← Сияса и кади

Сияса и кади · id 36111

بذل النصائح الشرعية فيما على السلطان وولاة الأمور وسائر الرعية

أبو حامد المقدسي

Полный текст (399 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يقبل إلا طيباً". ومن أقبح / البدع المحرمة تقبيل الأرض بين يدي الملوك، فإن كان سجوداً بأن لاقى بجبهته الأرض". "قال الإمام النووي – رحمه الله تعالى -: "فسواء كان إلى القبلة أو غيرها، وسواء قصد السجود لله تعالى، أو غفل هو حرام. وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر أو يقاربه. وسئل ابن الصلاح عن هذا السجود فقال: هو من عظائم الذنوب، ويخشى أن يكون كفراً". وفي بعض كتب السادة الحنفية: أنه يكفر مطلقاً، وبعضهم قال: إن أراد التحية، فهو حرام، وإن لم تكن له نية كفر عند أكثرهم. "ثم على السلطان أن يشكر نعمة الله عليه بالولاية، والملك، وأن يعرف أن نفسه وأحد الرعية سواء، لم يتميز عنهم بنفسه، بل بفعل الله تعالى الذي لو شاء لأعطاهم ومنعه، فإذا كان قد أعطاك ذلك ومنعهم، فما ينبغي لك أن تتمرد عليهم وتستعين بنعمه على معاصيه، وإذا خلفه فلا أقل من أن يجتنب أذاهم ويكف عنهم شره، وبجانب

стр. 72

الهوى والميل والغرض. فنعمة الولاية (لا تطلب منه) غير ذلك. ولو ترك الناس هملاً (يأكل بعضهم) بعضاً وجلس في قصره، يصلي ويبكي على ذنوبه لكان مسيئاً على ربه، فإنه سبحانه لم يطلب منه أن يتهجد بالليل ولا أن يصوم النهار، وإنما يطلب منه ما ذكرناه ولعلك تقول: إن قمت بحقوق الرعية وقصرت في حق الله تعالى هل أنا محمود؟ فاعلم أنك محمود من تلك الجهة، مذموم من هذه، ويخشى على من زاد في التقصير في جانب الله تعالى أن يظلم قلبه ظلاماً يورث الطبع على قلبه، وينشأ عن التقصير في تلك الجهة الأخرى، فيصير مذموماً في الجهتين". ومن رشيق عبارات الإمام الشافعي – ﵁: "من ضيع حق الله فهو لما سواه أضيع" وعليه بل على كل ولي أمر أن يشاور في أموره المهمة؛ فإن الله تعالى أمر بها نبيه – ﷺ – فقال: ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾. وعن أبي هريرة: لم يكن أحد (أكثر مشورة) لصحابه من رسول الله – صلى

стр. 73

الله عليه وسلم: "فقيل: أمره الله تعالى بها لتأليف قلوب أصحابه، وليقتدي به من بعده، وليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحروب وغيرها، فغيره ﷺ أولى بالمشاورة". وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس. "فإذا استشار واحداً منهم فعليه أن يتحرى فيما يقوله ويفعله، طاعة الله ورسوله، وإتباع كتاب الله، ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان الواجب، وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت أو لعجز الطلب، أو تكافئ الأدلة عنده أو غير ذلك، (فله أن يقلد) من يرضى علمه ودينه، وهذا أقوى الأقوال. وقيل: إنه ليس له التقليد بحال، وقيل: له التقليد بكل حال." انتهى. الثاني: مشير السلطان " وصديقه إذا كان مقبول الكلمة عنده، يجب عليه

стр. 74

أن ينصحه، وينهي إليه ما يصح عنده ويثبت من أمر الرعايا، ويساعد على الحق بما تصل إليه قدرته"، ويبلغه حاجة المحتاج وظلامته. ففي حديث / هند بن أبي هالة، أنه – ﷺ – (كان يقول): "أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله قدمه على الصراط يوم تزل الأقدام"، ولا يكن حظه منه الاقتصار على حطام يجمعه لنفسه، أو دنيا يضمها إليه، فإن ذلك يكون سبباً لزواله عنه، بل المقتضى لدوام النعمة عليه ما ذكرناه من النصيحة والمساعدة في الحق"؛ وكلمة خير عند ولي أمر جائر. "وما أحمق من كانت له كلمة نافذة عند ذي سلطان، فوجد مظلوماً يستغيث، ولا يجد مغيثاً، فقام يصلي شكراً لله على أن جعله ذا كلمة نافذة عنده، وترك المظلوم، يتخبطه الظلم، ولا يجد منجداً، وهو قادر على إنجاده، فذاك الذي صلاته وعبادته وبال عليه".

стр. 75

وقد روينا في كتاب "الحلية" لأبي نعيم عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً: "لا يقفن أحدكم على رجل يضرب ظلماً، فإن اللعنة تنزل من السماء على من يحضره إذا لم يدفعوا عنه". وهذا مثل ما قال الفقهاء فيمن كان يصلي فمر به غريق تتلاطمه الأمواج، وهو قادر على إنقاذه، فإنه يجب عليه قطع الصلاة، وإنقاذه وهذا مثله. وروى الشعبي عن عبد الله بن عباس قال: "قال لي أبي: يا بني إني أرى هذا الرجل يعني عمر بن الخطاب قدمك على الأكابر من أصحاب رسول الله – صلى

стр. 76

الله عليه وسلم - وإني أوصيك بخلال أربع: لا تفشين له سراً، ولا تجرين عليه كذباً، ولا تطوين عنه نصيحة، ولا تغتابن عنده أحداً". قال الشعبي: فقلت لابن عباس كل واحدة خير من ألف قال: أي والله، ومن عشرة آلاف. نسأل الله التوفيق والسلامة. الثالث: نائب السلطان وكان قديماً بديار مصر فبطل بعد موت الظاهر برقوق وإلى وقتنا هذا. فعليه إن وجد مثل ما على السلطان، ويزداد أن من حقه مراجعته إذا أمر بما يخالف الشرع، أو المصلحة، والإكثار من تفقد حال الرعية؛ صغيرهم وكبيرهم، جليلهم وحقيرهم، غنيهم وفقيرهم، والنظر في القرى، والغلات،

стр. 77

وإيصال الحقوق إلى مستحقها من ذوي النهضة والكفاية، والحاجة وتولية المناصب لأهلها. فإن اعتذر بأن الزمان لا يمكنه من ذلك، فقل له ولأمثاله: أنتم مطالبون من كل ما نأمركم به بما تصل إليه قدرتكم، فعليكم الجد، والاجتهاد، والله الموفق المعين. ومن حقه إقامة فقيه في كل قرية لا فقيه فيها، يعلم أهلها أمر دينهم، ومن العجب أن أولياء الأمور يستخدمون في كل حضر أو سفر يسافرونه طبيباً بمعلوم كثير من بيت المال، ولا يتخذون فقيهاً يعلمهم دينهم بأقل من ذلك بكثير، وما ذاك إلا لأن أمر أبدانهم أهم عندهم من أمر أديانهم، نعوذ بالله من الخذلان. ومنها إلقاء مقاليد الأحكام إلى الشرع الشريف فإنه لا حاكم إلا الله تعالى، وليس للعقول حكماً. فحق على كل مسلم الرضا بحكم الله تعالى، والانقياد له، قال تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون … الكافرون … الظالمون﴾ ". "وإذا رأيت من يعيب على نائب السلطان انقياده للشرع، وينسبه بذلك إلى

стр. 78

اللين والرخاوة. فاعلم أنه يخشى عليه أن يكون ممن طبع على قلبه، وإن عاقبته، وخيمة، عند الله. "ومنها دفع أهل البدع، والأهواء، وكف شرهم عن المسلمين"، فلا يمكنهم من إظهار بدعهم، وإشهارهما بين عوام المسلمين؛ فتفسد عقائدهم الصحيحة بتلك العقائد الفاسدة، ولا يسع الأمراء، ولا الملوك، في دين الله الصبر على من يسب الشيخين أبا بكر وعمر ﵄ ويقذف أم المؤمنين عائشة ﵂، ويفسد عقائد أهل الدين، بل يجب عليهم الغلظة علي هؤلاء بحسب ما تقتضيه المذاهب". قلت: ويرحم الله السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، لو لم يكن له من الفضل في الدنيا، إلا فتح بيت المقدس وقطع دابرة الرافضة الفاطميين بديار مصر، لكان (كافياً له) عند الله في رفع درجاته في الجنة، "وهذه المذاهب الأربعة ولله

стр. 79

الحمد في العقائد واحدة، إلا من لحق منها بأهل الاعتزال أو التجسيم. وإلا فجمهورها على الحق؛ يقرون عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفاً، وخلفاً بالقبول، ويدينون الله برأي شيخ السنة أبي الحسن الأشعري الذي

стр. 80

(لم يعارضه إلا مبتدع) ". "ومنها: النظر في أمر المفسدين من قطاع الطريق، وأهل الفتن كالعشران، والعربان بالغلظة، والتشديد عليهم، ولا يهمل أمرهم فيزداد فسادهم، وإن رأى تقليد بعض المذاهب في شدة تعزيرهم والمبالغة في عقوبتهم، وطول حبسهم فله ذلك، بشرط أن يكون الحامل له على ذلك المصلحة للمسلمين، ودفع الأذى عنهم، لا التشهي وحظ النفس، ومحبة شياع الاسم بالانتقام؛ فإن ذلك فن من الجنون؛ وقل أن يحصل للمسلمين نصرة على يدي من هذه نيته". "ومنها: سفك دم من ينتقص جناب سيدنا (ومولانا وحبيبنا) محمد المصطفى ﷺ أو يسبه؛ فإن ذلك كفر، وردة. وذهب كثير من العلماء إلى أن توبته لا تقبل، واختاره طوائف من المتأخرين.

стр. 81

فإن كان من وقع (منه ذلك) ممن يتكرر منه، أو عرف بسوء العقيدة وشهدت القرائن فيه بالخبث الباطن، فرأى الشيخ الإمام تقي الدين السبكي وغيره ألا تقبل له توبة، ويسفك دمه من غير مراجعة". "ومنها نظرهم في أمر داود أريتهم. فأكثر ما ينشأ فساد بابهم عنهم وهم غافلون. فحق على نائب السلطان، ونحوه، إذا عرف أن ميزان بابه الدوادار، الاحتياط في أمره، وعدم الإصغاء إليه فيما يقوله؛ بل يستوضح الحال ويستكشفه من بطانة الخير عنده، فقد قال النبي ﷺ : "ما من ملك أو أمير إلا وله

стр. 82

بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه" فإن رآه مائلاً إلى حب الدنيا، وكثرة الطمع فيها؛ فهو غير ناصح لأستاذه، بدله بمن هو أصلح منه للمسلمين. الرابع "الداوادار، فمن حقه الاستئذان على ذوي الحاجات، / وإنهاء ظلامتهم، ولا يتركهم على بابا أستاذه لا يجدون ملجأ إلى الدخول. ويعلم أن لصحاب الحاجة حقاً عند أستاذه؛ لأن من وظيفة أستاذه سماع كلامه، وقضاء حاجته إذا أمر بها الشرع؛ وليس لأستاذه حق، عنده، والمنة لله سبحانه على أستاذه أن جعل حاجة الخلق إليه، وعليه أيضاً إذ جعله في بابه بالمرصاد لهذا الأمر، فإن هو قصر فيما وصفناه كان هو الظالم لأستاذه، المتسبب في خراب دياره، وعليه المبادرة إلى تقديم الدواة عند ارتفاع القصص، ويذكر مخدومه بها، فربما اشتغل باله عنها".

стр. 83

الخامس، "الخازندار، وحق عليه أن لا يمطل من أحيل عليه، بل يدفع إليه ما أمر له به مهنئاً ميسراً"، وإن ترك الأخذ من فقير ومستحق رسم له السلطان بشيء، كان خيراً له في دينه ودنياه. "والخازندار أمين، فلو ادعى أنه دفع المال إلى مخدومه كان القول قوله بيمينه، وإنه كان له على الخزندارية معلوم أو إقطاع؛ لأنه كالوكيل بجعل". السادس "الإستادار، وهو من يتكلم في إقطاع الأمير مع الدواوين، والفلاحين وغيرهم، وعليه ألا يظلم له عباد الله لا سيما الضعفاء منهم، ولا يطعم أستاذه حراماً، ولا يبيعه رخيصاً، وأن يرفق بأهل القرى، ويؤدي أمانة الله التي علقها في رقبته حيث دخل في هذه الوظيفة، فعليه الرفق بالفلاحين، وغيرهم من رعية الأمير. كما عليه أن يؤدي حق الأمير، بل هؤلاء أحوج من الأمير إلى ذلك، فأين يكون الأمير يوم يعض الظالم على يديه لا آمراً إلا الله تعالى".

стр. 84

السابع: الوزير، وكان في الصدر الأول اسم لمن إليه تدبير المملكة، وسائر أرباب الأقلام من [تحت] أمره، وهو الوزير العام وزير الوزراء، والخاص من كان على فرع من تلك الفروع التي أحدثوا لها اسماً بهذه الوظائف الآن. ويلقب أيضاً بالصاحب، وأول من تلقب به أبو [القاسم] إسماعيل بن عباد الطالقاني؛ فإنه كان يصحب أبا الفضل بن العميد فقيل له صاحب ابن

стр. 85

العميد، فلما تولى الوزارة أطلق عليه هذا اللقب، وبقي علماً عليه ثم سمي به كل من ولي الوزارة بعده. "وأما الوزير في زماننا هذا، فهو اسم لمن ينظر في المكوس، وغيرها من الأموال التي ترفع إلى السلطان، وبيت المال، ومن حقه بذل النصيحة للملك، وكف أذاه عن أموال الرعية، وعدم ظلمهم، وتخفيف الوطأة عنهم ما أمكنه. وقد علم واشتهر عند المسلمين وغيرهم أن المكوس حرام. فإن ضم الوزير إلى أخذها الإجحاف بأهلها، وتشديد الأمر فيها، والعقوبة عليها، فقد ضم حراماً إلى حرام، فإذا لم يقدر على إزالة حرام، وإبطاله فلا يزيد الطين بله، بل لا أقل من الرفق والتخفيف. ومما يجب عليه التيقظ له الأموال التي تجمع عنده، إن كان منها حلال وفيها حرام فعليه أن لا يخلطها بل يدع الحلال بمفرده، والحرام بمفرده، وإلا فمتى خلطها ولم تتميز صار الكل حراماً، ثم إذا تميزا صرف الحلال على أهل العلم والدين، ومن

стр. 86

يتحرى أكله وصرف غيره لغيرهم". الثامن: شاد الدواوين: ووظيفته استخلاص ما يتقرر في الديوان على من يعسر استخلاصه منه /، وهو كالوزير بل أشد حالاً منه؛ لأن الوزير يدعي أنه يعرف الحساب، ولا يأخذ إلا بما تقرر، وهذا يقلد الوزير في ظلمه مع الجهل بالحساب، فيضرب ويعاقب على جهل بالشرع والعادة، بل حق عليه التبصر والرفق ما أمكنه". التاسع: الدواوين في سائر الجهات فإن كانوا من دواوين السلطان فكان إلى الوزير مرجعهم قديماً وإن كانوا للأمراء، فأمر كل ديوان الآن إلى مخدومه. وعلى الكل أداء الأمانة، وتجنب الخيانة. (ولقد كثر منهم) اتخاذ دوي الذهب والفضة

стр. 87

أو المحلاة بالذهب والفضة والسكاكين المفضضة، وذلك حرام باتفاق الأئمة الأربعة، والأصح (أيضاً عندنا) تحريم ذلك في المموه بهما، إلا أن يكون [مموهاً] بقدر لا يحصل منه شيء بالعرض على النار. ونقش بعض الكتاب على دواته بالذهب: (دواتنا سعيدة … ليس لها من متربه عروس حسن جليت … منقوشة مكتبه قد انطلت حليتها … على الكرام الكتبه) فقال بعض الظرفاء: والله لم تنطل إلا على اللصوص الكتبة على المكوس، وإذا رأيت ديواناً من وزير أو غيره يخرج من بيته بعد أن امتلأ باطنه من الحرام، وهو لابس الحرام، وجلس على الحرام، وفتح الدواة الحرام، وأخذ يمد الأقلام في الحرام، ثم عاقب المسلمين لأخذ الحرام، أو تسبب في الأخذ منهم، أفليس حقاً عليه أن ينتقم الله منه سريعاً في الدنيا قبل الآخرة، ويزيل نعمته عنه، ويذيقه الخزي،

стр. 88

والنكال". العاشر: "كاتب السر ووظيفته التوقيع عن الملك، والاطلاع على أسراره التي يكاتب بها، وعنه تصدر التواقيع بالولايات والعزل، ومن حقه أن يكون فاضلاً عالماً بالأمور الشرعية، وأن ينهي القصص إلى الملك، ويفهمه إياها، ويعرفه الحق فيها، فإن أكثر الملوك يعسر عليهم الفهم، ويؤتون من قبل ذلك، لا سيما إذا اشتبكت الأمور، وازدحمت الأشغال. فعلى كاتب السر التلطف بحيث يصل إلى ذهن الملك. الحلق ليعمل به، وإلا فمتى ظلم أحداً في واقعة لعدم فهمه، وكان كاتب السر هو الذي قرأ عليه القصة فيها؛ كان شريكاً له أو مستقلاً عنه بالظلم، ومن حقه أن يكتم ما أسر به إليه ما أمكنه وليكن كما قال الشاعر: ويكاتم الأسرار حتى إنه … ليصونها عن أن تمر بخاطره وأن يحترز من الكتابة في قطع الأرزاق؛ فقلما أفلح كاتبها، وما أحسن ما نقشه بعض كتاب السر على دواته [فقال]: حلفت من يكتب بي … بالواحد الفرد الصمد

стр. 89

أن لا يمد مدة … في قطع رزق لأحد الحادي عشر: الموقعون: "وعليهم الرفق بالرعية فيما يكتبونه، والتخفيف من التشديدات التي يؤمرون بكتابتها ولا يسوغ الأمر بها شرعاً. فإن كان لا يقدر على التخفيف، فلا أقل من ألا يزيد الطين بلة، فلا يتعدى اللفظ الذي أمر به بحروفه من غير أن يتصرف في العبارة بحسب ما يشتهيه؛ لما يترتب / عليه من الفساد؛ فإنه على لسان السلطان، ولقد حكي أن بعض الملوك أمر موقعه بالكتابة لشخص بالحضور. فأبرق في كتابته وأرعد، وقعقع في العبارة، فلما وصله الكتاب ارعبه بحيث أنه رمى مصارينه، وأما زوجته فكانت حاملاً، فوضعت من شدة خوفهم، مما توعدوا به وذلك كله حرام، لا يجوز فعله لمسلم. فإياك يا أخي أن تكتب بيديك، ما لا يجوز النطق به؛ فإن القلم أحد

стр. 90

اللسانين، فاحفظ قلمك عما يجب حفظ اللسان [عنه] ولذلك قال بعض الشعراء: قوم إذا أخذوا الأقلام عن غضب … ثم استمدوا بها ماء المنيات نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا … ما لا ينال بحد المشرفيات ومن حقهم أن يستعملوا الظاهر من اللغات الفصيحة، ولا يستعملوا حوشي اللغة، وما لا يفهمه الأكثر من الناس، لا سيما من يبعد فهمه". الثاني عشر: "ناظر الجيش فمن حقه النظر في حالهم، وتجريد من يرى فيه المصلحة والكفاية والقدرة، وحرام عليه أن يجهز عاجزاً لفقر أو غيره، أو أن يغري عليه السلطان، بل عليه الدفع عنه بما يمكنه. فإنه ناظر عليه كناظر اليتيم، وحرام عليه أن يأخذ مالاً حراماً من بعض الجند، ليعفيه من السفر إما للجهاد، أو غيره، مما فيه نفع للمسلمين ومصلحة، وعليه توقيع التجريدات على حسب مصلحة المسلمين؛ لأنه مطالب بذلك كله، فليتق الله ربه.

стр. 91

قال الشيخ تاج الدين السبكي، ومن قبائح ديوان الجيش إلزامهم الفلاحين في الإقطاعات بالفلاحة، والفلاح حر لا يد لآدمي عليه، وهو أمير نفسه، إن شاء زرع، وإن شاء ترك، وذكر أن العادة في بلاد الشام أن من نزح لدون ثلاث سنين يلزم، ويعاد إلى القرية قهراً، ويلزم بسد الفلاحة" وأظن أن الحال في بلاد مصر (أكثر وأشد) وكل ذلك لا يحل اعتماده، والبلاد إنما تعمر بالعدل [والرضا] والرفق، وتخرب بالظلم، والعنف، ومن ضيق على الناس معيشتهم في الدنيا، ضيق الله عليه معيشته في الدنيا والآخرة. قال: "ومن قبائحهم أنهم إذا اعتمدوا شيئاً مما جرت به عادتهم الخبيثة قالوا: هذا شرع الديوان، والديوان لا شرع له، وإنما الشرع لله ولرسوله - محمد ﷺ " فهذا الكلام يقرب من الكفر، يستحق قائله التعزير الشديد

стр. 92

بضرب السياط، ونحوه؛ ليكف لسانه عن مثل هذا اللفظ الشنيع، بأن يقول عادة الديوان أو طريقه، أو نحو ذلك. الثالث عشر: ناظر الخاص: ووظيفته حادثة لم تكن قديماً، وإنما هي فرع من الوزراء أفرد بهذا الاسم؛ فعليه حفظ خزانة الخاص التي فيها الخلع السلطانية، ونحوها، وأداء الأمانة، لما فيها من أثاث وقماش، ولا يعمد إلى أخس ما عنده، وأقله قيمة من الخلع، والكوامل لقضاة القضاة (ومشايخ العلم)، فيدفعها إليهم استهانة بهم واستخفافاً بشأنهم؛ (فإنه إن) قصد ذلك؛ فقد باء بإثم عظيم، ويخشى عليه عاقبة / ذلك. ولا ينس حق الله فيما عنده لضعيف مستحق، لا يقدر على شراء شيء من ذلك؛ لما يستتر به أو يتجمل بين الناس ليكسب بذلك حسن الثناء في الدنيا والأجر في الأخرى، ويكون شريكاً للسلطان في حصول هذا الأجر. الرابع عشر: المهمندار: "وهو اسم لمن يقوم بأمور قصاد الملوك، ورسلهم. فمن حقه أن يعتمد مصلحة

стр. 93

الإسلام، ويرهب القصاد ويوهمهم قوة المسلمين، وشدة بأسهم وعظيم سطوتهم، واتفاق كلمتهم، وقيامهم في حوزة الدين، وأن ينهى أمور القصاد إلى الملك بمقدار ما تكون فيه المصلحة، وقد يكون منهم من يتعين عليه المبادرة إلى إكرامه، ومن يتعين عليه الكف عن إعظامه، بحسب ما يقتضيه الحال، للمتبصر في عواقب الأمور. وحق على السلطان ونوابه الاحتفال عند حضور قصاد الملوك، وإظهار القوة وحسن الملبس وكثرة الجيش واستعدادهم على الوجه الشرعي". الخامس عشر: البريدية: وهم الذين يحملون رسائل الملك وكتبه، وكانت أئمة العدل لا تبرد البرد إلا لمهم من مهمات المسلمين، (لمثله تساق) الخيول، وتزعج النفوس". قال ابن السبكي "وفي زماننا هذا أكثر ما تهلك خيول البريدية وتساق للأغراض الدنيوية، من شراء المماليك الحسان، وجلب الجواري والأمتعة، واستدعاء مغن حسن الصوت، أو خراب بيت شخص أنهى عنه، ما لا صحة له،

стр. 94

وأمثال ذلك وخفي عنهم أن أئمة العدل كانوا يستدعون العلماء من البلاد النائية؛ لأجل نفع المسلمين وإشهار الدين. وكان السيد عمر بن عبد العزيز ﵁ يبرد البريد للسلام على قبر سيدنا رسول الله ﷺ ومن حق البريدي كتمان الأسرار، وستر العورات، وكف لسانه عن الفضول، فضلاً عن الكذب، فلقد كثر منهم الكذب ونقل البهتان لأجل حطام الدنيا، ومن حقه حمل رسائل الإخوان إليهم، ففيه أجر عظيم، وشكر لهذه النعمة، وحق على كل بريدي ألا يجهد الفرس في السير، بل يسوقها بقدر طاقتها من غير إزعاج، أفما علموا أنها خلق من خلق الله تعالى؟ فإذا رأيت بريدياً يسوقها في أمر لا يجوز حتى يهلكها، ثم يقدم على أهل بلد، فيزعجهم، ثم يعود إلى السلطان فيدل على عورات المسلمين، ويغري الظلمة بالمساكين الغافلين، ثم يزيل الله عنه نعمته ويذيقه الذل، والهوان، فلا تعجب؛ فذلك عدل من الله سبحانه". السادس عشر: "السقاة". وإليهم أمر المشروب. وهو من أقبح البدع والترفع في الدنيا. فقد كانت الصحابة

стр. 95

﵃ وملكهم أعظم وأوسع من ملك الأتراك، والأموال التي كانت في أيديهم من الحلا أضعاف هذه الأموال الحرام بما لا يحصيه إلا الله تعالى، يكرعون في الماء القراح بأفواههم وأيديهم، بلا ساق يسقيهم. ولا يحل لساق يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر لمخدومه منكراً يشربه، وعليه إعمال الفكرة والحيلة في سد هذا الباب، وإبعاده عن أستاذه بقدر طاقته، وله أن / يكذب ويقول: لم أجد شيئاً، أو ذهب صاحبه ونحو ذلك. وإن كان أميره جباراً لا يرجعه عدل فعليه التوسط ودفع المنكر ما أمكنه وإبعاده عنه؛ لا سيما في الأوقات التي يجلس فيها الأمير للحكم بين الرعية، فيا ويح أمير يجلس للحكم بين الناس وهو سكران لا يهتدي الكلام، وعليه حفظ حقوق مخدومه، والخشية عليه من عدو يضع له في المشروب ما يهلكه من سم ونحوه وقد شاع عن جماعة من المماليك السقاة قتل أستاذيهم لأغراض الدنيا فقبحهم الله من طائفة. قال أهل التاريخ: ولقد جرب بالاستقراء فلم ير مملوك فعل ذلك بأستاذه إلا أهلكه الله تعالى سريعاً، ولم يحصل على شيء مما أمله، بل تنعكس عليه آماله وتتغير أحواله، نسأل الله السلامة.

стр. 96

السابع عشر: الطواشية: "وينبغي أن يعلم أن الممسوح هو من ذهبت أنثياه وذكره. ذهب أكثر الأصحاب الشافعية إلى جواز نظره إلى الأجنبيات، وفي وجه عندنا أنه حرام، وهو مذهب الإمامين أبي حنيفة، وأحمد واختاره السبكي. وأما الخصي: وهو من ذهبت أنثياه دون ذكره، والمجبوب وهو من ذهب ذكره دون انثييه فلا يحل لواحد منهما أن ينظر إلى الأجنبية على الصحيح عندنا، وأما نظر الطواشي إلى سيدته فالذي عليه أكثر أصحابنا أن نظر العبد إلى سيدته حلال، وإن كان سليم الذكر والأنثيين ورجحه الرافعي والنووي وعلى هذا فنظر الطواشي

стр. 97

أولى بالحل؛ ولكن الصحيح عند الشيخ الإمام السبكي وجماعة من المتأخرين أن نظر العبد إلى سيدته حرام؛ وهو الاحتياط والحق الذي ينبغي الاعتماد عليه، وخصوصاً في هذا الزمان العجيب، والنساء ناقصات عقل ودين، فكيف يباح نظر المماليك الحسان الذين يفتنون بجمالهم إلى سيداتهم، فلو كان طواشياً مملوكاً لسيدته، فهو أقرب إلى الجواز ممن يجتمع فيه الأمران. وقال الإمام مالك يجوز نظر المرأة إلى الطواشي إذا كان مملوكاً لها، أو زوجها، ومنعه إذا لم يكن كذلك. ومنهم الزمام هو الذي يختص بحريم السلطان، ومن حقه غض بصره عما يبدو منهن، وعليه النصح لصاحب البيت، وإعلامه بما يعجز عن إزالته من الريب، ومنع أرباب الفجور من العجائز وغيرهن من الدخول عليهن. ومنهم: مقدم المماليك وهو الذي إليه أمر المردان من المماليك السلطانية في

стр. 98

الطباق، ولا يحل له المواطأة على الفجور بهم، ولا تمكين بعضهم من مضاجعة بعض في فراش واحد"، وعليه بذل الجهد في تعليمهم القرآن وآداب الشريعة، بحيث يسكن الإسلام في قلوبهم. قال بعض العلماء "وقد كثر في هذه الطائفة نوع القيادة لمخدومهم، وكذا لغيره حتى قيل في الطواشي إنه أشد الناس غيرة، وأكثرهم استحساناً وقيادة على من تحت يده من امرأة أو مملوك إلا من عصمه الله تعالى من ذلك. وفي كتب السادة الحنفية أنه يكره استخدام الخصيان مطلقاً؛ لأن فيه تحريضاً على الخصاء المنهي عنه في الشرع". الثامن عشر: "الحجاب". / "والحجوبية وظيفة قديمة كانت تسمى القيادة، وكان الحاجب يسمى قائد الجيش، ولم يكن في الزمان الماضي يحكم بل يعرض الجيش، ويعتبر حاله، وينهيه إلى الأمير، والآن اصطلحت الترك على أنه يحكم ويفصل القضايا. فنقول: عليه رفع الأمور إلى الشرع، وأن يعتقد أن السياسة لا تنفع شيئاً؛ بل تضر البلاد والرعايا، وتوجب الهرج والمرج، ومصلحة الخلق فيما شرعه خالقهم الذي

стр. 99

هو أعلم بمصالحهم، ومفاسدهم؛ وشريعة نبينا محمد ﷺ متكفلة بجميع مصالح الخلق في معاشهم ومعادهم. ولا يأتي الفساد إلا من الخروج عنها، ومن لزمها صلحت أيامه، واستقامت أحكامه، ولم يقض رسول الله ﷺ نحبه حتى أكمل الله سبحانه لنا ديننا". "وأنت اعتبر وانظر تواريخ الملوك، والأمراء العادلين والظالمين؛ فلا ترى من دولته أكثر طمأنينة، وأطول أياماً، وأهنأ عيشاً؛ إلا من كان يلقي الأمور إلى الشرع، ومن كان يظن أنه يصلح الدنيا بعقله، وتدبير البلاد برأيه، وسياسته، ويتعدى حدود الله تعالى كانت عاقبته وخيمة، وأيامه قصيرة، منغصة مكدرة، وعيشه ضنكاً"، "فمن خطر له أنه لم يسفك الدماء بغير حق، ويضرب المسلمين بغير ذنب لم تصلح أيامه فعرفه أنه باغ جهول أحمق، دولته قريبة الزوال، ومصيبته سريعة الوقوع، وهو شقي في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ أخبر أنا إن لم نحكم هذا النبي العظيم، ثم إذا حكم لم نجد في أنفسنا حرجاً، وضيقاً من حكمه، بل نطمئن له ونسلم وننقاد ونذعن؛ وإلا فنحن غير مؤمنين، فكفى بهذه الآية واعظاً وزاجراً لمن وفقه الله تعالى.

стр. 100

فإن قال رجل من هؤلاء: "من أين أعرف هذا، وأنا عامي تركي لا أعرف كتاباً ولا سنة؟! قلنا له: هذا لا ينفعك عند الله شيئاً، ألم يجعل لك عينين، ولساناً، وشفتين، وهداك النجدين. فإن كنت لا تعرف فاسأل أهل الذكر، وإن عجزت عن الفهم فما لك والدخول في هذه الوظيفة دعها إذا لم تستطع لمن يفهم". التاسع عشر: "النقباء بأبواب الحجاب، والولاة. عليهم إذا جهز أحدهم في طلب غريم - السكون في الحركة، والرفق به. وحرام عليه أن يزعجه، ويرعبه؛ فإن هو فعل ذلك، فهلك المطلوب، أو أحد في الدار. وكثيراً ما تجهض الحامل جنينها - فقد أوجب عليه بعض العلماء القصاص.

стр. 101

وإن كان إنما فعل ذلك لحطام الدنيا، وأن يقال: النقيب الفلاني شاطر ناهض، فذاك أقبح وأشنع، بل عليه الرفق ذاهباً وآئباً، ويرفق إذا علم الحال في النهاية إلى الحاكم؛ بحيث لا يزداد الأمر شدة، ولا الأمير حدة". العشرون: "الوالي: وكان هذا الاسم قديماً لا يسمى به إلا نائب السلطان، وهو الآن اسم لمن / إليه أمر أهل الجرائم من اللصوص، والخمارين، ونحوهم. ومن حقه الفحص عن المنكرات، وسد الذريعة فيها، والستر على من ستره الله تعالى من أرباب المعاصي، وإقالة ذوي الهيئات عثراتهم، وليس له أن يتجسس على الناس ويبحث عنهم، ولا كبس بيوتهم لمجرد القيل، قال تعالى: ﴿ولا تجسسوا﴾. وثبت في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا". قال العلماء: أراد بالظن سوء الظن، وقيل لابن مسعود: هذا فلان تقطر لحيته خمراً. فقال: إنا نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر شيء نأخذ به. أخرجه ابو داود، وأخرج أيضاً عن معاوية، سمعت رسول الله ﷺ

стр. 102

يقول: "إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت تفسدهم" فحق على الوالي إذا تيقن شيئاً - أن يبعث سراً رجلاً مأموناً ينهى عن المنكر بقدر ما نهى الله تعالى عنه، ولا يزيد على ذلك، وما يفعله الولاة في زماننا من إخراج القوم من بيوتهم، وإرعابهم وضربهم وهتيكتهم كل ذلك من تعدي حدود الله تعالى، والظلم القبيح. وليس للوالي غير أن يجلدهم فقط بسوط معتدل بين القضيب والعصا لا رطب، ولا يابس، ويفرق السياط على الأعضاء، ويتقي الوجه، والمقتل، ولا يتقي الرأس على الصحيح عندنا، وهو مذهب أبي بكر الصديق ﵁، وفيه وجه أن يتقيه وهو مذهب: علي ﵁.

стр. 103

وبه قال أبو حنيفة ﵁، ولا يلقى على وجهه، ولا يمد ولا يجرد عن ثيابه، بل عن مقدار ما يدفع وصول الألم، ويترك عليه قميص، أو قميصان. ولا يقام عليه الحد في حال سكر، بل يؤخر حتى يفيق. فإن أقامه في السكر أخطأ، ولم يعده إذا أفاق، نقله أبو حيان التوحيدي عن القاضي أبي حامد".

стр. 104

"ومن أحكام الولاة الفاسدة، أنه إذا رفع إليهم من أزال بكارة امرأة أمروه بزواجها، وكذلك إذا أحبلها، ظناً منهم أن ذلك خير من ضياع الولد بلا نسب، وهتيكة الزنا. وهذا خلاف دين الله تعالى؛ فإن ولد الزنا لا يلحق بالزاني، ولا يكون ابناً له، ولا يرثه، فيفعلون حراماً يستمر أبد الآباد، وهو جعل ولد الزنا ولده يرثه الزاني، ويصلي عليه إلى غير ذلك من الأحكام، وحكم الله في من أزال بكارة بكر إن كانت مكرهة، وجب لها مهر بكر، وأرش بكارة على الصحيح وقيل: مهر ثيب، وأرش بكارة. وقيل: مهر بكر فقط. وكل منها وقع للرافعي ترجيحه، وتبعه النووي، ولكن الأول هو التحقيق، وأما المطاوعة فلا يجب لها شيء". الحادي والعشرون: "أمراء الدولة. عليهم تفقد حال مماليكهم وتعليمهم الآداب الشرعية، وكذا الأجناد والأتباع فيعلمونهم قراءة القرآن، أو شيئاً منه، وأمور دينهم، من وضوء وغسل، وصلاة

стр. 105

وصيام، وحج وزكاة، ونحو ذلك. ويعرفونهم بعد ذلك رمي النشاب، واللعب بالرمح والكرة، والصولجان، والمسابقة على الخيل؛ بحيث يعرفون الطعن والضرب، وآلات الحرب. وبحثهم الأمير في المسابقة والمناضلة على الرهن؛ لتنبعث عزائمهم /، أو يبذل لمن غلب منهم شيئاً من الدنيا ليرغبه، والرهن في ذلك جائز. ومن شرط العقد عليه أن لا يكون على صورة القمار، وإلا فهو حرام لا يلزم فيه العوض، وصورة القمار: أن يكون كل واحد منهما لا يخلو عن غنم، أو غرمٍ؛ مثل أن يخرج كل واحد منهما ديناراً مثلاً على أن من سبق منهما أخذ الدينارين جميعاً. فهذا حرام، إلا أن يكون هناك محلل؛ وهو ثالث يسابقهما بفرس كفئ لفرسيهما على أنه إن سبقهما أخذ الدينارين، وإن سبقاه لم يغرم شيئاً، وما تعتاده الأمراء في هذا الزمان من اللعب بالكرة والصولجان حال. وينبغي أن يقصدوا به تعليم الخيل الإقبال، والإدبار، والكر، والفر". "وعلى الأمير إن سار بالجيش الرفق بهم، والسير على سير أضعفهم وتفقد خيولهم، وتقوية قلوبهم، وإعانتهم في مصالحهم. ومن قبائح كثير من الأمراء أنهم لا يوقرون أهل العلم، ولا يعرفون لهم حقوقهم، وينكرون عليهم ما هم مرتكبون أضعافه.

стр. 106

وما أحمق الأمير إذا كان مرتكباً معصية، ووجد فقيها يقال عنه مثلها، أن يبغضه، ويعيبه، وينتقصه، وماله لا ينظر إلى نفسه مع ما خوله الله فيه من النعم! أليس هو [بشراً] مثله غير معصوم، أو أن يعتقد أن المعصية حرام على الفقيه دونه، أما علم أن القبيح عند الله حرام بالنسبة إلى كل أحد. وربما كان الفقيه ما يستر قبيحه، وليس عند الأمير وراء ذلك القبيح إلا أمثاله من القبائح. فمما يتعين على الأمير إذا أنهى إليه عن أحد من أهل العلم سوء أن لا يصدقه، بل يحسن الظن بهذه الطائفة التي لحومهم مسمومة، (ولقد استقرئ أنه ما أمير يغض من جانب الفقهاء وينقصهم، إلا وكانت عاقبته وخيمة، وسيرته ذميمة). فإن تيقن على أحد منهم سوءاً، واتضح عنده كالشمس - ولن يصير ذلك إن شاء الله تعالى - فعلى الأمير بعد ذلك أن يتفقد نفسه؛ فإن كان هو أيضاً يفعل ذلك، فليعد على نفسه باللائمة، ويقول لنفسه: أنا أذنبت ذنبين؛ لأني جاهل مرتكب هذا القبيح، فكيف أؤاخذ من لا يذنب إلا واحداً وأنا أنجس منه". "وحكى أن فقيهاً وقع إلى بعض الأمراء، وهو سكران فأخذ يجلده، والأمير

стр. 107

أيضاً سكران، فلما قام الفقيه قال: رب اغفر لي وتب علي، وجاء إلى قاض فقال له: أقم (علي الحد) فإن الأمير فاسق لا تصح إقامته للحدود، فأهلك الله ذلك الأمير بعد أيام يسيرة، ومنها استكثارهم الأرزاق، وإن قلت - على العلماء، واستقلالهم الأرزاق - وإن كثرت - على أنفسهم. وترى كثيراً منهم يعيبون على بعض الفقهاء ركوب الخيل، ولبس الثياب الفاخرة، وهذه الطائفة يخشى عليها زوال النعمة عن قريب؛ فإنها تتبخر في أنعم الله تعالى مع الجهل والمعصية. وتنقم على خاصة خلقه يسيراً مما هم فيه أفما يخشون ربهم من فوقهم، ولو اعتبر واحد منهم رزق أكبر فقيه لوجده دون رزق أقل مملوك عنده". قلت: وينبغي أن ينقش على دوي الأمراء العادلين ما نظمه الإمام العلامة تاج الدني السبكي - تغمده الله تعالى برحمته - ما صورته /: حلفت من يكتب بي … بالله رب العالم ألا يمد مدة … تؤلم قلب عالم "ومنها: ما يبدلونه من الذهب في الأطرزة العريضة والمناطق وغيرها من

стр. 108

أنواع الزراكش التي حرمها الله تعالى على ذكور هذه الأمة المحمدية، وزخرفة البيوت، سقوفها وحيطانها بالذهب، وقد لعن رسول الله ﷺ من ضيق سكة المسلمين. وأنت إذا اعتبرت ما يذهب من الذهب في هذه الأغراض الفاسدة، تجده قناطير مقنطرة، لا يحصيها إلا الله تعالى، ففكر واحسب كم على وجه الأرض من طراز ومنطقة وكنبوش وسرج وسلسلة وحلي حرام؟ وكم يكون مبلغه إذا اجتمع وضرب نقداً [يتعامل] به المسلمون؟. "فإنه لا بد في صياغة كل ذلك من ذهاب شيء، - وإن قل تأكله النار، وهو في الأبنية أكثر. فإذا ضممت ذلك القليل إلى قليل آخر على الاختلاف في البقاع، والأزمان؛ لم يحصل ما ضاع من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلا الله، ثم ذاك القدر الذي يسلم، ولا يضيع عندهم محبوساً، يتوارثونه جيلاً بعد جيل، ولو كان

стр. 109

(ذلك مضروباً) سكة يتباذله المسلمون لانتفعوا به، ورخصت البضائع، وكثرت الأموال، ولكنهم احتجروا ذلك وضيقوا على المسلمين معايشهم فلله الأمر". "ولما طلب الملك المظفر سيف الدين قطز شيخ الإسلام سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام بحضرة الملك الظاهر بيبرس، والملك المنصور قلاوون وغيرهما من الأمراء، وحادثه في الخروج إلى لقاء العدو من التتار، لما دهموا البلاد

стр. 110

ووصلوا إلى عين جالوت "فقال له الشيخ اخرج وأنا أضمن لك على الله النصر … فقال: إن المال في الخزانة قليل، وأريد الاقتراض من التجار". فقال: إذا أحضرت أنت وجميع العسكر كل ما في بيوتكم، وعلى نسائكم من الحلي الحرام، وضربته على السكة، ونفقته في الجيش، وقصر عن القيام بكلفتهم، أنا أسأل لكم الله تعالى في إظهار كنز من الأرض يكفيكم ويفضل عنكم. وأما أنكم تأخذون أموال (المسلمين والرعايا) بغير حق، وتخرجون إلى لقاء العدو، وعليكم مثل هذه المحرمات، وتطلبون من الله النصر، فهذا لا سبيل إليه فوافقوه. وأخرجوا ما عندهم ففرقه وكفى وخرجوا وانتصروا بمعونة الله تعالى". "ومنها ركوبهم والجنائب تقاد بين أيديهم مسرجة غير مركوبة، ويجدون مع ذلك المحتاج المنقطع في الأسفار وغيرها ماشياً، فلا يركبونه، وإنما يمشون بها للفخر والزينة والخيلاء لا للحاجة" "من حمل ضعيف، أو منقطع يرونه في الطريق، أما من قادها لأجل ذلك أو في الجهاد خشية أن فرسه يموت أو يعجز فهو حسن.
следующие страницы →