حَفِظَ اللَّهُ﴾ (١) هذه صفاتهنّ: محسنات عاملات بالخير، مطيعات لله تعالى ولرسوله في كل أمر ونهي، قائمات بما يجب عليهن من حقوق الله ، وحقوق رسوله ﷺ ، وحقوق الأزواج، حافظات لطهرهن وعفافهن وشئون حياتهنّ في حضور وغيبة أزواجهن عنهنّ، كل ذلك يتم في إطار ما شرع الله .
١٩/ ٥ - المبحث الثامن عشر:
وجوب نفقة المرضعة على الزوج .
قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) فقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فيه دلالة على أن المرأة لها حق إرضاع طفلها خلال حولين من ولادته، ولا تجوز منازعتها في ذلك، وأن الحولين ليس كمالهما شرطا
стр. 142
في الرضاع، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وأن عدم التمام جائز ولا حرج فيه، والمدار في ذلك على ما يصلح به حال المولود، وانتفاء الإضرار به، وهذا في حالة الاتفاق بين الأبوين على الرضاع، أما في حالة عدم موافقة الأم على إرضاع طفلها ولاسيما في حالات الطلاق، فلا تجبر على ذلك، إلا في حالة عدم قبول المولود غير ثديها فيجب عليها أن تقوم بإرضاعه، أخذا من قوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ففيه دلالة على أن ذلك يدور مع مصلحة الطفل، وعلى الأب النفقة فيقدم للأم الطعام والشراب وغير ذلك مما هو متعارف عليه، مما تصلح به صحة الأم الآيل نفعها إلى المولود، وعليه كسوتها مما هو معروف في مجتمعه، أخذا من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ولا يجوز للمرأة المطالبة بما فوق المعروف من المعاش واللباس، أخذا من قوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (١) فالنفقة مرتبطة باليسر والعسر، وهي واجبة على الآباء للأمهات المرضعات في حالة
стр. 143
الطلاق المبتوت، ومن كانت باقية في العصمة فنفقتها واجبة في كل الأحوال.
وفي الآية تضمين لوجوب نفقة المولود على الوالد، وصرّح بالوجوب للأم لأنها محل تغذية المولود بالحليب المباشر منها، وما يتبعه مما يصلح به شأنه، ولأنه في هذه الحال قاصر ضعيف لا حول له ولا قوة، وقد، وأجمع العلماء على أنه يجب على الأب نفقة أولاده الذين لا مال لهم، وقد منع الله الأبوين من المضارة، فلا يضار الأب الأم بأن يمنعها مما يجب عليه لها، أو يحول بينها وبين مولودها، فينتزعه منها، ليهرب من رزقها وكسوتها بالمعروف، وكذلك الأم لا تضار الأب بأن تطالبه بما لا يستطيع بسبب أنها ترضع ولده، وهذا على قراءة الآية على البناء للمفعول، وعلى قراءة البناء للفاعل، فالمراد لا تضر والدة ولدها، فتقصّر في تربيته وغذائه وكسائه، وكذلك الأب لا يضر ولده بانتزاعه من أمه، أو عدم القيام برزقه وكسوته، وما تصلح تربيته.
ولم يكن وجوب نفقة الأم المرضعة قاصرا على الأب، بل يمتد في حالة وفاة الأب إلى الوارث، وذلك في حالات:
الأولى: أن يكون المولود ورث مالا من أبيه فينفق عليه وعلى أمه من ماله الذي ورثه، والثانية: أن لا يكون للصبي مال، فتجب النفقة على وارث الأب الأقرب فالأقرب، والثالثة: قيل المراد بالوارث وارث الأم في حالة موتها، فيجب عليه أن يقوم بالنفقة التي كانت تؤديها الأم لطفلها، أخذا من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (١).
стр. 144
ونعود بعد هذا إلى المنفق على المولود أبا كان أو غيره، ونقول إن لهما أي الأبوين، أو المنفق والمرضعة سواء كانت الأم أو أخرى، فإن عليهما حالة الفطام التشاور فيما هو منفعة للطفل، فإذا شاورا غيرهما من أهل الخبرة كالطبيب مثلا، واتفقا وتراضيا على أن فصل المولود عن الرضاع دون الحولين لا يضربه فلا حرج في ذلك، أخذا من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (١) وليعلم أن للأب الحق في أن يسترضع للمولود غير أمه، وذلك في حالتين:
الأولى: حالة الوفاق مع الأم على استرضاع الغير، فعلى الأب أن يسلم للمرضعة ما اتفقا عليه أجرة الإرضاع، بطيب نفس وبشر وكرم، وبما هو متعارف عليه في ذلك، لما في ذلك من المصلحة للطفل في رعايته وتربيته، لأن المنازعة في ذلك تنعكس ضررا على المولود.
والثانية: حالة الخلاف مع الأم وقد أرضعت المولود وقتا ثم وقع الخلاف، فإن على الأب أن يسترضع غيرها بعد أن يسلم للأم ما فرض لها، أخذا من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وهذا نظير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (٣) ولتنفيذ ذلك على الوجه الشرعي من جميع الأطراف: الأب والأم والوارث والمسترضعة، قال تعالى:
стр. 145
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١) وهذ تحذير من التلاعب وعدم الوفاء بالحقوق.
٢٠/ ٥ - الفصل الثاني:
ما تنفرد به المرأة عن الرجل، وفيه مباحث:
كرّم الله الرجل والمرأة على حد سواء بالاصطفاء والتكريم على سائر المخلوقات، وقد بينا ذلك في الفصل الأول: المبحث الثالث، وهنا يحسن أن نتطرق إلى ما ورد من تكريم المرأة زيادة على ما شاركت فيه الرجل، فقد شاركت الرجل في كونها إنسان مكرّم، لها مثل ما للرجل من الكرامة والاحترام، لكن الإسلام خصّ المرأة بمزيد من التكريم، تقديرا لما جبلت عليه من الرّقة، الحسية والمعنوية، وتخفيفا عنها لما جبلت علية فطريا، ولقد وضع الإسلام نظاما لحقوق المرأة يضمن كرامتها، لكونها إنسان اصطفاه الله تعالى وكرّمه على مخلوقاته، وتوعّد الإسلام بالعقاب كل من ينتهك شيئا من تلك الحقوق، وقد قرّرت الحقوق للمرأة بدءا من التكوّن في رحم الأم إلى أن تؤل إلى حفرتها، منتهى حياتها في الدنيا، وبيان ذلك فيما يلي:
стр. 146
٢١/ ٥ - المبحث الأول:
خلق المرأة من الرجل .
انفردت المرأة عن الرجل في مجال بدء الخلق بأنها خلقت من الرجل نفسه، فحواء زوج آدم ﵇ خلقت من ضلع آدم، وهو خلق من تراب، قال تعال: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (١) فالنفس الواحدة هي آدم ﵇ والنفس المخلوقة منها حواء، قال رسول الله ﷺ :
١٠٣ - (استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء) (٢) والمراد بالضلع ضلع آدم ﵇، والحكمة والله أعلم من خلق المرأة من أحد أعضاء الرجل، التأكيد على قوة الرابط بين الرجل والمرأة، وتوجيه الرجال إلى الرفق بالنساء، وعدم تتبع الهفوات بغير ما يصلحها، لأنهنّ جزء منهم، ولتذكر المرأة أنها من الرجل، فتحسن معاملتها وتكن المودة والمعروف لأصل خلقها، ومن هنا ورد قول رسول الله: ﷺ
١٠٤ - (إنما النساء شقائق الرجال) (٣) وقد يكون الإصلاح بكلمة رقيقة من الرجل تسمعها المرأة مقابل ما صدر منها من خطأ، والخطأ من الرجل أو المرأة هو عوج، لأنه عاج عن الصواب، قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: كان متاعي فيه خف،
стр. 147
وكان على جمل ناج، وكان متاع صفية فيه ثقل، وكان على جمل ثقال بطيء، يتبطأ بالركب، فقال رسول الله ﷺ : حوّلوا متاع عائشة على جمل صفية، وحوّلوا متاع صفية على جمل عائشة، حتى يمضي الركب، قالت عائشة: فلما رأيت ذلك قلت: يا لعباد الله، غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله، قالت: فقال رسول الله ﷺ : يا أم عبد الله، إن متاعك كان فيه خف، وكان متاع صفية فيه ثقل، فأبطأ بالركب، فحوّلنا متاعها على بعيرك، وحولنا متاعك على بعيرها، قالت: فقلت: ألست تزعم أنك رسول الله؟ ! قالت: فتبسم، قال أو في شك أنت يا أم عبد الله؟ ، قالت: قلت: ألست تزعم أنك رسول الله، أفلا عدلت؟ ! وسمعني أبو بكر، وكان فيه غرب: أي حدة، فأقبل عليّ فلطم وجهي، فقال رسول الله ﷺ : مهلا يا أبا بكر، فقال: يا رسول الله، أما سمعت ما قالت؟ ، فقال رسول الله ﷺ : إن الغيراء لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه (١) هذه القصة تجسّد تلك الوصية من رسول الله ﷺ ، فقد عامل عائشة بحلم منقطع النظير، ورحمة لا مثيل لها، ولم يصدر ذلك من والدها ﵁، وهو أفضل الأمة بعد رسول الله ﷺ ، فذلك الوصف للمرأة وتلك المعاملة تكريم لها واحترام، لأنه ﷺ كان قادرا على محاسبة عائشة ﵂ على ذلك، وله الحق في ذلك شرعا وعقلا، ولم يفعل لعلمه بحال خلق المرأة، ومنها شدة الغيرة، روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسا إذا أقبلت امرأة عريانة، فشق ذلك على النبي ﷺ وغمض عينيه، فقام إليها رجل من القوم فألقى عليها ثوبا، وضمها إليه،
стр. 148
فقال بعض أصحابه: يا رسول الله، أظنها امرأته، فقال رسول الله ﷺ :
١٠٥ - (أحسبها غيرى، إن الله كتب الغيرة على النساء، والجهاد على الرجال، فمن صبر منهن إيمانا واحتسابا، كان لها مثل أجر الشهداء) (١)، وهذا الصحابي الذي جاءت امرأته على الوصف المذكور تأسى برسول الله ﷺ في المعاملة فبادر بلطف إلى سترها واحتضانها، ولم يظهر منه سب ولا تعنيف لها، وأخبر ﷺ أن الغيرة قد تكون هي السبب في خروج المرأة على تلك الصفة، وأنها من صفات النساء التي جبلن عليها، وأن عليهن مقاومتها بالصر وحبس النفس عما تدعو إليه الغيرة من التصرفات الرعناء، وجزاء ذلك لها أجر شهيد من الرجال قاتل في سبيل الله ، وهذا من تكريم الإسلام للمرأة، فقد أعطيت من الأجر وهي قاعدة في بيتها، مقابل جهادها نفسها بالأخذ بالكتاب والسنة، مثل أجر الرجل الذي يكابد الأهوال في مقارعة الأبطال، ويموت دفاعا عن الإسلام، والمال والعرض.
٢٢/ ٥ - المبحث الثاني: وجوب الحجاب .
انفردت المرأة عن الرجل في مجال العبادة بوجوب الحجاب عليها، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ
стр. 149
يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١) هذه الآية الكريمة أول ما نزل في الحجاب، وقد كان العرب لا يحجبون النساء، ومعلوم أن القرآن نزل منجما على حوادث، تكون سببا في بيان الحكم الشرعي المفروض على الناس، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولذلك قال العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وسبب فرض الحجاب ما رواه أنس ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب ﵂، قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة:
١٠٦ - اذهب فاذكرها عليّ، فانطلق حتى أتاها وهي تخمّر عجينها, قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إِليها وأقول: إِن رسول الله ﷺ ذكرها, فوليتها ظهري ونكصت على عقبي, وقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك, قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي , فقامت إِلى مسجدها, ونزل القرآن, وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إِذن, ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله ﷺ ، وأطعمنا عليها الخبز واللحم, فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام, فخرج رسول الله ﷺ واتّبعته, فجعل ﷺ يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ ، فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر, فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه, فألقى الستر بيني
стр. 150
وبينه, ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به - - - - وزاد في رواية - - - - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الَاية كلها. وروى أنس ﵁ قال: قال عمر:
١٠٧ - "وافقت الله في ثلاث (١) - - - - أو وافقني ربي في ثلاث - - - - قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، وقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب" (٢) وهذا يبين كذب من زعم أن الحجاب عادة عربية وليس عبادة مفروضة على المرأة، فلو كان النساء يحجبن قبل الإسلام لما أرخى الستر رسول الله ﷺ دون
стр. 151
أنس ﵁، ولما همّ أنس بالدخول على نساء رسول الله ﷺ ، ويبطل زعم من زعم أن الوجه ليس مما تحجبه المرأة عن الأجانب بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) قال القرطبي ﵀: لما كانت عادة العربيات التبذل، وكنّ يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسوله ﷺ أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن، إذا أردن الخروج إلى حوائجهن، وكنّ يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف، فيقع الفرق بينهن وبين الإماء، فتعرف الحرائر بسترهن، فيكف عن معارضتهن من كان عزبا أو شابا، وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تبرز للحاجة، فيتعرض لها بعض الفجار، يظن أنها أمة، فتصيح به فيذهب، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ونزلت الآية بسبب ذلك (٢).
قوله تعالى: ﴿جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الجلابيب: جمع جلباب، والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن، قالت أم عطية ﵂: قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها. جلباب؟ قال:
١٠٨ - (لتلبسها أختها من جلبابها) (٣) وقد يستغرب هذا من يناوئ الحجاب اليوم، ونقول: لا غرابة ففي هذا بيان يسر
стр. 152
الإسلام، والحرص على أداء الواجب قدر الطاقة، وقد اختلف العلماء في صورة إرخاء الجلباب؛ فقال ابن عباس وعبيدة السلماني: ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضا وقتادة: ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده، ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه، وقال الحسن: تغطي نصف وجهها، وأمر الله سبحانه جميع النساء بالستر، وذلك لا يكون إلا بما لا يصف الجسم، أو يشف عن البشرة، إلا إذا كانت مع زوجها فلها أن تلبس ما شاءت، لأن له أن يستمتع بها كيف شاء، ثبت أن النبي ﷺ استيقظ ليلة فقال:
١٠٩ - (سبحان الله، ماذا أنزل الليلة من الفتن؟ ، وماذا فتح من الخزائن؟ ، من يوقظ صواحب الحجر، رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة) (١) وروي أن دحية الكلبي ﵁ لما رجع من عند هرقل فأعطاه النبي ﷺ قبطية؛ فقال:
١١٠ - (اجعل صديعا (٢) لك قميصا وأعط صاحبتك صديعا تختمر به) ثم قال له:
١١١ - (مرها تجعل تحتها شيئا لئلا يصف) (٣) وذكر أبو هريرة ﵁ رقة الثياب للنساء فقال: الكاسيات العاريات الناعمات الشقيات (٤)، ودخل نسوة من بني تميم على عائشة ﵂ عليهن ثياب رقاق، فقالت عائشة: إن كنتن مؤمنات فليس هذا
стр. 153
بلباس المؤمنات، وإن كنتن غير مؤمنات فتمتعنه (١) وأدخلت امرأة عروس على عائشة ﵂ وعليها خمار قبطي معصفر، فلما رأتها قالت: لم تؤمن بسورة النور امرأة تلبس هذا (٢) وثبت عن النبي ﷺ أنه قال:
١١٢ - (نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها) (٣) وقال عمر ﵁: ما يمنع المرأة المسلمة إذ كانت لها حاجة أن تخرج في أطمارها أو أطمار جارتها مستخفية، لا يعلم بها أحد حتى ترجع إلى بيتها (٤)، ومن زعم أن الحجاب خاص بنساء النبي فقد أعظم الفرية على الله ورسوله، لأن الله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٥) فنساء المؤمنين داخلات في الخطاب إلى يوم القيامة، لا يستثنى من ذلك أحد، ولما ظهرت الفتنة بعد موت رسول الله ﷺ منع الصحابة النساء المساجد بعد وفاة رسول الله ﷺ مع قوله:
١١٣ - (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) (٦) حتى قالت عائشة ﵂: لو عاش رسول الله ﷺ إلى وقتنا هذا لمنعهنّ
стр. 154
من الخروج إلى المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل (١) هذا بعيد وفاة رسول الله ﷺ فكيف بزماننا هذا الذي قلّت فيه غيرة الرجال فقلّ فيه حياء النساء إلى حد بعيد، مقدمين سخف الحضارة والحرية المطلقة على صدق الكتاب والسنة النبوية، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢) هذا تأنيس للنساء في ترك الجلابيب قبل العلم بالمشروع (٣)، ودعوة للتوبة والإنابة بعد الوقوع في الذنب.
أما قضية الخلاف في تغطية الوجه فالصحيح الذي لا مرية فيه أنه واجب على كل مؤمنة ترجو الله واليوم الآخر، ونعلق على ما يخص الوجه لأن الحسن كله فيه والفتنة به أعظم، ولذلك وجب ستره عن غير المحارم، وقد نوّه الله بشأن المرأة في تحمّل المسؤولية الدينية كالرجل تماما قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤)، ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ
стр. 155
وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) ويقول تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) ويقول تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) ويقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٤) هذه صفات المؤمنين والمؤمنات، إيمان بالله ورسوله، وعمل بما جاء في كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، ودعوة إلى ذلك، قالت أم سلمة ﵂: قال النبي ﷺ ذات ليلة:
стр. 156
١١٤ - (سبحان الله ماذا نزل من الفتن؟ ! وماذا فتح من الخزائن؟ ! أيقظوا صواحبات الحجرات، فرب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة) قال ابن عيينة: صواحبات الحجر أزواجه ﷺ وقال رسول الله ﷺ :
١١٥ - (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) (١) وقال ﷺ :
١١٦ - (ما تركت بعدي فتنة، هي أضر، على الرجال، من النساء) (٢) فإنا نربأ بالمرأة المسلمة أن تكون فاجرة فتانة، ومن كانت كذلك أخبر رسول الله ﷺ أنها تكون في صورة شيطان، المرأة الفاجرة التي تعرض مفاتنها للناس يستغلها الشيطان لزيادة الفتنة والإيقاع فيها قال رسول الله ﷺ :
١١٧ - (إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه) (٣) ولا يمكن أن توصف بذلك امرأة محتشمة متدينة، وما وقع فيه نساء المسلمين من فتنة الموضة، هو من كيد أعداء المسلمين، للإضرار بالقيم الإسلامية، وإخراج المرأة المسلمة من طهرها وعفافها، لتكون متعة للناظرين، وقد يكون ذلك مفتاحا لما هو أخطر من النظر، وقد دعوا إلى السفور بأسلوب ماكر خبيث، سفور بالتقسيط، وبواسطة تجديد الموضة في ملابس النساء، حسر عن الوجه شيئا فشيئا، حتى وصل الكثيرات من نساء
стр. 157
المسلمين إلى حسر الرأس تماما، وتلاه الصدر، والعضدان والساقان، وقد شارفت على هذا الخطر آخر معاقل الإسلام، فالنساء فيها دارجات اليوم على موضة حسر الحجاب عن الوجه، وارتداء العباءة المخصّرة، وهي في الحقيقة فستان أنيق ضيّق، يصف الأعضاء بفتنة زائدة وجمال أخّاذ، فيا مؤمنات أين هذا من قول الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (١) وقد حذر رسول الله ﷺ من خروج المرأة مستعطرة ولو في ثياب رثة، فقال:
١١٨ - (أيما امرأة استعطرت ثم خرجت ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زان) (٢)، المراد هنا زنى النظر، قال رسول الله ﷺ : (فالعين تزني وزناها النظر) (٣)، الحديث، وأمر الله المؤمنات بغض البصر، مع الحجاب، وهو سدل الخمار على الوجه، لأن الله تعالى تعبّدها بذلك، ولأن الرجال أمروا بغض البصر، وعدم التمتع بالنظر إلى ما حرم الله، فكذلك المرأة مأمورة بغض البصر، ولو كانت تنظر من وراء حجاب، لا يجوز لها أن تتمتع بالنظر إلى الرجال، لأنها متعبدة بعدم ذلك، ولو فعلت ذلك وهي مختمرة فقد عصت الله ورسوله، وفتنت نفسها، وقد تجرها الفتنة إلى كشف ما هو أعظم، لذلك قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ
стр. 158
بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) فأي كرامة للمرأة أجل وأعظم مما جاء في كتاب الله وسنة رسوله؟ ! ! ، تقول أم سلمة ﵂:
١١٩ - (سئل النبي ﷺ عن ذيل المرأة، فقال: شبرا، فقلت: يا رسول الله، إذن تبدو أقدامهن، قال: فذراعا لا يزدن عليه) (٢) ولنتأمل هذا النص تسأل أم سلمة عن تغطية القدمين، ولم يخطر ببالها السؤال عن تغطية الوجه لأنه أمر معلوم من الدين بالضرورة بعد نزول آية الحجاب، فسألت عما هو أقل فتنة من الوجه، فأين هذا من لباس المرأة اليوم؟ ! ! ، وإذا كان رسول الله ﷺ يمنع المرأة من بعض التعديلات الخلقية، في حال كونها طلبا لزيادة الحسن والجمال اللافت للأنظار، ولو كانت تلك التعديلات لا تقصد المرأة من ورائها إلا متعة زوجها، فقال ﷺ : فيما يرويه عبد الله بن مسعود ﵁ قال:
стр. 159
١٢٠ - "لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد - - - - يقال لها أم يعقوب - - - - فجاءت فقالت: بلغني أنك لعنت كيت وكيت؟ فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله، فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول، قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) فقالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه، فقالت: فإني أرى أهلك يفعلون، قال: فادخلي فانظري، فدخلت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئا، فقال: لو كانت كذلك ما جامعتها" (٢) أي ما ساكنتها ولا بقيت زوجة لي.
إن المرأة المسلمة لا تنازع فيما ندبها الإسلام إلى فعله من النوافل، ومن الأولى عدم المنازعة فيما فرض الله عليها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٣) واسمع قول أم سلمة ﵂: لما نزلت:
стр. 160
﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (١) خرج نساء الأنصار كأنَّ على رءُوسهنَّ الغربان من الأكسية (٢) فنقول لنساء المسلمين اليوم: سبحان الله ألا يسعكن ما وسع نساء رسول الله أمهات المؤمنين، ونساء الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى يوم الدين؟ ! ! ليس لكنّ والله إلا أحد أمرين: أن تزعمن أنّكنّ أفضل وأطهر منهن، وهذا ضلال مبين لا يقول به عاقل، أو تعترفن بالخطأ والخروج عن نهج الكتاب والسنة، وفي هذه الحال لا يسعكن إلا التوبة والعودة السريعة جدا إلى الحق، فأين الراغبات في الجنة، المقتديات بنساء رسول الله أمهات المؤمنين؟ ! ، الحق أن الخير باق في هذه الأمة، ولكنهم غرباء قليلون، وطوبى للغرباء كما قال رسول الله ﷺ :
١٢١ - (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء) (٣)، سماهم غرباء لأنهم يصلحون عند فساد الناس، فيتمسكون بالدين والقيم، ويصبرون على الطاعة، عند ظهور الشر والفتن، وكثرة المعاصي، والاغترار بشهوات الدنيا، فزكت نفوسهم بتلك الاستقامة، وطهرت بذلك الصبر العظيم، صبر مركّب: على طاعة الله، وعن معصية الله، فكانت أعمالهم زاكية في زمان الفتن والهرج والمرج، فأشبهوا أوائل أصحاب رسول الله ﷺ ، في وقت كثرة المشركين من قريش، وإبان قوتهم الغاشمة عليهم، فصبروا على أذاهم، وتمسكوا بدينهم، فمآل الفريقين إلى خير، لاتفاقهما في الوسيلة والغاية، ولذلك قال رسول الله ﷺ :
стр. 161
١٢٢ - (ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، واعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع العوام، فان من ورائكم أياما الصبر فيهن القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم، قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: لا، بل أجر خمسين رجلا منكم) (١) ومن أخطر الفتن المدمرة للمجتمع اختلاط النساء بالرجال، وعدم الالتزام بالحجاب الشرعي، واتّباع الهوى في ذلك، والاعتماد على فتاوى واهية، وعدم الأخذ بالأحوط في الدين، وليكن كلامنا حول أبرز ما في المرأة وهو وجهها، إن الوجه فيه كمال الجمال البشري، إذا نقص في عضو منه وجد في الآخر ما يعوض ذلك النقص، فالعيون والمقل والجفون والوجنات والثغور والحواجب، والخال وما أدراك ما سحر الخال، كل هذه المواقع الخطرة تملك سحرا بالغا التأثير في الناظرين، فهي مصائد للهواة الأغرار، فالوجه إذن مجمع كمال الجمال، في الرجل والمرأة، ولذلك أمر الرجال والنساء بغض البصر، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٢) وقال تعالى في حق النساء: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا
стр. 162
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) ولذلك ربط بين غض البصر وحفظ الفروج لأن النظر مدعاة إلى القول، والقول مدعاة إلى الفجور، والوقوع فيما حرم الله تعالى، وفي العيون يقول الشاعر بشار بن برد:
إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسان
ويقول كثير عزّة:
رمتني على عمد بثينة بعدما ... تولى شبابي وارجحن شبابها
بعينين نجلاوين لو رقرقتهما ... لنوء الثريا لاستهل سحابها
ويقول جميل بثينة:
صادت فؤادي بعينيها ومبتسم ... كأنه حين أبدته لنا برد
ومما جاء في الكحل والمقل، قول مالك بن المرحّل:
كم عفّروا بين أيدي العيس من بطل ... أذابه المضنيان الغنج والكحل
стр. 163
دارت عليهم كؤوس الحب مترعة ... وإنما المسكران الراح والمقل
وفي الألحاظ والحواجب والجفون والأهداب يقول الشاعر:
وسهام الألحاظ ترمي بها أصـ ... - داغ عن قوس حاجب كالنون
ويقول عنترة بن شداد:
له حاجب كالنون فوق جفونه ... وثغر كزهر الأقحوان مفلج
ويقول الآخر
أشراك جفنيه هدب ... بها تصاد القلوب
ويقول الآخر
جاء من لحظه بسحر مبين ... بفتور من جفنه وفتون
ويقول آخر
ليت الذي أضناه سحر جفونه ... قبل الممات يكون من عواده
وفي الثغر والجنات يقول الشاعر
وفي ثغره ماء اللسان مروق عطر ... وفي وجناته الورد الطري
وفي الخال يقول الشاعر:
والخال ينقط في صحيفة خده ... ما خط حبر الصدغ من نونات
وليست الأطراف والأرداف أقل فتنة مما تقدم ذكره، فالمرأة بكامل جسمها فتنة للرجال، وقد وصفت كل أعضائها من قبل المفتونين من الرجال، ولكل ساقطة لا قطة، كما قال الشاعر:
تعشقتها شمطاء شاب وليدها ... وللناس فيما يعشقون مذاهب
إن دواوين الشعر طافحة بما في وجه المرأة من فتنة وجمال، تلك الفتنة البالغة، وذلك الجذب الخطر، هو مفتاح الشر، وطريق الرذيلة، والذي يتحمل إثمه بادئ ذي بدء المرأة الفاتنة، التي خالفت أمر ربها، وأمر نبيها، وفضّلت على ذلك دعوة شياطين
стр. 164
لإنس والجن، فاحتملت وزرا عظيما، وأوقعت الناظرين فيما حرم الله، وكم من ناظر أثم بنظره إليها، وهي أيضا تحمل مثل وزره لأنها السبب في ذلك، فإذا ما وصل إليها الناظر فالمصيبة أعظم، على حد قول الشاعر المفتون:
وآخرون اشتفوا منهم بضمهم ... يا حبذا الشافيين الضم والقبل
وإن صح له مما زعم من الشفاء من وهج الفتنة، فإنه أشفي (١) إلى النار إن لم يتب، أو تدركه رحمة الله.
هذا قطر من سيل جارف، من أقوال من فتنوا بسحر الجفون والمقل، وما ينكر هذه الفتنة العظيمة إلا مجنون لا عقل له، أو عديم فطرة، وما يتسابق فيه الفاتنات اليوم من تجميل العيون والمقل، واصطناع الخال أكبر شاهد على ما نقول، ولم يكن هذا السباق المحموم إلا لعلم الفواتن أنفسهن بتأثير هذا الجانب على الناظرين، وغير العاقلات تقودهن الشعرة إلى الإيمان بدعاة التبرج ورواد الرذيلة، والكفر بدعاة الحجاب والستر والفضيلة، فكان تأثير الدعاية والإعلام الهدام، أبلغ في أنفسهن، من دعوة الكتاب والسنة، على حد ما فعل النساء في زمان غابر عند ما طلب بائع الخمر (٢) السود من أحد الشعراء أن يضع له بيتا من الشعر دعائيا، يسيّر بضاعته الكاسدة، فقال الشاعر أبو نواس:
قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا فعلت براهب متعبد
فلما سمع النساء الرواغب في فتنة الآخرين هذا البيت بادرن التسابق إلى شراء الخمر السود، فراجت البضاعة، لكن من كانت من النساء مؤمنة صادقة لم تتأثر بالزوابع، وليس لها حظ في ترويج الفتنة، فبقي الطهر والعفاف تاجا تفخر به كل مؤمنة،
стр. 165
فإنها ترجو من الله ما لا يرجوه الفاتنات، الكاسيات العاريات، وكل إناء بما فيه ينضح.
نعم المرأة مطالبة بالمحافظة على رقتها وأنوثتها، لكن مع الالتزام بالكتاب والسنة، ولذلك حرم عليها التشبه بالرجال، كما حرم على الرجال التشبه بالنساء، ورد من حديث ابن عباس ﵄:
١٢٣ - (أن النبي ﷺ لعن المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم) قال: فأخرج النبي ﷺ فلانا، وأخرج عمر فلانا - أو فلانة (١)، واللعن من رسول الله ﷺ معناه: الطرد والإبعاد من رحمة الله، وما أمر بإخراجهم من البيوت إلا لخطورتهم، وشذوذهم عن السلوك السوي.
وليس ولاة الأمور بمعزل عن الإثم، لتفريطهم في أمر القوامة، وعدم قيامهم بالرعاية الدينية والخلقية لنسائهم، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢) ورسول الله ﷺ يقول:
١٢٤ - (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها،
стр. 166
والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته) قال: وحسبت أن قد قال:
١٢٥ - (والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته) (١) ومن هذا يتأكد أن الحجاب حق شرعي تعبدي للمرأة وحق اجتماعي لها حق المحافظة عليه ولا ينزعه منها إلا ظالم متعد على حقوقها المفروضة شرعا، لأن في ذلك حماية لدينها وعرضها من عدوان غير المحارم من الرجال، ولذلك لم يأمر بالحجاب عن المحارم لانتفاء العلة التي فرض من أجلها الحجاب، قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ (٢) ولم يذكر بقية المحارم لورودهم في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ
стр. 167
سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) وقوله تعالى في الآية السابقة: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ (٢)
أي جنس النساء المسلمات، وعلى خلاف في غيرهن: كالكتابيات فلا يؤمنّ فقد تصف المرأة المسلمة وما هي عليه من محاسن، والحيطة منهنّ والاحتشام عند مجالستهنّ هو الأولى، ولذلك أمرن بأن يتقين الله في كل الأحوال، فيجب أن تختار المرأة المسلمة من اللباس ما يتم به الحجاب الشرعي، وإنّ أحسن ما يفسر به الجلباب: أنه الملاءة وهو المعروف بالعباءة، ويجب أن تكون فضفاضة تستر جميع بدن المرأة، غير مشفّة لما تحتها من ثياب فتحجّم البدن، هذا لتغطية سائر البدن، والحذر من العباءة الضيقة التي تجّحم البدن، أما الرأس والوجه والصدر فالخمار هو سترها، وما ورد في كيفية ستر الوجه إلا عينا واحدة، أو شدّ الخمار على الوجه وإن ظهرت عيناها، أو ظهر نصف وجهها، فهذا كله السبب فيه التيسير على المرأة إذ كانت الخمر في ذلك الوقت صفيقة كثيفة تمنع الرؤية تماما، فجاء هذا الاجتهاد من ابن عباس ﵁، وقتادة ﵀، وغيرهما، ولا مانع اليوم من استعمال المرأة البرقع: الخمار ذو الفتحتين للعينين، وستر العينين بالنظارة التي لا تسمح برؤية العينين للغير، والحذر من أن يكون الخمار مشفّا عمّا تحته، هذا ما درج عليه المسلمات، منذ نزول آية الحجاب، ودام قرونا طويلة إلى أن ظهر صنائع أعداء الإسلام، وأعداء الإسلام لن يتوقفوا عند حد حتى يخرجوا المسلمين من دينهم، ولن يرضوا بالخروج عن الإسلام حتى يتقبلوا ما هم فيه من باطل وضلال، قال تعالى:
стр. 168
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١)، فكان الصنائع من بني الإسلام أقوى المعاول لهدمة، من أمثال قاسم أمين، الذي ظهر في أول أمره متحدثا عن الإسلام، ومدافعا عن حجاب المرأة في كتابه "المصريون" ثم ارتكس بعد ذلك وعاد هادما لقيم الإسلام، ودعا المرأة المصرية إلى التحرر من القيم الإسلامية وفي مقدمتها الحجاب، وله في ذلك كتابان: المرأة الجديدة، وتحرير المرأة، وكان أبو رقيبة في بداية أمره بطلا دافع عن الإسلام، وذب عن حجاب المرأة، فأصابته عين الحسود وارتكس عن الفضيلة إلى الرذيلة، وكان من أعماله المشينة بعد الاستقلال الأمر بمنع المرأة التونسية من غطاء الرأس (٢)، وغير ذلك من الأفعال المشينة.
٢٣/ ٥ - المبحث الثالث:
حق الرضاع والحضانة .
انفردت المرأة عن الرجل بأن لها حق الرضاع والحضانة، كرّمها الإسلام بذلك، وأنزلها في الأسرة منزلة عظيمة، ومن ذلك التكريم أن قرر لها هذا الحق في حال طلاقها، أو الوفاة عنها، قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٣) في هذه الآية دليل على أن الحضانة للأم، فهي في الولد إلى البلوغ، وفي البنت إلى النكاح، وذلك حق لها، وإذا بلغ الولد ثماني سنين وهو سن التمييز، خيّر بين أبويه، فإنه في تلك
стр. 169
الحالة تتحرك همته لتعلم القرآن والأدب ووظائف العبادات، وذلك يستوي فيه الغلام والجارية (١)، روى أبو هريرة ﵁ فقال: "إن امرأة جاءت رسول الله ﷺ فقالت: فداك أبي وأمي، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة، فجاء زوجها وقال: من يخاصمني في ابني؟ ، فقال: يا غلام، هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به (٢) وروى عبد الله بن عمرو ﵁: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله ﷺ :
١٢٦ - (أنت أحق به ما لم تنكحي) (٣) قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد أن الأم أحق به ما لم تنكح، وكذا قال أبو عمر بن عبد البر: لا أعلم خلافا بين السلف من العلماء في المرأة المطلقة إذا لم تتزوج أنها أحق بولدها من أبيه ما دام طفلا صغيرا لا يميز شيئا إذا كان عندها في حرز وكفاية ولم يثبت فيها فسق ولا تبرج (٤)، وكذلك يقال في المتوفىّ عنها.
وقد رتّب العلماء أحقية النساء القريبات في الحضانة عند فقد الأم، فقدموا الخالة على غيرها، لأنها تحل محل الأم عملا بقضاء النبي ﷺ في ابنة حمزة للخالة من غير تخيير، خرج زيد بن حارثة ﵁ إلى مكة فقدم بابنة حمزة، فقال جعفر ﵁: أنا
стр. 170
آخذها أنا أحق بها: ابنة عمي وخالتها عندي والخالة أم، فقال علي ﵁: أنا أحق بها: ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله ﷺ وهي أحق بها، فقال زيد: أنا أحق بها، أنا خرجت إليها، وسافرت وقدمت بها، فخرج النبي ﷺ فذكر حديثا قال:
١٢٧ - (وأما الجارية فأقضي بها لجعفر، تكون مع خالتها وإنما الخالة أم) (١) والجدة أم الأم تلي الخالة، ثم الجدة أم الأب، ثم الأب إذا لم يكن له زوجة أجنبية، ثم الأخت، ثم العمة، أما في حالة فهم الطفل وقدرته على الاختيار، فيتساوى الأبوان في ذلك، ويخير الطفل وأيهما اختار ألحق به، أما البنت فلأمها حتى بلوغ سبع سنين، وبعدها فلأبيها ولو لم ترض إذا انتفى المانع من التربية الصحيحة، وهنا يظهر لنا الترتيب في الأحقية: ومراعاة انتفاء الموانع الشرعية عند كل منهم، فيعين الحاكم الشرعي من تتوفر فيه مصلحة الطفل، وهذا كله دون بلوغ الطفل سن الاستقلال والقدرة على الاختيار، وإذا قدر عدم وجود من ذكر من الأقارب، أو عدم صلاحية واحد منهم للحضانة، فإن الحاكم الشرعي يختار له من يراه صالحا لكفالته ولو كان غير قريب.
٢٤/ ٥ - المبحث الرابع:
حق الزينة والتجمل .
وانفردت المرأة عن الرجل بأن لها حق المبالغة في التجمل، بشرط عدم الخروج عن قيم الإسلام، لا شك أن الجمال صفة محبوبة في كل شيء، وقد ورد:
стр. 171
١٢٨ - (إن الله جميل يحب الجمال) (١) والجمال نوعان: جمال حسي، وجمال معنوي، فالجمال الحسي ما يصوّر عليه الرجل والمرأة من حسن في الصورة بكل تفاصيلها، وقد لا يجتمع كماله في شخص بعينه، ولا امرأة بعينها، وقد يعطى منه لكل منهما قدرا كبيرا، وقد كان يوسف ﵇ ذا جمال عظيم، وكذلك نبينا محمد ﷺ ، ومن الجمال الحسي ما يتجمل به الرجل والمرأة من لباس ونحوه، لكن المرأة تنفرد بالمبالغة في ذلك، ولذلك قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ (٢) فالمرأة من صغرها تنشأ في الحلية، الحسية والمعنوية، والمرأة ذات الدّلّ والرقة حسا ومعنى أفضل من المرأة الخشنة، لأن الغلظة والخشونة لا توافق طبيعتها، ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (٣) لمّا كان الخضوع بالقول هو الأصل في المرأة نهيت عنه عند مخاطبة غير المحارم من الرجال، لأن نعومة الكلام ورقة مخارج الحروف تجعل السامع من غير المحارم يطمع في المزيد من الكلام معها، إما تلذذا أو طلبا لما وراء ذلك، وفي نفس الأمر حرم على المرأة الخروج عن طبيعتها، فلا تتشبه بالرجل مطلقا، وليس عدم الخضوع بالقول مع غير المحارم من الرجال تشبها، لأن المراد عدم ترقيق الكلام، وعدم ترديده، وذلك بأن تكون حازمة في صوتها مختصرة في ألفاظها، وخير الكلام ما قلّ ودلّ.
стр. 172
والجمال المعنوي: كل ما أمر به الشرع من الفضائل والقيم، ومن أجمل الجمال الاتصاف بالحياء، والحياء شعبة من الإيمان (١) وقد وصف رسول الله ﷺ بشدة الحياء، روى أبو سعيد الخدري قال:
١٢٩ - "كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه" (٢) وهذه الصفة من أجمل ما تكتسبه المرأة وتحرص عليه، ولذلك وصف رسول الله ﷺ بالجمال في هذه الصفة، التي حازت العذراء قدرا كبيرا منها ففاقها رسول الله ﷺ ، وفاق الناس كلهم في حسن الخلق ولذلك خاطبه ربه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٣) وليس شيء من الجمال أحسن من الحياء وحسن الخلق، وإن المرأة حينما تبرز للرجال فإنه ينقص من جمالها بقدر بروزها للرجال وتعاملها معهم، وكل ما أوغلت قلّ جمال الحياء فيها حتى تفقده تماما، وتكون حينئذ خضراء الدمن التي حذر منها رسول الله ﷺ ، ومن جمال المرأة حسن الخلق، ولا يكمل لها هذا الوصف إلا بإيمان قوي بالله ورسوله، واتصافها بما ورد في الكتاب والسنة من الفضائل وبعدها عن خلاف ذلك، ومن هنا قال رسول ﷺ :
١٣٠ - (إن من خياركم أحسنكم أخلاقا) (٤) وهؤلاء هم المحبوبون إليه قال ﷺ :
стр. 173
١٣١ - (إن من أحبكم إليّ أحسنكم أخلاقا) (١) ولما سئلت عائشة عن خلقه ﷺ قالت: "كان خلقه القرآن" (٢) وهذا هو الكمال، ولذلك ورد أكمل المؤمنين، ولم يقل أكمل الناس، لأن كمال الخلق في المؤمن صفة تعبدية سلوكية، وفي غيره سلوكية للاستهلاك التعاملي فقط، قال رسول الله ﷺ :
١٣٢ - (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا) (٣).
فإذا تم للمرأة جمالها فيما ذكرنا سلفا، فلا يمنع تمتعها بما منحها الله من لمسات الجمال، ولا يمنع استخدامها لأدوات الزينة ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٤) ولكن في حدود الضوابط الشرعية حتى لا يخدش جمال الحياء وحسن الخلق، ولا يحصل تلاعب بالقيم الإسلامية.
٢٥/ ٥ - المبحث الخامس
حق رعاية الأسرة .
وانفردت المرأة عن الرجل بحق رعاية الأسرة في البيت، ولقد حظيت المرأة المسلمة بكمال في حقوقها المناسبة لخلقها، كمال لم يسبق له مثيل، ولا يزيد عليه أي قانون على وجه الأرض، وإن
стр. 174
زعم أحد شيئا من ذلك، فإنما هو تجريد للمرأة من بعض أو كل فضائل الإسلام، لتعيش حياة ربما تكون بعيدة كل البعد عن الآخرة، وإلا فقدت من الآخرة بقدر ما أهملت من فضائل الإسلام وقيمه.
إن رعاية المرأة لبيت زوجها ليس أمرا عاديا، إنه أمر جلل ومنصب عظيم منحته المرأة في الإسلام، وذلك أن إدارة شؤون الأسرة تحتاج إلى صفات عالية وكبيرة لا تتوفر إلا في المرأة، ولا يمكن لرجال كثر أن يقوموا مقام امرأة واحدة في تسيير شؤون الأسرة، ولذلك كانت المرأة مدرسة بكل مقوماتها الدينية والخلقية والسلوكية والاجتماعية والسياسية، ومن هنا قال شوقي:
الأم مدرسة البنين وحسبهم ... أن يغتذوا من ثديها المهراق
فمنها يكون النتاج الصالح على خير ما يكون الصلاح، والأمهات مصانع الرجال، يقول معروف الرصافي:
فحضن الأم مدرسة تسامت ... بتربية البنين أو البنات
ويقول ميخائيل:
فحضن الأم مدرسة تسامت ... بتخريج الأساتذة الثقاة
ويقول حافظ إبراهيم:
الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبا طيب الأعراق
انظر الأم في فلسطين حينما صقلها الإسلام، كم لها من مواقف مشرّفة إذا أقامة فرائض ربها، واحتسبت ما تصاب به في أسرتها، فهي في عداد المجاهدين، يقول رسول الله ﷺ :
стр. 175
١٣٣ - (ما من عبد يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل) (١) هذا في الموت العادي، فكيف من حاله كما في فلسطين.
ومن المرأة الجاهلة بالدين والقيم يكون الفساد على أسوأ ما يكون، كحال كثير من البلدان التي فتحت الفساد للمرأة على أوسع أبوابه فجنت منها اللقطاء والضائعين، الذين لا يعرفون إلا الفساد في الأرض، والإباحية المطلقة.
يقول شوقي:
وإذا النساء نشأن في أمية ... رضع الشباب جهالة وخمولا
وانظر الأم الراقصة الماجنة في كثير من المجتمعات، هذا إن كانت أما، وصدق رسول الله ﷺ حين قال:
١٣٤ - (كلكم راع وكل مسئول عن رعيته) الكل مسئول: المحسن والمسيء، وإن غدا لناظره قريب.
إن ما قدمنا من بيان لحقوق المرأة هو شامل كل امرأة أما كانت أم غير ذلك من درجات القرابة، ولكن هنا حقوق تختص بها كل امرأة باعتبار الصفة والمكانة التي تتمتع بها في الأسرة، أعلا تلك الصفات، صفة الأمومة.
٢٦/ ٥ - المبحث السادس:
حق الأمومة، وزيادة البر .
فالمرأة الأم لها حقوق على أبنائها وبناتها شرعها الإسلام، وقرّر عليها الثواب والعقاب، قال تعالى: قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ
стр. 176
أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ (١) نعم هنا جمع الوالدين في الوصية بالإحسان إليهما لكنه خص الأم بمزيد بيان ليحدد مكانتها في الأسرة، فقد حملته في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفا على ضعف، والمرأة ضعيفة الخلقة ثم يضعفها الحمل، لذلك نوّه الله تعالى بشأنها، وقرن شكر الوالدين بشكره تعالى، وهذا تكريم عظيم لهما من الله ، جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال:
١٣٥ - "يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ ، قال: أمك، قال: ثم من؟ ، قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ ، قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك" (٢) وأصبح شأن الأم في سلام عظيما جدا، حتى أصبح المسلم يجيب أمه ولو كان في صلاته، يقطعها من أجل طاعتها وإن وردت هذه القصة عن الراهب جريج (٣) لكنها حق في شرعنا ويعمل بها الصالحون من المسلمين، لكن طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب كبيرة، ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات، ويستحسن في ترك الطاعات المندوب إليها، ومنه أمر جهاد الكفاية، والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان الإعادة، على أن هذا أقوى من طاعة الندب، إذا علل بخوف هلكة عليها، ونحوه، وتكون الإجابة في الصلاة مع إمكان الإعادة وعدم خوف ذهاب الوقت (٤)، وقد ضرب الكثيرون من المسلمين أروع الأفعال في خدمة الأم وبرها
стр. 177
وصيانة حقوقها، مع الاعتراف بعدم بلوغ الكمال فيما يجب لها من البر والرعاية، اللهم أغفر لوالدي و ﴿ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١).
٢٧/ ٥ - المبحث السابع:
عدم وجوب الجهاد .
الجهاد ليس مفروضا على النساء، والمراد به عند الإطلاق حمل السلاح والانخراط في صفوف الجيوش، لأن ذلك لا يوافق تكوينها، ولا يساير صونها وكرامتها، فإذا ما وقعت في الأسر لعب بها الأعداء، ونالوا من كرامتها، وتكون قد عرّضت نفسها للبلاء وقد نهى رسول الله ﷺ الرجال عن ذلك، فالمرأة من باب أولى، ولهذا لم يوجب الإسلام على المرأة حمل السلاح والدخول في صفوف الرجال، تكريما لها وصونا لعفافها، ولكن إذا تطوعت في حالا الضرورة القصوى فلا بأس، بشرط أن لا يخل هذا التطوع بشيء مما فرض الله عليها، كالحجاب، لما قدمنا من بيان وجوبه تعبدا، والخلوة مع أجنبي، والمراد به غير المحرم، لقوله ﷺ :
١٣٦ - (لا يخلون رجل بامرأة) (٢) والسفر بدون محرم، لحرمة ذلك عليها، بقوله ﷺ :
١٣٧ - (ولا تسافرن امرأة وإلا معها محرم) (٣) ولقوله للرجل الذي قال له: يا رسول الله، اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة، فقال ﷺ :
стр. 178
١٣٨ - (اذهب فحج مع امرأتك) (١) وهذا من أقوى الأدلة على حرمة السفر للمرأة بدون محرم، عبادتان مفروضتان: الجهاد في سبيل الله وقد اكتتب فيه الزوج، والحج وقد خرجت له الزوجة، فألغى الرسول ﷺ خروج الزوج للجهاد، وأمره أن يلحق بامرأته ليكون محرما لها وهي تؤدي فريضة الحج، ولو كان الأمر هينا ما فعل هذا رسول الله ﷺ ، وترك كلا منهما على وجهته، ولاسيما كل منهما خرج في طاعة، فكيف تستحل امرأة تؤمن بالله ورسوله السفر بدون محرم، وفي غير طاعة؟ ! ! قال رسول الله ﷺ :
١٣٩ - (لا يحل لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة) (٢) أي محرم، كل هذا على اعتبار أنها تسافر من أجل مصلحة جائزة شرعا، وقد يكون فيها قربة إلى الله تعالى، لكن هذه الأمور فرائض على المرأة تعبّدها الله بها، والفرائض آكد من النوافل، ولا يجوز إهدار فرض من أجل إقامة نافلة، فعلى كل امرأة مسلمة - ولو كانت الأستاذة فلانة في الجامعة الفلانية، أو الطبيبة الماهرة في جراحة المخ والأعصاب - أن تنظر إلى هذه الأمور بادئ ذي بدء نظرة تعبّد، ولا تغتر بما منّ الله به عليها من العلم والمعرفة، وتصرف الأمر إلى أنها تثق بنفسها وأنها عفيفة، وأن هذا تهمة للمرأة، وما دامت كذلك فلا مجال لديها لقبول هذه التكاليف، والحق أنها لو وقعت في هذا التفكير السيئ تكون ألقت بنفسها في التهلكة، والصواب أنها مهما بلغت من العلم والعزة والشرف، فهي متعبدة
стр. 179
بهذه الأمور، ومسئولة عنها في يوم تنقطع فيه الأسباب، إلا سبب له بالإسلام صلة، وهي محط نظر الرجل، ورغبته، والرجل قد يقع منها نفس الموقع، لما فطر عليه لذكر والأنثى، ليس في بني آدم فحسب، بل في كل الكائنات.
فالجهاد ليس فريضة على المرأة، وقد كانت أم المؤمنين عائشة ﵂ من أشد النساء رغبة في الخير، وأكثرهن مساءلة لحبيبها رسول الله ﷺ ، قالت له: يا رسول الله هل على النساء من جهاد قال:
١٤٠ - (نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) (١) هذا هو جهاد المرأة المسلمة، وقد كان رسول الله ﷺ في أشد الحاجة لمواجهة كفار قريش، ولم نعلم أنه جند النساء والصبيان، ودفع بهم في مواجهة الأعداء، ولم يفعل ذلك الخلفاء الراشدون، وكذلك من جاء من بعدهم، وليس في مداواة بعض النساء للجرحى في بعض الغزوات حجة على وجوب الجهاد على المرأة، ولكنه لبيان الجواز إذا حصل الأمن من هتك المفروض، والتعرض للفتنة أو السبي، وما حدث لنساء المسلمين من المآسي وهتك الأعراض في البوسنة والهرسك، وفي سجن أبو غريب، وفي سجون إسرائيل، وفي معسكرات الشبيبة خير دليل على أن الإسلام أحاط المرأة بسياج العزة والكرام، وأعطاه قدرا كبيرا من الأهمية، إلى درجة بلغت إسقاط بعض العبادات عنها من أجل صيانتها، وقد جعل العلماء عدم وجود المحرم من عدم الاستطاعة.
стр. 180
٢٨/ ٥ - المبحث الثامن
وجوب العدة على المرأة .
العدة واجبة على كل امرأة متزوجة، وذلك في إحدى حالتين: في حالة الطلاق الرجعي أو البائن، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) وعبر بالجمع فقال: والمطلقات ليعم المطلقات طلاقا رجعيا، والمطلقات طلاقا بائنا بثلاث، والقروء: جمع قرء، وهو اسم مشترك بين الحيض، والطهر، ويصح التربص بثلاث حيض، أو بثلاثة أطهار، حملا للمشترك على أحد معنييه، استبراء للرحم والتأكد من عدم وجود الحمل، فإذا تبين وجوده انقلب أجل التربص من القروء، إلى وضع الحمل، وبالوضع تكون قد خرجت من العدة، قال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢) وكثيرون يسيئون فهم الطلاق، وهو حكم شرعي، يعتبر نعمة لا نقمة، حتى يسلم الزوجان من الظلم، والمطلقات: جمع مطلقة، سميت بذلك لأنها تطلق من عقد الزوجية، وتصبح في حل من ذلك الرباط الشرعي، وليس على المطلقة قبل الدخول عدة، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ