← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36113

المسائل النحوية في كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح

داود بن سليمان الهويمل

Полный текст (285 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

خطأ، ومنهم مَن قال بأنها زائدة، وآخرون قالوا بأنها للإيجاب، وأن ما بعدها إما أن يكون مرفوعًا أو منصوبًا، وبيان ذلك فيما يلي: إنَّ ما صح عن رسول الله ﷺ : (فلا تخرجوا فرارًا منه) (١)، وإنما اختلف شراحُ الحديث في (إلا) من قول أبي النضر: (لا يخرجكم إلا فرارًا منه)، فَهُم على مذاهبَ ثلاثةٍ: ١ - مَن يرى أن وجودها خطأ، والصواب حذفها. ٢ - مَن يرى أنها زائدة. ٣ - مَن يرى أنها للإيجاب. فأما مَن يرى حذفَ (إلا)؛ فبُعدًا عن الإشكال الوارد بسبب وجودها -كما سيأتي- ولِمَا صح عن الرسول ﷺ بعدمها (٢). وأما مَن يراها زائدة؛ فقد اختلف في مجيء (إلا) زائدةً (٣)، قال المرادي: "هذا قسم غريب" (٤)، ومثالُ مجيئها زائدةً قولُ ذي الرمة (٥): حراجِيجُ ما تَنفَكُّ إلا مُناخةً ... على الخَسْفِ أو نَرْمِي بها بلدًا قَفْرَا (٦) أما زيادة (ألا) في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (٧) فالمفسرون فيها على آراء ثلاثة: ١ - مَن يرى أنها مؤكِّدة؛ كالزجاج (٨).

стр. 177

٢ - مَن يرى زيادتها؛ كالأخفش وبعضِ نحوي البصرة والكوفة وغيرهم (١). ٣ - مَن يرى عدم زيادتها؛ لأسباب؛ منها: أ- لو كانت زائدة لما ابتُدئ بها. ب- أن زيادتها إنما تكون في النفي. ج- لعدم القول بالزيادة في القرآن. والترجيح: أن في الكلام محذوفًا تقديرُه: ما منعك من السجود فأحْوَجَك أن لا تسجد (٢). هذا، ولو لم يكن عند مَن منع زيادة (إلا) إلا الاحتجاج بالزيادة في القرآن، لكان كافيًا، ولِمَا في زيادتها من إشكال، إذ خالفت المواضعَ التي يجوزُ فيها القول بالزيادة. وأما القولُ بأن (إلا) في قول أبي النضر: (فلا يخرجكم إلا فرارًا منه) للإيجاب، ففيه نظرٌ؛ إذ الإيجابُ يكون بعد النفي والجَحْد (٣)، و (إلا) لم يسبقها نفيٌ، وإنما سبقها (لا) الناهية الجازمةُ. وإن قيل: فلم لا تُحمل (إلا) على الأصل؛ وهو الاستثناء؟ فالجواب: أن ذلك واضح من المعنى؛ إذ يكون المعنى حينئذ أن الخروج من أرض الوباء منهيٌّ عنه إلا أن يكون الخروج فرارًا، وهذا محال. هذا، ويمكن أن يُجمع بين (فرارًا منه) و (إلا فرارًا منه)، وذلك بأن تُجعل (إلا) للحصر، فيصبح المعنى: حصر الخروج المنهي عنه في الفرار، أما الخروجُ لغيره فجائز، وقال الكرماني: هذا التفسيرُ للمعلل المنهي عنه؛ وهو الفرار، وليس للنهي (٤). وأما ما قيَّده بعض رواه الموطأ (٥): (إلا الإفرار)، فهذا لحن ووهم (٦)، لأن الفعل ثلاثي لا

стр. 178

رباعي؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ (١)، و (مفر) مصدر ميمي من الفعل الثلاثي (فرَّ). والذي يقول بذلك، إنما روى إلا فرارٌ منه، والتقدير إن صح: لا يُخرجكم إلَّا فرارٌ منه أي: لا تخرجوا منها الخروج الذي يخرجكموه إلَّا فرارٌ منه (٢). ورواية (فرارًا) إعرابها: مفعول مطلق، وأما رواية (إلا فرارًا) فمنصوبة على الحال (٣)، والتقدير: لا يخرجكم على هذه الحال إلا الفرار المقدر لا المحقق. ومما سبق يتبيَّن أن الصواب في قول أبي النضر هو حذف (إلا)؛ لِمَا فيها من إشكالات عند أهل اللغة، ولإفسادها للمعنى، كما وصفها بذلك القاضي عياض (٤).

стр. 179

مسألة (لا) بين الزيادة وإفادة النفي في قول زوج أبي بكر الصديق ﵁: "لا، وقرةُ عيني" (١). قال ابن الملقن: "و (لا) في قولها: (لا وقرة عيني) زائدةٌ، ويُحتمل أن تكون نافيةً، وفيه محذوف؛ أي: لا شيءَ غير ما أقول، وهو قرةُ عيني" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن (لا) في هذا الحديث زائدة، وأورد احتمالًا بأنها نافية، وبيان ذلك فيما يلي: (لا) إذا كانت مع اليمين، فلا خلاف بين النحويين في جواز زيادتها أو حذفها (٣)، وتقديرُ اليمين: أقسم بالشيء الذي تقَرُّ به عيني، وقد تكونُ زيادتها لتوكيد النفي. وقولُ أبي بكر ﵁: وايم الله، ما كنا نأخذُ من لقمة إلا رَبَا من تحتها أكثرُ منها، مشتمِلٌ على نفي، ومجيء (لا) بعدها إنما يكون كما ذُكِر. أما كونُها نافية، فبشرط كون النفيِ غيرَ منتقض، وكون اسمها وخبرِها نكرتين، وعدمِ تقدم خبرها على اسمها، وكلُّ ذلك متحققٌ؛ غير أن ثَمَّ أمرًا قد يُضعِف هذا الرأيَ، وهو: ١ - أن اسمها وخبرها -مع لزومهما النكرة- محذوفان، كما قدَّر ذلك ابن الملقن: لا شيء غير ما أقول، وهو قرة عيني، والحذفُ إنما يكون مع الخبر كثيرًا. ٢ - أن تكرار النفي إنما يكون لزيادة تأكيده، ومجيئُها زائدة قد يكون لزيادة توكيد النفي. ٣ - ما ذكره ابن الملقن مجردُ احتمال، وما تطرَّق إليه الاحتمالُ بطَل به الاستدلال (٤). ومن خلال ذلك يمكنُ القولُ بأن جعلها زائدةً أصحُّ وأقرب؛ بُعدًا عن الخلاف، ولوجود مؤكدٍ للنفي يزول معه الإشكال.

стр. 180

مسألة جواز حذف حرف النداء في رواية في قول موسى ﵇: "ثوبي يا حجرُ" (١). قال ابن الملقن: "قوله: (ثوبي يا حجر)، هو منصوبٌ بفعلٍ مضمر؛ تقديرُه: أعطني ثوبي يا حجر، أو اترُك ثوبي، فحُذف الفعل لدلالة الحال عليه، وفي مسلم: (ثوبي حجرُ) مرتين، بإسقاط حرف النداء، وإنما نادى موسى الحجرَ نداءَ مَن يعقِلُ؛ لأنه صدَرَ عن الحجر فِعلُ مَن يعقل ... " (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن في رواية مسلم: (ثوبي حجرُ) (٣)، وفيه حرف محذوف وهو حرف النداء، وبيان ذلك فيما يلي: عدَّ ابن الملقن (يا) النداء حرفًا مهملًا؛ حيث جعل المنادى منصوبًا بإضمار فعل، وهذا رأيُ سيبويه وأكثرِ المحققين (٤). أما حذفُ حرف النداء، فاختلف النحويون في جوازه؛ فالبصريون يرون أن حذفَه شذوذٌ لا يقاسُ عليه، ويرى الكوفيون أن الحذف قياسٌ مطَّرِد (٥)، وهذا ما يراه ابنُ مالك بقوله: "وقولُهم في هذا أصح" (٦)، وقال في شرح هذا الحديث: "ومن شواهد الحذف مع اسم الجنس المبني للنداء: قولُ النبي ﷺ : (اشتدِّي أزمةُ تنفرجي)، وقوله ﷺ مترحمًا على موسى ﵇: (ثوبي حجرُ ثوبي حجرُ)، أراد: يا أزمةُ، ويا حجرُ، وكلامُه أفصحُ الكلام" (٧). ويرى بعضُهم أن جواز حذف حرف النداء إنما يكون مع كل اسم لا يجوزُ أن يكون

стр. 181

وصفًا لـ (أي) (١)، فلا يُقال: (هذا أقبِلْ)، كما قال الحريري في ملحته: وحذفُ (يا) يجوزُ في النداءِ ... كقولِهم: ربِّ استجِبْ دُعائي وإنْ تقُلْ: يا هذِه أو يا ذا ... فحذفُ (يا) ممتنعٌ يا هذا (٢) هذا، وحذف حرف النداء في القرآن كثير، كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ (٤). أما نداءُ غير العاقل؛ فالمشهورُ عند النحويين أن غير العاقل إذا فَعَل فِعْلَ العاقل جرى مجراه (٥)، فلذا يجوزُ نداءُ الحجر لاتصافه بالجري الذي هو من فعل العاقل، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾ (٦)، وفيه نداءٌ للنمل؛ لاتصافهم بصفة مَن يسمعُ ويعقل، وقد ألغز بعضُهم في نحو ذلك بقوله: وهل مِن مُضمَرٍ بالميمِ وافى ... لغيرِ ذَوِي العقولِ المُدركِات أي: في مثل قوله تعالى: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (٧)، إذ استعمل ضمير مَن يعقلُ لما لا يعقل (٨). ومن خلال ما سبق يتضح أن ابن الملقن قد جرى على ما هو المعروف عند النحويين.

стр. 182

مسألة دلالة (إنما) على الحصر بن المنطوق والمفهوم في قوله ﵇: "إنما الأعمالُ بالنيَّات ... " (١). قال ابن الملقن: "لفظة (إنما) موضوعةٌ للحصر، تُثبت المذكور، وتَنفي ما عداه، هذا مذهبُ الجمهور من أهل اللغة والأصول وغيرهما. وعلى هذا هل هو بالمنطوق أو بالمفهوم؟ فيه مذهبان حكاهما ابنُ الحاجب، ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنه بالمنطوق، واختار الآمدي أنها لا تُفيد الحصرَ، بل تفيد تأكيدَ الإثبات، وهو الصحيح عند النحويين، وقيل: تُفيده وضعًا لا عُرفًا، حكاه بعضُ المتأخرين، ومحلُّ بَسْطِ المسألة كتبُ الأصول والعربية؛ فلا نطوِّل به" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن دلالة (إنما) محلُّ خلاف بين أهل اللغة والأصول والنحو، وبيان ذلك فيما يلي: للعلماء في (إنما) مذاهبُ ثلاثة: ١ - مَن عدَّ (إنما) للحصر. ٢ - مَن عدَّ (إنما) لتأكيد الإثبات. ٣ - مَن عدَّ (إنما) للحصر والمبالغة. فأما من عدَّها للحصر (٣)، فلأمور؛ منها: أ- أنَّ (إنَّ) للإثبات، و (ما) للنفي، والنفيُ والإثباتُ في شيء واحد يمتنعان، فيجبُ الجمع بينهما ما أمكن، وهذا ما يُقصَد به الحصرُ بدلالة المنطوق.

стр. 183

ب- أنَّ (إنَّ) لتأكيد الإثبات، و (ما) مؤكِّدة وليست نافيةً (١)، فيجتمعُ توكيدٌ على توكيد، فتصبح بمعنى القصر (٢)، وهذا ما يُقصَد به الحصر بدلالة المفهوم. ج- استعمال العرب لها في الحصر، ومثالُه قوله تعالى: ﴿وإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ (٣)، وكذا قولُ الفرزدق: أنا الضامنُ الراعي عليهم وإنَّما ... يُدافِعُ عن أحسابِهم أنا أو مِثْلي (٤) وأما مَن عدَّها لتأكيد الإثبات (٥)؛ فلخروجها من الحصر لغيره، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٦)، فـ (إنما) أفادت الحصر، وفي قول النبي ﷺ : "إنما الماء من الماء" (٧). وأما مَن عدها للحصر والمبالغة (٨)، فبما يوحي به المعنى، ومثالُ ذلك في المبالغة قول النبي ﷺ : "إنما الربا في النسيئة" (٩). وقد اعتُرض على القول بأنها للحصر بما يلي:

стр. 184

١ - إما أن تكون (إنَّ) لإثبات شيء غير مذكور، و (ما) لنفي شيء غير مذكور، وإما أن تكون (إنَّ) لإثبات شيء مذكور، و (ما) لنفي شيء غير مذكور، فالأولُ: باطلٌ إجماعًا، وإلا لَمَا كان في الجملة حصرٌ. والثاني: تحقق فيه الحصر غير أن (إنَّ) ليست للإثبات، بل لتأكيد الكلام إثباتًا ونفيًا، و (ما) ليست نافية بل زائدة كافة، وبهذا يضعفُ هذا الرأي. ٢ - لو كانت (ما) نافية لعمِلت، واستحقَّت الصدارة. ٣ - امتناع الجمع بين النفي والإثبات. ٤ - ورود (إنما) لغير الحصر، وهذا خلاف للأصل، وإن قيل: لو كانت لغير الحصر وفُهم أنها للحصر لخُولف الأصل أيضًا، والجواب عن ذلك: أن الحصر غيرُ مقتصر على (إنما) فقط، بل قد يجيء الحصر بالسَّبْر والتقسيم كـ: (إن لم يكن زيدٌ متحركًا فهو ساكن)، وغيره من أدوات الحصر. ٥ - المناسبة بين القصر واجتماع التأكيدين؛ لا يدل على كون (إنما) للحصر فحسب. ٦ - امتناع اطراد الحصر بـ (إنما) مع استعمال العرب له؛ لعدم اللجوء إلى التقدير، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١)، لا يمكن أن يقال بأن (إنما) للحصر إلا بتأويل: المؤمنون الكاملون. واعتُرض على القول بأنها لتأكيد الإثبات بما يلي: ١ - أنَّ (إنَّ) ليست لتأكيد الإثبات فقط، بل لتأكيد الكلام إثباتًا ونفيًا، كـ: (إنَّ زيدًا قائم)، و (إنَّ زيدًا ليس بقائم). ٢ - أنَّ (ما) ليست للنفي، بل هي كافة تكف (إنَّ) عن العمل، وموطِّئة لدخول الفعل، وإن قيل: إن أبا علي الفارسي قال: إنها للنفي، فالصواب أنه لم يقله، بل قال: إن العرب حملوا (إنما) على معنى النفي (٢). والذي يترجح أن (إنما) تأتي للحصر ولغيره؛ لأمور:

стр. 185

١ - مراعاة للمعنى، وعدم اللجوء للتقدير. ٢ - مراعاة للقواعد النحوية. وبهذا، يُجمع بين رأي أهل اللغة والأصول والنحو إجمالًا.

стр. 186

مسألة (إنْ) بين المخففة من الثقيلة والنافية في قوله ﵇: "ما رأينا من شيء، وإِنْ وجدناه لَبَحْرًا" (١). قال ابن الملقن: "قال الخطَّابي: (إنْ) هنا بمعنى النفي، واللام بمعنى (إلا)، كأنه قال: ما وجدناه إلا بحرًا، تقول: (إنْ زيدًا لعاقلٌ)، تريد: ما زيدٌ إلا عاقل، وعلى هذا قراءة مَن قرأ: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (٢)، بتخفيف (إن)، المعنى: ما هذان إلا ساحران، وقد قرأه حفص عن عاصم. قلت: هذا هو مذهب الكوفيين، ومذهب البصريين أنَّ (إنْ) مخففة من الثقيلة، واللام زائدة، وقد نبه على ذلك ابنُ التين" (٣). بيان المسألة: ذكر ابنُ الملقن أن (إِنْ) يختلف فيها النحويون بين (إِن) المخففة و (إِن) النافية، وبيان ذلك فيما يلي: يرى البصريون أن (إِنْ) مخففةٌ من الثقيلة غيرُ عاملة، واللام في مثل (لبحرًا) لامٌ فارقة. ويرى الكوفيون أن (إِنْ) نافية، واللام بعدها بمعنى (إلا)، أي: ما وجدناه إلا بحرًا. وربما تكون (إن) بمعنى (أجَلْ)، وقد ذكر ذلك سيبويه (٤). ومن ذلك قولُ ابن الرقيات: ويقُلْنَ شَيبٌ قد عَلَا ... كَ وقد كبِرْتَ فقلتُ إنَّهْ (٥) أما قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (٦)، فقد خرَّجها قوم على غير ما ذُكِر؛ فقالوا: إنها

стр. 187

لغة بَلْحارث بن كعب، إذ يجُرُّون وينصبون بالألف (١)، ويرى بعضهم أنها بمعنى (نعم) (٢). ومن حيث المعنى يُرجَّح أن تكون (إِنْ) نافية؛ لأمرين: ١ - أنَّ اللام الزائدة يطَّرد زيادتُها مع المفعول به إذا كان الفعل متعديًا لواحد، و (وجد) لها مفعولان. ٢ - كونها عطفًا على نفي، والمعنى: ما وجدنا في المدينة من شيء، وما وجدنا الفرس إلا بحرًا.

стр. 188

مسألة (لا) المحتمِلة للزيادة في قول المرأة في حديث أم زرع: "إني أخافُ أنْ لا أذرَه" (١). قال ابن الملقن: "والهاء في (أذره) عائدةٌ على الخبر؛ أي: لطوله وكثرته إن بدأتُه لم أقدِرْ على إتمامه، ويعضُدُه روايةُ: (ولا أقدُر قَدْرَه). وفيه: تأويل آخرُ ذكره أحمدُ بن عبيد بن ناصح: أن الهاء عائدةٌ على الزوج، وكأنها خشيتْ فراقَه إن ذكرته. وقاله الداودي أيضًا. وعلى هذا تكونُ (لا) زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (٢)، ويحتمل عدم زيادتها -كما ذكره القرطبي- وأنها خافت أن لا تتركه معها ممسكًا لها في صُحبتها، ويَحتمِلُ -كما قال عياض- رجوعُ الهاء إلى الزوج تأوُّلًا آخرَ، أي: إن أخبرتُ بشيء من عيوبه ونقائصه أفضى ذلك إلى ذكر شيءٍ أقبحَ منه ... " (٣). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن (لا) في (لا أذره) زائدة، ويحتمل عدم زيادتها، وبيان ذلك فيما يلي: يعد النحويون (لا) الزائدة ضربًا من أضرب اللام، وأكثر ما تكون زائدة مع المفعول به لعامل متعدٍّ لواحد (٤)، أي: إني أخاف عدمَ تركه. وكذلك في الآية الكريمة (٥)، بمعنى: ما منعك أن تسجد؟ أو ما منع سجودَك؟ وأما احتمال عدم زيادتها، فلعلَّها تكون سببية، أي: إني أخاف، وسبب خوفي: عدم إتمامه، وقد ورد ما يمكن أن يُقال فيه: إن اللام زائدة أو سببية، ومنه قولُ كثيِّر عزة:

стр. 189

أُريدُ لِأَنْسى ذِكرَها وكأنَّما ... تَمَثَّلُ لي ليلى بكُلِّ سبيلِ (١) فإن جعلتها زائدة فالتقدير: (أريد نسيانَ)، وإن جعلتها للتعليل فالتقدير: إرادتي لهذا؛ لنسيانِ ذكرها (٢). ومما سبق يتبيَّن جوازُ مجيء (لا) في (لا أذره) زائدة أو سببية، حيث لا يقتضي ذلك اختلافًا للمعنى.

стр. 190

مسألة (ما) بين المصدرية والنفي والزيادة في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (١). قال ابن الملقن: "قال إبراهيم: قليلًا ما ينامون، وقال الضحَّاك: قليلًا من الناس، وقال أنس: يصلون طويلًا ما ينامون، وعن الحسن: كانوا يتنفَّلون بين العشاء والعتمة. فعلى قول إبراهيم؛ يجوزُ أن تكون (ما) زائدةً أو مصدرًا مع ما بعدها، وهو قولُ أهل اللغة. وعلى قول أنس والحسن (ما) نافية" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن المعانيَ المحتمَلة لـ (ما يهجعون)، ثم بيَّن نوعَ (ما) فيها، وبيان ذلك فيما يلي: اختلف المفسرون في معنى ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، على قولين: الأول: أن المقصود ذكر حال الناس وقيامهم، وأن القليل منهم لا ينامون مطلقًا، وبعضهم يقتصرون على قليل من النوم، ويقتصر بعضهم على التنفل بين المغرب والعشاء. الثاني: أن المقصود ذِكرُ مدةِ الزمن الذي ينامون فيه، ووصفه بالقليل (٣). وكذلك اختُلِف في نوع (ما) في (ما يهجعون)؛ فإما أن تكون زائدة، فيصبح المعنى: كانوا يهجعون قليلًا؛ أي: ينامون قليلًا، أو مصدرية، وتكون (ما) وما بعدها في موضع رفعٍ اسمَ كان، و (قليلًا) بالنصب خبر لكان؛ أي: كان هجوعُهم من الليل قليلًا، أو نافية، فيصير حالهم منتفِيَ الهجوع ولو بقليل من الليل، بمعنى أن عادتهم إحياء جميع أجزاء الليل؛ فلا نوم لهم فيه (٤). والقول بأن (ما) زائدة أو مصدرية، يرى ابنُ التين أنهما أبيَنُ الأقوال وأقعدها بكلام أهل

стр. 191

اللغة؛ لما في ذلك من مدحٍ لهم بكثرة العمل (١)، وإن قيل: إن انتفاء النوم أفضل وأكمل للتهجد، كما في معنى (ما) النافية، فلا خلاف؛ لأنه قد يُعبَّر عن النفي بـ (القليل) (٢). وإنما عُدِل عن كونها نافية؛ لأن (ما) يليها الاسمُ والفعل، فأشبهت حرفَ الاستفهام، وحرفُ الاستفهام لا يعمل ما بعده فيما قبلَه، فكذلك (ما) لا يعملُ ما بعدها فيما قبلها، فظهر ضَعفُ هذا القول ببطلان إعرابه، وهذا ما يراه البصريون (٣). أما الكوفيون فيرون جوازَ ذلك، وحجتُهم أن (ما) بمنزلة (لم) و (لن) و (لا)، وكلها نافية، ويجوز تقديم معمولِ ما بعدها عليها، فإذا جاز التقديم مع هذه الأحرف، فكذلك مع (ما)، ورُدَّ هذا الوجهُ بمخالفتها أخواتها في عدم الاختصاص، ولما لها من حق الصدارة (٤). وجوَّز بعضُهم عملَ ما قبل (ما) فيما بعدها، إذا كان خبرُها المقدمُ ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا (٥)، وإلى هذا أشار ابن مالك بقوله (٦): وَرَفْعُ مَا بِهَا زَيْدٌ بِـ (ما) ... وَمَوْضِعُ المجْرُوْرِ نَصْبٌ زَعَمَا وَذَاكَ فِيهِ نَظَرٌ، وَالمُنْعَطِفْ ومعنى ذلك أنه أمرٌ فيه خلاف. ويرى ثعلبٌ جوازَ ذلك من وجه، وفسادَه من وجه آخر، فإذا كانت (ما) بمنزلة (لم) فمن هذا الوجه جائزٌ تقدمُ الخبر، أما إذا كانت (ما) جوابًا للقسم، نحو: (والله ما زيدٌ بآكل طعامك)، فلا يجوزُ التقديم، وعدَّ ابنُ الأنباري ذلك فاسدًا؛ لأن (ما) في كلا القسمين نافية؛ فينبغي أن يمتنع التقديم فيهما جميعًا (٧).

стр. 192

وبعد عرض آراء العلماء حول معنى الآية، يتبيَّن أن القول بزيادة (ما) أو مصدريتها، هو -كما وصفه ابن التين- أبيَنُ الأقوال وأقعَدُها عند أهل اللغة؛ لِما ذُكر من أسباب. وربما سكت ابن الملقن عن كونها نافية؛ لما في ذلك من إشكال.

стр. 193

مسألة مجيء (لَمَّا) بمعنى (إلا) في قول عائشة ﵂: " ... عزمتُ عليك بما لي عليك من الحق لَمَّا أخبرتني ... " (١). قال ابن الملقن: "وقولها: (لما أخبرتني): ... يحتمل أن تكون اللامُ بمعنى (إلا) و (ما) زائدة، هذا مذهب الكوفيين، ويحتمل أن تكون (لَمَّا) مشددةً بمعنى (إلا)، ذكره سيبويه، وأنكره الجوهري" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن احتمالَ كون (اللام) أو (لمَّا) ذات الميم المشددة بمعنى (إلا)، غير أن النحويين اختلفوا في مجيء (لمَّا) بمعنى (إلا) مطلقًا، فمنهم من أجاز مجيء ذلك؛ مثل الخليل وسيبويه والكسائي (٣)، ومنهم مَن منعه؛ مثل أبي عُبيد والفرَّاء والجوهري (٤)، حيث استدل من يرون الجوازَ بقول العرب: (أقسمتُ عليك إلا فعلت، ولَمَّا فعلت) (٥)، وأما الذين منعوا فيرون أن مجيئه وجهٌ غير معروف، ولم يُقَل في شعر ولا غيره، ولو أنه يجوز ذلك لسُمع: ذهب الناس لَمَّا زيدًا (٦). لذا يرى صاحبُ (الجنى الداني) أن يقتصر فيها على التركيب الذي وقعت فيه، وأن يُتوقف في إجازة ذلك حتى يرد في كلام العرب ما يشهدُ بصحته (٧). ويرى أبو حيان ألا يُلتفت إلى قول أبي عبيد والفراء، وإنكارِهما مجيءَ (لما) بمعنى (إلا) (٨).

стр. 194

والذي يظهرُ أن القول الأول هو الأرجحُ؛ لأمور؛ منها: ١ - ثبوت مجيء (لَمَّا) بمعنى (إلا) عن العرب بنقل الثقات، وذلك في لغة هذيل (١). ٢ - أما كون (إلا) لا تستعمل إلا أداةَ استثناء، فهذا لا يلزمُ الاطراد، فكم من شيء خُص بتركيب دون ما أشبَهَه! كما ذكر ذلك أبو حيان (٢). ٣ - ورود ما يُثبت ذلك شعرًا ونثرًا. هذا، ومجيء (لَمَّا) بمعنى (إلا) إنما يكون في موضعين (٣): أحدهما: مع القسم؛ مثل: (عزمتُ عليك لَمَّا ضربتَ كاتبَك سوطًا)، أي: إلا ضربته. وكقول الشاعر (٤): قالتْ له: باللهِ يا ذا البُرْدَيْنْ ... لَمَّا غَنِثْتَ نَفَسًا أو اثنيْنْ (٥) أي: إلا غنثت، بمعنى شرِب ثم تنفَّس. والثاني: بعد نفي دون قسم، ومنه قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة (٦)، في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٨). أي: ما كل ذلك إلا جميع، وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا. أمَّا كونُ (اللام) أو (الميم المشددة) بمعنى (إلا)، فيرى سيبويه أن الميم المشددة في (لمَّا) معناها (إلا)، وذلك عند سؤاله للخليل بقوله: "وسألتُ الخليل عن قولهم: أقسمتُ عليك إلا فعلت ولمَّا فعلت، لِمَ جاز هذا في هذا الموضع، وإنما (أقسمت) هاهنا كقولك: والله؟ فقال:

стр. 195

وجهُ الكلام (لتفعلن) هاهنا، ولكنهم أجازوا هذا لأنهم شبَّهوه بـ (نشدتك الله)، إذا كان فيه معنى الطلب"، فتبين أن ذلك لمَّا كان وجه الكلام في (إلا فعلت) و (لما فعلت) كلمة واحدة هي: (لتفعلن). أما الكوفيون (١) فيرون أن (اللام) هي التي بمعنى (إلا)، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٢)؛ فيجعلون (إن) نافية، ويقدرون فعلًا، واللام بمعنى إلا، أي: (وما أرى كلًّا إلا ليوفينهم). وقد وصف ابنُ الشجري (٣) هذا القولَ بأنه من الأقوال الضعيفة البعيدة.

стр. 196

مسألة لام الابتداء في خبر (إنَّ) و (أنَّ) المشدَّدتين في قول أبي سفيان: "إنه لَيَخافُه ملِكُ بني الأصفر" (١). قال ابن الملقن: "قوله: (إنه ليخافه ملك بني الأصفر)، هو بكسر الهمزة، ويجوز -على ضعف- فتحُها؛ على أنه مفعولٌ من أجله. قال القاضي: ضَعُفَ الفتح لوجود اللام في الخبر، لكن جوَّزه بعضُ النحاة، وقد قرئ شاذًّا: ﴿إِلَّا أنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ﴾ (٢)، بالفتح في (أنهم) " (٣). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن بعض النحاة جوَّزوا فتح همزة (إن) مع وجود اللام في خبرها، وبيان ذلك فيما يلي: المشهور عند النحويين أن همزة (إن) تُكسر إذا كان في خبرها اللام، وعلةُ ذلك أن اللام لام ابتداء مؤكِّدة، و (إنَّ) للتوكيد، فاجتمع توكيدان في أول الكلام. وأما كون (إن) مكسورة الهمزة، فيجتمع توكيدان؛ فلأن اللام تمنع ما قبلها أن يعمل فيما بعدها، فأبقت (إن) مكسورة، وذلك مثل: (علمتُ لإنَّ زيدًا قائم)، فمنعت الفعل أن يعمل في (إن)، فأبقتها مكسورة الهمزة. ولئلا يجتمع توكيدان في أول الكلام جُعلت اللام في الخبر (٤). ومثل ذلك قولُ الشاعر: أَلَمْ تَرَ إِنِّي وابْنَ أَسْوَدَ لَيْلَةً ... لَنَسْرِي إِلى نَارَيْنِ يَعْلُو سَنَاهُمَا (٥) أما إن كان السياق في موضع التعليل؛ فيجوز في (إن) الفتحُ والكسر.

стр. 197

وبعضُهم يجيز أن تكون (أنَّ) مفتوحة الهمزة وفي خبرها اللام، وذلك في مثل قراءة ابن جبير: ﴿إِلَّا أنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ﴾ (١)، واللام في أول الفعل زائدة (٢). والذي يتبيَّن جوازُ دخول اللام في خبر (إن) المكسورة، فبدخولها زيادةٌ في التوكيد، وبعدمه يُكتفى بتوكيد (إن)، وليس ذلك على سبيل الوجوب.

стр. 198

القسم الثاني الدراسة المنهجية ، وفيه فصول: الفصلُ الأول: مصادرُه الفصلُ الثاني: منهجُه في عرض المسائل الفصلُ الثالث: أصولُ الاستدلال في دراسته للمسائل النحوية الفصلُ الرابع: التقويم

стр. 199

الفصلُ الأول مصادرُه ، وفيه مبحثان: المبحث الأول: الرجال المبحث الثاني: الكتب

стр. 200

المبحث الأول: الرجال اعتمد ابنُ الملقن في شرحه (التوضيح لشرح الجامع الصحيح) على مصدرين عامَّين؛ هما: الرجال والكتب؛ يستكمل بهما دراسته للحديث الشريف؛ إذ رجع فيها لعلماء الحديث، واللغة، والنحو، والأصول. أما اعتمادُه على مصدر الرجال، فنجده يستعملُ صيغًا متعددة في النقل عن هذا المصدر، كما أن له طرقًا وأغراضًا تبين حاجة الشارح لمصدر الرجال. وابن الملقن عند أخذه من المصادر يرجع إلى علوم متعددة: فمثالُ رجوعه لشروح الحديث: قولُه: " (حضرموت) من بلاد اليمن كما قاله صاحب (المطالع) " (١)، وكذلك قوله في (وَسادة): "قال صاحب (المطالع): الفتح أكثرُ عند مشايخنا، ووقع لجماعةٍ الضم، والأول أظهر" (٢)، وكذلك قوله في (جُرف): "قال صاحب (المطالع): هو عَلَى ثلاثة أميال إلى جهة الشام" (٣). ويقصد بذلك كتاب: (مطالع الأنوار على صحاح الآثار) لابن قرقول. ومثالُ رجوعه إلى كتب اللغة: قولُه: "قال ابنُ السِّكِّيت: (الحميمة) الماء يسخن، يقال: أحم لنا الماء" (٤)، وكذلك قوله في (الجَرس): "قال ابنُ السكيت: الجَرس والجِرس الصوت" (٥)، وكذلك قوله في (خَزِيَ): "قال ابن السكيت: إذا وقع في بَلِيِّة" (٦). ويقصد بذلك كتابه: (إصلاح المنطق). ومثالُ رجوعه إلى كتب النحو: قولُه: "قال سيبويه: (أول منك) أي: أقدم منك" (٧)،

стр. 201

وكذلك قوله في (المِربد): "قال سيبويه: هو اسم كالمطبخ، وإنما مثله به؛ لأن المطبخَ ييبس" (١)، وكذلك قوله في (فتنه): "قال سيبويه: فتَنَه: جعل فيه فتنة، وأفتنه: أوصل الفتنة إليه" (٢). ويقصد كتابه: (الكتاب). ومثال رجوعه إلى كتب أصول الفقه: قولُه في (إنما): "واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر، بل تفيد تأكيد الإثبات" (٣)، وكذلك قوله في (عبادة النبي ﷺ قبل البعثة): "قال الآمدي: هو على شريعة نوح" (٤)، ويقصد بذلك كتابه: (الإحكام في أصول الأحكام). أما الصيغُ التي ينقلُ بها، فتختلفُ في بنائها؛ فمنها مبنيٌّ للمعلوم، ومنها مبني للمجهول، فالمبني للمعلومُ: إما يصرِّح بالمهنة، وإما يذكرُ الاسمَ الأولَ، أو النسبَ، أو الكنية، أو اللقب، أو ينقلُ بالصفة إلى الأب. أما تصريحُه بالاسم باعتبار المهنة، فمثل قوله: "قال القاضي عياض: في (حِراء) يُمد ويقصر". وأما تصريحُه بالاسم فقط، فمثل قوله في (الاضطجاع): "قال عياض: الاضطجاع بعد صلاة الليل وقبل ركعتي الفجر" (٥)، وكذلك قوله في (إني أخاف ألا أذره): "قال أحمد بن عبيد بن ناصح: الهاء عائدة على الزوج، وكأنها خشيت فراقه إن ذكرته" (٦). وأما نقلُ ابن الملقن بالنَّسَب، ففي مثل قوله عن (رُقْيَة): "قال الزمخشري: وقد يقال الذي: استرقيته بمعنى رقيته" (٧). وكذلك قوله في ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (٨): "قال الداودي: وعد الصدق الذي وعد لعباده أن ينجي منهم المتقين" (٩).

стр. 202

وأما نقلُه بالكنى، ففي مثل قوله عن (المزادة): "قال أبو عبيد: ولا تكون إلا من جلد يُقام بجلد ثالث بينهما، سُميت مزادة؛ لأنه يُزاد فيها جلد من غيرها" (١)، وكذلك قوله في (رجل من حديد): "قال أبو الحسن: من حَنِق شديد الغضب" (٢). وأما نقلُه باللقب، ففي مثل قوله عن (سيراء): "قال سيبويه: لم يأت فِعَلاء صفة، لكن اسمًا" (٣). وكذلك قوله في (أما بعد): "قال سيبويه: معناه: مهما يكن من أمر" (٤). وأما نقله عن العالم بالصفة، ففي مثل قوله عن (أيُجْزِي): "قال ابن التين: قرأناه غير مهموز، وضبط في بعض الكتب بالهمز" (٥). وكذلك قوله في (الطِيرة): "قال ابن الأثير: الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن، وهي التشاؤم بالشيء" (٦). هذا، وقد يَجمعُ بين ذكر الرجل وكتابِه، في مثل قوله في (الحديث الذي رواه فرد واحد وليس بشاذ): "قال مسلم في صحيحه: للزهري نحوٌ من تسعين حديثًا يرويها عن النبي ﷺ لا يشاركُه فيها أحد بأسانيدَ جيادٍ" (٧)، وكذلك قوله في (رؤية الأنبياء في السماء ومدفنهم في الأرض): "قال ابن الجوزي في مشكله: أجاب عنه ابنُ عقيل فقال: شكَّل الله أرواحَهم على هيئة صور أجسادهم" (٨). وربما عزا القولَ إلى جماعة، في مثل قوله عن (جلس إحدى عشرة): "قال النحويون: يجوز جلستُ؛ كما تقول في واحد: جلست امرأة" (٩). وقد ينقلُ ابنُ الملقن عن مجهول، في مثل قوله عن (الرُّجز): "قيل: الشرك، وقيل:

стр. 203

الذنب" (١)، وكذلك قوله في (وتَكسِب المعدوم): "وروي: بضمها؛ أي: وتُكسِب المعدوم" (٢). وأما الأغراضُ التي يرجع الشارحُ من أجلها للمصدر: فتارة يكونُ رجوعُه لعَرْض وجهٍ نحوي، ومنه قوله في ﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٣): "قال إبراهيم: قليلًا ما ينامون، وقال أنس: يصلون طويلًا ما ينامون، وعن الحسن: كانوا يتنفلون بين العشاء والعتمة. فعلى قول إبراهيم: يجوز أن تكون (ما) زائدة أو مصدرًا مع ما بعدها، وهو قول أهل اللغة، وعلى قول أنس والحسن (ما) نافية" (٤). ومنه قوله في (حلة سيراء): "قال صاحبُ (المطالع): حلة سيراء، على الإضافة ... وقد رواه بعضُهم بالتنوين على الصفة" (٥). ويرجعُ تارةً لترجيح رأي نحوي، ومنه قوله في (جذعًا): "النصب على الحال ... ورجح هذا القاضي عياض، وقال: إنه الظاهر" (٦)، وقوله أيضا: "وقال النووي: إنه الصحيح الذي اختاره المحققون" (٧). ونجدُه قد يرجع للمصدر عند الاعتراض على وجه نحوي، ومنه قوله في (معاذ بن جبل): "واختار ابنُ الحاجب النصبَ على أنه تابع لـ (ابن)، فيصيران كاسم واحد مركب كأنه أضيف إلى جبل، والمنادى منصوب قطعًا، واعترضه ابنُ مالك، فقال: الاختيار الضم" (٨). ومنه قوله في (حلة سيراء): "وقد رواه بعضُهم بالتنوين على الصفة، قال صاحب (المطالع): وأنكره أبو مروان، قال سيبويه: لم يأت فِعَلاء صفة" (٩). وقد يكون استعماله للمصدر عَضْدًا للرأي النحوي، ومنه قوله في (كخ كخ): "قال

стр. 204

الداودي: هي معربة، ومعناها: بئس، وفيها ثلاثة أوجه: فتح الكاف وتنوين الخاء؛ كذا في رواية أبي الحسن" (١)، ومنه قوله في (إذ يخرجك قومك): "استُعمل فيه (إذ) في المستقبل كـ (إذا)، وهو استعمال صحيح؛ كما نبه عليه ابن مالك" (٢). وربما يُدحِض حجةَ قائلٍ، ومنه قوله في (ما أنا بقارئ): " (ما) هنا نافية ... وغلط مَن جعلها استفهامية؛ لدخول الباء في خبرها" (٣)، ومنه قوله في ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٤): "وزعم أبو عبيدة أن (لا) هنا بمعنى الواو، وهو خطأ عند حذاق النحويين" (٥). هذه أبرزُ الأمور التي جعلت الشارحَ يعتمدُ فيها على مصدر الرجال، مع ما لحِظناه من تنقُّله بين فنون العلوم، وطرائقه التي يُعبر بها عن المصدر. حيث تبيَّن متانةُ شرح ابن الملقن، وغاية اهتمامه في شرح الجامع الصحيح.

стр. 205

المبحث الثاني: الكتب استكمالًا لِمَا اعتمد عليه ابنُ الملقن من المصادر، تُعد (الكتب) هي المصدر الثاني من مصادره التي استند إليها في شرحه للحديث الشريف. حيث تنوَّعت طرقُه في النقل عنها: فتارة يذكرُ اسم الكتاب فقط، وتارة يذكرُه مقرونًا بصاحبه، مثل قوله في (سبخة): "قال صاحب (المطالع): هي الأرض المالحة، وجمعها سباخ" (١)، وكذلك قوله في (سمعت): "قال الفارسي في (إيضاحه): لكن لا بد أن يكون الثاني مما يُسْمَع، كقولك: سمعت زيدًا يقول كذا، ولو قلت: (سمعت زيدًا أخاك) لم يجز" (٢). كما أنه يغلبُ على تسميته للكتب الاختصارُ، فمثلًا يقول: "قال الفارسي في (إيضاحه) "؛ أي: الإيضاح العضدي، وكذلك قوله: "قال صاحب (المطالع) "؛ أي: مطالع الأنوار على صحاح الآثار. هذا، وقد تنوعت الفنون التي ينقلُ عنها ابن الملقن في شرحه إلى عشرة فنون أو تزيد؛ فيرجع تارةً لمتون الحديث، كـ (صحيح البخاري) -وهو المتن الذي شرحه- وإلى (صحيح مسلم) في مثل (لَتَجَشَّمْتُ لقاءَه) بقوله: "وفي مسلم لأحببت لقاءه"، وإلى (سنن الترمذي) في مثل ﴿مَايَهْجَعُونَ﴾ (٣) بقوله: "وقال الضحاك: قليلا من الناس" (٤). كما يرجع أيضًا لشروح الحديث كـ (مطالع الأنوار على صحاح الآثار) -وقد سبق التمثيل عليه- و (شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح) لابن مالك في مثل (يا ليتني فيها جذعا) بقوله: "قال ابن مالك: وأكثر الناس تظن أن (يا) التي تليها (ليت) حرف نداء" (٥). كما أنه يرجع لكتب علوم القرآن ومعانيه، مثل (معاني القرآن وإعرابه للزجاج) في مثل

стр. 206

﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (١) بقوله: "قال الزجاج: والمعنى: لا يعصينك في جميع ما تأمرهن به؛ فإنك لا تأمر بغير المعروف" (٢)، وإلى (معاني القرآن للفراء) في مثل (لبيك) بقوله: "قال الفراء: نصبت على المصدر، أي: كقولك: حمدًا وشكرًا" (٣). ويرجع كذلك لكتب الفقه والحديث؛ كما في كلامه عن (الإجماع) في قوله عن (صيد حمر الوحش): "قال أبو بكر النيسابوري: قوله: اصطدته، وقوله: ولم يأكله؛ لا أعلم أحدًا ذكره في هذا الحديث غير معمر" (٤). ويأخذ أيضًا من كتب التفسير، كـ (جامع البيان في تأويل القرآن) للطبري؛ كما في مثل (ألفافًا) بقوله: "قال أبو جعفر الطبري: اختلف أهل العربية في واحد الألفاف، فقال بعضُ نحوي البصرة: لِفٌّ ... " (٥)، وإلى (النكت والعيون) للماوردي؛ في مثل (الرَّهن) بقوله: "وقال الماوردي: هو الاحتباس" (٦). كما رجع أيضًا لكتب النحو، كـ (الكتاب) لسيبويه في مثل (فإما لا فلا تبايعوا) بقوله: "قال سيبويه: كأنه يقول: افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره" (٧)، وإلى (الإيضاح العضدي) في مثل (سمعت وتعديها إلى مفعولين) بقوله: "قال الفارسي: لكن لا بد أن يكون الثاني مما يُسْمَع" (٨). ويرجع أيضًا لكتب الأدب؛ كـ (الكامل في اللغة والأدب) للمبرد، في مثل ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ (٩) بقوله: "قال المبرد: هو محمول على المعنى؛ لأن معنى الجمع والإجماع

стр. 207

واحد" (١)، وإلى (أدب الكاتب) لابن قتيبة في مثل (الدُّنيا) بضم الدال، قوله: "وحكى ابنُ قتيبة وغيرُه كسرَها" (٢). كما رجع أيضًا لكتب اللغة؛ كـ (المحكم والمحيط الأعظم) لابن سيده، في مثل (الحَوَر) بقوله: "الحَوَر هو: أن يشتد بياضُ بياضِ العين وسوادُ سوادِها ... " (٣)، وإلى (إصلاح المنطق) في مثل (ظفار) بقوله: " قال ابن السكيت: ظفار قرية باليمن" (٤). كما أنه رجع أيضًا لكتب التراجم والطبقات، كـ (الاستيعاب في معرفة الأصحاب) كما في مثل (حنتمة بنت هشام) بقوله: "قال ابن عبد البر: الصحيح أنها بنت هاشم ... " (٥). ورجع كذلك لكتب التاريخ، كـ (تاريخ دمشق) في مثل (تسمية بني الأصفر) بقوله: "وفي (تاريخ دمشق) لابن عساكر: تزوج مهاطيل الرومي إلى النوبة، فولد له الأصفر" (٦)، وإلى (تاريخ بغداد) في مثل (التعريف بإسحاق الكِوسج) بقوله: "وقال الخطيب: كان فقيهًا عالمًا" (٧). وإننا لنجدُ ابن الملقن -في اعتماده على هذه الكتب- يحقق أغراضًا عدة، وذلك إمَّا لعرض الآراء، كقوله في (إيلياء): "قال صاحبُ (المطالع): وقيل: معناه بيت الله، وفي (الجامع): أحسبه عِبرانيًّا، ويقال: الإيلياء كذا" (٨). وكذلك في قوله: (غُرلًا): "قال الشيخ تقي الدين القشيري في شرح (العمدة): غُرلًا يحتمل أيضًا أن يكون مفعولًا لـ (يدعون) " (٩). ومن ذلك أيضًا قوله في (مَن انتهى نسبه بالفارسي): "قال: قال إبراهيم بن الفرج في

стр. 208

(البغية شرح لحن العامة): الفارسي منسوب إلى فارس، وذكر ابن عبدون في كتابه (الزاهر) أنهم من ولد حارس بن ناسور بن سام" (١). كما أنه قد يعتمد على الكتب في عَضْدِ رأيٍ أو قول، ومن ذلك في قوله ﵇: "فيما سقَتِ السماءُ والعيونُ أو كان عَثَريًّا العُشرُ"، بقوله: " (العَثَري) بعين مهملة ثم ثاء مثلثة مخففة، ويجوزُ تشديدها، كما قاله الهَجَري في (نوادره)، وحكاه ابنُ سيده في (محكمه) " (٢). ومن ذلك أيضًا قوله في (التوارث قبل انتهاء العدة): "وذكر ابنُ المنذر في (الإجماع): أنهم أجمعوا أن مَن طلق زوجته المدخولَ بها طلاقًا يملِكُ رجعتَها، وهو مريضٌ أو صحيح، فمات أو ماتت قبل أن تقضي عدتها؛ أنهما يتوارثان" (٣). وقد يرجع إلى الكتب لترجيح رأيٍ، في مثل (الدهر) بقوله: "قال الأزهري في (تهذيبه): (الدهر) يسمى جذعًا، وقيل معناه: يا ليتني أدركُ أمرَك، قال صاحب (المطالع): والقولُ الأول أبيَنُ" (٤). ومن ذلك أيضًا قوله: " (ما غبر من الدنيا إلا كالثَّغَبْ) هو بثاء مثلثة وبغين معجمة ساكنة ومفتوحة أيضًا، وهو أكثر، كما قاله القزَّاز، وقال صاحب (المنتهى): إنه أفصح ... " (٥). هذا، وقد يكونُ رجوعُه للكتب لإبطال رأيٍ، ومن ذلك: في حديث (فيما سقَت السماءُ والعيونُ أو كان عَثَريًّا) بقوله: "ويَرُدُّ على أبي عبيد في قوله: العثري ما سقته السماء، وكذا ابن فارس، وكذا الجوهري في قوله: ما سُقي من النخل سَيْحًا، وصاحب (الجامع) و (المنتهى) - الحديثُ؛ فإن لفظَه: (فيما سقت السماءُ والعيون أو كان عثريًّا)، وهو دالٌّ على أن العَثَري غيرُ ما سقت السماء والعيون" (٦).

стр. 209

ومن ذلك أيضًا قولُه في (مشُورة): "وزعم صاحبُ (التثقيف) والحريريُّ وغيرُهما؛ أن إسكان الشين وفتح الواو، مما تلحنُ فيه العامةُ، وليس بجيد" (١). ومن خلال ما تم استعراضُه من اعتماد ابن الملقن على الكتب، تبيَّنت غايتُه من اعتماده على الكتب؛ من خلال الأغراض التي رجع إلى الكتب من أجلها، مع ما لُوحظ من تنوُّعٍ في الإشارة إلى اسم الكتاب، وأن ما يغلب على ذلك هو (الاختصار) كما ذُكر من قبل.

стр. 210

الفصلُ الثاني منهجُه في عرض المسائل ، وفيه مباحثُ: المبحثُ الأول: طريقتُه في عرض المسائل المبحثُ الثاني: الإيجازُ والإطناب لديه المبحثُ الثالث: عرضُه للخلاف النحوي، وموقفُه من النحويين

стр. 211

المبحث الأول: طريقتُه في عرض المسائل تعدَّدت طرقُ ابن الملقن في عرض المسائل؛ فمنها ما يكون بشكل متكرر، ومنها ما يأتي عارضًا، وفيما يلي أبرزُ الطرق التي سار عليها ابن الملقن في عرض مسائله، مردوفةً بمثال أو مثالين، وذلك استكمالًا لما بدأناه من إيضاح منهج الشارح للحديث الشريف: يركز ابنُ الملقن في دراسته للحديث -وخصوصًا في الدراسة النحوية أو اللغوية- على الموضع الذي يريدُ دراسته فحسبُ. ومن ذلك: في قوله ﵇: (وجنِّبِ الشيطانَ ما رزقتنا)، قال ابن الملقن: "وقولُه: (فيما رزقتنا) أي: شيئًا رزقتنا ... " (١). وكذلك ما ورد في قول موسى ﵇: أيْ ربِّ، ثم ماذا؟ قال ابن الملقن: "وقوله (ثم ماذا)، وفي رواية: (ثم مَه؟ ) وهي (ما) الاستفهامية، لَمَّا وقف عليها زاد هاءَ السَّكْت ... " (٢). ونجد عند ابن الملقن اهتمامًا بإيضاح المفردات الحديثية التي ستكون الدراسةُ حولها، وبيانِ معناها في السياق، وذلك قبل عرضه للمسألة. ومن ذلك: في (مثنى مثنى)، قال ابن الملقن: "أي: اثنين اثنين، يريد ركعتين ركعتين بتسليم في آخر كل ركعتين، و (مثنى) معدول عن اثنين اثنين، فهي لا تنصرف للعدل" (٣). ومن ذلك في قوله ﵇: (كخ كخ)، قال ابن الملقن: " (كخ كخ): هو ردعٌ للصغار وزجرٌ" (٤)، وكذلك في قوله ﵇: (ما يهجعون)، قال ابن الملقن: أي: ما ينامون" (٥). أما من حيث عرضُه للأحكام النحوية، فربما يذكر الحكم عن طريق الجزم، وذلك بناءً على ما أجمع عليه النحويون، ومن ذلك: في قوله ﵇: (فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله

стр. 212

فهجرته ... )، قال ابن الملقن: "لا بد من تقديرٍ؛ لأن القاعدة عند أهل الصناعة ... " (١). أما إذا كانت المسألة تحتملُ أكثرَ من وجه نحوي؛ فنجده يذكرُ آراء النحويين، مبينًا الإشكالاتِ التي تعترضُها، هذا، مع عزو الآراء إلى أصحابها أو إلى المذهب الذي تبنَّاها، وربما يورد علةَ تضعيفِ الرأي النحوي. ومن ذلك في قول ورقة بن نوفل: (يا ليتني كنت جذعًا)، بعدما أورد ابن الملقن رأيَ الفراء في (يا ليتني كنت جذعًا) وأن في الجملة (كان) الناصبة المضمرة، وتقدير ذلك: انتهوا انتهاء خيرا لكم؛ قال: "وضُعِّف هذا الوجهُ بأن (كان) الناصبة لا تُضمر إلا إذا كان في الكلام لفظٌ ظاهر يقتضيها ... " (٢). وربما يذكر الرأي النحوي ولا يعزوه لأحد إذا كان هذا الرأيُ محمولًا على المشهور، ومن ذلك في (يوشك أن يكون خير ... )، قال: "و (يوشك) أحدُ أفعال المقاربة يطلُب اسمًا مرفوعًا وخبرًا منصوب المحل لا يكون إلا فعلًا مضارعًا مقرونًا بـ (أن) ... " (٣). هذا وقد يورد الأحكامَ النحوية وآراءَ العلماء في مسألةٍ ما دون إضافة أو تعليق، ونجد ذلك جليًّا في دراسته لقول الرسول ﷺ : (مثلَ أو قريبًا من فتنة المسيح الدجال) (٤)، ومن ذلك في (بَرَّ) قوله: "قال ابن التين: وأصله ألا يتعدى بغير حرف جر، ونُقل عن بعضهم أنه قال: لعله يريد بـ (مبرور) وصفُ المصدر فتعدى إليه بغير حرف فجعله متعديًا" (٥). ومن ذلك أيضًا في (قيل وقال) قال ابن الملقن: "قال أبو عبيد: كناية عن قيل وقول، وقال ابن السكيت: اسمان لا مصدران، وقيل: فعلان" (٦).

стр. 213

ونجد عند ابن الملقن في بعض المسائل ترجيحًا لرأي معين، مع عدم التزامه بذكر سببِ الترجيح. هذا وربما يكونُ ترجيحُه مراعاةً للمعنى، ومن ذلك: في قوله ﵇: (عليك ليلٌ طويلٌ) لما ذكر أن رواية الرفع (ليلٌ) على الابتداء، ورواية النصب (ليلًا) على الإغراء، قال ابن الملقن: "والأولُ أولى من جهة المعنى (ليلٌ طويلٌ فارقد)؛ لأنه الأمكنُ في الغرور من حيث إنه يخبره عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد" (١). هذا، وقد يكون تأييدُ ابن الملقن لرأي معين أو دحضُه مبنيًّا على اللفظ والمعنى، ومن ذلك في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ (٢)، قال ابن الملقن: "وخطأُ كونِه بمعنى الانتظار من وجهين: أنه عُدِّي إلى مفعوله بـ (إلى)، وإذا كان بمعنى الانتظار لا يتعدى بها، والوجه الثاني: حملُه على معنى الانتظار لا يخلو أن يُراد به منتظرة ربَّها أو ثوابَه، وعلى أيهما حُمل فهو خطأ؛ لأن المنتظرَ لِمَا ينتظرُه في تنغيص وتكدير" (٣). وفي بعض المواطن نجده يقدم ظاهر المعنى على الحكم النحوي في عرضه للمسائل، ومن ذلك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا خَطَئًا﴾ (٤)، قال: "ظاهرُه ليس مرادًا؛ فإنه لا يسوغُ له قتله خطأ ولا عمدًا" (٥). ومن الأمثلة على ترجيح ابن الملقن مع عدم ذكر سبب الترجيح: في كلمة (مِنَى) قال: "الأجوَدُ صرفُها، وكتابتُها بالألف، وتذكيرُها" (٦). وقد يُرجِّح ابن الملقن رأيًا قبل إيراده للآراء النحوية، ففي قوله ﵇ (يجعلون المحرمَ صفرَ)، قال ابن الملقن: "والصواب: صفرًا؛ لأنه مصروفٌ قطعًا ... " (٧)، ومن ذلك أيضًا في (نعم وبئس) قال: "فعلان لا ينصرفان؛ لأنهما انتقلا عن موضعهما، فـ (نِعم) منقولٌ من قولك: نَعِم

стр. 214

فلان إذا أصاب نعمة، و (بئس) فلان منقولٌ من بَئِس إذا أصاب بؤسًا، فنُقلا إلى المدح والذم فشابها الحرف" (١). كما أننا نجد من طرق ابن الملقن في عرض المسائل أنه يلخِّصُ الخلافَ النحوي على طريقة سؤال، ثم يفصِّل في ذلك، ذاكرًا الصحيح من هذه الآراء، وما قد يحتملُه النص من أوجه إعرابية، ومن ذلك: في (سمعت) قال ابن الملقن: "اختلف النحاة في (سمعت) هل يتعدى إلى مفعولين؟ ... والصحيح أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعلُ الواقع بعد المفعول في موضع الحال، أي: سمعتُه حالَ قوله كذا" (٢). ومن طرق ابن الملقن في عرض المسائل النحوية: أنه ربما يكتفي بحكم نحوي واحد، ويتركُ ما سواه، مع صحة كل منهما، ومن ذلك في (حتى أفيض) قال: "صوابُه (أفض)؛ لأنه جواب الأمر" (٣). ونجده قد يذكرُ الأوجُهَ الإعرابية لمسألة ما ثم يُثبت ما ذكر برواية أخرى، ومن ذلك في (ما أنا بقارئ) قال: " (ما) هنا نافية، واسمها أنا، وخبرها (قارئ)، والباء زائدة لتأكيد النفي، أي: ما أُحسِنُ القراءة، وقد جاء في رواية (ما أحسن أن أقرأ) " (٤). ومن الطرق أيضًا: أنه قد يذكر مثالًا على القاعدة النحوية ثم يبيِّن مدى انطباق شروط الحكم النحوي على هذا المثال، ومن ذلك في قوله: (حتى فرجه بفرجه) قال ابن الملقن: " (حتى) هنا عاطفة، وهي عند النحويين لا تعطف إلا بثلاثة شروط: أن تعطف قليلًا على كثير، وأن يكون من جنسه، وأن يُراد به التعظيم أو التحقير، والقليل هنا الفرج، والكثير الأعضاء، وهو من جنسها، والمراد به: التحقير، فيكون (فرجه) منصوبًا بالعطف" (٥). هذا، ونجد أحيانًا يورد آراءً نحويةً منها ما هو مؤكَّد ومنها ما هو محتمَل، ومن ذلك

стр. 215

في قوله: (لا وقرة عيني)، قال: " (لا) زائدة ... ويحتمل أن تكون نافية ... " (١). هذه أبرزُ الطرق التي اعتمد عليها الشارح في عرضه للمسائل، وذلك حسَبَ ما اطلع عليه الباحث.
следующие страницы →