← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36113

المسائل النحوية في كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح

داود بن سليمان الهويمل

Полный текст (285 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وبين أنه لا يصحُّ النصبُ على التمييز؛ لكونِ (نسوة) جمعًا، والعددُ (إحدى عشرة) لا يُميز إلا بمفرد، وإنما يصحُّ النصبُ على إضمار (أعني)، أو الرفعُ بدلًا من الفاعل (إحدى عشرة). ثم ذكر رأيَ النحويين في حكم حذف علامة التأنيث ونونِ الجماعة، وقال: إن الأحسنَ في الكلام حذفُهما (١)، وذلك في مثل: جلس إحدى عشرة امرأة. وبيان ذلك فيما يلي: أما رواية (نسوة) فدراستُها ضمن باب العدد وتمييزه، حيث ذكر النحويون أن العدد (٣ - ١٠) ما بعده مضافٌ لجنسه مجموع، والعدد (١١ - ٩٩) يُميَّز بواحد يدل على جنسه، والعدد (١٠٠ - ١٠٠٠) ما بعده مضاف لجنسه مفرد (٢). و(نسوة) اسمُ جمع، جاء بعد عددٍ تمييزُه مفرد، فلا يصلحُ إضافةُ العدد الذي قبله إليه، إذ لا تمييز للعدد (١١) إلا بواحد، وهذا كما قال ابنُ الملقن خارجٌ عن وجه الكلام، فنصبُ (نسوة) يكونُ على إضمارِ (أعني)، ورفعُها يكونُ على البدلية من الفاعل (إحدى عشرة)، وهو الأظهرُ؛ لئلا يُحتاج إلى تقدير. فبهذين التخريجين استقامت روايةُ الحديث، وقد تُعرب (نسوة) تمييزًا، باعتبار الأصل، وإلا فهي جمعٌ في الدلالة. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (٣)؛ إذ أعربوا (أسباطًا) بدلا من (اثنتي عشرة)، لكونها جمعًا بعد عدد تمييزُه مفرد (٤)، وأعربت (أسباطا) صفةً لموصوف محذوف تقديره (فرقة أسباطًا) (٥)، وأعربت كذلك تمييزًا؛ لأنه مفرد تأويلًا، كما قال ذلك

стр. 72

الفارسي، والزمخشري وغيرهما (١). وأما مسألةُ حذف علامة التأنيث ونونِ الجماعة في مثل (جلَس إحدى عشرة امرأة) و (جلست إحدى عشرة نسوة) و (جلسْنَ إحدى عشرة امرأة)؛ فهذا جائز عند النحويين، قال ابنُ مالك في ألفيته (٢): والحذفُ قد يأتي بلا فَصْلٍ ومَعْ ... ضميرِ ذي المجازِ في شعرٍ وَقَعْ والتاءُ مع جمعٍ سوى السالمِ مِنْ ... مذكرٍ كالتاء مع إحدى اللَّبِنْ ومما سبق يتضحُ جوازُ أن يقال: (جلس إحدى عشرة امرأة / نسوة، وجلسن إحدى عشرة امرأة / نسوة، واجتمعت إحدى عشرة امرأة / نسوة، واجتمعن إحدى عشرة امرأة / نسوة)، أما (امرأة) فالتأنيثُ فيها حقيقي والحذفُ معها على قلة، ومن ذلك ما سُمع عن العرب: قال فلانةُ (٣)، ومنه قولُ لبيد (٤): تمنَّى ابْنَتايَ أن يعيشَ أبوهُما ... وهل أنا إلا مِن ربيعةَ أو مُضَرْ (٥) فحُذفت علامة التأنيث بلا فصل ومع مؤنث حقيقي، (والحذف قد يأتي بلا فصل) أي: مع المؤنث الحقيقي، ولا خلاف في أن المثنى كالواحد (٦). وأما (نسوة) فهي اسم الجمع، ويجوزُ حذفُ علامة التأنيث معها (والتاء مع جمع سوى السالم)، بخلافِ جمع المذكر السالم؛ فلا يعتبر التأنيث فيه؛ لأن سلامة النظم تدل على التذكير (٧). وما مثَّل به ابنُ الملقن؛ نحو: (قام الرجال)، و (قامت الرجال)، وقوله تعالى: ﴿قَالَتِ

стр. 73

الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ (١)، فـ (الرجال) و (الأعراب) جمعَا تكسيرٍ، ويجوزُ معه حذفُ علامة التأنيث وبقاؤها.

стр. 74

مسألة ضبط (أمَّا بَعْدُ) بين الإعراب والبناء في قوله ﵇: " ... أما بَعْدُ ... " (١). قال ابن الملقن: "في ضبطها أربعة أوجه: ضم الدال، وتنوينها، ونصبها، وتنوينها" (٢). بيان المسألة: كلمة (أما بعد) تُقال بعد الثناء، وهي من فصيح الكلام، وتُسمى فصلَ الخطاب، إذ تفصلُ بين الثناء على الله وبين ابتداء الخبر، وبها إشعارٌ بأن الأمور كلَّها -وإن جلت وعظمت- فهي تابعةٌ لحمد الله والثناء عليه (٣)، وتعني: مهما يكُن من شيء (٤)، أي: يكُن الثناءُ أولًا، وجميع المهمات تبعٌ له من أمور الدين والدنيا. وقد يُفصل بـ (وبعد) فهي كالسابقة، فالواو تنوب عن (أما)، وهي نائبة عن (مهما)، ولذا لزِمت الفاءُ بعدها، فقد ألغز أحدُهم: وما واوٌ لها شرطٌ يليهِ ... جوابٌ قرنُه بالفاءِ حَتْمَا وأجاب بعضُهم: هي الواو التي قُرِنت ببَعْدٍ ... وأمَّا أصلُها والأصْلُ مهما (٥) ذكر ابن الملقن أربعةَ أوجُه لضبط دالِ (أما بعد)؛ بضمها، وتنوينها، ونصبها، وتنوينها. وبيان ذلك فيما يلي: (بعد) عند النحويين من الظروف الملازمة للإضافة، ويُضبط آخرها بأحد حالتين: إما

стр. 75

الإعرابُ وإما البناءُ (١). قال ابن مالك: واضمُم بناءً غَيْرًا ان عَدِمْتَ ما ... له أُضِيفَ ناويًا ما عُدِمَا قبلُ كغَيْرُ بعدُ حَسْبُ أوَّلُ ... ودُونُ والجهاتُ أيضًا وعَلُ وأعرَبوا نصبًا إذا ما نُكِّرَا ... قبلًا وما مِن بعدِه قد ذُكِرا (٢) فتُعرب نصبًا على الظرفية بلا تنوين، إذا لم يُحذف المضاف إليه، أو إذا حذف ونُوي لفظُه. فمثالُ الأول: قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ (٣)، والآخرُ في مثل قول الشاعر (في رواية النصب): أمامَ وخلفَ المرءِ من لُطفِ ربه ... كوالئُ تزوي عنه ما هو يَحذَرُ (٤) وتُعرب بالنصب والتنوين إذا حُذف ولم يُنو شيءٌ، قال الشاعر (٥): ونحنُ قتلنا الأزدَ أزدَ شَنُوءةٍ ... فما شرِبوا بَعدًا على لذةٍ خَمْرَا (٦) أما إذا حُذف المضاف إليه ونُوي معناه فتُبنى على الضم، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٧)، وسببُ بنائها افتقارُها إلى المضاف إليه معنًى كافتقار الحروف. وأجاز الفراء (أما بعدٌ) بالتنوين، وأنشد: ونحنُ قتلنا الأزدَ أزدَ شنوءة ... فما شربوا بعدٌ على لذةٍ خَمرَا وقال النحاسُ: والذي أجازه الفراءُ لا حجة فيه؛ لأنه مستقيمٌ في الوزن بلا تنوين (٨).

стр. 76

هذه هي الأوجُه الإعرابيةُ لـ (أما بعد) عند النحاة، وذكرها ابنُ الملقن كما هي مقررةٌ عندهم.

стр. 77

مسألة علة منع (مَثْنَى) من الصَّرْف في قوله ﵇: " ... صلاةُ الليل مَثْنى مَثْنى ... " (١). قال ابن الملقن: "معنى (مثنى مثنى): اثنين اثنين؛ يريد: ركعتين ركعتين بتسليمٍ في آخِر كل ركعتين، و (مثنى) معدولٌ عن: اثنين اثنين؛ فهي لا تنصرفُ للعدل المكرَّر، وكأنها عُدلت مرتين؛ مرة عن صيغة اثنين، ومرة عن تكرُّرِها، وهي نكرةٌ تُعرَّف بلام التعريف، تقولُ: المَثْنَى، وكذا ثُلاثُ ورُباعُ، وقيل: إنما لم تنصرف للعدل والوَصْف، تقول: مررتُ بقومٍ مَثْنَى. أي: مررت بقوم اثنين اثنين، وموضعُها رفعٌ؛ لأنها خبر المبتدأ الذي هو قولُه: "صلاةُ الليل"، وفي رواية عن ابن عمر سُئل: ما مثنى مثنى؟ قال: يُسلِّم في كل ركعتين" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن علةَ منعِ (مثنى) من الصرف، وذلك للعَدْل المكرر، أو العدل والوصف، وللنحاة مذاهبُ عدةٌ حول منع (مثنى) من الصرف. وبيان ذلك فيما يلي: المذاهبُ المنقولة في علة منعِ (مَثْنَى) من الصرف أربعةٌ: المذهب الأول: ما نقل عن الخليل، وهو أن (مثنى) مُنعت من الصرف للعَدْل من: اثنين اثنين، وللوَصْف؛ لأن هذه الألفاظ لم تستعمل إلا نكراتٍ (٣)، ففي الحديث السابق " ... صلاة الليل مثنى مثنى ... "؛ تُعرب (مثنى) الأولى خبرًا لـ (صلاة الليل)، والثانيةُ توكيد. وأُورِدَ عليه بأن الوصفية في أسماء العدد عارضةٌ؛ وهي لا تمنعُ من الصرف، ويُجاب بأن هذا التركيب لم يُوضع إلا وصفًا، ولم يستعمل إلا مع اعتبار الوصف فيه، ووضعُ المعدول غيرُ

стр. 78

وضع المعدول عنه (١). المذهب الثاني: ما نُقل عن الزجَّاج، وهو أن (مثنى) مُنعت من الصرف للعدل عن: اثنتين اثنتين، وللعدلِ عن التأنيث، وقال: لا أعلم أن أحدًا من النحويين ذكرهما (٢). وأُخِذ عليه بأنَّ في ذلك ادعاءَ عدلين في اسمٍ واحد؛ وهذا لا يجوزُ؛ وذلك لأن العدل هو أن تلفِظَ بالكلمة وتريدَ بها كلمةً على لفظ آخَرَ، فمثلًا (عُمَر) عُدلت عن عامرٍ، وبكِلَا اللفظين تريد عامرًا، فلو كان ثَمَّ عدلٌ في المعنى للزِم أن يكونَ المعنى في حال العدل غيرَ المعنى الذي كان قبل العدل، وليس هذا هو المرادَ؛ لأن المعنى في الأسماء المعدولِ عنها هو المعنى نفسُه في الأسماء المعدولة، فكيف يجوزُ أن تكون معدولةً عنها؟ (٣) المذهب الثالث: ما نقله الأخفشُ عن بعض النحويين (٤)؛ وهو أن (مثنى) مُنعت من الصرف للعدل عن اثنين، وللعدلِ في المعنى، وذلك أن العدل جُعل بيانًا لترتيب الفعل؛ فمثلًا: (جاءني القوم مثنى)، أي أن مجيئَهم اثنين اثنين، بخلافِ أسماء العدد غيرِ المعدولة فيُقصد بها مقدارُ المعدودين، فتقول: (جاء اثنانِ وثلاثةٌ وأربعةٌ). ومما سبق يتبيَّن اختلافُ المعنى بين الأسماء المعدولة وغيرِ المعدولة، وبذلك أجاز أبو حيانَ أن تقوم العلةُ مقامَ العلتين؛ لإيجابها معنيَين مختلفَين (٥). المذهب الرابع: ما نُقل عن الفرَّاء (٦) أن (مثنى) منعت من الصرف للعدل والتعريفِ بنيَّةِ الألف واللام، ولذلك لم تُضَف؛ لأنها على نية الألف واللام، أو امتنعت من الألف واللام لأنَّ فيها تأويلَ الإضافة، فلو قلت: (ادخلوا ثلاثًا ثلاثًا)، فكأنك قلتَ: ثلاثَ رجالٍ ثلاثَ رجالٍ. ويرى الفراءُ جوازَ صرفِها (٧)، وليس بوجه، إذ الموضوعُ على الوصفية كأحمر يؤثرُ فيه

стр. 79

الوصفُ وإن لم يَتبعِ الموصوفَ (١). أما الزمخشري (٢) فيرى أن (مثنى) مُنعت من الصرف للعدل عن صيغتِها وعن تكريرِها، وهي نكرات يجوز تُعرَّف بلام التعريف، فتقول مثلًا: (فلان يَنكِحُ المَثْنَى)، وهذا رأيٌ لم يذهبْ إليه أحدٌ كما وصفه أبو حيان. واعتُرض عليه بأن (مثنى) لا تستعملُ في لسان العرب إلا نكراتٍ، وبأنَّ هذه الألفاظ -حسَبَ مثالِه- ولِيَت العواملَ، وحقُّها ألا تباشرَها (٣). وقال السمين الحلبي: وقد يُقال إنه المذهبُ الرابع، وعُدل عن العدل في المعنى بعدلِهما عن تكرارِها (٤). وذهب الأعلَمُ (٥) أن (مثنى) لم تمنعْ من الصرف للعدل، وإنما لبُعدِها عن أصلها؛ من جهتين: ١ - عدمِ استعمال مؤنثٍ له بالهاء فضارعت (أحمرَ)، ٢ - وأنها عُدلت عن أصلها. وقيل: إن (مثنى) منعت من الصرف للعدل والجمع؛ لأنَّ لفظها يقتضي التكرارَ فصار في معنى الجمع، وقيل: مُنعت (مثنى) من الصرف للعدل من غير جهة العدل؛ لأن المعروف في باب العدل أن يكون في المعارف، وهذا عدل في النكرات (٦). هذه مجملُ الأقوال عن منع (مثنى) من الصرف -حسَبَما قرأتُ- غير أن ابنَ الملقن لم يقف إلا عند رأي الزمخشري، ومذهبِ سيبويه. والذي يترجحُ هو مذهبُ سيبويه كما قرره أبو حيان بقوله: " ... ويتحتمُ منعُ صرفها لهذا العدل والوصف ... " (٧)، ولِمَا ذكره من أسباب.

стр. 80

مسألة ورود (فِعَلاء) وصفًا في قول ابن عمرَ ﵁: " ... أن عمرَ بنَ الخطاب رأى حلة سِيَراء عند باب المسجد ... " (١). قال ابن الملقن: "قوله: (حلة سِيَراء)؛ قال صاحبُ (المطالع): (حلةَ سيراءَ) على الإضافة، ضبطناه عن ابن سراج ومُتقني شيوخنا، وقد رواه بعضُهم بالتنوين على الصفة ... قال صاحبُ (المطالع): وأنكره أبو مروان. قال سيبويه: لم يأت فِعَلاءُ صفةً، لكنِ اسمًا، وزعم بعضُهم أنه بدلٌ لا صفة" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن الأوجُه الإعرابية لـ (حلة سِيَراء) وبيَّن أن أحدَ هذه الأوجُه مخالفٌ للقاعدة النحوية، وبيانُ ذلك فيما يلي: أنكر أبو مروان بن السراج (٣) روايةَ التنوين على الصفة (٤)؛ وذكر أن سيبويه قال: ولا نعلمُ أن فِعَلاء جاء وصفًا (٥)، فـ (فِعَلاء) عند سيبويه لا يكونُ إلا في الاسم مع قلته في الكلام، وهو وزنٌ مستقلٌّ عن غيره، لكن يرى الفراءُ أن (سِيَراء) في الأصل فُعَلاء فكُسِر لأجل الياء، كما في (بِيَيْت) تصغير بيت، وأصله (بُيَيْت). وقال السيرافي: الذي قاله ليس ببعيد؛ لأنا لم نرَ اسمًا على فِعَلاء إلا (العِنباء) و (السِيراء) و (الحِولاء) بمعنى الحُولاء بضم الحاء (٦). وقال الرضي: ذكر ابنُ الحاجب (فُعلاء) مثل: قُوباء وخُيلاء، فجمع في المثالين بين الواو

стр. 81

المضمومِ ما قبلها (قُوباء)، والياء المضمومِ ما قبلها (خُيلاء)؛ لأن الياء المضمومَ ما قبلها في حكم الواو المضمومِ ما قبلها في وجوب قلبِ الضمةِ معها كسرةً، فتصبح (قِوباء) و (خِيلاء، وكذلك (سُيراء) إلى (سِيراء) (١). وذكر الصرفيون أن (خُيلاء) تأتي على (خِيلاء) (٢). وفُعلاء يأتي منه الصفةُ كثيرًا إذا كُسِّر عليه الواحدُ في الجمع (٣). وبهذا الرأي يمكنُ تخريج هذه الرواية، حيث قال القرطبي إنها الرواية (٤). وقد تُعرب (سيراء) بدلًا أو عطفَ بيان أو تمييزًا (٥)، وكل ذلك جائزٌ لا يخالفُ قاعدة نحوية.

стр. 82

مسألة وجه الإعراب في (والوضوء أيضًا) بالرفع والنصب في قول عمر بن الخطاب ﵁: " ... فقال: والوضوءُ أيضًا، وقد علمتَ أن رسول الله ﷺ كان يأمرُ بالغُسل؟ " (١). قال ابن الملقن: "وقوله: (والوضوء أيضًا؟ ) كذا هو بإثبات الواو، ورُوي بحذفها، والأولُ يفيدُ العطفَ على الإنكار الأول ... وقال القرطبي: الواو عوضٌ من همزة الاستفهام؛ كما قرأ ابن كثير ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وآمَنتُم بِهِ﴾ (٢) ... وأما مع حذف الواو فيكونُ -إن صحَّت الرواية- إما لأنه مبتدأ وخبرُه محذوف، التقديرُ: الوضوء عذرُك أو كفايتُك في هذا المقام؟ أو لأنه خبرُ مبتدأ محذوف، التقديرُ: عذرك وكفايتُك الوضوءُ؟ ويجوز في (الوضوء) الرفعُ على أنه مبتدأ وخبرُه محذوف، التقديرُ: الوضوءُ تقتصرُ عليه؟ ويجوزُ أن يكون منصوبًا بإضمار فعل، التقديرُ: فعلتَ الوضوءَ وحده؟ أو توضأتَ؟ " (٣). بيان المسألة: ذكر ابنُ الملقن روايتين لقول عمرَ بن الخطاب ﵁ وخرَّج كلَّ رواية على حدة، وبيانُ ذلك فيما يلي: يرى ابنُ الملقن صحة رواية إثباتِ الواو في (والوضوء ... ؟ ) لكون هذه الواوِ عاطفةً على الجملة التي قبلها (أية ساعة هذه؟ )، غير أنه شكَّ في صحة رواية حذفِ الواو بقوله: إنْ صحَّت الرواية. وهذه الرواية مذكورة في مصادر متون الحديث الأصلية (٤). وتُخرَّج هذه الروايةُ عند الرفع إما بكون (الوضوء) مبتدأً وخبرُه محذوف، والتقدير: الوضوءُ تقتصر عليه، أو خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقديرُ: عذرك الوضوءُ. وعند النصب بإضمار فعل،

стр. 83

والتقديرُ: (فعلتَ الوضوءَ وحده)، وكلا الوجهين جائز. وقال السُّهَيلي: إن الرواة اتفقوا على الرفع؛ لأن النصب يُخرجه إلى معنى الإنكار (١). ولا أدري أيقصدُ السهيلي أن الوضوء وحده يكفي لصلاة الجمعة؟ فلا يكونُ الأمر بحاجة إلى إنكاره، أم أن الإنكار لا يكونُ إلا على شيء محرم، ولذا لم يحمله على ترك الأفضلية والسبق؟ فمَن وجَّه رواية إثبات الواو جعل (الوضوء) معطوفًا على الإنكار الأول، والتوبيخَ على تأخر المجيء إلى الصلاة، وتركِ السبق إليها في أول وقتها، وهذا من أحسن التعريضات وأرشقِ الكنايات، كما وصفه ابنُ الملقن، وقولُ السهيلي وصفه ابنُ حجر بالغرابة بقوله: وأغربَ السهيلي (٢). أما قول القرطبي بأن الواوَ عوضٌ من همزة الاستفهام، كما في قراءة ابن كثير (٣) في قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وآمَنتُم بِهِ﴾ (٤). فقد رُد عليه بأن تخفيف الهمزة بإبدالها واوًا صحيحٌ في الآية؛ لوقوعها مفتوحةً بعد ضمة؛ لأن أصله (قال فرعون أآمنتم)، وأما في الحديث فليس كذلك؛ لوقوعها مفتوحةً بعد فتح؛ لأن أصله (فقالَ أَالوضوء)، فلا وجه لإبدالها فيه واوًا كما هو مقررٌ عند النحويين والصرفيين؛ في أن الهمزة المفتوحة المفتوحَ ما قبلها لا تُقلب واوًا (٥). وقيل: إن الصواب في ذلك أن (آلوضوء) بالمد على لفظ الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ (٦)، فهمزةُ الاستفهام داخلةٌ على همزة الوصل (٧)، فتُسهل الهمزة (٨).

стр. 84

ومما سبق يتبيَّن لنا صحةُ رواية حذف الواو بالاستناد إلى مصادرَ أصليةٍ في تخريج الراويات، وأن رأي الإمام القرطبي فيه نظر.

стр. 85

مسألة أسماء الأماكن بين المنع والصرف في قول عبد الله بن عباس ﵁: " ... ورسول اللَّه ﷺ يصلي بمِنًى إلى غيرِ جدارٍ ... " (١). قال ابن الملقن: "مِنًى: الأجودُ صرفُها، وكتابتُها بالألف، وتذكيرُها" (٢). بيان المسألة: ذكر ابنُ الملقن أن صرف (منى) أجودُ من منعها من الصرف، وبيانُ ذلك فيما يلي: المشهور عند النحويين أن أسماء البلدان يغلِبُ عليها التأنيثُ وعدمُ الصرف، على أن يُقصد بها البقعةُ، وما جاء منها مذكرًا مصروفًا، فيرادُ به البلدُ والمكانُ (٣). فـ (منى) إن قيل إنها ممنوعة من الصرف؛ فلكونها مختومةً بألف التأنيث المقصورة، وقد تُمنع من الصرف للعلمية والتأنيث. أما إن عُدَّت (منى) مصروفةً، فباعتبار أنها مذكرٌ، والعلمية وحدها لا تمنع الصرفَ. والذي عليه العلماءُ أن (منى) من أسماء البلدان التي يجوزُ فيها الصرفُ والمنعُ (٤)، وصرفُها أجودُ؛ إذ إنها بعيدةُ الشبه بالفعل. ومما سبق يتبيَّن أن ما اختاره ابنُ الملقن هو الصواب.

стр. 86

مسألة الفعل (نظر) بين التعدي واللزوم في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) (٢). قال ابن الملقن: " ... وخطأُ كونه في الآية بالمعنى الأول -وهو الانتظار- من وجهين: أحدُهما: أنه عدِّي إلى مفعوله بـ (إلى)، وهو إذا كان بمعنى الانتظار لا يَتعدى بها، وإنما يتعدى بنفسه، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ (٣)، فعدَّاه بنفسه لَمَّا كان بمعنى (ينتظرون) ... " (٤). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن كلمة (ناظرة) في الآية بمعنى النظر والمعاينة من بينِ معانيها الأخرى المحتمَلة لغةً؛ إذ تعني هذه الكلمةُ أكثر من معنى (٥)، وبيان ذلك فيما يلي: خطَّأ ابن الملقن رأيَ من قال بأنَّ معنَى (ناظرة) من الانتظار، وعلَّل ذلك بأن معنى الانتظار يتطلبُ التعديَ أصالةً بلا واسطة! . لكن ما قاله ابن الملقن غيرُ مطرد، فلا يتعينُ أن يكون معنَى النظر متعديًا بلا حرف جر (٦)، إذ وردت آياتٌ كريمة أخرى تخالفُ ذلك، من مثل قوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٧)، فـ (ناظرة) بمعنى: منتظرة مرتقبة (٨).

стр. 87

ومثلُه قوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ (١)، إذ يحتمل أن يكون (أيكم) موصولة ويكون مفعولًا، والباء زائدة، فيصبح التقدير: فستُبصر ويبصرون الذي هو المفتونُ منكم (٢). ولو أن ابن الملقن اكتفى- حسَبَ رأيي- بما ذَكَره من حيث المعنى، إذ قال: إذا كانت بمعنى الانتظار، فيَحتمِلُ أن يكون المعنى: مرتقبة ربَّها، أو ثوابَه، وهذا لا يليقُ، إذ المنتظِر لِمَا ينتظرُه في تنغيص وتكدير (٣)، وبهذا يمكنُ أن يُصرف النظرُ عن كونها للانتظار. ومما سبق يتبيَّن أن (ناظرة) من النظر بدلالة المعنى، ولا يمكنُ القول بتعيُّن كونها للنظر بمجردِ دلالة تعدِّيها بحرف جر؛ لِمَا في ذلك من الخلاف.

стр. 88

مسألة أوجُه الإعراب في (رجل آتاه الله مالًا) في قوله ﵇: "لا حسَدَ إلا في اثنتين: رجل آتَاه الله مالًا فسُّلِط على هلكتِه في الحق ... " (١). قال ابن الملقن: "قوله: (إلا في اثنتين)، أي: خَصْلتين أو طريقتين، ويجوز في (رجل) ثلاثةُ أوجُه: البدلُ، وإضمارُ أعني، والرفعُ على تقدير خصلتين: إحداهما- خصلةُ رجل" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن لـ (رجل) ثلاثةَ أوجُه إعرابية، ولم يذكر الأَولى أيها؟ وبيانُ ذلك فيما يلي: وجهُ البدل: أن تكون كلمة (رجل) مجرورةً بدلًا من (خصلتين)، أي: إلا في رجلٍ آتاه الله ... إلخ. ووجهُ النصب: بتقدير فعل (أعني)، أي: أعني رجلًا. ووجهُ الرفع: على الخبرية، والتقدير: (الخصلةُ الأولى رجل ... ). والوجهُ الذي أرى أنه أَولى -حسَب علمي- هو الرفعُ (٣)؛ وذلك لأمور: ١ - كون باب الابتداء عمدةً. ٢ - وجه النصب يُحوِجُ إلى تقدير محذوف، وما لا يفتقرُ إلى تقدير أولى مما يفتقرُ إلى تقدير. ٣ - يُعرب (رجلًا) مفعولًا به، والمفعولُ به من الفَضَلات. ٤ - وجه البدل من التوابع، والتوابعُ فَضَلات يصحُّ الاستغناء عنها، إلا في النعت أحيانًا فإنه قد يتمم الفائدة.

стр. 89

ومما سبق يتبيَّن أولويةُ وجه الرفع عن غيره؛ إذ لا حاجة فيه إلى تقدير محذوف، ويُعد من الأبواب العُمَد التي لا يمكنُ الاستغناءُ عنها.

стр. 90

مسألة أوجُه الإعراب في (لا سَهْل فيرتقى) في قولها: " ... زوجي لحمُ جمل غثٍّ، على رأس جبل: لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل ... " (١). قال ابن الملقن: "وقوله: (لا سهل فيرتقى)، يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجه، كلُّها مروية: نصبُ (سهلَ) دون تنوين، ورفعُها، وخفضُها منونةً. وأعربُها عندي الرفعُ في الكلمتين" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن الرفعَ أعربُ من النصب والجر، وبيان ذلك فيما يلي: رُوي هذا الحديثُ بالنصب دون تنوين (٣)، وبالرفع (٤)، وبالخفض مع التنوين (٥)، غير أن الأوجُهَ المحتملةَ ستةُ أوجُهٍ، وإليك تخريجَها: أما وجهُ النصب والتنوين؛ فتقديرُه: لا أجدُه سهلًا. وأما وجهُ النصب بلا تنوين؛ فتقديرُه: لا سهلَ، ويكونُ (سهل) اسمَ (لا) التي لنفي الجنس، وخبرُها محذوف، وتقديرُه: لا سهلَ صعودُه. وأما وجهُ الجر والتنوين؛ فعلى أن يكون (سهل) صفةً للجبل، والتقدير (على رأس جبلٍ لا سهل) و (لا) نافية لا عمل لها. وأما وجهُ الجرِّ بلا تنوين؛ فيكون على حذف المضاف إليه مع نيته، والتقدير (لا سهلِ الصعودِ فيرتقى). وأما الرفعُ -الذي يرى ابنُ الملقن أنه الوجه الأعربُ- (لا سهلٌ) فعلى أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف، وتقديرُه: (لا هو سهلٌ فيرتقى).

стр. 91

وإن قيل: ماذا تعرب (لا)؟ فالجواب أنها نافية غيرُ عاملة؛ لمجيء المعرفةِ بعدها. وإن قيل: إن النصب أجودُ من الرفع، حيث يقتضي الرفعُ تقديرَ محذوف، والنصب بعمل (لا) النافية للجنس، فيُمكن تخريجُ ذلك من جهة المعنى: وذلك أن الزوجة ذكَرت تشبيهين لزوجها (لحم جمل غث)، (على رأس جبل)، ثم ذكَرت أن الجبل ليس سهلَ الصعود، وأن اللحم غثٌّ لا مَطمع في طَلَبِه. فتفسيرُها للشبه بعد الانتهاء من تمام التشبيه أوعَى مِن قول: لحم جمل غث لا يُسعى لنيله، والجبل صعبٌ صعوده، أن تُتحمل مشقتُه لنيل اللحم الغث. وبهذا يمكنُ أن يقالَ: إن ابن الملقن قدَّم الرفعَ لهذا المعنى.

стр. 92

مسألة نصب المفعول به بعد الفعل المبنيِّ للمجهول في قولهم: "فأُثنِيَ على صاحبها خيرًا" (١). قال ابن الملقن: "كذا هو في أصل الدِّمياطي: (خيرًا) في الموضعين، (ثم مُرَّ بثالثةٍ فأُثني على صاحبها شرًّا)، بالألف في الثلاثة، وهو أصحُّ إذا قرئ (فأَثنَى) بفتح الألف. وقال ابن التين: قوله: (خيرًا) صوابه: خيرٌ. قال: وكذلك هو في بعض الروايات، وشرٌّ مثله، وكأنه أراد إذا قرئ مبنيًّا. قال: وفي نصبه بُعدٌ في اللسان" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن الرفع والنصب في (خيرًا) مبني على العامل، وبيان ذلك فيما يلي: ورَدت روايتان في هذا الحديث: الأولى بنصب (خيرًا) (٣)، والثانية برفعها (٤)، وتخريجُ ذلك: أن يكون عاملُ النصب مبنيًّا للفاعل، فتُنصب (خيرًا) على المفعولية، وأما عاملُ الرفع فمبنيٌّ للمفعول، فتنوبُ (خير) عن الفاعل. غير أن رواية البخاري (٥) جاءت فيها الكلمةُ (خيرًا) منصوبةً مع كون العامل مبنيًّا للمفعول، ويمكن تخريجُ ذلك -على بُعد- بأن يكون (خيرًا) حالًا من القول، ويكون تقدير المحذوف: (فأُثني القولُ حالَ كونِه خيرًا). وهذا قد يفصحُ عن قول الشارح: "وفي نصبه بُعدٌ في اللسان". وحين عبَّر ابن الملقن عن المبني للمفعول قال: (مبنيًّا)؛ واكتفى بها عن ذكر المفعول، لكون الأصل وجودَ الفاعل، فلا يُقال: (مبني للفاعل) إلا تأكيدًا.

стр. 93

مسألة (نوح) بين الصرف والمنع في قوله تعالى: " ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ (١) " (٢). قال ابن الملقن: " (نوح) أعجمي، والمشهورُ صرفُه، ويجوز تركُه" (٣). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أنه يجوز في (نوح) الصرفُ وتركُه، وبيان ذلك فيما يلي: اختلف النحويون في اسم (نوح)؛ فمنهم مَن يرى أنه مصروفٌ البتةَ، ومنهم من يَعُدُّه غيرَ مصروف، ومنهم من يرى أنه إذا نُكِّر صُرف (٤). فمَن صرفَ (نوحًا)؛ فلخفَّتِه، ولأنه لم يَرِدْ في منعه من الصرف سماعٌ شاذ ولا مشهور (٥)، وأما مَن منعه من الصرف؛ فللتعريف والعُجْمة (٦)، وأما حجةُ مَن يصرفُه عند التنكير؛ فلذَهابِ أحدِ علتَي المنع (٧). والجوابُ عن ذلك كما يلي: ١ - أن كل اسم أعجمي ثلاثيٍّ ساكنِ الوسط، مصروفٌ البتة، كـ (نوح) و (لوط)، و (عاد)، فإن قيل: لِم تُصرف (هند) وتُمنع، مع كونها ساكنةَ الوسط؟ قيل: إن (هند) اسمٌ مؤنث، وحكمُ التأنيث أقوى من العجمة في المنع من الصرف. ٢ - أن العجمة لا تؤثر إلا في الزائد عن ثلاثة، بخلاف التأنيث.

стр. 94

٣ - أن اسم (نوح) ليس من الأسماء التي تُمنع من الصرف لعلة واحدة. وخلاصة القول: أن (نوحًا) اسم مذكرٌ أعجمي مصروفٌ؛ لخروجه من التأنيث ولكونِه ثلاثيًّا ساكنَ الوسط، ولذلك يرى جمهورُ النحويين أن صرفه هو الوجه. وكذلك ذكر ابن الملقن أن المشهور صرفُه، وذلك لما ورد مما يُثبت أنه مصروف.

стр. 95

مسألة النصب في الاستثناء المفرَّغ في قول ابن عباس ﵁: "ولم يمنعْه أن يأمرَهم أن يرمُلوا الأشواطَ كلَّها إلا الإبقاء عليهم" (١). قال ابن الملقن: "وقوله: (إلا الإبقاء) هو بكسر الهمزة، ثم باءٍ موحدة، ممدودٌ، أي: الرفق بهم. قال القرطبي: رويناه بالرفع على أنه فاعلُ (يمنعه)، ويجوزُ النصب على أن يكون مفعولًا من أجله، قال: ويكون في (يمنعه) ضميرٌ عائد على رسول الله ﷺ وهو فاعلُه" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن ما بعد (إلا) أي: الإبقاء، يحتمل إعرابين، وبيان ذلك فيما يلي: (إلا) في هذا الحديث للحصر، و (الإبقاء) تُرفع وتُنصب، فالرفعُ لكونها فاعلًا لـ (يمنع)، والتقدير: يمنعُ الإبقاءُ -أي الرفقُ- الرسولَ ﷺ من أن يأمرَهم بالرملِ في كل الأشواط. أما كونُها منصوبة فعلى أنها مفعولٌ من أجله، إذ التقدير: لم يمنعِ الرسولَ ﷺ من أن يأمرهم أن يرملوا في الأشواط كلها إلا هو إبقاءً عليهم؛ أي: رفقًا بهم. هذا، وقد تأتي (الإبقاء) مجرورة، وذلك أن (إلا) من معانيها (غير)، فيصبح التقدير: لم يمنعه غير الإبقاءِ عليهم. والأقربُ -حسب ما أرى- أن (الإبقاء) مرفوع على الفاعلية، وذلك لدلالة الضمائر في الحديث، قال ابنُ عباس: فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثةَ، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعْه أن يأمرَهم أن يرملوا الأشواطَ كلها إلا الإبقاءُ عليهم. فالهاء في (يمنعه) عائدةٌ على مفرد مذكر وهو الممنوعُ، فلم يبق في الجملة سوى مانعٍ واحد، وهو: الإبقاءُ أو الرفق، فيكون فاعلًا. ولو كان الفعلُ متصلًا به ما يدلُّ على الجمع، أي: (يمنعهم)، لكان الفاعلُ هو النبيَّ ﷺ والمفعول به الصحابة رضوان الله عليهم. ولا يمكنُ أن يكون الرفقُ هو المانعَ للصحابة، إذ هم يصدرُون عن أمره؛ ﷺ .

стр. 96

مسألة (صَفَر) بين الصرف والمنع في قول ابن عباس ﵁: "ويجعلون المحرمَ صَفَرًا" (١). قال ابن الملقن: "وقوله: (صفرَ) كذا هو بغير ألف، كذا هنا في أصلٍ بخط الدِّمياطي، وفي مسلم، والصواب (صفرًا)؛ لأنه مصروف قطعًا، وفي "المحكم": كان أبو عبيدة لا يصرفُه، فقيل له: لم لا تصرفه؟ لأن النحويين قد أجمعوا على صرفه، وقالوا: لا يَمنعُ الحرفَ من الصرف إلا علتان، فأخبِرْنا بالعلتين فيه، فقال: نعم، هما: (المعرفةُ والساعةُ)، قال المطرِّز: يرى أن الأزمنة كلَّها ساعاتٌ، والساعاتُ مؤنثة" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن (صفرًا) مصروف، ولا وجه لمنعه من الصرف، وبيان ذلك فيما يلي: لـ (صفر) في هذا الحديث روايتان، الصرفُ (٣)، ومنعُ الصرف (٤)، أما كونُه مصروفًا فهذا لا خلاف فيه، كما سيأتي. وأما منعُه من الصرف فلِعلَّة (المعرفة والساعة)؛ كما ذكر أبو عبيدة فيما نقله صاحب (المحكم) (٥). لكن ذلك لا يصحُّ لوجهين: ١ - أن في الحديث إشارةً إلى النسيئة المحرمة؛ وهي: إحلال شهرٍ محرمٍ، وتحريم شهر حلال، وبهذا لا يُعد الشهرُ معرفةً؛ لأن التقديم والتأخير في التحليل والتحريم مبنيّ على إرادتهم للقتال -كما ذكر ذلك شراح الحديث- فيكون الشهرُ هنا نكرة، بخلاف لو تم إضافته.

стр. 97

٢ - أن تحويل المذكر إلى مؤنث بناءً على أصل آخَر -كتحويل الأزمنة إلى ساعات، والساعات مؤنثة- فيه تكلفٌ، لأن (الشهر) مذكر (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٢). ومما سبق يتضحُ بطلانُ حجة من قال: إن صفر ممنوع من الصرف، والمعروف عند النحويين أنه لا يُمنع من الصرف إلا ما كان فيه علتان أو علةٌ تقوم مقام علتين (٣). وشهر (صفر) ليس فيه إلا العلمية، وبذلك يتعيَّن صرفُه. ولكن يمكنُ تخريجُ كتابة (صفر) هكذا بلا تنوين، وذلك على لغة ربيعة، إذ المشهور عندهم كتابةُ المنصوب بغير ألف، ولكن ترك كتابته لا يقتضي منع صرفه (٤).

стр. 98

مسألة (حِرَاء) بين الصرف والمنع في قول عائشة ﵂: "وكان يخلو بغارِ حِراء" (١). قال ابن الملقن: " (حِرَاء): بكسر المهملة وتخفيفِ الراء والمدِّ، وهو مصروفٌ على الصحيح، ومنهم مَن منعَ صرفَه، مذكرٌ على الصحيح أيضًا، ومنهم مَن أنَّثه، ومنهم مَن قصره أيضًا؛ فهذِه ستُّ لغات" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن في (حراء) لغاتٍ ستًّا، وبيانُ ذلك فيما يلي: يمكن تقسيم اللغات في (حراء) إلى أقسام ثلاثة: منها قسمان قد يمتزجان وهما: ١ - الصرف ومنعه، ٢ - والتذكير والتأنيث: وقد اشتهر عند النحويين، فيما يُمنع من الصرف: أنه الاسمُ الذي يكون فيه علتان أو علةٌ تقوم مقامَ العلتين (٣)؛ وعليه فـ (حراء) يُصرف ويُمنع من الصرف. فيصرفُ (حراء) إذا ذُكِّر وكان المرادُ به اسمَ المكان، والأصل في أسماء البلدان التأنيث، وإنما جاء التذكيرُ فيها لأن تأنيثها غير حقيقي. أما إن أُنِّثت وأريد بها اسمُ البقعة، فتُمنع من الصرف، وعلةُ منعها من الصرف: التأنيث والعلمية. فـ (حراء) مما يجوزُ فيه التذكيرُ والتأنيث، والصرف والمنع (٤). فمن التأنيث والمنع قولُ جرير:

стр. 99

ستعلمُ أيُّنا خيرٌ قديمًا ... وأعظمُنا ببطنِ حِراءَ نارَا (١) فـ (حراء) هنا ممنوعة من الصرف. ومنه كذلك قول رؤبة: ورُبَّ وجهٍ مِن حراءٍ مُنحَنِ (٢) فـ (حراء) هنا لم تُمنع من الصرف. ٣ - المد والقصر في (حراء): المشهور في (حراء) المدُّ، بل إن بعض المحدثين يُلحِّنون من يقول بقَصْرها (٣)، ولم أقف -حسب اطلاعي- على من نصَّ على لغة القصر؛ غير ما أشار إليه ابن الملقن. ومما سبق يتبيَّنُ أن في (حراء) لغاتٍ خمسةً مشهورة معروفة، وأما اللغة السادسةُ فقد اعترض عليها بعضُ المحدثين، ولم أقف عليها.

стр. 100

مسألة (هذه مكان عمرتك) بين الرفع والنصب في قول النبي ﷺ : "هذه مكان عمرتك" (١). قال ابن الملقن: " ... (هذه مكانُ عمرتك)، برفعِ (مكان) على الخبر؛ أي: عوضُ عمرتك الفائتة، وبالنصب على الظرف. قال بعضُهم: والنصبُ أوجَهُ، ولا يجوزُ غيرُه، والعامل فيه محذوف؛ تقديره: هذه كائنةٌ مكانَ عمرتك أو مجعولةٌ مكانَها. قال القاضي عياض: والرفعُ أوجَهُ عندي؛ إذ لم يُرِد به الظرفَ، إنما أراد عِوَضَ عمرتِك" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن كلمة (مكان) في النص السابق تُرفع خبرًا، وتُنصب ظرفًا، وبيان ذلك فيما يلي: المشهورُ عند النحويين أن الظرف لا ينتصبُ ما لم يتضمَّن معنَى (في)، وأن المكان لا يقبلُ ذلك ما لم يكن مبهمًا، أي: ليس له حدودٌ تحصُرُه (٣)، قال ابن مالك: الظرفُ وقتٌ أو مكانٌ ضُمِّنَا ... (في) باطرادٍ كهُنا امكُثْ أزمُنَا وقال: فانصِبْه بالواقعِ فيه مُظهَرَا ... كانَ وإلا فانْوِهِ مُقدَّرَا وكلُّ وقتٍ قابلٌ ذاك وما ... يقبلُه المكانُ إلا مُبهَما (٤) ومن ثَمَّ فإن لفظ (مكان) في هذا الحديث لا يتضمنُ معنى (في) فكيف يكون منصوبًا؟ وأما وجهُ الرفع لـ (مكان) فهو أرجَحُ؛ لأمور: ١ - أن لفظ (مكان) لا يتضمنُ معنى (في)، وشرطُ تضمُّنِه معنى (في) أقرَّه النحويون، وهو

стр. 101

شرطُ نصبه. ٢ - أنه لم يُرَد بـ (المكان) الظرفُ، إنما أريد أن هذه العمرة عوضٌ عن العمرة الفائتة، فقد جاء في الحديث: ( ... ولم أطُف بالبيت ... ودَعِي العمرةَ ... هذه مكان عمرتك). فعندما أمرها بترك العمرة، عوَّضَها عمرةً أخرى، فالتقديرُ: هذه عوض عمرتك. ومن ثَمَّ فإن وجه الرفع هو الأقرب، وأما النصب فقد يَعترضُ مع ما أقره النحويون.

стр. 102

مسألة (أيٌّ) غير المضافة في قول عبد الله ﵁: " قلتُ: ثم أيٌّ؟ " (١). قال ابن الملقن: "و (أيٌّ) هنا مشددٌ منون ... ولا يجوزُ إلا تنوينُه؛ لأنه اسمٌ معربٌ غيرُ مضاف" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن (أيًّا) في الحديث: اسمٌ معرب يلزمُه التنوين، وبيان ذلك فيما يلي: اشتهر عند النحويين أن جميع أسماء الاستفهام مبنيةٌ؛ لتضمُّنِها معنَى الهمزةِ، ويُستثنى من ذلك (أيٌّ) فإنها معربة تلزمُها الإضافةُ، وبذلك تبعُد عن شبهِ الحرف والبناء (٣). فـ (أي) من أسماء الاستفهام الملازمةِ للإضافة في المعنى دون اللفظ، ومنه قول الشاعر (٤): أَلَا تَسْأَلُونَ النَّاسَ أَيِّي وَأَيُّكُمْ ... غَدَاةَ التَقَيْنَا كَانَ خَيْرًا وَأَكْرَمَا هذا، وقد يُقال بأن (أيًّا) تأتي غيرَ مضافة، قال سيبويه: "اعلم أن (أيًّا) -مضافًا وغيرَ مضاف- بمنزلة (مَن) ... فحالُ المضاف في الإعراب والحُسن والقبح كحال المفرد. قال الله : ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٥)، فحسُن كحسنه مضافًا" (٦). وقد يُقال: كيف أثبت ابن الملقن التنوين في (أي)، والتنوين لا يثبت حال الإضافة؟ فالجواب عن ذلك: أنه جعل مجردَ التقدير للإضافة لا يوجبُ منعَ التنوين ولا يجوِّزه (٧)؛ إذ

стр. 103

الإضافةُ في (أي) حاصلة معنى لا لفظًا. ويمكنُ القول بأن التنوين لا يثبت مع الإضافة مطلقًا؛ سواء أكانت لفظًا أم معنى. فعدم بقائه في الإضافة اللفظية معروف، أما مع الإضافة المعنوية فالتنوين متأبٍّ مع الألف واللام كما أنه متأبٍّ في الوقف مطلقا، وبذلك امتنع بقاؤه مع الإضافة المعنوية (١).

стр. 104

مسألة سقوط ميم (فم) في حال الإضافة في قوله ﵇: "وكان قد سقَط فمُه" (١). قال ابن الملقن: "وقوله: (وكان قد سقَط فمُه)، النحويون يُنكرون اجتماعَ الميم مع إضافة الضم إلى المضمر، ويرون أنه غيرُ جائز في غير الشعر، كما قال: ......................... ... يُصْبِحُ ظَمْآنَ وَفِي البَحْرِ فَمُهْ وإنما إعرابُه عندهم بالحروف، بالواو رفعًا، وبالألف نصبًا، وبالياء جرًّا" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن الميم في (فم) لا تثبتُ في حال الإضافة عند النحويين، وبيان ذلك فيما يلي: المشهور عند أهل اللغة أن الكلام على (فم) وأصلِ بنائها، مسألةٌ صرفية، لذا سيكونُ بيانُ المسألة من الجانب النحوي محدودًا ضيقًا، وذلك في أمرين: أحدهما: هل أنكر النحويون بقاءَ الميم في حال الإضافة؟ ثانيهما: هل قصَروا على الشعر جوازَ بقاء الميم حال الإضافة أم لا؟ فالنحويون في بقاء الميم حالَ الإضافة في الشعر والنثر بين مانع (٣) ومُجِيز (٤). فحجةُ المانعين تتلخص في أن أصل (فم): (فَوْهٌ)، فبتنوينها مع سكون الواو خِيف أن تسقط عينُ الكلمة -لالتقاء الساكنين- فأبدلت ميمًا، أما إن تُرك التنوين فلا حاجة لإبدال الواو ميمًا. أما حجةُ المجيزين في الشعر والنثر فهي: وجود ما يُثبت ذلك سماعًا، ومن أمثلة بقائها نثرا:

стр. 105

قولُه ﵇: (والذي نفسي بيده لَخُلوفُ فمِ الصائم أطيبُ عند الله تعالى من ريح المسك) (١). ومن أمثلة بقائها شعرًا: قولُ رؤبة: كَالحُوتِ لا يُرْوِيِهِ شَيْءٌ يَلْهَمُهْ ... يُصْبِحُ ظَمْآنَ وَفِي البَحْرِ فَمُهْ (٢) ومما سبق يتبيَّن أن بعض النحويين يرون المنع وبعضهم يرون الجواز، والذي يظهرُ أنه جائزٌ بقاؤها في حال الإضافة وعدمها، وفي الشعر والنثر، وذلك لما ثبت من الدليل السماعي.

стр. 106

مسألة استعمال اسم المفعول من فعلٍ لازم دون حرف جر في قوله ﵇: "حجٌّ مبرورٌ" (١). قال ابن الملقن: "وقوله: (مبرور)، قال ابنُ التين: يحتمل أن صاحبَه أوقعَه على وجه البر، وأصلُه أن لا يتعدى بغير حرف جر، ونُقل عن بعضهم أنه قال: لعله يريد بـ (مبرورٍ) وصفُ المصدر؛ فتعدَّى إليه بغير حرف، فجعله متعديًا" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن أصل التعدية في (برَّ) تكونُ بحرف الجر، غير أنه جاء في الحديث متعديًا بنفسه، وبيان ذلك فيما يلي: الفعل (برَّ) فعلٌ لازم يكتفي بمرفوعه، وذلك نحو: برَّ حجُّك، ويتعدى إلى مفعوله بحرف الجر (٣)، كـ: برِرتَ في حجِّك، أي: أحسنتَ فيه، وحجٌّ مبرور فيه. وقد يتعدى إلى مفعوله بغير حرف الجر، وذلك بإشراب كلمةٍ لازمةٍ معنَى كلمةٍ متعدية لتتعدى تعدِّيَها -وهذا ما يُسمى بالتضمين (٤) - ويُبنى منها اسمُ مفعول (٥). فالفعل (برَّ) اللازمُ، بمعنى الفعل (تقبَّل) المتعدي (٦)، فيقال: بَرَّ اللهُ حجَّك كما يُقال: أبرَّ، أي: تقبل الله حجَّك، وحجٌّ مبرورٌ أي: حج مقبول. وقد ذكر ذلك ثعلبٌ في الفصيح، ونظمه صاحبُ (الموطأة) في قوله:

стр. 107

وبُرَّ ذاك الحجُّ أي تُقُبلا ... والحجُّ مبرورٌ فيا ما أجمَلَا (١) وبذلك يثبت تعدي الفعل (برَّ)، وبُني منه اسمُ مفعول.

стр. 108

الفصلُ الثاني مسائلُ الأفعال ، وفيه مبحثان: المبحثُ الأول: الأفعالُ المبنيَّة المبحثُ الثاني: الأفعال المُعرَبة

стр. 109

المبحثُ الأول: الأفعالُ المبنيَّة وفيه مسائلُ: مسألة (نِعْمَ) و (بِئسَ) بين التصرُّف وعدمِه في قوله ﵇: "فنِعْمَ المُرضعةُ وبئست الفاطمةُ" (١). قال ابن الملقن: " (نعم) و (بئس): فعلان لا ينصرفان؛ لأنهما انتقلا عن موضعِهما، فـ (نعم) منقول من قولك: (نَعِمَ فلانٌ) إذا أصاب نعمة، و (بِئْس) منقول من (بَئِسَ) إذا أصاب بؤسًا، فنُقلا إلى المدح والذمِّ، فشابها الحروفَ، وقيل: إنهما استُعمِلا للحال بمعنى الماضي، وفيها أربعُ لغات: نَعِم بفتح أوله وكسر ثانيه، وكسرِهما، وسكون العين وكسرِ النون، وفتحِ النون وسكون العين. نعم المرأةُ هند، وإن شئت: نعمتِ المرأةُ هند" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن (نعم) و (بئس) فعلان لا ينصرفان، ثم عرض لحكم لَحاقِ تاء التأنيث في آخر الفعل، وبيانُ ذلك فيما يلي: أثبت ابنُ الملقن أن الفعلين لا ينصرفان، وهذه الكلمة (لا ينصرفان) غير مناسبة في هذا الموضع؛ إذ الانصرافُ وعدمُه يُطلق على الأسماء، وأما ما يكونُ مع الأفعال فهو: التصرُّف وعدمُه، وقد بدا لي أن هذه الكلمة (لا ينصرفان) ربما تكون مصحفةً من (لا يتصرَّفان). هذا، ولا يمكنُ أن يقال بأنه قصد بـ (لا ينصرفان): لا ينتقلان؛ إذ عدمُ تصرفهما لا يقتضي انتقالَهما وانصرافَهما من شيء لآخر. والمشهورُ عند العلماء أن (نعم) و (بئس) فعلان جامدان، قال ابن مالك (٣): فِعلانِ غيرُ متصرِّفَيْنِ ... نعمَ وبئسَ رافعانِ اسمَيْن

стр. 110

أما كونُهما فعلين فالعلماءُ في ذلك على قولين (١): منهم من قال باسميتهما، ومنهم من قال بفعليتهما. فمَن قال باسميتهما، فلأمور: ١ - دخول حرف الجر عليهما؛ ومن ذلك قولُ الأعرابي: (والله ما هي بِنِعمَ المولودة)، لَمَّا قيل له: نعم المولودة مولودتُك (٢). ٢ - عدم اقترانهما بزمن معين كسائر الأفعال. ٣ - عدم تصرفهما، إذ التصرف من خصائص الأفعال. ومَن قال بفعليتهما فلأمور: ١ - اتصال ضمير الرفع بهما كما يتصلُ بالفعل المتصرف، فيقال: نِعمَا رجلين. ٢ - اتصال تاء التأنيث الساكنة التي لا تنقلبُ عند الوقف هاءً. ٣ - بناؤهما على الفتح، ولو كانا اسمين لما كان لبنائهما وجهٌ. والجوابُ عن أدلة الأولين: أما كونُ حرف الجر لا يدخل على الأفعال فهذا صحيح، قال ابنُ مالك (٣): بالجرِّ والتنوينِ والنِّدا وألْ ... ومسندٍ للاسمِ تمييزٌ حصَلْ غير أن إيراد الكلام بالحكاية يجوزُ فيه دخولُ حرف الجر، فليس بمنكور دخولُها على (نعم) (٤). ومن دخولِ حرف الجر على الفعل قولُ الراجز (٥): واللهِ ما لَيْلِي بِنامَ صاحِبُه ... ولا مخالِطَ اللَّيانِ جانِبُه (٦) وأما عدمُ اقترانهما بزمن؛ فلأنهما موضوعان للغاية، فـ (نعم) لغاية المدح و (بئس) لغاية
следующие страницы →