← Сияса и кади

Сияса и кади · id 36111

بذل النصائح الشرعية فيما على السلطان وولاة الأمور وسائر الرعية

أبو حامد المقدسي

Полный текст (399 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وما أحمق الأمير إذا كان مرتكباً معصية، ووجد فقيها يقال عنه مثلها، أن يبغضه، ويعيبه، وينتقصه، وماله لا ينظر إلى نفسه مع ما خوله الله فيه من النعم! أليس هو [بشراً] مثله غير معصوم، أو أن يعتقد أن المعصية حرام على الفقيه دونه، أما علم أن القبيح عند الله حرام بالنسبة إلى كل أحد. وربما كان الفقيه ما يستر قبيحه، وليس عند الأمير وراء ذلك القبيح إلا أمثاله من القبائح. فمما يتعين على الأمير إذا أنهى إليه عن أحد من أهل العلم سوء أن لا يصدقه، بل يحسن الظن بهذه الطائفة التي لحومهم مسمومة، (ولقد استقرئ أنه ما أمير يغض من جانب الفقهاء وينقصهم، إلا وكانت عاقبته وخيمة، وسيرته ذميمة). فإن تيقن على أحد منهم سوءاً، واتضح عنده كالشمس - ولن يصير ذلك إن شاء الله تعالى - فعلى الأمير بعد ذلك أن يتفقد نفسه؛ فإن كان هو أيضاً يفعل ذلك، فليعد على نفسه باللائمة، ويقول لنفسه: أنا أذنبت ذنبين؛ لأني جاهل مرتكب هذا القبيح، فكيف أؤاخذ من لا يذنب إلا واحداً وأنا أنجس منه". "وحكى أن فقيهاً وقع إلى بعض الأمراء، وهو سكران فأخذ يجلده، والأمير

стр. 107

أيضاً سكران، فلما قام الفقيه قال: رب اغفر لي وتب علي، وجاء إلى قاض فقال له: أقم (علي الحد) فإن الأمير فاسق لا تصح إقامته للحدود، فأهلك الله ذلك الأمير بعد أيام يسيرة، ومنها استكثارهم الأرزاق، وإن قلت - على العلماء، واستقلالهم الأرزاق - وإن كثرت - على أنفسهم. وترى كثيراً منهم يعيبون على بعض الفقهاء ركوب الخيل، ولبس الثياب الفاخرة، وهذه الطائفة يخشى عليها زوال النعمة عن قريب؛ فإنها تتبخر في أنعم الله تعالى مع الجهل والمعصية. وتنقم على خاصة خلقه يسيراً مما هم فيه أفما يخشون ربهم من فوقهم، ولو اعتبر واحد منهم رزق أكبر فقيه لوجده دون رزق أقل مملوك عنده". قلت: وينبغي أن ينقش على دوي الأمراء العادلين ما نظمه الإمام العلامة تاج الدني السبكي - تغمده الله تعالى برحمته - ما صورته /: حلفت من يكتب بي … بالله رب العالم ألا يمد مدة … تؤلم قلب عالم "ومنها: ما يبدلونه من الذهب في الأطرزة العريضة والمناطق وغيرها من

стр. 108

أنواع الزراكش التي حرمها الله تعالى على ذكور هذه الأمة المحمدية، وزخرفة البيوت، سقوفها وحيطانها بالذهب، وقد لعن رسول الله ﷺ من ضيق سكة المسلمين. وأنت إذا اعتبرت ما يذهب من الذهب في هذه الأغراض الفاسدة، تجده قناطير مقنطرة، لا يحصيها إلا الله تعالى، ففكر واحسب كم على وجه الأرض من طراز ومنطقة وكنبوش وسرج وسلسلة وحلي حرام؟ وكم يكون مبلغه إذا اجتمع وضرب نقداً [يتعامل] به المسلمون؟. "فإنه لا بد في صياغة كل ذلك من ذهاب شيء، - وإن قل تأكله النار، وهو في الأبنية أكثر. فإذا ضممت ذلك القليل إلى قليل آخر على الاختلاف في البقاع، والأزمان؛ لم يحصل ما ضاع من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلا الله، ثم ذاك القدر الذي يسلم، ولا يضيع عندهم محبوساً، يتوارثونه جيلاً بعد جيل، ولو كان

стр. 109

(ذلك مضروباً) سكة يتباذله المسلمون لانتفعوا به، ورخصت البضائع، وكثرت الأموال، ولكنهم احتجروا ذلك وضيقوا على المسلمين معايشهم فلله الأمر". "ولما طلب الملك المظفر سيف الدين قطز شيخ الإسلام سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام بحضرة الملك الظاهر بيبرس، والملك المنصور قلاوون وغيرهما من الأمراء، وحادثه في الخروج إلى لقاء العدو من التتار، لما دهموا البلاد

стр. 110

ووصلوا إلى عين جالوت "فقال له الشيخ اخرج وأنا أضمن لك على الله النصر … فقال: إن المال في الخزانة قليل، وأريد الاقتراض من التجار". فقال: إذا أحضرت أنت وجميع العسكر كل ما في بيوتكم، وعلى نسائكم من الحلي الحرام، وضربته على السكة، ونفقته في الجيش، وقصر عن القيام بكلفتهم، أنا أسأل لكم الله تعالى في إظهار كنز من الأرض يكفيكم ويفضل عنكم. وأما أنكم تأخذون أموال (المسلمين والرعايا) بغير حق، وتخرجون إلى لقاء العدو، وعليكم مثل هذه المحرمات، وتطلبون من الله النصر، فهذا لا سبيل إليه فوافقوه. وأخرجوا ما عندهم ففرقه وكفى وخرجوا وانتصروا بمعونة الله تعالى". "ومنها ركوبهم والجنائب تقاد بين أيديهم مسرجة غير مركوبة، ويجدون مع ذلك المحتاج المنقطع في الأسفار وغيرها ماشياً، فلا يركبونه، وإنما يمشون بها للفخر والزينة والخيلاء لا للحاجة" "من حمل ضعيف، أو منقطع يرونه في الطريق، أما من قادها لأجل ذلك أو في الجهاد خشية أن فرسه يموت أو يعجز فهو حسن.

стр. 111

ومنه: أن الجندي يقاتل ويخاطر بنفسه فيقتل في الحرب كافراً، فلا يعطونه سلبه. والنبي ﷺ قد أعطاه إياه كما هو مشهور في الحديث الصحيح فيمنعونه حقه الذي أعطاه إياه سيد الأولين والآخرين ﷺ . ويفترون بذلك عزائم الجند وتضعف هممهم. الثاني والعشرون: الأجناد "فمن حق الله عليهم وشكر نعمته اللطف منهم بالفلاحين، الذين تحت أيديهم، إذ لو شاء الله لقلب الفلاح جندياً، والجندي / فلاحاً فإذا كان الجندي لا يشكر نعمة الله عليه أن رفعه على درجة الفلاح، فلا اقل من أن يكفى الفلاح شره، وظلمه؛ فهو آدمي مثله حر مسلم لا رق فيه ومع ذلك قد يكون فيهم صالحون،

стр. 112

ومن هو خير من الجندي عند الله سبحانه، وعلى الجند في حروب الكفار مصابرة العدو إذا التقى الجمعان، فلا ينهزم الجمع إلا عن أكثر من مثليه بما له وقع؛ كانهزام مائة عن مائتين وخمسين، وأما انهزامه عن مثيله. كعشرة من عشرين فلا يجوز، إلا أن ينصرف متحرفاً لقتال، أو متحيزاً إلى فئة يستنجد بها، وإذا طلب الكافر المبارزة استحب لمن جرب نفسه الخروج إليه بإذن أمير الجيش، وعليهم تأدية الأمانة فيما حازوه من الغنائم، وامتثال أمر الأمير فيما لم يخالف الشرع، والتعاون والتناصر واجتماع الكلمة لتكون كلمة الله هي العليا". الثالث والعشرون: "أمراء العرب في هذا الزمان. وهم الذين يظعنون وينزلون. وقد أنعم الله تعالى عليهم بالأرزاق الوافرة، والإقطاعات الهائلة، فلا أقل من أن يرفعوا أذاهم عن المسلمين، ويكفوا شرهم عن عباد الله الصالحين.

стр. 113

ومن قبائحهم أنه إذا أقطع السلطان (إقطاع واحد منهم)، تسلط على قطع الطرقات وأذية من لم يؤذه، وأخذ مال من لم يظلمه، ولا يتوقفون في سفك الدماء لأجل هذا الغرض؛ وبذلك يهلكهم الله ، ولو أنهم صبروا واتقوا الله تعالى لكان خيراً لهم. ومن أعظمهم جرماً هرب الحجاز وعبيد عربها، ربما اعتقد بعضهم حل أموال الحاج، وسفك دم امرئ مسلم حاج على درهم. ولا يخفى ما في ذلك من الجرأة على اليد تعالى، وكثير من العرب لا يتزوجون المرأة بعقد شرعي، وإنما يأخذونها باليد، وربما كانت في عصمة واحد فينزل عليها أمير غيره، ويستأذن أباها، ويأخذها من زوجها قهراً. فأي ولد حلال ينتج من هؤلاء؟ لا جرم أنهم لا يلدون إلا فاجراً كفاراً، ومنها: أنهم لا يورثون البنات ما قسم الله لهن في كتابه العزيز، ولا يمنعون الزنا في الجواري، بل جواريهن يتظاهرون بالزنا، وكل ذلك من الموبقات العظام".

стр. 114

الباب الثاني "في القضاة والعلماء وتوابعهم على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم"

стр. 115

الباب الثاني: في القضاة والعلماء وتوابعهم على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم وفيه أمثلة؛ الأول: القاضي: وقد أفرد جماعة من العلماء كتاب القضاء بالتصنيف، وكتب الفقه مشحونة بما يتعين للقاضي وعليه، ولكنا نشير ها هنا إلى عيون من ذلك فنقول: ينبغي أن يعلم أن القاضي لغة: اسم لكل من قضى بين اثنين، أو حكم بينهما سواء سمى خليفة أو سلطاناً أو نائباً، أو والياً؛ حتى من يحكم بين الصبيان، في الخطوط إذا تخايروا، هكذا ذكر أصحاب رسول الله ﷺ ولكنه غلب في العرب على المنصوب من جهة الإمام، ليقضي بالشرع أو نائباً له وعليه أمور: منها؛ عدم قبوله الهدايا؛ فإنها من أقبح النتائج به فليسد بابها بالكلية. "وقد علم أن مذهب الشافعي ﵁، أنه لا يجوز للقاضي أن يقبل الهدية، ممن لم تكن له عادة أن يهاديه قبل ولايته القضاء، ولا ممن كانت له عادة ما دامت له حكومة.

стр. 116

ومذاهب العلماء في المسألة معروفة". وروى إبراهيم الحربي عن مسروق أنه كلم ابن زياد في مظلمة فردها، فأهدى له صاحبها وصيفاً فرده عليه وقال: سمعت ابن مسعود يقول: "من رد عن مسلم مظلمة فرزقه عليها قليلاً، أو كثيراً فهو سحت فقلت: يا ابا عبد الرحمن [ما كنا] نرى السحت إلا الرشوة [في] الحكم قال: ذلك كفر". "ومما يتعين عليه تفهيم الملك الحكم الشرعي فيما ينهي من الوقائع ومناضلته

стр. 117

عنده عنها، وإفهامه أن ذلك هو الدين الذي إن حاد عنه هلك، وإن اعتمده نجا". "ومنها: أن ينظر في أمر الأوقاف، والمستحقين من المشتغلين / والمحتاجين وغيرهم، وهذا يخص قاضي الشافعية ببلادنا، البلاد الإسلامية؛ لأنه كبير القضاة، وله النظر العام في الأوقاف وغيرها، فهو بذلك أمس". قال الشيخ تاج الدين السبكي: "ومما هونت بعض القضاة فيه الأمر الحكم بالصحة، فتراهم يقدمون عليه بمجرد ثبوت العقد والملك والحيازة، وكان الشيخ الإمام - يعني والده - رحمه الله تعالى - يشدد النكير في ذلك، ويذكر للصحة المطلقة عنده اثنين وعشرين شرطاً: ككون المبيع - مثلاً - طاهراً منتفعاً به، مقدوراً على تسليمه، مملوكاً للعاقد، ولمن يقع العقد له، مرئياً رؤية لا تتقدم على العقد بزمان يمكن التغيير فيه معلوماً، وكل واحد من البائع والمشتري كونه بالغاً عاقلاً رشيداً، مختاراً غير محجور عليه في تلك السلعة المبيعة، وكون الثمن المعين مستجمعاً شروط المبيع، وأما الذي في الذمة فالعلم بقدره، ووصفه، وكون العقد بإيجاب، وقبول لا يطول الفصل بينهما، ولا يقترن به شرط مفسد، وأن ينقضي الخيار الحال على ذلك، والدعوى والإنكار (وإقامة البينة بما ليس بظاهر وجوده) من هذه الأشياء وسؤال الحكم، وحضور المحكوم عليه، أو وكيله، أو المنصوب عنه، قال: فهذه عشرون شرطاً قال: والإعذار مختلف فيه. ووصيتي لكل قاضٍ أن لا يحكم إلا به ولا

стр. 118

يحكم بعلمه، بل بالبينة. وفي اشتراط العلم بالملك خلاف معروف فيما لو باع مال أبيه على ظن حياته فبان ميتاً؛ فإن شرطناه فهي اثنان وعشرون شرطاً قال: وأما الصحة بالنسبة إلى المتداعين في شيء كما إذا ادعى أحدهما أنه غير مرئي. وكان الحاكم لا يرى اشتراط الرؤية، فيحكم عليه بالصحة مع عدم الرؤية؛ لأنه مذهبه، ولم يحصل النزاع إلا فيه. فهذا حكم بصحة مقيدة لا بصحة مطلقة، فلا يمنع حاكم آخر من الحكم بفساده من جهة أخرى". وقال الشيخ الإمام العلامة الحافظ "ولي الدين أحمد بن الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي" تغمدهما الله برحمته في ما جمعه على الحكم بالصحة

стр. 119

والحكم الموجب والفرق بينهما. "وقد عهدنا الحكم على طريقة في الحكم بهما، وهي أنهم إن قامت عندهم البينة العادلة باستيفاء العاقد شروط ذلك العقد الذي يراد الحكم به، حكم بصحته، وإن لم تقم البينة باستيفاء شروطه حكم بموجبه. فالحكم بالموجب – عندهم أحط مرتبة من الحكم بالصحة"، إلى أن قال: "وما نقلته من عمل الحكام يدل على أن الحكم بالموجب لا يزيد على الثبوت بالمجرد شيئاً، لكن ما زالوا يرون الحكم بالموجب تمييزاً على مجرد الثبوت والله أعلم. قلت وهذا المصنف المذكور نفيس مفيد، وقد قرأته بحمد الله بحثاً على تلميذ مصنفه شيخنا الإمام العلامة قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي أطال الله في

стр. 120

عمره وأجازني بإقرائها بحثاً، وروايتها بحث قراءته لها على مؤلفها / وإجازته له كذلك. "ومن كلام الشيخ الإمام تقي الدين السبكي تغمده الله برحمته في وصية أخرى للقضاة بعد أن ساق فيها حديث "القضاة ثلاثة رواه أصحاب السنن بلفظ واحد في الجنة، واثنان في النار؛ قاض قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة، وقاض قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، وقاض قضى بغير الحق فهو في النار". ما نصه: "تنبه أيها القاضي لما أنت فيه من الأخطار، وطب نفساً إذا حكمت بحق، وبعلم لله، تعالى، وإلا فلا – لا. واعلم أن الحلال بين، وهو الذي تجده منصوصاً عليه في كتاب الله تعالى أو سنة نبيه – ﷺ ، أو مجمعاً عليه، أو عليه دليل جيد غير ذلك من سائر الأدلة الراجعة إلى الكتاب والسنة، بحيث ينشرح صدرك بأنه حكم الله تعالى. فهذا حكمك به عبادة تثاب عليه". "وينبغي لك أن تقصد به وجه الله تعالى، ولا يكون حكمك به لمخلوق، ولا لغرض من أغراض الدنيا فبذلك تكمل العبادة فيه، وتنال الأجر من خالقك. وإن حكمت به لغرض من أغراض الدنيا صح الحكم، ولكن لا يكون فيه أجر،

стр. 121

وما سوى هذا فهو على درجات: إحداها: أن تحكم بذلك من غير قصد القربة، ولا غرض من الأغراض الدنيوية، فهذا خير من القسم الذي قبله، ولكن يظهر أيضاً أنه لا أجر فيه؛ لعدم قصد القربة. واعلم أنه لا يشترط وجود قصد القربة عند كل حكم، بل يكتفى به في أصل ولاية القضاء، لأنه قد يشق استحضاره في كل حكم فيكتفي به عند الدخول في أوله، كما اكتفى بنية المجاهد في أول خروجه. الرتبة الثالثة: أن يكون الحكم مختلفاً فيه، وحصل لك ما يجوز الإقدام على الحكم به من الأدلة الشرعية مع احتمال يمنع من انشراح الصدر له الانشراح الكلي. فهذا جائز والأجر فيه دون القسم المجمع عليه؛ لأن المصلحة في المجمع عليه أتم، فالعبادة فيه أكمل". [الرتبة] الرابعة: أن تحصل شبهة تمنع من غلبة الظن بأن ذلك حكم الله تعالى؛ فلا يحل لك الحكم. الخامسة: أن يعتقد أنه خلاف حكم الله تعالى، فلا يحل الحكم وإن كان بعض العلماء قال به. السادسة: أن يكون مجمعاً على أنه ليس بحكم الله تعالى، فلا يحل الحكم أصلاً.

стр. 122

واعلم أن الرتبتين الأخيرتين ما أعلم أحداً يقدم عليهما إن شاء الله تعالى. والرتبة الرابعة: قد يكون عن قيام الشك، ومخالجة الاحتمال. قد تسول لك نفسك، أو الشيطان، أو أحد من الناس الإقدام على الحكم لغرض من الأغراض، ويسهل عليك لأنك لم تجزم بالتحريم، فإياك أن تقدم على الحكم، ثم إياك". فائدة: ذكر الماوردي في الأحكام السلطانية أن نظر القاضي يشتمل على عشرة أحكام، وينبغي لكل قاض الاعتماد والعمل بكتاب الشيخ الإمام: شيخ الإسلام وقاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد، الذي كتبه لبعض نوابه يوصيه فيه بأمور، لما ولي القضاء بالديار المصرية. وكذا رسالة قاضي القضاة جلال الدين

стр. 123

البلقيني إلى القضاة التي سماها: بذل النصيحة في دفع الفضيحة، ينبغي حفظها والعمل بما فيها نسأل الله التوفيق لمرضاته. الثاني: "كاتب القاضي: أي موقعه، ومن حقه أن يعرف مدلولات الألفاظ العرفية واللغوية. وأن يكون حسن الفهم عن اللافظين من عوام الواقفين، والمقرين وغيرهم، وأن ينبع كل لافظ على مدلول ما تلفظ به، وما يترتب عليه من الحكم الشرعي عن الأئمة الأربعة. وينبه على ما لعله يشك في إرادته له، ولقد ضاع كثير من أوقات المفتين والقضاة في مدلولات ألفاظ عوام الواقفين، ضياعاً كثيراً منشؤه الشروطيون المتمسكون بظاهر الألفاظ، من غير معرفة مدلولاتها الشرعية أو العرفية. وقد كثر من العارفين منهم، أن يكتبوا في بيع القرية مثلاً: خلا ما فيها من مسجد لله تعالى، ومقبرة، وملك لأربابه، ووقف: يذكرون ذلك بعد تحديد القرية، ولا يحددون هذا المستثنى، فيورث ذلك الجهل بالمبيع.

стр. 124

قال السبكي: إن كانت تلك المواضع معروفة للمتعاقدين صح البيع، وإلا فيحتمل أن يفسد؛ لأن جهالتها تقتضي جهالة الباقي المعقود عليه. ويحتمل أن يقال: الجملة معلومة فلا يضر جهالة القدر المستثنى. قال: ولم أر فيه نقلاً، وأنا كتابة الشروطيين الصداق في الحرير، فمختلف في جوازه، وأفتى النووي بتحريمه، وعزاه إلى جماعات من أصحابنا. قال ابن السبكي: ولكن: الأظهر حله، لأنه لمصلحة النساء. وقد كان الوالد أولاً امتنع من الكتابة عليه، ثم رأيته يكتب، وهذا آخر الأمرين منه". الثالث: حاجب القاضي: من حقه الاستئذان على ذوي الحاجات، ورفع الأمور إلى القاضي بلطف حسب ما ذكره الفقهاء ﵃" وأما نقيبه فمن حقه أن يكون عفيفاً نظيفاً محترزاً أن يدخل على القاضي ما يشينه في دينه، أو دنياه، ناصحاً له ما أمكنه، "ومن حقه تنبيه (القاضي على الشهود) وتنبيه (الشهود على القاضي) " "وأما

стр. 125

أمناؤه فعليهم التحفظ في أموال الأيتام والغائبين جهدهم، وأن يراقبوا وجه الله سبحانه ويخشوا عذابه، والصحيح عند السبكي أنه لا يجوز للقاضي إقراض مال اليتيم وعلى الأمناء إذا أمر القاضي بصرف زكاة اليتيم تأديتها لمن يعينها له مهنأة ميسرة. ولا يجوز إخراجها قبل الحول سلفاً، ومن أحوج أم اليتيم أن تتردد إلى بابه لأخذ نفقة اليتيم من ماله، فقد ظلم ظلماً عظيماً". "وأما وكلاء دار القاضي فمن حقهم التفهم عن الموكل، ومعرفة الواقعة، والحق في أي الطرفين، ولا يتوكل على المحق معتذراً بأنه وكيل، ولا يبدي من الحجة إلا ما يعرفه حقاً، أو يقوله له الموكل وهو يجهل الحال فيعتمد عليه. فإن علمه باطلاً وألى به إلى أخذ ما لا يستحقه، فهو في جهنم"، "وقد ذمهم قوم فقالوا هم أناس فضل عنهم الفضول فباعوه لغيرهم، ومدحهم آخرون، فقالوا: هم أناس نصبوا أنفسهم لخلاص حقوق الخلق، والحق أن من أراد منهم وجه الله فهو محمود، وإن تناول أجرته، ومن أراد الخصام وإبطال الحقوق، فهو مذموم" عند الله / وعند الناس.

стр. 126

الرابع: "الشهود. وبهم قوام غالب المعاش والمبادلات وقد ذكر الفقهاء ما لهم، وعليهم، فاستوعبوا وذمهم قوم. وقالوا: إن سفيان الثوري قال: الناس عدول إلا العدول. وإن عبد الله بن المبارك قال: هم السفلة وأنشدوا: قوم إذا غضبوا كانت رماحهم … بث الشهادة بين الناس بالزور هم السلاطين إلا أن حكمهم … على السجلات والأملاك والدور وقال آخر: إياك أحقاد الشهود فإنما … أحكامهم تجري على الحكام

стр. 127

قوم إذا خافوا عداوة قادر … سفكوا الدما بأسنة الأقلام ولآخر: احذر حوانيت الشهو … د الأخسرين الأرذلينا قوم لئام يسرقو … ن ويحلفون ويكذبونا وكل هذا غلو، وإفراط، والحق أن من سلك منهم ما أمر به واجتنب ما نهى عنه [فهو] محمود مأجور، غير أنهم قد غلب على أكثرهم التسرع إلى التحمل، وذلك مذموم، وأخذ الأجرة على الأداء وهو حرام وقسمة ما يتحصل لهم في الحانوت، وذلك منهم شركة أبدان، وهي غير جائزة، فعليهم النظر في ذلك كله، ومراقبة الحق سبحانه، وأما شهود القيمة، فعلى خطر عظيم" نسأل الله السلامة.

стр. 128

الخامس: ناظر الوقف ونحوه من المباشرين: من حقه عمارة الأوقاف، وتنميتها، ولزوم الأمانة فيها وعدم الخيانة، والاقتصار على تناول ما شرطه له الواقف، وأن يرعوا فيها المستحقين من طلبة العلم الفقراء، دون من له غنى أو جاه، "وقول الأصحاب إن ولي اليتيم لا يجب عليه المبالغة في الاستنماء وإنما الواجب أن يستنمي قدر ما لا يأكل النفقة، والمؤن المال صحيح. ولكن الزيادة من شكر النعمة. ومما تعم البلوى مدرسة أو خانقاه غير محصور عدد فقهائها، فنزل (القاضي أو الناظر) فيها اشخاصاً، وقرر لهم من المعلوم ما يستوعب قدر الارتفاع، فهل يجوز تنزيل زائد عليهم. قال ابن الرفعة: لا يجوز، قال السبكي: وهو الذي استقر عليه رأيي، بشرط أن يكون قرر فيها للفقيه، مثلاً قدراً معيناً. أما لو قرر عشرة مثلاً، ولم ينص

стр. 129

في معاليمهم على قدر ولا جزء معين من أصل الوقف، وهو غالباً ما يقع في المدارس التي ليست بمحصورة - فلا يمتنع. ومنه ناظر وقف يؤجر حانوتاً، أو نحوه خراباً، بشرط أن يعمره المستأجر بماله، ويكون ما أنفقه محسوباً من أجرته، وهذه الإجارة باطلة؛ لأن عقد الإجارة غير منتفع به، أما إن كان الحانوت منتفعاً به فأجره بأجرة معلومة، ثم أذن للمستأجر في صرفها إلى العمارة جاز صرح به الرافعي في أوائل الإجارة. ولا يجوز إجارة الحمام بشرط أن تكون مدة تعطله بسبب العمارة، أو نحوها محسوبة على المستأجر، وعلى المؤجر". السادس: وكيل بيت المال. من حقه ألا يبيع من أملاك بيت المال ما المصلحة في بقائه، ولا يبيع إلا بغبطة ظاهرة، أو حاجة، كما في البيع على اليتامى" /. قال ابن السبكي: "وكثر في زماننا من وكلاء بيت المال من يبيع من الشارع ما يفضل عن حاجة المسلمين.

стр. 130

وقد أفتى ابن الرفعة، والشيخ الإمام الوالد بأن ذلك حرام، وفقهاء العصر يترددون في انعزال وكيل بيت المال بانعزال الإمام الأعظم وموته، وكان الشيخ الإمام يرى أنه لا ينعزل بذلك". السابع: العلماء. ويكفي في أمرهم ما جمعه الحافظ [محمد] أبو عبد الله الذهبي وسماه (كشف رغل أهل العلم). ولكنه تغالى فيه كثيراً كعادته، والحاصل أنهم "فرق كثيرة: منهم: المفسر، والمحدث، والفقيه، والأصولي، والمتكلم، والنحوي، وغيرهم. وتتشعب كل فرقة من هؤلاء شعوباً، وقبائل، ويجمع الكل أنه حق عليهم إرشاد المسلمين، وإفتاء المستفتين، ونصح الطالبين، وإظهار العلم للسائلين؛ فمن كتم علماً

стр. 131

ألجمه الله بلجام من نار وألا يقصدوا بالعلم الرياء والمباهاة، والسمعة، ولا جعله سبيلاً إلى الدنيا، فإن الدنيا أقل من ذلك. قال السيد الفضيل بن عياض: إني لأرحم ثلاثة: عزيز قوم ذل، وغنياً افتقر، وعالماً تلعب به الدنيا. فأقل درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخستها، وكدورتها وانصرامها، وعظم الآخرة، ودوامها، وصفاءها، وأن يعلم أنهما متضادتان، وأنهما ضرتان، متى أرضيت واحدة أسخطت الأخرى. ومن لا يعلم ذلك فهو فاسد العقل، لأن المشاهدة والتجربة ترشد العقلاء إلى ذلك، فكيف يكون في العلماء من لا عقل له، ومن لا يعلم عظم أمر الآخرة، ودوامها فهو كافر لا إيمان له، ومن علم هذا كله ثم آثر الدنيا على الآخرة؛ فهو أسير الشيطان قد أهلكته شهوته، وغلبت عليه شقوته؛ فكيف يعد من العلماء من هذه درجته". قال ابن السبكي: "وحق الحق إني لأعجب من عالم يجعل علمه سبيلاً إلى حطام الدنيا، وهو يرى كثيراً (من الجهال وصلوا) من الدنيا إلى ما لا ينتهي هو إليه! ولا إلى عشر منه فإذا كانت الدنيا تنال مع الجهل، فما بالنا نشتريها بأنفس

стр. 132

الأشياء، وهو العلم! فتعين عليه أن يقصد بالعلم وجه الله تعالى، والترقي إلى جوار الملأ الأعلى. "والكلام في العلماء، وما ينبغي لهم يطول، ولكننا ننبه على مهمات؛: فمن هؤلاء من يطلب العلو في الدنيا، والتردد إلى أبواب السلاطين. والأمراء كما ذكرنا، وحب الجاه، والمناصب؛ فيؤديهم ذلك إلى ظلمة قلوبهم بهذه الأكدار، وزوال صفائها، وإلى أن العالم يشتغل بهم عن الازدياد في العلم، وربما كان تردده سبباً لذهاب علمه، وفقهه، ونسيانه، وفساد عقيدة الأمراء فيه؛ فإنهم يستحقرون المتردد إليهم ولا [يزالون] يعظمون الفقيه حتى يسالهم في حوائجه، ويؤول ذلك إلى أنهم يظنون في أهل العلم السوء، ولا يطيعونهم فيما يفتون به، وينتقصون العلم وأهله. وذلك فساد عظيم، وفيه هلاك العالم، فإن قال لك فقيه: إن التردد إلى أبواب السلاطين لإعزاز الحق ولنصرة الدين، ولغرض من الأغراض الصحيحة، فقل له: إن صح ما تقول - وأنت أضر بنفسك -. فأنت على خطر عظيم؛ لأنك قد انغمست في الدنيا، وأنت تدعي أنك / تقصد بها الآخرة. وإن ثبت هذا نقول فما نأمن عليك أن تنجر مع الدنيا وتهلك، ولذلك كان سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - يقول: إن دعوك (لأن تقرأ) عليهم قل هو الله أحد، فلا تمض إليهم ولا تقرأها".

стр. 133

"ومنهم من يضيع كثيراً من أوقاته في طلب القضاء وغيره من المناصب؛ فإن كان مراده القوت، فالقوت يجئ بدون ذلك، وإن كان مراده الدنيا، فقد كان في اشتغاله بضعة الأجناد، والدواوين، وغيرهم من العامة، ما لعله أنجح في مقصده؛ فإن الدنيا في ايدي أولئك أكثر بكثير. ومنهم من يقول: أكرهت على القضاء؛ قال ابن السبكي، وأنا منذ عمري، وإلى الآن لم أر من أكره على القضاء الإكراه الشرعي، غير أن بلغنا أن جماعة من السلف ضربوا على أن يلوا القضاء فأبوا، وسمر باب أبي علي بن خيران مدة، ليلي فما ولي، وما ذاك إلا لأنهم يخشون ألا يقيموا فيه الحق لفساد الزمان، وإلا فالقضاء إذا أمكن فيه نصر الحق [ووصوله إلى أهله] من أعظم القربات، ولكن أين ذلك، وهم لا يدخلون في زماننا هذا في القضاء إلا بالسعي الشديد، وبذل المال الكثير، ومذهب كثير من العلماء من الشافعية، والحنفية، وغيرهم أن من يبذل الذهب على القضاء لا تصح أحكامه، ولا يخفى أنه إذا فسق ببذل الذهب لم يكن نافذ الأحكام.

стр. 134

وفي ذلك من الفساد العظيم ما لا يخفى على بصير قال وكأني بأحمق من الفقهاء يقول: تعين علي طلب القضاء، وأنا لا يخفى علي ما قاله الفقهاء فيمن تعين عليه، ولكن من الذي تعين عليه؟ (وأين هو في زماننا هذا) فقائل هذا ممن لبست عليه نفسه واستزله الشيطان من حيث لا يدري، أو ممن يريد التلبيس على الناس، هو [عليهم أضر من إبليس] نعوذ بالله منه"، ثم قال: "وقد أنشدنا بعضهم في قاضيين عزل أحدهما وولي الآخر: عندي حديث طريف … بمثله يتغنى في قاضيين يعزى … هذا وهذا يهنا هذا يقول آكرهونا … وذا يقول استرحنا ويكذبان جميعاً … [فمن] يصدق منا فإذا بلى الله تعالى أهل هذه الحزقة بولاية الجهال عليهم، ووصول وظائف القضاء، ومناصب الدين لغير أهلها، أليس ذلك عدلاً من الله سبحانه"!

стр. 135

لبعض ما يستحقه من سوء افعالنا. الثامن: المفتي وحق عليه ألا ينصب نفسه للإفتاء، إلا بعد تأهله، واستكماله لأدواته، وإلا فيكون غاشاً لنفسه وللمسلمين" وقد خص جماعة أدب الفتيا بالتصنيف ولكن ننبه على أمور يرتكبها [المفتون] في زماننا: فمنها: "أن منهم من يسهل أمر الشرع ويتناهى أن يفتي ببعض ما لا يعتقده من المذاهب، ويرخص لبعض الأمراء والأكابر ما رخص فيه لعموم الخلق بعض العلماء، فيقول: مثلاً لمن سأله عن انتقاض الوضوء بمس الذكر: لا ينتقض عند أبي حنيفة، وعن لعب الشطرنج وأكل لحم الخيل حلال عند الشافعي، وعن مجاوزة الحدود في التعزيرات (جائز عند مالك) وعن بيع الوقف إذا خرب، وتعطلت منفعته ولم يكن له ما يعمر به حلال عند أحمد بن حنبل، وهكذا فليت

стр. 136

شعري: بأي مذهب أفتى هذا؟! وعلى أي طريقة جرى؟! وبأي إمام يتعلق؟! فلقد ركب هذا / المفتي لنفسه بمجموع هذه الأمور (مذهباً لم يقله) أحد. فإن قيل: أليس قد ذهب بعضهم إلى جواز تتبع الرخص؟ قلنا: ذلك على ضعفه لا يوجب إغراء السفلة بدين الله، وتخصيص الأكابر دون غيرهم. مع أن قائل ذلك لا يعتقده أيضاً، وهذا من علامة الاستهانة بدين الله تعالى؛ نعوذ بالله من الخذلان". "ومنهم طائفة تصلبت في أمر دينها (تنكر المنكر) فتشدد فيه، وتأخذ بالأغلظ جزاها الله خيراً غير أنها تبالغ فتذكر الأغلظ من المذاهب: لضعفة الإيمان من الأمراء، والعوام، فيؤدي ذلك إلى عدم انقيادهم وسرعة نفورهم، ومن حقهم الملاطفة، وسلوك الطريق الأوسط، وتسهيل ما في تسهيله". فائدة: لمثل هؤلاء وتشديد ما ينبغي التشديد فيه مما يوصل إلى الخير، كل ذلك على

стр. 137

مقتضى (الشرع الشريف، بحسب ما يراه المفتي لائقاً بالحال. "ومنهم من يتسرع إلى الفتيا معتمداً على) ظواهر الألفاظ، غير متأمل فيها فيوقع الخلق في جهل عظيم، ويقع هو في إثم كبير، وربما أدى ذلك إلى إيراقة الدماء بغير حق" واستحلال الفروج المحرمة، ونحو ذلك، نسأل الله السلامة مما يؤدي إلى ذلك بمنه وكرمه. التاسع: المدرس وتوابعه، وحق عليه أن يحسن إلقاء الدرس، وتفهيمه للحاضرين. ثم إن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات، بل يدربهم، ويأخذهم بالأهون فالأهون، إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق، وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات بل يدخل بهم في المشكلات الفقهية، ويخوض بهم في عبابه الزاخر، ومن أقبح المنكرات مدرس يحفظ سطرين أو ثلاثة من كتاب، ويجلس يلقيها ثم ينهض، فهذا المدرس إن كان لا يقدر على غير هذا القدر فهو غير صالح للتدريس. ولا يحل له أن يتناول معلومه، وقد عطل الجهة؛ لأنه لا معلوم لها. وينبغي أن لا يستحق الفقهاء المنزلون معه معلوماً؛ لأن مدرستهم شاغرة من مدرس. وإن كان يقدر على أكثر منه، ولكنه يسهل، ويتأول فهو أيضاً قبيح؛ لأن هذا يطرق العوام إلى روم هذه المناصب، فقل أن يوجد عامي لا يقدر على حفظ سطرين. ولو أن أهل العلم صانوه، وأعطى المدرس منهم التدريس حقه: فجلس، وألقى

стр. 138

جملة صالحة من العلم، وتكلم عليها كلام محقق عارف، وسأل وسئل، واعترض وأجاب، وأطال وأطاب: بحيث إذا حضره أحد من العوام، أو المبتدئين، أو المتوسطين، فهم من نفسه القصور عن الإتيان بمثل ما أتى به، وعرف أن العادة ألا يكون مدرس إلا هكذا والشرع كذلك، لم تطمح نفسه إلى هذه المرتبة، ولم تطمع العوام في أخذ وظائف العلماء" "وأما المعيد فعليه قدر زائد على سماع الدرس ونفعهم، وعمل ما يقتضيه لفظ الإعادة، وإلا فهو والفقيه سواء". وأما المفيد: فعليه أن يعتمد ما يحصل به في الدرس فائدة، من بحث زائد على بحث الجماعة، أو نقل فائدة، لم يقفوا عليها، أو مسألة غريبة ونحو ذلك، وإلا ضاع لفظ الإفادة وخصوصيتها، وكان أخذه العوض في مقابلتها حراماً". "وأما المنتهي من الفقهاء: فعليه / البحث والمناظرة فوق ما على من دونه؛ فإن هو سكت وتناول معلوم المنتهى لكونه في نفسه أعلم من الحاضرين، فما يكون شكر نعمة الله حق شكرها".

стр. 139

وأما "فقهاء المدرسة: فعليهم التفهم على قدر أفهامهم، والمذاكرة مع أقرانهم، والمواظبة على الدرس إلا لعذر شرعي. ومن أقبح ما يركبونه تحدث بعضهم مع بعض في أثناء قراءة الجزء من الربعة، فلا هم يقرءون ولا هم يسلمون من اللغو في الكلام، فإن انضم إلى ذلك أن قراءة الجزء شرط الواقف عليهم، وأن يكون حديثهم غيبة فقد جمعوا محرمات، ومنهم من لا يصغى للمادح، ولا يلتفت لما يقوله المدرس، بل ربما فتح كتاباً ينظر فيه أو جلس بعيداً عنه بحيث لا يسمعه، فهذا لا يستحق شيئاً من المعلوم، ولا يفيده أن يطالع في كتاب، فلو اكتفى الواقف منه بذلك لما شرط عليه الحضور للدرس". وأما "قارئ العشر: فينبغي أن يقدم قراءته قبل الدرس وعقيب فراغ الربعة إذا كان الدرس فيه ربعة تدور، كما هو الغالب، وأن يقرأ آية مناسبة للحال". وأما "المنشد: فينبغي له أن يذكر من الأشعار ما هو واضح اللفظ، صحيح المعنى، مشتملاً على مدائح سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد المصطفى ﷺ وعلى ذكر الله تعالى، و (على آلائه) وعظمته، وذكر الموت وما بعده؛ فكل ذلك حسن. وأهمه مدح النبي ﷺ فإنه الذي يفهم من إطلاق لفظ المنشد، فإن اقتصر على ذكر أبيات غزلية، أو حماسة فقد اساء، لا سيما

стр. 140

إذا كان في مجامع العلم". وأما "كاتب الغيبة: على الفقهاء: فعليه اعتماد الحق، وألا يكتب على كل من لم يحضر، ولكن عليه أن ينظر في سبب تخلفه، فإن كان له عذر بينه وإن هو كتب على غير بصيرة، فقد ظلمه حقه. وما يفعله بعض كتاب الغيبة في زماننا من الكتابة على من حضر ومسامحة من لم يحضر لجاه، وغرض دنيوي، فحرام بإجماع المسلمين، وإن سامح بعضهم لمجرد حطام يأخذه من الفقيه، أو الصوفي فهو على شفير جهنم". وأما "خازن الكتب: فحق عليه الاحتفاظ بها، وترميم شعثها، وحبكها عند الاحتياج والضنة بها على من ليس من أهلها، وبذلها للمحتاج إليها، وأن يقدم

стр. 141

في العارية الفقراء الذين يصعب عليهم تحصيل الكتب على الأغنياء، وكثيراً ما يشترط الواقف ألا يخرج الكتاب إلا برهن محرز قيمته، وهو شرط صحيح معتبر، فليس للخازن أن يخرجه إلا برهن، صرح به القفال في الفتاوى، والسبكي في تكملة شرح المهذب وذكر أنه ليس هو الرهن الشرعي. العاشر: "شيخ الرواية عليه أن يسمع المحدثين، ويستمع لما يقرؤونه، لفظة لفظة، بحيث يصح سماعهم، وليصبر عليهم؛ فإنهم وفد الله تعالى، ومتى وجد جزء حديث وكتاب تفرد شيخ بروايته كان فرض عين، عليه أن يسمعه". الحادي عشر: "كاتب السماع، عليه ضبط أسماء الحاضرين والسامعين، وتأمل من يسمع، ومن لا يسمع، وألا يكون كاذباً على النبي ﷺ بقوله /: "إن فلاناً سمع ولم يسمع، فإن هو تساهل في ذلك، فليتبوأ مقعده من النار".

стр. 142

الثاني عشر: "الخطيب، عليه أن يرفع صوته بحيث يسمعه أربعون نفساً من أهل الجمعة عندنا، فلو خطب سراً بحيث لم يسمع نفسه لم يصح" على الصحيح، وكذا لو كانوا صماً لا يسمعون لم يصح"، وأوصيه بتقوى الله فإنها رأس ماله، وهو بها أجدر من غيره، فإنه يوصي الناس بها، ويقبح عليه أن يكون بخلاف ذلك، وللناس في ذلك كلام كثير من نظم ونثر، فمنه "أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇ يابن مريم عظ نفسك، فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستح مني". "وأما الالتفات في الخطبة، والدق على درج المنبر في صعوده، والدعاء إذا انتهى صعوده قبل أن يجلس، والمجازفة في وصف السلاطين عند الدعاء لهم، والمبالغة في الإسراع في الخطبة الثانية. فكل ذلك مكروه، ولا بأس بالدعاء للسلطان بالصلاح ونحوه، فإن صلاحه صلاح المسلمين، ولا يطيل الخطبة على الناس؛ فإن وراءه الشيخ، والضعيف، والصغير، وذا الحاجة، ولا يأتي بألفاظ قلقة يصعب فهمها على غير الخاصة، بل يذكر الواضح من الألفاظ، ولا يتكلف السجع، إلى

стр. 143

غير ذلك مما ذكره الفقهاء". الثالث عشر: "الواعظ، وعليه نحو ما على الخطيب، فليذكر بأيام الله تعالى، وليخف القوم في الله وينبئهم بأخبار السلف الصالحين وما كانوا عليه، وأهم ما ينبغي له، وللخطيب أن يتلو على نفسه ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾، ويتذكر قول الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم واعلم أن الكلام إذا خرج من القلب، وصل إلى القلب، فكل خطيب وواعظ لاه يكون عليه سيما الصلاح قل أن ينفع الله به". الرابع عشر: "القاص، وهو من يجلس، أو يقف في الطرقات يذكر شيئاً من الآيات، والأحاديث، وأخبار السلف، وينبغي له ألا يذكر إلا ما تفهمه العامة،

стр. 144

ويشتركون فيه، من الترغيب في الصلاة، والصوم، وإخراج الزكاة، والصدقة، ونحو ذلك، ولا يذكر عليهم شيئاً من أصول الدين، وفنون العقائد، وأحاديث الصفات؛ فإن ذلك يؤذيهم، ويجرهم إلى ما لا ينبغي". الخامس عشر: "قارئ الكرسي: وهو من يجلس يقرأ للعامة على "كرسي" شيئاً من الرقائق، والحديث، والتفسير، فيشترك هو والقاص في ذلك ويفترقان في أن القاص يقرأ من صدره وحفظه، وأما هذا فيقرأ من كتاب، ولا بأس بقراءته مثل: إحياء علوم الدين للغزالي و "رياض الصالحين" للنووي، و "سلاح المؤمن" و "الأدعية" لابن الإمام ونحوها".

стр. 145

السادس عشر: "الإمام من حقه النصح للمؤتمين خلفه: بأن يخلص في صلاته، ويجأر في دعائه، ويتضرع في ابتهاله، ويحسن طهارته وقراءته، ويحضر إلى المسجد أول الوقت؛ فإن اجتمع الناس بادر بالصلاة، وإلا انتظر الجمع ما لم يفحش الانتظار، وبالجملة ينبغي أن يأتي بصلاته على أكمل ما يطيقه من الأحوال، ومراعاة الخلاف، ومما تعم به البلوى إمام مسجد يستنيب في الإمامة بلا عذر /، وقد أفتى الشيخ عز الدين بأنه لا يستحق معلوماً؛ لأنه لم يباشر، ولا يستحق نائبه؛ لأنه غير متول، ووافقه النووي، لكن توقف فيه السبكي"، "وأما من جمع بين إمامة مسجدين فالذي يظهر أنه لا يجوز؛ لأنه مطالب في كل واحد منهما بأن يصلي أول الوقت، وتقديم أحد المسجدين على الآخر تحكم ولا ضرورة إلى ذلك. وأما تولية مدرستين شرط حضور كل منهما في وقت معين يلزم من حضوره في هذه إهمال تلك، فلا يجوز أيضاً". السابع عشر: "المؤذن. فعليه معرفة الوقت، وإبلاغ الصوت. ويؤذن للصبح من نصف الليل، وعند وجوب الوقت، ولذلك فيسن لهما مؤذنان وينبغي له إتقان معرفة علم الميقات لتحقق فن
следующие страницы →