← Общие книги

Общие книги · id 36118

حقوق المرأة في ضوء الكتاب والسنة

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (211 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٤/ ٤ - المبحث الثالث المساواة في متطلبات الحياة: ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في متطلبات الحياة كالسكن والمركب، والزينة والمأكل والمشرب ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١) للذين آمنوا رجالا ونساء، المسلم والكافر على حد سواء في الدنيا، أما في الآخرة فهي خالصة للمؤمنين ولا حظ لغيرهم فيها، بدليل قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ولهما حق النوم والخلود إلى الراحة، وهذا من أعظم النعم على كل المخلوقات، وبني آدم بالأولى، ولذلك امتن الله على عباده فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ (٣)، ولوازم الاستقرار كالسكن الحسي والمعنوي، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ

стр. 37

مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) وكذلك الأمن والفرح، قال رسول الله ﷺ : ٢٠ - (من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا) (٢) أي كأنه ملك الدنيا، وما ذلك إلا لأهمية الأمن في حياة كل مخلوق فضلا عن الإنسان الذي هو أكثر المخلوقات إحساسا بقيمة الأمن، ولأهمية الأمن في حياة الإنسان كان أول دعاء إبراهيم ﵇ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣) وقال ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (٤) لأن من يعبد الأصنام لن يكون آمنا أبدا، وامتنّ الله به على الناس فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٥) وعلى قريش خاصة فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ

стр. 38

أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٣). وكذلك الارتباط الأسري، والزواج الشرعي، حتى الحزن والمنغصات يتعرض لها الإنسان الذكر والأنثى، يعتري كل منهما متاعب وكوارث، ومرض وهرم، دون فرق بين رجل وامرأة فيحدث لكل ما كتب له من الخير، وما قدر عليه من متاعب الحياة، ومن حق كل من الرجل والمرأة أن يبحث عما أبيح له من أمور الحياة، في الإطار الشرعي، وليس له تجاوز ذلك. ٥/ ٤ - المبحث الرابع المساواة في حق التكريم: ورد تكريم المرأة في كافة الشرائع السماوية، التي جاءت بها الرسل ﵈، فقد حدثنا القرآن الكريم عن نساء كرمهنّ الله تعالى، فقال عن أم مريم ﵍: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ

стр. 39

الْعَلِيمُ﴾ (١) فكان المنذور بنتا هي مريم ﵍ ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢) فكان من تكريم الله تعالى لامرأة عمران أن تقبل منها نذرها ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣) أيّ تكريم أعظم من هذا؟ ، لقد دفع هذا التكريم زكريا ﵇ إلى أن يتطلع إلى الذرية الصالحة الطيبة، ويهب داعيا ربه ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٤) وهنا يلتقي التكريم للرجل والمرأة على حد سواء، فكما تقبّل من امرأة عمران نذرها ودعاءها، تقبّل من زكريا ﵇ دعاءه ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ

стр. 40

بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١) يا له من تكريم عظيم: بشارة بغلام ذكرت صفاته قبل أن يخلق، وبشر بها أبوه قبل خروجه إلى الدنيا، ويعود التكريم إلى جانب مريم مرة أخرى، وكان في أربعة مواقف جليلة: الأول: أن الله تعالى اصطفاها على نساء العالمين، والثاني: أن الله تعالى كرمها بمخاطبة الملائكة لها، والثالث: بشارتها بما لم يحدث لأنثى قبلها، ولن يحدث لأنثى بعدها، حملها من غير بشر، والرابع: جعل ابنها مباركا بكل ما تعنيه كلمة البركة وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) شاركت المرأة الرجل في الاصطفاء والتكريم ولم تقصر عنه في ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٣) ومنشأ هذا التكريم هو ما تحمّل من الإيمان

стр. 41

بالله وما نزل من الحق، وكان ذلك في العهد الذي أخذ على بني آدم قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (١) ومن هنا تحمّل آدم وذريته الأمانة العظمى: وهي القيام بالتكاليف الشرعية وفق هذا العهد، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (٢) فصحّ التكريم لمن آمن وعمل صالحا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (٣) وقد وعد الله تعالى المؤمنين من عباده الذكور والإناث على حد سواء، الصابرين على السراء والضراء، الذين لا تأخذهم في دين الله لومة لائم، جنات تجري من تحتها الأنهار، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ

стр. 42

سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ (١) ووعدهم تعالى بالحياة الطيبة، في الدنيا حياة العزة، والطهر والعفاف وطمأنينة النفس، وفي الآخرة حياة النعيم الأبدي، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) ومنّ الله عليهم بأن السيئات التي يقع فيها الإنسان ذكرا كان أو أنثى، لا تكتب عليه إلا سيئة واحدة، بمعنى أن عقابها ليس مضاعفا، كجزاء الحسنة التي يضاعف الله أجرها أضعافا كثيرة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣) وهنا نعلم أن التكريم مرتبط بالإيمان بالله تعالى، وإتباعه بالعمل الصالح، ومن خلا حاله من هذا الوصف، فليس من المكرّمين، بل يكون أسفل سافلين، في مهانة وذل وصغار، لأنه لم يؤمن بالله تعالى ولم يطعه فيما أمر، ولم يجتنب ما نهي عنه، حكّم عقله واتّبع هواه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ

стр. 43

خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ (١) لأنهم فارقوا منهج التكريم، فكانوا كالأنعام، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٢) هذه صفاتهم لمّا أعرضوا عن الحق، وإن كانت أشكالهم الخلقية لا تختلف عن أشكال المؤمنين، لكنهم في الحقيقة لا يعقلون الحق، قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٣) وهذا يستوي فيه الرجال والنساء، المؤمنون بما ذكر عنهم، وغيرهم بما وصفوا، وعلى هذا فالرجل والمرأة ينظر لهما الإسلام من طرفين متقابلين: جانب الخير وجانب الشر، وقد يكون فيهما الخير كله، والعكس صحيح أيضا، وقد يمتزج الخير بالشر، ولم يصف الإسلام المرأة بأنها خيرة مطلقا، ولا شريرة مطلقا، بل أقرّ لها بالخيرية لما تتصف به من الإيمان والعمل الصالح ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ

стр. 44

رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١) فقد نوّه الإسلام بالمرأة المؤمنة، لانتهاجها سبيل المؤمنين، طلبا للنجاة من عمل المفسدين، ووصفها بالشر لمّا ابتعدت عن ذلك ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ (٢) بانتهاجها سبيل المارقين، وهذا عين العدل، ومن يتتبع حال المرأة عند الأمم التي لا تدين بالإسلام، سواء من كانوا قبل الإسلام، ومن هم بعد الإسلام، يجد أنهم لا يعترفون للمرأة بخير، ويرون أنها مصدر كل بلاء، وهذا فيه حق وباطل: فالباطل: وصف المرأة بالشريرة على الإطلاق، وهي نظرة أولئك القوم، فإنهم يعدّونها شرا محضا لا خير فيها ولا نفع، وهي رجس من عمل الشيطان لا تستحق غير المهانة والاحتقار (٣). والحق: أن المرأة حينما تخرج عن القيم التي تحفظ عليها فطرتها وكرامتها، تكون كذلك، ولاسيما المرأة المسلمة حينما تخرج عن القيم الإسلامية، فإنه يزيد شرّها بقدر بعدها عن قيم الإسلام، حتى يكتمل فيها الشر، في تنكّرها لخالقها وما شرع لها من سبل

стр. 45

الخير والنجاة في الدنيا والآخر، فتكون ممن اختار العمى على الهدى، وتولى غير سبيل المؤمنين، وهذا يؤيده قول الرسول ﷺ : ٢١ - (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) (١) وهذا حق ينطبق تماما على المرأة المتحررة من قيم الدين، المتجردة من الحياء والفضيلة، فيصدق على سلوكها قول الرسول ﷺ : ٢٢ - (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) (٢) وهذا الضرر العظيم ناتج عن الشهوة والعلاقة الفطرية بين الرجل والمرأة، والشهوة من أشد ما ابتلي به الإنسان، فيها سعادته إذا استخدمت وفق ما شرع الله دون تجاوز، وفيها شقاؤه، إذا حرر نفسه من الشرع واتبع هواه وكان أمره فرطا، ومع هذا فقد منح الإسلام كل منحرف عن الجادة حق العودة إلى الخير والمنهج السوي، ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) ولم يقل كما قال الرومان: إن المرأة قيدها لا يُنزع، ونيرها لا يُخلع. أما المرأة المؤمنة بالله الملتزمة بشرع الله فقد حققت الغاية من اصطفاء الإنسان، فانبنى على ذلك تكريمها كالرجل تماما، ومن هنا تميز الإسلام في تكريم المرأة، وإعطائها حقوقها كاملة لا نقص فيها.

стр. 46

٦/ ٤ - المبحث الخامس المساواة في حق الكسب: حث الإسلام على طلب الرزق من أبوابه المشروعة، وربط الكسب بالثواب والعقاب، على قاعدة شرعية قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) فكل ما يكتسبه الإنسان من وجه حلال، وما ينفقه في وجه حلال فله الأجر على ذلك لا فرق بين الرجل والمرأة، وكذلك ما يكتسبه من حرام، أو ينفقه في حرام يقع عليه من الله العقاب، ولكل من الرجل والمرأة حرية الاكتساب بالطرق الشرعية ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٢) فللمرأة حق التصرف بالبيع والشراء، والصدقة المفروضة: الزكاة، والصدقة المندوب إليها في كل الأوقات، والوقف والهبة، ومتابعة شئونها المالية في حدود ما يأمر به الشرع، من ملازمة الحشمة، والبعد عما نهى الله عنه، والمحافظة على طهرها وعفافها، فهو أثمن من مطاردة الأسواق والمعارض والمنتديات والمؤتمرات للتزود من الثراء، ولها استنابة من يقوم على شئونها من محارمها ومحاسبته، وأفضل ما تكون صدقتها على أقاربها من زوج وغيره، كان عبد الله بن مسعود ﵁ فقيرا، فقالت له زوجه زينب ﵂: سل

стр. 47

رسول الله ﷺ : أيجزئ عني أن أنفق عليك وعلى أيتامي في حجري من الصدقة؟ ، فقال: سلي أنت رسول الله ﷺ ، قالت: فانطلقت إلى النبي ﷺ ، قالت: فوجدت امرأة من الأنصار على الباب، حاجتها مثل حاجتي، فمر علينا بلال، فقلنا: سل النبي ﷺ : أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟ ، وقلنا: لا تخبر بنا، فدخل فسأله، فقال: من هما؟ ، قال: زينب، قال: أيّ الزيانب؟ ، قال: امرأة عبد الله، قال: ٢٣ - (نعم لها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة) (١) ومن هذا يعلم أن للمرأة حق التملك، شأنها في ذلك شأن الرجل، ولها حق التصرف في أموالها، ولا يجوز للرجل أيا كان زوجا أو أخا أو أبا التدخل في ذلك ما لم يوجد موجب شرعي، كأن تخرج عن القيم الإسلامية، أو تقع فيما نهى الله عنه، فله استخدام ما خصه الله به من أمر القوامة. ٧/ ٤ - المبحث السادس: المساواة في حق النكاح المبني على الشرع: جعل الله العلاقة بين الرجل والمرأة أمرا فطريا، بني على ميل كل منهما إلى الآخر، في تكامل أشبه ما يكون بالموجب والسالب في تكاملهما وإنتاج ما يراد منهما من طاقة نافعة، غير أن هذه العلاقة توّجت في الإسلام بالقيم الشرعية, ولأهمية العلاقة بين الرجل والمرأة في إعمار الأرض خلق الله لآدم زوجه ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا

стр. 48

وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١) وجعل العلاقة بينهما آية من آياته الدالة على لطفه وحكمته سبحانه ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) وقد حث نبي الإسلام ﷺ أمته على النكاح قال ﷺ : ٢٤ - (من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) (٣) وفي رواية (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج. . . .) (٤) وهذا القول معنيّ به الطرفان: الرجل والمرأة، لتبقى حقوق الإنسان مصونة، ولتسير حياتهم في الإطار الصحيح، حتى تتوفر لديهم القدرة والكفاءة اللازمة للوفاء بالحقوق الواجيات. ٨/ ٤ - المبحث السابع: المساواة في حق اختيار الزوج: من أجل قيام حياة بين الرجل والمرأة سعيدة آمنة أباح الله لكل منهما اختيار من يرغب فيه رفيقا في درب الحياة، وجعل ذلك وفق ضوابط شرعية، تجب مراعاتها عند الرغبة في الارتباط بهذا الأمر المصيري الهام، فيجب على الرجل والمرأة أن يبدأ

стр. 49

كل منهما بالاجتهاد في اختيار صاحبه، وفق الضوابط الإسلامية، وقد روي ما يمكن الاستشهاد به ٢٥ - (تخيّروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم) (١) والمراد بالأكفاء: أهل الدين والورع بالدرجة الأولى، فإذا انضم إلى هذه الكفاءة شيء آخر فهو أفضل وأتم، مثل الكفاءة في العلم والنسب والجاه، وغير ذلك من الأمور التي تزيد الحسن حسنا، والحذر كل الحذر من مخالفة الشرع، لما لذلك من تأثير بإذن الله على نجابة الأبناء من عدمها، وهذا حق للأبناء على الرجل والمرأة أن يفكرا فيه منذ البداية، وكما حذر النبي ﷺ من المرأة السيئة السلوك فقال: ٢٦ - (إياكم وخضراء الدمن، فقيل: يا رسول الله، وما خضراء الدمن؟ ، قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء) (٢) فقد نبّه المرأة إلى أن تختار ذا الدين، قال ﷺ : ٢٧ - (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرضِ وفساد عريض) (٣) فإذا توفر الدين، جاز صرف النظر عما سواه، لذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤) فحسن الاختيار أمر مطلوب شرعا وعقلا وعرفا، وهو حق شرعي للرجل والمرأة،

стр. 50

لا يجوز نزعه منهما فلا يجبر أحد من أب ولا سواه، على أن يتزوج من لا يريد، ولا على ترك من اختار على الوجه الصحيح، روى ابن عباس ﵁ قال: إن زوج بريرة كان عبدا، يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ للعباس: ٢٨ - (يا عباس، ألا تعجب من شدة حب مغيث بريرة، ومن شدة بغض بريرة مغيثا؟ ! ، فقال لها: لو راجعتيه فإنه أبو ولدك، فقالت: يا رسول الله أتأمرني؟ قال: إنما أنا شافع، قالت: لا حاجة لي فيه) (١) فأمضى لها رسول الله ﷺ ما أرادت من ترك زوجها بعد أن أعتقتها عائشة ﵂، ولم يجبرها على البقاء، مع استعطافه ﷺ إياها، وشفاعته في أن تبقى رحمة بالزوج والولد، وقولها: أتأمرني؟ يفهم منه أن رسول الله ﷺ لو قال: نعم آمرك، لأطاعت دون تردد عملا بقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (٢) فلما لم يقل ذلك عرفت أنها مخيرة وأن من حقها الرفض، وليس هذا على الإطلاق في حق الفتى والفتاة، بل يجوز التدخل من قبل الولي بالمنع إذا كان القدح بأمر شرعي، فإذا ضل عنه الفتى أو الفتاة وجب على الولي الأخذ على أيديهما، ومنعهما من العبث بشرع الله تعالى، أما إذا كان التعلل بالطبقية مثلا: أغنياء وفقراء، قبيلة وأخرى، عربي وعجمي، ونحو ذلك من ضلالات

стр. 51

المجتمع، فليضرب به وجه صاحبه، فضلا عن عرض الحائط، ويسقط حق الولي في هذه الحال، وترجع الفتاة إلى الحاكم الشرعي فله الولاية عليها، ولا عيب في ذلك عليها ما دام الأمر في إطار الشرع، والحق المشروع، ومن الفتيات من تدّعي ظلم الرجل مع علمها بأن جهة الإنصاف موجودة، فلا تذهب للمطالبة بحقها، إما جهلا وهو الغالب، أو خوفا من أوليائها، أو تقديرا للعادات التي تزعم أن المرأة إذا ذهبت إلى المحاكم فلا خير فيها، وذلك هو الظلم عينه، وما جعل الحاكم الشرعي إلا للعدل، وإعطاء كل ذي حق حقه، والله يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) يضيّعون حقوقهم ويتهمون الإسلام بالظلم والتعسف، ولو عرفوا الإسلام حق المعرفة، وعملوا به، ما احتاجوا إلى محاكم أصلا. ٩/ ٤ - المبحث الثامن: المساواة في حق قضاء الوطر بناء على ما أباح الله بين الزوجين من قضاء الوطر، وإشباع رغبة كل منهما، وفق الضوابط الشرعية، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) أي لهن من الحقوق على الرجال، مثل ما

стр. 52

للرجال عليهن، فعلى كل من الزوجين إحسان عشرة الآخر، والقيام بما هو معروف بين الأزواج، يحسن كل منهما تعامله مع الآخر بما هو معروف، من حسن المظهر، وطيب المعشر، ودماثة الخلق، قال ابن عباس ﵄: إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) وقال عمر بن الخطاب ﵁: ٢٩ - "لا تكرهوا فتياتكم على الرجل الذميم، فإنهن يحببن من ذلك ما تحبون" (٢) وقال رسول الله ﷺ : ٣٠ - (ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا: أما حقكم على نسائكم أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهو، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) (٣) ومن ذلك حل الرفث بين الزوجين في ليالي الصوم قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (٤) والمراد الجماع، ويطلق على الفحش، وليس هو المراد هنا، وجعل المرأة لباسا للرجل، والرجل لباسا لها، لاقتران كل واحد منهما بالآخر في حالة خاصة، كالثوب ولابسه، ولذلك قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ

стр. 53

وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١) أي جامعوهن فهو حلال لكم في ليالي الصوم، وابتغوا بمباشرتكم حصول ما كتب لكم من العفاف، والإنجاب، وحسن العشرة، فللمرأة من الحق في هذا الشأن ما للرجل، ولكل منهما الاستمتاع بالآخر، ويمنع الرجل من الفرج في حالة الحيض والنفاس، ومطلقا من الدبر، وله ذلك في باقي البدن، سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ ، قال: ٣١ - (لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها) (٢) وأرسل عبد الله بن عمر إلى عائشة ليسألها، هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ ، فقالت: لتشد إزارها على أسفلها ثم يباشرها (٣). ١٠/ ٤ - المبحث التاسع: المساواة في تحريم نكاح المشركين: وقد صان الله الرجل المسلم أن يعاشر غير المسلمات، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (٤) وصان المرأة المسلمة أن تعاشر غير

стр. 54

المسلم، فحرّم ذلك على أصل النكاح الذي هو العقد الشرعي، فضلا عن النكاح الذي هو الوطء، وعلل ذلك بأن المشركين لا يدعون إلى خير، ومن كان كذلك فلا خير في الحياة معه ولا معاشرته، فهم يدعون بأعمالهم وأقوالهم إلى النار، أما المؤمنون فهم الداعون إلى الخير العاملون به، فالحياة معهم تكون في خير وتؤول إلى خير، لأنهم يدعون بأعمالهم وأقوالهم إلى الجنة، ولذلك تولّى الله تعالى المقابلة تعبيرا عنهم، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (١) والمراد بالمشركين والمشركات: الوثنيات على القول الصحيح، لأن الكتابيات أبيح للمسلم نكاحهنّ، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) نص على المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، والمراد بالكتاب غير المحرّف، ولا أرى ذلك

стр. 55

ينطبق عليهم اليوم وقد غيروا وبدلوا دينهم، لذلك كان ابن عمر ﵄: إذا سئل عن نكاح النصرانية واليهودية قال: إن الله حرّم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئا أكبر من أن تقول المرأة: ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله (١). وحرّم الله تعالى أن يزوجَ المشرك مسلمة، قال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (٢) أي لا تزوجوا الكفار بالمسلمات، وهذا خطاب للأولياء يمنعهم من المبادرة أو الموافقة على زواج الكفار مطلقا الكتابي وغيره، لما في ذلك من إهانة للمرأة المسلمة، وتعريض لدينها، والكفر والإيمان لا يجتمعان في أسرة. ١١/ ٤ الفصل الثاني المساواة في التكليف وتحمل المسئولية، وفيه مباحث: ١٢/ ٤ - المبحث الأول: المساواة في التكليف: تقدم بيان اصطفاء الله تعالى للإنسان، وتكريمه له وذلك على ضوء موقفه من الرسالة الربانية، وهنا نؤكد على المساواة بين الرجل والمرأة في التكاليف الشرعية، إلا ما خص به أحدهما دون الآخر، بسبب ما تقتضيه الفطرة في الخلق، فالذكور والإناث مطالبون بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ومطالبون بإجابة الرسول المرسل

стр. 56

إليهم، ولا نبي ولا رسول بعد نبينا محمد ﷺ ، ومطالبون بإقامة أركان الإسلام، لا أقل مما سأل عنه ذلك الأعرابي حين جاء إلى رسول الله ﷺ يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : ٣٢ - (خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل علي غيرها؟ ، قال: لا، إلا أن تطوع، قال رسول الله ﷺ : وصيام رمضان، قال: هل علي غيره؟ ، قال: لا إلا أن تطوع، وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ ، قال: لا إلا أن تطوع، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله ﷺ : أفلح إن صدق) (١) فلا فرق بين الرجل والمرأة في هذا، وكذلك لواحقه من النوافل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب ما حرم الله ورسوله، من الأقوال والأعمال، والمآكل والمشارب، والمكاسب، والزينة والمناظر والسماع ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٢). ١٣/ ٤ - المبحث الثاني: المساواة في تحمل المسئولية: ساوى الإسلام بين المرأة والرجل فيما يتعلق بتحمل المسئولية تجاه ما ينتج عن تصرف كل منهما من خير وشر، على حد سواء الغرم بالغرم والغنم بالغنم ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣)

стр. 57

وعلى ضوء ذلك يتحدد موقع كل منهما من الثواب والعقاب في الدنيا، وفي الآخرة: الجنة أو النار، وقد تكون المرأة في الجنة ووالدها أو زوجها أو ابنها في النار، والعكس صحيح أيضا ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) وكل خطاب فيه يا أيها الذين آمنوا، أو يا أيها الناس فالنساء داخلات فيه ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ (٢) ومحور هذا كله الإيمان بالله تعالى ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ

стр. 58

فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (١) والإيمان والعمل الصالح شرط في الحصول على الحياة الطيبة في الدنيا، والجزاء الحسن في الآخرة ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) وهذا صريح كتاب الله بأن لا فرق بين ذكر وأنثى، فكما يحصل لهما بالعمل الصالح الثوب والجزاء الحسن، فإنهما يعاقبان على العمل السيئ، وأسوأ الأعمال الكفر بالله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣) والبلاء أن يقضي الإنسان حياة في بعد عن الله باقيا على ضلاله وكفره ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٤) فالله تعالى ينتقم لرسله وعباده المؤمنين ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ

стр. 59

عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (١) ولن يمنعهم من عقاب الله مال ولا جاه ولا ولد ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ (٢) فهم المغلوبون يساقون إلى النار في ذلة وصغار ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (٣) ومن آمن منهم ثم ارتد إلى الكفر فقد ضل طريق الحق، لا يحصل لهم الهدى لإمعانهم في الضلال ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ (٤) ولا مساومة في يوم الحساب، بل يلقى المحسن ثواب إحسانه، والمسيء جزاء إساءته ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (٥) والآيات في هذا الصدد كثيرة.

стр. 60

١٤/ ٤ - المبحث الثالث: المساواة في الحدود: ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في إقامة الحدود لهما وعليهما، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) ذهب الجمهور من علماء المسلمين إلى أنه يقتل الرجل بالمرأة، وتقتل المرأة بالرجل وهو الحق، إما على القول بالنسخ بآية المائدة، وبما ثبت عن رسول الله ﷺ ، وإما على القول ببيانها لآية البقرة، لأن الحكمة في شرعية القصاص حقن الدماء، وحياة النفوس، وهو عدل ولاسيما للنساء، لأن ترك الاقتصاص من الذكور للإناث يفضي إلى إتلاف نفوس الإناث، لأمور كثيرة منها: كراهية توريثهن، ومخافة العار، ولاسيما عند ظهور أدنى شيء منهن، لما بقي في القلوب من حمية الجاهلية، التي نشأ عنها الوأد (٢) ولاسيما أن الناس في الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي إذا كان فيه عزّ ومنعة فقتل لهم عبد، قتله عبد قوم آخرين قالوا: لا نقتل به إلا حرّا، وإذا قتلت منهم امرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا، وإذا قتل لهم وضيع قالوا: لا نقتل به إلا شريفا، ويقولون:

стр. 61

القتل أوقى للقتل (١)، ويقال: أبقى (٢)، ويقال: أنفى (٣)، فنهاهم الله عن البغي فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (٤) روى مجاهد ﵀ قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (٥) فالعفو أن يقبل الدية في العمد، وقوله تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٦) يتبع بالمعروف، ويؤدي بإحسان ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٧) مما كتب على من كان قبلكم (٨) ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٩) أي قتل بعد قبول الدية (١٠) وكان هذا عين العدل

стр. 62

للطرفين الرجل والمرأة على حد سواء، حق لهما وعليهما، وإذا كان العرب يظنون أنهم أتوا بمنتهى البلاغة في أقوالهم الثلاثة: القتل أوقى للقتل، أو أبقى للقتل، أو أنفى للقتل، هذه الأخيرة هي الأشهر، فإن الكمال البلاغي المطلق في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) فإن العاقل يعلم أنه إذا قتل يقتل قصاصا، فيبقي على حياته بعدم ارتكابه جريمة القتل، ولا يقدم عاقل على القتل بغير حق مشروع، إلا إذا فقد عقله ساعة إذ، والحق المشروع ما ورد في السنة قال رسول الله ﷺ : ٣٣ - (لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة) (٢) ولا تكون مباشرة الحكم إلا للحاكم، يأمر بتنفيذه، وليس لأحد سواه، فالقاتل عمدا يقتل ذكرا كان أو أنثى، والزاني المحصن: الذي تزوج يرجم، ذكرا أو أنثى، والمرتد إلى الكفر يقتل، ذكرا أو أنثى، ومن لم يكن محصنا منهما فإنه يجلد ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وكذلك بقية الحدود: كحد السرقة فقد حدث أن امرأة سرقت في عهد رسول

стр. 63

الله ﷺ في غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أًسامة بن زيد ﵁ يستشفعونه، قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تلوّن وجه رسول الله ﷺ فقال: ٣٤ - (أتكلمني في حد من حدود الله، قال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي قام رسول الله خطيبا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ثم أمر رسول الله ﷺ بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت، قالت عائشة: فكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ (١) وكذلك حد القذف فالرجل والمرأة في ذلك سواء لهما أوعليهما، وحد القذف هو ثمانون جلدة قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) وكان أول لعان في الإسلام بسبب القذف وذلك: أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، فرفعه إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : ٣٥ - (يا هلال أربعة شهود وإلا فحدّ في ظهرك قال يا رسول الله إن الله يعلم أني صادق ولينزلنّ الله عليك ما يبرئ ظهري من الجلد) فأنزل الله ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ

стр. 64

إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١) فدعاه النبي ﷺ فقال اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به (٢) وقد أقام رسول الله ﷺ حدّ القذف في شأن عائشة ﵂ قالت: لما أنزل عذري قام النبي ﷺ على المنبر فذكر ذلك وتلا، فلما نزل عن المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم (٣) وقد حكم الله تعالى على المرأة التي تأتي الفاحشة فقال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٤) وقد جعل الله للنساء في هذا الحكم رحمة وسترا، فالإتيان أربعة شهود على الزانية ليس بالأمر الهين، فكان الستر أحب إلى الله من الفضيحة، فشدّد في الإثبات، فإذا قامت البينة وجبت العقوبة، بالحبس في البيوت حتى يتوفاهن الموت، ولكن لم يدم هذا الحكم الشرعي طويلا إذ جعل الله لهن سبيلا كما وعد تعالى في الآية، وذلك حين قال رسول الله ﷺ : ٣٦ - (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم) (٥) فنسخ الحكم السابق، وبقية الآية محكمة التلاوة.

стр. 65

وفي حد السكر روى ابن عباس ﵄: أن الشّرّاب كانوا يضربون في عهد رسول الله ﷺ بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي رسول الله ﷺ ، وكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم حدا فتوخّى نحو ما كانوا يضربون في عهد رسول الله، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، ثم كان عمر بعد فجلدهم كذلك أربعين، حتى أتي برجل من المهاجرين الأولين قد شرب فأمر به أن يجلد، فقال: لم تجلدني بيني وبينك كتاب الله، قال عمر وأي كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ ، قال له: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١) الآية فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا شهدت مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا والخندق والمشاهد، فقال عمر: ألا تردون عليه ما يقول؟ ، فقال ابن عباس إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرا للماضين، وحجة على الباقين، فعذر الماضين بأنهم لقوا الله قبل أن تحرّم عليهم الخمر، وحجة على الباقين لأن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر، فقال عمر: صدقت، فما ترون؟ ، فقال هل إنه إذا شرب سكر، وإذا

стр. 66

سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة، فأمر عمر فجلد ثمانين (١) وروى وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر ﵄، فأتيته وهو في المسجد معه عثمان بن عفان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير متكئ معه في المسجد ﵃، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك، وهو يقرأ عليك السلام ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر، وتحاقروا العقوبة، فقال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم، فقال: علي ﵁ نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون، فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال، فجلد خالد ثمانين، وجلد عمر ثمانين، وكان عمر إذا أتي بالرجل القوي المنهمك في الشراب جلده ثمانين، وإذا أتي بالرجل الضعيف التي كانت منه الزلة جلد أربعين، ثم جلد عثمان ثمانين وأربعين (٢) ولا فرق بين الرجل والمرأة أيضا. ١٥/ ٤ - المبحث الرابع: المساواة في حق الشورى: الشورى مبدأ أمر به الإسلام، والشورى في حق الرجال أكثر وآكد، قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٣)، أثنى الله على المؤمنين فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٤)، وقد طبّق ذلك رسول الله

стр. 67

- ﷺ في شئون الحرب والسلم والمشاورة لا تكون إلا قبل العزم والتبيّن، لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١)، وقد يراد بطرح الشورى استجلاء آراء من لهم الأثر في حسم الموقف، فقد استشار رسول الله ﷺ من كان معه يوم بدر، وهو لا يريد رأي المهاجرين، ويرغب في استجلاء رأي الأنصار، وكان ذلك حين بلغه إقبال أبي سفيان، فتكلم أبو بكر ﵁ فأعرض عنه، ثم تكلم عمر ﵁ فأعرض عنه، فقام سعد ابن عبادة فقال: إيانا تريد؟ يا رسول الله: ٣٧ - "والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا" فندب رسول الله ﷺ الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرا (٢) وقد كان الرسول ﷺ إذا عزم لم يكن لأحد من الصحابة التقدم عليه، وشاور أصحابه يوم أحد في المقام والخروج، فرأوا له الخروج، فلما لبس لأمَتَهُ وعزم قالوا: أقم، فلم يمل إليهم بعد العزم وقال: لا ينبغي لنبي يلبس لأمَتَهُ فيضعها، حتى يحكم الله، وشاور علياً وأسامة ﵄ فيما رمى به أهل الإفك عائشة ﵂، فسمع منهما حتى نزل القرآن، فجلد الرّامين ولم يلتفت إلى تنازعهم، ولكن حكم بما أمره الله، روت عائشة ﵂، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا: قالت: ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد ﵄، حين استلبث الوحي يسألهما، وهو يستشيرهما في فراق أهله، فأما

стр. 68

أسامة: فأشار بالذي يعلم من براءة أهله، وأما علي فقال: لم يضيِّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فقال ﷺ للجارية: هل رأيت من شيء يريبك قالت: ما رأيت أمراً أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، فقام ﷺ على المنبر فقال: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، فذكر براءة عائشة ﵂ (١) واستشار ﷺ الناس في خطبة، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما تشيرون عليَّ في قوم يسبُّون أهلي، ما علمت عليهم من سوء قط، وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضّح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره، اقتداء بالنبي ﷺ ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة، فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : ٣٨ - (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله؟ ) فقال أبو بكر ﵁: والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين ما جمع رسول الله ﷺ ، ثم تابعه بعد عمر ﵁، فلم يلتفت أبو بكر ﵁ إلى مشورة، إذ كان عنده حكم رسول الله ﷺ في الذين فرّقوا بين الصلاة والزكاة، وأرادوا تبديل الدين وأحكامه، وقال النبي ﷺ : من بدَّل دينه فاقتلوه، وكان القرَّاء أصحاب مشورة عمر، كهولاً أو شبَّاناً، وكان وقَّافاً عند كتاب الله (٢) ولم يخل الأمر من استشارة النساء، ففي الحديبية أشارت أم سلمة رضي الله

стр. 69

عنها على رسول الله ﷺ بما أصلح الله تعالى به أمر الصحابة المعارضين للصلح، ومن أشدهم عمر ﵁ قال: فعملت لذلك أعمالا، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: ٣٩ - قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال: فو الله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك، اخرج لا تكلّم أحدا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلّم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل غما (١) ولم تكن المرأة رأسا في الشورى، ولكنها تسهم فيما يتعلق بالنساء بالدرجة الأولى، ولم يحدث في عهد النبوة، ولا الخلافة الراشدة أن جمع النساء للشورى، ولا بعضهنّ، ولا يمنع أن تكون حالات فردية كما حدث لعمر ﵁ سمع امرأة وهي تقول: تطاول هذا الليل واسودّ جانبه ... وأرّقني ألّا حبيب ألاعبه فو الله لولا خشية الله والتقى ... لزعزع من هذا السرير جوانبه ولكن عقلي والحياء يكفني ... وأكرم بعلي أن تنال مراكبه فأصبح عمر فأرسل إليها فقال: أنت القائلة كذا وكذا؟ ، قالت: نعم، قال: ولم؟ ، قالت: أجهزت زوجي في هذه البعوث، قال: فسأل عمر حفصة، كم تصبر المرأة من زوجها؟ ، فقالت: ستة أشهر، فكان عمر بعد ذلك يقفل بعوثه لستة أشهر (٢) والمرأة إذا كانت دينة صالحة عاقلة، هي حجة فيما لا يطّلع عليه إلا النساء.

стр. 70

١٦/ ٤ - المبحث الخامس: المساواة في حرية الرأي: حرية الرأي حق مشروع لكل عاقل حكيم، يعلم موارد الأمور، ويعلم ما يترتب على الرأي من المصالح والمضار، وهذا ما أشار إليه تعالى بقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) وهذا الواجب الشرعي يشترك فيه الرجال والنساء، ولهم الحرية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه عبادة مطلوبة من كل فرد ذكرا أو أنثى، ولذلك قال رسول الله ﷺ : ٤٠ - (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (٢) حرية في الرأي لكنها مقيدة بالمصلحة العامة، وفي هذا التقسيم حكمة عظيمة، فالشارع الحكيم نظر إلى أحوال الناس، وقدراتهم على معرفة النافع والضار، ونظر إلى قدراتهم على الإصلاح، فمن كانت له الولاية العامة على المسلمين - - - - ولو في بلد محدود كما هو حال المسلمين اليوم - - - - فإن له حق الأمر بالمعروف بمراتبه الثلاث، وإقامة العدل والعرف بين الناس، ولو أدى ذلك إلى معاقبة الممتنع، وله إنزال العقوبة المناسبة على من لا يستجيب،

стр. 71

وله حق إنكار المنكر بمراتبه الثلاث، وردع فاعل المنكر بالوسيلة المناسبة، ومن ذلك إقامة الحدود بأنواعها، لأنها دفع لشر الأشرار من الناس، وإشاعة للمعروف بين الناس، والمعروف كل ما أقرّه الشرع، والمنكر كل ما نهى عنه الشرع، ولمن ينوب عن صاحب الولاية العامة ممارسة هذه الحرية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق ما منح من صلاحيات، كصاحب الولاية تماما، ومن كان من الناس دون ذلك في المسئولية، ولم يكن له شرعا استخدام اليد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا له المرتبة الثانية: وهي التغيير باللسان، والمراد بيان المعروف من الأقوال والأعمال، وشرحه للناس ودعوتهم إلى ممارسته والحرص عليه، وتعليم القريب والبعيد، واستخدام الأسلوب الأمثل في ذلك، وكذلك إنكار المنكر باللسان، يكون ببيان المنكر من الأقوال والأعمال للناس، وحثهم على البعد عنه، ويجب عليه استخدام الأسلوب الأمثل في الحالين: حال الأمر بالمعروف، وحال النهي عن المنكر، عملا بقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١) فقد وجه رب العزة الجلال نبينا محمدا ﷺ إلى الحكمة مع كل من يدعوه إلى الإسلام فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٢)

стр. 72

فالحكمة مطلب في الأسلوب مع عامة الناس، ولكنه مع الجاهلين أكثر طلبا، لأن الجاهل من الناس كالأعمى، لا بد أن ترفق به حينما تدله على الطريق، فلا تتعامل معه بفظاظة، فلا يقبل منك توجيها، ولو سلك طريقا فيه هلاكه، وهكذا كانت معاملة رسول الله ﷺ مع كفار قريش، كان حليما حكيما صابرا محتسبا، قالوا: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (١)، فصبر، وقالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٢) ورغم خسة هذا القول لم يؤثر في حكمته وصبره ﷺ ، وتجاوز أذاهم لرسول الله ﷺ السب والشتم إلى العمل، فكان من أشدهم أذى له عمه عبد العزّى بن عبد المطلب الملقب في الإسلام أبا لهب، وزوجه أم جميل، فصبر عليهما رسول الله ﷺ فانتصر الله لنبيه بذكر مآل أبي لهب وزوجه في سورة قرآنية تتلى إلى يوم القيامة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وكانت زوج أبي لهب تحمل الشوك وتطرحه في طريق رسول الله أذى منها له ﷺ ، فجعل لله لها حبلا تجرّ فيه في النار، وهو المسد الذي سميت به السورة، وكذلك الحكم بن هشام الملقب في الإسلام أبا جهل كان من أشد قريش أذى لرسول الله ﷺ وأصحابه قال ذات يوم: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه، فيضل في كتفي محمد إذا سجد؟ ، فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، والنبي ﷺ ساجد، ما يرفع

стр. 73

رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت، وهي جويرية فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا، دعا ثلاثا، وإذا سأل، سأل ثلاثا، ثم قال: ٤١ - (اللهم عليك بقريش ثلاث مرات) فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: ٤٢ - (اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة ابن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط) قال عبد الله بن مسعود ﵁: وذكر السابع ولم أحفظه، فو الذي بعث محمدا ﷺ بالحق، لقد رأيت الذين سمّى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب: قليب بدر (١)، لقد صبر ﷺ أعظم الصبر، ولقد كان رحيما حتى بقريش أنفسهم، عمّم الدعاء عليهم، ثم استثنى وخص الآمرين بالأذى المباشرين له، واستجاب الله دعوته. وأما الموعظة الحسنة فهي عامة لكل الناس العالم والجاهل، والمجادلة بالتي هي أحسن خاصة بالعلماء من المسلمين وغيرهم، لأنهم ذووا علم وفهم لكثير من الأمور، وفي هذا تكريم للعلم وأهله حتى لو لم يكونوا من المسلمين، ولذلك لاطف الله اليهود والنصارى حينما أمر رسوله بأن يخاطبهم بقوله: يا أهل الكتاب، ولذلك كررها في القرآن أكثر من ثلاثين مرة، ويحاور رسول الله ﷺ عدي بن حاتم وكان من أهل الكتاب قال عدي ﵁: بعث رسول الله ﷺ حيث بعث فكرهته أشد ما كرهت شيئا قط، فانطلقت حتى كنت في أقصى الأرض مما يلي الروم، فقلت: لو

стр. 74

أتيت هذا الرجل فإن كان كاذبا لم يخف عليّ، وإن كان صادقا اتبعته، فأقبلت فلما قدمت المدينة استشرف لي الناس وقالوا: جاء عدي بن حاتم، جاء عدي بن حاتم، فقال النبي ﷺ لي: ٤٣ - يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم، قال: قلت: إن لي دينا، قال: أنا أعلم بدينك منك - مرتين أو ثلاثا - ألست ترأس قومك؟ ، قال: قلت: بلى، قال: ألست تأكل المرباع؟ ، قال: قلت: بلى، قال فإن ذلك لا يحل لك في دينك، قال: فتضعضعت لذلك، ثم قال: يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم، فإني قد أظن - أو قد أرى، أو كما قال رسول الله ﷺ - أنه ما يمنعك أن تسلم خصاصة تراها من حولي، وتوشك الضعينة أن ترحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت، ولتفتحنّ علينا كنوز كسرى بن هرمز، وليفيضنّ المال - أو ليفيض - حتى يهم الرجل من يقبل منه ماله صدقة، قال عدي بن حاتم: فقد رأيت الضعينة ترحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت، وكنت في أول خيل أغارت على المدائن، على كنوز كسرى بن هرمز، وأحلف بالله لتجيئنّ الثالثة إنه لقول رسول الله ﷺ لي (١) تأمل هذا الحوار من أكرم الخلق مع من لا يؤمن بدينه ولا نبوته، أسلوب عظيم أقام الحجة في أدب رفيع، يكرر يا عدي بن حاتم تكريما للمدعو، فتقوم الحجة ويسلم عدي بن حاتم ﵁، وتكون حرية الرأي في الإسلام مطلقة في كل ما يعود على الناس بالخير في الدنيا والآخرة، تقال بدون تحفظ ولو أدت إلى الموت قال ﷺ : ٤٤ - (أفضل الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطانٍ جائر) (٢) أي حرية في الرأي أعظم من هذا، لكن ما هو الرأي؟ ، الرأي العدل الصائب

стр. 75

المستند إلى الحق، البعيد عن الهوى والشطط والتعسف، وقد أعطيت المرأة حرية الرأي ولم ينكر عليها ما كان من رأيها صائبا معروفا، تأتي خولة بنت ثعلبة ﵂ تشكو زوجها أوس بن الصامت ﵁ حين قال لها: أنت عليّ كظهر أمي، ثم ندم على ما قال، وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية، فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت عليّ، فقالت: والله ما ذاك طلاق، وأتت رسول الله ﷺ - وعائشة ﵂ تغسل شق رأسه - فقالت: يا رسول الله، إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غنية ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني، وقد ندم، فهل من شيء يجمعني وإياه تنعشني به؟ ، فقال رسول الله ﷺ : حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقاً، وإنه أبو ولدي وأحب الناس إليّ، فقال رسول الله ﷺ : حرمت عليه، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، قد طالت صحبتي ونفضت له بطني، فقال رسول الله ﷺ : ٤٥ - (ما أراك إلا قد حرمت عليه، ولم أؤمر في شأنك بشيء) فجعلت تراجع رسول الله ﷺ ، وإذا قال لها رسول الله ﷺ : حرمت عليه هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، وإن لي صبيةً صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك - وكان هذا أول ظهار في الإسلام، فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر - فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداءك يا نبي الله، فقالت عائشة: أقصري حديثك ومجادلتك، أما ترين وجه رسول الله ﷺ ؟ ، - وكان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه أخذه مثل السبات - فلما قضى الوحي قال
следующие страницы →