مسند الإمام الدارمي
درسه وضبط نصوصه وحققها
الدكتور
مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني
الجزء الأول
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ ٢٠١٤ م
стр. 2
الإهداء
إلى شيوخي في كل المراحل العلمية وعلى وجه الخصوص المرحلة الجامعية فما فوقها
هديتي
هَدِيَّتِيْ مِنْ عَمَلْ كَفِّيْ وَنُطْقِ فَمِيْ ... نَطَقْ لِسَانِيْ بِهَا وَالْقَيْدُ مِنْ قَلَمِيْ
وَكَمْ عُنِيْتُ بِهَا دَرْساً أُحَقَّقُهَا ... اخْتَرْتُهَا جَوْهَراً مِنْ أَصْدَقِ الْكَلِم
لَمْ أُهْدِهَا لِلشيوخ الَاّ لِنَنْشُرُهَا ... ذُخْراً يُخَلِّدُ ذِكْرَ الخير مِنْ قِدَم
وَلَسْتُ أضْفِيْ لهم فضلاً وَمَعرِفَة ... هُمُ الشيوخ ذَوُوا الأَقْدَارِ وَالنِّعَم
لَكِنَّهُمْ قَدَّمُوْا لِلْعِلْمِ عُدَّتَهُ ... وَأَخْرَجُوْا النَّاسَ مِنْ جهل وَمِنْ ظُلَم
هذي هَدِيَّةُ قَوْمٍ قَدْ أَشَدْتُ بِهمْ ... والشيخ (١) مِنْ بَيْنِهِمْ شَمْسٌ عَلَى القمم الْقمَم
إلى الشيوخ الأماجد، الذين شرّفهم الله بقيادة العلم في دولة التوحيد وتشرفت بتلقي العلم عليهم في كافة المراحل التعليمية، وعلى وجه الخصوص في المرحلة الجامعية وما فوقها، فاستفدت منهم جميعا، ومن الأكابر منهم: أصحاب السماحة؛ الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ حماد الأنصاري ﵏ رحمة واسعة، والشيخ عبد المحسن العباد والدكتور أكرم العمري، والشيخ أبو بكر الجزائري بارك الله في أعمارهم وأحسن لي ولهم الختام، فقد نلت من أفواههم علما، ومن سمتهم قدوة، ومن أخلاقهم تواضعا وحلما، ومن شجاعتهم في الحق إباء، ومن زهدهم عزة نفس، ولست مشيدا بشخصي بل أشيد بمناهل الفضل والمعرفة.
وإنني بهذه المناسبة أعتقد أن من الواجب عليَّ الإشادة بولاة الأمر؛ حماة العقيدة والمقدسات، الداعين إلى تحكيم الكتاب والسنة، المساندين للعلم والعلماء، وذلك بفضل الله ثم بفضل ما وفّروا لأبناء هذه البلاد من أسباب مكّنتهم بفضل الله من إنجاز علمي كبير، إنجاز قياسي إذا ما قورن بكثير من البلاد الإسلامية، في مدة لم تتجاوز (٥٠) خمسين عاما، حققت خلالها ثمرة علمية عالية في مجالات التعليم، وقيام آلاف المدارس والمعاهد، في التعليم العام، والتعليم الفني، وفي التعليم العالي عشرات الجامعات، فيها كل التخصصات، وهي ماثلة للعيان مزودة بكثير مما تحتاج من خدمات وتقنية، ومئات الكليات في مختلف متطلبات التنمية
стр. 3
في البلاد، ولولا فضل الله ، ثم ذلك البذل السخي ما وصلت أنا والآلاف من أمثالي إلى هذا المستوى، ولا ينكر هذا إلا مكابر غير شاكر للنعمة، وعرفانا بالجميل، ودعوة إلى العمل الصالح والسنن القويم، أقدم للمسلمين هذه الخدمة العلمية، لمصدر من مصادر السنة النبوية الصحيحة، شاكرا لله ما أنعم به وتفضّل، وداعيا لولاة الأمر بالصلاح والثبات على الحق، والسعي في الإصلاح الشامل، ولاسيما التعليم لأنه أساس نهضة الأمم راجيا من الله ، الأجر والثواب.
الدكتور/ مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني
стр. 4
المقدمة
الحمد الله أجزل الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، رب كل شيء وخالقه ومولاه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خيرته من خلقه، كرّمه ربه واجتباه، وأنعم عليه بالنبوة وهداه، وهدى به من الضلالة، وبصَّر من العمى، بلَّغ الرسالة، وبه ختمت الرسالات، فلا نبي بعده ولا رسول، وكان ما جاء به من الحق والهدى، ختما لكل الأديان، فلا يسع بشرا على وجه الأرض إلا الإيمان به، والانضواء تحت رايته ولوائه، صلوات ربي وسلامه عليه، فقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)، فهذا كتاب الله ينطق بالحق، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد رُوِيَ عن الخليفة الراشد على بن أبي طالب ﵁ أنه قال: أما أني قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إنها ستكون فتنة» فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ ، قال: «كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنتهي الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (٢) من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم» (٣).
وقد كرم الله عبده ورسوله نبينا محمد ﷺ بأن جعله لا ينطق عن الهوى، فقوله وفعله وتقريره حق وشرع متبع، منزل على الأحكام الخمسة، ولذلك قال ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول: عليكم
стр. 5
بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ألا ولا لقطة من مال معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فلهم أن يُعْقِبُوه بمثل قِراهم» (١) وإذا كان الله تكفل بحفظ كتابه العزيز، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) فإن أعظم ما بذل فيه الجهد، واستنفرت له الهمم، وقضيت فيه الأوقات، خدمة كتاب الله العزيز، وسنة رسول الله البشير النذير ﷺ ، أما الكتاب العزيز فجهود العلماء فيه ظاهرة معلومة، وهو محفوظ من الله ، وتحقق وعد الله ، إذ وعته العقول، واستوعبته الصدور، وفي وقت قريب من عهد رسول الله ﷺ دُوِّن في مصحف واحد بعناية واهتمام، فتحقق له الحفظ والصون والأمان، فلا ينال منه شيطان من إنس ولا جان.
أما سنة رسول الله ﷺ فقد تكفل الله بحفظها إذ قيَّض لنبيه ﷺ رجالا اختارهم لصحبته ﷺ ، فكانوا خيارا عدولا أمناء، حفظوا ما سمعوا من رسول الله ﷺ ، وأدَّوه بحرص وأمانة، لكن بقيت السنة مُعَرَّضة بعدهم ﵃ للتزوير والتحوير، وهو أمر خطير وشر مستطير، حذر منه البشير النذير ﷺ فقال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (٣) وهذه لفتة نبوية إلى أن الكذب عليه سيقع لا محالة، لذلك حذر منه أمته، فكان هذا الخبر منه ﷺ دافعا قويا لأمته من بعده لأخذ الحيطة والحذر في النقل عنه ﷺ فالحديث عنه شديد كما قال زيد بن أرقم ﵁ (٤)، وهكذا احتاط الأصحاب ﵃ لأنفسهم، يقول أنس بن مالك ﵁: «لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله ﷺ ، أو قالها رسول الله ﷺ » (٥) وشددوا في التثبت من النقلة عن رسول الله ﷺ فهذا أبو بكر ﵁ في قصة ميراث الجدة لم يقبل خبر المغيرة بن شعبة ﵁، بل قال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري ﵁ فشهد له (٦)، وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يشدد على أبي موسى الأشعري ﵁ في نقله حديث الاستئذان ويقول: " تأتيني على ذلك ببينة - وفي
стр. 6
رواية - لتقيمن عليه بينة " (١) ويقول في قصة طلاق فاطمة بنت قيس: "لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، حفظت أم نسيت" (٢)، ويزداد الموقف شدة بانقضاء الصدر الأول من الصحابة، فهذا حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵁ لم يأذن لحديث بشير بن كعب العدوي إذ يقول: قال رسول الله ﷺ . فلما رآه لا ينظر إليه ولا يستمع لحديثه قال: يا ابن عباس مالي أراك لا تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع؟ . فقال ابن عباس ﵁: "إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرفه" (٣)، هكذا مرّ عهد أصحاب رسول الله ﵃ بين حيطة وتوثُّق من صحة النقل، فلما ظهرت الفتنة برز التفتيش عن أحوال الرجال وما هم عليه من الصفات، يقول ابن سيرين ﵀: " لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم" (٤)، وكذلك تكلم في هذا الباب جمع من التابعين منهم: الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، والإمام مالك وغيرهم، ومن هنا أصبح الإسناد أمرا لا مفرّ منه في الرواية، وما ليسله إسناد كمن لا نسبله، ومن أهمية الإسناد نشأت الرحلة إلى الأمصار، بحثا عن التوثق والعلو في الإسناد، واعتبر الأئمة ذلك من الدين، إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما هو معلوم في علم الأصول، يقول ابن سيرين ﵀: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" (٥).
ومن هنا نعلم أن الخطوط العريضة لنقد الأسانيد والمتون برزت الحاجة إليها مبكرة في عهد الأصحاب ﵃، كما هو واضح مما تقدم ذكره، وهكذا نما الاعتناء بهذا الجانب العظيم، في مراحل تاريخية متفاوتة وهي أربع مراحل:
١ - عهد الأصحاب ﵃ وما أبدوا فيه من خطوط عريضة لقواعد الحيطة والتثبت في النقل عن رسول الله ﷺ ، وتعتبر هذه المرحلة من بداية القرن الأول إلى نهايته، غير أنه لم يدون شيء
стр. 7
كبير في هذا الصدد، سوى ما كان من كتابة عبد الله بن عمر وغيره، فهذا القرن خير القرون، كان فيه الحذر والتشدد في النقل عن رسول الله تدينا، فلا سبيل لتهمة الكذب، بل كان الخوف من الخطأ والنسيان، وجرى الحرص على صحة المنقول وثبوته.
٢ - عهد كبار التابعين ﵏ وهو فترة نشط فيها الاهتمام بالإسناد، والتعرف على أحوال الرجال، وقد تقدم قول ابن سيرين ﵀: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم، وقد تبع هذا القول اتجاهان متضادان في شأن التدوين للسنة وما يتعلق بها من آراء شخصية: فالصدر الأول من التابعين تأثروا بمنهج الأصحاب في عدم الرضى عن كتابة ما سوى القرآن الكريم (١)، وآخرون من التابعين منهم: سعيد بن جبير، وكان يقول: كنت أسير بين ابن عمر وابن عباس، فكنت أسمع الحديث منهما، فأكتبه على واسطة الرحل حتى أنزل فأكتبه (٢)، وسعيد بن المسيب رخص لعبد الرحمن بن حرملة في الكتابة حين شكا إليه سوء الحفظ (٣)، والشعبي كان يقول: " الكتابة قيد العلم، إذا سمعتم مني شيئا فاكتبوه ولو في حائط " ووجدله بعد موته كتاب في الفرائض والجراحات (٤)، فهؤلاء وغيرهم من التابعين رأوا ضرورة تقييد العلم واعتمدوا قول من سمح به من الأصحاب آخرا، منهم أبو بكر وعمر وعلي ﵃ (٥)، وعللوا الكراهة بأن لا يضاهى بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عنه بسواه (٦)، وقصة الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵀ في الأمر بتدوين العلم مشهورة معلومة، ولا شك أنه استأنس برأي العلماء، وكان أول من حققله هذه الغاية الإمام الزهري ﵀، وكان يفخر بذلك ويقول: لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني (٧)، وإن وجد للزهري من القول ما يُضاد هذا مثل قوله: " لولا
стр. 8
أحاديث تأتينا من قبل المشرق، ننكرها لا نعرفها، ما كتبت حديثا ولا أذنت في كتابته " (١)، فهذا يؤكد أن مبادرة الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى الأمر بكتابة السنة وتدوين ما تفرق بصورة أوسع مما كان في بعض الصحف (٢)، وموافقة العلماء من أمثال الإمام الزهري على رأيه كان خوفا من دروس (٣) العلم وذهاب أهله، وأن يدخل في سنة رسول الله ﷺ ما ليس منها، وهو ما تنبهله الزهري من تلك الأحاديث الآتية من قبل المشرق، ونجزم أن بداية جِدية التفكير في تدوين السنة وتصنيف علومها كانت في عهد التابعين من أيام الزهري وأقرانه، لكنها بالنسبة لقواعد علوم الحديث لم تتجاوز نقل أقوال مبثوثة (٤)، أُثرت عن الأصحاب والأئمة من التابعين، وهي لا تمثل مادة علمية كاملة لقواعد مصطلح الحديث، سوى أنها فتحت الباب على مصراعيه للبحث والنظر في هذا الموضوع الخطير.
٣ - مرحلة بداية التدوين: هذه المرحلة تقدر بما يقارب (١٥٠) سنة من بداية القرن الثالث إلى منتصف الرابع تميزت هذه الفترة عن سابقتها بإبراز بعض قواعد علوم الحديث في مصنفات مستقلة، مثل كتاب العلل لابن المديني، ومعظم المادة العلمية في هذه المرحلة إما قواعد مستقلة في كتب متفرقة، كما في الرسالة والأم للإمام الشافعي، أو مبثوثة في مصنفات الحديث على اختلاف طرائقها في التصنيف، كما في مصنفات الإمام البخاري، ومقدمة صحيح مسلم، وما كتبه الترمذي من العلل، وما نقل عن الإمام أحمد، وعن أبي داود وغيرهم، يقول الإمام مسلم رحمة الله علينا وعليه: وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا، لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار بأمر الدين إنما تأتي بالتحليل أو
стр. 9
التحريم، أو أمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته، كان آثما بفعله ذلك، غاشا لعوام المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها، أو يستعمل بعضها ... (١)
٤ - مرحلة النضج والاستواء، هذه المرحلة كدَّ العلماء فيها أذهانهم، فأنتجوا علم مصطلح الحديث، وجعلوه علما قائما بذاته، يرتكز على منهج دقيق منضبط، دونت فيه قواعد مصطلح الحديث في مصنفات مستقلة، بعضها لم يستوعب، لكنه حصل بالتكامل بينها، فأصبح الباحث يجد مطلبه في أي باب من أبواب هذا العلم الجليل، وكان أول من دون قواعد هذا العلم القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي ﵀ (٢)، في كتابه " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" أجاد ولم يستوعب، وتلاه أبو عبدالله الحاكم بكتابه " معرفة علوم الحديث " تعقبه أبو نعيم في كتابه " المستخرج على كتاب الحاكم " ثم الخطيب البغدادي في كتبه الكثيرة (٣)، وقد أفرد كل فن من فنون الحديث بمؤلف في الغالب، ومن هنا كان كل من جاء بعده من العلماء في هذا العلم عالة على مصنفات الخطيب، ولم ينشط البحث عن الفوائد والنكت في هذا العلم إلا بعد أن أخرج أبو عمرو بن الصلاح كتابه المشهور بمقدمة ابن الصلاح، فإنه اعتنى بمؤلفات من سبقه فجمع شتات مقاصدها، وأضاف إليها من الفوائد الكثيرة ما جعل كتابه بحق أحسن ما كتب في هذا العلم، فاق من سبقه وبقي من بعده مشتغلا بكتابه هذا، ما بين دارس ومدرس وشارح (٤)
стр. 10
وناظم ومنكت (١) ومختصر قال الحافظ ابن حجر: فكم من ناظمله (٢) ومختصر (٣) ومستدرك عليه ومعارضله (٤) ومنتصر (٥) ونرى أن مراحل التدوين والتدقيق والتحقيق أربع أيضا:
الأولى: بدأت بكتاب الرامهرمزي، فقد حاز السبق في تدوين أبواب من هذا العلم.
الثانية: بدأت بمؤلفات الخطيب البغدادي، فكل من جاء بعده صار عالة على مصنفاته في هذا العلم.
الثالثة: بدأت بكتابة أبي عمرو بن الصلاح، فقد لاقى قبولا كبيرا عند العلماء، فتنافسوا في الاشتغال به على ما تقدم بيانه.
الرابعة: بدأت بكتابة ابن حجر، فقد استفاد منها من أتى بعده من العلماء، فإنه دقيق الملاحظة واسع العلم حسن التنظيم، اشتغل العلماء بمؤلفه النفيس: نخبة الفِكَر، فمنهم الشارحله والناظم، ولا أنفس من شرحه هو لها المسمى: نزهة النظر، وصدق الحافظ العراقي رحمة الله علينا وعليه إذ قال: وبعد فعلم الحديث خطير وضعه، كثير نفعه، وبه يعرف الحلال والحرام، ولأهله اصطلاح لا بد للطالب منفهمه (٦) وهذا كله ينضوي تحت قول نبينا محمد ﷺ : «نَضَّر الله امرءا سمع منا حديثا، فحفظه فبلغه غيره، فرب حامل فقه ليس بفقيه» (٧) وكفاهم هذا الدعاء شرفا، بوأهم الله من الجنة غرفا، ولقّاهم الفوز العظيم، قال رسول الله ﷺ : «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن
стр. 11
بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» (١) ومعلومة خطبة رسول الله ﷺ في حجة الوداع وفيها «ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع» اتفقا عليه في الصحيحين (٢)، فالمبلغون هم الذين جعلهم الله أركان هذه الشريعة، النقية الزاهرة والحجة الباهرة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، لولاهم لكانت ظاهرة، وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، فهي تتحيز رأيا تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث فإن الكتاب هديهم، والسنة حجتهم، والنبي ﷺ فيؤهم وإليه نسبتهم، فهم الجمهور العظيم، وسبيلهم الصراط المستقيم، وهم الذين لا يزالون على الحق ظاهرين، ولمن عاداهم وناوأهم قاهرين، قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي إلى الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة».
قال الإمام البخاري ﵀: يعني أهل الحديث (٣) وكلام الأئمة كثير في الترغيب في نقل ما ثبت عن رسول الله ﷺ ، وفي التحذير من الكذب عليه، فإن الكذب عليه مهلكة قال ﷺ : «من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» إذا فالإسناد من أهم ما يعتني به طالب العلم، وهو من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، ومثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم، ومن أراد الذب عن سنة رسول الله فسلاحه الإسناد، وطلب الإسناد العالي سنة صحيحة (٤)، روى أنس ﵁ حديث الأعرابي " يا محمد أتانا رسولك فزعم " (٥) فقد طلب الأعرابي العلو وتجاوز الشخص الذي أخبره إلى رسول الله ﷺ وسأله، وقد ناله من مشقة السفر إلى رسول الله ﷺ ما ناله، قال العراقي: ولو كان طلب العلو في الإسناد غير مستحب لأنكر عليه سؤاله عما أخبر به رسوله، لأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه (٦)، ومن هنا نشيد
стр. 12
بالإمام الدارمي ﵀، فما هو إلا واحد من أولئك الأفذاذ الذين خدموا السنة وذبوا عنها بالتحقق من المتن والإسناد، وستقف في ترجمته على مكانته ومكانة مسنده هذا، نسأل الله لنا وله ولكل من آمن بمحمد ﷺ ، وخدم سنته النضارة في الدنيا والآخرة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
стр. 13
سبب تحقيق مسند الدارمي
لا يجهل أهل العلم وطلابه أن نبع روايات السنة النبوية هو الكتب التسعة، على نسق ما بين العلماء ﵏ من تفاوتها فيما حوت من الصحيح، لكن كل ما سواها من المسانيد، والجوامع، والمستدركات، والمصنفات، والأجزاء، راجع إليها فيما صح في الغالب، إلا ما كان من الغرائب الواردة فيها وفي كتب التراجم، ففيها ما هو من غرائب الصحيح، ومنها سوى ذلك، ولما كان كتاب الدارمي هذا أحد الكتب التسعة، وكان جمع مخطوطات الكتب التسعة وإعادة تحقيقها كتابا تلو الآخر، مشروعا طرح في مركز خدمة السنة والسيرة النبوية بالجامعة الإسلامية، ولم يُقدر للمركز المذكور النهوض بأعباء ما وضع للعمل فيه من خطط علمية نادرة الوجود، لأسباب مالية ووظيفية، اختلف عليها أصحاب القرار، توقف العمل في المركز إلى يومنا هذا، ولما كان مسند الدارمي تاسع كتب الحديث المقدمة عند العلماء ﵏، وهي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، ومسند أحمد، ومسند الدارمي، وموطأ مالك، وقد أوقف العمل في مشروع مركز خدمة السنة، فقررت جمع مخطوطات مسند الدارمي، على أوسع ما أمكن، لضبط النص، وتخريجه بعيدا عن الاسهاب في التخريج مستهدفا عامة المثقفين، وذلك على النحو التالي:
ما كان في الصحيحين أو في أحدهما أقف عنده ولا أزيد عليه، ولم أذكر أطراف الحديث عند البخاري، لأنه عمل تخصصي يسهل للباحث الوصول إليه، وما كان في السنن الأربعة أقف عنده مع التعقيب بحكم الإمام الألباني ﵀، وكذلك ما كان في واحد منها، وقد أضيف مسند الإمام أحمد لتعدد رواية النص في أكثر أحاديثه، ولم ألتزم استيعاب الروايات المكررة، وما سوى ذلك أخرجه من مصادره، وكل ذلك مصدَّر بالحكم على سند المصنف في الحاشية، وما لم أذكر له تخريجا فهو مما انفرد به المصنف، رمزت له بالحرف (ت: ) وهو مخرج في كتابي (القطوف الدانية فيما انفرد به الدارمي عن الثمانية) ذاكرا رقم الحديث ليسهل الرجوع إليه، وما لم أقف عليه في موضع آخر، فأذكر الحكم على رواية الدارمي، ولا أعقب بذكر رقمه في القطوف إذ لا زيادة في المعلومات.
وقد اعتمدت أرقام الأحاديث لتوثيق معلومات التخريج، ولإفادة من يرغب في البحث، جعلت أرقام الأحاديث في المطبوعات وفي التحفة والإتحاف في نهاية كل حديث، ليتمكن الراغب في المراجعة من الوقوف على الحديث في المطبوعات، وهي خمس مطبوعات: مطبوعة البغا،
стр. 14
ورمزها (ب) ومطبوعة الداراني (د) ومطبوعة دار الكتب العلمية (ع) ومطبوعة فتح المنان (ف) ومطبوعة محمود عبد المحسن (م) وقد دققت المقابلة بين المخطوطات، وعددها (١١) إحدى عشرة مخطوطة، واعتمدت عناوين الأبواب التي في (ت، ك) وأهملت ما خالفها بزيادة أو نقص في اللفظ، وأهملت كل ما كان مخالفا في المطبوعات المذكورة لما في الأصول، بعد التحقق من كونه خطأً أو تحريفا أو تصحيفا، أو إقحاما، أو زيادة.
وقد تجاوزت في المقابلة بين الأصول الخطية ذاتها وبينها وبين المطبوعات نحو (حدثنا، ثنا، نا، أخبرنا، أنا، أنبأنا، أنبأ، أبنا، قال: فقال: وقال، كان، فكان، وكان، كنا، وكنا، معها، ومعها، السماطين، سماطين، ماء، الماء، فوالذي، والذي، الرسول، النبي، و، أو، ما، من، وهو مما لا يختلف فيه المعنى، وكذلك ما تختلف فيه النسخ من الدعاء نحو: ﵁، أوعنهما، أوعنها، ﷺ ، ﵇ ، ﵃، وهذه الأدعية استحسنت إثباتها لما فيها من الخير، ولو لم تكن في الأصلين التكامليين (ت، ك) وتجاوزت كذلك: باب في كذا، أو باب كذا، وذكر البسملة في أول كل كتاب كما في بعض النسخ، وكل ما ورد في المطبوعات وليس في أحد الأصول الخطية فهو مهمل عندي لتأكدي من أن الصواب ما أثبته من الأصول، وما ألحق من النص صوابا في هوامش الأصول أو أحدها أعتبره من صلب النص، وقد أذكر أنه لحق في الهامش، وما كان تعليقا أبينه.
كتبت النص وفق قواعد الإملاء المعروفة في هذا العصر، صححت كتابة (ابن) بألف أو ... (قالو) بدون ألف، (سيل) بالياء بدل الهمزة (سال) بألف بدل الهمزة، ونقط الألف المقصورة ونحوهذا.
وقد تضمن هذا المسند (٣٧٣٨) حديثا وأثرا بالمكرر، موزعة على (١٣٧١) بابا من العلم، أغلب الأبواب معنون على حديث واحد، أو بضعة أحاديث، وقلّ أن يكون من العشرة فما فوق، وهي أحاديث منها ما اتفق على صحته الشيخان: البخاري ومسلم، وعددها (٥٦٩) حديثا وأثرا، أو وافق المتفق عليه في طرف منه (٣٨) حديثا، ومنها ما انفرد به البخاري وعددها (١١٣) حديثا، وأثرا، وما انفرد به مسلم وعددها (٣٤) أو وافق طرفا منه ما في الصحيحين أو أحدهماوعددها (٣٨) حديثا، وأحاديث فيما بقي من الكتب، أو في بعضها لا تقل عن الحسن، أو الحسن لغيره، إما أن يكون في السند راوٍ سكت عنه النقاد وذكره ابن حبان في الثقات؛ فهذا عندي على السلامة، ومنها يقوي بعضها بعضا، ومنها ما هو طرف من حديث في الصحيحين أو أحدهما، أو في غيرهما، ومنها ما أصله في الصحيحين أو أحدهما أو في غيرهما، ومنها ماله
стр. 15
شواهد في الصحيحين أو في أحدهما، أو في غيرهما، ومنها ما تفرد به الدارمي، وقد أفردتها في مؤلف سميته "القطوف الدانية فيما انفرد به الدارمي عن الثمانية" وفيه من الضعيف قليل، ومن الرواة من قيل فيه: متروك، ومنكر، أو واه، أو يضع الحيث، وهؤلاء لا يتجاوز عددهم العشرة، ومنهم من صح ما رووا من طريق أخرى، وبيان ذلك كله في التخريج.
ومن هنا تبرز مكانة هذا الكتاب العلمية، بين التسعة المعروفة، والعجب من عدم اعتباره من الستة الصحاح، فإنه في نظري أحق من سنن ابن ماجه بذلك، والسبر والاعتبار يوضحان ذلك، والله أعلم.
وقد رقمت أحاديث الدارمي ترقيما عاما، وجعلت ترقيما خاصا لأحاديث الأبواب بين هلالين، هكذا: ١ - (١) كما رقمت الأبواب ترقيما عاما لكل الأبواب، وعددها (١٣٨٩) بابا من العلم، ورمزت في التخريج لِمَا انفرد به الدارمي بحرف التاء هكذا، ت:
فالحمد لله أولا وآخرا على توفيقه، وأن أعان ويسر على إنجاز هذا العمل المبارك، وأسأله تعالى أن ينفع به من وقف عليه وطالعه، وأن يجعله ثقلا في ميزان الحسنات، يمحو به السيئات، وبه يرفع الدرجات في أعالي الجنات.
стр. 16
رواة مسند الدارمي
مسند الدارمي هو رواية أبي عمران عيسى بن عمر بن العباس السمرقندي (١) رحمة الله عنه.
رواية الإمام أبي محمد عبد الله بن أحمد بن حموية السرخسي الحموي (٢) عنه.
روابة أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي البوشنجي (٣) عنه.
رواية أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي الهروي (٤) عنه.
стр. 17
رواية الشيخ الأجل زكريا بن أبي الحسين بن حسان العلبي (١) عنه.
الرواة عن أبي الوقت
١ - زكريا بن أبي الحسين بن حسان العلبي عنه (ت)
٢ - أبو عبد الله محمد بن محمد بن سرايا بن علي البلدي (٢) عنه
(ك).
٣ - شمس الدين أبو العباس أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن عبد الرزاق السلمي البغدادي (٣) (ر/أ، ر/ب).
٤ - أبو المنجا عبد الله بن عمر اللتي (٤) في ثبت سند الأمير الكبير (سد الأرب ص: ٨٠) المتصل به سندنا.
стр. 18
سندي في رواية مسند الدرمي
هذا من شرف أصحاب الحديث شرفهم الله تعالى أن بقي لهم الارتباط بسلسلة من نقلة السنة النبوية المشرفة، عن رسول الله ﷺ ، وإن كان اليوم لا يُعول على أسانيد ما بعد عصر الرواية المعتبر فيها الإسناد، فقد محَّص النقاد الأسانيد في تلك الحقبة من الزمان، وعرَّفوا لنا رجالها من حيث الضبط والعدالة، ورسموا معالم الطريق على أوضح ما يكون البيان والجلاء، ولم يبق لنا إلا التبرك بسلسلة النقل من جيل إلى جيل، لهذا أحببت انتظامي في هذا العقد المبارك، رجاء أن أكون ممن استحق دعوة رسول الله ﷺ حين قام بالخيف من منى فقال: «نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه» فبالإجازة من الشيخ العالم علم الدين محمد بن ياسين بن عيسى الفاداني المكي، في سنة (١٤٠٤ هـ) أجازني كتابة بما في ثبته (الدر النثير في الاتصال بثبت الأمير) عن الشيخ عبد الرحمن كريم بخش الهندي قراءة وإجازة، عن الشيخ العالم حضرت نور الفنجابي الهندي إجازة، عن مؤسس المدرسة الصولتية الشيخ العالم رحمت الله بن خليل الرحمن الهندي المتوفي بمكة في سنة (١٢٨٠ هـ) عن الشيخ العالم الفاضل علي أحمد الهندي، عن محدث الهند الشاه عبد العزيز الدهلوي (١)، عن أبيه الشاه ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي (٢)، عن العلامة عثمان بن حسن الدمياطي، عن العلامة الشيخ محمد بن أحمد الأمير الكبير، عن الأستاذ الحفني، عن شيخه البديري، عن الملا إبراهيم الصفي القشاشي، عن الشمس الرملي، عن شيخ الإسلام زكريا، عن مسند الدنيا محمد بن مقبل الحلبي، عن جويرية بنت أحمد الكردي الهكاري، أنا علي بن عمر الكردي، أنا أبو المنجا عبد الله بن عمر اللتي، أنا الداودي، أنا السرخسي، أنا أبو عمران عيسى بن عمر السمرقندي، أنا الدارمي قال: أنا يزيد بن هارون، أنا حميد، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة لسوقا» - قالوا: وما هو؟ قال: «كثبان (٣)، من مسك، يخرجون إليها
стр. 19
فيجتمعون (١)، فيها، فيبعث الله عليهم ريحا فتدخلهم (٢) بيوتهم، فيقول لهم أهلوهم: لقد ازددتم بعدنا حسنا، ويقولون لأهليهم: مثل ذلك» (٣). وهذا أعلى ماعنده.
ترجمة الدارمي
رحمة الله علينا وعليه
نسبه:
عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الله (٤).
كنيته: أبو محمد.
نسبته:
الدارمي، التميمي، السمرقندي، نسبة إلى دارم بن مالك بن حنضلة بن زيد بن مناة بن تميم (٥)، فنسب إلى الجدين: دارم وتميم، ودارم بطن من تميم.
ولادته:
ولد سنة (١٨١) إحدى وثمانين ومائة من الهجرة (٦)، قال الدارمي: ولدت في سنة مات بن المبارك سنة إحدى وثمانين ومائة (٧).
بلده:
стр. 20
سمرقند، وقد نسب إليها كغيره من الأئمة الذين نشاؤوا في هذه البلدة العظيمة، وهي: مجموعة قرى من بلاد خراسان، خرج منها أئمة كبار.
سعيه في طلب العلم:
لم أقف على ذكر لنشأة الدارمي، وطفولته، ولا متى بدأ سعيه في طلب العلم، و رحلاته تشهد بحرصه على طلب العلم.
رحلاته:
كان أحد الرحالين في الحديث والموصوفين بجمعه وحفظه والإتقان له مع الثقة (١)، فرحل إلى العراق، والشام، ومصر، وأخذ عن أعلام علمائها، وبيان ذلك في ذكر بعض شيوخه، وسكن بغداد، وكان يقول: كان يُقرعُ عليّ بأبي ببغداد فأقول: من ذا؟ فيقول يحيى بن حسان، نعم الإدام الخل (٢).
من أشهر شيوخه:
شيوخه كثيرون منهم من الجيل الثالث أتباع التابعين، أئمة ثقات، من أمثال: يزيد بن هارون وعبد الله بن موسى ومحمد بن يوسف الفريابي ويعلى بن عبيد وجعفر بن عون ويحيى بن حسان التنيسي وأبي المغيرة الحمصي الخولاني، والحكم بن نافع البهراني، وعثمان بن عمر بن فارس، وسعيد بن عامر الضبعي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، وأشهل بن حاتم، وزكريا بن عدى، وأبى صالح كاتب الليث بن سعد (٣)، والنضر بن شميل، ووهب بن جرير، وطبقتهم بالحرمين، وخراسان، والشام، والعراق، ومصر (٤) وسمع بدمشق أبا مسهر الغساني، ومروان بن محمد، وعبد الوهاب بن سعيد المفتي، وزيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي، ومحمد بن المبارك الصوري، وعبدالله بن جعفر الرقي، ودحيما، وأحمد بن عبد الرحمن، والقاسم بن كثير، وعبيدالله بن عبدالمجيد الحنفي، وأخيه أبي بكرعبدالكبير، ومحمد بن بكر البرساني، ومحمد بن كثير المصيصي، وعبدان بن عثمان، والنضر بن شميل، ويحيى بن حماد،
стр. 21
ووهب بن حرب، وبشر بن عمر الزهراني، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وخالد بن مخلد القطواني، ومحمد بن القاسم الأسدي، وسهل بن حماد الدلال، وأبي عاصم، والأسود بن عامر شاذان، وأبي عبد الرحمن المقرئ، وقبيصة بن عقبة، وعبيد الله بن موسى، وأبي النضر هاشم بن القاسم، ويونس بن محمد المؤدب، وعفان، ويعلى بن أسد، وأبي الوليد الطيالسي، ومنصور بن سلمة الخزاعي، وخلق سواهم (١)، وينزل إلى دحيم وخليفة ابن خياط (٢).
حالته الاجتماعية:
كان فتا نبيها ذا همة عالية، حتى عد رابع أربعة اشتهروا بالفتوة في المكارم وطلب لعلم، فتيان خراسان أربعة: الدارمي، والبخاري، وزكريا اللؤلئي، والحسن بن شجاع (٣).
من تلاميذه:
روى عنه خلق كثير بعضهم من أقرانه من أمثال:
الإمام مسلم، وأبو داود، والترمذي، وعبد بن حميد وهو أقدم منه، ورجاء بن مرجيالحافظ، والحسن بن الصباح البزار، ومحمد بن بشار بندار، ومحمد بن يحيى: وهم أكبر منه، وروى الترمذي أيضا عن محمد بن إسماعيل البخاري عنه، وبقيّ بن مخلد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإبراهيم بن أبي طالب، وجعفر بن أحمد بن فارس، وجعفر الفريابي، وعمر بن محمد بن بجير، ومحمد بن النضر الجارودي، وعيسى بن عمر السمرقندي راوي مسنده عنه، وآخرون، ومحمد بن يحيى الذهلي، وقدم بغداد وحدث بها فروى عنه من أهلها:
صالح بن محمد المعروف بجزرة، وعبد الله بن احمد بن حنبل، ومحمد بن عبدوس بن كامل السراج، وروى عنه أيضا محمد بن عبد الله الحضرمي مطين قال الخطيب: وأراه سمع منه ببغداد وبالكوفة (٤) والنسائي خارج سننه، وحفص بن أحمد بن فارس الأصبهاني، وعيسى بن عمر السمرقندي (٥).
стр. 22
مكانته العلمية:
كان إماما حافظا، ثقة فاضلا، أثنى عليه العلماء الكبار بما هو أهله وقال محمد بن بشاروهو من تلاميذ الدارمي: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بنيسابور، وعبدالله بن عبدالرحمن بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخاري، كان بندار يفتخر بكونهم حملوا عنه (١)، وقال رجاء بن مرجي وهو من تلاميذه أيضا: رأيت سليمان الشاذكوني وإسحاق بن راهويه - وسمَّى جماعة - فما رأيت أحفظ عن عبدالله الدارمي وقال أبو حاتم الرازي، محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلم من بخراسان اليوم، ومحمد بن أسلم أورعهم، وعبدالله بن عبدالرحمن أثبتهم (٢)، وهنا نلاحظ أن أبا حاتم يرى الدارمي أثبت من البخاري وشيخه الذهلي، وهما إمامان عظيمان ولاسيما البخاري، وليس في هذا مبالغة من أبي حاتم، فالدارمي معدود من الأئمة الكبار يشهادة الآئمة أنفسهم، يقول أبو حامد بن الشرقي: إنما أخرجت خراسان من أئمة الحديث خمسة: محمد بن يحيى، ومحمد بن إسماعيل، وعبدالله بن عبدالرحمن، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب (٣)، فالأول البخاري، والثاني الذهلي، والثالث الدارمي، والرابع مسلم بن الحجاج، وقال إسحاق بن داود السمرقندي: قدم قريب لي من الشاش فقال: أتيت ابن حنبل فجعلت أصف له بن المنذر، وجعلت أمدحه، فقال ابن حنبل: لا أعرف هذا، قد طالت غيبة إخواننا عنا، ولكن أين أنت عن عبد الله بن عبد الرحمن؟ عليك بذاك السيد، عليك بذاك السيد، عليك بذاك السيد: عبد الله بن عبد الرحمن، وقال رجاء بن جابر المرجى: رأيت ابن حنبل، وإسحاق، وبن المديني، والشاذكونى، فما رأيت أحفظ من عبد الله - يعني الدارمي - وقال: ما أعلم أحدا أعلم بحديث النبي ﷺ من عبد الله بن عبد الرحمن (٤)، وقال عبد الصمد بن سليمان الأعرج البلخي: سألت أحمد بن حنبل عن الحماني فقال: تركناه بقول عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، لأنه إمام (٥)، وقال محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي ببغداد: يا أهل خراسان،
стр. 23
ما دام عبد الله بن عبد الرحمن بين أظهركم فلا تشتغلوا بغيره (١)، وقال أبو سعيد الأشج: عبد الله بن عبدالرحمن إمامنا (٢)، وقال عثمان بن أبي شيبة: أمْرُ عبدالله بن عبدالرحمن أعظم من ذاك، فيما يقولون من البُصر والحفظ وصيانة النفس عافاه الله (٣)، وقال محمد بن عبدالله بن نمير: غلبنا عبدالله بن عبدالرحمن بالحفظ والورع (٤)، وقال أبوحاتم: عبدالله ابن عبدالرحمن السمرقندي إمام أهل زمانه (٥)، وكان يقصده الحفاظ لحديث «نعم الإدام الخل» وهو حديث صحيح غريب فرد على شرط الشيخين وانفرد مسلم به، ورواه أيضا أبوعيسى في جامعه كلاهما عن أبي محمد الدارمي تفرد به قال الدارمي: فكان يُدق عليّ الباب وأنا ببغداد فأقول من ذا فيقول يحيى بن حسان نعم الإدام الخل (٦).
عقيدته:
كان ﵀ من أئمة أهل السنة والجماعة، على السنن القويم، والصراط المستقيم، لم يغمز في دينه، أوصى به الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة، وقد أظهر علم الحديث والآثار بسمرقند، وذب عنها الكذب (٧).
ذكر بعض صفاته:
قال الذهبي: قد كان الدارمي ركنا من أركان الدين (٨)، وكان على غاية العقل، وفي نهاية الفضل، يضرب به المثل في الديانة، والحلم والرزانة، والاجتهاد والعبادة، والتقلل والزهادة (٩)، وكان ثقة زيادة، أثنى العلماء عليه خيرا (١٠)، وكان من أهل الصدق والورع والزهد (١١)، قال الإمام أحمد
стр. 24
ابن حنبل وذكر عبد الله بن عبد الرحمن: هو ذاك السيد، ثم قال: عُرض عليّ الكفر فلم أقبل (١)، وعُرض عليه الدنيا فلم يقبل (٢)، وقال محمد بن عبدالله بن نمير: غلبنا عبدالله بن عبدالرحمن بالحفظ والورع (٣)، وقال محمد بن إبراهيم بن منصور الشيرازي كان عبدالله على غاية من العقل والديانة من يضرب به المثل في الحلم والدراية والحفظ والعبادة والزهادة أظهر علم الحديث والآثار بسمرقند وذب عنها الكذب وكان مفسرا كاملا وفقيها عالما (٤)، وقال أبو حاتم بن حبان: كان الدارمي من الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين ممن حفظ وجمع وثقفه وصنف وحدث وأظهر السنة ببلده ودعا إليها وذب عن حريمها وقمع من خالفها (٥).
ألقابه العلمية:
الإمام الحافظ شيخ الإسلام بسمرقند، الحافظ عالم سمرقند (٦).
مناصبه:
طلب ليكون قاضيا على سمرقند فأبى فالح عليه السلطان حتى تقلده وقضى قضية واحدة ثم استعفي فأعفي (٧).
مؤلفاته:
صنف المسند والتفسير والجامع (٨)، ومسنده المذكور عالي السند وهو في طبقة منتخب مسند عبد بن حميد (٩)، قال أحمد بن سيار المروزي الحافظ كان الدارمي حسن المعرفة قد دون المسند والتفسير (١٠).
стр. 25
وفاته:
قال أحمد بن سيار: عبد الله بن عبد الرحمن أبو محمد، كان حسن المعرفة، قد دوَّن المسند والتفسير، مات في سنة خمس وخمسين - يعني ومائتين - يوم التروية بعد العصر، ودفن يوم عرفة وذلك في يوم الجمعة، وهو ابن خمس وسبعين سنة (١)، وقال أحمد بن ماهان البلخي الحافظ: مات عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي يوم عرفة، وذلك يوم الخميس ودفن يوم الجمعة، سنة خمس وخمسين ومائتين (٢) قال إسحاق بن أحمد بن خلف كنا عند محمد بن إسماعيل البخاري فورد عليه كتاب فيه نعي عبدالله بن عبدالرحمن فنكسرأسه ثم رفع واسترجع وجعل تسيل دموعه على خديه ثم أنشأ يقول:
إن تبق تفع بالأحبة كلهم ... وفناء نفسك لا أبا لك أفجع
ثم قال إسحاق ما سمعناه ينشد إلا يجيء في الحديث (٣) قلت: هذه مكانة الدارمي عند البخاري، ﵏ رحمة واسعة، ونسأله تعالى أن يرحمنا بمنه وكرمه وهو أرحم الراحمين.
стр. 26
مقابلة المخطوطات
إن هذه النسخ يلتقي رواتها في أبي الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي، كما تقدم بيانه والأصل المبني عليه من هذه المخطوطات هو نسخة رئيس الكتاب، وبالنسبة إليها ففي (د) نقص من الأول إلى جزء من حديث (١٠٢) بعد باب التورع عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، وهذا النقص موجود في (ل) من الأول إلى جزء من حديث (١٠٢) ويؤكد هذا أن (ل) فرع عن (د) لحداثة الخط في (ل) وعدم تدوين السماعات، ولهذا رأيت الاستمرار في المقابلة بينهما، وفي (ك) قال: " رواية أبي عبد الله محمد بن محمد بن سرايا بن علي البلدي عنه " أي عن أبي الوقت، فيكون مشاركا لزكريا العلبي في الرواية عن أبي الوقت، وفي (م) قال: " رواية أبي بكر محمد بن مسعود بن بهروز، الطبيب المارستاني، عنه سماعا في شعبان سنةثلاث وخمسين وخمسمائة " أي عن أبي الوقت، فيكون مشاركا لزكريا العلبي وأبي عبد الله محمد بن محمد بن سرايا بن علي البلدي، في الرواية عن أبي الوقت، فنزل السند برواية الشيخة المسندة الأصيلة، ست الملوك فاطمة بنت العدل السعيد، تاج الدين أبي نصر، علي بن علي بن الحسين بن أبي البدر الكاتب عن أبي بكرمحمد بن مسعود سماعا في ذي القعدة من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وهو الراوي عن أبي الوقت، وعنها رواية الشيخ المسند سراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن عمر الفروي المقرئ المحدث عنها بقراءته عليها بباب المراتب شرقي بغداد في رجب سنة سبع وسبعمائة، في أربعة مجالس، رواية الكاتب عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الاسفراييني، تاب الله عليه، عنه إجازة. وفي (و) بدأ بقوله: " هذا مسند الحافظ أبي محمد الدارمي ﵁ " وعقب ذلك إجازة.
وفي (ف) بدأ بفهرس لبعض ما في المسند، وتعليقات عن السيوطي، وفي بداية الباب الأول خطأ.
وفي (ر/أ، ر/ب) قال: " أخبرنا الشيخ، الصالح الثقة، شمس الدين أبو العباس، أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن عبد الرزاق، السلمي البغدادي، بقراءتي عليه، في ذي الحجة سنة ست وستمائة (ر/أ، سنة ست وستين وستمائة، ر/ب) بدمشق كلأها الله قيل له: " أخبركم الشيخ الثقة الأوحد المعمَّر، أبو الوقت .... " وساق سند الدارمي.
وفي (ع/أ) مثل (ت) في صفحة العنوان، وبدأ في (ع/ب) بالبسملة، باب ما كان عليه الناس ...
стр. 27
وما كان من سقط أوفروقات في هذه الأصول الخطية فقد بينته في موضعه أثناء التحقيق، فإذا كان الأمر متعلقا بكلمة واحدة فإني أضع على آخرها رقم التعليق، دون حصرها بين هلالين، وما زاد عن الكلمة أجعله بين علامتي تنصيص هكذا " ... " وإذا كان سقطا أكبر فبين معقوفين هكذا [ .... ] وما كان من دعاء نحو:
﵄، ﷺ ، كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، ﵁، رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، حَدَّثَنَا، ﵂، ، أَنْبَأَ.
فأبقيه طلبا للثواب، وأطلب من الله العون في كل حال، وأسأله تمام كل عمل على الوجه يرضية، ولا أزعم الكمال فأنا كغيري من البشر يلحقني السهو والملل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 28
نماذج المخطوطات
مرتبة حسب التأريخ باختصار المعلومات عن كل مخطوطة.
١ - نسخة رئيس الكتاب سنة أربع وثلاثين وستمائة هـ، رمزها (ت).
٢ - نسخة دار الكتب المصرية ليلة الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ٧٣٥ هـ، رمزها (د).
٣ - نسخة ليدن، ٢٢ ربيع الآخر سنة ٧٣٥ هـ، رمزها (ل).
٤ - نسخة كوبر يلي، رمزها (ك) نص على عدد الأحاديث (٣٥٥٠ حديثا) والأبواب (١٤٨٠) بابا، وعليها سماعات من تأريخ ٥٥٣ هـ إلى سنة ٨٣٢ هـ وقد قيد عليها في مواضع القراءة على: محمد بن الحسن بن محمد الفاقوسي (١).
٥ - نسخة مراد ملا، بعد صلاة العصر من يوم الاثنين ١١ ربيع الأول سنة ٧٨٩ هـ، رابع شعبان سنة ٨٣٣ هـ، رمزها (م).
٦ - نسخة ولي الدين، يوم الأحد ١٣ محرم سنة ٩٠٦ هـ، رمزها (و) خالية من التعليق.
٧ - نسخة فيض الله يوم الخميس ١ رجب سنة ١١٠٥ هـ، رمزها (ف) خالية من أي تعليق.
٨ - نسخة الرباط بدون تأريخ، رمزها (ر/أ).
٩ - نسخة الرباط بدون تأريخ، رمزها (ر/ب) وفيها نقص من آخرها.
١٠ - نسخة مكتبة الملك عبد العزيز، رمزها (ع/أ) خالية من أي تعليق.
١١ - نسخة مكتبة الملك عبد العزيز، رمزها (ع/ب) خالية من أي تعليق.