رأى وقفة رجل مع امرأة في طريق سابل لم يظهر منهما أمارات الريب، لم يتعرض عليهما بزجر ولا إنكار، إذ لا يجد الناس بداً من هذا، وإن كانت في طريق خال، فخلو المكان ريبة، فينكرها ولا يعجل في التأديب، حذراً من أن تكون ذات محرم، وليقل إن كانت ذات محرم فصنها عن مواقف الريب، وإن كانت أجنبية فخف الله تعالى من خلوة تؤديك إلى معصية الله تعالى، وليكن زجره بحسب الأمارات، وإذا جاهر رجل بإظهار الخمر، فإن كان مسلماً أرقها وأدبه، وإن / كان ذمياً

стр. 173

أدب على إظهارها. واختلف الفقهاء في إراقتها عليه، فعند الشافعي ﵁: أنها تراق عليهم؛ لأنها لا تضمن عنده في حق المسلم ولا الكافر. وذهب أبو حنيفة – ﵁ – إلى أنها لا تراق عليه؛ لأنها عنده من أموالهم المضمونة في حقوقهم. وأما المجاهرة بإظهار النبيذ، فعند أبي حنيفية ﵁ أنه من الأموال التي تقر المسلمون عليها، فيمنع من إراقته ومن التأديب على إظهار. وعند الشافعي: أنه ليس بمال كالخمر، وليس في إراقته غرم، فيعتبر والي الحسبة شواهد الحال فيه، (وينهي منه) عن المجاهرة، ويزجر إن كان لمعاقرة، ولا يريقه عليه إلا أن يأمره بإراقته حاكم من أهل الاجتهاد، لئلا يتوجه عليه غرم إن حكم فيه. وأما السكران فإن تظاهر سكره، وسخف هجرة، أدبه عليه تعزيراً لا حداً، لقلة مراقبته وظهور سخفه.

стр. 174

وأما المجاهرة بإظهار الملاهي المحرمة، فعلى المحتسب أن يفصلها حتى تصير خشباً يزول هن حكم الملاهي، ويؤدب عليها، ولا يكسرها إن كان خشبها يصلح لغير الملاهي. وأما اللعب بالبنات، فليس يقصد بها المعاصير، وإنما يقصد بها تربية الأولاد، ففيها وجه من وجوه التدبير، تفارقه معصية، تصوير ذوات الأرواح، وتشابه الأصنام، فللتمكين منها وجه، والممتنع منها وجه ويحسب ما يقتضيه شواهد الحال يكون إقراره وإنكاره. "قد دخل رسول الله – ﷺ – على عائشة ﵂، وهي تلعب بالبنات، فأقرها ولم ينكر عليها". وأما ما لم يظهر من المحظورات، فليس للمحتسب أن يبحث عنها، ولا أن يهتك الأستار حذراً من الاستسرار بها، قال النبي ﷺ : "من أتى شيئاً من هذه القاذورات [فليستتر] بستر الله، فإنه من يبدلنا صفحته (نقم حد الله

стр. 175

تعالى عليه)، فإن غلب على ظنه استسرار قوم بها (لأمارة دلت، وآثار ظهرت) فذلك ضربان: أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق بصدقه، أن رجلاً خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس، ويقدم على الكشف والبحث، حذاراً من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم، وارتكاب المحظورات، وكذا لو عرف ذلك قوم من المتطوعة، جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار. الثاني: ما خرج عن هذا الحد، وقصر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه. فقد حكى عن عمر – ﵁ – أنه دخل على قوم يتعاقرون على شراب، ويرقدون في الأخصاص. فقال: نهيتكم عن المعاقرة فعاقرتم، وعن الرقود

стр. 176

في الأخصاص فرقدتم. فقالوا له: قد نهاك الله عن التجسس فتجسست، وعن الدخول بغير إذن فدخلت، فقال: هاتان بهاتين، وانصرف وتركهم. فإن سمع أصوات ملأة منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتها، أنكرها خارج الدار، ولم يهجم عليها بالدخول؛ لأن المنكر ظاهر، وليس عليه أن يكشف عما سواه من الباطن، وأما المتعلق بالمعاملات / المنكرة: كالربا والبيوع الفاسدة، وما منع منه الشارع مع تراضي المتعاقدين به، إذا كان متفقاً على حظره، فعلى المحتسب إنكاره، والمنع منه، والزجر عنه وأمره في التأديب مختلف بحسب الأحوال وشدة الحظر، فأما ما اختلف الفقهاء في حظره، وإباحته فلا مدخل له في إنكاره إلا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه، كربا النقد، الخلاف

стр. 177

فيه ضعف، وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه، فهل يدخل في إنكاره بحكم ولايته أم لا؟ فيه الوجهان السابقان. وفي معنى المعاملات، وإن لم يكن منها عقود المناكح المحرمة، فينكرها إن اتفق الفقهاء على حظرها، ولا يتعرض لإنكارها إن اختلف الفقهاء فيها، إلا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كالمتعة، فربما صارت ذريعة إلى استباحة الزنا، ففي إنكاره لها وجهان، ولين بدل إنكاره لها الترغيب في العقود المتفق عليها، ومما يتعلق بالمعاملات: غش المبيعات، وتدليس الأعمال، فينكره، ويمنع منه، ويؤدب عليه بحسب الحال فيه. فإن كان هذا الغش [تلبيساً] على المشتري، ويخفى عليه، فهو أغلظ تحريماً، وأعظم إثماً، والإنكار عليه أغلظ، والتأديب عليه أشد. وإن كان لا يخفى عليه، كان أخف إثماً وألين إنكاراً فإن اشتراه ليبيعه على غيره توجه الإنكار على البائع بغشه، وعلى المشتري بابتياعه، وإن اشتراه ليستعمله خرج عن الإنكار واختص بالبائع وحده، وكذلك القول في تدليس الأثمان، ويمنع من تصرية المواشي عند البيع المنهي عنه وأنه نوع من التدليس.

стр. 178

ومما هو عمدة في نظره المنع من التطفيف، والبخس في المكاييل والموازين، والصنجات، للوعيد عليه في الكتاب العزيز، وليكن الأدب عليه أظهر والمعاقبة فيه أكثر، ويجوز له إذا استراب بموازين السوقة، ومكايلهم أن يختبرها، ويعايرها، فإن كان عليها طابع معروف بين العامة لا يتعاملون إلا به كان أحوط وأسلم. فإن تعامل قوم بغير ما طبع بطابعه، يتوجه الإنكار عليهم إن كان مبخوساً من وجهين: بمخالفته في العدول عن مطبوعه، وإنكاره من الحقوق السلطانية والبخس والتطفيف في الحق وإنكاره من الحقوق الشرعية، وإن زور قوم على طابعه، كان المزور فيه كالمبهرج على طابع الدراهم والدنانير، فإن قرن التزوير بغش، كان التأديب مستحقاً من وجهين: أحدهما: في حق السلطة من جهة التزوير. والثاني: من جهة الشرع في الغش، وهو أغلظ النكيرين. ومما يتولاه المحتسب، اختيار طائفة تقاه أمناء، من الكيالين، والوزانين، والنقادين، والدلالين الأمناء، ويمنع الخونة، منهم، وأجورهم في بيت المال إن اتسع، وإلا قدرها لهم من غير زيادة ولا نقص.

стр. 179

وأما اختيار القسام والذراع، فالقضاة به أحق منه؛ لأنهم قد يستنابون في أموال الأيتام والغيب. وأما اختيار الحراس في القبائل، والأسواق فإلى الحماة وأصحاب المعاون، وإذا وقع في التطفيف تخاصم، جاز أن ينظر المحتسب إن لم يكن مع الخصم فيه [تجاحد] وتناكر /، فإن أفضى إلى ذلك كان القضاة بالنظر فيه أحق من ولاة الحسبة؛ لأنهم بالأحكام أحق ويجوز للمحتسب التأديب فيه، ومما ينكره المحتسب في العموم، لا للخصوص، التبايع بما لا يألفه أهل البلد من المكاييل، والموازين التي تعرف فيه، وإن كانت معروفة في غيره؛ فإن تراضى بها اثنان لم يعترض عليهما بالإنكار والمنع. والثاني: المتعلق بحقوق الآدميين المحضة مثل أن يتعدى رجل في حد لجاره، أو

стр. 180

حريم لداره، أو وضع جذوع على جداره، فلا اعتراض للمحتسب فيه ما لم يستعده الجار؛ لأنه حق يخصه فصح منه العفو عنه والمطالبة به، فإن تخصاما فيه للمحتسب نظر فيه إن لم يكن بينهما تنازع وتناكر، أخذ المتعدي بإزالة تعديه، وكان تأديبه عليه بحسب شواهد الحال، فإن تنازعا كان الحاكم بالنظر فيه أحق، وإذا نصب المالك تنوراً في داره، فتأذى الجار بدخانه لم يعترض عليه، ولم يمنع منه. وكذلك لو نصب فيها رحى، أو وضع فيها حدادين أو قصارين لم يمنع؛ لأن للناس التصرف في أملاكهم بما شاءوا، وإذا تعدى مستأجر على أجير في نقصان أجرته، أو استزاده في عمل، كفه عن تعديه، ولو قصر الأجير في حق المستأجر فنقصه من العمل، أو استزاده في الأجرة منعه منه، وأنكره عليه إذا تخاصموا إليه، فإن اختلفوا، وتناكروا كان الحاكم (بالنظر بينهم) أحق. ومما يؤخذ ولاة الحسبة بمراعاته من أهل الصنائع في الأسواق ثلاثة أصناف: منهم: من يراعى عمله في الوفور والتقصير، ومنهم من يراعى حاله في الأمانة والخيانة.
следующие страницы →