أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ (١) نعم هنا جمع الوالدين في الوصية بالإحسان إليهما لكنه خص الأم بمزيد بيان ليحدد مكانتها في الأسرة، فقد حملته في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفا على ضعف، والمرأة ضعيفة الخلقة ثم يضعفها الحمل، لذلك نوّه الله تعالى بشأنها، وقرن شكر الوالدين بشكره تعالى، وهذا تكريم عظيم لهما من الله ، جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال:
١٣٥ - "يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ ، قال: أمك، قال: ثم من؟ ، قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ ، قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك" (٢) وأصبح شأن الأم في سلام عظيما جدا، حتى أصبح المسلم يجيب أمه ولو كان في صلاته، يقطعها من أجل طاعتها وإن وردت هذه القصة عن الراهب جريج (٣) لكنها حق في شرعنا ويعمل بها الصالحون من المسلمين، لكن طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب كبيرة، ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات، ويستحسن في ترك الطاعات المندوب إليها، ومنه أمر جهاد الكفاية، والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان الإعادة، على أن هذا أقوى من طاعة الندب، إذا علل بخوف هلكة عليها، ونحوه، وتكون الإجابة في الصلاة مع إمكان الإعادة وعدم خوف ذهاب الوقت (٤)، وقد ضرب الكثيرون من المسلمين أروع الأفعال في خدمة الأم وبرها
стр. 177
وصيانة حقوقها، مع الاعتراف بعدم بلوغ الكمال فيما يجب لها من البر والرعاية، اللهم أغفر لوالدي و ﴿ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١).
٢٧/ ٥ - المبحث السابع:
عدم وجوب الجهاد .
الجهاد ليس مفروضا على النساء، والمراد به عند الإطلاق حمل السلاح والانخراط في صفوف الجيوش، لأن ذلك لا يوافق تكوينها، ولا يساير صونها وكرامتها، فإذا ما وقعت في الأسر لعب بها الأعداء، ونالوا من كرامتها، وتكون قد عرّضت نفسها للبلاء وقد نهى رسول الله ﷺ الرجال عن ذلك، فالمرأة من باب أولى، ولهذا لم يوجب الإسلام على المرأة حمل السلاح والدخول في صفوف الرجال، تكريما لها وصونا لعفافها، ولكن إذا تطوعت في حالا الضرورة القصوى فلا بأس، بشرط أن لا يخل هذا التطوع بشيء مما فرض الله عليها، كالحجاب، لما قدمنا من بيان وجوبه تعبدا، والخلوة مع أجنبي، والمراد به غير المحرم، لقوله ﷺ :
١٣٦ - (لا يخلون رجل بامرأة) (٢) والسفر بدون محرم، لحرمة ذلك عليها، بقوله ﷺ :
١٣٧ - (ولا تسافرن امرأة وإلا معها محرم) (٣) ولقوله للرجل الذي قال له: يا رسول الله، اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة، فقال ﷺ :
стр. 178
١٣٨ - (اذهب فحج مع امرأتك) (١) وهذا من أقوى الأدلة على حرمة السفر للمرأة بدون محرم، عبادتان مفروضتان: الجهاد في سبيل الله وقد اكتتب فيه الزوج، والحج وقد خرجت له الزوجة، فألغى الرسول ﷺ خروج الزوج للجهاد، وأمره أن يلحق بامرأته ليكون محرما لها وهي تؤدي فريضة الحج، ولو كان الأمر هينا ما فعل هذا رسول الله ﷺ ، وترك كلا منهما على وجهته، ولاسيما كل منهما خرج في طاعة، فكيف تستحل امرأة تؤمن بالله ورسوله السفر بدون محرم، وفي غير طاعة؟ ! ! قال رسول الله ﷺ :
١٣٩ - (لا يحل لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة) (٢) أي محرم، كل هذا على اعتبار أنها تسافر من أجل مصلحة جائزة شرعا، وقد يكون فيها قربة إلى الله تعالى، لكن هذه الأمور فرائض على المرأة تعبّدها الله بها، والفرائض آكد من النوافل، ولا يجوز إهدار فرض من أجل إقامة نافلة، فعلى كل امرأة مسلمة - ولو كانت الأستاذة فلانة في الجامعة الفلانية، أو الطبيبة الماهرة في جراحة المخ والأعصاب - أن تنظر إلى هذه الأمور بادئ ذي بدء نظرة تعبّد، ولا تغتر بما منّ الله به عليها من العلم والمعرفة، وتصرف الأمر إلى أنها تثق بنفسها وأنها عفيفة، وأن هذا تهمة للمرأة، وما دامت كذلك فلا مجال لديها لقبول هذه التكاليف، والحق أنها لو وقعت في هذا التفكير السيئ تكون ألقت بنفسها في التهلكة، والصواب أنها مهما بلغت من العلم والعزة والشرف، فهي متعبدة
стр. 179
بهذه الأمور، ومسئولة عنها في يوم تنقطع فيه الأسباب، إلا سبب له بالإسلام صلة، وهي محط نظر الرجل، ورغبته، والرجل قد يقع منها نفس الموقع، لما فطر عليه لذكر والأنثى، ليس في بني آدم فحسب، بل في كل الكائنات.
فالجهاد ليس فريضة على المرأة، وقد كانت أم المؤمنين عائشة ﵂ من أشد النساء رغبة في الخير، وأكثرهن مساءلة لحبيبها رسول الله ﷺ ، قالت له: يا رسول الله هل على النساء من جهاد قال:
١٤٠ - (نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) (١) هذا هو جهاد المرأة المسلمة، وقد كان رسول الله ﷺ في أشد الحاجة لمواجهة كفار قريش، ولم نعلم أنه جند النساء والصبيان، ودفع بهم في مواجهة الأعداء، ولم يفعل ذلك الخلفاء الراشدون، وكذلك من جاء من بعدهم، وليس في مداواة بعض النساء للجرحى في بعض الغزوات حجة على وجوب الجهاد على المرأة، ولكنه لبيان الجواز إذا حصل الأمن من هتك المفروض، والتعرض للفتنة أو السبي، وما حدث لنساء المسلمين من المآسي وهتك الأعراض في البوسنة والهرسك، وفي سجن أبو غريب، وفي سجون إسرائيل، وفي معسكرات الشبيبة خير دليل على أن الإسلام أحاط المرأة بسياج العزة والكرام، وأعطاه قدرا كبيرا من الأهمية، إلى درجة بلغت إسقاط بعض العبادات عنها من أجل صيانتها، وقد جعل العلماء عدم وجود المحرم من عدم الاستطاعة.
стр. 180
٢٨/ ٥ - المبحث الثامن
وجوب العدة على المرأة .
العدة واجبة على كل امرأة متزوجة، وذلك في إحدى حالتين: في حالة الطلاق الرجعي أو البائن، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) وعبر بالجمع فقال: والمطلقات ليعم المطلقات طلاقا رجعيا، والمطلقات طلاقا بائنا بثلاث، والقروء: جمع قرء، وهو اسم مشترك بين الحيض، والطهر، ويصح التربص بثلاث حيض، أو بثلاثة أطهار، حملا للمشترك على أحد معنييه، استبراء للرحم والتأكد من عدم وجود الحمل، فإذا تبين وجوده انقلب أجل التربص من القروء، إلى وضع الحمل، وبالوضع تكون قد خرجت من العدة، قال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢) وكثيرون يسيئون فهم الطلاق، وهو حكم شرعي، يعتبر نعمة لا نقمة، حتى يسلم الزوجان من الظلم، والمطلقات: جمع مطلقة، سميت بذلك لأنها تطلق من عقد الزوجية، وتصبح في حل من ذلك الرباط الشرعي، وليس على المطلقة قبل الدخول عدة، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ
стр. 181
عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١) فيلاحظ خروجا من هذا العموم ثلاث حالات للنساء: المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها، والمطلقة الحامل لا عدة عليها، فلو طلقت قبل الوضع بزمن ولو يسير جدا، تنقضي عدتها بوضع الحمل مباشرة، والآيسة خرجت بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (٢) والحالة الثانية: وفاة الزوج، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣) وقال ﷺ :
١٤١ - (لا يحل لامرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث أيام، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا) (٤) وهذا فيه استبراء، إذا رغبت في الزواج، وفيه تكريم للزوج بزيادة التربص، واحتياط في شأن الحمل، فقد علل بعض أهل العلم الزيادة في عدة الوفاة أن الجنين الذكر يتحرك في الغالب لثلاثة أشهر والأنثى لأربعة أشهر، فزاد سبحانه عشرا لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة فتتأخر حركته قليلا، ولا يتأخر عن هذا الأجل، فجعلت الزيادة احتياطا، وخرج بالسنة المختلعة عند جماعة من أهل العلم أنها تعتد بحيضة عملا بما ورد في قصة امرأة ثابت بن قيس أتعتد بحيضة (٥)، وحديث الربيع بنت معوذ بن
стр. 182
عفراء أنها اختلعت فأمرها النبي ﷺ أن تعتد بحيضة (١)، قال الترمذي الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة (٢).
قالوا: وهذا يخصص ما ورد في القرآن، ولم يرد ما يعارضه، وقال آخرون: إن المختلعة من جملة المطلقات فهي داخلة تحت عموم القرآن، وأرى القول الأول هو الراجح، وخرجت الحامل بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣) ومن السنة حديث سبيعة: "أنها كانت تحت سعد بن خولة، وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلّت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك: رجل من بني عبد الدار فقال لها: ما لي أراك تجملت للخطاب، ترجين النكاح، فإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت، وأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك:
١٤٢ - - - فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي" (٤)، وهذا هو الحق إنشاء الله في عدة كل امرأة، بحسب ما هي عليه مما تقدم بيانه، والآية السابقة ناسخة للاعتداد بالحول، ولا خلاف في ذلك.
وللفائدة فإن المطلقات لهن أربع حالات:
стр. 183
الأولى: المرأة فُرض مهرها ودخل بها زوجها ثم طلقها طلاقا رجعيا أو بائنا، فعدتها ثلاثة قروء، ولا يجوز مطالبتها بشيء، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٢) ولو كان باقيا في ذمة الزوج وجب عليه دفعه، لأن الزوجة في هذه الحال تسحق كل ما سمي لها.
والثانية: المرأة لم يفرض مهرها، ولم يدخل الزوج بها، ثم طلقها زوجها فلها المتعة، والمتعة خاصة بهذه الحال، ولا حدّ لمقدار المتعة، ولا بد أن تكون ذات نفع، فتجوز بالقليل والكثير، قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) ولا عدة عليها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ
стр. 184
سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (١). والثالثة: المرأة دخل بها زوجها، ولم يفرض مهرها، ثم طلقها زوجها فيفرض لها مهر المثل، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٢).
والرابعة: المرأة فرض مهرها، ولم يدخل بها زوجها، فلها نصف المهر، ولا عدة عليها، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٣) وفي كل الأحوال عدا حالة الدخول فإنه يجوز العفو من الطرفين: الزوج وأولياء الزوجة، إذا عفى الزوج عن كامل ما دفع أو الزوجة فذاك أمر حسن وهو الأولى، قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤).
стр. 185
٢٩/ ٥ - المبحث التاسع:
حرمة كتمان ما يخلق في الأرحام .
المرأة محل حرث الرجل، وقد يقع بين الزوجين ما يدعو إلى الطلاق، ولاستبراء الأرحام من وجود الحمل فرض الله العدة عليهن، وحرم عليهن كتمان ما خلق الله في أرحامهن قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (١) من الحيض أو الحمل، وذلك في حالتين: الأولى: استيفاء مدة العدة المقررة شرعا بثلاثة أقراء، فإذا حاضت ثلاث حيض فقد استوفت المدة، وقد تدّعي المرأة أنها طهرت وهي كاذبة، فنهيت عن الكتمان، ووجه النهي عن الكتمان لأنه لو حصل كان فيه إضرار بالزوج، وعدم وإظهار حقه، فإذا زعمت المرأة أنها حاضت وهي لم تحض ذهبت بحقه من الارتجاع، وإذا قالت إنها لم تحض وهي قد حاضت طالبته بالنفقة فأضرت به، والثانية استيفاء مدت العدة بوضع الحمل، وربما تكتمه لتقطع حق الزوج من الرجعة، وقد تزعم أنها حامل لتوجب على الزوج النفقة، وقد قرر الشرع دفع ما يضر بالزوج، كما دفع ما يضر بالزوجة، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢) خرج مخرج الوعيد بنفي الإيمان عمن تكتم ما خلق الله في رحمها، ولا يفهم منه أن غير المؤمنات يجوز لهن الكتمان، بل هن مطالبات بعدم الكتمان، لكن نوّه بالإيمان، تحذيرا من المخالفة.
стр. 186
٣٠/ ٥ - المبحث العاشر:
حق المرأة في كيفية الطلاق .
كما أن للرجل حقا في طلاق زوجته، في حالة عدم انسياق الحياة الزوجية في مسارها الصحيح، فإن للمرأة حقا في كيفية إلقاء الطلاق عليها، كما طالبن خولة بحكم من الله في قصتها مع زوجها، والكيفية المطلوبة شرعا وردت مبينة في كتاب الله قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) والمراد الطلاق الرجعي، فإنه يجرى على المرأة بالتدرج كما أمرا الله مراعاة للمصلحة الشاملة للأسرة، فيطلق طلقة واحدة، ليبقى المجال فسيحا للصلح، فقد يندم الرجل ويراجع لأي سبب من الأسباب المشروعة، لا للإضرار بالزوجة، ويجب أن يغلب على ظن كل منها أنه في حال المراجعة يقيم حدود الله، فيما يتعلق بحقوق كل منهما على الآخر، عملا بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) وليس المراد ظنّ اليقين، إذ لا يعلم ذلك إلا الله تعالى، والمراد بالحدود حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر، ولو حصل الشك والتردد من أحدهما في إقامة حدود الله في الحقوق الزوجية، فلا تجوز المراجعة خوفا من عدم إقامة الحقوق، وذلك معصية الله ، فإذا ما تراجعا عادت الزوجة كما كانت قبل الطلقة، ما لم تخرج
стр. 187
من العدة، فإن لم تحصل الرجعة قبل نهاية العدة، فالمرأة تملك نفسها ولا حق للزوج في إرجاعها إلا بثلاثة شروط: رضاها، ومهر جديد، وعقد جديد، ولو طلق الثانية كان له وعليه ما ذكر، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١)، فإن طلقها الثالثة فلا تحل له البتة حتى تتزوج رجلا آخر زواجا شرعيا يطؤها فيه، ولا يكفي مجرد العقد، عملا بقول رسول الله ﷺ في قصة امرأة رفاعة القرضي:
١٤٣ - (لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك) (٢) ويفارقها بعد ذلك بطلاق أو وفاة، وهذه صفة الطلاق المشروعة، ومن خرج عن هذه الصفة كمن يلقي الطلاق بالثلاث دفعة واحدة فقد خالف الشرع، والأحرى بالمرأة أن تطالبه بالطلاق الشرعي، لأن فيه العدل ومصلحة الأسرة، ويؤكد هذا التعبير بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٣) ولم يقل: طلقتان، إشارة إلى أنه يكون مرة بعد مرة، فلا يتوهم أنه يجوز طلقتان في آن واحد، لتفويت المصلحة فيما بعد الطلقة الأولى، وأشار تعالى بقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٤) إلى ما سيكون نافذا بعد الطلقة الأولى أو الثانية، وأنه أحد أمرين: حصول الندم والرغبة في العودة إلى ممارسة الحياة الزوجية، فلا مانع من ذلك بشرط أن يحسن كل منهما عشرة الآخر، وفق ما هو معروف في الشرع، والأمر الثاني:
стр. 188
عدم الوفاق فيحصل التسريح بإيقاع طلقة ثالثة، ويصح التسريح بترك الرجعة حتى تخرج المرأة من العدة، سواء بعد الطلقة الأولى أو الثانية، وإيقاع الطلقة الثالثة هو الأولى عملا بسياق الكتاب العزيز، بشرط أن يحسن كل منهما إلى الآخر، بقبول ما يقضي به الشرع، ولاسيما إذا كان بينهما أطفال، فتجب مراعاة الحقوق لجميع الأطراف، وفي حالة إيقاع الطلاق في كل الأحوال لا يجوز للرجل أن يأخذ شيئا مما أعطى المرأة مهرا قليلا كان أو كثيرا، عملا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (١) وكذلك ما أعطاها هبة أو هدية، عملا بقول رسول الله ﷺ : (العائد في هبته كالكلب، يقيء ثم يعود في قيئه) (٢) وبقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣) والطلاق لا يذهب المروءة والمعروف من الرجل الكريم، وقد قيل: ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم (٤) وذلك يشمل حالة الوفاق، وحالة الفراق.
стр. 189
٣١/ ٥ - المبحث الحادي عشر:
حق المرأة في المخالعة .
وقد كرم الإسلام المرأة، وحماها من عنت الرجال بحفظ حقوقها، مع مراعاة المصلحة العامة في كل الأحوال، وقد تكون المرأة هي الكارهة للزوج، ولا تستطيع أن تقيم حدود الشرع في حياتها الزوجية، ففي هذه الحال رفع الله عنها العنت، وحفظ للزوج حقه، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) ففي هذه الحال يجوز للزوج أن يطالبها بما أعطاها مهرا، أو هبة أو هدية، لأن الكره جاء من قبلها، وإذا كانت المرأة كارهة للزوج فلن تقيم حدود الله المفروضة في الحياة الزوجية، فوجب عليها أن تفتدي الوقوع فيما حرم الله برد ما آتاها، عملا بالآية الكريمة وبقول رسول الله ﷺ لامرأة ثابت بن قيس:
١٤٤ - (أتردين عليه حديقته؟ ، قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) (٢).
стр. 190
٣٢/ ٥ - المبحث الثاني عشر:
حق المرأة في العدل عدم المضارة .
قد يقع من الزوج المضارة للمرأة فيطلقها طلاقا رجعيا، فإذا قاربت نهاية العدة راجعها من غير رغبة في الإمساك، وإنما من أجل المضارة بها، وقد نهى الإسلام عن ذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (١) بل عليه أن يلتزم ما أمر الله به من الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان ولا يجاوز ذلك، لأن مجاوزة ذلك اعتداء وظلم، وفي هذا حماية للأزواج من ظلم النساء وظلم أنفسهم، وقد يكون العضل من الزوج الذي طلق ثلاثا، أومن الولي، قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) النهي موجه إلى الأزواج والأولياء معا، وعبّر بلفظ الأزواج باعتبار ما كان أو ما سيكون، وقد يقع العضل من الزوج بعد الطلقة الثالثة كأن يكون الزوج صاحب سطوة ونفوذ فيأنف أن يتزوج أحد امرأة تزوجها هو، لما يرى لنفسه من المكانة والهيبة، وقد يكون من الأزواج طمعا في ما يرثن، أو في استعادة ما سلموا لهن من مهور، وقد يكون من الولي، استغلالا لولايته فيضار المرأة ويأنف من أن تعود موليته إلى الزوج الأول الذي أبان طلاقها، فبين الإسلام أن ذلك من الظلم الذي يعظهم الله بالبعد عنه إن
стр. 191
كانوا من المؤمنين بالله فعليهم تنفيذ شرعه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) وقد يكون من الولي ابتداء بمنعها من الزواج أصلا لأسباب مادية، كأن تكون ذات دخل مادي، فيؤخر زواجها أو يمنعه استثمارا لدخلها المادي، وهذا غالبا يكون من الآباء، أو يكون الولي ذا ثروة فلا يزوجها خوفا من مشاركة الزوج فيما قد ترثه، وهذا قد يحدث من الآباء وغيرهم من الأولياء، وهو من ظلم المرأة، الوارد النهي عنه في الآية الكريمة.
٣٣/ ٥ - المبحث الثالث عشر
حق المرأة الميراث .
المواريث حق شرعه الله تعالى بين عباده الذكور والإناث، تولى سبحانه تقسيمه، على مقتضي الخلق والتكليف وتحمل المسئولية بين الرجل والمرأة، ولم يكل ذلك التقسيم إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل، فقال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ
стр. 192
فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٢) هذه وصية الله للمؤمنين به ذكورا وإناثا، والوصية منه تعالى فريضة يجب على المؤمن قبولها دون تردد، وهذا غاية العدل منه تعالى بين عباده، ومن شك في ذلك أو نسب الجور إليه فلاشك في كفره، لمعارضته لحكم أحكم الحاكمين ، وطعنه في ركن من أركان العدل بين الرجل والمرأة، ولقد كان علم الفرائض من أهم المهمات عند أصحاب رسول الله ﵃، والتابعين لهم بإحسان، لأنه معقد العدل
стр. 193
بين الرجل والمرأة، فقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١) حكم شرعي قائم بذاته وذلك في حال اجتماع الذكور والإناث، أما في حال انفراد الفرع الوارث فإن كان ذكرا فله جميع الميراث ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (٢) أي ولم يكن معهن ذكر، ويلاحظ أن السياق القرآني الكريم ورد بالجمع فقد يقول قائل: إن الثلثين فريضة ثلاث من البنات فأكثر، ولم يسم فرض البنتين، وقد لا حظ العلماء هذا فقال ابن عباس ﵄ لهما النصف، وقال الجماهير: لهما الثلثان اعتمادا على قصة امرأة سعد بن الربيع روى جابر ﵁ قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ بابنتيها من سعد فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا ينكحان إلا ولهما مال؟ ، قال: فقال:
١٤٥ - (يقضي الله في ذلك، قال فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما، فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، ما بقي فهو لك) (٣) وللبنت النصف عملا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (٤) وهذا كله في حالة عدم وجود الذكر، فريضة من الله ، لا ينازع فيها مؤمن، هذه
стр. 194
القسمة فيما يتعلق بالفروع من البنين والبنات، أما الأصول من الآباء والأمهات والأجداد والجدات ففي قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (١) أي إن كان له ولد ذكر أو أنثى، لأن مسمى الولد يشمل الذكر والأنثى، لكنه إذا وجد الذكر من الأولاد وحده، أو مع الأنثى منهم فليس للجد إلا الثلث، وإن وجدت أنثى وحدها كان للجد السدس بالفرض، ويكون عصبة فيما عدا السدس، وهذا جلي لا إشكال فيه، ويتراجع نصيب الأم إلى السدس في حالة عدم الفرع الوارث، ووجود الإخوة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢) والمراد سدس التركة، لأن الأخوين فأكثر يحجبان الأم عن الثلث إلى السدس، وكذلك الأختين فأكثر، ويرتفع ميراث الأم إلى ثلث التركة في حالة لم يكن للميت وارث إلا الأبوين، وينقص إلى ثلث الباقي في حالة وجود أحد الزوجين، وقد أشكل ميراث الجد بعد موت أبي بكر ﵁ فقد أنزله منزلة الأب، ولا ميراث للإخوة معه، ولم يخالف أبا بكر أحد من الصحابة طيلة حياته ﵁، ووقع الخلاف بعد موت أبي بكر ﵁، فمن العلماء من سار على نهج أبي بكر، ومنهم من ورّثه مع الإخوة مطلقا، وقال الجماهير: إن الجد يسقط بني الإخوة، الذكور والإناث على حد سواء، أما الجدة فقد حصل الإجماع على أنها ترث السدس إذا لم تكن أم الميت
стр. 195
على قيد الحياة، وتسقط مع وجود الأم، والجدة أم الأم لا تسقط بوجود الأب.
أما قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١) فالمراد به بيان أن هذه الفروض لا يستحقها أصحابها إلا بعد نفاذ الوصية التي يوصي بها الميت، لأنها آخر حقوقه من ماله، وبعد قضاء ديونه، لأنه مرهون بها، وقضاء الدين مقدم على الوصية، والوصية لا تكون إلا في الثلث، ولا تجوز الوصية لوارث.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ (٢) فالمراد مطلق الولد منه أو من غيره ذكرا كان أو أنثى، ويدخل في ذلك أولاد الأبناء ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣) ولا يستحق الفرض إلا بعد نفاذ الوصية التي توصي بها الميتة، لأنها آخر حقوقها من مالها، وبعد قضاء ديونها، لأنها مرهونة بها، وقضاء الدين مقدم على الوصية، والوصية لا تكون إلا في الثلث، ولا تجوز الوصية لوارث، وكذلك الزوجات يرثن الأزواج ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ (٤) من بطنها أو من غيرها
стр. 196
ويدخل في مسمى الولد أبناء وبنات البنين، والبنات على حد سواء ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١) ولا تستحق الفروض إلا بعد نفاذ الوصية التي يوصي بها الميت، لأنها آخر حقوقه من ماله، وبعد قضاء ديونه، لأنه مرهون بها، وقضاء الدين مقدم على الوصية، والوصية لا تكون إلا في الثلث، ولا تجوز الوصية لوارث، ولو كان للميت أكثر من زوجة فهن شركاء في الربع أو الثمن وفق الحالة من وجود الولد وعدمه، ومن تكريم المرأة أن فرض لها الإسلام حق الإرث من الزوج بمجرد العقد، فلو مات الزوج بعد العقد وقبل الدخول وجب للمرأة المعقود عليها نصيبها من تركة الزوج، وذلك بمقتضى قول الله : ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢) وكما هو حق للمرأة فهو كذلك حق للرجل بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣).
стр. 197
أما من لم يكن له فرع وارث ولا أصل وارث، سواء كان رجلا أو امرأة، ولكن ترك أو تركت أخا أو أختا ففرض كل منهما السدس، عملا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (١) ولو كان الأخوة أو الأخوات أكثر من واحد، فيشتركون في الثلث، والمراد بهم الإخوة من الأم لا غير، عملا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٢) وأسهمهم متساوية لا فرق بين الذكر والأنثى، وهم عند استيفاء الفروض مقدمون على الإخوة الأشقاء أو لأب، كما في المسألة المعروفة بالحمارية وهي: أن تترك المرأة زوجا، وأما، وأخوين لأم، وإخوة أشقاء، فإن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين لأم الثلث، ولا شيء للإخوة الأشقاء، عملا بقوله ﷺ :
١٤٦ - (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر) (٣) وفي كل الأحوال لابد من استيفاء الوصية من الثلث من غير مضارة، وقضاء الدين، والمضارة في الوصية ما زاد على الثلث، وأقل منه أولى وأحب، لقول الرسول ﷺ :
стр. 198
١٤٧ - (فالثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم) (١) والوصية حق للذكر والأنثى على حد سواء وقد تأخذ المرأة مثل حظ الرجل، كما في المسألة الحمارية فالأخوة لأم يشتركون في الثلث الذكر والإناث بالتساوي، وكذلك الأخ لأم والأخت لأم يرث كل منهما السدس، إذا لم يوجد الحاجب لهما، وكما في ميراث الأبوين مع الأولاد، فإن للأب السدس، وللأم السدس، من غير تفريق بينهما، وقد تكون المرأة أكثر نصيبا من الرجل، كما لو تركت المرأة زوجها وبنتها، فإن للزوج الربع، وللبنت النصف، وكما لو ترك المتوفى زوجة، وبنتين، وأخاه، فالزوجة لها الثمن، وللبنتين الثلثين، والباقي للعم أخو الميت، ويكون نصيب كل بنت أكثر من نصيب الرجل عمهما، فأين الظلم للمرأة؟ ! ولما لم يقل الناعقون بظلم الرجل في هذا؟ ! ولو قالوا به لكنا لهم بالمرصاد، لأن الحكم صادر من أحكم الحاكمين، وهل يبقى لأحد شيء من الإيمان إذا نسب الظلم والجور إلى الخلاق العليم؟ ! ، الذي أرسى العدل بين عباده، وجعل الإسلام وسطا بين جاهليتين: الجاهلية الأولى التي حرمت النساء والصغار من الميراث، والجاهلية المعاصرة التي تدعي المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وهو أمر قد حسمه الخلاق العليم، وجعل تعالى كافة الأحكام المذكورة في المواريث حدودا لا يجوز لأحد تجاوزها كائنا من كان، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ
стр. 199
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) هذا جزاء من سمع ما جاء في الكتاب والسنة، وأطاع الله ورسوله في الأحكام كافة ومنها قسمة المواريث، ومن عصى الله ورسوله، واتبع الهوى، فورث من لا يستحق، أو منع وارثا من كل أو بعض ما يستحق، أو حاول المساواة بين الرجل والمرأة فجزاؤه ما ورد في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢) لأن التصرف في الأحكام ليس لأحد من الخلق، إنما هو لله وحده، حتى ما ورد في السنة النبوية ليس من عند رسول الله ﷺ ، بل وحي من الله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣).
(٦)
الخاتمة
هذا ما تيسر لي جمعه بفضل الله وتوفيقه من خلال اطلاعي على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولم أجعل لي معتمدا سواهما فالبحث عنوانه (حقوق المرأة في ضوء الكتاب والسنة النبوية) لأنهما الوحيان، وهما منبع الأمن والأمان، وعليهما يقوم الحكم في بلادنا أدام الله منعتها، وخذل أعداءها، ولا يمكن لباحث في الكتاب أن يجتنب النظر في السنة النبوية، ولا لباحث في السنة أن يجتنب النظر في الكتاب العزيز، لشدة تلازمهما في الأحكام،
стр. 200
وعدم إمكان فصل أحدهما عن الآخر، وللأسف قد درج كثير من الدول في العالم الإسلامي على البعد عن تحكيم الكتاب والسنة، فلم يرضوا بما ورد في الكتاب العزيز والسنة النبوية، حكما لأحوال الشعوب ومصالحهم العامة والخاصة، وأخذوا بقوانين وضعية لا تمت إلى الإسلام بصلة، مجارات لغير المسلمين، ومن لم يرض بما ورد في الكتاب والسنة فلا أرضاه الله، وخذله وجعل النار مأواه، وقد ظهر لي من خلال النظر فيما كتب عن حقوق المرأة ما يلي:
أن خطة استدراج المرأة تم تصميمها من قبل الصهيونية العالمية ليكون لكل امرأة على وجه الأرض، وكانت البداية بالمرأة الغربية لتخرج عن قيمها الإنسانية الفطرية، والقيم الدينية إن كان لديها بقية من قيم لم تسلم من التحريف والتبديل، ومن أبرز ما تم تصميمه في الخطة:
١ - تسخير المنظمات العالمية لتنفيذ الخطة الصهيونية، من خلال اختصاصاتها وأنشطتها.
٢ - - - - عقد المؤتمرات لاتخاذ القرارات، والتوصيات بشأن تحرير المرأة.
٣ - تسخير الإعلام العالمي لإضفاء هالة كبيرة على حقوق المرأة، ووضع الدعاية المؤثرة على عقول الناس، وبالذات النساء.
٤ - الإشادة بما يتم إنجازه في هذا المجال وتضخيمه ولو كان أمرا تافها.
٥ - وصم القيم الدينية واعتبارها من التخلف والانحطاط، وأنها عقبة في طريق الحضارة والرقي.
٦ - إشهار المرأة بكل وسيلة ممكنة ومنها يوم المرأة العالمي.
стр. 201
٧ - إشهار أهمية مشاركة المرأة في التنمية، ولو كان شيئا قليلا، والإشادة بقدراتها وتضخيمها، ولو كان أمرا خادعا، لا حقيقة له في الواقع.
٨ - تضخيم ما تحقق للمرأة منذ الثورة الصناعية، واعتباره من المكاسب العظيمة.
٩ - تضخيم الدعاية لجمال المرأة وأناقتها، وتحريضها على متابعة كل جديد مبهر، حتى تكون سلعة نافقة في سوق المتعة، وبثمن زهيد.
١٠ - الاستفادة من أي خطأ أو ظلم للمرأة من بعض الأفراد، وجعله قضيه عامة، ولو كان الإسلام لا يقر ذلك الحدث.
١١ - تشجيع كل ما يسيء إلى الإسلام عبر وسائل الإعلام المختلفة، بالقلم والصوت والصورة.
١٢ - تحديد مهمة الاستشراق، فليست مجرد بحث عن الحقيقة، بل تشويه الحقائق في الإسلام، وخلق الشبهة المؤثرة، والتي تسهم بقوة في انحراف المسلمين عن الإسلام.
١٣ - تشجيع التأليف في نقد الإسلام وإلقاء الشبهة عليه، والتشكيك في عدالته، وقد ألّفت في ذلك الآلاف من الكتب كلها تهاجم الإسلام.
وبالنسبة لليوم العالمي للمرأة لم تكن فكرته فكرة موفقة في العالم الإسلامي، لأنه قطرة ضمن سيل من الأفكار حيال تحرير المرأة من القيم الإسلامية، ولئن كان فيه نفع للمرأة الغربية، بإعطائها شيئا من الإنسانية، بالنظر إلى حالها في العصور السابقة، فربما يكون لذلك وجها من القبول لدى المرأة الغربية ذاتها، ونحن نرى أنها نقلت من شر هائل كانت تعيشه في العصور السابقة، إلى شر عظيم في العصر الحاضر، أما المرأة المسلمة فالاحتفال بها
стр. 202
لدى المسلمين في كل يوم، لما لها من حق الاحترام والتبجيل، من أبنائها وبناتها، ومن إخوانها وأخواتها، ومن أعمامها وعماتها، ومن كافة محارمها، ومن مجتمعها الذي ينظر للمرأة المسلمة نظرة طهر وتكريم، وذلك أمر مشهود في السلوك اليومي، وإن جاملنا العالم في الاحتفال باليوم العالمي للمرأة، فلا يعد كونه فخرا بما أنعم الله عليها به في ظل الإسلام، يقبّل رأسها، تحفّها عناية الله ثم رعاية محارمها فـ "الجنة تحت أقدام الأمهات" يعني التواضع لهن وترضيتهن سبب لدخول الجنة، وأن الأبناء يكونون في بر الأم وخدمتها كالتراب تحت قدميها (١).
إن علينا نحن المسلمين أن نوضح للغرب أن حرية المرأة وكرامتها لا تكون صحيحة واقعية إلا في الإسلام، فإذا رغبت المرأة الغربية في الحرية الحقيقة فلتتجه إلى الإسلام، وستجد ضالتها التي طالما بحثت عنها، ولن تجدها في غير الإسلام، لأن الذي سن حقوقها في الإسلام هو الله صانعها الصانع العليم بما صنع ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢). فما أجهل المنادين بتحرير المرأة المسلمة، وكل فكر يقدمونه في هذا الباب فهو ظلمات بعضها فوق بعض، ولو قالوا عنهم: خبراء في شؤون المرأة، ففي الوصف إيجاز حذف تقديره "خبراء في شؤون إضلال المرأة" فلا تصدقوهم إنهم في غيهم يعمهون، ولو صاموا وصلوا وذكروا الله، وصلوا على رسول الله ﷺ ؛ لأن عملهم على هدم ما قرره الله ورسوله يهدم ما أظهروا من العبادات، فماذا يجدي أن يصلي على رسول الله ﷺ ،
стр. 203
ويزعم أن الحجاب من عادات الناس، وليس أمرا شرعيا، أو يزعم أن المحرم في السفر ليس بلازم، أو يزعم أن المرأة لم تأخذ حقوقها كاملة في الإسلام، إن من يقول هذا يزعم أنه أعلم من الله ورسوله بالمرأة وشؤونها، ولو جاءه شخص وقال: أنا أعلم منك بشؤون بيتك وأسرارك، لخرج عن طوره من شدة الغضب من هذا القول التافه، وأتفه منه في الحقيقة أن يزعم أنه أعلم بحقوق المرأة من الله خالقها، إن هدف الداعين إلى خروج المرأة عن القيم الإسلامية واحد من أمرين وقد يجتمعان معا لدى الداعي:
١ - التمتع بالمرأة في العديد من الرغبات، المادية والمعنوية، فالمادة من أعظم الشهوات عند الكثيرين، وهم على استعداد أن يبذلوا في سبيلها الغالي والرخيص، وتجد المرأة اليوم مبتذلة في الفضائيات من أجل الإعلانات للحصول على المادة، وترويج السلع، والمعنوية كل ما في المرأة من متعة جسدية، ولفظية وحركية، وهيئة في اللباس والصورة.
٢ - إيجاد المتنفس الخبيث عن طريق المرأة مسايرة للغرب، وهو كذلك بالسبة لمتعة المرأة بالرجل، لكن حب الشهرة عند المرأة أعظم، فهي محبة للظهور والتبرج والسفور، ولا يردعها من ذلك سوى الدين والخلق، أو القوامة الصارمة وهناك من تمرّدن، وكم من الوقائع تشهد بذلك، ولأجل ذلك كانت قضية المرأة قضية خطيرة، وما زال أعداء الإسلام يستغلونها منذ أن قال "جلاد ستون" رئيس وزراء بريطانيا في عصره: لا يمكن أن تتقدم بلاد الشرق إلا بأمرين:
الأول: أن يُرفع الحجاب عن المرأة المسلمة.
الثاني: أن يُغَطى القرآن الكريم بالحجاب.
стр. 204
وقد دعا مرقص فهمي في كتابه "المرأة في الشرق" إلى ترك مقررات شرعية منها:
١ - القضاء على حجاب المرأة المسلمة.
٢ - إباحة الاختلاط.
٣ - تقييد الطلاق وإيجاب وقوعه أمام القاضي.
٤ - منع الزواج بأكثر من واحدة.
٥ - إباحة زواج المسلمات بغير المسلمين.
وفي الحقيقة الذين ينادون بتحرير المرأة يحبونها حبا جما، لكنه حب الذئب الجائع للحمل الصغير، وانطلاقة المرأة في مسايرة هؤلاء وتقبّل دعواتهم، شبيهة تماما بشاة يروعها الذئب الجائع، فيهب الراعي لنجدتها وسلامتها من الهلاك، وينطلق الذئب هاربا من الراعي، ولكن للأسف تنطلق الشاة في سرعة هائلة مسايرة للذئب بدلا من أن تعود إلى منقذها الراعي، وما ذاك منها إلا من شدة الهلع وعمى البصيرة، وهذه حقيقة معروفة لدى الرعاة، وليست خيالا مجردا عن الحقيقة، فكم من الذئاب البشرية اليوم تنتهب المرأة من بين أسرتها، وتنتهي بها إلى الهلاك، إن دعاة التغريب هم الذئاب البشرية، والمرأة هي ذلك الحمل الوديع، والمرأة المستغربة، حمل فارق الراعي، وساير الذئب الجائع، فتركه أشلاء ممزقة، هؤلاء الذئاب في الحقيقة هم سلاح الدمار الشامل، بل هم أخطر لأن سلاح الدمار يقتل الأجساد، فتذهب الأرواح بأعمالها، أما هؤلاء فيقتلون الأرواح فلا يكون لها عمل ترجو به النجاة عند الله.
وهنا نقرر ما يلي:
١ - أنه لا يوجد نظام ينصف المرأة ويكرّمها ويحفظ لها حقوقها في الدنيا والآخرة سوى الإسلام.
стр. 205
٢ - أن ما يقع من ظلم على المرأة المسلمة ليس سببه الإسلام، فلا ننكر ظلم بعض الأولياء من الرجال للنساء، سواء كانوا آباء أو أبناء أو إخوة أو أزواج أو أعمام، فهذا الظلم الإسلام بريء منه براءة الذئب من دم يوسف ﵇، ومرد اتهام الإسلام إلى عدة عوامل:
إما الجهل المطلق وهذا يصحبه دائما عدم الخوف من الله ، وهذه ثمار عدم العلم بالدين، وإما أن يكون جهل المرأة نفسها هو الجالب لظلمها، لأنها إذا جهلة حقوقها في الإسلام فمن الأولى أن تجهل ما عليها من حقوق لأوليائها، ولذلك قال ﷺ :
١٤٨ - (استوصوا بالنساء خيرا) (١) ومن حسن الوصية بهن تعليمهن ما لهن وما عليهن، ويقول ﷺ :
١٤٩ - (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) (٢) وليس هناك خير يقدم للأهل أفضل من العلم الشرعي، وإما أن تكون أطماع مادية ترجى من وراء ظلم المرأة، ومنه ما هو مشاهد على الشاشات الفضائية، ولا يمكن أن يختفي ظلم الناس بعضهم بعضا فضلا عن ظلم الرجل للمرأة أو ظلم المرأة للرجل، لأن ذلك صراع بين الحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولذلك أو جد الله الجنة والنار، ولكن نقول: يمكن لنا حصر الظلم وتقليله إذا أخذت الأسرة منهج التربية من الكتاب والسنة، وكان المجتمع محافظا على ذلك المنهج، هنا تكون الأمة بأسرها في مأمن إلى حد كبير جدا من التظالم، ولنا في مجتمع الصحابة ومن بعدهم خير دليل.
стр. 206
٣ - أن النساء اللواتي يطالبن بحرية خارج قيم الإسلام لا يخلو حالهن من أمور:
أـ أن يكون جهلهنّ بالإسلام أورثهن الجهل بما قرر لهنّ من حقوق.
ب - أن تكون لديهنّ شبهات أوردها أعداء الإسلام ولم يملكن القدرة الذهنية على كشف زيفها.
ج - أن تكون النشأة غير إسلامية وإن كانت تحمل مسمى مسلمة لكنها في الواقع مستغربة تماما، تعرف عن الأدب والثقافة الغربية الشيء الكثير، ولا تعرف عن الإسلام إلا ما يثيره الأعداء.
هـ - أن تكون عالمة بحقوقها في الإسلام لكنها لم ترض بها، وترغب أن تكون أكثر حرية من المرأة الغربية، أو مثلها على الأقل، وحينها تكون رائدة الفساد في الأرض.
وهذا ما يريده أعداء الإسلام، وأولهم بالطبع اليهود والنصارى، الذين لن يرضوا عن المسلمين حتى ينسوا الإسلام تماما، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١) وهذا الرضا المراد به ترك الإسلام، وحينها يكون الداخل في ملتهم يهودي أو نصراني من الدرجة الثالثة، لأنه عندهم محتقر وإن دخل في ملتهم، ولذلك توعّد رب العزة والجلال من تبعهم ولو كان رسول الله محمد، فالخطاب له والحكم عام لكل مسلم ومسلمة، قال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ
стр. 207
الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (١) هذا رأي الإسلام في كل ناعق بالحرية الغربية، أنه ما له من الله ولي ولا نصير، وفي الحقيقة هذا العدو المبين، ليس هو عدو للإسلام فحسب هو عدو الأنبياء والرسل، وعدو الأديان السماوية الصحيحة، ولذلك قتل اليهود الأنبياء وحرّفوا التوراة، وحرّف النصارى الإنجيل، إذن فلا عجب أن تشتد عداوتهم للإسلام، وهم العدو الأول.
أما العدو الثاني: قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، ولا نجاة لأحد من شرهم إلا بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم (٢) وهؤلاء الأشرار هم صنائع الغرب الذين درسوا فكره وحضارته، وهم جهلاء بالدين الإسلامي وقيمه وثوابته، فانتابتهم صرعة الحرية المطلقة المبنية على مبدأ عدم الحياء، ومن لا يستحي يصنع ما يشتهي، فكانت عظمة الحضارة الغربية بقضها وقضيضها عندهم أعظم من الإسلام وقيمه، فأصبحوا رسل علمنة المسلمين، يحاربون القيم الإسلامية، وهؤلاء في الحقيقة خطرهم أشد من اليهود والنصارى، لأن عداوتهم مغلفة بالهوية الإسلامية، وربما صلّى بعضهم وصام، كما صلّى المنافقون مع رسول الله ﷺ ، فيغتر بهم المفتونون من المسلمين، وينهجون نهجهم، لأنهم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ولذلك قال الله عن المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٣) وما ذالك إلا لأنهم في الظاهر
стр. 208
من المسلمين، وفي الواقع هم يكيدون للإسلام ومن يعمل بقيمه أو يدعو إليها أو يدافع عمها.
والعدو الثالث: المتكسّبون على حساب القيم، لا همّ لهم إلا جمع الأموال بأي وسيلة، ومن ذلك طرح المرأة في أسواق الدعاية والإعلان، للمتاجرة بتحللها من القيم، ولإغراء المفتونين بالفساد، واصطيادهم والمساومة على أموالهم وسمعتهم، وصدق البشير النذير ﷺ حين قال:
١٥٠ - (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) (١).
والعدو الرابع: الشهوانيون وهم الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الناس، ومن هؤلاء الذين ينشرون ما يحدث في العالم من بلايا وفساد: قصص تناقلتها وسائل الإعلام العالمي، يستحي قلمي من تدوينها، ومن ذلك إجراء المقابلات مع الفاجرات، ونشر الصور الفاضحة، وممارسة الرذائل عبر الفضائيات، وتصميم الملابس التي تكشف بدن المرأة، كما صرّح بذلك أحد مصممي الأزياء حين قال: نحن نسعى لنعري جسد المرأة لا لنستره، كل ذلك من أجل إضعاف الغيرة في النفوس، فلا المرأة تخجل، ولا الرجل يغار، وإذا استساغ غير المسلمين هذا فما بعد الكفر ذنب، لكن يكون هذا عند المسلمين أصحاب الوحي المقدس والسنة الغراء، وأهل القيم والفضيلة، فتلك الطامة الكبرى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) حسبنا الله ونعم
стр. 209
الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، تمت كتابته في ليلة الأحد ٣٠/ ٧/ ١٤٢٦ هـ بمنزلي بمدينة الباحة ومراجعته بمنزلي بالمدينة النبوية حرسها الله في يوم الثلاثاء ٨/ ١/ ١٤٢٨ هـ.
стр. 210
٢/ ٧ - فهرس المصادر
القرآن الكريم
الإحسان
البداية والنهاية لابن كثير
البروسترويكا والتفكير الجديد لبلادنا والعالم أجمع ص ١٦٦ ترجمة أحمد محمد شومان وإخوانه.
تاريخ الدعوة للمستشرق توماس
تفسير ابن أبي حاتم ص ٤٣
تفسير ابن المنذر
تفسير ابن كثير
تفسير البغوي
تفسير الطبري
تفسير القرطبي
الجرح والتعديل لابن أبي حاتم
الدر المنثور للسيوطي
سنن ابن ماجه
سنن أبي داود
سنن الترمذي
السنن الكبير للبيهقي
السنن الكبير للنسائي
سنن النسائي
سير أعلام النبلاء
السيرة الحلبية
السيرة النبوية تحقيق البجائي
стр. 211
شرح السنة للبغوي
الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان
صحيح البخاري
صحيح مسلم
صحيح ابن حبان
الفصل لابن جزم
فيض القدير للمناوي
لسان العرب لابن منظور
المستدر للحاكم توزيع دار الباز
مسند أبي يعلى المصلي
مسند الإمام أحمد ط مؤسسة الرسالة
مسند الدارمي
مسند الشهاب
مصنف ابن أبي شيبة
مصنف عبد الرزاق
معجم الأدباء لياقوت
المعجم الكبير للطبراني
النفح الشذي
النهاية في غريب الحديث
النهوض الإسلامي لعبد الجبار البو بكري.
نيل الأوطار للشوكاني