← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36113

المسائل النحوية في كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح

داود بن سليمان الهويمل

Полный текст (285 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

على جواز وصفِ المفرد المضموم في النداء، وإن كان قد وقع موقعَ ما لا يُوصف من حرف الخطاب ... " (١). ومنهم مَن يمنع نعتَ المنادى المبنيِّ مطلقًا، كالأصمعي وقومٍ من الكوفيين، لكن السماع والقياس يقتضيان جوازَ ذلك؛ أما السماعُ فقد سُمع عن العرب: (يا زيدَ بنَ عمرو)، فلو نُصِب (ابنُ عمرو) بفعلٍ مقدرٍ لكانت جملةً مستأنفة، فبقاؤها بالنصب دلالةٌ أنها صفةٌ لزيد، وأما القياسُ فلأنَّ مشابهةَ المنادى للضمير عارضةٌ، فمتقضى الدليل ألَّا تعتبرَ مطلقًا، كما لم تُعتبر مشابهةُ المصدر لفعل الأمر في نحو: (ضربًا زيدا)، لكنَّ العربَ اعتبرت مشابهةَ المنادى للضمير في البناء استحسانًا، فلم يُزَد على ذلك، واتفاقُ العرب على الرفع في (أيها الرجلُ) دليلٌ على أنه للإتباع، إذ لو كان للقطع لجاز النصبُ (٢). وحركةُ النون في (ابن) منصوبةٌ قطعًا عند البصريين والزمخشري (٣)، وبهذا كتبها ابنُ الملقن؛ لأنه لما كثُر في كلامهم الوصف بـ (ابن) أكثرَ من غيره، صارت الصفةُ مع الموصوف في حكم كلمة واحدة، وذلك عند إضافته إلى العلم. ويرى سيبويه رفعَ النون إن جُعل المنادى تابعًا لـ (زيد)؛ لكونها معه كاسم واحد بحذف التنوين، وذلك في مثل: (هذا زيدُ بنُ عبد الله)، وتُحمَل على النصب إن لم تُجعل كاسم واحد (٤). أما المنادى المضافُ، فأجمع النحويون على نصبه (٥). هذا تلخيصُ ما ذكره النحويون حول المسألة حسَبَ اطلاعي، ومنه يتبينُ بعد الدراسة سَعةُ اطلاع ابن الملقن، وملكتُه العلمية.

стр. 37

مسألة انفصالُ ثاني الضميرَينِ مع إمكانِ الاتصال في قول هِرَقْلَ لأبي سفيان: " ... فكيف كان قتالُكم إيَّاه؟ ... " (١). قال ابنُ الملقن: "قولُه: (فكيف كان قتالكم إياه؟ ) فيه انفصالُ ثاني الضميرين، والاختيارُ أن لا يجيءَ المنفصلُ إذا تأتَّى مجيءُ المتصل" (٢). بيان المسألة: ذكر ابنُ الملقن حالَ الضمير الثاني، وأن مجيئه متصلًا مقدمٌ على انفصاله، ما لم يمنع من ذلك مانعٌ، وبيان ذلك فيما يلي: الأصلُ في مجيء الضمائر أن لا يُؤتى بالضمير المنفصل إلا عند تعذُّر المتصلِ؛ لكونه أخصرَ وأوضحَ، ولا يحدث معه لَبْسٌ يُبهِمُ المراد، وأما الضميرُ المنفصل فقد يُحدث لبسًا في بعض الكلام؛ ففي مثلِ: (إياك أخافُ) قد يُفهم أنه يريدُ إعلامَ المخاطَب بأنه يخافه، أو أنه يريدُ تحذيرَه من شيء، وإعلامَه بأنه خائفٌ من ذلك الشيء (٣)، ولو قيل: (أخافُكَ) بالضمير المتصل لَمَا وقع ذلك الإشكالُ، قال ابن مالك (٤): وفِي اخْتِيارٍ لا يَجِيءُ المُنفصِلْ ... إِذَا تَأَتَّى أَنْ يجِيءَ المُتَّصِلْ وقال في الشواهد: "وإذا علِمت هذه القاعدةَ لزم أن يُعتذر عن جعل منفصلٍ في موضع لا يتعذرُ فيه المتصل" (٥). ومن ثَمَّ فإن وقوعَ المنفصل موقعَ المتصل يُحمَلُ على أحد وجهين؛ أحدُهما: الضرورةُ، نحوُ قول الشاعر (٦):

стр. 38

بِالبَاعِثِ الوَارِثِ الأَمْوَاتِ قَدْ ضَمِنَتْ ... إِيَّاهُمُ الأَرْضُ فِي دَهْرِ الدَّهَارِيرِ (١) وثانيهما: تعذرُ استعمال الضمير المتصل، كانحصاره بـ (إنما) مثلا، ومنه قول الشاعر (٢): أَنَا الذَّائِدُ الْحَامِي الذِّمَارَ وَإِنَّمَا ... يُدافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي (٣) أو أن يؤخَّر عاملُه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (٤)، أو أن يكون بعد (إلا)، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٥). ويرى الزمخشريُّ أن انفصالَ ثاني الضميرين أكثرُ من اتصالهما (٦)، وقال الكرماني: ("قتالُكم إيَّاه" أفصحُ مِن "قتالِكُمُوه"، فلذلك فَصَله) (٧)، وقال العينيُّ: (الصوابُ معه) (٨)، وربما حُمل ذلك على الكثرة دون الالتفات إلى كون المتصلِ أخصرَ في الكلام، وأبعدَ عن اللبس، كما ذكرنا سابقًا. وبعد عرض المسألة يتضحُ أن ابنَ الملقن قد سار على الأصل الذي من أجله وُضع الضميرُ.

стр. 39

مسألة توكيدُ المتصل المنصوبِ بالمنفصل المرفوع في قول علي ﵁: "بعثني رسولُ الله ﷺ أنا والزبيرَ" (١). قال ابن الملقن: "وقولُ علي ﵁: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد، أكَّد الضميرَ المنصوب بـ (أنا)، كقوله تعالى: ﴿إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (٢) وقيل: لا يؤكدُ بها ضميرُ المنصوب؛ لأنها في موضع رفع، ولا يؤكد المنصوبُ بالمرفوع، ويكون (أنا) في الآية فاصلةً على هذا؛ مثل: ﴿هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٣) " (٤). بيان المسألة: ذكر ابنُ الملقن قولين للعلماء حول تأكيد الضمير المتصل المنصوب بالمنفصل المرفوع، وبيان ذلك فيما يلي: اختلف العلماءُ حول جواز تأكيدِ الضمير المتصل المنصوب بالمنفصلِ المرفوع على قولين: أحدُهما: جوازُ التأكيد بالمنفصل المرفوع مطلقًا (٥)، قال الزمخشريُّ: " ... وأما المنصوبُ والمجرور فيؤكَّدان بغير شريطة ... " (٦). وقال ابنُ مالك: "ولك أن تؤكدَه بضمير الرفع المنفصل، مرفوعًا كان المؤكَّد، أو منصوبًا، أو مجرورًا ... وقد دللتُ على هذا بقولي: ومُضْمَرَ الرَّفْعِ الَّذِي قَدِ انْفَصَلْ ... أَكِّدْ بِهِ كُلَّ ضَمِيرٍ اتَّصَلْ" (٧) وثانيهما: منعُ تأكيد المتصل المنصوب بالمنفصل المرفوع؛ وذاك أن الضمير المنفصلَ أصلُه

стр. 40

للمرفوع دون المنصوب والمجرور (١)، وأن المشهورَ من كلام العلماء في التوكيد أنه لا يكونُ إلا بما يوافقُه من رفع أو نصب أو جر (٢). وإذا أردنا تأكيدَ المتصل المرفوع أو المنصوب أو المجرور احتجنا إلى ضمير منفصل، ولا ضميرَ منفصلًا في الأصل إلا ضميرُ الرفع، فتأتَّى استعمالُه مع الجميع -مع اختلافها في الوضع؛ إذ عاملُ الرفع ليس بلفظي، والمنصوبُ والمجرور لا بد لهما من عامل يعمل فيهما- فربما كان المنعُ لمخالفته للمشهور من كلام العلماء ولتأكيدِه المنصوبَ بالمرفوع (٣). وأما الآية: ﴿إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (٤) التي استدل بها ابنُ الملقن على جواز تأكيد الضمير المتصل المنصوب بالمنفصل المرفوع، فقد اختلف المُعرِبون في ضمير الرفع (أنا) فيها على قولين؛ فمنهم مَن قال: إنه ضميرُ تأكيد (٥)، واشترط الفراءُ أن تكون (أقلّ) مرفوعة (٦). ومنهم من قال: إن (أنا) ضميرُ فصل (٧)، والفصلُ يُعدُّ ضربًا من التأكيد (٨)، وقد نص سيبويه على ذلك (٩)، ويرى ابنُ الحاجب أنه غير ما ذُكِر؛ لأنه ليس بلفظي ولا معنوي؛ إذ ألفاظُه محصورة (١٠).

стр. 41

وأما الآية الثانية: ﴿هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (١) فلا خلاف حول ما استدلَّ به ابنُ الملقن من أن (هو) ضميرُ فصل (٢).

стр. 42

مسألة أسماءُ الأفعال والأصواتُ بين البناء والإعراب في قوله ﵇ للحسنِ ﵁: "كِخْ كِخْ؛ ليَطْرَحْها" (١). قال ابن الملقن: "وقوله للحسن: كخ كخ، هو رَدْعٌ للصغار وزجرٌ. وقال الداودي: هي معرَّبة، ومعناها: بئس، وفيها ثلاثةُ أوجُه: فتحُ الكاف وتنوينُ الخاء؛ كذا في رواية أبي الحسن، ثانيها: بكسر الكاف وإسكانِ الخاء في رواية أبي ذر، ثالثُها: كسرُ الكاف وتشديدُ الخاء في بعض نسخ الهروي" (٢). بيان المسألة: ذكر ابنُ الملقن معنى كلمة (كخ) باعتبارها كلمةً عربية، وباعتبارها معرَّبةً، وأورد رواياتٍ ثلاثًا، وبيانُ ذلك فيما يلي: يختلف معنى كلمة (كخ) باختلاف كونِها عربيةً أو معرَّبة -ومعنى المعرَّب: (ما تفوه به العرب على منهاجها، تقول عرَّبته العربُ وأعربته أيضًا) (٣) - فإن قيل بأنها عربية (٤) أصبح معناها: رَدْع الصغير وزجره عن كل مُستقذَر (٥)، وإن قيل إنها معرَّبة -كما عند الداودي (٦) وغيره (٧) - صار معناها: بئس (٨)، ويمكنُ الجمعُ بين المعنيين في كونهما ذمًّا لِمَا يُستقذَر.

стр. 43

وقد اقتصر ابنُ الملقن على ثلاثة أوجُهٍ لكلمة (كخ) وهي: كَخٍ، وكِخْ، وكِخٍّ (١)، وإن كان شراحُ الحديث قد أوردوا أكثرَ من ذلك؛ ومنه: (كِخٍ) بكسر الكاف وكسر الخاء بالتنوين. (كَخْ) (وكَخّْ) بفتح الكاف وسكون الخاء مخففة وثقيلة. (كَخِ) و (كِخِ) بفتح الكاف وكسرها وكسر الخاءين بلا تنوين (٢). أما كونُها من أسماء الأفعال أو من أسماء الأصوات؛ فمِن النحويين مَن جعلها من أسماء الأفعال (٣)؛ لنِيابتِها عن الفعل (اترُك)، ولعدمِ تأثرِها بالعوامل، وليست فضلة، قال ابنُ مالك (٤): مَا نَابَ عَنْ فِعْلٍ كَشَتَّانَ وصَهْ ... هُوَ اسْمُ فِعْلٍ وكَذا أَوَّهْ وَمَهْ ومنهم مَن جعلها مِن أسماء الأصوات (٥)، لكونها خطابَ ما هو في حكم ما لا يعقلُ من صغار الآدميين، قال ابنُ مالك (٦): وَمَا بِهِ خُوطِبَ مَا لا يَعْقِلُ ... مِنْ مُشْبِهِ اسْمِ الفِعْلِ صَوْتًا يُجْعَلُ كَذَا الَّذِي أَجْدَى حِكَايَةً كَقَبْ والحقُّ أن أسماء الأفعال والأصوات متواخيةٌ؛ لأنهما جميعًا مزجورٌ بهما (٧)، والذي يتبينُ من ظاهر الحديث أنها اسمُ صوت؛ وذاك لقول أبي هريرة (٨) ﵁: "ليطرحها"، والمخاطَبُ بها صغيرُ

стр. 44

السن، وهو الحسن ﵁ بُغيةَ نهيِه عن أكل تمر الصدقة. واختُلف في بنائها وإعرابها، فتُبنى عند اشتباهِها بالحرف، كما أوضح ذلك ابنُ مالك بقوله (١): والاِسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي ... لِشَبَهٍ مِنَ الحُرُوفِ مُدْنِي كَالشَّبَهِ الوَضْعِيِّ فِي اسْمَيْ جِئْتَنَا ... وَالمعْنَويِّ فِي مَتَى وَفِي هُنَا وَكَنِيَابَةٍ عَنِ الفِعْلِ بِلَا ... تَأَثُّرٍ ... وتُعرب عند تنوينِها، أو عند وقوعِها موقعَ متمكِّن (٢). وأما رواية (كَخٍ) بفتح الكاف وكسر الخاء بالتنوين، تُعد (كَخٍ) معربة لا مبنية؛ لدخول التنوين عليها، إذ امتناعُه من علامات البناء (٣)، وأما روايةُ كسر الكاف وسكون الخاء (كِخْ)، وروايةُ تشديدها (كِخّْ)، فمبنيةٌ؛ لشبهِها بالحرف بلزومِ النيابة عن الفعل (٤) إن عُدَّت من أسماء الأفعال، أو لشبهها بالحروف المهملة إن عُدت من أسماء الأصوات (٥). هذا، وقد أوجب ابنُ مالك بناءَ أسماء الأفعال وأسماءِ الأصوات في قوله: ......................... ... وَالْزَمْ بِنَا النَّوْعَيْنِ فَهْوَ قَدْ وَجَبْ (٦) وبعد دراسة المسألة تبين أن (كخ) اجتمع فيها ما يدلُّ على اسم الفعل؛ وهو النيابةُ عن الفعل، وما يدل على اسم الصوت؛ وهو مخاطبةُ ما هو في حكم ما لا يعقل مِن صغيرِ الآدميين، ولكن تبيَّن لي أن الأرجح -بحسب اطلاعي- أنها اسمُ صوت يُعرب ويُبنى؛ فهي معربةٌ في رواية (كَخٍ)، ومبنيةٌ في رواية (كِخْ) و (كِخّْ)، كما سبق ذكره.

стр. 45

مسألة إضافةُ الاسم إلى ما هو بمعناه في النداء في قوله ﵇: "يا نساءَ المسلماتِ" (١). قال ابن الملقن: "في إعراب (يا نساء) أوجُهٌ ذكرها القاضي عياضٌ؛ أصحُّها وأشهرُها: بنصب (النساء) وجرِّ (المسلمات) على الإضافة. قال الباجي: وبهذا رويناه عن جميع شيوخِنا بالمشرِق، وهو من بابِ إضافة الشيء إلى نفسه، والموصوفِ إلى صفته، والأعمِّ إلى الأخصِّ، كـ (مسجدِ الجامع)، و (جانبِ الغربي)، وهو عند الكوفيين جائزٌ على ظاهره، وعند البصريين يقدِّرون فيه محذوفًا؛ أي: مسجد المكان الجامع، وجانب المكان الغربي. ويُقدَّر هنا: يا نساء الأنفُس المسلمات أو الجماعات، وقيل: تقديرُه: يا فاضلاتَ المسلماتِ، كما يُقالُ: هؤلاء رجالُ القومِ؛ أي: ساداتُهم وأفاضِلُهم. ثانيها: رفعُهما على معنى النداء والصفة؛ أي: يا أيها النساءُ المسلماتُ. قال الباجي: كذا يرويه أهلُ بلدنا. ثالثُها: رفعُ النساء وكسرُ التاء من المسلمات على أنه منصوبٌ على الصفة على الموضع، كما يُقال: يا زيدُ العاقلَ؛ برفع زيد ونصبِ العاقل. واقتصر ابنُ التين على أنْ قال: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه؛ مثل قوله: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾ (٢) ... " (٣). بيان المسألة: ذكر ابنُ الملقن أن لـ (نساء) وما بعدها: أوجُهٌ إعرابيةٌ ثلاثةٌ، وبيانُ ذلك فيما يلي: أجمع النحويون على جواز كون (نساء) منادًى مضافًا، وكونِها نكرةً مقصودة. فإن قيل: إنها منادًى مضافٌ، فبنصب (نساء) وإضافةِ (المسلمات) إليها، بيد أن النحويين اختلفوا في جوازِ إضافة الشيء إلى نفسه. فالبصريون لا يجيزون ذلك، ويقدِّرون فيما ورد من ذلك محذوفًا؛ كـ (مسجد المكان

стр. 46

الجامع). وتقديرُهم في هذا الحديث: يا نساءَ الأنفُسِ المسلمات، ولكن يرى الزجَّاجُ (١): أن التقدير هو: يا نساءً مِن الأنفُس المؤمنات؛ لأمرين: ١ - لئلا يُنعت لشيء محذوف. ٢ - أنه يُقصد بـ (الأنفس) الرجالُ، والخطابُ للنساء، وفيه تفضيلٌ لهن، ولو قُصد بها الرجال والنساءُ لَمَا صار لهن فضلٌ. ويمكنُ القولُ إن (الأنفُس) واحدها نَفَس، والنَفَسُ مؤنثة (٢)، فيستقيمُ تخريج البصريين. أما الكوفيون فيُجيزون إضافةَ الشيء إلى نفسه، ويجعلون من ذلك نحوَ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٣). والذي يظهر أنه لا يجوزُ إضافةُ الشيء إلى نفسه، وذلك من جانبين: أحدهما: من حيث النظر؛ وذلك لأن الإضافة يُراد بها التعريفُ، والشيءُ لا يتعرَّفُ بنفسه؛ لأنه إن كان فيه تعريفٌ كان مستغنيًا عن الإضافة، وإن لم يكن فيه تعريف كان بإضافته إلى اسمه أبعدَ من التعريف. ثانيهما: من حيث المعنى؛ لأنك لو قلت مثلًا: (زيدٌ أفضلُ من إخوته)، فالهاء عائدة على زيد، وزيدٌ ليس واحدًا من إخوته، إنما واحدٌ من بني أبيه، فلو كان واحدًا منهم وهم مضافون إلى ضمير، لوجب أن يكون داخلًا معهم في الإضافة. أما ما استدل به الكوفيون مِن نحوِ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾؛ فهو محمولٌ على حذف المضاف إليه وإقامةِ صفته مُقامَه، إذ الحقُّ غير اليقين، إنما خالصُه وأصحُّه (٤).

стр. 47

أما إن قيل: إن (نساء) نكرةٌ مقصودة، فعلى معنَى النداءِ والصفة، ويمكن إيضاحُ ذلك بما يلي: ١ - في نحو: (يا نساء)؛ يكون المعنى: أقصد النساء، وهي بمنزلة (يا أيها النساء)، فـ (نساء) تعرَّفت بالنداء، ومن ذلك ما مثَّل به سيبويه (يا فاسقُ الخبيثُ) (١)، فلو لم يكن (فاسق) عنده معرفةً لَمَا وصَفه بما فيه الألفُ واللام (٢). ٢ - جوازُ الرفع والنصب في (المسلمات)؛ إذ تابعُ المنادى مضافٌ مصاحبٌ للألف واللام. قال ابن مالك (٣): تَابِعَ ذِي الضَّمِّ المُضَافَ دُونَ أَلْ ... أَلْزِمْهُ نَصْبًا كَأَزَيْدُ ذَا الحِيَلْ وَمَا سِوَاهُ ارْفَعْ أَوِ انْصِبْ وَاجْعَلَا ... كَمُسْتَقِلٍّ نَسَقًا وَبَدَلَا وعليه فيجوزُ أن تقول: يا نساءُ المسلماتُ، ويا نساءُ المسلماتِ. ومن خلال دراسة المسألة يتبيَّنُ صحةُ الأوجُه الإعرابية الثلاثة.

стр. 48

مسألة التقارُضُ بين (إذْ) و (إذا) في قولِ ورقةَ بنِ نوفل: "ليتني أكونُ جَذَعًا، إذْ يُخرجُك قومُك" (١). قال ابن الملقن: "قوله: (إذ يخرجك قومك)، استعمل فيه (إذْ) في المستقبل كـ (إذا)، وهو استعمال صحيح، كما نبَّه عليه ابنُ مالك، وقال: غفَل عنه أكثرُ النحويين، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ (٢)، وقولُه: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْأزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١)﴾ (٤)، قال: وقد استُعمل كل منهما في موضع [الآخر]؛ يعني: (إذ) و (إذا)، ومن الثاني قولُه تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٥)، و ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ (٦)، و ﴿إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (٧) " (٨). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أنه يجوزُ أن تقع (إذ) لِمَا يُستقبل من الزمان، وبيانُ ذلك فيما يلي: المشهورُ عند النحويين أن (إذْ) لما مضى من الزمان، و (إذا) لما يُستقبل من الزمان، قال الخليلُ: "فـ (إذا) فيما يُستقبل بمنزلة (إذ) فيما مضى" (٩)، وهذا ما ذهب إليه أكثرُ المحققين؛ أن (إذ) لا تقعُ موقعَ (إذا) ولا تقعُ (إذا) موقعَ (إذ) (١٠). غير أن بعضَ المتأخِّرين يرون جوازَ وقوع كلٍّ منهما موقعَ الآخر، قال ابنُ مالك في

стр. 49

تسهيل الفوائد: "وربما وقعت موقعَ (إذ)، و (إذا) موقعَها" (١). والذي يتبينُ من خلال دراسة المسألة: جوازُ وقوع كلٍّ منهما موقعَ الآخر؛ وذلك لأمور؛ منها: أ- كثرةُ الأدلة الواردة في ذلك، ومنها ما ذكره ابنُ الملقن. ب- اعترافُ أهل التفسير بذلك، مع اختلاف أزمانهم (٢). أما ما ذكره ابنُ مالك من أن النحويين غفَلوا عن ذلك (٣)، فلا أدري أيقصدُ بذلك عدمَ معرفتهم بذلك تمامًا؟ أم أنهم لم يذكروا نصًّا واضحًا؟ فإن كان المرادُ به عدمَ معرفتهم، فقد سبق أن أهل التفسير قد أشاروا إلى ذلك. أما إن كان المرادُ عدمَ التنبيه على ذلك، فلم أجد أحدًا تكلم عنه -حسب اطلاعي- كحدٍّ لـ (إذ) و (إذا)، وأيضًا لم أقف على نصٍّ صريح يعبر عن ذلك، وذلك قبلَ زمنِ ابن مالك. وخلاصةُ ذلك: أن ما ذكره ابنُ الملقن عن ابن مالك فيه اختلافٌ في النقل، مما أدى إلى لجوء الباحث إلى إثبات أن بعضَ النحويين لم يغفُلوا عن استعمال (إذ) في المستقبل كـ (إذا). وعبارةُ ابن مالك هي: "غفَل عن التنبيه عليه أكثرُ النحويين" (٤)، وهذا يختلفُ عن قول ابن الملقن: "غفَل عنه أكثرُ النحويين"، وذلك في أمور: ١ - أن إغفال التنبيه لا يعنى عدمَ معرفة ذلك الأمر. ٢ - أن الجهل بأي أمر يُعذر فيه عدمُ التنبيه؛ إذ هو أمرٌ مجهول. ٣ - في عبارة ابن مالك إشارةٌ إلى أن النحويين يعرفون ذلك، لكن غفل أكثرُهم عن التنبيه

стр. 50

عليه. ٤ - وأما عبارةُ ابن الملقن فظاهرُها أن أكثر النحويين لم يعرفوا ذلك، وإن كان يعرفه بعضهم؛ سواءٌ أنبهوا على ذلك أم لم يُنبِّهوا.

стр. 51

مسألة ما جاء على وزن (فَعَالِ) بين الإعراب والبناء في قول عائشة ﵂: " ... فإذا عِقدٌ لي من جَزْعِ ظَفارِ قد انقطع ... " (١). قال ابن الملقن: "ويقولون: (من جَزْع ظَفارِ)، وهو مبني على الكسر، كما تقول: حَذامِ ... وقال البَكْري، عن بعضهم: سبيلُها سبيلُ المؤنث لا ينصرف ... قال صاحبُ (المطالع): ويُرفع ويُنصب" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن (ظَفارِ) يجوز فيها البناءُ والإعرابُ، وبيانُ ذلك فيما يلي: اختلف النحويون فيما كان على (فَعالِ)، مثل (حذام) المأخوذة من الحَذْم؛ أي القطع؛ يقال: حَذَمتُ الشيء حَذْمًا، وكذلك (ظفار) مأخوذة من: ظفَّر النبات يُظفِّر؛ أي: طلَع. فالحجازيُّون يبنون ما كان من ذلك على الكسر، أما التميميُّون فيُعربونه ممنوعًا من الصرف. وأما علةُ البناء عند الحجازيين؛ فلِمَا يلي: ١ - كونها معدولةً عن (فاعلة)، فـ (حذام) معدولة عن (حاذمة). ٢ - كونها قبلَ العدل غيرَ مصروفة. فاجتمع مع عدم التنوين العدلُ، وليس وراء المنع من التنوين إلا البناءُ (٣). أما التميميون فيمنعونها من الصرف لاجتماع علتين، واختلف في العلتين على أقوال: ١ - مُنعت للعلمية والعَدْل، وهذا ما ذهب إليه سيبويه (٤). ٢ - منعت للعلمية والتأنيث، وهذا ما يراه المبرد (٥). ٣ - منعت للعدل والتأنيث.

стр. 52

٤ - منعت للعدل والتعريف. وبيانُ العلل السابقة واجتماعها كما يلي: أما كونُها للعلمية فـ (ظفار) اسمُ مدينة في اليمن (١)، وأما كونُها للعدل فهي معدولة عن فاعلة (٢)، وأما كونُها للتأنيث فبما ثبت من الشعر؛ ومنه قولُ الفرزدق: وَفِينَا مِنَ المِعْزَى تِلادٌ كَأَنَّهَا ... ظَفَارِيَّةُ الجَزْعِ الذِّي في التَّرَائِبِ (٣) ومنه قولُ الفِنْد الزِّمَّاني (٤): فَارْجِعُوا مِنَّا فُلُولًا وَاهْرُبُوا ... عَائِذِينَ لَيْسَ تُنْجِيكُمْ ظَفَارُ (٥) وأما كونُها للتعريف فلأنها معرفة، ولو نُكِّرت لصُرفت، والعدلُ إنما يأتي في حال التعريف (٦). والذي يترجحُ حول بنائها وإعرابها: هو ما اتفق عليه الحجازيون والتميميون؛ وهو بناءُ الاسم إذا كان على وزن (فَعالِ) المختوم بـ (راء) (٧).

стр. 53

المبحثُ الثاني: الأسماءُ المُعرَبة وفيه مسائلُ: مسألة التقدير عند اتحاد الشرط والجزاء، أو المبتدأ والخبر في قوله ﵇: " ... فمَن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله ... " (١). قال ابن الملقن: "لا بد من تقدير شيء؛ لأن القاعدةَ عند أهل الصناعة: أن الشرط والجزاء، والمبتدأ والخبر؛ لا بد من تغايُرِهما، وهنا وقع الاتحادُ، فالتقدير: فمَن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله نيةً وعَقدًا، فهجرتُه إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أنه لا بد من تقدير شيء عند اتحاد الشرط والجزاء، والمبتدأ والخبر؛ كما هو مُقرَّر عند أهل الصناعة، والأصلُ في جواب الشرط وخبرِ المبتدأ الإفادةُ والتغايُر، فلا يجوزُ في الشرط والجواب أن يقال مثلًا: (إنْ قامَ زيد قامَ)، كما لا يجوزُ في الابتداء: (زيدٌ زيدٌ)؛ لعدم وجود الفائدة، فإن دخله معنًى يُخرجه للفائدة فجائزٌ هذا التركيبُ، نحو: (إن لم تُطِع الله عصَيت)، فأُريدَ به التنبيهُ على العقاب؛ فكأنه قال: وجب عليك ما وجب على العاصي (٣).

стр. 54

ومثالُ اتحاده في الابتداء ما ذكره سيبويه: " (قد جرَّبتُك فوجدتُك أنت أنت)، فأنتَ الأولى مبتدأة، والثانية مبنيةٌ عليها، كأنك قلت: فوجدتُك وجهُك طليقٌ، والمعنى: أنك أردت أن تقول: فوجدتُك أنت الذي أعرفُ" (١)، فهذا التركيب جائزٌ لوجودِ معنًى أعطى فائدةً. ومثلُه قولُ أبي خِراش (٢): رَفَوْنِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ... فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتَ الْوُجُوهَ هُمُ هُمُ (٣) والمعنى: هم الذين يَطرُدونني، وهم الذين يطلبون دمي. ومما جاء وظاهرُه اتحادُ الشرط والجزاء: قوله ﵇: " ... إن كان مِن أهل الجنة فمِن أهل الجنة ... " (٤). فظاهرُ الحديث اتحادُ الشرط والجزاء، لكنهما متغايران في التقدير، ولعل تقديره: فمقعدُه من مقاعدِ أهل الجنة (٥). ومن خلال ما سبق يتبيَّنُ أن النحاةَ يرون أن الشرط والجزاء، والمبتدأ والخبر؛ لا بد فيهما من إفادةٍ وتغايُر، وابنُ الملقن عند شرحه لحديث " ... فمَن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله ... " سار على ما هو مقرر عند النحويين.

стр. 55

مسألة وجه النصب في: (يا ليتني فيها جَذَعًا) في قول ورقةَ بنِ نوفل: " ... يا ليتني فيها جذعًا ... " (١). قال ابن الملقن: "قوله: (جَذَعًا) هكذا الروايةُ المشهورة هنا وفي (صحيح مسلم)؛ بالنصب، ووقع للأصيلي هنا وابنِ ماهان في (صحيح مسلم): (جَذَعٌ)؛ بالرفع، فعلى الرفع لا إشكال، وفي النصب اختلفوا في وجهه على ثلاثة أوجُه: أحدها: نصبُه على أنه خبر (كان) المقدرةِ، تقديرُه: ليتني أكونُ جذعًا، قاله الخطَّابي والمازَري وابنُ الجوزي في مُشكِله، وهي تجيءُ على مذهب الكوفيين، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَّكُم﴾ (٢)؛ أي: يكُنِ الانتهاءُ خيرًا لكم، ومذهبُ البصريين أن (خيرًا) في الآية منصوبٌ بفعل مضمر يدلُّ عليه (انتهوا)، تقديره: انتهوا وافعلوا خيرًا لكم. وقال الفراءُ: انتهوا انتهاءً خيرًا لكم، وضُعِّفَ هذا الوجهُ بأنَّ (كان) الناصبةَ لا تُضمَر إلا إذا كان في الكلام لفظٌ ظاهرٌ يقتضيها؛ كقولهم: (إنْ خيرًا فخيرٌ). ثانيها: أنه منصوبٌ على الحال، وخبر (ليت) قوله: (فيها)، والتقديرُ: ليتني كائنٌ فيها -أي: مدة الحياة- في هذا الحال شَبِيبةً وصحةً وقوةً لنصرتك، إذ قد كان أسَنَّ وعمِي عند هذا القول، ورجَّح هذا القاضي عياضٌ، وقال: إنه الظاهرُ، وقال النووي: إنه الصحيحُ الذي اختاره المحققون. ثالثُها: أن تكون (ليت) عمِلت عملَ (تمنَّيت) فنصبت اسمين كما قال الكوفيون؛ وأنشدوا: يا ليتَ أيامَ الصِّبا رواجِعَا" (٣). بيان المسألة:

стр. 56

ذكر ابن الملقن الأوجُهَ الإعرابية لـ (جذعًا)، وبيانُ ذلك فيما يلي: أما روايةُ الرفع فظاهرةُ التوجيه، فتُعرب (جذع) خبرَ (ليت)، ولا إشكالَ في هذا الوجه من جهة النحو (١). وأما روايةُ النصب (جذعًا)؛ فالعامل فيها عند الكوفيين (كان) المقدرةُ، والتقدير: يا ليتني أكونُ جذعًا؛ كما قالوا في قوله تعالى: ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ (٢)؛ أي: يكن الانتهاءُ خيرًا لكم (٣). وهذا خطأٌ في تقدير العربية كما يراه المبردُ؛ لأنه يُضمِر الجوابُ ولا دليلَ عليه (٤)، وعند البصريين أنها منصوبة بفعل مُضمَر، والتقديرُ: يا ليتني جُعِلت فيها جذعًا، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ (٥) أي: انتهوا وائتوا خيرًا لكم (٦)؛ وذاك لأنك حين قلت: (انتَهِ) فأنت تريدُ أن تُخرجَه من أمرٍ وتدخلَه في أمر، وقال الخليل: (كأنك تحملُه على ذلك المعنى؛ كأنك قلت: انتَهِ وادخُل فيما هو خيرٌ لك، وحذفوا الفعلَ لكثرة استعمالهم إياه في الكلام) (٧). ومثلُ ذلك قولُ القُطامي (٨): فَكَرَّتْ تَبْتَغِيهِ فَوَافَقَتْهُ ... عَلَى دَمِهِ وَمَصْرَعِهِ السِّبَاعَا (٩)

стр. 57

ومثله قولُ ابن الرُّقَيَّات (١): لَنْ تَرَاهَا وَلَوْ تَأَمَّلْتَ إلا ... وَلَهَا فِي مَفَارِقِ الرَّأْسِ طِيبَا (٢) وإنما نصَبَ هذا لأنه حين قال: (وافقته) وقال: (لن تراها)، فقد عُلم أن الطيبَ والسباعَ قد دخلا في الرؤية والموافقة، وأنهما قد اشتملا على ما بعدهما في المعنى (٣). وقدَّر الفراءُ: انتهوا انتهاء خيرًا لكم، على أنها نعتٌ لمصدر محذوف (٤)، وضعَّف ابنُ الملقن هذا الرأيَ؛ لظنه أن الفراءَ بناه على إضمار (كان) لغيرِ دليل يدل عليها، وصحيحٌ أنَّ (كان) الناصبةَ لا تُضمر إلا إذا كان في الكلام لفظٌ ظاهر يقتضيها؛ كقولهم: (إن خيرًا فخير)، لكنَّ الفراء إنما بنى النصبَ على أنه نعتٌ لمصدر محذوف، ومع هذا فقد رُدَّ قولُ الفراء بقولهم: (حسبُك خيرًا لك)؛ فإن تقدير مصدرٍ ههنا لا يحسُن، وبقولهم: (وراءَك أوسعَ لك)؛ فإن (أوسع) صفةٌ لمكان لا لمصدر. وعلى هذا فلا يصلحُ أن يراد به المصدرُ. وخلاصةُ القول: إن جعلت (خيرًا) خبرًا لـ (كان) المقدرةِ فهذا خطأٌ في تقدير العربية، وإن قُدرت نعتًا لمصدر محذوف كما يرى الفراءُ، فالمعنى لا يناسبُ ذلك، لأنه يكون المعنى: (انتهوا الانتهاء الذي هو خير لكم) (٥)، فتعين القولُ بأن يكون المقدرُ فعلًا مضمرًا (٦). هذا، وقد أجاز ابنُ مالك إضمارَ (كان) الناقصةِ وإن لم تكن بعد (إنْ) و (لَوْ)، وذلك على قلة، بقوله: "وربما أُضمرت الناقصة بعد (لدن) وشبهِها" (٧)، فمثالُ إضمارها بعد (لدُن): قولُ الشاعر (٨): مِنْ لَدُ شَوْلًا فَإِلَى إتِلَائِها (٩)

стр. 58

والتقديرُ: من لدُ أن كانت شولًا فإلى إتلائها. ومثالُ إضمار (كان) بعد شبهِ (لدن): قولُ الراعي (١): أَزْمَانَ قَوْمِي وَالْجَمَاعَةُ كَالَّذِي ... منعَ الرِّحَالَةَ أَنْ تَمِيلَ مَمِيلَا (٢) والتقدير: أزمانَ كان قومي والجماعةُ. وأما كونُها منصوبة على الحال، فهذا الذي رجَّحه القاضي عياض (٣)، وقال النووي: (إنه الصحيح الذي اختاره المحققون) (٤)؛ لأنه حين قال: (يا ليتني فيها جذعًا) كان قد أسَنَّ وعمِي، ويصبح التقدير: في هذا الحال شبيبةً وصحةً وقوةً لنُصرتك (٥). وأما كونُ (جذعًا) خبرًا لـ (ليت) العاملةِ عملَ (تمنَّيت) الناصبةِ للجزأين، فقولٌ منسوب لبعض الكوفيين، وحكى ابنُ السِّيدِ: أن ذلك لغةٌ لقوم من العرب دون تحديد (٦)، كما سُمع: (لعل زيدًا أخانا) (٧). ويرى الفراءُ جوازَ نصب الجزأين بـ (ليت) خاصة (٨)، تشبيهًا لها بفعل التمني، فقولُك: (ليت زيدًا قائمًا)، مثل (تمنيتُ زيدًا قائمًا)، وكأنه لَمَح فيه معنَى الفعلِ الذي ناب الحرفُ عنه (٩)، ومن ذلك قولُ الراجز (١٠): يا ليت أيامَ الصِّبا رواجعَا (١١)

стр. 59

ومن خلال دراسة المسألة السابقة، يتبيَّنُ أنَّ ابنَ الملقن ذكر الأوجُه الإعرابيةَ لـ (جذعًا) كما وردت عند شراح الحديث قبلَه، وعند أهل الصناعة، مع عزوِ هذه الآراء إلى أصحابها، وذلك يدلُّ على سَعة اطلاعِ ابن الملقن ومنزلتِه العلمية.

стр. 60

مسألة حذف المضاف إليه وترك المضاف على هيئته قبل الحذف في قوله ﵇: " ... فأُوحي إليَّ أنكم تُفتَنون في قبوركم مثلَ أو قريبَ -لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماءُ- مِن فتنةِ المسيحِ الدجال ... " (١). قال ابن الملقن: "وقوله: (مثلَ أو قريبَ) كذا في كثير من نُسَخ البخاري. قال القاضي: وكذا رويناه عن الأكثر في الموطأ، ورويناه عن بعضهم: (مثلًا أو قريبًا)، ولبعضهم: (مثلَ أو قريبًا)، وهو الوجهُ، وقال ابنُ مالك: يُروى في البخاري (أو قريبَ) بغير تنوينٍ، والمشهورُ (أو قريبًا)، ووجهُه أن يكون أصلُه: (مثلَ فتنةِ الدجالِ أو قريبًا من فتنة الدجال)، فحُذف ما كان مثلُ مضافًا إليه، وتُرك على هيئته قبل الحذف، وجاز الحذفُ لدلالة ما بعده، والمعتادُ في صحة هذا الحذف أن يكون مع إضافتين؛ كقول الشاعر: أمامُ وخلفُ المرءِ مِن لُطفِ ربِّه ... كوالئُ تَزوي عنه ما هو يَحذَرُ وجاء أيضًا في إضافةٍ واحدةٍ؛ كما هو في الحديث. وأما روايةُ (قريبَ) بغير تنوين فأراد (مثلَ فتنة الدجال، أو قريبَ الشبه من فتنة الدجال)، فحُذف المضاف إليه، وبقِي "قريب" على هيئته، وهذا الحذف في المتأخِّر لدلالة المتقدِّم عليه قليلٌ، مثل قراءة ابن مُحَيْصن: ﴿فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ (٢)؛ أي: لا خوفُ شيءٍ، وكقول الشاعر: أقولُ لَمَّا جاءني فَخْرُه ... سُبحانَ مِن علقمةَ الفاخِر أراد: سبحان الله، فحذفَ المضافَ إليه، وترك المضافَ بحاله. يقولُ الشاعرُ: العجبُ منه إذ يفخرُ" (٣). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن للفظِ (مثل - قريب) في هذا الحديث رواياتٍ ثلاثًا:

стр. 61

أحدُها: (مثلَ أو قريبَ) بغير تنوين (١). ثانيها: (مثلًا أو قريبًا) بالتنوين (٢). ثالثُها: (مثلَ أو قريبًا) بغير تنوين لـ (مثل)، وبالتنوين لـ (قريب) (٣). فتوجيهُ الرواية الأولى (مثلَ أو قريبَ): مثلَ فتنة المسيح الدجال، أو قريبَ الشبهِ من فتنة المسيح الدجال، فحُذف المضاف إليه "الشبه" وبقِي المضافُ على حاله قبل حذف المضاف إليه (٤). ووُجهت توجيهًا آخرَ؛ وهو أن (قريبَ) مضافٌ إلى فتنة أيضًا، وأُقحم حرفُ الجر بين المتضايِفَين (٥). والذي يظهرُ أن التوجيه الأولَ لهذه الرواية أقوى؛ وهو توجيه ابن مالك؛ لأن المعهودَ في الفصل بين المتضايِفَين أن يكون من مواضعِ زيادة (اللام) وليس (من)؛ إذ هو ليس من المواضعِ التي تُزاد فيها (٦). أما الروايةُ الثانية (مثلًا أو قريبًا) فتوجيهُها: تُفتنون في قبوركم فتنةً مثلًا -أي: مماثلًا- فتنةَ المسيح الدجال أو فتنةً قريبًا من فتنة المسيح الدجال، فـ (مثلًا) منصوب على أنه صفةٌ لمصدر محذوف، و (قريبًا) معطوف عليها (٧). وأما روايةُ (مثلَ أو قريبًا) فتوجيهُها: فأوحي إليَّ أنكم تُفتنون في قبوركم مثلَ فتنةِ الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال، فحُذف ما أضيف إلى (مثل)؛ وهو "فتنة الدجال"، وتُرك المضافُ على هيئته قبل الحذف (٨)، وهي الوجهُ كما يرى ابن الملقن؛ لجواز حذف المضاف إليه لدلالةِ ما بعدَه عليه. ما سبَق هو توجيهٌ لروايات الحديث وتوضيحٌ لما اختاره ابنُ الملقن منها، وبيانُ ذلك فيما

стр. 62

يلي: في رواية (مثلَ أو قريبَ) و (مثلَ أو قريبًا) ذكر ابنُ الملقن مسألةَ حَذْفِ المضافِ إليه؛ لدلالةِ ما بعدَ المحذوف عليه، وهذا جائزٌ عند النحويين، وذلك أنه قد يُحذف المضافُ إليه لظهور معناه ويُنوى لفظُه لقوة الدلالة عليه، ويبقى المضافُ بإعرابه وهيئته التي يَستحقُّها مع بقاء المضاف إليه، فلا يُنون، ولا تُرد إليه النونُ إن كان مثنًّى أو مجموعًا، وأكثرُ ما يكونُ ذلك إذا عُطف على المضاف مضافٌ لِمَا يُماثل المحذوفَ لفظًا ومعنًى (١). قال ابنُ مالك في ألفيته (٢): ويُحذف الثاني فيبقى الأولُ ... كحاله إذا به يتصلُ بشرطِ عطفٍ وإضافةٍ إلى ... مثلِ الذي له أضفتَ الأوَّلا ومن شواهدِ المسألة: ما أورده ابنُ الملقن من قول الشاعر (٣): أمامُ وخلفُ المرءِ من لُطفِ ربِّه ... كوالئُ تَزوي عنه ما هو يَحذَرُ (٤) أي: أمامُ المرء وخلفُ المرء. ومن ذلك قولُ الفرزدق (٥): يا مَن رأى عارضًا أُسَرُّ به ... بين ذراعَيْ وجبهةِ الأسَدِ (٦) أي: بين ذراعَيِ الأسدِ وجبهةِ الأسد. وقد يكونُ الحذفُ مع إضافةٍ واحدة، كما في هذا الحديث، ومنه ما أورده ابنُ الملقن من

стр. 63

قراءة ابن محيصن: ﴿فَلَا خَوْفُ عَلَيهِمْ﴾ (١) أي: لا خوفُ شيءٍ عليهم (٢). وكذلك ما أورده ابنُ الملقن من قول الشاعر (٣): أقولُ لَمَّا جاءني فَخْرُه ... سُبحانَ مِن علقمةَ الفاخِرِ (٤) أراد سبحانَ الله، فحذفَ المضافَ إليه وأبقى المضافَ على الهيئة التي يستحقُّها قبل الحذف. أما حذفُ المضاف إليه مع عطف أو إضافة، فالخلافُ حول المحذوف على قولين كما يلي: ١ - أن المضاف إليه محذوفٌ من الأول، والمعطوفَ مضافٌ إلى الموجود، ويكون التقدير في بيت الفرزدق -مثلًا- بين ذراعي الأسد وجبهة الأسد، وذهب إلى هذا الرأي المبردُ (٥) وابنُ مالك (٦). ٢ - أن المضاف إليه محذوفٌ من الثاني، فالأول مضافٌ إلى الاسم الظاهر، والثاني مضافٌ إلى ضميره، تقديره: بين ذراعي الأسد وجبهتِه، فحُذف الضمير وقُدم المضاف إليه الثاني بين المضاف الأول والمضاف إليه الثاني؛ ليكون المضافُ إليه الظاهرُ عوضًا عن المضاف إليه الثاني (٧)، وهذا مذهبُ سيبويه، وصحَّحه ابنُ هشام (٨).

стр. 64

ويترجحُ من هذين القولين الأول؛ وذلك أننا إذا قدَّرنا مضافًا إلى الظاهر وقدَّرنا الثاني مضافًا إلى ضمير الاسم المتقدم؛ فقد أتينا بالشيء على أصله (١)، ولعدم مخالفته للأصول بأكثرَ مِن حذف متقدمٍ لدلالة متأخِّر عليه.

стр. 65

مسألة وجه الإعراب في قوله: (عليك ليلٌ طويلٌ) بالرفع والنصب في قوله ﵇: " ... عليك ليلٌ طويلٌ فارقُد ... " (١). قال ابن الملقن: "وقوله: (ليلٌ طويلٌ) رفعٌ على الابتداء، أو على الفاعل؛ بإضمار فعل أي: بقِي عليك. وقال القرطبي في رواية مسلم: وروايتُنا الصحيحة: (ليلٌ طويلٌ) على الابتداء والخبر، ووقع في بعض الروايات: (عليك ليلًا طويلًا)، على الإغراء. والأولُ أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكَنُ في الغرور؛ من حيث إنه يُخبره عن طول الليل ثم يأمرُه بالرقاد بقوله: (فارقد)، وإذا نُصب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمرُ بملازمة طول الرقاد، وحينئذ يكون قولُه: (فارقد) ضائعًا" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن روايتين في هذا الحديث للفظ (ليل طويل)؛ أحدُهما بالرفع على الابتداء أو على أنه فاعل لفعل مضمر، وثانيها بالنصب (٣) على الإغراء. أما روايةُ الرفع فيرى القرطبي أنها الروايةُ الصحيحة، واستند في ذلك إلى المعنى؛ لأنه الأمكن في الغرور، فيُجمع للإنسان بين الإخبار بطول الليل ليطمئن ثم يُؤمر بالرقاد (٤)، ولا شك أن هذا من تلبيس إبليس؛ وهو مرادٌ شيطاني بحت. وقد يُقصد بالغرور هنا: إيهامٌ يحمل الإنسانَ على فعل ما يضرُّه، وقيل: إيهامُ حالِ السرور فيما الأمرُ بخلافه في المعلوم، وليس كلُّ إيهام غرورًا؛ لأنه قد يُوهمه مَخُوفًا ليَحذرَ منه فلا يكونُ قد غرَّه (٥). وأما روايةُ النصب فنقل القاضي أن رواية الأكثرين عند مسلم: "عليك ليلًا طويلًا"

стр. 66

بالنصب على الإغراء (١). والذي يظهرُ أن التوجيه من حيث المعنى أَوْلَى؛ فما يُصيب الإنسانَ حالَ نومه ويقظته، يقتضي أن يكونَ هناك تزيينٌ للنوم وإطالة للوقت، فإن كان كذلك، فهذا هو ما تقتضيه الرواية الأولى: "عليك ليلٌ طويلٌ فارقد"؛ لأنها إخبارٌ بطول الليل ومِن ثَمَّ أمرٌ بالرقاد. وأما المعنى في الرواية الثانية: "عليك ليلًا طويلًا"؛ فهو أمر بملازمة الرقاد؛ لأن معنى الإغراء: (الزم واحفظ) (٢).

стр. 67

مسألة حذف المنعوت وإقامة النعت مكانَه في قوله ﵇: " ... ثم يُضرَب بمِطرقة من حديدٍ ضربةً بين أذنَيْه ... " (١). قال ابن الملقن: "وقوله: (ثم يُضرَب بمطرقة من حديد ضربةً)، وفي رواية: (بمطارقَ من حديد)، وفي أخرى: (ضربةً مِن حديدٍ) أي: من رجلٍ حديد، فحذفَ الموصوفَ وأقامَ الصفة مُقامَه، قال أبو الحسن: معناه: من حَنِقٍ شديدِ الغضبِ" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن رواياتٍ ثلاثًا لهذا الحديث؛ أحدُها: بإفراد مطرقة (٣)، وثانيها بجمعها (٤)، وروايةٌ ثالثة (ضربة من حديد) (٥) وتوجيهُها: يُضرب بمطرقة ضربةً من رجل حديد، ومعنى ذلك كما قال أبو الحسن: من رجل حنق شديد الغضب، (٦) فحُذف الموصوف وهو (رجل) وأُقيمت الصفة مكانَه. وبيانُ المسألة: أن حذف النعت أو المنعوت جائزٌ عند النحويين (٧)، قال ابنُ مالك:

стр. 68

والنعتُ والمنعوتُ ربما حُذِفْ ... ما منهما يُعلمُ حين ينحذفْ (١) وقال في ألفيته: وما من المنعوتِ والنعتِ عُقِلْ ... يجوزُ حذفُه، وفي النعت يقِلْ (٢) ويدل ذلك على أن المنعوت يكثُر حذفه بشرطِ أن يُعلمَ جنسُه، وأن يكون صالحًا لمباشرة العمل، كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ (٣) أي: دروعًا سابغاتٍ، أو أن يكون المنعوتُ بعضَ اسمٍ مخفوض بـ (من) أو (في) (٤). كقول الراجز (٥): لو قلتَ: ما في قومِها لم تِيثَمِ ... يَفضُلُها في حسبٍ ومِيسَمِ (٦) أي: ما في قومها أحدٌ يفضلُها. وإذا لم يكن النعتُ صالحًا لمباشرة العمل، أو كان المنعوتُ ليس بعضَ اسم مخفوض؛ امتنع حذفُ المنعوت -غالبًا- إلا في الشعر ضرورة، ومنه قولُ الشاعر (٧): كأنكَ مِن جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ ... يُقعقَعُ بين رِجْلَيْه بِشَنِّ (٨) أي: كأنك جملٌ مِن جمالٍ. وأما النعتُ فحذفُه قليل، ومثالُ ذلك كما في قوله تعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (٩) أي: صالحةٍ. وبعد بيان أقوالِ النحاة السابقة في حذف النعت والمنعوت، ودراسةِ توجيه الحديث؛ حيث

стр. 69

حُذف المنعوت، تبيَّن أن حذفَ المنعوت في هذا الحديث جائزٌ؛ لكون المنعوت معلومَ الجنس، والنعتُ صالحٌ لمباشرة العمل.

стр. 70

مسألة إضافة العدد المركَّب إلى تمييزِه في قول عائشة ﵂ في حديث أمِّ زَرْع: " ... جلس إحدى عشرةَ امرأةً ... " (١). قال ابن الملقن: "قولها: (جلس) كذا في الأصول، ووقع في مسلم بنون، وهنا: (امرأة)، وفي أخرى: (نسوة)، وللنسائي: (اجتمعن)، ولأبي عبيد: (اجتمعت)، بالتاء. قال ابنُ التين: وقوله: (جلَس إحدى عشرة امرأة)، أي: جَمْعٌ، مثل: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ (٢)، قال عياض: والأحسنُ في الكلام حذفُ علامة التأنيث ونونِ الجماعة. وباب العدد في العربية: أن ما بين الثلاثة إلى العشرة مضافٌ إلى جنسه، ومن أحدَ عشرَ إلى تسعةٍ وتسعين مميزٌ بواحد يدلُّ على جنسه، وما بعد هذا مضافٌ إلى واحد من جنسه، وقد جاء هنا: النسوة -وهو جنسٌ- بعد إحدى عشرة، وهو خارجٌ عن وجه الكلام، ولا يصحُّ نصبُه على التفسير؛ إذ لا تفسير في العدد إلا بواحد، ولا يصلحُ إضافةُ العدد الذي قبله إليه، ووجهُ نصبه عندي على إضمارِ: أعني، أو يكونُ مرفوعًا بدلًا من (إحدى عشرة)، وهو الأظهرُ، وعلى هذا أعربوا قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (٣)، الأسباط بدل من (اثنتي عشرة)، وليس بتفسيرٍ فيما قاله الفارسيُّ وغيرُه. وقولها: (جلس إحدى عشرة)، قال النحويون: يجوزُ (جلست)، كما تقول في واحد: جلست امرأةٌ، ولو قلتَ: (قام الرجالُ) جاز، ويجوزُ: قامت، بتقديرِ: قامت جماعةُ الرجال، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ (٤) " (٥). بيان المسألة: ذكر ابنُ الملقن رواياتٍ للحديث (٦)، ثم أورد تخريجًا لرواية (جلس إحدى عشرة نسوة)،

стр. 71

وبين أنه لا يصحُّ النصبُ على التمييز؛ لكونِ (نسوة) جمعًا، والعددُ (إحدى عشرة) لا يُميز إلا بمفرد، وإنما يصحُّ النصبُ على إضمار (أعني)، أو الرفعُ بدلًا من الفاعل (إحدى عشرة). ثم ذكر رأيَ النحويين في حكم حذف علامة التأنيث ونونِ الجماعة، وقال: إن الأحسنَ في الكلام حذفُهما (١)، وذلك في مثل: جلس إحدى عشرة امرأة. وبيان ذلك فيما يلي: أما رواية (نسوة) فدراستُها ضمن باب العدد وتمييزه، حيث ذكر النحويون أن العدد (٣ - ١٠) ما بعده مضافٌ لجنسه مجموع، والعدد (١١ - ٩٩) يُميَّز بواحد يدل على جنسه، والعدد (١٠٠ - ١٠٠٠) ما بعده مضاف لجنسه مفرد (٢). و(نسوة) اسمُ جمع، جاء بعد عددٍ تمييزُه مفرد، فلا يصلحُ إضافةُ العدد الذي قبله إليه، إذ لا تمييز للعدد (١١) إلا بواحد، وهذا كما قال ابنُ الملقن خارجٌ عن وجه الكلام، فنصبُ (نسوة) يكونُ على إضمارِ (أعني)، ورفعُها يكونُ على البدلية من الفاعل (إحدى عشرة)، وهو الأظهرُ؛ لئلا يُحتاج إلى تقدير. فبهذين التخريجين استقامت روايةُ الحديث، وقد تُعرب (نسوة) تمييزًا، باعتبار الأصل، وإلا فهي جمعٌ في الدلالة. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (٣)؛ إذ أعربوا (أسباطًا) بدلا من (اثنتي عشرة)، لكونها جمعًا بعد عدد تمييزُه مفرد (٤)، وأعربت (أسباطا) صفةً لموصوف محذوف تقديره (فرقة أسباطًا) (٥)، وأعربت كذلك تمييزًا؛ لأنه مفرد تأويلًا، كما قال ذلك

стр. 72

الفارسي، والزمخشري وغيرهما (١). وأما مسألةُ حذف علامة التأنيث ونونِ الجماعة في مثل (جلَس إحدى عشرة امرأة) و (جلست إحدى عشرة نسوة) و (جلسْنَ إحدى عشرة امرأة)؛ فهذا جائز عند النحويين، قال ابنُ مالك في ألفيته (٢): والحذفُ قد يأتي بلا فَصْلٍ ومَعْ ... ضميرِ ذي المجازِ في شعرٍ وَقَعْ والتاءُ مع جمعٍ سوى السالمِ مِنْ ... مذكرٍ كالتاء مع إحدى اللَّبِنْ ومما سبق يتضحُ جوازُ أن يقال: (جلس إحدى عشرة امرأة / نسوة، وجلسن إحدى عشرة امرأة / نسوة، واجتمعت إحدى عشرة امرأة / نسوة، واجتمعن إحدى عشرة امرأة / نسوة)، أما (امرأة) فالتأنيثُ فيها حقيقي والحذفُ معها على قلة، ومن ذلك ما سُمع عن العرب: قال فلانةُ (٣)، ومنه قولُ لبيد (٤): تمنَّى ابْنَتايَ أن يعيشَ أبوهُما ... وهل أنا إلا مِن ربيعةَ أو مُضَرْ (٥) فحُذفت علامة التأنيث بلا فصل ومع مؤنث حقيقي، (والحذف قد يأتي بلا فصل) أي: مع المؤنث الحقيقي، ولا خلاف في أن المثنى كالواحد (٦). وأما (نسوة) فهي اسم الجمع، ويجوزُ حذفُ علامة التأنيث معها (والتاء مع جمع سوى السالم)، بخلافِ جمع المذكر السالم؛ فلا يعتبر التأنيث فيه؛ لأن سلامة النظم تدل على التذكير (٧). وما مثَّل به ابنُ الملقن؛ نحو: (قام الرجال)، و (قامت الرجال)، وقوله تعالى: ﴿قَالَتِ

стр. 73

الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ (١)، فـ (الرجال) و (الأعراب) جمعَا تكسيرٍ، ويجوزُ معه حذفُ علامة التأنيث وبقاؤها.

стр. 74

مسألة ضبط (أمَّا بَعْدُ) بين الإعراب والبناء في قوله ﵇: " ... أما بَعْدُ ... " (١). قال ابن الملقن: "في ضبطها أربعة أوجه: ضم الدال، وتنوينها، ونصبها، وتنوينها" (٢). بيان المسألة: كلمة (أما بعد) تُقال بعد الثناء، وهي من فصيح الكلام، وتُسمى فصلَ الخطاب، إذ تفصلُ بين الثناء على الله وبين ابتداء الخبر، وبها إشعارٌ بأن الأمور كلَّها -وإن جلت وعظمت- فهي تابعةٌ لحمد الله والثناء عليه (٣)، وتعني: مهما يكُن من شيء (٤)، أي: يكُن الثناءُ أولًا، وجميع المهمات تبعٌ له من أمور الدين والدنيا. وقد يُفصل بـ (وبعد) فهي كالسابقة، فالواو تنوب عن (أما)، وهي نائبة عن (مهما)، ولذا لزِمت الفاءُ بعدها، فقد ألغز أحدُهم: وما واوٌ لها شرطٌ يليهِ ... جوابٌ قرنُه بالفاءِ حَتْمَا وأجاب بعضُهم: هي الواو التي قُرِنت ببَعْدٍ ... وأمَّا أصلُها والأصْلُ مهما (٥) ذكر ابن الملقن أربعةَ أوجُه لضبط دالِ (أما بعد)؛ بضمها، وتنوينها، ونصبها، وتنوينها. وبيان ذلك فيما يلي: (بعد) عند النحويين من الظروف الملازمة للإضافة، ويُضبط آخرها بأحد حالتين: إما

стр. 75

الإعرابُ وإما البناءُ (١). قال ابن مالك: واضمُم بناءً غَيْرًا ان عَدِمْتَ ما ... له أُضِيفَ ناويًا ما عُدِمَا قبلُ كغَيْرُ بعدُ حَسْبُ أوَّلُ ... ودُونُ والجهاتُ أيضًا وعَلُ وأعرَبوا نصبًا إذا ما نُكِّرَا ... قبلًا وما مِن بعدِه قد ذُكِرا (٢) فتُعرب نصبًا على الظرفية بلا تنوين، إذا لم يُحذف المضاف إليه، أو إذا حذف ونُوي لفظُه. فمثالُ الأول: قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ (٣)، والآخرُ في مثل قول الشاعر (في رواية النصب): أمامَ وخلفَ المرءِ من لُطفِ ربه ... كوالئُ تزوي عنه ما هو يَحذَرُ (٤) وتُعرب بالنصب والتنوين إذا حُذف ولم يُنو شيءٌ، قال الشاعر (٥): ونحنُ قتلنا الأزدَ أزدَ شَنُوءةٍ ... فما شرِبوا بَعدًا على لذةٍ خَمْرَا (٦) أما إذا حُذف المضاف إليه ونُوي معناه فتُبنى على الضم، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٧)، وسببُ بنائها افتقارُها إلى المضاف إليه معنًى كافتقار الحروف. وأجاز الفراء (أما بعدٌ) بالتنوين، وأنشد: ونحنُ قتلنا الأزدَ أزدَ شنوءة ... فما شربوا بعدٌ على لذةٍ خَمرَا وقال النحاسُ: والذي أجازه الفراءُ لا حجة فيه؛ لأنه مستقيمٌ في الوزن بلا تنوين (٨).
следующие страницы →