← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36113

المسائل النحوية في كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح

داود بن سليمان الهويمل

Полный текст (285 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المبحث الأول: طريقتُه في عرض المسائل تعدَّدت طرقُ ابن الملقن في عرض المسائل؛ فمنها ما يكون بشكل متكرر، ومنها ما يأتي عارضًا، وفيما يلي أبرزُ الطرق التي سار عليها ابن الملقن في عرض مسائله، مردوفةً بمثال أو مثالين، وذلك استكمالًا لما بدأناه من إيضاح منهج الشارح للحديث الشريف: يركز ابنُ الملقن في دراسته للحديث -وخصوصًا في الدراسة النحوية أو اللغوية- على الموضع الذي يريدُ دراسته فحسبُ. ومن ذلك: في قوله ﵇: (وجنِّبِ الشيطانَ ما رزقتنا)، قال ابن الملقن: "وقولُه: (فيما رزقتنا) أي: شيئًا رزقتنا ... " (١). وكذلك ما ورد في قول موسى ﵇: أيْ ربِّ، ثم ماذا؟ قال ابن الملقن: "وقوله (ثم ماذا)، وفي رواية: (ثم مَه؟ ) وهي (ما) الاستفهامية، لَمَّا وقف عليها زاد هاءَ السَّكْت ... " (٢). ونجد عند ابن الملقن اهتمامًا بإيضاح المفردات الحديثية التي ستكون الدراسةُ حولها، وبيانِ معناها في السياق، وذلك قبل عرضه للمسألة. ومن ذلك: في (مثنى مثنى)، قال ابن الملقن: "أي: اثنين اثنين، يريد ركعتين ركعتين بتسليم في آخر كل ركعتين، و (مثنى) معدول عن اثنين اثنين، فهي لا تنصرف للعدل" (٣). ومن ذلك في قوله ﵇: (كخ كخ)، قال ابن الملقن: " (كخ كخ): هو ردعٌ للصغار وزجرٌ" (٤)، وكذلك في قوله ﵇: (ما يهجعون)، قال ابن الملقن: أي: ما ينامون" (٥). أما من حيث عرضُه للأحكام النحوية، فربما يذكر الحكم عن طريق الجزم، وذلك بناءً على ما أجمع عليه النحويون، ومن ذلك: في قوله ﵇: (فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله

стр. 212

فهجرته ... )، قال ابن الملقن: "لا بد من تقديرٍ؛ لأن القاعدة عند أهل الصناعة ... " (١). أما إذا كانت المسألة تحتملُ أكثرَ من وجه نحوي؛ فنجده يذكرُ آراء النحويين، مبينًا الإشكالاتِ التي تعترضُها، هذا، مع عزو الآراء إلى أصحابها أو إلى المذهب الذي تبنَّاها، وربما يورد علةَ تضعيفِ الرأي النحوي. ومن ذلك في قول ورقة بن نوفل: (يا ليتني كنت جذعًا)، بعدما أورد ابن الملقن رأيَ الفراء في (يا ليتني كنت جذعًا) وأن في الجملة (كان) الناصبة المضمرة، وتقدير ذلك: انتهوا انتهاء خيرا لكم؛ قال: "وضُعِّف هذا الوجهُ بأن (كان) الناصبة لا تُضمر إلا إذا كان في الكلام لفظٌ ظاهر يقتضيها ... " (٢). وربما يذكر الرأي النحوي ولا يعزوه لأحد إذا كان هذا الرأيُ محمولًا على المشهور، ومن ذلك في (يوشك أن يكون خير ... )، قال: "و (يوشك) أحدُ أفعال المقاربة يطلُب اسمًا مرفوعًا وخبرًا منصوب المحل لا يكون إلا فعلًا مضارعًا مقرونًا بـ (أن) ... " (٣). هذا وقد يورد الأحكامَ النحوية وآراءَ العلماء في مسألةٍ ما دون إضافة أو تعليق، ونجد ذلك جليًّا في دراسته لقول الرسول ﷺ : (مثلَ أو قريبًا من فتنة المسيح الدجال) (٤)، ومن ذلك في (بَرَّ) قوله: "قال ابن التين: وأصله ألا يتعدى بغير حرف جر، ونُقل عن بعضهم أنه قال: لعله يريد بـ (مبرور) وصفُ المصدر فتعدى إليه بغير حرف فجعله متعديًا" (٥). ومن ذلك أيضًا في (قيل وقال) قال ابن الملقن: "قال أبو عبيد: كناية عن قيل وقول، وقال ابن السكيت: اسمان لا مصدران، وقيل: فعلان" (٦).

стр. 213

ونجد عند ابن الملقن في بعض المسائل ترجيحًا لرأي معين، مع عدم التزامه بذكر سببِ الترجيح. هذا وربما يكونُ ترجيحُه مراعاةً للمعنى، ومن ذلك: في قوله ﵇: (عليك ليلٌ طويلٌ) لما ذكر أن رواية الرفع (ليلٌ) على الابتداء، ورواية النصب (ليلًا) على الإغراء، قال ابن الملقن: "والأولُ أولى من جهة المعنى (ليلٌ طويلٌ فارقد)؛ لأنه الأمكنُ في الغرور من حيث إنه يخبره عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد" (١). هذا، وقد يكون تأييدُ ابن الملقن لرأي معين أو دحضُه مبنيًّا على اللفظ والمعنى، ومن ذلك في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ (٢)، قال ابن الملقن: "وخطأُ كونِه بمعنى الانتظار من وجهين: أنه عُدِّي إلى مفعوله بـ (إلى)، وإذا كان بمعنى الانتظار لا يتعدى بها، والوجه الثاني: حملُه على معنى الانتظار لا يخلو أن يُراد به منتظرة ربَّها أو ثوابَه، وعلى أيهما حُمل فهو خطأ؛ لأن المنتظرَ لِمَا ينتظرُه في تنغيص وتكدير" (٣). وفي بعض المواطن نجده يقدم ظاهر المعنى على الحكم النحوي في عرضه للمسائل، ومن ذلك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا خَطَئًا﴾ (٤)، قال: "ظاهرُه ليس مرادًا؛ فإنه لا يسوغُ له قتله خطأ ولا عمدًا" (٥). ومن الأمثلة على ترجيح ابن الملقن مع عدم ذكر سبب الترجيح: في كلمة (مِنَى) قال: "الأجوَدُ صرفُها، وكتابتُها بالألف، وتذكيرُها" (٦). وقد يُرجِّح ابن الملقن رأيًا قبل إيراده للآراء النحوية، ففي قوله ﵇ (يجعلون المحرمَ صفرَ)، قال ابن الملقن: "والصواب: صفرًا؛ لأنه مصروفٌ قطعًا ... " (٧)، ومن ذلك أيضًا في (نعم وبئس) قال: "فعلان لا ينصرفان؛ لأنهما انتقلا عن موضعهما، فـ (نِعم) منقولٌ من قولك: نَعِم

стр. 214

فلان إذا أصاب نعمة، و (بئس) فلان منقولٌ من بَئِس إذا أصاب بؤسًا، فنُقلا إلى المدح والذم فشابها الحرف" (١). كما أننا نجد من طرق ابن الملقن في عرض المسائل أنه يلخِّصُ الخلافَ النحوي على طريقة سؤال، ثم يفصِّل في ذلك، ذاكرًا الصحيح من هذه الآراء، وما قد يحتملُه النص من أوجه إعرابية، ومن ذلك: في (سمعت) قال ابن الملقن: "اختلف النحاة في (سمعت) هل يتعدى إلى مفعولين؟ ... والصحيح أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعلُ الواقع بعد المفعول في موضع الحال، أي: سمعتُه حالَ قوله كذا" (٢). ومن طرق ابن الملقن في عرض المسائل النحوية: أنه ربما يكتفي بحكم نحوي واحد، ويتركُ ما سواه، مع صحة كل منهما، ومن ذلك في (حتى أفيض) قال: "صوابُه (أفض)؛ لأنه جواب الأمر" (٣). ونجده قد يذكرُ الأوجُهَ الإعرابية لمسألة ما ثم يُثبت ما ذكر برواية أخرى، ومن ذلك في (ما أنا بقارئ) قال: " (ما) هنا نافية، واسمها أنا، وخبرها (قارئ)، والباء زائدة لتأكيد النفي، أي: ما أُحسِنُ القراءة، وقد جاء في رواية (ما أحسن أن أقرأ) " (٤). ومن الطرق أيضًا: أنه قد يذكر مثالًا على القاعدة النحوية ثم يبيِّن مدى انطباق شروط الحكم النحوي على هذا المثال، ومن ذلك في قوله: (حتى فرجه بفرجه) قال ابن الملقن: " (حتى) هنا عاطفة، وهي عند النحويين لا تعطف إلا بثلاثة شروط: أن تعطف قليلًا على كثير، وأن يكون من جنسه، وأن يُراد به التعظيم أو التحقير، والقليل هنا الفرج، والكثير الأعضاء، وهو من جنسها، والمراد به: التحقير، فيكون (فرجه) منصوبًا بالعطف" (٥). هذا، ونجد أحيانًا يورد آراءً نحويةً منها ما هو مؤكَّد ومنها ما هو محتمَل، ومن ذلك

стр. 215

في قوله: (لا وقرة عيني)، قال: " (لا) زائدة ... ويحتمل أن تكون نافية ... " (١). هذه أبرزُ الطرق التي اعتمد عليها الشارح في عرضه للمسائل، وذلك حسَبَ ما اطلع عليه الباحث.

стр. 216

المبحثُ الثاني: الإيجازُ والإطناب لديه سار ابنُ الملقن في شرحه للحديث الشريف وتوضيحه مسارَين، يُوضح خلالهما ما يريد دراسته، فتارةً يُوجز في شرحه، وتارة يطيل ويُطنب، ومحورُ ذلك حاجةُ الموضوع لأيهما، فمثالُ ما أوجز فيه: في قوله ﵇: (قيل وقال)، قال ابن الملقن: "قال ابنُ السكيت: هما اسمان لا مصدران، وقيل: هما فعلان" (١). وربما يوجزُ ابن الملقن في شرحه مكتفيًا بقولٍ واحد من أقوال أهل العلم، مع أن المسألة تحوي أكثرَ من قول، ومثالُ ذلك في قوله ﵇: (كان شطر الليل يبلغه)، قال ابن الملقن: "قيل: إنَّ (كان) هنا زائدة ... " (٢). ولم يتطرق لمجيئها تامة أو ناقصة. ومن ذلك أيضًا: في (كخ كخ) قوله: "قال الداودي: هي معربة ... " (٣). ولم يتطرق لأنها قد تكون مبنية. ومن طرق الإيجاز لديه: أنه ربما يذكر فحوى الحديث ثم يعلل لهذا المعنى، ومنه في قول عمر ﵁: (ما كدتُ أصلي العصر)، قال ابن الملقن: "مقتضى الحديث أن عمر ﵁ صلى العصر قبل المغرب ... ؛ لأن النفي إذا دخل على (كاد) اقتضى وقوع الفعل في الأكثر" (٤). ومظهر إيجازه في هذه المسألة أنه اقتصر على ما تثبته القاعدة النحوية. وربما يذكر الحكم النحوي والترجيح دون أي توضيح أو تعليق، ومن ذلك: في قول ملك الحبشة: (فكيف كان قتالُكم إياه)، قال ابن الملقن: "فيه انفصالُ ثاني الضميرين، والاختيارُ أن لا يجيء المنفصلُ إذا تأتَّى مجيء المتصل" (٥). كذلك من طرق الإيجاز لديه أنه قد يذكر الحكم النحوي مباشرة ثم يمثِّل له قبل عرض بقية الآراء، ومن ذلك في قوله ﵇: (فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرته ... ) قال ابن الملقن: "لا بد فيه من تقدير شيء ... والتقدير: فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وعَقْدًا،

стр. 217

فهجرتُه إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا" (١). ومن ذلك أيضًا في قوله ﵇: (ضربة من حديد)، قال ابن الملقن: "حذَف الموصوفَ وأقامَ الصفةَ مُقامَه" (٢). وتارة نجد أن ابن الملقن قد أوجز في شرحه واكتفى بالمعنى دون اللفظ، وذلك في مثل (ليلٌ طويلٌ) إذ قال: "والأول أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكَنُ في الغرور، من حيث إنه يخبره عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد" (٣). يقصد الرفع. هذا، وقد يورد الرأيَ النحوي دون شرحه، وذلك في (أما بعد) إذ قال: "وفي ضبطها أربعةُ أوجُه: ضم الدال، وتنوينها، ونصبها وتنوينها" (٤)، ومن ذلك أيضًا في (منى) قال: "الأجود صرفُها وكتابتُها بالألف وتأنيثُها" (٥). وربما يكون إيجازُه اكتفاء بدلالة السياق، ومن ذلك في قول أبي طلحة: (أفعل يا رسول الله)، وهل هو فعل مضارع أو أمر؟ قال ابن الملقن: "والأول أولى لقوله: فقسمها أبو طلحة" (٦)؛ أي: أن الفعل للمستقبل وليس للأمر، ومثل ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٧) قال ابن الملقن: "والقول أنه استثناءٌ أبيَنُ" (٨)، إشارة بأن الاستثناء يقتضي إخراج الثاني من الأول. وربما يوجز إيجازًا شديدًا في بعض المسائل، ومن ذلك في (صفر)، إذ قال: "والصواب (صفرًا)؛ لأنه مصروف قطعًا" (٩). كما أنه قد يوجز في المسألة بعدم عرض الأمثلة والشواهد مكتفيًا بالتعليل لِمَا اختاره من

стр. 218

الأوجه، ومن ذلك: في قوله ﵇: (فبكرا تزوجت)، قال ابن الملقن: "تقديره: أبكرًا تزوجت؛ لأن (أم) لا يعطف بها إلا بعد همزة الاستفهام" (١). ومثل ذلك في قوله ﵇: (لا تحرَّوا بصلاتكم طلوعَ الشمس ولا غروبَها)، قال: " (لا) هنا ناهية، ودخلت بعد الواو لتفيد النهيَ عن كلٍّ منهما" (٢). وربما نجد من طرق الإيجاز لدى ابن الملقن الإحالةَ إلى المظانِّ والكتب والعلماء، ومن ذلك في (إنما الأعمال بالنيات)، إذ قال: "ومحلُّ بسط المسألة كتبُ الأصول والعربية، فلا نطوِّل به" (٣). ومن ذلك في (إنما)، قال: "فيه مذهبان حكاهما ابنُ الحاجب، ومقتضى كلام الإمام وأتباعِه أنه بالمنطوق ... " (٤). وكذلك من طرقه في الإيجاز أنه قد يذكرُ آراءً محتملة دون التدقيق فيها، ومن ذلك في (لما أخبرتني)، قال: "يحتمل أن تكون اللام بمعنى (إلا)، و (ما) زائدة" (٥). ومن طرقه في الإيجاز، أنه قد يُلمح إلى رأيين مختلفين، دون عزوهما لمذهب بعينه، ومن ذلك في قوله ﵇: (عُذِّبت امرأةٌ في هرة حبستها)، قال ابن الملقن: "أي: بسببها، وأصل (في) للظرفية" (٦). ومن الطرق التي اتبعها ابنُ الملقن في الإيجاز والإطناب، أنه تارة يجمعُ بينهما في مسألة واحدة؛ ومن ذلك: في قوله ﵇: (فإن رأس مائة سنة منها)، قال: "على أن (مِن) تكون لابتداء الغاية في الزمان كـ (مُذ)، وهو مذهب كوفي. وقال البصريون: لا تدخل (مِن) إلا على المكان (ومنذُ) في الزمان نظيرُ (مِن) في المكان، وتأولوا ما جاء على خلافه؛ مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (٧)، أي: من أيام وجوده؛ كما قدَّره الزمخشري، أو من تأسيسِ أول

стр. 219

يوم؛ كما قدَّره أبو علي الفارسي، وضُعف بأن التأسيس ليس بمكان. ومثله قولُ عائشة: ولم يجلس عندي مِن يومِ قيلَ ما قيل. وقوُل أنس: فما زلت أحبُّ الدُّبَّاءَ من يومئذ. وقولُ بعض الصحابة: مُطرنا من الجمعة إلى الجمعة" (١). فنلحظ أن ابن الملقن أطنب ومثَّل ورجَّح لرأي البصريين، وأما مذهب الكوفيين فاكتفى بما ذكره أول المسألة دون تعليق أو شرح أو ترجيح. ومن طرق ابن الملقن في الإطناب خلال شرحه: أنه قد يذكر الأوجُه الواردة في المسألة، ثم يفصِّل كلَّ رأي على حدة، والأقوال الواردة فيه، وذلك في مثل: قول ورقة بن نوفل: (يا ليتني فيها جذعًا ... ). قال ابن الملقن: "قوله: (جذعًا) هكذا الرواية المشهورة هنا وفي صحيح مسلم؛ بالنصب، ووقع للأصيلي هنا وابن ماهان في صحيح مسلم: (جذعٌ)، بالرفع، فعلى الرفع لا إشكال، وفي النصب اختلفوا في وجهه على ثلاثة أوجه: أحدها: نصبُه على أنه خبر (كان) المقدرة، تقديرُه: ليتني أكون جذعًا، قاله الخطابي والمازري وابن الجوزي في مُشكِله، وهي تجيءُ على مذهب الكوفيين كما قالوا في قوله تعالى: ﴿انتَهُوا خَيرًا لَّكُم﴾ (٢) أي: يكن الانتهاءُ خيرًا لكم، ومذهب البصريين أن (خيرًا) في الآية منصوبٌ بفعل مضمر يدُل عليه (انتهوا) تقديرُه: انتهوا وافعلوا خيرًا لكم. وقال الفراء: انتهوا انتهاءً خيرًا لكم، وضُعف هذا الوجه بأنَّ (كان) الناصبة لا تضمر إلا إذا كان في الكلام لفظٌ ظاهر يقتضيها كقولهم: إن خيرًا فخير. ثانيها: أنه منصوبٌ على الحال، وخبر (ليت) قولُه: فيها، والتقدير: ليتني كائنٌ فيها -أي: مدة الحياة- في هذا الحال شبيبةً وصحةً وقوةً لنصرتك، إذ قد كان أسنَّ وعمِيَ عند هذا القول، ورجَّح هذا القاضي عياضٌ، وقال: إنه الظاهر. وقال النووي: إنه الصحيح الذي اختاره المحققون. ثالثُها: أن تكون (ليت) عمِلت عمَلَ (تمنَّيت) فنصبت اسمين، كما قال الكوفيون؛ وأنشدوا:

стр. 220

يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا" (١). ومن طرقه في الإطناب: أنه قد يذكر المسألة بِطُولها دون إضافة أي تعليق، ومن ذلك قوله: " (مثلَ أو قريبَ) كذا في كثير من نسخ البخاري. قال القاضي: وكذا رويناه عن الأكثر في الموطأ، ورويناه عن بعضهم (مثلًا أو قريبًا)، ولبعضهم (مثلَ أو قريبًا)، وهو الوجهُ. وقال ابن مالك: يروى في البخاري (أو قريبَ) بغير تنوين، والمشهور (أو قريبًا)، ووجهُه أن يكون أصلُه (مثلَ فتنة الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال)، فحُذف ما كان (مثل) مضافًا إليه، وتُرك على هيئته قبل الحذف، وجاز الحذفُ لدلالة ما بعده، والمعتادُ في صحة هذا الحذف أن يكون مع إضافتين؛ كقول الشاعر: أمَامُ وَخَلْفُ المَرْءِ مِنْ لُطْفِ رَبِّهِ ... كوالئُ تَزوي عَنْهُ مَا هُوَ يَحْذَرُ وجاء أيضًا في إضافة واحدة كما هو في الحديث. وأما رواية (قريبَ) بغير تنوين فأراد (مثل فتنة الدجال، أو قريبَ الشبه من فتنة الدجال)، فحُذف المضاف إليه، وبقي (قريب) على هيئته، وهذا الحذف في المتأخر لدلالة المتقدم عليه قليلٌ، مثل قراءة ابن مُحَيصن: ﴿فَلَا خَوفَ عَلَيهِم﴾ (٢) أي: لا خوفَ شيءٍ، وكقول الشاعر: أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِر أراد: سبحانَ الله، فحذف المضافَ إليه، وترك المضافَ بحاله. يقول الشاعر: العجب منه إذ يفخر" (٣). ومن طرق الإطناب لديه: مزج أكثر من مسألة نحوية في موضع واحد، ومن ذلك في حديث أم زرع، عند قولها: (جلس إحدى عشرة نسوة)، قال: "كذا في الأصول، ووقع في مسلم بنون، وهنا: امرأة، وفي أخرى: نسوة، وللنسائي: اجتمعن، ولأبي عبيد: اجتمعت، بالتاء. قال ابن التين: وقوله: (جلس إحدى عشرة امرأة)، أي: جمعٌ، مثل: ﴿وَقَالَ نِسوَة فِي

стр. 221

المَدِينَةِ﴾ (١)، قال عياض: والأحسن في الكلام حذفُ علامة التأنيث ونون الجماعة. وباب العدد في العربية: أن ما بين الثلاثة إلى العشرة مضافٌ إلى جنسه، ومن أحد عشر إلى تسعة وتسعين مميزٌ بواحد يدل على جنسه، وما بعد هذا مضافٌ إلى واحد من جنسه، وقد جاء هنا: النسوة، وهو جنس بعد إحدى عشرة، وهو خارج عن وجه الكلام، ولا يصح نصبُه على التفسير؛ إذ لا تفسير في العدد إلا بواحد. ولا يصلح إضافةُ العدد الذي قبله إليه، ووجهُ نصبه عندي على إضمار: (أعنى)، أو يكون مرفوعًا بدلًا من (إحدى عشر)، وهو الأظهر، وعلى هذا أعربوا قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعنَاهُمُ اثنَتَي عَشرَةَ أَسبَاطًا أُمَما﴾ (٢)، (الأسباط) بدل من (اثنتي عشرة)، وليس بتفسير فيما قاله الفارسي وغيره. وقولها: (جلس إحدى عشرة)، قال النحويون: يجوز: جلستْ، كما تقول في واحد: جلست امرأة، ولو قلت: قام الرجال جاز، ويجوز: قامت، بتقدير: قامت جماعةُ الرجال، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعرَابُ آمَنَّا﴾ " (٣). ومن صور الإطناب لديه: أنه قد يذكرُ أكثرَ من خمسة أقوال مع مناقشة صحتها أو خطئها ثم يرجِّح بينها، وذلك مثل: (لا يخرجكم إلا فرارًا منه)؛ إذ قال: "كذا هو بالنصب، ويجوز رفعُه، واستشكلهما القرطبي؛ لأنه لا يفيد بحكمٍ، ظاهره أنه لا يجوز لأحد أن يخرج من الوباء إلا من أجل الفرار؛ وهذا محال، وهو نقيضُ المقصود من الحديث، لا جرم قيده بعضُ رواة الموطأ: (الإفرار منه) بهمزة مكسورة ثم فاء ساكنة يوهم أنه مصدر، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال: (أفرَّ) رباعيًا، وإنما: يقال: (فَرَّ)، ومصدره فرار ومَفَرٌّ، قال تعالى: ﴿أَينَ المَفَرُّ﴾ (٤)، قال جماعة من العلماء: إدخال (إلا) فيه غلط، قال بعضهم: إنها زائدة كما تزاد (لا) في مثل قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسجُدَ﴾ (٥)، أي: أن تسجد، وقال بعض النحويين: (إلا) هنا للإيجاب؛ لأنها تعوِّض ما نفاه من الجملة، ونهاه عن الخروج، فكأنه قال: لا تخرجوا منها إذا لم يكن خروجُكم إلا فرارًا، فأباح الخروج لغرض آخر. والأقربُ أن تكون زائدة،

стр. 222

والصحيحُ إسقاطها كما قد صح في الروايات الأخر، وقال القاضي عياض: خرَّج بعضُ محققي العربية لرواية النصب وجهًا فقال: منصوبٌ على الحال، قال: فلفظة (إلا) هنا للإيجاب لا للاستثناء، قال: وتقديره: لا تخرجوا إذا لم يكن خروجُكم إلا فرارًا منه" (١). كذا نجد عند ابن الملقن أنه: قد يورد في المسألة أكثرَ من احتمال، ومن ذلك: في (أذره) إذ قال: "والهاء في (أذره) عائدة على الخبر؛ أي: لطوله وكثرته إن بدأتُه لم أقدِرْ على إتمامه، ويعضُدُه روايةُ: ولا أقدُر قَدْرَه. وفيه تأويل آخرُ ذكره أحمدُ بن عبيد بن ناصح: أن الهاء عائدة على الزوج، وكأنها خشِيَت فراقَه إن ذكرته. وقاله الداودي أيضًا. وعلى هذا تكون (لا) زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسجُدَ﴾ (٢)، ويحتمل عدم زيادتها -كما ذكره القرطبي- وأنها خافت أن لا تتركه معها ممسكًا لها في صحبتها، ويحتمل -كما قال عياض- رجوعُ الهاء إلى الزوج تأولًا آخرَ، أي: إن أخبرتُ بشيء من عيوبه ونقائصه أفضى ذلك إلى ذكر شيء أقبحَ منه" (٣). وآخرُ ما وقف عليه الباحثُ من مواطن الإطناب عند ابن الملقن أنه: قد يُطنب في موطن لا يستحقُّ الإطناب، ومن ذلك: قوله ﵇: (حتى فرجه بفرجه)، إذ قال: " (حتى) هنا عاطفة، وعند النحويين لا تعطف إلا بثلاثة شروط: أن تعطف قليلًا على كثير، وأن يكون من جنسه، وأن يُراد به التعظيم أو التحقير، والقليل هو الفرج، والكثير هي الأعضاء، وهو من جنسها، والمرادُ به التحقير، فيكون (فرجه) منصوبًا بالعطف" (٤).

стр. 223

المبحثُ الثالث: عرضُه للخلاف النحوي، وموقفُه من النحويين سلك ابن الملقن سُبُلًا عدة عند عرض الخلافات النحوية الواردة في الحديث الشريف، حيث تبيَّن موقفُه من النحويين، وإلى أيٍّ من المذاهب النحوية ينتمي، وذلك في بعض المسائل، ويكون ذلك تلميحًا لا تصريحًا، فمن السبل التي سلكها ابن الملقن في عرض الخلاف النحوي ما يلي: البدء بعرض الآراء التي سلمت من التقدير والإضمار، ثم ذكر الآراء الأخرى، ومن ذلك في قوله تعالى: ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ (١)، قال ابن الملقن: "وهي تجيء على مذهب الكوفيين؛ كما قالوا في قوله تعالى: ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾، أي: يكن الانتهاءُ خيرًا لكم، ومذهب البصريين أن (خيرًا) في الآية منصوبٌ بفعل مضمر يدل عليه (انتهوا)؛ تقديره: انتهوا وافعلوا خيرًا لكم" (٢). كذلك من الطرق التي يَعرض بها الخلاف: ذكرُ الآراء النحوية مع ذكر ترجيح العلماء دون أن يرجح هو أيَّ رأي، ومن ذلك في قوله ﵇: (هذه مكان عمرتك) قال: "عوض عمرتك الفائتة، وبالنصب على الظرف، قال بعضهم: والنصب أوجَهُ، قال القاضي: والرفع أوجَهُ عندي" (٣)، ومن ذلك أيضًا في (ما رزقتنا)، قال ابن الملقن: "أي: شيئًا رزقتنا؛ لأن المشهور أن (ما) لِمَا لا يعقِلُ، و (مَن) لمن يعقل، وإذا كانت (ما) بمعنى شيء، وقعت على من يعقل وما لا يعقل، وقيل: تكون لمن يعقل، والمعروف الأول" (٤). وربما يكتفي ابن الملقن برأي نحوي دون الآخر، ومن ذلك في (حتى أفيض)، قال: "وصوابُه (أفض)؛ لأنه جواب الأمر" (٥)، وهذا الذي ذكره هو مذهب البصريين، ويرى أن ما عليه الكوفيين خطأ. ومن طرقه في عرض الخلاف: أن يذكر الأقوال، ثم يبني الأحكام عليها، ومن ذلك في

стр. 224

قوله تعالى: ﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾ (١)، قال ابن الملقن: "قال إبراهيم: قليلًا ما ينامون ... وقال أنس: يصلون طويلًا ما ينامون ... فعلى قول إبراهيم يجوز أن تكون (ما) زائدة، وعلى قول أنس (ما) نافية" (٢). وقد يَجزمُ بالحكم دون ذكر أقوال أخرى، ومن ذلك في: (يا معاذ بن جبل)، قال: "أما (ابن) فمنصوب قطعًا" (٣). ومن طرقه في عرض الخلاف النحوي: أنه ربما يذكر رأي عالم ثم يذكر ما يعترضه من الآراء، دون ذكر أيهما أصح، ومن ذلك: في (معاذ) قال: "ويجوز في (معاذ) النصب والرفع، واختار ابنُ الحاجب النصبَ على أنه تابعٌ لـ (ابن)، فيصيران كاسمٍ واحد مركبٍ؛ كأنه أضيف إلى جبل، والمنادى المضاف منصوبٌ قطعًا، واعترضه ابنُ مالك فقال: الاختيار الضم؛ لأنه منادًى علمٌ، ولا حاجة إلى إضمار" (٤). وقد يعرض للخلاف ثم يبين الصحيح، ومثل ذلك في (سمعت) قال ابن الملقن: "اختلف النحاة في (سمعت) هل يتعدى إلى مفعولين؟ على قولين: أحدهما: نعم، وهو مذهبُ أبي علي الفارسي في إيضاحه؛ قال: لكن لا بد أن يكون الثاني مما يُسْمَعُ، كقولك: (سمعت زيدًا يقول كذا)، ولو قلت: (سمعت زيدًا أخاك) لم يجُزْ، والصحيح أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعلُ الواقع بعد المفعول في موضع الحال، أي: سمعته حالَ قوله كذا" (٥). ومن ذلك في (ما أنا بقارئ)، قال: " (ما) نافية ... وغُلط من جعلها استفهامية؛ وذلك لأن (ما) الاستفهامية لا يدخل خبرَها الباءُ، وهي لا تدخل على ما الاستفهامية" (٦). كذلك من الطرق: ذكر المشهور من أقوال العلماء، ثم ذكر الأقوال الأخرى، دون أي إيضاح، ومن ذلك في (ما كدت أصلي)، قال ابن الملقن: "والمشهور في (كاد): إذا كانت في سياق النفي أوجَبَتْ، وإن كانت في سياق الإيجاب نَفَتْ، وقيل: النفيُ نفيٌ والإيجابُ

стр. 225

إيجابٌ" (١). هذا، وقد يكون الخلافُ النحوي قائمًا على اختلاف المعنى، ومن ذلك في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٢)، قال ابن الملقن: "فمَن قال: هو معطوف بـ (أو) على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾؛ فالمعنى عنده: ليقتل طائفة، أو يخزيهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، وقيل: (أو) هنا بمعنى (حتى) " (٣). وقد يعرض ابنُ الملقن الخلافَ مع عزوه لصاحبه، وذلك في (وإنا لوجدناه بحرًا) قال: "و (إن) في قول الكوفيين بمعنى (ما)، واللام بمعنى (إلا)، وهي عند البصريين مخففة من الثقيلة" (٤). ومن ذلك في (لما أخبرتني) قال: "يحتمل أن تكون اللام بمعنى (إلا) و (ما) زائدة، هذا مذهب الكوفيين، ويحتمل أن تكون (لَمَّا) مشددة بمعنى (إلا)، ذكره سيبويه، وأنكره الجوهري" (٥). ومن طرق ابن الملقن في عرضه للخلاف النحوي: أنه ربما يذكر الرأي النحوي، ثم يورد احتمالاتٍ تعترضُ الرأي الصحيح، ومن ذلك في (لا أذره)، قال: "وعلى هذا تكون (لا) زائدة ... ويحتمل عدم زيادتها" (٦). وربما نجده يذكر الرأي النحوي على طريقة الإنكار، ثم يبين مدى صحته، ثم يرجح بعد ذلك، ومثله في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٧)، قال: "زعم أبو عبيدة أن (إلا) هنا بمعنى الواو، وهو خطأ عند حُذَّاق النحويين، والقولُ أنه استثناءٌ أبيَنُ" (٨). وقد يذكر الحكم النحوي ثم يبين الخلاف فيه، وذلك في مثل (لا تُشِفوا بعضَها على

стр. 226

بعض)، قال: "ولا يصح حملُه على النقص مع (على)؛ إلا على مذهبِ مَن يجيزُ بدل الحروف بعضها من بعض، فيجعل (على) موضعَ (عن)، وفيه بُعد" (١). ومن أغربِ الطرق التي عرض ابنُ الملقن بها الخلافَ النحوي: أنه قد يعترضُ على مذهب نحوي، ولهذا المذهب ما يُثبت صحتَه، ومن ذلك في (إلا خطأ)، قال: "ولا يصح أن يكون (إلا) بمعنى الواو؛ لأنه لا يعرف (إلا) بمعنى حرف الواو" (٢). أما موقفُ ابن الملقن من النحويين، فيختلفُ من مسألة لأخرى، ففي مسألةٍ قد نجد ابنَ الملقن يسيرُ وَفْقَ ما سار عليه النحويون، ويعضدُ رأيَهم بالدليل، ومن ذلك: قول ابن الملقن: "باب العدد في العربية ... أو يكون مرفوعًا بدلًا من (إحدى عشر)، وهو الأظهر، وعلى هذا أعربوا قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (٣)، بدلًا من اثنتي عشرة" (٤). ومعنى قوله: (في العربية)، أي: عند أهل العربية. فابن الملقن اعتدَّ بما عند النحاة، وأيَّدهم بقوله: وهو الأظهر. ومن مواقف ابن الملقن من النحويين: أنه قد يرُدُّ رأيَ عالم نحوي استنادًا إلى المشهور من كلام العلماء، ومن ذلك قوله: "ولا يصح نصبُه على التفسير، إذ لا تفسير في العدد إلا لواحد، ولا يصحُّ إضافةُ العدد الذي قبله إليه ... وليس بتفسير فيما قاله الفارسي، وغيره" (٥). ومن مواقف ابن الملقن: أنه قد يعرض لخلاف النحويين دون التعليق عليه، ومن ذلك في (لما أخبرتني)، إذ قال ابن الملقن: "يحتمل أن تكون (اللام) بمعنى (إلا)، و (ما) زائدة، هذا مذهب الكوفيين، ويحتمل أن تكون (لَمَّا) مشددة بمعنى (إلا)، ذكره سيبويه، وأنكره الجوهري" (٦). هذا، وقد يصرِّحُ بالخطأ مع ذكر قائله من النحويين، وربما لا يعللُ لهذه التخطئة، ومن

стр. 227

ذلك في ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم﴾ (١) قال: "وزعم أبو عبيدة أن (إلا) هنا بمعنى الواو، وهو خطأ عند حُذَّاق النحويين، والقول أنه استثناء أبيَنُ " (٢). ولا يعني هذا أن ابن الملقن يرفضُ الرأيَ ما لم يكن صحيحًا مشهورًا، بل قد يجيز الرأي المفضول أو غير المشهور؛ ومن ذلك في: (لا تشفوا بعضها على بعض) إذ قال: "ولا يصح حملُه على النقص مع (على)؛ إلا على مذهبِ مَن يجيزُ بدل الحروف بعضِها من بعض؛ فيجعل (على) موضعَ (عن)، وفيه بُعدٌ" (٣). وقد نجد اعتدادَ ابن الملقن بآراء النحويين؛ ومن ذلك في (أكثرَ أهل النار)، قال: "بالنصب على الحال، إذا قلنا: إن أفعل لا يتعرفُ بالإضافة، كما صار إليه الفارسي وغيره" (٤). أما عن مذهب ابن الملقن النحوي، فلم يصرح الشارحُ -حسَبَما وقفتُ عليه- بالمذهب الذي ينتمي إليه، ولكننا نجدُ إثباتَه لآراء البصريين بكثرة، وأما ذكرُه لرأي الكوفيين ففي مواطنَ قليلةٍ. فمما أخَذَ فيه برأي البصريين: في (أفيض)، إذ قال: "وصوابه (أفض)؛ لأنه جواب الأمر" (٥)، وهذا ما يراه البصريون، والوجه الذي يراه الكوفيون يعُده خطأً بقوله: وصوابُه. ومن ذلك أيضا في (إلا خطأ) إذ قال: "ولا يصح أن يكون (إلا) بمعنى الواو؛ لأنه لا يعرف (إلا) بمعنى حرف العطف" (٦)، وهو بذلك يثبتُ مذهبَ البصريين، ويعترض على مذهب الكوفيين. وتارة نجدُ ابنَ الملقن يأخذ برأيِ مذهبٍ دون عزوه، ومن ذلك في (مثنى مثنى)، إذ قال: "و (مثنى) معدولٌ عن اثنين اثنين، فهي لا تنصرفُ للعدل المكرَّر" (٧). وهذا رأيُ سيبويه عن الخليل.

стр. 228

ومما أخذ فيه بقول البصريين: في (لا تُشِفوا بعضَه على بعض)، إذ قال: "ولا يصح حملُه على النقص مع (على)؛ إلا على مذهبِ مَن يجيزُ بدل الحروف بعضِها على بعض، فيجعل (على) موضع (عن)، وفيه بُعد" (١)، وبما سبق فقد تبع مذهب البصريين. ومما أخذ فيه ابنُ الملقن عن الكوفيين: (في هرة)، إذ قال: " (في) هنا سببية، وأصلُ (في) للظرفية" (٢)، فالكوفيون يرون أن (في) تخرج عن أصلها، أما البصريون فيرون ظرفيتها. بهذا، قد بيَّنَّا طريقة ابن الملقن في عرضه للخلاف النحوي، وكيف كان موقفُه من النحويين، مع محاولة اكتشاف مذهبه النحوي، وكل هذا بحسَبِ ما وقفَ عليه الباحثُ ورآه.

стр. 229

الفصلُ الثالث أصولُ الاستدلال في دراسته للمسائل النحوية وفيه مباحثُ: المبحثُ الأول: السَّماع المبحثُ الثاني: القياس المبحثُ الثالث: الإجماع المبحثُ الرابع: أصولٌ أخرى المبحثُ الخامس: استعانتُه بالتعليل

стр. 230

المبحثُ الأول: السَّماع اعتمد ابنُ الملقن على هذا الأصل من أصول الاستدلال اعتمادًا كبيرًا، وقد تنوَّعت طرقُه في الاستدلال بالسماع، وتعددت أغراضُه الداعية لهذا الاستدلال. فمن الطرق التي استخدم بها أصل السماع -من آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وشواهد شعرية، وأقوال العلماء- أنه ربما يستدلُّ بالحديث والحديثين في مسألة واحدة، وتارةً يستدل بمعنَى الحديثِ دون نصِّه، وتارة يوردُ الحديثَ كما ورد في كتب الصحاح. فمثالُ ما استدل فيه بمعنى الحديث: في مجيء (في) للسببية، في حديث (في النفس المؤمنة)؛ إذ قال: "وكقوله في التي حبست هرةً فدخلت النارَ فيها، أي: لسببها" (١)، ففي هذا الحديث الأخير استدل به بالمعنى ولم يوردْه نصًّا. ومثالُ ما استدل بنصِّه كما ورد في كتب الصحاح: في قوله ﵇: (ما مِن أحد أغيرَ من الله)، قال: "وفي مسلم: (إنْ من أحد أغير من الله) بكسر همزة (إن) وإسكان النون، وهو بمعنى: ما من أحد أغير من الله" (٢). هذا، وقد يستدلُّ بروايات الحديث غيرَ مكتفٍ برواية البخاري، كما في (ما أنا بقارئ)، إذ قال: " (ما) نافية، واسمها (أنا)، وخبرها (بقارئ)، و (الباء) زائدة لتأكيد النفي، أي: ما أحسنُ القراءة، وقد جاء في رواية: ما أحسنُ أن أقرأ" (٣). كذلك قد يستدلُّ بأقوال الصحابة، وقد تكونُ مقتطعةً من الحديث الشريف، ومن ذلك في آية ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (٤)؛ إذ قال: "ومثله قولُ عائشة: ولم يجلس عندي مِن يومِ قيلَ ما قيل. وقولُ أنس: فما زلتُ أحبُّ الدُّبَّاءَ من يومئذ. وقولُ بعض الصحابة: مُطرنا من الجمعة إلى الجمعة" (٥). وقد يستدلُّ كذلك ببعض لغات العرب، عند مخالفتها للقواعد النحوية المشهورة، وذلك

стр. 231

في مثل (لن يصبنا - لن تعد)؛ إذ قال ابن الملقن: "هي لغةُ بعض العرب؛ يجزمون بـ (لن) مثل (لم) " (١). ومثالُ ما استشهد به ابنُ الملقن من كلام العرب، في (حَذْفِ ما دلَّ عليه دليلٌ)؛ إذ قال: "والعرب قد تحذف (كاد) كثيرًا من كلامها؛ لدلالة الكلام عليه، كقولهم في: (أظلمت الشمسُ)؛ كادت تُظلم" (٢). أما الأغراض التي دَعَتِ ابنَ الملقن للاستدلال بالسماع، فمتعددةٌ؛ منها: أنه قد يستدل عَضْدًا لرأي نحوي، ومن ذلك في (قيل وقال)، إذ قال ابن الملقن: "قال أبو عبيد: كنايةٌ عن قيل وقول، ويقال: قلتُ قولًا، وقيل قالًا، وقرأ ابن مسعود: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَالَ الْحَقِّ﴾ (٣)، يعني: قولَ الحق" (٤). ومثالُ ما استدل به ابنُ الملقن عضدًا لرأيٍ نحوي، في قول عمر: (ما كدتُ أصلي العصر)، إذ قال ابن الملقن: "مقتضى الحديث أن عمر صلى العصر قبل المغرب؛ لأن النفي إذا دخل على (كاد) اقتضى وجوبَ الفعل في الأكثر، كما في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٥) " (٦). وربما يعضُدُ الرأيَ النحوي بأكثرَ من شاهد، في مثل (إضافة الشيء إلى نفسه)، إذ قال ابن الملقن: "قال الشاعر: أَمَامُ وَخَلْفُ المرْءِ مِنْ لُطْفِ رَبِّهِ ... كوالئُ تَزْوي عَنْهُ مَا هُوَ يَحْذَرُ وجاء أيضًا في إضافة واحدة؛ كما هو في الحديث" (٧). وقد يجمع بين الاستدلال بقراءة وبيتٍ شعري، في مثل (حذف المضاف إليه وإبقاء

стр. 232

المضاف على حاله)؛ إذ قال: "مثل قراءة ابن محيصن: ﴿فَلَا خَوْفَ عَلَيْهِمْ﴾ (١)، وقول الشاعر: أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ" (٢) ومن طرائقه أنه ربما يستدلُّ بالقرآن الكريم لعضدِ معنى الحديث، ومن ذلك في (أن كان ابن عمتك)؛ إذ قال: "من أجل أنه ابن عمتك، كقوله تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ (٣) " (٤). هذا، وقد يكون استدلالُه بأصل السماع إثباتًا للقاعدة النحوية، ومن ذلك في (اتخذ)؛ إذ قال: "وقد تتعدى (اتخذ) لأحد المفعولين بحرف الجر، وقد تتعدى إلى مفعول واحد، وكل ذلك في القرآن" (٥)، ومن ذلك ما علق به بعد قول ابن الشجري: إن (اللام) قد تأتي بمعنى (في)، قال ابن الملقن: "كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٦) " (٧). هذا أبرزُ ما وقف عليه الباحثُ -حسَبَ اطلاعه- من طرق ابن الملقن في الاستدلال بالسماع، والأغراض التي دعته لاستخدام هذا الأصل.

стр. 233

المبحثُ الثاني: القياسُ اعتدَّ ابنُ الملقن بأصل القياس في شرحه للجامع الصحيح، غير أنه استعمله بقلة -حسَبَما وقف عليه الباحث من خلال المسائل التي درسها- ومع ذلك، فقد تنوَّع استعمالُ ابن الملقن لهذا الأصل؛ فتارة يقيسُ على ما هو مشهور عند النحويين، وتارة يقيسُ بحمل النظير على النظير، وفي أخرى يقيسُ بحمل النظير على ضده، وفي بعض المسائل يقيس بحمل الفرع على الأصل. فمثال ما قاس فيه على المشهور عند النحويين: في (ما) هل هي للعاقل؟ أو لغير العاقل؟ إذ قال ابن الملقن: " (ما رزقتنا) أي: شيئًا رزقتنا؛ لأن المشهور أن (ما) لِمَا لا يعقل، (ومَن) لمن يعقل، وإذا كانت (ما) بمعنى شيء، وقعت على مَن يعقل وما لا يعقل" (١). حيث حمل غيرَ العاقل على العاقل؛ لاتصافه بما يتصفُ به العاقلُ. ومن ذلك أيضًا في (معاذ بن جبل)، إذ قال: "واختار ابنُ الحاجب النصب ... واعترضه ابنُ مالك فقال: الاختيارُ الضم؛ لأنه منادًى علمٌ، ولا حاجة إلى إضمار" (٢)؛ حيث قدَّم ما لا يحتاجُ إلى إضمار، كما هو القياس عند النحويين. وكذلك في (حتى شطر الليل أو يبلغه)، إذ قال: "التقدير ... كاد يبلغه، والعرب قد تحذف (كاد) كثيرًا من كلامها لدلالة الكلام عليه، كقولهم في: (أظلمت الشمس)؛ كادت تظلم" (٣). وفي قوله ﵇: (فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله ... ) قال: "لا بد من تقدير شيء؛ لأن القاعدة عند أهل الصناعة أن ... " (٤). حملًا على ما هو مشهور عند أهل اللغة. ومن قياس النظير على النظير، في قول ورقة بن نوفل: (يا ليتني كنت جذعًا)، إذ قال ابن الملقن: "أن تكون (ليت) عمِلت عملَ (تمنَّيتُ) فنصبت اسمين" (٥). فحمل عملَ (ليت) التي

стр. 234

للتمني على (تمنيت)؛ لاتحادهما في المعنى. ومن ذلك في حديث أم زرع (جلس إحدى عشرة نسوة)، إذ قال: " (نسوة)، وهو جنس بعد إحدى عشرة، وهو خارجٌ عن وجه الكلام، ولا يصحُّ نصبُه على التفسير؛ إذ لا تفسير في العدد إلا بواحد. ولا يصلحُ إضافة العدد الذي قبله إليه، ووجهُ نصبه عندي على إضمار (أعنى)، أو يكون مرفوعًا بدلًا من (إحدى عشرة)، وهو الأظهرُ، وعلى هذا أعربوا قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (١)؛ الأسباط بدل من ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ " (٢). حيث قاس (أسباطًا) على (نسوة)؛ لأن كليهما جنسٌ، ولا يجوز أن تكون تمييزًا. ومثله أيضًا في (نوح)؛ إذ قال: " (نوح) أعجمي، والمشهور صرفه، ويجوز تركه" (٣). حملا على أن كل اسم أعجمي ثلاثي الوسط فهو مصروف. ومن ذلك أيضًا في قوله ﵇: (الحب في الله ... )، إذ قال ابن الملقن: " (في) سببية ... كقوله ﵇: (في النفس المؤمنة مائة من الإبل)، وكقوله في التي حبَست الهرةَ: (فدخلت النار فيها)، أي: بسببها، وأصل (في) للظرفية" (٤). حيث قاس (في) في الحديث الأول، على (في) في الحديثين التاليين، مع كون الخلافِ قائمًا حول مجيء (في) للسببية. ومن ذلك في قوله ﵇: (ما من أحد أغير من الله) قال: "وفي مسلم: (إنْ من أحد أغير من الله) بكسر همزة (إنْ) وإسكان النون، وهو بمعنى: (ما من أحد أغير من الله)، وعلى هذا (أغيرَ) بالنصب خبرُ (إن) النافية، فإنها تعملُ عملَ (ما) عند الحجازيين" (٥). حيث حمَلَ عمل (إن) النافية على عمل (ما) النافية عند الحجازيين، إذ هما بمعنى واحد. ومن ذلك في قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِبَنَا﴾ (٦)، قال: "هي لغةٌ لبعض العرب؛ يجزمون

стр. 235

بـ (لن) مثل (لم) " (١)، حيث حمل (ما) في الآية على لغة بعض العرب في المخالف للقواعد النحوية المشهورة. ومن حمل النظير على نظيره: في قوله ﵇: (مثل أو قريب) في حذف المضاف إليه وإبقاء المضاف على هيئته، قال ابن الملقن: "وجاء أيضًا في إضافة واحدةٍ كما هو في الحديث" (٢). إذ لا نظير لما عند النحويين سوى ما في هذا الحديث حسب قوله. وكذلك: في جعله الفعلَ المبني للمجهول يرفعُ فاعلًا، وينصب مفعولًا، وذلك في مثل: (لن يُشَادَّ الدينَ أحدٌ)؛ إذ قال: "والدينَ على هذا منصوب ... وهو ضبطُ أكثر أهل الشام على إضمار الفاعل في (يشاد) للعلم به" (٣). والذي عند النحويين أن الفعل المبني للمجهول يرفع نائب فاعل. ومن قياس الفرع على الأصل: في مثل (فبكرًا تزوجت)؛ قال: "تقديرُه: أبكرًا تزوجتَ؛ لأن (أم) لا يُعطف بها إلا بعد همزة الاستفهام" (٤). حيث جعل (الفاء) بمنزلة (همزة الاستفهام)؛ إذ الأصل في الاستفهام الهمزة. هذا مجملُ ما استعمله ابنُ الملقن في أصل القياس في المسائل التي درسها الباحثُ.

стр. 236

المبحث الثالث: الإجماع اعتمد ابنُ الملقن في شرحه للجامع الصحيح الموسوم بـ (التوضيح لشرح الجامع الصحيح)، على أصل الإجماع اعتمادًا ملحوظًا، حيث أقرَّ في كثير من الآراء ما أجمعَ عليه النحويون، ومثالُ ما أقرَّه ابن الملقن بناء على ذلك: في قوله ﵇: (فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرتُه ... )، إذ قال: "لا بد فيه من تقدير شيء؛ لأن القاعدة عند أهل الصناعة أن ... " (١)، فذكرُه لهذا الحكم مبنيٌّ على ما أقره النحويون. ومنه في قوله ﵇: (لها ريح مُنتن)، قال: "صوابُه: (منتنة)؛ لأن الريح مؤنثة، إلا أنه يجوزُ في المؤنث الذي لا فرجَ له أن يُعبَّر عنه بالمذكر" (٢)، وهو يشيرُ لما أجمع عليه النحويون. وأيضًا مما أقره ابنُ الملقن لِما أجمع عليه النحويون: في قوله ﵇: (ويجعلون محرم صفرَ)، إذ قال: "والصواب صفرًا؛ لأنه مصروف قطعًا" (٣). وكذلك في قوله ﵇: (فبكرًا تزوجتَ أم ثيبًا)، قال: تقديره: أبكرًا تزوجت؛ لأن (أم) لا يُعطف بها إلا بعد همزة الاستفهام" (٤). أي: عند النحويين. ومن ذلك أيضًا في (مبرور)، إذ قال: "وأصلُه أن لا يتعدى بغير حرف جر" (٥). وكذلك في قول عمر بن الخطاب ﵁: (ما كدتُ أصلي العصر)، قال ابن الملقن: "مقتضى الحديث أن عمر صلى العصر قبل المغرب؛ لأن النفي إذا دخل على (كاد) اقتضى وقوعَ الفعل في الأكثر، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٦). والمشهور في (كاد) أنها إذا كانت في سياق النفي أوجبَتْ، فإن كانت في سياق الإيجاب نفَتْ" (٧). هذا، وربما لا يكتفي ابنُ الملقن بما أقره النحويون فحسب، بل يزيدُ ما أقرَّه أهلُ الأصول

стр. 237

أيضًا، ومن ذلك: في قوله ﵇: (إنما الأعمال بالنيات ... )، قال: " (إنما) موضوعةٌ للحصر؛ تُثبت المذكورَ وتنفي ما عداه، هذا مذهبُ الجمهور من أهل اللغة والأصول وغيرهما" (١). وبالنظر فيما سبق يتضحُ اهتمامُ ابن الملقن بهذا الأصل، مما عرضه في هذا المبحث من ذكرٍ للحديث الشريف وتعليقه عليه.

стр. 238

المبحثُ الرابع: أصولٌ أخرى تنوَّعت أصول الاستدلال عند ابن الملقن في شرحه للجامع الصحيح؛ فمن الأصول التي اعتمد عليها ما سبق إيضاحُه من السماع والقياس والإجماع، ومنها ما نجده عنده أيضًا من الاستدلال بأصول أخرى، منها: استصحابُ الحال، والسَّبْر والتقسيم، وقد ظهر استدلالُه بهذين الأصلين من خلال دراسة الباحث للمسائل النحوية. ويمكنُ أن نُبرِزَ هذين الأصلين بعرض الأمثلة عليهما؛ فأما استدلالُه بأصل استصحاب الحال، فإننا نجدُ ابنَ الملقن يستخدمُ هذا النوعَ من الأدلة في عدة مواقف وربما يقدمُه على غيره من الأدلة. ومثال ذلك في قول ورقة بن نوفل: (يا ليتني كنت جذعًا)، إذ قال ابن الملقن: "منصوبٌ على الحال، وخبر (ليت) قوله: فيها، والتقدير: ليتني كائنٌ فيها -أي: مدة الحياة- في هذا الحال شبيبةً وصحةً وقوة لنصرتك، إذ قد كان أسنَّ وعمِيَ عند هذا القول" (١). فكان الرابطُ في اختيار النصب: هو حال ورقةَ من الكِبَر والعمى. ومن ذلك أيضًا في قوله ﵇: (ليلٌ طويلٌ فارقد)؛ إذ قال ابن الملقن: "والأول أولى (ليلٌ طويلٌ) من جهة المعنى؛ لأنه الأمكَنُ في الغرور؛ من حيث إنه يخبره عن طول الليل ثم يأمرُه بالرقاد، وإذا نُصب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمرُ بملازمة طول الرقاد" (٢). وكذلك في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٣)، قال ابن الملقن: "حمله على معنى الانتظار لا يخلو أن يُراد به: منتظرةً ربَّها أو ثوابَه، وعلى أيهما حُمل فهو خطأ؛ لأن المنتظِر لِمَا ينتظرُه في تنغيص وتكدير، والله قد وصف أهلَ الجنة بغير ذلك" (٤). أما أصلُ السبر والتقسيم، فقد استخدمه ابن الملقن قليلًا، ومن ذلك في: (حتى أدخل على مالك)، إذ قال ابن الملقن: "مَن قرأه بضم لام (أدخلُ) كانت (حتى) عاطفة، فمعنى

стр. 239

الكلام: انطلقت فدخلت المدينة، ومَن فتحَها كانت (حتى) بمعنى (كي) " (١). ومن ذلك في قوله ﵇: (يضرب بعضكم)، قال ابن الملقن: "مَن جزم (الباء) من (يضرب) أوَّله على الكفر الحقيقي الذي فيه ضربُ الأعناق، ومَن رفَعها، فكأنه أراد الحالَ والاستئناف، ولا يكون متعلقًا بالذي قبله" (٢). ومن السبر والتقسيم أيضًا لديه: في مثل ما ورد في (نِعم)؛ إذ قال: "وفيها أربع لغات: بفتح أوله وكسر ثانيه، وكسرهما، وسكون العين وكسر النون، وفتح النون وسكون العين" (٣). هذا أبرَزُ ما وقف عليه الباحثُ في دراسته للمسائل النحوية لأصول الاستدلال.

стр. 240

المبحثُ الخامس: استعانتُه بالتعليل استعان ابنُ الملقن في شرحه للجامع الصحيح بأصل التعليل، مستخدمًا ذلك لأغراض متعددة؛ من أهمها: استعانتُه بالتعليل لعَضْد رأي أو دَحْضه، أو إيضاح معنى. فمثال ما استعان فيه ابنُ الملقن بالتعليل: في قوله ﵇: (فمَن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله ... )، إذ قال ابن الملقن: "لا بد فيه من تقدير شيء؛ لأن القاعدة عند أهل الصناعة أن الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لا بد من تغايُرِهما" (١). ومن ذلك في قول أبي طلحة: (أفعلُ يا رسول الله)، قال ابن الملقن: "هو فعلٌ مستقبل مرفوع. وقال الداودي: يحتمل أن: افعل أنت ذاك، قد أمضيتُه على ما قلتَ؛ فجعَله أمرًا، والأولُ أولى؛ لقوله: فقسَمَها أبو طلحة" (٢). حيث جعل الفعل للمستقبل لدلالة الفعل (فقسمها). ومثله في (ريح منتن)، إذ قال: "وصوابه: (منتنة)؛ لأن الريح مؤنثة" (٣). ومن ذلك أيضًا (ليلٌ طويلٌ)، إذ قال: "والرفع أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكَنُ في الغرور؛ من حيث إنه يخبره عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد" (٤). ومن ذلك في (معاذ بن جبل)، إذ قال ابن الملقن: "ويجوز في (معاذ) النصب والرفع، واختار ابنُ الحاجب النصبَ على أنه تابعٌ لـ (ابن)، فيصيران كاسم واحد مركبٍ؛ كأنه أضيف إلى (جبل)، والمنادى المضافُ منصوبٌ قطعًا، واعترضه ابنُ مالك فقال: الاختيارُ الضم؛ لأنه منادًى علمٌ، ولا حاجة إلى إضمار" (٥). ومما استعان فيه بالتعليل لعضد رأي: في قول علي ﵁: (بعثني رسولُ الله ﷺ أنا والزبيرَ والمقدادَ)، إذ قال: "أكد الضميرَ المنصوب بـ (أنا)، كقوله تعالى: ﴿إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا

стр. 241

وَوَلَدًا (٣٩)﴾ (١)، وقيل: لا يؤكد بها ضمير المنصوب؛ لأنها في موضع رفع؛ ولا يؤكد المنصوب بالمرفوع" (٢). ومن ذلك أيضًا في قوله ﵇: (نِعمت المرضعةُ، وبِئست الفاطمةُ)، قال ابن الملقن: " (نعم) و (بئس) فعلان لا يتصرفان؛ لأنهما انتقلا عن موضعهما، فنُقلا إلى المدح والذم، فشابها الحرفَ" (٣). ومن ذلك في: (فبكرا تزوجت)؛ قال ابن الملقن: "تقديره: أبكرًا تزوجتَ؛ لأن (أم) لا يُعطَف بها إلا بعد همزة الاستفهام" (٤). أما التعليلُ الذي استعان به ابن الملقن لدحض رأي، ففي مثل (حتى أفيض)؛ إذ قال: "صوابه أُفِض؛ لأنه جوابُ الأمر" (٥). ومن ذلك أيضًا في قوله: (ما أنا بقارئ)؛ إذ قال ابن الملقن: "وغُلط مَن جعلها استفهامية؛ لدخول الباء في خبرها، وهي لا تدخل في خبر (ما) الاستفهامية" (٦). ومثلُه في (إلا خطأ)؛ إذ قال: "ولا يصح أن يكون (إلا) بمعنى الواو؛ لأنه لا يُعرف (إلا) بمعنى حرف العطف، ولأن الخطأ لا يُحذر، لأنه ليس بشيء يُقصد" (٧). وكذلك في قوله تعالى: ﴿امِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، تعليقًا على قول الفارسي: أي من تأسيس أول اليوم، قال ابن الملقن: "وضُعِّف هذا الرأي؛ لأن التأسيس ليس بمكان" (٨). وكذلك في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٩)، قال ابن الملقن: "وخطأُ كونه في الآية بالمعنى الأول -وهو الانتظار- من وجهين: أحدهما: أنه عدِّي إلى مفعوله بـ (إلى)، وهو إذا كان بمعنى

стр. 242

الانتظار لا يتعدى بها، وإنما يَتعدى بنفسه ... " (١). وكذلك في قوله ﵇: (ويجعلون المحرم صفرَ)، قال ابن الملقن: "والصواب صفرًا؛ لأنه مصروف قطعًا" (٢). ومن ذلك في (الإفرار) قال ابن الملقن: "وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا يُقال: أفرَّ رباعيًّا" (٣). أما التعليل الذي من أجل إيضاح المعنى، فمثاله في قوله ﵇: (لا تحرَّوا بصلاتكم طلوعَ الشمس ولا غروبَها)، قال ابن الملقن: "و (لا) الناهية دخلت بعد الواو؛ لتُفيد النهيَ عن كلٍّ منهما" (٤). ومن ذلك أيضًا في (أنْ كان ابنَ عمتك)؛ قال ابن الملقن: "من أجل أنه ابن عمتك ... لأن أمَّ الزبير صفيةَ بنتَ عبد المطلب عمةُ رسول الله ﷺ " (٥). ومن ذلك في قول عمر: (ما كدتُ أصلي العصر حتى كادت الشمسُ تغرب)، قال ابن الملقن: "مقتضى الحديث أن عمر صلى العصر قبل المغرب؛ لأن النفي إذا دخل على (كاد) اقتضى وجوبَ الفعل في الأكثر" (٦). ومن ذلك ما علَّق به ابنُ الملقن على ما استشكله القرطبي في (إلا فرار) من وجهي النصب والرفع، إذ قال ابن الملقن: "لأنه يفيد بحكم ظاهره أنه لا يجوزُ أن تخرج من الوباء إلا من أجل الفرار، وهذا محالٌ، وهو نقيض المقصود من الحديث" (٧). ومن ذلك أيضًا، في (ثوبي حجر) قال: "وإنما نادى موسى ﵇ الحجرَ نداءَ مَن يعقل؛ لأنه صدَر عن الحجر فعلُ مَن يعقل" (٨). فهذا أبرزُ ما وقفَ عليه الباحثُ من اهتمام ابن الملقن واستعانته بالتعليل.

стр. 243

الفصلُ الرابع التقويمُ ، وفيه مباحثُ: المبحثُ الأول: الوضوحُ والغموض المبحثُ الثاني: الدقةُ في النقل، وعدمُها المبحثُ الثالث: التبعيَّةُ والاستقلال المبحثُ الرابع: تأثير آرائه في مَن جاء بعده المبحثُ الخامس: أثرُ بحثه النحوي في دلالة الحديث

стр. 244

المبحثُ الأول: الوضوحُ والغموض من خلال ما درسه الباحثُ من المسائل النحوية في كتاب (التوضيح لشرح الجامع الصحيح)، تبيَّن له دقةُ عبارة ابن الملقن ووضوحُها، مع كونها مختصرةً، عدا النَّزْرَ اليسيرَ -غير المخوِّل للعيب- في غموض بعض العبارات. فمثالُ وضوح عبارته: في قوله ﵇: (فبكرًا تزوجت)، إذ قال: "تقديرُه: أبكرًا تزوجتَ؛ لأن (أم) لا يُعطف بها إلا بعد همزة الاستفهام" (١). ومن ذلك أيضًا في قوله ﵇: (حتى فرجه بفرجه)، قال ابن الملقن: " (حتى) هنا عاطفة، وهي عند النحويين لا تعطفُ إلا بثلاثة شروط: أن تعطف قليلًا على كثير، وأن يكونَ من جنسه، وأن يُرادَ به التعظيمُ أو التحقير، والقليلُ هنا الفرج، والكثير الأعضاء، وهو من جنسها، والمراد به: التحقيرُ، فيكون (فرجه) منصوبًا بالعطف" (٢). ومن ذلك أيضًا في قوله ﵇: (الحب في الله والبغض في الله)، قال: " (في) هنا للسببية -أي: بسبب طاعة الله ومعصيته- كقوله ﵇: (في النفس المؤمنة مائةٌ من الابل)، وكقوله في التي حبست الهرةَ: (فدخلت النار فيها)، أي: بسببها، وأصل (في) للظرفية" (٣). ومثله في قوله ﵇: (الذي قلتَ له آنفًا: إنه من أهل النار)، قال ابن الملقن: "معنى (له): فيه، قال ابنُ الشجري: اللام قد تأتي بمعنى (في)؛ قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٤)؛ أي: فيه" (٥). ومثلُ ذلك في (ما من أحد أغير من الله)؛ إذ قال: "وفي مسلم: (إنْ من أحد أغيرَ من الله) بكسر همزة (إنْ) وإسكان النون، وهو بمعنى: ما من أحدٍ أغيرَ من الله، وعلى هذا (أغيرَ) بالنصب خبرُ (إن) النافية، فإنها تعملُ عملَ (ما) عند الحجازيين، وعلى التميمية هو مرفوعٌ

стр. 245

على أنه خبر المبتدأ الذي هو (أحد) " (١). ومن أمثلة وضوح عبارة ابن الملقن: في (أُريتكُنَّ أكثرَ)، قال ابن الملقن: " (أكثرَ) هو بنصب الراء، على أن (أريت) يتعدى إلى مفعولين، أو على الحال؛ إذا قلنا: إن أفعل لا يتعرف بالإضافة، كما صار إليه الفارسي وغيرُه. وقيل: إنه بدلٌ من الكاف في (أُريتكن) " (٢). ومثله في (لو كنت متخذا)؛ إذ قال: " (اتخذ) تتعدى إلى مفعولين أحدُهما بحرف الجر، فيكون بمعنى: اختار واصطفى، وهنا سكت عن أحد مفعوليها، وهو الذي دخل عليه حرفُ الجر، فكأنه قال: لو كنتُ متخذًا من الناس خليلًا لاتخذتُ منهم أبا بكر، وقد تتعدى (اتخذ) لأحد المفعولين بحرف الجر، وقد تتعدى إلى مفعول واحد، وكلُّ ذلك في القرآن" (٣). ومن الأمثلة التي تدل على وضوح عبارة ابن الملقن: في (يوشك أن يكون خير)، قال: "و (يوشك) أحدُ أفعال المقاربة، يطلُبُ اسمًا مرفوعًا وخبرًا منصوبَ المحل لا يكونُ إلا فعلًا مضارعًا مقرونًا بـ (أن)، وقد يُسند إلى (أن) والفعل المضارع؛ فيسُدُّ ذلك مسَدَّ اسمها وخبرها" (٤). ومن ذلك أيضًا: تعليقُه على (لا يبيع أحدكم)، إذ قال: "كثيرٌ من روايات الحديث (لا يبيع) بإثبات الياء، والفعلُ غير مجزوم، وذلك لحنٌ، وإن صحَّت الرواية فتكون (لا) نافية، وقد أعطاها معنى النهي، لأنه إذا نُفي أنْ يوجد هذا البيعُ، فكأنه قد استمرَّ عدمُه، والمراد من النهي عن الفعل: إنما هو طلبُ إعدامه أو استبقاءُ عدمه" (٥). ومثله في (إنما الأعمال بالنيات)، إذ قال: "لا بد فيه من تقدير شيء؛ لأن القاعدة عند أهل الصناعة أن الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لا بد من تغايُرِهما، وهنا وقع الاتحاد ... " (٦). وقد يكون وضوحُ عبارة ابن الملقن بارزًا في تصويب حكم نحوي؛ كما في مثل: (ولها ريح

стр. 246

منتن)، إذ قال: "وصوابه: (منتنة)؛ لأن الريح مؤنثة، إلا أنه يجوزُ في المؤنث الذي لا فرجَ له أن يُعبَّر عنه بالمذكر" (١). أما المواضعُ التي وقف عليها الباحثُ، وأشكلت عليه عبارةُ ابن الملقن لغموضها، ففي (منى)؛ إذ قال: "الأجودُ صرفها، وكتابتُها بالألف، وتذكيرها" (٢). مع أن المشهور في أسماء البلدان التأنيثُ والمنعُ من الصرف. ومن ذلك في قول عائشة ﵂: (لَمَّا أخبرتني)، قال ابن الملقن: "يحتمل آخر شيء، يحتمل أن تكون اللام بمعنى (إلا) و (ما) زائدة، هذا مذهب الكوفيين، ويحتمل أن تكون ما مشددةً بمعنى (إلا)، ذكره سيبويه، وأنكره الجوهري" (٣). فلا أدري ما المقصود بـ (آخر شيء)! ؛ لأن ما بعدها يحتمل أن تكون (اللام) بمعنى (إلا)، ويحتمل أن تكون (ما) مشددة بمعنى (إلا). أم أن المقصود هو العامل؟ لأننا إن قلنا ذلك فيكون العامل ليس بالأخير، إنما الأخير هو الفعل. هذا ما استطاع الباحثُ ذكرَه في وضوح عبارة ابن الملقن وغموضِها.

стр. 247

المبحثُ الثاني: الدقةُ في النقل، وعدمها تميز ابنُ الملقن في شرحه للجامع الصحيح في جانب النقل، إذ يغلِبُ على نقوله الدقةُ والصوابُ، هذا وقد ينقل نصًّا عن عالم محتفظًا بأصل النص، وربما ينقلُ عن عالم بالمعنى، وتارة أخرى يلجأُ لاختصار المنقول، وتارة ينقلُ عن شارح للحديث، ويكون هذا النقل مخالفًا لما عليه النحويين، وفي قليل من النقول تُفتقد الدقةُ في النقل. أما نقلُ ابن الملقن المتميز بالدقة والصواب، ففي مثل (حلة سيراء)، إذ قال ابن الملقن: "قال صاحبُ (المطالع): حلةَ سيراءَ على الإضافة، ضبطناه عن ابن سراجٍ ومُتقني شيوخنا، وقد رواه بعضُهم بالتنوين على الصفة ... " (١). فنقلُه عن المطالع لابن قرقول تميز بالدقة والصواب. ومن ذلك أيضًا: في قوله ﵇: (إلا الإبقاء عليهم)، قال ابن الملقن: "هو بكسر الهمزة، ثم باء موحدة، ممدود؛ أي: الرفق بهم. قال القرطبي: رويناه بالرفع على أنَّه فاعل (يمنعهم)، ويجوز النصب على أن يكون مفعولًا من أجله، قال: ويكون في (منعهم) ضميرٌ عائد على رسول الله ﷺ وهو فاعله" (٢). وهذا النقل عن القرطبي نقلٌ دقيقٌ صحيح نجدُه في كتاب (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم). ومثله في قوله ﵇: (مثلَ أو قريبًا)، قال ابن الملقن: "قال ابنُ مالك: يروون في البخاري: أو قريبَ بغير تنوين، والمشهورُ: أو قريبًا، ووجهُه أن يكون أصلُه (مثلَ فتنة الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال)، فحُذف ما كان (مثل) مضاف إليه، وتُرك على هيئته قبل الحذف ... " (٣). ونقلُه هنا عن ابن مالك فيه شيءٌ من التغيير اليسير لا يصل لعدم الدقة في النقل، وذلك كما ورد في كتاب (شواهد التوضيح). أما مثال ما نقله ابنُ الملقن بالمعنى، أو بشيء من الاختصار، ففي قوله ﵇: (حتى كان شطر الليل)، إذ قال ابن الملقن: "قال ابنُ بَطَّال: التقدير (حتى كان شطر الليل أو كاد يبلغه)،

стр. 248

والعرب قد تحذف (كاد) كثيرًا من كلامها؛ لدلالة الكلام عليه، كقولهم في: (أظلمت الشمس)؛ كادت تظلم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ (١)، أي: كادت من شدة الخوف تبلغُ الحلوقَ" (٢). وما قاله ابنُ بطال مماثلٌ لما نقله عنه ابنُ الملقن؛ غير أن ابن الملقن اكتفى بقول العرب وبالآية القرآنية، ولم يذكر البيت الشعري الذي ذكره ابنُ بطال؛ وهو قول الشاعر: يَتَعَارَضُونَ إِذا الْتَقَوْا فِي مَوْطِنٍ ... نَظَرًا يُزِيلُ مَوَاطِئَ الأَقْدَام قال ابنُ بطال: فلم يقل: (كاد يزيل)، ولكن نواها في نفسه. ومثله في (كره لكم قيل وقال)، قال ابن الملقن: "قال أبو عبيد: كناية عن قيل وقول، يُقال: قلت قولًا وقيلًا ... " (٣)، أما نصُّ كلام أبي عبيد فهو: "جعل القال مصدرًا؛ ألا تراه يقولُ: عن قيل وقال، فكأنه قال: عن قيل وقول؛ يقال على هذا: قلت قولًا وقيلًا وقالًا". أما ما أُخذ على النقل لدى ابن الملقن: فهو أنه ربما ينقل عن شارحٍ للحديث رأيًا نحويًّا دون الرجوع إلى أهل الصناعة، مع أن الرأي الصحيح والصواب هو ما عليه النحويين، ومن ذلك: في (والوضوء أيضًا)، قال ابن الملقن: "قال القرطبي: الواو عوضٌ من همزة الاستفهام كما قرأ ابن كثير: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وآمَنتُم﴾ (٤) " (٥). هذا ما نقله ابن الملقن عن القرطبي، وموطن الخلل هو: أن القاعدة والآية التي نقلها ابن الملقن عن القرطبي فيها إبدال الهمزة واوًا؛ لوقوعها مفتوحةً بعد ضم، وذلك لا ينطبقُ على ما ورد في الحديث الشريف؛ لوقوعها بعد فتحٍ، فلا وجهَ لإبدالها فيه واوًا (٦). وأما ما أُخذ من عدم الدقة في النقل، ففي (إذ يخرجك قومك)، إذ قال ابن الملقن: "استعمل فيه (إذ) في المستقبل كـ (إذا)، وهو استعمالٌ صحيح كما نبه عليه ابنُ مالك، وقال:

стр. 249

غفَل عنه أكثرُ النحويين" (١). وحقيقة الأمر أن ابنَ مالك لم يقل ذلك، وإنما قال: "غفَل عن التنبيه عليه أكثرُ النحويين" (٢)، وفرقٌ بين العبارتين؛ لأمور: ١ - أن إغفال التنبيه لا يعني عدمَ معرفة ذلك الأمر. ٢ - أن الجهل بأي أمر، يتعذَّرُ التنبيه عليه؛ إذ هو أمرٌ مجهول. ٣ - في عبارة ابن مالك دلالة على أن النحويين يعرفون ذلك، لكن غفل أكثرُهم عن التنبيه عليه. ٤ - في عبارة ابن الملقن دلالة على أن أكثر النحويين لم يعرفوا ذلك، ويعرفُ بعضُهم ذلك؛ سواءٌ نبهوا عليه أم لم ينبهوا. بهذا يتبيَّن لنا مدى اهتمامِ ابن الملقن بالدقة في النقل، وأن ما ورد من المآخذ عليه لا يعدو أن يكونَ من النَّزْر اليسير الذي لا يَضير السبيلَ الذي اتخذه ابنُ الملقن في شرحه الجامعَ الصحيح من التوضيح وفكِّ اللبس.

стр. 250

المبحثُ الثالث: التبعيَّة والاستقلال بعدما وقف الباحثُ على بعض المسائل النحوية في كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح -بالدراسة والتحليل- تبيَّن له أن الشارحَ قد يتبعُ آراءَ غيره وقد يستقلُّ برأيه. فمثالُ الأحكام النحوية التي تبِع فيها النحويين: في (يا نساء المسلمات)؛ إذ قال ابن الملقن: "في إعراب (يا نساء) أوجُهٌ ذكرها القاضي عياض؛ أصحُّها وأشهرُها: بنصب (النساء) وجرِّ (المسلمات) على الإضافة. قال الباجي: وبهذا رويناه عن جميع شيوخِنا بالمشرِق، وهو من بابِ إضافة الشيء إلى نفسه، والموصوفِ إلى صفته، والأعمِّ إلى الأخصِّ، كـ (مسجدِ الجامع)، و (جانبِ الغربي)، وهو عند الكوفيين جائزٌ على ظاهره ... " (١). فهنا نجد ابن الملقن يأخذ بقول القاضي عياض والباجي، ويتابعهما دون تعقيب أو مناقشة، والباجي توفي سنة ٤٧٤ هـ، والقاضي عياض توفي سنة ٥٤٤ هـ. وبه يتبين أن ابن الملقن تبِع مَن قبله في هذا الرأي. ومن ذلك أيضًا: في (ليلٌ طويلٌ)، قال ابن الملقن: "وقال القرطبي في رواية مسلم: وروايتنا الصحيحة: (ليلٌ طويلٌ) على الابتداء والخبر، ووقع في بعض الروايات: (عليك ليلًا طويلًا)، على الإغراء. والأولُ أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكَنُ في الغرور من حيث إنه يخبرُه عن طول الليل ثم يأمرُه بالرقاد بقوله: (فارقد)، وإذا نُصب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمرُ بملازمة طول الرقاد، وحينئذ يكون قولُه: (فارقد) ضائعا" (٢). وبهذا فقد أخذ ابنُ الملقن برأي القرطبي المتوفى ٦٥٦ هـ. ومثال ما تبِع فيه ابنُ الملقن النحويين دون إضافة أو تعليق أو تحقيق: في (أما بعد)؛ إذ قال: "وفي ضبطها أربعةُ أوجه: ضم الدال، وتنوينها، ونصبها، وتنوينها" (٣). وهذه الأوجه مقررة عند النحويين (٤).
следующие страницы →