← Общие книги

Общие книги · id 36118

حقوق المرأة في ضوء الكتاب والسنة

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (211 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وله حق إنكار المنكر بمراتبه الثلاث، وردع فاعل المنكر بالوسيلة المناسبة، ومن ذلك إقامة الحدود بأنواعها، لأنها دفع لشر الأشرار من الناس، وإشاعة للمعروف بين الناس، والمعروف كل ما أقرّه الشرع، والمنكر كل ما نهى عنه الشرع، ولمن ينوب عن صاحب الولاية العامة ممارسة هذه الحرية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق ما منح من صلاحيات، كصاحب الولاية تماما، ومن كان من الناس دون ذلك في المسئولية، ولم يكن له شرعا استخدام اليد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا له المرتبة الثانية: وهي التغيير باللسان، والمراد بيان المعروف من الأقوال والأعمال، وشرحه للناس ودعوتهم إلى ممارسته والحرص عليه، وتعليم القريب والبعيد، واستخدام الأسلوب الأمثل في ذلك، وكذلك إنكار المنكر باللسان، يكون ببيان المنكر من الأقوال والأعمال للناس، وحثهم على البعد عنه، ويجب عليه استخدام الأسلوب الأمثل في الحالين: حال الأمر بالمعروف، وحال النهي عن المنكر، عملا بقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١) فقد وجه رب العزة الجلال نبينا محمدا ﷺ إلى الحكمة مع كل من يدعوه إلى الإسلام فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٢)

стр. 72

فالحكمة مطلب في الأسلوب مع عامة الناس، ولكنه مع الجاهلين أكثر طلبا، لأن الجاهل من الناس كالأعمى، لا بد أن ترفق به حينما تدله على الطريق، فلا تتعامل معه بفظاظة، فلا يقبل منك توجيها، ولو سلك طريقا فيه هلاكه، وهكذا كانت معاملة رسول الله ﷺ مع كفار قريش، كان حليما حكيما صابرا محتسبا، قالوا: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (١)، فصبر، وقالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٢) ورغم خسة هذا القول لم يؤثر في حكمته وصبره ﷺ ، وتجاوز أذاهم لرسول الله ﷺ السب والشتم إلى العمل، فكان من أشدهم أذى له عمه عبد العزّى بن عبد المطلب الملقب في الإسلام أبا لهب، وزوجه أم جميل، فصبر عليهما رسول الله ﷺ فانتصر الله لنبيه بذكر مآل أبي لهب وزوجه في سورة قرآنية تتلى إلى يوم القيامة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وكانت زوج أبي لهب تحمل الشوك وتطرحه في طريق رسول الله أذى منها له ﷺ ، فجعل لله لها حبلا تجرّ فيه في النار، وهو المسد الذي سميت به السورة، وكذلك الحكم بن هشام الملقب في الإسلام أبا جهل كان من أشد قريش أذى لرسول الله ﷺ وأصحابه قال ذات يوم: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه، فيضل في كتفي محمد إذا سجد؟ ، فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، والنبي ﷺ ساجد، ما يرفع

стр. 73

رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت، وهي جويرية فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا، دعا ثلاثا، وإذا سأل، سأل ثلاثا، ثم قال: ٤١ - (اللهم عليك بقريش ثلاث مرات) فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: ٤٢ - (اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة ابن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط) قال عبد الله بن مسعود ﵁: وذكر السابع ولم أحفظه، فو الذي بعث محمدا ﷺ بالحق، لقد رأيت الذين سمّى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب: قليب بدر (١)، لقد صبر ﷺ أعظم الصبر، ولقد كان رحيما حتى بقريش أنفسهم، عمّم الدعاء عليهم، ثم استثنى وخص الآمرين بالأذى المباشرين له، واستجاب الله دعوته. وأما الموعظة الحسنة فهي عامة لكل الناس العالم والجاهل، والمجادلة بالتي هي أحسن خاصة بالعلماء من المسلمين وغيرهم، لأنهم ذووا علم وفهم لكثير من الأمور، وفي هذا تكريم للعلم وأهله حتى لو لم يكونوا من المسلمين، ولذلك لاطف الله اليهود والنصارى حينما أمر رسوله بأن يخاطبهم بقوله: يا أهل الكتاب، ولذلك كررها في القرآن أكثر من ثلاثين مرة، ويحاور رسول الله ﷺ عدي بن حاتم وكان من أهل الكتاب قال عدي ﵁: بعث رسول الله ﷺ حيث بعث فكرهته أشد ما كرهت شيئا قط، فانطلقت حتى كنت في أقصى الأرض مما يلي الروم، فقلت: لو

стр. 74

أتيت هذا الرجل فإن كان كاذبا لم يخف عليّ، وإن كان صادقا اتبعته، فأقبلت فلما قدمت المدينة استشرف لي الناس وقالوا: جاء عدي بن حاتم، جاء عدي بن حاتم، فقال النبي ﷺ لي: ٤٣ - يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم، قال: قلت: إن لي دينا، قال: أنا أعلم بدينك منك - مرتين أو ثلاثا - ألست ترأس قومك؟ ، قال: قلت: بلى، قال: ألست تأكل المرباع؟ ، قال: قلت: بلى، قال فإن ذلك لا يحل لك في دينك، قال: فتضعضعت لذلك، ثم قال: يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم، فإني قد أظن - أو قد أرى، أو كما قال رسول الله ﷺ - أنه ما يمنعك أن تسلم خصاصة تراها من حولي، وتوشك الضعينة أن ترحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت، ولتفتحنّ علينا كنوز كسرى بن هرمز، وليفيضنّ المال - أو ليفيض - حتى يهم الرجل من يقبل منه ماله صدقة، قال عدي بن حاتم: فقد رأيت الضعينة ترحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت، وكنت في أول خيل أغارت على المدائن، على كنوز كسرى بن هرمز، وأحلف بالله لتجيئنّ الثالثة إنه لقول رسول الله ﷺ لي (١) تأمل هذا الحوار من أكرم الخلق مع من لا يؤمن بدينه ولا نبوته، أسلوب عظيم أقام الحجة في أدب رفيع، يكرر يا عدي بن حاتم تكريما للمدعو، فتقوم الحجة ويسلم عدي بن حاتم ﵁، وتكون حرية الرأي في الإسلام مطلقة في كل ما يعود على الناس بالخير في الدنيا والآخرة، تقال بدون تحفظ ولو أدت إلى الموت قال ﷺ : ٤٤ - (أفضل الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطانٍ جائر) (٢) أي حرية في الرأي أعظم من هذا، لكن ما هو الرأي؟ ، الرأي العدل الصائب

стр. 75

المستند إلى الحق، البعيد عن الهوى والشطط والتعسف، وقد أعطيت المرأة حرية الرأي ولم ينكر عليها ما كان من رأيها صائبا معروفا، تأتي خولة بنت ثعلبة ﵂ تشكو زوجها أوس بن الصامت ﵁ حين قال لها: أنت عليّ كظهر أمي، ثم ندم على ما قال، وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية، فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت عليّ، فقالت: والله ما ذاك طلاق، وأتت رسول الله ﷺ - وعائشة ﵂ تغسل شق رأسه - فقالت: يا رسول الله، إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غنية ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني، وقد ندم، فهل من شيء يجمعني وإياه تنعشني به؟ ، فقال رسول الله ﷺ : حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقاً، وإنه أبو ولدي وأحب الناس إليّ، فقال رسول الله ﷺ : حرمت عليه، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، قد طالت صحبتي ونفضت له بطني، فقال رسول الله ﷺ : ٤٥ - (ما أراك إلا قد حرمت عليه، ولم أؤمر في شأنك بشيء) فجعلت تراجع رسول الله ﷺ ، وإذا قال لها رسول الله ﷺ : حرمت عليه هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، وإن لي صبيةً صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك - وكان هذا أول ظهار في الإسلام، فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر - فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداءك يا نبي الله، فقالت عائشة: أقصري حديثك ومجادلتك، أما ترين وجه رسول الله ﷺ ؟ ، - وكان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه أخذه مثل السبات - فلما قضى الوحي قال

стр. 76

لها: ادعي زوجك فدعته، فتلا عليه رسول الله ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (١) الآيات، قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن المرأة لتحاور رسول الله ﷺ وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها، ويخفى علي بعضه إذ أنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ (٢) الآيات أي تخاصمك وتحاورك وتراجعك في زوجها، بقوة وبحرية كاملة في الرأي، ورسول الله ﷺ يسمع كلامها فلم يعنفها ولم يعب عليها مراجعتها له ﷺ لأنها صاحبة حق، ولأنه الكريم الحليم ﷺ ، فلما لم تجد حلا عند رسول الله ﷺ رفعت الأمر لخالقها واثقة بأنها ستجد عنده تعالى فرجا ومخرجا، وجاء الفرج من الله تعالى لها ولكل مسلمة حكم شرعي قرآن يتلى إلى يوم القيامة (٣)، حرية لا نظير لها تخاصم وتجادل وتلح، على أعلى سلطة بشرية من لو كان الملك أعلى مقاما من النبوة لوصف به ﷺ ولكنها النبوة لا مقام أعلى منها، وقد قال أبو سفيان للعباس: يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك بن أخيك الغداة عظيما، فقال: يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال فنعم إذن (٤) فإذا كان هذا شأن المرأة مع أرفع البشر شأنا وهيبة ووقارا، بل جاوزت ذلك إلى ملك الملوك رب العزة والجلال تناشده

стр. 77

تعالى فرجا، وتجاب منه بالفرج ناصا على سماعه تعالى حوارها ومناشدتها، وتقول أم سلمة ﵂ رأيها الصائب المفيد، وقد قدمناه في الشورى، يجتمع نساءه ﷺ يطالبن بالنفقة وآذينه بغيرة بعضهن على بعض: ٤٦ - فهجرهن رسول الله ﷺ وآلى أن لا يقربهن شهرا، ولم يخرج إلى أصحابه، فقالوا: ما شأنه؟ ، وكانوا يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، فقال عمر: لأعلمنّ لكم شأنه، قال: فدخلت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أطلقتهن؟ ، قال: لا، قلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون يقولون: طلّق رسول الله ﷺ نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ ، قال: نعم إن شئت، فقمت على باب المسجد وناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) قال: فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليك أمراً أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول الله؟ ، فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ ، بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها،

стр. 78

إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسراً (١)، وهنا نلاحظ أن حرية الرأي منحها رسول الله ﷺ أزواجه في مطالبتهن إياه، ولم يغضب من ذلك، ولذلك لم يعنفهن ﷺ ، ولكن أغضبه التغاير في المطالبة، وجاء أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ ، فوجد الناس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر ﵁ فدخل ثم أقبل عمر ﵁ فاستأذن فأذن له فوجد النبي ﷺ جالساً حوله نساؤه واجماً ساكتاً، فقال: ٤٧ - "لأقولن شيئاً أضحك رسول الله ﷺ فقال: يا رسول، الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: هنّ حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام أبو بكر ﵁ إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر ﵁ إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: لا تسألي رسول الله ﷺ شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهن شهراً أو تسعاً وعشرين، آلى منهن شهرا" ليعلم حكم الله في هذا الموقف، لأنه حكم للأمة، وأعطى عمر ﵁ حرية الرأي فيما عرض عليه ﷺ ، ولم يعطها للذين أشاعوا أن رسول الله ﷺ طلق نساءه، وقد نزع الله هذه الحرية لأنها مبنية على الجهل بالواقع، ووجه إلى ما هو أولى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ

стр. 79

لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) مثنيا على استنباط عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ لم يطلق، قال عمر ﵁: "فكنت أنا استنبطت ذاك الأمر، وأنزل الله آية التخيير" وكانت تحت رسول الله ﷺ يومئذ تسع نسوة خمس من قريش: عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أبي أمية، وسودة بنت زمعة، وغير القرشيات: زينب بنت جحش الأسدية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، رضوان الله عليهنّ، فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله ﷺ بعائشة، وكانت أحبهن إليه فخيّرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الفرح في وجه رسول الله ﷺ وتابعنها على ذلك، فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهنّ، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ (٢) وروى أبو هريرة ﵁ أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ يستعينه في شيء، قال: فأعطاه رسول الله ﷺ شيئا، ثم قال: أحسنت إليك؟ ، قال الأعرابي: لا، ولا أجملت، فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه، فأشار رسول الله ﷺ إليهم أن كفوا، فلما قام رسول الله ﷺ وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت فقال:

стр. 80

٤٨ - إنك إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك، فقلت ما قلت، فزاده رسول الله ﷺ شيئا وقال: أحسنت إليك؟ ، فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، قال النبي ﷺ : إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك، فقلت ما قلت، وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء، فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ، حتى يذهب عن صدورهم، فقال: نعم، فلما جاء الأعرابي قال رسول الله ﷺ : إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه، فقال ما قال، وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي، كذلك يا أعرابي؟ ، فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، فقال النبي ﷺ : ٤٩ - (إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه، فاتّبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا، فقال لهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها، وأنا أعلم بها، فتوجه إليها وأخذ لها من قتام الأرض، ودعاها حتى جاءت واستجابت وشد عليها رحلها، وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار) (١) هذه حرية في الرأي يمنحها رسول الله ﷺ ذلك الأعرابي ليعلمه أن رأيه غير صائب، وليربي أصحابه حملة الدعوة على الخير هذا المنهج السديد، ولم تتوقف حرية الرأي للرجل أو المرأة في ظل الإسلام تقف فاطمة بنت محمد ﵂ أمام أبي بكر خليفة رسول الله ﵁ معلنة رأيها في الحصول على نصيبها من ميراث أبيها رسول الله ﷺ فيستقبلها ﵁ ويسمع منها، ويجيبها بما سمع من رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال:

стр. 81

٥٠ - (لا نورث، ما تركنا صدقة) (١) ولم ترض فاطمة ﵂ إلى أن ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها ﷺ ، ودخل أبو بكر رضوان الله عليه على امرأة من أحمس يقال لها زينب، قال: فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ ، قالوا: نوت حجة مصمتة، قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، قال: فتكلمت، فقالت: من أنت؟ ، قال: أنا امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ ، قال: من قريش، قالت: فمن أي قريش أنت؟ ، قال: إنك لسؤل أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ ، قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم، قالت: وما الأئمة؟ ، قال: أما كان لقومك رؤساء وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ ، قالت: بلى، قال فهم مثل أولئك على الناس (٢) إن من يتدبّر هذا الحوار يرى فيه حرية الرأي مع أكبر رجل يدير شئون المسلمين، وخطب عمر ﵁ فقال: ٥١ - "ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ ، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا، أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٣) فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر" - وفي رواية - فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك

стр. 82

يا عمر، وفي أخرى امرأة: أصابت ورجل أخطأ (١) وترك الإنكار ﵁، أي حرية في الرأي أعظم من هذا؟ ، وأي تواضع وسماع من رجل عظيم أكثر من هذا؟ ، ولم تكن خولة بنت ثعلبة ﵂ أقل حرية من سابقتها في مخاطبتها عمر بن الخطاب الرجل المهيب، تستوقفه خوله وتذكره بما كان عليه في الجاهلية، وما هو عليه في الإسلام، وتقول: ٥٢ - فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت (٢) وجاءت فتاة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبي زوجني ابن أخيه يرفع بي خسيسته (٣)، فجعل - الرسول ﷺ - الأمر إليها، قالت: ٥٣ - فإني قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء (٤) وهذا حق شرعي لكل امرأة ذالك بضعها، وتلك حياتها فتستأمر فيه ولا تجبر قال ﷺ : ٥٤ - (استأمروا النساء في أبضاعهن، قيل: فإن البكر تستحي أن تكلم، قال: سكوتها إذنها) (٥) وفي الحقيقة عدم فهم الكثيرات من النساء - ولاسيما في عصرنا هذا - ما كرمهن الله به في الإسلام، أو الجهل به أصلا هو السبب في اصطيادهن بهذه السهولة وقبولهن محاربة الله ورسوله باسم الحرية الزائفة، وقدمنا في المبحث العاشر: المساواة في حق الاختيار، ما دار

стр. 83

بين بريرة ﵂ ورسول الله ﷺ من حوار حول قضيتها مع زوجها، مبينة رأيها بكل حرية وصراحة، وإنكار حوار المرأة ومراجعتها للرجل عادة جاهلية كما قال عمر ﵁: كنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، وكان منزلي في بني أمية بن زيد بالعوالي، فتغضبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني فقالت: ٥٥ - "ما تنكر أن أراجعك فو الله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ ؟ ، قالت: نعم، قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ ، قالت نعم، قلت: قد خاب من فعل ذلك وخسر، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت؟ ، لا تراجعي رسول الله، ولا تسأليه شيئا وسليني ما بدا لك، ولا يغرنّك إن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله منك - - - - يريد عائشة ﵂ - - - (١) هذا الإنكار من عمر ﵁ لمكان رسول الله في نفسه حذّر من إغضابه ﷺ ، ولا نشك في أن عمر ﵁ يتأسّى برسول الله ﷺ في حرية الرأي، وقد قدمنا عنه ذلك، ثم يأتي أصحاب الشهوات يتباكون على حرية المرأة في الإسلام، وما بهم إلا الزور والبهتان، والسعي لإشباع الشهوات كما هو حال المرأة في الغرب مبتذلة ضائعة، إن هوية المرأة المسلمة هي عقيدتها، المستمدة من الكتاب وثوابت السنة، ولا حرية لها ولا سعادة ولا مستقبل في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالإيمان والاستقامة:

стр. 84

٥٦ - (قل آمنت بالله ثم استقم) (١) الرجل والمرأة على حد سواء، وليعلم المسلم والمسلمة أن أعداء القيم والثوابت الخلقية يعملون على ضرب عقيدة المسلمين، حارس القيم والفضائل في النفوس المسلمة، وأساس وحدة المسلمين المتين، فإن ذلك يحقق ما يتمنون من تمزيق المسلمين، وليس هذا شيئا جديدا، لا يعرفه المسلمون فقد نبّه إلى ذلك رسول الله ﷺ تنبيه تحذير من ترك المنهج الصحيح فقال: ٥٧ - (إن بني اسرائيل قد افترقت على ثنتين وسبعين فرقة وأنتم تفترقون على مثلها كلها في النار إلا فرقة) (٢) وهذا إيماء إلى أن الأعداء لن يسكتوا على وحدة العقيدة عند المسلمين، لأنها مصدر القوة لضرب الخصم، وهم يعملون على تدمير الأسرة المسلمة، لأنها المحضن الصحيح للقيم الإسلامية، فتدمير مصنع البندقية أهم بكثير من كسر البندقيه نفسها، ولا يتم تدمير الأسرة إلا من خلال تحرير المرأة من كل ما يأمر به الإسلام، ويتم ذلك رويدا رويدا، وخطوة خطوة، ويجب أن يطول النفس في ذلك، على طريقة الإنجليزي الذي أختار أن يزيح ماء البحر بالملعقة ليصطاد السمكة، قد يتصور المتسرع في الحكم على الأشياء أن هذا غباء منه، ولكنه تعبير عن قوة الإرادة والصبر الطويل ليتم في النهاية تحقيق الهدف، نعم نقول إن المرأة مظلومة ولكن في غير الإسلام، فالمرأة لن تعرف التكريم إلا في الإسلام، ولن تعرف الحرية الصحيحة إلا في الإسلام، ولكن من أجل ضرب الإسلام الذي منحها العزة والكرامة والحرية المتوازنة ودعاها إليها، وجب افتعال قضية ظلم الإسلام للمرأة، لأنهم سيجدون من

стр. 85

المسلمين ثلة ضعف إيمانها وقويت شهواتها، وعميت بصيرتها عن الحق تتقبل افتعال القضية، وتتبنى بقوة الدفاع عنها، خدمة للعدو ولا كرامة. ١٧/ ٤ - المبحث السادس: المساواة في حق التعليم . كل عمل يقوم به الإنسان في حياته مبناه في الإسلام العلم بذلك الشيء الذي يريد عمله، ولذلك لم يغفل الإسلام التعليم للذكر والأنثى، فقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (١) خطاب موجه إلى رسول الله ﷺ وليس خاصا به، فكل من آمن به مخاطب بهذا وعليه أن يعلم توحيد الله بأقسامه الثلاثة، وأن يتبع ذلك بالعمل، وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ونوّه الإسلام بالعلم، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) وهذا شامل جميع العلوم النافعة، كالطب والهندسة والفلك، وعلوم الأرض، وكل ما يتعلق بالكائنات، وكذلك علوم البحار وغير ذلك من كل علم نافع، وجميعها تهدي إلى خالقها ومدبر شئونها، وكل ما كان الإنسان بربه عالما كانت خشيته له تعالى أكبر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى

стр. 86

اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (١) وقد وصف الله العلماء بأنهم عقلاء يدركون النافع والضار، قال تعالى: قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٢) وقال رسول الله ﷺ : ٥٨ - (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) (٣) وهذا أجل العلوم وأنفسها، وهو عام للرجل والمرأة، ولا يكون العلم إلا بالتعلم، ولا يكون إتقان الشيء إلا بالتعلّم، قال ﷺ : ٥٩ - (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) (٤) ويجب على المرأة أن تتعلم بادئ ذي بدء ما يجب عليها من العبادات، وما يجب عليها من حسن المعاملة لذويها وزوجها وتربية أبنائها، ولذلك قال رسول الله ﷺ : ٦٠ - (من سلك طريقا يلتمس به علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، فإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن طالب العلم ليستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما أورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظه - - - - أو بحظ وافر - - -) (٥) فأي حثّ على العلم للرجل والمرأة أعظم من

стр. 87

هذا؟ ! ولذلك يجب على زوج المرأة أن يعلمها ذلك ويعينها عليه، وهذا من مسئولية الرعاية في قوله ﷺ : ٦١ - (كلكم راع ومسئول عن رعيته) (١) وتعليم العبادات والقيم الدينية والتربوية وما يصلح به شأن الأسرة من أهم ما يجب أن يعتني به الرجل والمرأة، وإذا كان كل منهما يحمي صاحبه مما يضره في الدنيا فكذلك يجب أن يحميه مما يضره في الآخرة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢) وما عدا هذا من العلوم فبقدر الحاجة، وليس حراما أن تتعلم المرأة ما كان النساء في حاجة إلية، وكذلك الأطفال الذين لا يطلعون على عورات النساء كالطب مثلا، والتعليم كما هو الحال في بلادنا حرسها الله من كيد الأعداء، وفساد المفسدين من الرجال والنساء، فإنها سلكت في تعليم المرأة ما تحمد عليه في الدنيا والآخرة، وكانت المرأة المسلمة في هذه البلاد محلا للطهر والعفاف والعلم الوافر، والسيرة الحسنة المشرفة لها ولبلدها مهبط الوحي، ومنبع هداية الناس إلى الفضائل والقيم، نعم يوجد من النساء شواذ وهؤلاء مخذولات بإذن الله تعالى، ولاسيما في بلاد الحرمين، لأنهن يطلبن الشهرة والبروز على حساب العقيدة والقيم، وإن جرى على ألسنتهن شيء من ألفاظ الدين فلتّمويه على الناس، ومن اختار غير

стр. 88

الإسلام منهجا ينطبق عليه ما روى علي ﵁ قال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ٦٢ - (ستكون فتن، قلت: وما المخرج منها? ، قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا، هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم) (١) هذا كلام حسن تقبله العقول السليمة، لو أخذنا نحن المسلمين بتعميم تعليم المرأة ما هو متفق مع طبيعتها وما لا يتفق، ولو بلغت فيه المرأة السعودية بالذات أعلى المستويات، وكانت من أعلم الخلق بالفضاء وعلومه، والهندسة بأنواعها، والأحياء وصنوفها، والبحار وعلومها، وهي في ظل القيم الإسلامية، لقال الغرب وصنائعه: المرأة المسلمة متخلفة وعلى وجه الخصوص في المملكة العربية السعودي، لأن الهدف لم يتحقق بعد، وهو هدم القيم الإسلامية، وبعد المرأة عن كل ما يعوق شهوة الرجل من النظرة العابرة إلى آخر المشوار، هذه الحقيقة التي لا ينكرها إلا مخذول مرذول في الدنيا والآخرة ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ

стр. 89

هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (١) وما هي ملة الغرب؟ ! ! ، الكفر والسكر والعربدة ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٢) ولمعرفتهم بأن المرأة المسلمة ذات أثر فعّال في قيام الأسرة وتنشئة الأبناء: البنين والبنات على حد سواء، كل على ما يخصه من التربية ذات الجدوى في حياة الأمة الإسلامية، وقوتها المستمدة من القيم الإسلامية، بادروا إلى استغلال ذلك التأثير في إفساد البنية الأساس للقيم الإسلامية، وتحويلها عن مسارها الصحيح بتحويل تعليم المرأة عن رسالتها التي خلقت من أجلها، إلى مسار آخر يتم به تدمير المرأة نفسها، وبالتالي تنعدم البنية الأساس للقيم الإسلامية، ويحل محلها آلة الهدم والتخريب، بنطاقها الواسع. ١٨/ ٤ - المبحث السابع: المساواة في حق تعليم الغير . وكما شرّع الإسلام للمرأة حق التعليم، أوجب عليها تعليم الآخرين سواء من بنات جنسها، أو من بني جنسها، وبالأولى تعليم أبنائها وبناتها، وذوي قرباها، وهذا الوجوب يدور في فلك الأمر بالمعروف والنهي على المنكر، فلا يجوز للمرأة أن ترى طفلا ولا امرأة ولا رجلا على أمر منكر ولا تنهاه عن ذلك،

стр. 90

ولا على عمل يخل بدينه وعبادته، فلا تصحح له ذلك الخطأ، وهذا مقيد بقدر الوسع والطاقة، وإن لم تفعل مع قدرتها فهي آثمة دون شك، فلها ممارسة حقها المشروع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في إطار قول الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) وقوله ﷺ : ٦٣ - (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (٢) شأنها شأن الرجل في هذا، ولكن اختصاصها ببنات جنسها هو الأولى والأهم، وما يتعلق بالرجال فهو نافلة لها ذلك، ويجب إذا توقف الأمر عليها في علم لا يكون عند غيرها من الرجال، وهي مطالبة بتعليم الآخرين الخير شرعا، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٣) وهذا يشمل الذكر والأنثى على حد سواء، والمرأة تدخل في ثناء الله على الدعوة إلى الله قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ

стр. 91

وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) فهي مكرّمة في هذا، شأنها شأن الرجل، وقد كان الصحابة يتعلمون من عائشة ما كان عندها من العلم عن رسول الله ﷺ ، بل يسألونها عن رأيها الشخصي في كثير من المسائل الدينية والدنيوية، وما رأوا لها صورة (٢)، كل ذلك كان يتم من وراء حجاب بعد الأمر به، وأخذ خلق من التابعين عن الصحابيات من أمهات المؤمنين وغيرهن (٣)، وقصة سماع محمد بن إسحاق من فاطمة بنت المنذر مشهورة (٤)، شهد بها سفيان بن عيينة، وهو إمام معتبر، وأقرها النقاد على الوجه الصحيح (٥)، ولا خلاف في أن يأخذ الرجال العلم عن النساء، فإذا كانوا من غير المحارم فيجب أن يكون ذلك من وراء حجاب، ولا يجوز الدخول على النساء، إلا لصبي لم يبلغ الحلم، ولم يكن ممن يطلع على عورات النساء، أو كانت هي كبيرة من القواعد، لا ينظر لمثلها إلا بعين الإجلال والاحترام، وللمرأة حق المكاتبة بالعلم للرجال مما لا يؤخذ إلا عنها، كتفردها برواية كتاب معين، وهذا معروف في رواية المحدثين، ولاسيما ما بعد القرن الخامس، قال الحافظ الذهبي رحمة الله علينا وعليه: وقد سمعنا من عدة نسوة وما رأيتهن (٦)، وهو مذهب أهل المدينة فإن الكتاب عندهم معتمد جائز، قال البخاري رحمة الله علينا وعليه:

стр. 92

باب: ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان (١)، فالعلم في بلادنا مهيأ للمرأة وفق ما يقضي به الدين الحنيف، ولا ينازع في ذلك إلا صاحب هوى، فلينهل النساء من عباب العلم الزاخر، في عفة وصيانة، تعبدا لله وإرغاما للشيطان وأعوانه، من الضالين المضلين، الذين لا هم لهم إلا الخروج بالمرأة المسلمة عن جادة الصواب، لمجاراة الفجار، متجاهلين أن لهم عقيدة تحرسهم من النار ليل نهار، فإذا فرطوا فيها كانوا كالفراش يسعى إليها طلبا للهلاك. والعجب أن دعاة مساواة المرأة بالرجل لا يطالبون بمساواة الرجل بالمرأة، لعلمهم أن ذلك مخالفة للفطرة السليمة، ولعلمهم أن الشرع بنى التكاليف وفق خصائص كل من الرجل والمرأة، وجعل للرجل خصائص لا تتوافر في المرأة، وللمرأة خصائص لا تتوافر في الرجل ولا يمكن أن يقوم الرجل بما تقوم به المرأة على وجه الكمال، وكذلك المرأة لا تقوم بما يقوم به الرجل على وجه الكمال، والاستحالة واردة لدى الطرفين في بعض الخصائص، وليس ذكاء من هؤلاء عدم الدعوة إلى مساواة الرجل بالمرأة ولكن أسيادهم الغربيين لم ينادوا بذلك في الرجل، لأن المرأة مناط ما يريدون منها من شهوات، ولو حصل النداء بذلك في جانب الرجل لوجدت الأذناب يتهافتون إلى ذلك بدون وعي ولا تفكير، والعجب أن دعاة التغريب لم يعتبروا بالنتائج المخزية التي حققها القوم، وما آلت إليه دعوتهم من فساد عريض، ولم يستفيدوا من خبرة العقلاء منهم الذين صرخوا محذرين من تلك التجربة المشينة، يقول جورباتشوف: كدنا ننسى حقوق المرأة ومتطلباتها المتميزة المختلفة، بدورها أمّاً وربّة

стр. 93

أسرة، كما كدنا ننسى وظيفتها التي لا بديل عنها مربّية للأطفال (١) ويؤكد أن التجربة الفاشلة أثبتت فساد ما طالبوا به من تحرير المرأة فيقول: فلم يعد لدى المرأة العاملة في البناء وفي الإنتاج وفي قطاع الخدمات وحقل العلم والإبداع، ما يكفي من الوقت للاهتمام بالشؤون الحياتية اليومية، كإدارة المنزل وتربية الأطفال، وحتى مجرّد الراحة المنزلية، وقد تبيّن أن الكثير من المشكلات في سلوكية الفتيان والشباب، وفي قضايا خلقية واجتماعية وتربوية وحتى إنتاجية، إنما يتعلق بضعف الروابط الأسرية والتهاون بالواجبات العائلية (٢) قلت: هذا عقل يتفق مع الفطرة، وإن كان لا يؤمن بالإسلام، ولا يريد للمرأة المسلمة عزة ولا كرامة، وإنما يتحدث عن بنات جنسه، إنه أعقل من دعاة التغريب اليوم.

стр. 94

(٥) الباب الثالث: الفروق بين الرجل والمرأة ١/ ٥ - الفصل الأول: ما ينفرد به الرجل عن المرأة . سبق أن ذكرنا بعض ما يتساوى فيه الرجل والمرأة، ونقول هنا: نظرا لفارق بين المرأة والرجل في بعض صفات الخلق، خصّ الرجل بشيء، وخصت المرأة بشيء آخر، فلكون المرأة من طبيعتها اللطف والرقة، ومن طبيعة الرجل الشدة والخشونة، كان من تكريم المرأة وصيانتها إسناد بعض المهام الصعبة إلى الرجل، رحمة بالمرأة ومراعاة لتكوينها، ولم يكن الأمر نظرية قابلة للخطأ والصواب، بل كان ذلك عين العدل، لأنه من خالقهما العليم بما يصلحهما ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١). ٢/ ٥ - المبحث الأول: القوامة . انفرد الرجل بالقوامة، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٢) نصّبهم الله لرعاية النساء، وتوجيههنّ وحمايتهنّ، ولذلك نقول: لا يسع المرأة المسلمة إلا الطاعة، لله خالقها، وللرسول مبلغها هذا الأمر، ولوليها المكلف من الله بالقوامة، ولذلك توجه الخطاب من الله إلى الرجال في أمر القوامة، ولماذا جعلت القوامة للرجل؟ الجواب من عند الله العليم بالمخلوقين: الرجل والمرأة ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٣) في كونها مخلوقة من الرجل، وقد ثبت أن حواء خلقت من ضلع آدم ﵇، وفي بعض

стр. 95

صفات الخلق التي تستدعي إسناد القوامة إليهم، ولذلك كان الأنبياء، والملوك والخلفاء والسلاطين والحكام، والأئمة منهم، ومنهم الجيوش وقادتها، ولم توصف المرأة بذلك ولذلك قال خالقها وهو العليم بقدراتها وما هيئة له: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (١) ولذلك أباح لها لبس الذهب والحرير (٢) لأن صفتها الرقة والعطف والحنان، ومن شذ منهنّ وأخذت شيئا من صفات الرجل فذلك غير معتبر لأن الشاذ لا حكم له، والرجل أرجح منها عقلا، وأقدر على التحكم في تصرفاته، ومن لم يكن كذلك من الرجال فهو شاذ ولا عبرة به، وهو أقوى منها دينا لاختصاصها بحالات تتوقف فيها عن العبادة، ولاختصاصه بوجوب الجمعة عليه والجماعة، والجهاد ذبا عن الحرمات والمقدسات، وهو أقدر منها على الكسب والضرب في الأرض، نظرا لما جبل عليه من الخشونة والإقدام، ولذلك وجب عليه الإنفاق على نسائه ولو كان فقيرا، ولم يجب على المرأة ولو كانت غنية، فالرجال بهذا أعطوا القوامة ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (٣) مهورا لهن، ونفقة عليهنّ وهنّ آمنات مكرمات، يأت الرجال بأقواتهنّ ومطالبهنّ، وبما أنفقوا في الجهاد في سبيل الله، وفي العقل، والدية وأرش الجراح، وغير ذلك من اللوازم المشروعة. ٣/ ٥ - المبحث الثاني: وجوب الصلاة في جماعة . وانفرد الرجل عن المرأة بأن الله تعالى: أو جب عليه الصلوات الخمس في جماعة، وأوجب عليه الجمعة، قال رسول الله ﷺ :

стр. 96

٦٤ - (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) (١) وهذا لأنه يؤديها في جماعة، وصلاة الرجل في المسجد أفضل منها في بيته إلا النافلة ففي البيت، والمرأة صلاتها في البيت مطلقا أفضل، ولا تمنع إذا رغبت في المساجد بشرط أمن الفتنة، تقول عائشة ﵂: ٦٥ - "لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء، لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل" (٢) منعهن لمخالفتهن ما شرع لهن. ٤/ ٥ - المبحث الثالث: إباحة الزواج بأكثر من امرأة . وانفرد الرجل عن المرأة بأن الله تعالى أجاز له أن يتزوج أكثر من امرأة قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣) لكن ذلك مشروط بالقدرة على العدل ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (٤) وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ واختص بالزيادة على أربع، حتى تزوج إحدى عشرة امرأة، جمع بين تسع منهنّ، وهذا خاص به ﷺ ، ولا يجوز للرجل من المسلين أن يزيد على أربع في وقت واحد، وذلك لا يصلح للمرأة قطعا، لاختلاف صفتها في هذا عن الرجل، فالمرأة موضع استنبات الذرية، وكرامة العرض والأنساب تأبى للمرأة التعدد، وهذا تكريم للمرأة.

стр. 97

٥/ ٥ - المبحث الرابع: إباحة الاستمتاع بملك اليمين . وانفرد الرجل عن المرأة بأن الله أباح له الاستمتاع بملك اليمين من الإماء ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٢) فله حق الاستمتاع بالأمة كالزوجة، ولم يكن ذلك للمرأة للعلة السابقة في التعدد، بالنسبة للرجل، وبالنسبة للأمة لحرمة المرأة على المرأة أصلا، وهذا تكريم للمرأة، فقد هيئة لوضع محدد يناسب خلقها وعفتها وكرامتها. ٦/ ٥ - المبحث الخامس: إباحة الزواج من المرأة الكتابية . وانفرد الرجل بأن الله أباح له نكاح المرأة الكتابية من اليهود والنصارى، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ

стр. 98

حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) نصّ على المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، والمراد بالكتاب غير المحرّف، ولا أرى ذلك ينطبق عليهم اليوم وقد غيّروا وبدّلوا دينهم، لذلك كان ابن عمر ﵄: إذا سئل عن نكاح النصرانية واليهودية قال: إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئا أكبر من أن تقول المرأة: ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله (٢) ولذا أرى خطأ من يتزوج امرأة يهودية أو نصرانية مع بقائها على دينها إلا أن تدخل في الإسلام فلا بأس. ٧/ ٥ - المبحث السادس: جعل العصمة بيد الرجل . وانفرد الرجل عن المرأة بأن جعل الله العصمة بيده، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣) وهذا بعد الطلقة الثالثة، ووجه الدلالة أنه تعالى قال: (فَإِنْ طَلَّقَهَا) ولم يقل: فإن طلقته، وقال رسول الله ﷺ : (إنما يملك الطلاق من أخذ بالساق) (٤) حتى العبد لا يجبره سيده على طلاق زوجته.

стр. 99

٨/ ٥ - المبحث السابع: الطلاق صيغته وصفته للرجل . وانفرد الرجل عن المرأة بصيغة الطلاق وصفته، والأصل أن لا يستعمل الطلاق إلا عند انعدام الحلول، واستحالة استمرار الحياة الزوجية، فيكون للرجل حق استخدام الطلاق الرجعي، بأن يطلق طلقة واحدة بلفظ صريح، أو كناية عنه، أو بكتابة أو بإشهاد، فإذا رغب في العودة إلى امرأته فله الحق في ذلك، وعليه إرجاعها بكتابة أو بإشهاد إن أراد، وتصح بدون ذلك، بلفظ: كأن يقول راجعتك، أو بمباشرتها بأن يطأها، فإن احتاج ضرورة أن يطلقها مرة ثانية فله ذلك، وله حق الرجعة، لأن المرأة في حالة الطلقة الأولى والثانية لم تخرج من عصمة الزوج قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) جعل الله له الخيار، أما إذا طلق الثالثة فلا خيار، ولا تحل له إلا بعد زوج غيره إن رغبت في ذلك. ٩/ ٥ - المبحث الثامن: الرجوع عن الطلاق للرجل . وانفرد الرجل بأن له حق الرجعة في حالتي الطلاق الأوليين دون الثالثة، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٢) والبعولة: جمع بعل وهو الزوج، وقد جعل الله لهم الحق في ردهن ومراجعتهن، وحق الرجعة خاص بما دون الثلاث، ولا حق له بعد الطلقة الثالثة، ووجه الأحقية أنه إذا طلق واحدة أو

стр. 100

اثنتين وأراد الرجعة بعد الطلقة الواحدة، أو بعد الثانية، والمرأة تأبى ذلك، وجب تقديم قوله على قولها، لأن الرجعة حق للرجل دون المرأة، وهذا قبل انتهاء فترة التربص المقررة في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) أما بعد انتهاء مدة التربص المقررة شرعا فليس للزوج حق في الرجعة، وتملك المرأة أمر نفسها، فإذا رغبت في الرجعة فلا تحل إلا بعقد جديد، ومهر جديد، وولي وإشهاد، ومن راجع في مدة التربص، فلا يلزمه شيء من أحكام النكاح، ولابد أن يكون القصد من المراجعة الإصلاح، لقول الله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٢) وليس شرطا في صحة الرجعة، أما إذا قصد الرجل بالرجعة الأذى والإضرار بالمرأة فقصده حرام، والرجعة صحيحة، ويكون ظالما لنفسه، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٣). ١٠/ ٥ - المبحث التاسع: الإمهال في حالة الإيلاء . وانفرد الرجل عن المرأة بأنه إذا حلف أن لا يعاشر زوجته، وهو ما يعرف بالإيلاء، فله مهلة أربعة أشهر، فإن رجع فلا

стр. 101

بأس، وإلا يعزم الطلاق، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) وكان ابن عمر ﵄ يقول في الإيلاء الذي سمى الله: لا يحل لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو يعزم الطلاق، كما أمر الله (٢) وقد آلى رسول الله من نسائه، وكانت انفكّت رجله، فأقام في مشربة له تسعة وعشرين ثم نزل، فقالوا: يا رسول الله، آليت شهرا؟ فقال: ٦٦ - (الشهر تسع وعشرون) (٣) ولو تجاوز الأجل المقرر في الآية، فللمرأة حق المطالبة بالإمساك بالمعروف، أو العزم على الطلاق، وقد قرر الإسلام الأجل للزوج رحمة بهما، فقد يحدث الرضى في فترة الأجل، ويعود الوفاق والمودة، وفي ذلك مصلحة للزوجين دون شك، ولاسيما إذا كان بينهما الأبناء، ويحرم على الزوج تجاوز ذلك، لأن فيه ضررا للمرأة، وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك السنة والسنتين، وربما أكثر من ذلك لمضارة النساء، فجاء الإسلام بالعدل ومراعاة المصلحة، ومعنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) أي رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح فإن الله لا يؤاخذهم بتلك اليمين، بل يغفر لهم ويرحمهم، ومعنى ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

стр. 102

﴾ (١) وإن وقع العزم منهم على الطلاق والقصد له، فإن الله سميع لذلك عليم به، فمن حلف أن لا يطأ امرأته ولم يذكر مدة، أو ذكر زيادة على أربعة أشهر، كان علينا إمهاله أربعة أشهر عملا بالآية، فإن مضت فهو بالخيار: إما أن يرجع إلى نكاح امرأته وتعود الحياة الزوجية إلى طبيعتها، أو يطلقها ويكون له حكم المطلق لامرأته ابتداء. أما إذا وقّت بدون أربعة أشهر، فإن أراد أن يبر في يمينه اعتزل امرأته حتى تنقضي المدة، كما فعل رسول الله ﷺ حين آلى من نسائه شهرا، فإنه اعتزلهن حتى مضى الشهر، وإن أراد أن يطأ امرأته قبل تلك المدة المحددة حنث في يمينه، وتلزمه الكفارة، وكان عاملا بما صح عن النبي ﷺ من قوله: ٦٧ - (من حلف على يمين فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه) (٢) ولو حلف محددا بشهر، فكان الشهر تسعة وعشرين يوما، فقد وفىّ عملا بقوله ﷺ : (إن الشهر يكون تسعاً وعشرين) (٣) وليس الإيلاء طلاقا. ١١/ ٥ - المبحث العاشر: الولاية على المحارم . وانفرد الرجل عن المرأة بأن له حق الولاية على محارمه فلا تزوج إلا بإذنه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا

стр. 103

وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (١) وفيه غاية التكريم للمرأة عما كان عليه أهل الجاهلية من إهانة للمرأة وامتهان لحياتها الجنسية، وقد كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء: منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح أخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل، ونكاح رابع: يجتمع الناس كثيرا، فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممن جاءها، وهنّ البغايا، كنّ ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أراد دخل عليهنّ، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك فلما بعث النبي ﷺ بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم (٢) وأعطى الإسلام المرأة حريتها

стр. 104

من ذلك الامتهان، وأسند إلى ولييها رعاية شأنها وحفظ كرامتها، فقال ﷺ : ٦٨ - (لا نكاح إلا بِوَلِيّ) (١). ١٢/ ٥ - المبحث الحادي عشر: انتساب الأبناء إلى الآباء . وانفرد الرجل بحق انتساب الأبناء إليه ذكورا وإناثا، ولا يجوز للمرأة المطالبة بذلك، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) وقال رسول الله ﷺ : ٦٩ - (من انتسب إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (٣). المبحث الثاني عشر: زيادة النصيب في الميراث وليس مطلقا . (*) وانفرد الرجل بزيادة النصيب في الميراث خاصة ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٤) وليس للرجل ولا للمرأة المنازعة في هذا، فهو حكم العليم الخبير ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ

стр. 105

اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١) ومن نبز هذا بأنه ظلم للمرأة، فإنه يحارب الله ورسوله، فالمؤمنون لا يختارون إلا ما اختاره الله ورسوله لهم ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٢) وقد راعى الإسلام ما كلّف به الرجل تجاه المرأة، فقد يدفع دمه ثمنا لعزها وكرامتها، وما أنفقوا من أموالهم، في مهورهنّ والنفقة عليهنّ، وقد استدل جماعة من العلماء بقوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (٣) على جواز فسخ النكاح إذا عجز الزوج عن النفقة على زوجته وكسوتها، ويستنبط من قصة الرسول ﷺ أنه لما عجز عن النفقة المطلوبة اعتزلهن شهرا، حتى نزلت آية التخيير، وقد سلف بيان هذا، وهذا من تكريم المرأة، وتوفير الحياة الكريمة لها. وهذا حكم من الله تعالى، لا يعترض عليه مؤمن، وقد أخذ العلماء من هذا الحكم الرباني أن ديته كذلك ضعف دية المرأة، وأجمعت الأمة على ذلك من عهد الصحابة وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون ومن بعدهم التابعون، وكذلك أتباع التابعين ومنهم الأئمة الأربعة وأعلام الأمة المحمدية إلى يومنا هذا، ولم نعلم لهم مخالفا في ذلك، وذلك لما ميز الله به الرجل من القوامة وتحمّل أعباء الأسرة، ولأن فقد رب الأسرة وراعيها ليس أمرا هينا، فهم

стр. 106

عياله يكدّ حياته من أجل راحتهم وصيانتهم، يدرأ عنهم السوء في الدين والخلق، وليست المرأة كذلك في قوة التحمل والمعاناة، لما جبلت عليه من رقة وضعف، وقديما قالوا: أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام، وهو مثل يوحي بأهمية وجود راعي الأسرة وربها، ومن هنا أجمع علماء الأمة على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، مقايسة على ميراثها، ومراعاة لقوامة الرجل، ولأثره الكبير في حماية الأسرة، أو ضياعها حين تفقده، ولا غضاضة والله على المرأة في هذا، فقد ساواها ربها بالرجل في حالة القصاص، لأنها نفس معصومة كالرجل تماما في هذا، لكنها فارقته في مقدار الدية بما فضل الله بعضهم على بعض. وقد ابتلي المسلمون في كل زمان ومكان بظهور بعض من يشذ من العلماء فيخرجون على الناس بالغرائب، ويدّعون أنهم أتوا بما لم تستطعه الأوائل، وهو كذلك لأن ما أتوا به منكر وهم يجهلون ما تجره فتاواهم واجتهاداتهم الخاطئة على المسلمين من ضياع وتفكك، ودمار للقيم، وتخريب للمجتمع المسلم، كمن يزعم أن الحجاب عادة عربية، ولم يكن حكما شرعيا تعبد الله به النساء، ومن يفتي بجواز أخذ الفوائد الربوية، والتعامل مع البنوك والمصارف، والشركات الربوية، ومن يزعم أن الغناء على أنغام المعازف حلال، ومن يزعم أنه اكتشف أن دية المرأة والرجل سواء، معتمدا على قول شاذ، ومجهّلا علماء الأمة من عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وخارقا إجماعهم وما درجوا عليه، إن أمثال هؤلاء هم سرطان يسري رويدا في قضايا المسلمين المصيرية، ليبطل جملة من أحكامها، فماذا يقول إذا سئل عن علمه ماذا عمل به؟ ! ، نقل ابن قدامة ﵀ قول ابن المنذر , وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف

стр. 107

دية الرجل، وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أنهما قالا: ديتها كدية الرجل لقوله ﵇: ٧٠ - (في نفس المؤمنة مائة من الإبل) وهذا قول شاذ , يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي ﷺ ، فإن في كتاب عمرو بن حزم: ٧١ - (دية المرأة على النصف من دية الرجل) وهي أخص مما ذكروه وهما في كتاب واحد , فيكون ما ذكرنا مفسرا لما ذكروه مخصصا له (١). قلت: هذا والله هو الحق، وهو خير والله من الخروج عن الإجماع فيما لو لم ترد عبارة التفسير، فإنه في العبارة الأولى أطلق النفس المؤمنة، احترازا من غير المؤمنة، وأراد الرجال، ثم عقب بما يخص المرأة ليزول اللبس الوارد في الإطلاق أولا، وإن أمثال هؤلاء يطرّقون بالشذوذ، إلى كسر سور الإجماع في يوم من الأيام نسأل الله السلامة، وهم يعلمون أن مصادر التشريع أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولا غرابة فقد هاجموا نصوصا شرعية، ومن المهلكات إعجاب المرء بنفسه. ١٣/ ٥ - المبحث الثاني عشر: شهادته باثنتين وليس مطلقا . وانفرد الرجل بأن جعله في الشهادة يعدل امرأتين، إلا فيما لا يطلع عليه إلا النساء فشهادة المرأة الواحدة كافية، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢) وعلل ذلك بأن المرأة يعرض

стр. 108

لها النسيان، ليست كالرجل وهذا خبر قاطع لأنه من الخالق سبحانه وهو العليم بمن خلق، قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (١) والمراد بالضلال سببه وهو النسيان لأن من ينسى يضل عن الحق وقد ينكره، والرجل أضبط من المرأة فيما لا تمارسه المرأة ولا تتعرض له إلا نادرا، من سائر الأحوال، فكانت شهادتها أخف ضبطا من شهادة الرجل فعززت بأخرى، والمرأة أضبط من الرجل فيما تمارسه وتتعرض له من أمور النساء، فتكفي شهادة الواحدة، ووجود امرأتين في الشهادة يقلل الوقوع في النسيان إلى حد كبير، وليس هذا نفيا لنسيان الرجل ولكنه نادر في الرجال، وليس استشهادها واردا في كل شيء، إنما هو في الأموال دون غيرها، لأن الأموال كثّر الله أسباب توثيقها لكثرة جهات تحصيلها، وعموم البلوى بها وتكررها، فجعل فيها التوثق تارة بالكتابة، وتارة بالإشهاد، وتارة بالرهن، وتارة بالضمان، وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال، ولا يتوهم عاقل أن قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ (٢) يشتمل على دين المهر مع البضع، وعلى الصلح على دم العمد، فإن تلك الشهادة ليست شهادة على الدين، بل هي شهادة على النكاح، وأجاز العلماء شهادتهنّ منفردات فيما لا يطلع عليه غيرهنّ للضرورة، وعلى مثل ذلك أجيزت شهادة الصبيان في الجراح فيما بينهم للضرورة (٣).

стр. 109

١٤/ ٥ - المبحث الثالث عشر: حرمة الاستمتاع من الزوجة بالفرج في حالتي الحيض والنفاس . وانفرد الرجل بأن الله تعالى حرّم عليه إتيان المرأة في المحيض قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١) والحيض: يقال: حاضت المرأة تحيض حَيْضا ومَحِيضا، فهي حائض، وحائضة (٢) وصفه الله بأنه أذى: أي شيء يتأذى به وبرائحته، وأمر الأزواج باجتناب الزوجات في هذا الطور، وترك وطأهنّ، لا ترك المجالسة والملامسة، والنوم في الفراش الواحد، فقد كان رسول الله يجالس المرأة من نسائه وهي حائض، بل يجوز الاستمتاع بها فيما عدا الفرج أو ما دون الإزار، وقد كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك مع نسائه، قالت عائشة ﵂: ٧٢ - كان يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض (٣)، وقالت: كان يخرج رأسه إليّ وهو معتكف، فأغسله وأنا حائض (٤)، وقالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضا، فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها، أمرها أن تتزر في فور حيضتها، ثم يباشرها، قالت: وأيكم يملك إربه، كما كان النبي ﷺ يملك إربه (٥) أي أن هذا التصرف من الرجل يحتاج منه صلابة في دينه، وإلا وقع في الحرام، وروت

стр. 110

ميمونة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه، أمرها فاتزرت وهي حائض (١) ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض، وهو معلوم من الدين بالضرورة، وقد قرئ ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بالتشديد والتخفيف، والطهر: انقطاع الدم، والتطهر الاغتسال منه، فالجمهور من العلماء يقولون بمنع الجماع حتى تتطهر بالماء، أخذا بقراءة التشديد، وقال غيرهم: تحل لزوجها وإن لم تغتسل، عملا بقراءة ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وقد فصّل هذا الطبري ورجّح قراءة التشديد (٢)، والجمع بين القراءتين، وهما سبعيتان صحيحتان، أن يقال: جعلت كل قراءة غاية للطهر، فقراءة التشديد جعلت الطهر انقطاع الدم، وقراءة التخفيف جعلت الطهر الغسل، ويؤيد الغاية الثانية وهي الغسل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٣) التطهر يفيد الغسل، لا مجرد توقف الدم، وهو الحق إنشاء الله.
следующие страницы →