← Общие книги

Общие книги · id 36118

حقوق المرأة في ضوء الكتاب والسنة

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (211 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

حقوق المرأة في ضوء الكتاب والسنة دراسة عصرية موثقة إعداد د/ مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني

стр. 2

(١) المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين: نبينا محمد حجة الله على الخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن استجاب لدعوته وعمل بما أنزل الله عليه وهو الحق المبين، وسار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد: فإن الدعوة إلى تحرير المرأة في هذا العصر جاءت ضمن حملة شعواء شاملة على كل ما ينتمي إلى الإسلام، وقد نحج الأعداء في استقطاب ثلة من أبناء المسلمين للقيام بمهمة الدعوة إلى تحرير المرأة، والعجب أن الدعوة مبنية على أن المرأة لم تأخذ حقوقها كاملة في ظل الإسلام، وقد أدرك الأعداء أن خير من يقوم بهذه المهمة هم أبناء وبنات المسلمين، بعد أن زودوا بالأفكار والمبررات المختلقة لهذا الفكر الهدام، فالمسلمون يقبلون من أبنائهم وبناتهم ما لا يقبلونه من الأعداء، فاكتفى الأعداء بإعداد خطط الهدم، وأبناء المسلمين وبناتهم يقومون بالتنفيذ، ومن هنا وجب على علماء المسلمين العالمين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن يتصدوا لهذه الهجمة الشرسة، ببيان حقوق المرأة في ضوء الكتاب والسنة، وذلك لأهمية الموضوع في العدل والمساواة وإعطاء كل ذي حق حقه، وليأمن الناس على أن حقوقهم المشروعة تصل إليهم في ظل الإسلام، ولاسيما في بلادنا المملكة العربية السعودية، إذ الحكم فيها قائم على الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس بعد النظر في الأشباه والنظائر، وما تقضي به المصالح المرسلة فيما لا ضرر فيه ولا ضرار.

стр. 3

إن عدالة الإسلام المباركة يراد منها إحقاق الحق كما أراد الله ورسوله، وإنصاف كل فرد على وجه الأرض، بإعطائه حقوقه المشروعة، ذكرا كان أو أنثى، حتى لو كان عدوا، ولهذا على علماء المسلمين حماية الشريعة الغراء من عبث العابثين، وانتحال المبطلين، وعليهم رد كيد الأعداء، الطاعنين في الإسلام بزعمهم أنه بخس الحقوق، وقيّد الحريات، ولاسيما حقوق المرأة وحريتها، وهو بهتان عظيم، وافتراء على أقدس الأديان، وأوسعها وأكملها عدلا وحرية ومساواة، فالإسلام لم يأت إلا رحمة للناس كافة، ولذلك أرسل نبينا محمد ﷺ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) هكذا الأمر للناس كافة دون استثناء، بل وللجن أيضا ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (٢) وما حدث هذا الأمر إلا لمخاطبتهم بالإسلام الذي جاء به نبينا محمد ﷺ ، وإذا كان مجيء الإسلام جملة وتفصيلا على لسان نبينا محمد ﷺ ليكون رحمة للعالمين: الجن والإنس، من عند خالقهم العليم ببيان ما يصلح أحوالهم وما يفسدها، فكيف يتسنى لزاعم أن يزعم أن الإسلام فيه ظلم وعسف وتقييد للحريات، والعجب أن تسمع هذا الهراء من بعض المنتسبين إلى الإسلام، وكان أحسن منه قولا في الإسلام قول من لم يؤمن بمحمد ﷺ : ذلك المستشرق، إذ قال: "وفي الحقيقة لو قرأ المسيحيون باهتمام شريعة المسلمين

стр. 4

وتاريخهم، وتدبروهما لاستولى عليهم الحياء حين يشاهدون هؤلاء المسلمين ذوي غيرة على عبادتهم وتقواهم وتصدّقهم، وإلى أي حد هم متفانون في إخلاصهم، قانتون في مساجدهم، وإلى أي حد هم مطيعون لرئيسهم الروحي، حتى أن الحاكم لا يحاول أمرا إلا بعد مشورة المفتي، وإلى أي حد هم مهتمون بمراعاة أوقات الصلوات الخمس، في كل يوم حيث وجدوا، وأيا كانت مشاغلهم، ما أشد مراعاتهم دائما لصومهم، من الصباح حتى المساء، طول أيام الشهر بلا انقطاع، وما أكثر توادّ المسلمين وتراحمهم، وما أعظم ما يرى من عنايتهم بالغرباء في نزلهم، سواء بالفقير أم بالنازح المسافر، لو تأملنا عدالتهم ونزاهتهم، وسائر فضائلهم الخلقية، لخجلنا من جمودنا، سواء في عبادتنا، أم في تراحمنا، ولخجلنا من جورنا وإفراطنا وتعسفنا، ولا ريب أن هؤلاء الناس سيقيمون الحجة علينا، ولا شك أن عبادتهم وتقواهم وأعمالهم والرحمة فيهم هي الأسباب الرئيسة لنمو الدعوة المحمدية" (١). ويقول مستشرق آخر أشد عداوة للإسلام من هذا: "نجد كثيرين من الإغريق من ذوي المواهب العالية والميزات الخلقية، قد بلغ من تأثرهم بتفوق المسلمين، أنهم حتى عندما كانوا يتجنبون الاندماج في خدمة السلطان (٢)، بأداء ضريبة الأبناء، كانوا يدخلون في دين محمد بمحض إرادتهم". إن ما يعزوه المنصفون من المستشرقين من فضائل وأخلاق حسنة إلى المسلمين، مرده الإسلام نفسه الذي لا يعرف إلا الكمال في كل فضيلة، ومن قرأ تأريخ الإسلام بفقه وتجرّد، لا

стр. 5

يجد غير هذا، ويجد أن الإسلام لم ينطلق فاتحا الأقطار شرقا وغربا إلا لنجدة الناس ورحمتهم، كيما يحرر قلوبهم من العبودية لغير الله تعالى، وينير عقولهم بالتفكير في من خلقهم، ومن أجلهم خلق ما في الأرض، وخلق الأزواج كلها ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) جاء الإسلام فاتحا ليحرر الضمائر والعقول، من قيود الوثنية والجهل بالله تعالى، ويطلق حريات الناس في البحث عن الحق، ومحاربة الباطل، لإقرار العدالة بين الناس كافة، ومنع الفساد في الأرض، ومن أجل ذلك انطلق إلى الشرق يقاتل، من أجل رحمة الناس، وإخراجهم من تلك الإهانة البالغة: عبادة الفروج والأبقار، إنسان كرّمه الله يعبد بقرة خلقت لخدمته وأكله وشربه، وهو في ذل مقيت يتبرك بروثها ويغتسل ببولها، إنه أمر عجيب أن يهدر إنسان كرامته، وأن يعبد فرجا أو قردا أو خنزيرا، أو غير ذلك مما لا عدّ له ولا حصر في ديانات الوثنيين، التي جعلت الإنسان الذي كرّمه الإسلام، في هوان مستمر وحقارة لا مثيل لها، جاء الإسلام لرحمة الناس من هذا البلاء ومن بلاء العنصريات، التي أذابها بين المؤمنين به كما يذوب الملح في الماء، وفي غير الإسلام لا زالت قائمة ماثلة للعيان، فبالأمس القريب كانت جنوب إفريقيا مضرب المثل في

стр. 6

التمييز العنصري، ولا زالت تشوبها أكدار العنصرية، وما يلاقيه الشعب الفلسطيني من عذاب وقتل ودمار وتهجير من أبرز أسبابه العنصرية، ومن زعم أن الإسلام جاء لغير الرحمة والعدل والمساواة، وموازنة الحقوق والواجبات، فقد أعظم الفرية على الله ورسوله والمؤمنين، ولهذا فإننا حينما نطرح حقوق المرأة في الكتاب والسنة النبوية إنما نفعل ذلك لبيان الحق ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) إننا يقول للناس: إن الإسلام هبة من الله تعالى لآدم ﵇ وبنيه، فلم يكن أمرا جديدا جاء به نبينا محمد ﷺ ، بل ما جاء به ﷺ حق مرتبط بالرسالات السابقة، إنها جميعا تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتطالب بتحكيم شرعه، فكل فرد من بني آدم مطالب أن يرتبط بالرسالة الربانية في كل شئونه في الحياة، وكان الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام أول من استجاب للرسالة الربانية، وتبعهم أصحابهم ومن بعدهم من العلماء العاملين، والدعاة المصلحين، والأئمة المجتهدين، وليس ذلك مقصورا على زمان دون آخر، بل طالبهم بالإيمان بما جاءت به الرسل، في كل زمان ومكان، أمر الله بذلك نبينا محمدا ﷺ فقال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ

стр. 7

رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١) وخاطب المؤمنين به فقال: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢) وأمرهم بالتطبيق العملي لذلك فقال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٣) هذا وصف لما عليه المسلمون مع نبينا محمد ﷺ ، وبيان بأن هذا النهج هو نهج النبي إبراهيم ﵇ ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ

стр. 8

الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) وأثنى الله تعالى على هذا المنهج فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٢) وأمر تعالى نبينا محمدا ﷺ أن يعلن بأن الله هداه إلى طريق الحق فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) وبيّن تعالى أن هذا الاتباع ما هو إلا وحي منه تعالى إلى نبينا محمد ﷺ ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) وكان ما جاء به نبينا محمد ﷺ خاتمة كل الأديان، وكان ﷺ خاتمة الأنبياء والرسل، فلا نبي بعده، ولا رسول بعده، ولا دين غير ما جاء به ﷺ ، وما سواه من الأديان إما حق منسوخ بما جاء به ﷺ ، أو باطل مفترى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ

стр. 9

الْحِسَابِ﴾ (١) فلا يطلب دين سواه، ولا يعبد الله بغيره، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) وقال رسول الله ﷺ : ١ - (لا يسمع بي من أمتي، يهودي، أو نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار) (٣) فالإسلام ليس نظرية تبنى على التجربة، إنه علم مؤكد لا ريب فيه، لأنه وحي منزّل من خالق عليم، لبيان أن ما وقع فيه بنو آدم من عبادة غير الله، أو تحريف ما هو حق وتزويره، بقصد وضع مناهج للحياة أنه من عمل الشيطان، الذي يجلب على بني آدم بخيله ورجله ليضلهم عن سبيل الله، ومن لم يقتنع بهذا فلا نملك له الهداية، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

стр. 10

(٢) خطة البحث رأيت أن يبنى هذا البحث على أبواب، وفصول ومباحث على النحو التالي: الباب الأول حول الإنسان، وفيه فصلان: الفصل الأول: خلق الإنسان، وفيه مباحث: المبحث الأول: تعريف الإنسان. المبحث الثاني: بيان أصل خلقة. المبحث الثالث: اصطفاء الإنسان وتكريمه. الفصل الثاني التوجه والارتباط، وفيه مباحث المبحث الأول: الرسالة إلى الإنسان. المبحث الثاني: ارتباط الإنسان بالرسالة. الباب الثاني: المساواة بين الرجل والمرأة، وفيه فصلان: الفصل الأول: أصل الخلق وحق الحياة، ومتطلباتها، وفيه مباحث: المبحث الأول: المساواة في أصل الخلق. المبحث الثاني: المساواة في حق الحياة. المبحث الثالث: المساواة في متطلبات الحياة. المبحث الرابع: المساواة في حق التكريم. المبحث الخامس: المساواة في حق الكسب. المبحث السادس: المساواة في حق النكاح المبني على الشرع. المبحث السابع: المساواة في حق اختيار الزوج. المبحث الثامن: المساواة في حق قضاء الوطر. المبحث التاسع: المساواة في تحريم نكاح المشركين.

стр. 11

الفصل الثاني: المساواة في التكليف وتحمل المسئولية، وفيه مباحث. المبحث الأول: المساواة في التكليف. المبحث الثاني: المساواة في تحمل المسئولية. المبحث الثالث: المساواة في الحدود. المبحث الرابع: المساواة في حق الشورى. المبحث الخامس: المساواة في حرية الرأي. المبحث السادس: المساواة في حق التعليم. المبحث السابع: المساواة في حق تعليم الغير. الباب الثالث: الفروق بين الرجل والمرأة، وفيه فصلان. الفصل الأول: ما ينفرد به الرجل عن المرأة، وفيه مباحث. المبحث الأول: القوامة. المبحث الثاني: وجوب الصلاة في جماعة. المبحث الثالث: إباحة الزواج بأكثر من امرأة. المبحث الرابع: إباحة الاستمتاع بملك اليمين. المبحث الخامس: إباحة الزواج من المرأة الكتابية. المبحث السادس: جعل العصمة بيد الرجل. المبحث السابع: الطلاق صيغته وصفته للرجل. المبحث الثامن: الرجوع عن الطلاق للرجل. المبحث التاسع: الإمهال في حالة الإيلاء. المبحث العاشر: الولاية على المحارم. المبحث الحادي عشر: انتساب الأبناء. المبحث الثاني عشر: زيادة النصيب في الميراث وليس مطلقا. المبحث الثالث عشر: شهادته بشهادة اثنتين وليس مطلقا.

стр. 12

المبحث الرابع عشر: حرمة الاستمتاع من الزوجة بالفرج في حالتي الحيض والنفاس. المبحث الخامس عشر: حرمة إتيان الزوجة في الدبر. المبحث السادس عشر: الولاية العامة والخاصة. المبحث السابع عشر: الجهاد. المبحث الثامن عشر: وجوب النفقة على الزوج. المبحث التاسع عشر: وجوب نفقة المرضعة على الزوج. الفصل الثاني: ما تنفرد به المرأة عن الرجل، وفيه مباحث. المبحث الأول: خلقها من الرجل. المبحث الثاني: وجوب الحجاب. المبحث الثالث: حق الرضاع والحضانة. المبحث الرابع: حق الزينة والتجمل. المبحث الخامس: حق رعاية الأسرة. المبحث السادس: حق الأمومة، وزيادة البر. المبحث السابع: عدم وجوب الجهاد. المبحث الثامن: وجوب العدة على المرأة. المبحث التاسع: حرمة كتمان ما يخلق في الأرحام. المبحث العاشر: حق المرأة في كيفية الطلاق. المبحث الحادي عشر: حق المرأة في المخالعة. المبحث الثاني عشر: حق المرأة في العدل وعدم المضارة. المبحث الثالث عشر: حق المرأة الميراث. الخاتمة الفهارس: فهرس الآيات. فهرس الأحاديث. فهرس المصادر. فهرس الموضوعات.

стр. 13

(٣) الباب الأول حول الإنسان، وفيه فصلان: ١/ ٣ - الفصل الأول: خلق الإنسان، وفيه مباحث: ٢/ ٣ - المبحث الأول: تعريف الإنسان . الإِنسانُ أَصله إِنْسِيانٌ، لأَن العرب قاطبة قالوا في تصغيره: أُنَيْسِيانٌ، فدلت الياء الأَخيرة على الياء في تكبيره، إِلا أَنهم حذفوها لمّا كثر في كلامهم، والجمع الناس، مذكّر، وفي التنزيل: يا أَيها الناسُ، وقد يؤنّث على معنى القبيلة أَو الطائفة، كقولهم: جاءَتك الناسُ، معناه: جاءَتك القبيلة، أَو القطعة منهم، وفي حديث ابن صَيَّاد: قال النبي ﷺ ذاتَ يوم: ٢ - (انْطَلِقوا بنا إِلى أُنَيسيانٍ قد رأَينا شأْنه) وهو تصغير إِنسان، جاء شاذّاً على غير قياس، وقياسه أُنَيْسانٌ، وإِذا قالوا أَناسينُ فهو جمع بَيِّنٌ، مثل بُسْتانٍ وبَساتينَ، وإِذا قالوا: أَناسي كثيراً، فخففوا الياء، وأَسقطوا الياء التي تكون فيما بين عين الفعل ولامه، مثل قَراقيرَ وقراقِرَ، ويُبَيِّنُ جواز أَناسي، بالتخفيف، قول العرب: أَناسيَة كثيرة، والواحدُ إِنْسِيٌّ وأُناسٌ، روي عن ابن عباس ﵄ أَنه قال: إِنما سمي الإِنسان إِنساناً لأَنه عهد إِليه فَنَسيَ، وهو حجة قوية لمن قال: إِذا كان الإِنسان في الأَصل إِنسيانٌ، فهو إِفْعِلانٌ من النِّسْيان (١). فالإنسان اسم جنس يطلق على بني آدم، الذكر والأنثى، الصغير والكبير، الأبيض والأحمر، والأصفر والأسود، وهذا الجنس من خلق الله تعالى، كتب له الاصطفاء من سائر المخلوقات، والتكريم

стр. 14

على سائرها، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (١) والذي يهمنا في هذا البحث الإنسان المرأة: ٣/ ٣ - المبحث الثاني بيان أصل خلق الإنسان . لقد خلق الله البشر من نفس واحدة هي آدم ﵇، وكان خلقه من تراب، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢) هذا ما يتعلق بخلق آدم ﵇ بادئ ذي بدء، ثم خلق من هذه النفس التي هي آدم زوجها حواء، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣) ومن هذين الزوجين تحوّل خلق الناس جميعا من نطفة، كوّنها الله تعالى في علاقة بين الذكر والأنثى، نطفة من ماء مهين، أمشاج ﴿أَكَفَرْتَ

стр. 15

بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ (١) تسري في رحم المرأة بعد علاقتها بالرجل، في أطوار التخليق، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٢) فيخرج بعد ذلك بشرا سويا، ليأخذ مساره في الحياة وفق ما قدّر الله له، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٤) فكان أصل خلق الإنسان وهو آدم ﵇ من تراب، ثم خلقت فيه النطفة، وخلقت له الزوج حواء، ومنهما خلق الأزواج، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ

стр. 16

خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (١) ومن هنا ورد قول رسول الله: ﷺ ٣ - (إنما النساء شقائق الرجال) (٢) أي مثلهم في الخلق، ومثلهم في التكريم، ومثلهم في العبادة، ومثلهم في تحمل المسئولية، كل حسب قدراته وما فطر عليه، وما اقتضى التكوين الخلقي استثناءه للرجل أو للمرأة، فذلك لكونه لا يصلح له غيره. ٤/ ٣ - المبحث الثالث اصطفاء الإنسان وتكريمه . لما خلق الله آدم ﵇ أسكنه وزوجه الجنة ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) وكان فيما قدّر الله أن آدم وزوجه يأكلان من الشجرة، ويخرجان من الجنة، بسبب تزيين الشيطان ذلك لهما ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا

стр. 17

مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ (١) فأكلا منها ووقعا في الخطأ ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٢) وكان من قضاء الله تعالى أن يخرج آدم وزوجه من الجنة ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (٣) وتاب الله على آدم وغفر له خطأه ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٤) وغلب آدم موسى ﵉ لما حاجّه في الخروج من الجنة قال رسول الله ﷺ : ٤ - (احتجَّ آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبوينا خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخطَّ لك بيده، أتلومني على أمر قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحجَّ آدم موسى، فحجَّ آدم موسى) (٥) وجاء دور الاصطفاء لأدم وذريته ليستعمرهم الله تعالى في الأرض، فقال تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا

стр. 18

مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) وكرّم الله آدم وذريته ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٢) كرّمهم الله تعالى بالعقل وتحمّل أمانة التكاليف التي يبلّغها الرسل إليهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وبنى ذلك التكريم على مقدار الاستجابة لله ورسوله، وما يحدثون من خير وشر، ولم يفرّق بين الذكور والإناث في هذا الأمر، لكل منهم ما اكتسب من الخير أو الشر ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣) والإنسان مسئول عن عمله ومجزي عليه، وذلك بمقتضى العهد الذي أخذ على بني آدم ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (٤).

стр. 19

٥/ ٣ - الفصل الثاني التوجه والارتباط، وفيه مباحث ٦/ ٣ - المبحث الأول: الرسالة إلى الإنسان . لما كان المصطفى من المخلوقات آدم وذريته، ونال بذلك شرف التكريم على سائر المخلوقات، كانت الرسالة إلى الإنسان دون ما سواه من المخلوقات، وذلك لإحكام العلاقة بين الخالق رب العزة والجلال والمخلوق آدم وذريته، من خلال ما يرد في الرسالة من تنظيم لحياة وحقوق وواجبات هذا المخلوق، ولرسم الطريق السوي بينه وبين خالقه، وتحديد نتيجة سلوك المخلوق، والتحذير من عدم سلوك المنهج السوي، وبيان ما ينتج عن ذلك من تدمير لاصطفاء الإنسان وتكريمه، وكان من رحمة الله ببني آدم أنه رفع عنهم العذاب قبل الرسالة قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) وأنه يرسل إليهم الرجل منهم بلسانهم كيما يفهموا المراد، ولا يلتبس عليهم الأمر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) ولكن بعد رسم طريق الخير، وبيان طريق الشر، وتمكين الإنسان من التمييز بينهما، وإعطائه القدرة الكاملة على الاختيار ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا

стр. 20

يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (٢) وكان الرسل ﵈ كافة مرتبطين عمليا بالرسالة في كل شئون الحياة، على أن الحياة الدنيا مؤقتة تستنبت فيها الأعمال لصالح الآخرة: الحياة الدائمة، ولذلك علّموا المؤمنين ذلك الارتباط، ليكون الولاء للمرسل والرسالة، وللرسول بالتبع، ولذلك قال ﷺ : ٥ - (لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله) (٣) وعلّم أصحابه أن الرسالة هي الباقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن الرسول هو المعلّم المبلّغ في زمن محدود، ثم يذهب وتبقى الرسالة في الأمة، وقد طبّق هذا الرسل جميعا من نوح ﵇، إلى نبينا محمد ﷺ ، والقرآن شاهد بذلك، فكل نبي أرسله الله بلّغ المؤمنين به قدسية الرسالة والارتباط بها، وعملوا على تحقيق ذلك، لأن الرسالة هي الباقيه لإكمال مشوار الحياة بعد المبلّغين.

стр. 21

٧/ ٣ - المبحث الثاني ارتباط الإنسان بالرسالة . لقد كان الإسلام والمسلمون في الصدر الأول شيئا واحدا، الإسلام هو المسلم، والمسلم هو الإسلام، قوة إيمانية بالله ورسوله هائلة، وتصديق بشرع الله ورسوله، وتطبيق عملي فريد لمنهج الإسلام، ومن هنا جاء قول الرسول ﷺ : ٦ - (خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) قال عمران: لا أدري، أذكر النبي ﷺ بعد قرنه قرنين أو ثلاثة) (١) فالمركز الأول عصر النبوة والأصحاب ﵃، والمركز الثاني عصر التابعين بما فيه من قصور عن سابقه، والثالث عصر أتباع التابعين بما فيه من قصور عن سابقه أيضا، وفي الحقيقة أن بدء الجفوة ولو في أمر يسير بين الإسلام وبعض المسلمين برز بعد مقتل عثمان ﵁، والفتنة بين علي ومعاوية ﵄، وأخذ يتنامى إلى أن صح قول من قال: إن الإسلام شيء والمسلمين شيء آخر، وإن كان هذا لا ينطبق تماما على عهد الدولة الإسلامية الواحدة، فقد كان فيها خير كثير، لكنه قوي لمّا تشرذمة الدولة الإسلامية بفعل أعداء الإسلام، وتمادى أكثر المسلمين في المفارقة حتى أصبح القول المذكور حقيقة لا تنكر في هذا العصر، وليس على كل فرد، والسبب في هذه المفارقة الشديدة، عدم الأخذ بما أخذت به القرون المفضلة، فقد تناول أهلها الإسلام بالنظر إلى قدسية المرسل والرسالة والرسول (٢) وكان تعظيم الرسول ﷺ عندهم منبثقا من تعظيم المرسل

стр. 22

والرسالة، ولم يكن لمجرد شخصه ﷺ ، فإنه بشر مثلهم، ولذلك قال ضمام بن ثعلبة ﵁: فيما رواه أنس ﵁ قال: ٧ - (بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟ فقال له النبي ﷺ : قد أجبتك، فقال الرجل للنبي ﷺ : إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد عليّ في نفسك، فقال: سل عما بدا لك، فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ ، فقال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ ، قال: اللهم نعم، قال أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ ، قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ ، فقال النبي ﷺ : اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر) (١) هذا تعظيم للمرسل والرسالة، وقد كان رسول الله ﷺ لا يتميز عن أصحابه، ولذلك لم يعرفه ضمام إلا بعد السؤال عنه، وكان ﷺ يقول لمن يرى عليه الرهبة: ٨ - (هوّن عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد في هذه البطحاء) (٢) وسار أصحابه من بعده في تقديس الرسالة مساره ﷺ ، بايع الناس أبا بكر ﵁ فقال: إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّمني، الصدق

стр. 23

أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي، حتى أريح (١) عليه حقه - إن شاء الله - والقوي فيكم ضعيف عندي، حتى آخذ الحق منه - إن شاء الله - لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم (٢) وهنا نلاحظ ارتباط أبي بكر بقدسية الرسالة، والتركيز على الالتزام بصحة المنهج. وبايعوا ابن الخطاب ﵁ فأهمّه الأمر وخشي أن ينظر الناس إلى شخصه وينسون تقديس الرسالة، قال حذيفة ﵁: ٩ - (دخلت على عمر وهو قاعد على جذع في داره وهو يحدث نفسه، فدنوت منه فقلت: ما الذي أهمك يا أمير المؤمنين؟ ، فقال هكذا بيده وأشار بها، قلت: الذي يهمّك والله لو رأينا منك أمرا ننكره لقوّمناك، قال: آلله الذي لا إله إلا هو، لو رأيتم مني أمرا تنكرونه لقومتموه؟ ، فقلت: آلله الذي لا إله إلا هو، لو رأينا منك أمرا ننكره لقوّمناك، قال: ففرح بذلك فرحا شديدا وقال: الحمد لله الذي جعل فيكم أصحاب محمد الذي إذا رأى مني أمرا ينكره قوّمني) (٣) ولم يترك الأعداء الكيد للإسلام فبرزت الدعوة إلى تقديس الأشخاص، ليتمكنوا من خلق الجو المناسب لهدم الإسلام لبنة لبنة، ولو طال الزمن في نظرهم، وكان أول ما بدئ بالدعوة إلى الأخذ بدم الخليفة عثمان ﵁، وهي كما قال الخليفة علي بن أبي طالب ﵁ في التحكيم: كلمة حق أريد بها باطل، تلت بعد ذلك دعوة عبد الله بن سبأ إلى تقديس آل البيت، وكان الهدف

стр. 24

منها الصرف عن تقديس الرسالة، وهي أخطر ما رمي به الإسلام، إذ تدرجت هذه الدعوة من طور إلى طور حتى جاء من يقول بألوهية علي ﵁، وقد استغل حب آل البيت ﵈ استغلالا واسعا، ولأغراض شتّى، حتى تحوّل التقديس الروحي إلى الأشخاص أكثر من الرسالة، وأحدثوا لتقديس الأشخاص في الزمان والمكان ما هو مخالف لمنهج الرسالة، وأدخلوا في القيم الروحية من البدع شيئا كثيرا، من تلمّس وتمسّح بقبور الأشخاص، وترنّم بالمدائح في احتفالات تقام لذلك، واتّسع الخرق على الراقع، حينما خرج عن إطار آل البيت ﵈ إلى غيرهم من الناس، ممن يقال عنهم: الأقطاب، والأولياء، والصالحون، وهلم جرا، وجاء التصوف الغالي في أمر هؤلاء ببدع لا تقل عما أحدث في أمر آل البيت ﵈، وأصبحت هذه الأمور ظاهرة في العالم، تمثل ارتباطا روحيا لدى الكثيرين من الناس تجاه الأنبياء، والأولياء، والصالحين، ومن يرون أهليته للتقديس، وأصبح عندهم منهج تربوي يوجه مشاعر الآخرين إلى الشخصية المراد تقديسها، وإرساء علاقة حب شخصي لا ارتباط له بمنهج الدين الصحيح، وقد تجد من هؤلاء القوم من يخشى غضبة الولي، ولا يخاف من غضب الله ، ولو استحلفته بالله على أمر هو فيه كاذب لحلف دون تردد، ولكنه لا يجرؤ على الحلف بالولي كاذبا، وتجده لا يغضب لمخالفة الدين أوسبّه، ولا لذات الله ﷻ ، بل قد يمارس ذلك فيسب الله ، ويسب الدين، ولا تأخذه لومة لائم في حماية جناب الشخص المقدس. ومن منطلق الغلو في حب آل البيت، وما شاع له من قبول عند العامة، وما حصد من قيل عنه: إنه من آل البيت من غنائم في

стр. 25

مجال التقديس أولا، وفي مجال التموّل من الخمس وغيره، برزت ظاهرة ادّعاء النسب إلى آل البيت لمآرب عديدة منها ما ذكر، ومنها ما يتعلق بالسياسة والحكم، وما يتعلق بالمصالح الذاتية، فأصبح عند هؤلاء عدم الارتباط بالرسالة وتقديسها، وحلّ محله الارتباط بالشخصية المقدسة، وحياكة الأقوال في تعظيمها وتقديسها، ولو أسندوا في تعظيمها بعض الأقوال للرسالة فهي لا تعدوا أحد أمرين: الأول: تأويل النص على غير المراد منه، إن كان مما ورد في الرسالة، كلا أو جزءا. والثاني: صناعة النص ونسبته زورا إلى الرسالة لتقوية الهدف. وهذا كله خلاف المنهج السوي: كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، وهما يخاطبان الأشخاص من خلال الرسالة، ويدعوان إلى الارتباط بها مباشرة، في كل الأحوال: الدينية، والأخلاقية، والتعليمية، والدعوية، وكل ما يتعلق بالفكر والحوار، وأدب الحديث، وحالات الحرب والسلم، وحذّر القرآن من الانتماء إلى الأشخاص ومنهم الأنبياء ﵈، وخاتمهم نبينا محمد ﷺ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١) تبليغ الرسالة مهمته ﷺ ، فله الطاعة والاتباع، وللرسالة التقديس والبقاء، لأنها رسالة الله ، وإرادته في الحياة، وهي التي تبقى لتدبير حياة الناس، والرسل يموتون

стр. 26

لأنهم بشر، وقد عملوا لارتباط الناس بالرسالة وتقديسها، وهم لا يتكلمون عن ذواتهم من خلال الرسالة، ولم يوجهوا الأتباع إلى شيء من تقديس الذات، وهم يتلطفون بأتباعهم ويشفقون عليهم، فهذا نوح عليه ﵇ أول الأنبياء، يقول لقومه: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١) وهذا التلطف والخوف من نوح ﵇ ورد في أكثر من آية في كتاب الله ، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى النجاة بتقديس الرسالة، ولم يدع إلى تقديس نفسه ولا مرة واحدة، والرسل كافة على نفس المنهج، وآخرهم نبينا محمد ﷺ عرض عليه قريش الجاه والمال والملك فلم يقبل ﷺ ، وقال: ١٠ - (يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته) (٢) لماذا هذا الموقف من رسول الله ﷺ ؟ لأن الأمر لا يتعلق بالأشخاص وإنما هو متعلق بالمرسل ﷻ وبالرسالة، فليس المراد تقديس الرسول ﷺ ، وإنما المراد الاستجابة له والإيمان برسالته، والتطبيق الفعلي لما جاء به، ولذلك لم يقل ﷺ : تركت فيكم فلان وفلان من عظماء الصحابة ومنهم ابن عمه وزوج ابنته علي ﵁، وإنما قال: ١١ - (تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ ، قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء

стр. 27

وينكتها إلى الناس اللهم اشهد، اللهم اشهد) (١) وقد صدق من قال إن جاهلية اليوم أكثر إغراقا من الجاهلية السابقة، قوم نوح احتجوا عليه بأنه بشر مثلهم ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ (٢) وجاهلية اليوم أسرفوا في تقديس الأشخاص حتى تجاوزا الرسل إلى من دونهم من الناس، بل زعموا في بعضهم أنهم في مقام أفضل من مقام الرسل، كمن يقول: إن لأئمتنا مكانة لم يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فخرجوا بكثير من الناس عن تقديس الرسالة، وأفقدوهم المنهج السوي الذي جاء به نبينا محمد ﷺ ، على أن تقديس الرسالة والعمل بالمنهج السوي لا يزال قائما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو ما أخبر به نبينا محمد ﷺ ، ١٢ - (لا تزال طائفة من أمتي على الحق، منصورة حتى يأتي أمر الله) (٣) وعلينا في هذا العصر وقد كثر أعداء الإسلام، أن نعتصم بالمنهج السوي: كتاب الله ، وسنة المصطفى نبينا محمد ﷺ ، ولا بد أن نركّز أولا على تقديس الدين كما أراد الله ﷻ ، وكما أمر رسول الله ﷺ ، ونجد ونجتهد في إثراء الناس بالقيم الروحية، التي تلقّاها الصحابة من رسول الله ﷺ ، وبها صمدوا أمام الأعداء بدءا ببلال ﵁، صاحب القول العظيم: أحد أحد، وآل ياسر صدق الله العظيم، يمر بهم رسول الله ﷺ وهم يعذبون، فيقول:

стр. 28

١٣ - (صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) (١) هذا النموذج الفريد لم تستولي عليهم المحنة وما هم فيه من البلاء، كان تقديسهم للرسالة أعظم من تقديسهم لسلامتهم من الأذى أو الموت، ولم يتعلقوا بشخص رسول الله ﷺ لعلمهم أنه بشر، لا يملك لهم إلا التثبيت وصدق الموعد، وقد حوّل هؤلاء النفر المحنة إلى فرحة عظيمة أنستهم ما هم فيه من العذاب الأليم، فأصروا على الانتصار على العدو بالصبر، وهو السلاح المتوفر لديهم، والقوة التي لا تقهر، فإن قريشا لم يرغبوا في موت هؤلاء، أكثر من رغبتهم في أن يعودوا إلى التكذيب بالرسالة، وعدم تصديق محمد ﷺ ولقد كان الصبر نصرا على الأعداء ولو أدى إلى الموت. إن عمل الصحابة ﵃ ومواقفهم توحي لكل مسلم يطلب المنهج السوي، أنهم القدوة بعد رسول الله ﷺ ، الرجال منهم والنساء على حد سواء، وأنهم آمنوا بالرسالة وقدّسوها في واقع عمليّ فريد، وحملوا مسئولية الدفاع عنهما وتبليغها إلى من بعدهم على المنهج السوي، الذي تلّقوه من رسول الله ﷺ ، ولذلك قال ﷺ : ١٤ - (يرث هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) (٢) وفي رواية "يحمل" وقد كانت الواقعة تحدث في عهد رسول الله ﷺ في أيّ أمر من أمور الحياة، وكان الصحابة في هذه المواقف يفزعون إلى رسول الله ﷺ ليعطي الحكم في الواقعة، فلا يكون لديه من الأمر شيء، وربما أقلقه ذلك ﷺ فيتطلع إلى السماء ملتمسا الفرج

стр. 29

من عند الله الذي أرسله، وقد يتأخر نزول الوحي ويحاول بعض الصحابة أن يقدم رأيا، ولكن رسول الله يتطلع إلى الرسالة لأن فيها القول الفصل، فينزل الوحي بالحكم فيبلّغ النبي ﷺ المسلمين، وهم يبادرون إلى التنفيذ دون حوار أو مناقشة، وأسباب نزول الآيات من أعظم الشواهد على ما نقول. ولقد كان الجانب البطولي مهما في نقل الرسالة إلى الآخرين، وليس هذا خاص بالإسلام، بل جميع الرسالات لم تستغن عن وجود الأبطال مع الرسل وبعدهم، ولذلك كان رسول الله يتطلع إلى ذلك وهو سيد الأبطال ﷺ ، ولو كان الأمر يتعلق بشخصه لتولّى ذلك وكفى، ولكن الأمر يتعلق بنقل الرسالة من جيل إلى جيل حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فلابد من وجود أبطال من الأمة، وكان ﷺ يلحّ في الدعاء ويقول: ١٥ - (الَلهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلينِ إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب) (١) وكان أحبهما عمر بن الخطاب ﵁، وأصبح الرسول ﷺ وأصحابه في عزة منذ أن أسلم عمر ﵁، وتوالى الأبطال الذين توفر فيهم الإيمان بقداسة الرسالة، والاستعداد للدفاع عنها ونقلها إلى الآخرين، وكان نتاج ذلك ما عرف عن المسلمين، من البطولات في حماية دين الله، ونشره من خلال الفتوحات، وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وقامت للإسلام دولة لم يعرف التاريخ دولة نشرت الحق والعدل، ووحدت الأمم والشعوب مثلها إلى يومنا هذا، وأقامت من أسس العلم والحضارة ما أسهم بفعالية في إزاحة الجهل والظلام عن شعوب الغرب، الذين لا يقيمون للإسلام وزنا

стр. 30

اليوم، ويصفونه بالظلم والإرهاب، واتخذوا لضرب قيمه ومنهجه السوي صنائع من أبنائه ينفذون كل ما يتمناه أعداء الإسلام. إن ما نحتاج إليه لحماية المنهج السوي، مثل تلك البطولات لتبقى العقيدة والمقدسات في المقام الأول، وتحقيق ما أراد لها الله ورسوله ﷺ من القداسة وسلامة المنهج، ليقف الناس على ما في الإسلام من قيم روحية وتربوية واجتماعية واقتصادية وسياسية، فإنه يمتلك أسمى المثل في ذلك كله، وهو نبع الطمأنينة والسكينة، يغني كل باحث عنهما وعن الإيمان بالله وحب الآخرين ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١) وأحسب أن من الأبطال في العصر الحديث الإمامان العظيمان: محمد بن سعود، ومحمد بن عبد الوهاب اللذان تعاقدا على نصرة الإسلام وإقامة الحكم بالكتاب والسنة، وتحقق لهما ذلك، ولست مجانبا الحق إذا قلت: وكذلك الخيرين من نسل الإمامين، ومنهم الملك عبد العزيز وأبناؤه الملوك الذين اختاروا الكتاب والسنة لقيام الدولة وحكم البلاد، ونشر العقيدة الصافية والذب عن توحيد الله، وإرساء الحق والعدل والمساواة، ونشهد أنهم غرة هذا الزمان، ولا نزكي على الله أحدا.

стр. 31

(٤) الباب الثاني: المساواة بين الرجل والمرأة، وفيه فصلان: ١/ ٤ - الفصل الأول: أصل الخلق وحق الحياة، ومتطلباتها، وفيه مباحث: ٢/ ٤ - المبحث الأول: المساواة في أصل الخلق . في الصدر الأول للإسلام لم تكن بعض الفوارق بين الرجل والمرأة مصدر قلق لا للرجل ولا للمرأة، والسبب في ذلك قبول الطرفين الإيمان بقداسة الرسالة، وأنها من خالق عليم خبير، فلم يتطرق الشك إلى نفوس المؤمنين في أن ذلك هو العدالة عينها، فالله هو خالق الإنسان الذكر والأنثى، وجعل لكل منهما صفات خلقية يتميز بها عن الآخر، وعلى ضوء تلك الصفات أناط بهما تكاليف منها ما يشتركان فيه، ومنها ما ينفرد به أحدهما عن الآخر، فقد ساوى الله بينهما في الخلق: أصله وأطواره، ولا فرق بين الذكر والأنثى في ذلك، وكذلك ساوى بينهما في الصورة والملامح والأعضاء إلا ما يتعلق بالتناسل، لما يترتب على ذلك من عمارة الأرض، فخصّ الرجل بجانب من ذلك، وأوجد له مكوناته الخلقية، وجعل له من القوة والخشونة ما يناسبه، وأعطى المرأة الجانب الأهم وخصّها بمكوناته الخلقية، وجعل لها من اللّطف والرقة ما يناسبها، والأمر فيهما أشبه ما يكون بالسالب والموجب، لا يستغنى في الحياة عن تكاملهما، وإذا تساويا بطل التكامل، وفسد الأمر، ومن هنا كان الرجل يتولىّ المهام الصعبة، والأعمال الشاقة، فهو لها وفارس ميدانها، لما فطر علية من الخشونة، وقوة الجسم والجسارة، الشيء الذي لا تتمتع به المرأة فطريا، وهذا جليّ ومن تأمل قصة موسى ﵇ يعلم

стр. 32

ذلك جيدا ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (١) إنّ تكوين المرأة الفطري لم يمكّنها من مزاحمة القوم، ولم تجسرا على ذلك وهما اثنتان، فالواحدة من باب الأولى، فيتقدم الرجل بسطوته وخشونته التي فطر عليها ليسقي لهما ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٢) وهنا كان الشعور الفطري ينتاب المرأتين، وهو الإحساس بحاجتهما إلى رجل يمارس الدور الذي لا يناسب المرأة فطريا، فلما رجعتا إلى أبيهما ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٣) وليس معنى هذا انعدام القوة عند المرأة، بل هي قوية لكن فيما فطرت عليه، وما لم تفطر عليه فهي ضعيفة دون شك ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (٤) ويتكرر الموقف مع موسى ﵇ ومع المرأة نفسها

стр. 33

وقد صارت زوجا له ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (٢) لم يبعث موسى ﵇ أهله لاستطلاع الأمر أو إحضار القبس، لأنه عمل شاق، وفيه مخاطرة، فتولّى ذلك بنفسه، وكانت المرأة مصونة معززة مكرمة. ٣/ ٤ - المبحث الثاني المساواة في حق الحياة . حرّم الله تعالى قتل النفس إلا بالحق، المسلم وغيره في ذلك سواء، لا فرق بين الذكر والأنثى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٣) واستبعد الإسلام أن يقتل المؤمن مؤمنا عمدا ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (٤) أما من يقتل عمدا فقد تعدّى وظلم وله عقاب أليم ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ

стр. 34

جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (١) ولا فرق بين الذكر والأنثى قاتلا أو مقتولا، ومن تكريم النفس وحرمة الاعتداء عليها، أن حرم الإسلام على الإنسان أن يقتل نفسه الذكر والأنثى على حد سواء ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٢) قال رسول الله ﷺ : ١٦ - (كان برجل جراح فقتل نفسه، فقال الله: بدرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة) (٣) وقال ﷺ : ١٧ - (الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار) (٤) فمن يعتدي على نفسه بالقتل بأي سبب فالله خصمه، ومن يعتدي على الغير فالشرع يعاقبه، ولذلك كتب الله القصاص من الذكر والأنثى، هذا في الوقت الذي لم تعط بعض الأمم المرأة حق الحياة، عند من يرى أن المرأة يجب أن تموت بموت زوجها، وبطريقة بشعة إذ تحرق على جثته وهي حية، وقد استمر هذا الظلم العظيم قرونا، ولم تعف منه المرأة في بعض الدول إلا في القرن السابع عشر الميلادي، أما الإسلام فيوجب لها حق الحياة والعناية وهي جنين في رحم الأم، ذكرا كان أو أنثى، وذلك من طريقين هامين للحفاظ على حياة الجنين: الأول: الاعتناء بصحة الأم وعدم إرهاقها ولاسيما في حالة الحمل، ويلزم الزوج أن يقدم لها كل ما في وسعه للمحافظة على

стр. 35

صحتها لسلامتها أولا، ولسلامة ما تحمل ثانيا، وهذا داخل في قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (١) وقوله ﷺ : ١٨ - (استوصوا بالنساء خيرا) (٢) وقوله ﷺ : ١٩ - (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته) (٣). والثاني: تحريم وأد البنات: العادة الجاهلية، فقد كان بعض قبائل العرب يخافون على المرأة من أن تسبى فتكون عارا عليهم، فإذا جاء المولود أنثى فلا حق له في الحياة عندهم، وقد تدفن وهي حية، فاعتبر الإسلام ذلك جريمة عظيمة في حق الأنثى فتوعد بسؤالها وإنصافها ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ (٤) وبعد مجيء الإسلام أصبحت الأنثى في مأمن من هذا الإجراء السيء، تعيش حياة كريمة آمنة، وإن وجد بعض الظلم فشرع الله ينصف المظلوم من الظالم، رجلا كان أو امرأة.

стр. 36

٤/ ٤ - المبحث الثالث المساواة في متطلبات الحياة: ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في متطلبات الحياة كالسكن والمركب، والزينة والمأكل والمشرب ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١) للذين آمنوا رجالا ونساء، المسلم والكافر على حد سواء في الدنيا، أما في الآخرة فهي خالصة للمؤمنين ولا حظ لغيرهم فيها، بدليل قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ولهما حق النوم والخلود إلى الراحة، وهذا من أعظم النعم على كل المخلوقات، وبني آدم بالأولى، ولذلك امتن الله على عباده فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ (٣)، ولوازم الاستقرار كالسكن الحسي والمعنوي، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ

стр. 37

مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) وكذلك الأمن والفرح، قال رسول الله ﷺ : ٢٠ - (من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا) (٢) أي كأنه ملك الدنيا، وما ذلك إلا لأهمية الأمن في حياة كل مخلوق فضلا عن الإنسان الذي هو أكثر المخلوقات إحساسا بقيمة الأمن، ولأهمية الأمن في حياة الإنسان كان أول دعاء إبراهيم ﵇ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣) وقال ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (٤) لأن من يعبد الأصنام لن يكون آمنا أبدا، وامتنّ الله به على الناس فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٥) وعلى قريش خاصة فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ

стр. 38

أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٣). وكذلك الارتباط الأسري، والزواج الشرعي، حتى الحزن والمنغصات يتعرض لها الإنسان الذكر والأنثى، يعتري كل منهما متاعب وكوارث، ومرض وهرم، دون فرق بين رجل وامرأة فيحدث لكل ما كتب له من الخير، وما قدر عليه من متاعب الحياة، ومن حق كل من الرجل والمرأة أن يبحث عما أبيح له من أمور الحياة، في الإطار الشرعي، وليس له تجاوز ذلك. ٥/ ٤ - المبحث الرابع المساواة في حق التكريم: ورد تكريم المرأة في كافة الشرائع السماوية، التي جاءت بها الرسل ﵈، فقد حدثنا القرآن الكريم عن نساء كرمهنّ الله تعالى، فقال عن أم مريم ﵍: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ

стр. 39

الْعَلِيمُ﴾ (١) فكان المنذور بنتا هي مريم ﵍ ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢) فكان من تكريم الله تعالى لامرأة عمران أن تقبل منها نذرها ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣) أيّ تكريم أعظم من هذا؟ ، لقد دفع هذا التكريم زكريا ﵇ إلى أن يتطلع إلى الذرية الصالحة الطيبة، ويهب داعيا ربه ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٤) وهنا يلتقي التكريم للرجل والمرأة على حد سواء، فكما تقبّل من امرأة عمران نذرها ودعاءها، تقبّل من زكريا ﵇ دعاءه ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ

стр. 40

بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١) يا له من تكريم عظيم: بشارة بغلام ذكرت صفاته قبل أن يخلق، وبشر بها أبوه قبل خروجه إلى الدنيا، ويعود التكريم إلى جانب مريم مرة أخرى، وكان في أربعة مواقف جليلة: الأول: أن الله تعالى اصطفاها على نساء العالمين، والثاني: أن الله تعالى كرمها بمخاطبة الملائكة لها، والثالث: بشارتها بما لم يحدث لأنثى قبلها، ولن يحدث لأنثى بعدها، حملها من غير بشر، والرابع: جعل ابنها مباركا بكل ما تعنيه كلمة البركة وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) شاركت المرأة الرجل في الاصطفاء والتكريم ولم تقصر عنه في ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٣) ومنشأ هذا التكريم هو ما تحمّل من الإيمان
следующие страницы →