← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 36123

الشرح الميسر لزاد المستقنع - الحازمي - كتاب الطهارة

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (289 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[الشرح الميسر لزاد المستقنع - كتاب الطهارة]ـ المؤلف: أحمد بن عمر الحازمي مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشيخ الحازمي http://alhazme.net [ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١٦ درسا]

стр. 2

عناصر الدرس * تمهيد للدرس. * الفقه: لغة واصطلاحا. * الحكمة من الافتتاح بكتاب الطهارة. * شرح الترجمة. * الطهارة: لغة واصطلاحا. * أقسام المياه، أدلة التقسيم. * إزالة النجاسة لا تكون إلا بالماء الطهور، دليل المسألة. * قوله: "وهو الباقي على خلقته". * التغير في باب المياه على نوعين: ممازجة، مجاورة. * أنواع الماء الطهور. الحمد رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد نشرع في هذا اليوم بإذن الله تعالى في دراسة متن من المتون المهمة جداً وهي متعلقة بعلم الحلال والحرام كما هو معلوم قد شرع في تدريس هذا المتن وهو زاد المستقنع لكن كان على جهة التوسع وجهة النظر في المذاهب الأربعة ورغب الكثير في أن نشرع في جهة الاختصار وما يتعلق بالمتن وكما ذكرت أن هذا المتن متعلق بعلم مهم وهو علم الحلال والحرام، علم الحلال والحرام يفتقر إليه المحتاج كل مسلم سواء كان عالما أو طالب علم أو كان عامياً لأن متعلقة أفعال العباد يعني ما من حكم من أفعال العباد إلا وله حكم شرعي بين الله عزوجل من حيث التحريم ومن حيث الإيجاب ومن حيث الكراهة والاستحباب والإباحة فكل فعل يصدر منك أنت يا أيها المكلف الله عزوجل له حكم فيه بل كل ترك يصدر منك يا أيها المكلف الله عزوجل له حكم شرعي الأحكام كما تعلمون خمسة الواجب والمستحب والمحرم والمكروه والمباح حينئذٍ إذا تقرر هذا علم الطالب أهمية هذا العلم أنه لابد من العناية به ولابد من حفظه ومن مذاكرته والبحث في كتبه ومناقشة طلاب العلم ومراجعة أهل العلم من أجل أن يتقرر الحكم الشرعي الذي يقال بأن الله تعالى حكم في هذه المسألة بكذا هذا ليس بالأمر الهين بأن يقال حكم الله تعالى في مسألة كذا بكذا لأنه ثَمَّ خلاف بين أهل العلم في مسائل الفقه على مرتبتين منه ما هو مجمع عليه ومنه ما هو مختلف فيه المجمع عليه في الغالب أنه يستوي فيه طالب العلم وغيره يعني العامي يعلم كثير من الأحكام المقطوع بها كوجوب الصلوات الخمس والصيام شهر رمضان والحج والزكاة ونحو ذلك وقطيعة الرحم من حيث التحريم وصلة الرحم من حيث الإيجاب هذه كلها يستوي فيها طالب العلم مع العامي فلا ينفرد بها العالم أو طالب العلم عن غيره والنوع الثاني وهو الذي يحتاج إلى مجاهدة ويحتاج إلى نظر ويحتاج بحث وهو المسائل المختلف فيها بين العلماء والخلاف الكائن بين المذاهب الأربعة في الغالب هو خلاف قد وقع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم لأنه لا يصح ولا يجوز عند جمهرة أهل العلم أن ينشئ خلاف أو قول لم يقل به أحد من الصحابة وما من خلاف قد وقع في المذاهب الأربعة إلا وثَمَّ قائل به من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين إذا تقرر هذا حينئذٍ تكون العناية بهذا الكتاب على جهة التقرير والاختصار ونحاول مع ذلك يسهل الشرح وأن ينظر في المسائل دون النظر في العمق في تصوري المسائل على ما أرده أهل العلم وإن كان الأولى بطالب العلم أن يفهم المسألة على وجهها على وجه التمام لكن لقصور الهمم في هذا الزمن كما ذكر المصنف إذا الهمم قد قصرت وهذا في زمانه ونحن إن لم تنعدم فهي أشد قصوراً من ذلك الزمن ولا الأصل بطالب العلم أن يأخذ المسألة على وجهها بمنطوقها ومفهومه وحدودها وشروطها ووجه الاستدلال من ذلك الدليل لهذه المسألة هذا هو الأصل لكن الناس في شغل عن تحقيق هذه المطالب فصارت هذه المطالب فيه نوع صعوبة بل صد عن العلم كما يزعمه البعض، ولذلك سنقف على كلام المصنف ونبين ما حواه من حيث

стр. 3

المنطوق وما أشار إليه من حيث المفهوم ثم دليل المسألة فما كان راجحاً في كلام صاحب الزاد حينئذٍ لا نتطرق لغيره وما كان مرجوحاً لابد أن نبين القول الراجح بدليله والفقه من حيث هو علم ليس بالسهل وليس كل ما وجه طالب العلم من صعوبة في العلم قال هذا صعب فأتركه أمشي عنه نقول هذا لا ينبغي لطالب العلم وإنما ينظر في العلم الشرعي بنظر الطالب الذي يريد أن يحقق فيه المطالب العالية بأن يكون إماماً بأن يكون عالماً جامعاً للفنون وأما مجر الثقافة وأخذ المعلومات نقول هذا أمر لا ينبغي أن يكون طالب العلم على نمط يشير إلى أنه لا يرد من العلم إلا هذا الذي يذكره وإلا لو أراد أن يقرأ قراءة مجردة وتعليق نقول طالب العلم يجلس في بيته ويقرأ ويفهم لأن المعني العامة واضحة لو أخذ أدنى شرح في زاد المستقنع أو غيره من الفنون في الكتب المؤلفة في سائر الفنون يستطيع الطالب أن يفهم فهماً عاماً إذا كان الطالب يريد هذا الفهم العام فليجلس في بيته ولا يتعب نفسه وإنما لابد من نظر في المسألة وتقليبها ومعرفة اصطلاح الفقهاء في ذلك دون تعمق كما ذكرنا سابقاً والمتن هذا الذي هو مختصر المقنع للعلامة ابن النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى المقدسي الحجاوي بفتح الحاء أشتهر بالحجاوي نسبة إلى قرية حجا وهي قرية من قرى نابلس توفي سنة ٩٦٨هـ ثم الصالحي الدمشقي بدء رحمه الله تعالى كتابه (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً لا ينفد أفضل ما ينبغي أن يحمد) فقد شرع بالبسملة والكلام في البسملة يطول وقد ذكرنا كثيراً ما يتعلق بها في شروح أخرى (الحمد لله حمداً لا ينفد) نتكلم في المقدمة بما يحل المعني العامة ثم نلج في كتاب الطهارة، (الحمد لله) هو ذكر محاسن المحمود كما قال ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى له تعاريف وفيها نظر ولكن أكثر ما يذكرون من التعاريف فيه نظر والأحسن أن يعرف الحمد بأنه ذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه وإجلاله ذكر صفات أو محاسن المحمود مع حبه المعية هنا لابد منها فإن تجرد عن الحب والتعظيم فهو مدح لا حمد فالمدح والحمد يشتركان في أن كلاً منهما إخبار عن محاسن المحمود فقد تذكر محاسن المحمود وتحبه يعني اجتمع فيه المحبة مع الذكر وقد تذكر محاسن المحمود وأنت تبغضه لأنك ذكرتها من أجل مجاملة ونحو ذلك هذا الثاني مدحاً لا حمد فإن تجرد ذكر المحاسن عن المحبة والتعظيم والإجلال فهو مدح لا حمد إذاً اشتركا وافترقا (لله) اللام هنا للجنس اللام هنا لاختصاص أو العهد أو الاستحقاق وكلها معاني مطلوبة في هذا الموطن إذاً شرع كتابه بـ (الحمد لله) وهذا فيه تأسي بالنبي ﷺ حيث كان يبدأ الخطب ونحوها (إن الحمد لله نحمده ونستعينه) وهو سنة كما ذكر أهل العلم فيستحب لكل دارس ومدرس ومتعلم ومعلم ومتزوج وخاطب وكل ذلك أن يبدأ كلامه بالحمد لله، قال (حمداً لا ينفد) حمداً هذا بالنصب مفعول مطلق يعني إعرابه مفعول مطلق مبين لمعنى الحمد لأنه وصفه بما بعد بقوله (لا ينفد) حمداً هذا منصوب والعامل فيه محذوف أولى من جعله الحمد لأن الحمد مصدر محل بأل فإذا كان المصدر محل بأل فإعماله ضعيف كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى وأما إن كان

стр. 4

مجرداً عن أل ونون حينئذٍ نقول إعماله قياس فصيح وأما إن كان محل بأل فهو ضعيف إذاً حمداً كأنه الحمد لله أحمده حمداً، حمداً هذا معمول لفعل محذوف (لا ينفد) بالدال المهملة وفتح الفاء ماضيه نَفِدَ أي لا يفرغ (أفضل ما ينبغي أن يحمد) أفضل اسم تفضيل ينبئ عن زيادة الفضل أفضل وزيد أعلم من عمرو فزيد وعمرو كلهما اشتركا في أصل الوصف وهو العلم إلا أنه أشير إلى أفضل التفضيل إلى أن علم زيد أفضل من عمرو، واضح هذا؟ زيد أعلم من عمرو أفضل التفضيل هنا على بابه بمعنى أنه دل على ما هو مفضل وما هو مفضل عليه، والحمد يتفاوت بعضه أفضل من بعض ولذلك حمد المرسلين ليس كحمد سائر الخلق ولذلك قال هنا أفضل اسم التفضيل ينبئ بزيادة الفضل (ما ينبغي أن يحمد) ما ينبغي يعني يطلب أن يحمد أي يثنى عليه لأن كما ذكرنا أن الحمد هو ذكر محاسن والذكر هو الثناء وأفضل منصوب على أنه بدلاً من حمداً أو صفته أو حال منه وما موصول اسمي أو نكرة موصوفة والتقدير أفضل الحمد الذي ينبغي أو أفضل حمداً ينبغي حمده به إذاً أشار بهذه الجملة الأخيرة إلى كمال الحمد وأشار بقوله لا ينفد إلى استمرار الحمد حينئذٍ وصف الحمد بوصفين الأول لا ينفد وهو يفيد الاستمرارية والثاني وهو بقوله أفضل ما ينبغي أن يحمد وهو يفيد كمال النوعية حينئذٍ اجتمع فيه هذان الوصفان، لما أثنى على الله تعالى عقبه بالثناء على أفضل البشر وهو نبينا محمد ﷺ وأفضل الخلق على الإطلاق ... نبينا فمل عن الشقاق

стр. 5

(وصلى الله) هذه جملة خبرية لفظاً إنشائية معنى يعني المراد اللهم صلي هي دعاء لكنه عبر بـ (صلى) فعل ماضي والفعل الماضي يدل على وقوع الحدث في زمناً قد مضى حينئذٍ ما المراد بهذه الجملة نقول هذه الجملة خبرية لفظاً إنشائية معنى بمعنى أن المراد بها هو الدعاء كأنه قال اللهم صلي على محمد (وصلى الله) الصلاة من الله تعالى كما قال الأزهري وهو المشهور عند المتأخرين الرحمة والمراد بالرحمة هنا المقرونة بالتعظيم ومن الملائكة الاستغفار ومن الآدميين التضرع والدعاء أكثر المتأخرين على اختيار هذا المعنى للصلاة وابن القيم رحمه الله تعالى له بحث نفيس واعترض على هذا من عدت أوجه وقال بل الصلاة من الله تعالى ما قاله أبو العالية وعلقه البخاري في صحيحه ثناؤه على عبده في الملاء العلى وصلاة الملائكة عليه كذلك ثناؤهم عليه وكذا الآدميون يعني سؤالهم من الله تعالى أن يثني عليه وأن يزيده تشريفاً وتكريماً هذه الصلاة من حيث المعنى وهو ظاهر بما أطلقه أو علقه البخاري رحمه الله تعالى (وسلم) هذه معطوفة على صلى وهو كذلك جملة خبرية لفظاً إنشائية معنى بمعنى اللهم سلم فهي دعاء (وسلم) مأخوذ من السلام بمعنى التحية السلام عليكم التي هي معروفة أو السلامة من النقائص وهو ذلك أو السلام الذي هو الأمان ضد الخوف ومعلوم أو من المقرر في قواعد الشريعة عند كثير من المتأخرين أن اللفظ الشرعي إذا احتمل عدة معاني ولم يكن تنافي بين هذه المعاني أنه يحمل عليها هذا قاعدة عند كثير من المفسرين فلا يخص اللفظ بمعنى دون معنى لماذا؟ لأن اللفظ في استعمال الشرع أنما يراد به الحقيقة اللغوية هذا هو الأصل إلا إذا بين الشارع أن له حقيقة في الشرع صار حقيقة شرعية فإذا أطلقة لفظ الصلاة حينئذٍ ينصرف إلى الحقيقة الشرعية التي أوقفها أو جعلها الشارع حقيقة لذلك المعنى وهو أفعال وأقوال إلى آخره، وأما إذا لم يكن له حقيقة شرعية حينئذٍ يحمل على المعنى اللغوي ولا شك أن المعنى اللغوي قد يكون متعدداً يقال هذا اللفظ يستعمل في كذا وكذا وكذا حينئذٍ بما نخص المعنى الشرعي بواحد من هذه المعاني أو بمعنيين أو بالمعاني كلها إن قلت بواحد من المعاني طالبناك بالدليل لأنك خصصت هذا اللفظ معنى دون آخر فقلت المراد به كذا دون كذا فأثبت معنى للفظ ونفيت معنى أو معاني حينئذٍ إذا جيئت بدليل قبل منك ذلك وإن لم تأتي بالدليل صار هذا من قبيل التحكم ولذلك القاعدة أن يحمل اللفظ الشرعي على المعاني اللغوية كلها إذا لم يكن بين هذه المعاني تنافي يعني تعارض تناقض فإذا كان ثَمَّ تعارض لابد من المرجح ولا وجد له في الشرع يعني لا يوجد عندنا لفظ مشترك بين معاني متنافي وليس ثَمَّ ما يرجح هذا على ذاك

стр. 6

ثم قال (وصلى الله وسلام على أفضل المصفين محمد) هذا بلا شك (على أفضل) هذا متعلق بصلى صلى على أفضل، أفضل كما ذكرنا سابقاً اسم تفضيل يدل على زيادة فضل و (المصطفين) أو المصطفون جمع مصطفى والمراد به المختار لأنه مشتق من الصفوة وهو الخالص من الخلق الصفوة من كل شيء خالصه وطاؤه من قلبة عن تاء كما قال الشارح وقوله محمد (على أفضل المصطفين) من هو قال (محمد) هذا إعرابه عطف بيان لأنه قد لا يعرف السامع أن أفضل المصطفين هو محمد، لأن مصطفى ليس خاصاً بالأنبياء والرسل بل قد يكون مشترك بين الأنبياء والرسل وغيرهم حينئذٍ قوله محمد هذا يعتبر عطف بيان (وعلى آله) أي أتباعه الصلاة على الآل كذلك السلام يكون تبعاً للصلاة على النبي ﷺ وكذلك السلام عليه وهل ورد نص في ذلك؟ نعم ورد نص ولذلك جاء في التشهد (اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد) ويفسر الآل هنا بالأتباع على الدين وأطلاق الآل على الأتباع هذا وارد ولذلك قال الله تعالى في شأن في فرعون (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) آل فرعون يعني فرعون وأتباعه فأطلق الآل هنا على الأتباع إذاً على آله أي أتباعه على دينه نص عليه أحمد وعليه أكثر الأصحاب، هنا أضافه إلى الضمير وهو جائز على قول الجماهير وأنكره ومنعه الكسائي والنحاس وغيرهما والصواب هو الإضافة (وأصحابه) هذا عطف على الآل جمع صاحب بمعنى الصحابي والصحبة من حيث المعنى اللغوي تدل على الملازمة لا يسمى الصاحب صاحباً إلا إذا كان ملازماً له وأما مجرد الاتقاء خمس دقائق أو أقل من ذلك فلا يسمى صاحباً في اللغة ولا في عرف الناس ولكن لشرف النبي ﷺ ومكانة النبوة والرسالة أعطي كل من رآه أو اجتمع به وإن قل من زمن وإن لم يسمعه حديث ولو رآه عن بعد ولم يروي عنه أو يلازمه يسمى ماذا؟ يسمى صحابيا وهذا مخالف لما عليه أهل اللغة وكذلك العرف وهذا لشأن النبي ﷺ على جهة الخصوص ولذلك يعرف الصحابي بأنه من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمن به ومات على ذلك حد الصحابي مسلماً لقي الرسول ... وإن بلا رواية عنه وطول

стр. 7

فلا يشترط فيه الرواية عنه وعطفهم على الآل من عطف الخاص على العام لما قال وآله وأصحابه الصحب هنا عطف على الآل ولا شك أنه من الأتباع الصحب أليس كذلك؟ حينئذٍ أول من يدخل في قوله وعلى آله هم أصحابه لأنهم أدركه ﵊ حينئذٍ يكون عطف الأصحاب على الآل من عطف الخاص على العام قال (ومن تعبد) هذا تعميم بعد تخصيص والصحيح أنه يجوز عطف العام على الخاص لأن الذي تعبد منهم الآل ومنهم الصحب حينئذٍ عطف العام على الخاص وهذا جائز وهو محل خلاف عطف الخاص على العام هذا محل وفاق بين الأصوليين وأهل اللغة وأما عطف العام على الخاص هذا محل خلاف والصحيح جوازه (ومن تعبد) يعني الذي تعبد من هنا موصولة تعبد فعل ماضي مشتق من العبادة؛ العبادة كما هو معلوم في اللغة التذلل والخضوع وفي الشرع ما حدها؟ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، هذا باعتبار الآحاد والأفراد (ومن تعبد) أي عبد الله تعالى إذاً في هذه حمد الله تعالى الخالق جل وعلا ثم أثنى على أفضل الخلق ثم عمم تلك الصلاة على الآل وعلى الصحب وعلى من تعبد، وأما الآل كما ذكرنا أنه جاء النص فيه وأما الصحب فهذا لم يأتي فيه نص بالصلاة والسلام عليهم وإنما يذكرن تبعاً لشرف ومنزلة الصحابة لأنهم حفظ لنا الدين حينئذٍ تكون الصلاة والسلام عليهم من جهة التبع يعني إذا ذكر الآل عطف عليهم ومن تعبد هذا كذلك يشمل الصحب والآل ومن عداهم إلى زماننا هذا حينئذٍ نقول هذه صيغة عموم وتدل على العموم والشمول حينئذٍ لا دليل من حيث إثبات الصلاة والسلام إلا أنه إذا عطف العام على الخاص وكان الخاص مما جاء به الشرع بالصلاة والسلام حينئذٍ يثبت الحكم تبعاً لا استقلالاً ولذلك كل من عدا الأنبياء والمرسلين الأصل لا يصلى عليهم هذا هو الأصل إلا ما جاء النص فيه وهم الآل ومن عداهم فالأصل عدم الصلاة والسلام عليهم إلا إذا ذكروا تبعاً يعني كما هو الشأن في هذا الموضع أما على جهة الاستقلال فإن كان على جهة الديمومة الاستمرار فهو ممنوع يعني لا يقال أحمد بن حنبل ﷺ يعني لا يجعل له شعار كلما ذكر الإمام أحمد قيل ﷺ قل هذا لا هذا ممنوع لأن الصلاة شعار للأنبياء والمرسلين وإن كان على جهة القلة لا على الدوام قيل مرة أو مرتين أحمد بن حنبل ﷺ قل هذا جائز لأنه لم يذكر على جهة الدوام (أما بعد) هذه كلمة يأتي بها للانتقال من المقدمة إلى الشروع في المقصود أي بعد ما ذكر من حمد الله والصلاة والسلام على رسوله وهذه الكلمة يستحب أن يأتي بها في الخطب والمكاتبات اقتداء به ﷺ (أما بعد فهذا) الفاء هذه واقعة في جواب الشرط والسنة أن يأتي بها كما لفظها النبي ﷺ أما بعد وقد شاع عند المتأخرين حذف أما والإتيان بالواو بدله وبعد هذا لم يكن ممتثلاً ليس مصيباً للسنة إنما السنة أن يأتي بهذا اللفظ (أما بعد فهذا) الفاء هذه واقعة في جواب الشرط لأن أما متضمنة لفعل الشرط إذ هي نائبة عن مهمه، أما كمهمه يكن كشيء وفا ... ............ ،

стр. 8

هكذا قال ابن مالك رحمه الله تعالى (فهذا) اسم إشارة والأصل في المشار إليه أن يكون محسوساً مدركاً بالحس ولكن قد ينزل المعقول منزلة المحسوس لقربه من الوجود وملا كان هذا الكتاب وهذا كان قبل يعني بدء بالمقدمة قبل أن يشرع في الكتاب (فهذا) يعني كأنه حضر الكتاب في ذهنه من أوله إلى آخره وأشار إليه باسم الإشارة حينئذٍ نزله منزلة الموجود وإن كان بعد كتابة الكتاب حينئذٍ صار محسوساً ولذلك قال الشارح إشارة إلى ما تصوره في الذهن وأقامه مقام المكتوب المقروء الموجود في العيان لأنه مخالف للأصل واستعماله في غير المحسوسات يعتبر مجازاً عند أهل المجاز أما بعد فهذا مبتدأ مفتعل من الاختصار أي موجز والاختصار هو ما قل لفظه وكثر معناه وقد شاع عند الكثيرين أهل العلم قاطبة عند أهل العلم قاطبة أنهم جعلوا العلم في مختصرات هذا من رحمة الله بهذه الأمة بأن هيأ لهم أسباب العلم بأن جعل في مثل هذه المختصرات لأنها مفتاح بمعنى كلمة مفتاح بما أنك لا تدخل بيتك إلا بمفتاح إذا كان البيت مصوناً حينئذٍ كذلك العلم لا تدخله إلا بمفتاح ومفتاح العلم هذه المختصرات ومن ولج العلم من غير المختصرات هذا لن يصل المراد حينئذٍ وإنما سيكون مثقفاً ويكون ناقلاً للعلم لا عالماً ولذلك المختصرات ينبغي العناية بها وينبغي مدارستها ولو بقي طالب العلم عشرات السنين وهو معتكف على المختصرات لما كان ضياعاً لوقته كما يظنه بعض الجهلة وممن لا يعرف طريق الطلب والتحصيل (مختصر) أي موجز وهو ما كثر لفظه وقل معناه والغالب في المختصرات أن فيها نوع صعوبة بمعنى أن الكلام فيها يكاد أن يكون شبيهاً باللغز لا يصل إلى درجة الألغاز وإنما يكون فيه نوع صعوبة وهذا أمر أراده أهل العلم لأن هذه المختصرات سلم إلى العلم طريق موصل إلى العلم والعلم لا يأتيه الأغبياء ألبته لا يناله الأغبياء ولذلك تمييز لهذه الأصناف لأن المقبل على العلم قد يقبل عليه بعاطفة وكثير ممن يقبل بعاطفة يرجع من حيث بدء يعني يبقى عمره ويذهب ويأتي ويشتري ويظن أن مجرد حضور مجالس العلم وأن مجرد مسك الكتاب أو جمع الكتب والأشرطة أن هذا هو العلم؛ العلم لابد من جهاد ولابد من الحفظ ولابد من معانة الحفظ ومعانة الفهم والوصول إلى الغاية التي من أجلها جعل أهل العلم هذه المختصرات وهو إدراك المسائل على الوجه الذي أثبته أهل العلم وأما أن يكون همة طالب العلم كما ذكرنا سابقاً أنه يتثقف هذا يمكن أن يحصله من المعلومات التي تكون أشبه بالمختصرات المعاصرة أو الكتب الثقافية ونحو ذلك إذاً قوله (مختصر في الفقه) الفقه هذا احترازاً من غيره بمعنى أن هذا المختصر في علم وهو علم الحلال والحرام والفقه في اللغة هو الفهم وهو إدراك معنى الكلام (يفقهوا قولي) أي يفهموا قولي (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) يعني لا تفهمون تسبيحهم، وأما في الاصطلاح فالفقه عند الفقهاء هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، العلم واضح أنه إدراك معلوم الأحكام الشرعية التي هي الواجب والمحرم والمستحب والمكروه والمباح وهذه كما ذكرنا أنها متعلقة بأفعال العباد ولذلك قالوا العملية من العلمية وهو الإعتقادية فثَمَّ نظران إما أن ينظر إلى

стр. 9

المعتقد وإما أن ينظر إلى العمل ما يتعلق بالمعتقد هذا هو العقيدة وما يتعلق بالعمل هذا هو الفقه حينئذٍ كل فعل من أفعال العباد متعلق به الأحكام الخمسة التي ذكرناه سابقاً ولذلك موضوع علم الفقه هو أفعال العباد من حيث إثبات الأحكام الشرعية لها أو نفيها عنها من أدلتها التفصيلية هذا احترازاً من أصول الفقه لأن البحث فيه يكون بحثاً في الأدلة الإجمالية للفقه إذ الدليل نوعان دليل إجمالي ودليل تفصيلي، دليل إجمالي كقول الأصوليين مقتضى الأمر يدل على الوجوب مقتضى الأمر صيغة افعل تدل على الوجوب حينئذٍ هذه لا تتعلق بصلاة ولا بصيام ولا بزكاة ولا بأي فعل من أفعال العباد هذه قاعدة عامة وهي دليل فقه تثبت به من الأحكام أحكام المسائل ما لا حصر له وأما الدليل الجزئي وهو ما يتعلق بفعل من أفعال المكلف قول الرسول ﷺ (لا يبلن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه) هذا دليل جزئي متعلق بمسألة واحدة وهي بول المكلف في ماء دائم لا يجري قوله من أدلتها التفصيلية يعني التي تذكر تفصيلاً لكل مسألة، مسألة وهنا انتبه حذفنا من التعريف المكتسب وهذا شاع في كتب كثير من المتأخرين العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب احترازا من القطعي لأن القطعي عندهم لا يسمى فقه والصواب أنه يسمى فقه (مختصر من) مختصر في الفقه يعني هذا الذي ذكرناه سابقاً وحده ما ذكرناه وموضوعه أفعال المكلفين واستمداده من الكتاب والسنة والقياس والإجماع هذا البحث الذي هو المختصر يتعلق بأفعال المكلفين من حيث الأحكام الشرعية الثابت لها ثم مصدر هذه الأحكام أربعة وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس ولذلك من المستحسن أن يقدم طالب العلم متناً فقهياً على متناً حديث ليس من حيث المنزلة والأهمية ولكن من حيث تصوير المسائل لأن أحاديث الأحكام أو الكتب المؤلفة في أحاديث الأحكام إنما تعتني بذكر مصدر واحد من مصادر الفقه وهو السنة فقط ولذلك لا تذكر فيه آية الكتاب من أوله إلى آخره لا تذكر فيه آية واحدة وليس هذا منعاه أن القرآن ليس مصدر من المصادر الأحكام الشرعية الفقه وإنما كونه اقتصروا على نوع واحد من أدلة الفقه ثم كذلك لا تذكر فيه الإجماعات ولا القياسات حينئذٍ اقتصروا على نوع واحد وفاته الكثير من الأحكام الشرعية التي هي مستندة على آية أو إجماع أو قياس صحيح فإذا درس الطالب متناً فقهياً حينئذٍ ما من مسألة تذكر إلا يذكر لها دليل إما من كتاب فقط أو من سنة فقط أو من إجماع فقط تكون بعض المسائل ليس فيها إلا إجماع وبعض المسائل ليس فيها دليل لا من كتاب ولا سنة وإنما فيه قياس صحيح هذه لا تكون موجودة واشتمل عليها كتاب معين إلا في المختصرات يكون عنده تصور في الباب كامل يعني من أوله إلى آخره بمسائله التي ثبتت بالكتاب أو بالسنة أو بالإجماع أو بالقياس بخلاف المتون الحديثية وهي على أهميتها ولا يستغني عنها طالب العلم وليس ثَمَّ تعارض بين المنهجين المنهج الفقهي والمنهج الحديث وإنما كل منهما مستند للآخر المحدث لابد له من الفقه والفقهية لابد له من معرفة الحديث قال (من مقنع الإمام الموفق أبي محمد) يعني هذا الاختصار الذي صنعه الحجاوي رحمه الله

стр. 10

تعالى ليس ابتداء من عنده بأن جمع كتب المذهب ونظر فيها واختصر وإنما هو متعلق بكتاب قد شاع وذاع في ذاك الزمان وهو كتاب المقنع وهو كتاب متوسط هو الذي كان يحفظ قبل وجود الزاد كتاب متوسط يذكر فيه الموفق القولين والرايتين والوجهين والاحتمالين في المذهب دون ذكر للأدلة والتعليل إلا نادراً وإنما يذكر ما ذكرناه سابقاً وأراد المصنف أن يختصره على قول واحد قال (من مقنع) أي من الكتاب المسمى بالمقنع وهو تأليف الإمام المقتدى به شيخ المذهب الموفق أبي محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي توفي سنة عشرين وست مئة وقوله الإمام أي المتبع إذ لم يكن في نفسه كذلك لأن المتبع هنا هو الإمام أحمد لأنه أراد أن يصنف في مذهب والمذهب هنا مقيد بمذهب الإمام أحمد وإمامه المتبع هو الإمام أحمد على ما جرى عليه الاصطلاح عند المتأخرين (من مقنع الإمام الموفق أبي محمد على قول واحد) يعني حالة كون هذا المختصر على قولين واحد وهو أي القول الواحد الذي يذكره ويحذف ما سواه من الأقوال (هو الراجح) الراجح يعني المعتمد الراجح من القولين إذ ثَمَّ روايات وأقوال وأوجه حينئذٍ لابد من واحد منها هذا يوجب هذا يستحب هذا يحرم هذا يكره هذا يبيح ولا يمكن أن يكون المذهب كل هذه الأقوال لابد من معرفة ما هو الراجح في المذهب (وهو الراجح) أي من القولين أي المعتمد في مذهب أحمد يعني في مذهب إمام الأئمة وناصر السنة أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المذهب مفعل يعني وزنه مفعل وهو في اللغة يطلق ويراد به المصدر الميمي؛ يعني الذهاب الطريق الذي ذهبت فيه أو ذهابك أنت أو مفعل والمراد به الزمن أو المكان وليس المراد به هنا لا الزمان ولا المكان وإنما المراد به المصدر ثم اصطلاح الفقهاء في أطلق لفظ المذهب على ما قاله المجتهد بدليل ومات قائل به، ما قاله المجتهد وشروط المجتهد يذكرونها في كتب الأصول بدليل يعني لا مجرد هوى هذا بعيد أن يقوله إمام يتكلم في الشرع ويأتي بأقوال مبناها على الهوى والتحكم وإنما يكون دليلاً عنده ولا يلزم أن يكون دليلاً عنده أن يكون دليلاً عند غيره ولذلك الخلاف صايغ في كثير من المسائل أعتبر أنا هذا دليلاً وأنت لا تعتبره دليلاً إذاً بدليل عنده عند القائل به ومات قائل به فإن رجع قبل موته إلى دليل آخر فالأصل أن المتأخر هو قوله وهذا سنة أهل العلم أنهم قد يقولون ثم بعد ذلك يرجعون عن قولهم لأنه إذا بان لهم السنة وبان لهم الحق لا يحل لمسلم ألبته فضلاً على أن يكون إماماً ومجتهداً أن يصر على قوله السابق مع ظهور الحق مع غيره إذاً هذا الكتاب مختصر من مقنع هذا أولاً هذه فائدة وهو كتاب جليل عظيم في ذاك الزمن ثم هو في مذهب الإمام أحمد والإمام أحمد فقيه محدث من كبار فقهاء المحدثين ثم هو مختصر كذلك ثم هو على قول واحد يعني فيه اختصار مع الاختصار ثم هو القول الراجح يعني القول المعتمد وهذا إنما يذكر القول الراجح يعني المعتمد في المذهب للمقلدة ثَمَّ ما هو مقلد يتبع غيره ويرى أنه لا يحل له أن يجتهد ألبته وهذا موجود عند كثير من المتأخرين وهو قول فيه تفصيل بمعنى أنه إن كان تقليده إن كان المقلد ليس أهلا أن ينظر في نصوص

стр. 11

الوحيين ويرجح بين الأقوال فهو كذلك فواجبه حينئذٍ التقليد كالعامة وطلاب العلم المبتدئين لا يحل لواحد منهم أن يجتهد إذا لم يكن أهلاً للاجتهاد وكونه طالب علم مبتدئ معناه أنه عامي وإنما تميز بالابتداء بكونه قد نوى العلم وإلا هو مازال في عاميته حينئذٍ لا يحل له أن يرجح قولاً على قول وواجبه حينئذٍ هو التقليد قال تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) قسم هنا الناس قسمين سائل ومسئول والسائل جاهل كأصله وأمره أن يتجه إلى أهل الذكر يعني العلماء فيسألهم عما يجهله (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، وأما إن كان عنده أهلية في النظر هذا يحرم عليه التقليد ألبته لأنه إنما الواجب عليه أن يعرف الحق بنفسه بأن يبتع ولا يقلد حينئذٍ إذا وقع في التقليد فقد وقع في محرم وهو محرم عليه حينئذٍ صار مرتكب لما هو محرم وهذا كما ذكرنا أنه يكون عليه الاجتهاد قال (وربما حذفت منه) يعني من المقنع ربما تقليل حذفت منه يعني من المقنع (مسائل) جمع مسألة من السؤال وهو ما يبرهن عنه من العلم (مسائل نادرة الوقوع) يعني نادرة الوقوع لعدم شدة الحاجة إليها لأن مسائل الفقه على نوعين مسائل يفتقر إليها كل الناس ومسائل لا يفتقر إليها كل الناس، ما افتقر إليها كل الناس يعني الخاصة والعامة حينئذٍ هذا ينبغي العناية به كالأحكام الوضوء وأحكام الغسل ووصفة الصلاة ينبغي العناية بها ومعرفة القول الراجح فيها والنوع الثاني قد لا يحتاجه كل الناس وإنما يتعلق ببعض دون بعض هذا قد يكون فرض كفاية وقد لا يكون فرض كفاية إن كان فرض كفاية فهذا يتعلق بالبعض دون بعض كذلك يعتني بها طالب العلم وما لم يكن كذلك قد يكون في المسائل النادرة في الوقوع بأنها لا تقع إلا في زمن دون زمن فهذه العناية بها تختلف من زمن إلى زمن فما وجد به تكون العناية به من أهل العلم وما لم توجد تكون العناية بغيره تكون أولى (نادرة الوقوع وزدت على ما مثله يعتمد) وزده يعني على ما قال في المقنع من المسائل والأحكام ما أي مسائل على مثله يعتمد أي يعتمد على مثله والاعتماد هنا التعويل أي يعول لأنه موافق للصحيح (إذ الهمم قد قصرت والأسباب عن نيل المراد قد كثرت) إذ للتعليل يعني لماذا اختصرت؟ ولماذا لم تترك الناس يحفظون المقنع كما هو الجادة في ذاك الزمان قال (إذ الهمم) جمع هِمه أو هَمه بالفتح والكسر يقال هممت بالشيء إذا أردته ماذا بالهمة قصرت يعني ضعفت صار فيه نوع عجز هذه الهمم تختلف من زمن إلى زمن (والأسباب المثبطة) أسباب أفعال جمع سبب وهو ما يتوصل به إلى المقصود (المثبطة) يعني المقعدة أو المشغلة (عن نيل) يعني إدراك (المراد) المقصود من العلم (قد كثرت) في ذلك الزمان، إذاً لقصور الهمم أختصر ولكثرة الأسباب المثبطة يعني العوائق عن طلب العلم كثرة المشاغل كذلك أختصره (ومع صغر حجمه حوا ما يغني عن التطويل) يعني هذا المختصر مع حجمه الصغير من إضافة الصفة إلى الموصوف حوا أي جمع ما يغني عن التطويل يعني عن الزيادة فإذا اكتفى به طالب العلم مكنه من النظر في المطولات لاشتماله على جل المهمات التي يكثر وقعها ولو بمفهومه ثم قال (ولا حول ولا قوة إلا بالله) أي لا تحول من حال إلى حال

стр. 12

ولا قوة على ذلك إلى بالله هذا المعنى هو الأصح وقيل لا حول عن معصية الله إلى طاعته إلى بمعونته وهذا المعنى مرجوح والأول هو الأعم والأشمل (وهو) أي الله هو (حسبنا) أي كافينا (ونعم الوكيل) أي المفوض إليه تدبير خلقه جل وعلا، إذاً هذه مقدمة وذكر فيها ما ذكر. ثم قال رحمه الله تعالى (كتاب الطهارة) هذا شروع منه في أول أبواب الفقه وهو ما يعنون له بكتاب الطهارة وقدم كتاب الطهارة مع أن الصلاة أهم لأن الصلاة ركن من أركان الإسلام ومجمع على أن تارك الصلاة كافر المقصود بالإجماع هنا إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين وقدمت الطهارة هنا لكونها وسيلة وشرطاً لصحة الصلاة ولا يمكن إيقاع الصلاة على وجهاً صحيح إلا بالعلم بأحكام الطهارة ولذلك درج الفقهاء على تقديم الطهارة لأهميتها لكون الصلاة لا تصح إلا بطهارة كتاب الطهارة كتاب فعال بمعنى مفعول أي جامع أو مجموع لأحكام الطهارة من بيان ما يتطهر به وله ومنه وكيفية الطهارة هذه جملة أبواب ما يذكر في كتاب الطهارة يعني سيذكر لك المصنف هنا ما يتطهر به ويذكر لك ما يتطهر منه وله وكيفية الطهارة هذه أبواب أربعة الأول ما يتطهر به وهو الماء أو التراب وهو بدل عن الماء ثانياً ما يتطهر له يعني ما تشطر له الطهارة كالصلاة والطواف ومس المصحف ونحو ذلك ما يتطهر منه وهو ما يعنون له باب نواقض الوضوء وكيفية الطهارة يعني صفة الطهارة الصغرى وهو الوضوء والكبرى وهو الغسل من الجتابة ونحوها إذاً كتاب الطهارة يعني هذا كتاب جامع أو مجموع لبيان أحكام مسائل الطهارة وكيفيتها الطهارة فعالة وهي في اللغة النظافة والنزاهة عن الأقذار قال طهرت الثوب يعني عن القذر والفقهاء يذكرون هنا في هذا الموضع وهذه الضوابط العامة لابد منها من أجل أن تدرك ما سيذكره المختصر هنا مقاصد الطهارة أربعة ومسائلها أربعة، مقاصد الطهارة أربعة الوضوء والغسل والتيمم وإزالة النجاسة سيعقد بكل واحد بهذه الأربعة باب يختص به الوضوء والغسل والتيمم وإزالة النجاسة وأما مسائله في أربعة على الصحيح الماء وهو الأصل في الطهارة المائية ثم النوع الثاني الوسيلة الثانية وهو التراب وهو وسيلة للطهارة وإن لم يكن رافع كما سيأتي ثالثاً الأحجار وهذا في باب الاستجمار رابعاً الدابغ وهذا يأتي في باب الآنية لأن الدبغ الذي يدبغ به الجلد وهذا يأتي أنه مطهر وسيأتي كلام المصنف (ولا يطهر جلد ميتة بدباغ) هذا على المذهب أنه لا يطهر والصحيح أنه يطهر وهذا سيأتي بيانه إذاً مقاصد الطهارة أربعة ومسائلها أربعة، وأما اصطلاحاً فعرفه المصنف بقوله (وهو ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث) الحدث في اللغة هو وجد الشيء في بعد أن لم يكن قالوا حدث شيء يعني لم يكن فكان وأما في اصطلاح الفقهاء فيطلقون الحدث ويريدون به في هذا الموضع المعنى القائم بالبدن وهو وصف قائم بالبدن حكم هذا الوصف أنه يمنع من الصلاة ونحوها مما تشطر له الطهارة ولا يلزم أنه كلما أطلق الحدث في كتاب الطهارة أرادوا به هذا المعنى في باب النواقض يطلقون الحدث ولا يريدون به المعنى القائم بالبد ن يعني الوصف القائم بالبدن وإنما يردون به الخارج كالبول والغائط ونحو ذلك ولذلك مجمل

стр. 13

إطلاق الحدث في اصطلاح الفقهاء أربعة أولاً الخارج من السبيلين الثاني خروجه نفسه فعل الفاعل ثالثاً الوصف الذي ذكرناه القائم بالبدن رابعاً المنع حينئذٍ يطلق الحدث ويراد به الخارج من السبيلين كالبول نفسه والغائط نفسه ثانياً يطلق على التبول الفعل نفسه كونه يتبول فعله يسمى حدثاً ثالثاً الوصف القائم الذي ذكرناه رابعاً المنع الذي ترتب على الخارج يعني يخرج الخارج ثم يترتب عليه هي متوالية يتبول هذا خروج ثم يترتب على هذا قيام الوصف القائم بالبدن ثم هذا الوصف يمنع فهي متوالية مترتبة بعضها على بعض إذاً في اصطلاح الفقهاء يطلق الحدث ويراد به واحد من هذه المعاني الأربعة، ما المراد به في هذا الموضع؟ نقول المراد به المعنى القائم بالبدن وقيامه بالبدن كله يعني لا يتبعض الحدث يعني لا يقوم بأعضاء الوضوء إذا كان الحدث أصغر دون سائر البدن بل بالبدن كله إذاً ارتفاع الحدث المراد بالحدث هنا الوصف القائم بالبدن المانع ن الصلاة ونحوها عندنا في هذا التعريف شيئين وصف ومنع، وصف هذا معنى وحكم هذا المعنى المنع إذاً ترتب المنع على الوصف ارتفاع الحدث وزوال هذا الوصف القائم بالبدن باستعمال الماء في جميع البدن إن كان الحدث أكبر أو في الأعضاء المخصوصة إن كان الحدث أصغر يسمى ماذا؟ يسمى طهارة ولذلك ينقسم الحدث إلى قسمين حدث أكبر وهو ما أوجب غسلاً وحدث أصغر وهو ما أوجب وضوء كلاهما معنى قائم بالبدن إلا أنه لا يرتفع الحدث الأكبر إلا باستعمال الماء في جميع البدن ولا يرتفع الحدث الأصغر إلا في بعض الأعضاء دون بعض (وهي ارتفاع الحدث وما في معناه) يعني والذي في معنى ارتفاع الحدث الضمير في قوله معناه يرجع إلى ارتفاع على المشهور عند الشراح والمراد به هنا ما لا يكون الوضوء أو الغسل مثلاً صادراً عن حدث وليس فيه معنى الارتفاع وإنما صورة هذا النوع الثاني كصورة النوع الأول ولذلك خذ مثالاً قد يحدث الشخص حدثاً أصغر ثم يتوضأ حينئذٍ نقول بوضوئك هذا قد رفعت الحدث إذاً هذا الطهارة تسمى طهارة حدث لماذا؟ لأن سببها الحدث وقد وجد الحدث تبول ثم وجد المعنى القائم بالصلاة فتوضأ فارتفع هذا المعنى القائم بالبدن فجازة له الصلاة، قد يكون على وضوء ثم يجدد ويصلي به ثم يجدد وضوؤه حينئذٍ حين ما يتوضأ هل هذه طهارة أم لا؟ نقول نعم هذه طهارة نقول هل هي طهارة ناشئة عن حدث كطهارة السابق الجواب لا هل ثَمَّ خلاف بينهما في الحقيقة الجواب نعم الأول ناشئة عن حدث والثانية لم تنشئ عن حدث هل بينهما اختلاف في الصورة الجواب لا الثاني لكونه لم يكن ثَمَّ اختلاف بينهما في الصورة لابد من إدخاله في حد الطهارة فالوضوء الذي يكون سبب الحدث طهارة شرعية بالإجماع والوضوء الذي لا يكون ناشئ عن حدث وإنما هو لتجديد هو طهارة شرعية بالإجماع إذاً لابد من إدخال النوعين في الحد فأوجد هذه العبارة من أجل إدخال ما لم يكن فيه حدث طهارة ناشئة عن حدث وإنما صورته صورة الحدث فقيل وما في معناه يعني والذي على صورة الحدث إذاً وما في معناه يعني على صورته وهذا يشمل الأغسال المندوبة كل غسل مندوب كغسل الجمعة مثلاً هذا ليس ناشئاً عن حدث بخلاف غسل الجنابة فهو ناشئ عن حدث الصورة

стр. 14

واحد متحدة لكن الخلاف بينهما في الحقيقة هذا أراد أن يرفع الحدث الجنابة الحدث الأكبر وهذا لم يكن ثَمَّ حدث وإنما هو غسل مستحب وما في معناه يعني في صورته وهو الأغسال المندوبة وهو كل طهارة لا يحصل بها رفع الحدث أو لا تكون عن حدث، لا تكون عن حدث كالمثال السابق أو لا يحصل بها رفع للحدث مثل ماذا؟ من حدثه دائم كمن به سلس البول والمستحاضة ونحوها هؤلاء يجب إذا دخل وقت الصلاة أن يتطهر حينئذٍ وضوؤه يسمى طهارة ولا شك وغسله يسمى طهارة وكذلك المستحاضة غسلها يسمى طهارة لكنَّ الحدث الذي هو موجب للأصل الغسل لم ينقطع من شرط صحة الوضوء والغسل انقطاع الموجب حينئذٍ مع وجوب الحدث تعين عليه أن يتطهر حينئذٍ طهارته هذه تسمى طهارة شرعاً ولكن الحدث باقٍ لكن تسميتها هنا طهارة باعتبار المجاز لماذا؟ لأنه لم يرفع الحدث وإنما صورته كصورة من رفع الحدث إذاً الحدث باقٍ مستمر وتطهر وتوضأ واغتسل ومع ذلك سميناه فعله طهارة لكونه على صورة رفع الحدث (وما في معناها) أي على صورته كما في صورة المثالين المذكورين (وزوال الخبث) هذا النوع الثاني من نوعي الطهارة، الطهارة الأول طهارة حدث والطهارة الثانية طهارة خبث قال (زوال) ولم يقل إزالة لماذا؟ ليعم ما زال بنفسه أو بمزيل آخر يعني سواء كان بفعل فاعل كغسل المتنجس لأن المراد بالخبث هنا النجاسة حينئذٍ لو وقعت نجاسة على الثوب فإما أن يغسله بنفسه وإما أن ينزل مطر فيغسله كِلا النوعين حصلت به الطهارة فلا يشترط فيه القصد بخلاف طهارة الحدث هناك لابد فيها من القصد وهو النية وأما هنا فلا يشترط فيها النية ولذلك قال وزوال بمعنى إما أنه زال بفعل فاعل أو زال بنفسه فيعم النوعين والخبث المراد به هنا النجاسة وحد النجاسة على الصحيح سيأتي في بابها عين مستقذرة شرعاً وهذا أصح ما تعرف به النجاسة وأما التعريفات المشهورة عند الفقهاء كل عين حرم تناولها إلى آخره هذا غلط لأن مبناه على قاعدة وهي كل محرم فهو نجس وليس بصحيح إذاً (وزوال الخبث) المراد به إزالة النجاسة لما عرف الطهارة بالحقيقة الشرعية حينئذٍ كما وجد هذا اللفظ حينئذٍ فسر بالمعنى المذكور شرع في بيان ما تحصل به الطهارة والذي جاء النص به في الجملة أرمان طهارة مائية وما ينوب عن الماء وهو التراب وأما إزالة لنجاسة بالحجر أو بالدابغ فهذا محل ضرورة كما سيأتي (وزوال الخبث المياه ثلاثة) المياه جمع ماء وهي باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع تنقسم إلى ثلاثة أقسام والدليل هنا الاستقراء مع النظر في الأدلة يعني باستقراء نصوص الوحيين كتاباً وسنة طهور وطاهر ونجس طهور ونجس هذا محل وفاق بين الأمة وأما الطاهر هذا محل خلاف والجمهور على إثباته وهو الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره، وإثباته هو الصحيح هو الراجح وغن شاع عند المعاصرين أنه قول متكلف لكن ليس بظاهر الأول أشار إليه بقوله (طهور) بفتح الطاء قال ابن الأثير الطُهور بالضم التطهر وبالفتح الماء الذي يتطهر به لأنه يقال طَهور فَعول ويقال طُهور بضم الطاء الأول طَهور اسم للماء الذي يتطهر به وطُهور بضم الطاء هو الفعل نفسه يعني فعلك الوضوء كونك تأخذ الماء وتغسل إلى آخره هذا يسمى طُهوراً بالضم كما يقال

стр. 15

السَحور والسُحور؛ السَحور بالفتح اسم لما يأكل في السحر وأما السُحور فهو فعلك أنت، طَهور أي مطهر قال ثعلب طَهور بفتح الطاء الطاهر في ذاته المطهر لغيره فحصل فيه مزيتان أولاً كونه طاهراً في نفسه الثاني كونه مطهراً لغيره خرج بالأول النجس الطاهر بنفسه يعني ليس بنجس يقابله النجس، المطهر لغيره يقابله الطاهر فإنه طاهر في نفسه لكنه ليس مطهراً لغيره قال تعالى (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) هذا دليل على أن ثَمَّ ما يسمى بطهور في الشرع قال تعالى (وينزل عليكم من السماء ماء) ماء هذا مفعول به وهنا جاء لفظ الآية في سياق الامتنان حينئذٍ لا يمتن الله تعالى إلا بما هو طاهر في نفسه لا يمتن الله بنجس وعلم من قوله ماء أنه طاهر في نفسه قوله ليطهركم هذه زيادة ولو كان كل طاهر مطهر لما كان لقوله (ليطهركم به) فائدة ولذلك جاء قوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء) وصفه بقوله (طهوراً) ولأصل في الوصف أن يكون صفة كاشفة يعني للاحتراز فلو كان ماء طاهر في نفسه مطهر لغيره حينئذٍ ما الداعي لقوله طهوراً صار حشواً كذلك يؤكده ويؤيده حديث أبي هريرة ﵁ أن سائلاً سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل مع القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر - فحد السؤال هنا- وقد أقره النبي ﷺ أفنتوضأ بماء البحر هنا شك مع يقينه بكون الماء الذي معه وهو قليل أنه صالح للوضوء إذاً هو طهور قطعاً ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به إذاً السؤال ليس عن هذا النوع لأن هذا النوع مما يصح الوضوء به فهو طهور ثم سأل عن ماء البحر لماذا سأل عن ماء البحر هل لكونه يعتقد أنه نجس لو لم يكن إلا المقابلة بين الطاهر والنجس حينئذٍ لحكمنا بكون الصحابي اعتقد بأن ماء البحر بأنه نجس وهذا محال لا يقول به عاقل فلما تردد لوجود الرائحة الكريهة والملوحة في الماء تردد عن خروجه عن النوع الذي يحمله وهو القليل معه إلى شيء ليس بنجس تعين القول بأنه ثَمَّ طاهر ليس بمطهر وهو النوع الثالث ولذا أجابه النبي ﷺ بقوله (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) إذاً إذا تقرر ذلك ثبت أن القسمة ثلاثية وأن ما جاءت النصوص به هو إثبات الطاهر في نفسه المطهر لغيره وهو ما دل عليه قوله تعالى (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) على كل المسألة فيها خلاف وهذا هو المذهب وهو قول الجماهير وهو المرجح قالحكمه الطهور لا يرفع الحدث غيره يعني لا طهارة كبرى ولا طهارة صغرى إلا بالماء الطهور وأما الماء الطاهر فهذا لا يرفع حدثاً ولا يزيل نجساً وأما الماء النجس فهذا محل وفاق ما الدليل على أن الطهارة الكبرى والصغرى محصورة في الماء الطهور قوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (فلم تجدوا ماء) أطلق الماء هنا فدل على أن مراده هو الماء الطهور (فلم تجدوا ماء) مع وجود سائر المائعات من النبيذ والخل ونحوه قال (فتيمموا) إذاً أمرهم بماذا؟ بالتيمم وهو استعمال التراب مع وجود سائر المائعات دل على أنه لا يجوز استعمال سائر المائعات دل على أنه لا يجوز استعمال سائر المائعات عند عدم وجود الماء بل وجب عليه أن يعدل إلى

стр. 16

التراب ولذلك حصر المصنف هنا قول جماهير أهل العلم حصر الطاهرتين من الحديثين الأكبر والأصغر في النوع الأول وهو الطهور للنص الذي ذكرناه وأما التراب والتيمم فهو مبيح وليس برافع كما سيأتي في موضعه وهو الصحيح أنه لا يرفع الحدث قال (ولا يزيل النَجَسَ الطارئ) النَجَسَ بالفتح وهو عين النجاسة كالبول لأن البول في نفسه هو نجاسة عينه وأما الثوب الذي في أصله هو طاهر وطرأ عليه البول حكمنا عليه بأنه متنجس حينئذٍ النَجِس والنَجَس، النَجَس هو عين النجاسة البول نفسه والمتنجس هو الثوب الذي وقعت عليه النجاسة هنا الذي يتطهر ما هو الذي يطهر؟ النجَس أو النجِس؟ النجِس هنا قال (ولا يزيل النجَس) يعني عين البول وحكمه التابع له الطارئة هذا إشارة فيه إلى أن الشيء إذا طرأ النجاسة إذا طرأت على محل طاهر حينئذٍ يحكم بذلك المحل الطاهر بحكم النجاسة حينئذٍ لابد من طهارة وهذه الطهارة لا تكون إلا بالماء فالطهارة من النجاسة لا تحصل إلا بما يحصل به طهارة الحدث لعموم قوله (لينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) أيمن الأحداث والأنجاس فيعم الطهارة بنوعيها كذلك جاء حديث أسماء (فلتقرص ثم لتنضح بالماء ثم لتصلي فيه) وحديث أمر بذنوب من ماء فأريق على بول الأعرابي فهذا أمر يقتضي الوجوب فدل على أنه لا يزيل النجس الطارئ إلا الماء وهو محصور فيه وأما إزالته بالأحجار في باب الاستنجاء أو الاستجمار كما سيأتي هذا من باب الرخصة حينئذٍ الأصل هو عدم إزالة النجاسة إلا بالماء للنصوص المذكورة وما جاء مستثنى حينئذٍ يأخذ حكم الاستثناء والرخصة ولا يعمم الحكم فنقول ورد الحكم كذا وكذا حينئذٍ كل نجاسة يجوز إزالتها بغير الماء نقول هذا قول ضعيف ولا يعول عليه إذاً ولا يزيل النجس الطارئ غيره يعني غير الماء الطهور هنا بين حكمه طهور لا يرفع الحدث إلا هو ولا يزيل النجس الطارئ إلا هو ما حقيقته ما هو الماء الطهور؟ قال (هو الباقي على خلقته) يعني الماء الذي خلق وبقي واستمر على خلقته التي خلقه الله عليها إن كان بارداً بقي على برودته إلى أن يستعمل إن كان ساخناً بقي على خلقته إلى أن يستعمل إن كان مالحاً بقي على ملوحته إن كان عذباً بقي على عذوبته فأطلق المصنف هنا وذكر نوعاً واحداً وهو بما يسمى الماء الطهور حقيقةً وهو الباقي على خلقته حقيقة بأن لم يطرأ عليه ما يغيره بان خلق بارداً فبقي على برودته إلى أن استعمل أو خلق مالحاً أو عذباً وبقي على ملوحته أو عذوبته إلى أن استعمل بقي نوع آخر وهو ما أشار إليه بالتفصيل وهو ما يحكم له بكونه طهور حكماً من حيث الحكم يعني يلحق بالنوع الأول من حيث الحكم لأنه لم يبقى على خلقته التي خلقه الله عليها ولذلك الماء ينزل صافياً من السماء فيجري على الأرض حينئذٍ يتغير هذا التغير سلبه الطهورية أم لا؟ هو الذي أرداه رحمه الله تعالى قال (إن تغير) إلى آخر ما سيأتي إذاً حده الماء الطهور (هو الباقي على خلقته) أي صفته التي خلق عليه يعني من أصل الخلقة من أصل الوجود إما حقيقة بأن يبقى على ما وجد عليه يعني لم يطرأ عليه شيء يغير إحدى صفاته إما اللون وإما الرائحة وإما الطعم من ملوحة أو حرارة أو برودة أو نحوها، أو حكماًَ

стр. 17

كالمتغير بمكث أو طحلب أو نحوها مما يأتي ذكرها ثم شرع في بيان ما هو المتغير من النوع الأول وهو الطهور فقال (فإن تغير بغير ممازج كقطع كافور أو دهن أو بملح مائي أو سخن بنجِس - أو سخن بنجِس أو بنجَس أحسن -كره) هذا النوع الأول من المتغير حينئذٍ نقول على جهة الإجمال التغير هنا على هذا الباب على نوعين يعني في قسم الطهور على نوعين أولاً عن ممازجة والثاني عن مجاورة، ممازجة يعني بأن يخالط هذا المغير الماء يعني بأن يذوب فيه هذا يعبر عنه بأنه مخالط عن ممازجة؛ مازج المغير الماء فمتزج به صار منه وهذا ضابطه من أجل الفصل فيه أنه ما لا يمكن فصله لو كان مع ماء ووضعت فيه كالشاي مثلاً حينئذٍ سر اللون في الماء هل يمكن فصل اللون عن الماء لا يمكن فصله حينئذٍ يكون التغير هنا عن ممازجة مخالطة بأن ذاب المغير في الماء ولا يمكن فصله عنه ألبته النوع الثاني وهو المتغير عن مجاورة يعني لا يخالطه وهو الذي يمكن فصله عن الماء قطع كافور كما ذكر المصنف وهو نوع من أنواع الطيب يوضع في الماء فيتغير رائحة الماء يمكن أن تفصل هذه القطع عن الماء تغير الماء بهذه القطع لكن التغير هنا عن مجاورة لا عن ممازجة والأصل فيمن تغير عن مجاورة وهو ما يذكره المصنف أنه لا يسلبه الطهورية ولذلك قال هنا في النوع الأول من المتغير وهو ما لا يختلط بالماء فإن تغير يعني الماء الطهور تغير بماذا؟ تغير بما وقع فيه وما الذي تغير الماء له ثلاثة صفات رائحة ولون وطعم هل يشترط أن يتغير هنا كل هذه الثلاثة الصفات أو بعضها؟ بعضها يعني لو تغير الطعم فقط دون الرائحة ولا اللون حينئذٍ نقول هذا طهور حكماً لا حقيقة (فإن تغير) يعني الذي يبقى على صفته التي خلق عليها (إحدى صفات الماء) الثلاثة السابقة وكان المغير هنا بغير ممازج يعني بغير مخالط لم يختلط بالماء يعني مخالط (كقطع كافور) الكاف هنا لتمثيل لا يرد هنا أن يحصل وإنما كل ما يتصور فيه أن يقع في الماء فيغيره أو يغير إحدى صفاته ولم يكن ممازج للماء مختلط به حينئذٍ صار هذا المختلط ممازجة أو مجاورة؟ مجاورة لأنه عن قطع لا عن مسحوق (فإن تغير بغير ممازج) يعني بغير مخالط والذي يكون بغير ممازج هو النوع الثاني يعني عن مجاورة أراد هنا ما لا يخالط وهو المجاور (كقطع كافور) الكافور نوع من الطيب يكون مسحوق ويكون قطعاً والمراد هنا الذي يكون التغير عن مجاورة هو القطع يعني أن يكون مفصولاً وأما المسحوق إذا دق ووضع فهذا له حكم آخر (كقطع كافور) حينئذٍ حكمه أنه طهور لكنه حكماً لأنه لم يبقى على أصل خلقته حكمه الكراهة ولذلك قال كره في آخر لماذا؟ للاختلاف في سلبه الطهورية اختلف أهل العلم في الماء الذي وقع في قطع كافور هل يسلبه الطهورية أم لا؟ فيه خلاف والمذهب أنه لا يسلبه الطهورية مراعاة لهذا الخلاف قالوا كره لماذا؟ لعموم النصوص الدالة على عدم الوقوع في المشتبه (دع ما لا يريبك إلى ما لا يريبك) (أو) للتنويع معطوف قطع الكافور (أو دهن) طاهر بأن وقع الدهن في الماء الطهور فغير إحدى صفاته حينئذٍ نقول هذا النوع من الماء قد تغير عن أصل خلقته ونوع التغير هنا عن مجاورة لأن الدهن لا يمازج الماء حينئذٍ نقول هذا التغير عن

стр. 18

مجاورة ولم يسلبه الطهورية مع كونه قد غير إحدى صفاته لماذا؟ لكون التغير هنا عن مجاورة لا عن ممازجة وهو مكروه الاستعمال لوقوع الخلاف فيه (أو بملح مائي) هذا النوع الثاني من المتغير حكماً من الطهور حكماً النوع الأول ما لا يختلط بالماء النوع الثاني ما يوافق الماء يعني من جنس الماء كالملح المائي يعني الذي أصله ماء ملح الذي يكون على السواحل هذا يكون أصله ماذا؟ أصله ماء فإذا وضع في الماء حينئذٍ وضع في الماء ما لا يخلفه هو من جنس الماء حينئذٍ لو غيره نقول هنا الماء باقي على خلقته لكن حكماً لا حقيقة فلا يسلبه الطهورية وكونه مكروه الاستعمال لأن بعض الفقهاء يرى أنه يسلبه الطهورية (أو بمحل مائي) وه وإشارة إلى النوع الثاني وهو ما يوافق الماء في الطَهورية وهو الملح المائي احترازاً عن المعدني والمعدني هذا سيأتي بحثه في الطاهر (أو سخن) يعني الماء الطهور سخن أصله بارد فسخن إذاً تغير لكن هذا التغير لم يكن لإحدى صفاته وهي الرائحة أو الطعم أو اللون وإنما لصفة آخر وهي البرودة أو السخونة (أو سخن) أي الماء الطهور بنجَس يعني بشيء نجِس حينئذٍ كره وهنا المذهب أنه كلما كان الماء طهوراً وسخن بنجَس فهو مكروه لماذا؟ مطلقاً يعني بمعنى كان محكماً أي مغطى أو لا محكم التغطية أو لا وعلة الكراهة هنا لهم مأخذان أولاً احتمال وصول النجاسة وهذا لا يتأتى فيما كان محكم الغطاء الثاني كونه سخن بإيقاد النجاسة واستعمال النجاسة مكروه واستعمال المكروه مكروه إذاً المسخن بالنجاسة يعتبر طهوراً مكروهاً على المذهب لماذا؟ طهور مع كونه تغير من برودة إلى حرارة لكونه هنا تغير بماذا؟ بالتسخين لم يخرجه عن أصل خلقته لأنه تغير من بروده إلى سخونة وهذا السخونة قد يخلق عليه الماء فيكون ساخناً ابتداء أما كونه طهوراً مكروهاً للخلاف فيه لما ذكر من العلتين ثم قال (وإن تغير بمكثه) يعني من الطهور المتغير بمكث وهذا محل وفاق بمعنى أنه بمقره ينزل الماء فيبقى على الأرض فيتغير بالأرض إما برائحته إما بلونه أو بالتراب ونحو ذلك نقول هذا متغير بمكثه وهو المسمى بالماء الآجن ومنه اليوم ما يتغير بالخزانات ونحوها هذا قد يوضع في حديد أو يوضع في أسمنت ونحو ذلك وقد يتأثر الماء إما إحدى صفاته أو كلها حينئذٍ نقول هذا التغير حصل بالمكث يعني ببقائه في هذا المكان وهذا محل وفاق أنه طهوراً حكماً (وإن تغير بمكث) أي بطول إقامته في مقره لا بشيء حادث فيه بل تغير بنفسه فهو باق على إطلاقه والمسمى بالماء الآجن هذا ليس مكروه الاستعمال وهو محل وفاق (أو بما يشق صون الماء عنه) هذا النوع الثالث من نوع الطهور حكماً وهو ما لا يمكن التحرز منه (أو بما) أو للتنويع هنا وما هنا صادقة على شيء طاهر (يشق) يعني يعسر (صون الماء عنه) يعني حفظ الماء عنه وهذا داخل تحت القاعدة العامة المشقة تجلب التيسير كل ماء طهور تغير بشيء يشق صون الماء عنه فهو طهور ولذلك البئر مثلاً قد تنبت بجوارها شجرة فتسقط أورقها فتغير لونه فتجعله أخضراً أو رائحته حينئذٍ نقول لا يمكن أن قول لهذا الشخص صاحب البئر احفظ هذه البئر عن سقوط الورق في ذلك البئر حينئذٍ نقول هذا نقول هذا يشق صون الماء عنه وما

стр. 19

شق صون الماء عنه حينئذٍ يكون معفواً ولذلك قال (أو بما يشق) يعني يعسر (صون) أي حفظ (الماء عنه) عن الساقط فيه (من نابت فيه) كالماء الذي ينبت فيه في قاعه شجر وورق الشجر يسقط بنفسه وسمك وما تلقيه الريح أو السيول من تبناً أو نحوه حينئذٍ نقول هذا طهور حكماً لمشقة التحرز عنه فإن وضع قصداً حينئذٍ انتقل من الطهور إلى الطاهر لأننا حكمنا عليه بكونه طهوراً للمشقة وكونه يوضع قصدأ هذا ليس فيه مشقة حينئذٍ رجع إلى الأصل هو أن ما تغير بما يشق صون الماء عنه قصداً صار طاهراً لا مطهراً (أو بمجاورة ميتة) يعني تغير الماء الطهور بمجاورة لا بملاصقة أو اختلط (ميتة) والتغير هنا ليس مطلقاً وإنما المراد به هنا تغيرت رائحة الماء وأما إذا تغير طعمه أو لونه فلا فهو نجس لماذا؟ لأنه لا يتغير اللون أو الطعم إلا بأجزاء مخالط الماء وأما مجرد الرائحة فأنها تسري سريعة السريان حينئذٍ يعفى عنها (أو بمجاورة ميتة) أي بريح ميتة إلى جانبه ولذا عدلها الشارح إلى ما ذكرناه فلا يكره بالإجماع قال في المبدع بغير خلاف نعلمه أو سخن بالشمس حينئذٍ فهو طاهر لأنه متغير حكماً (أو بطاهر أو سخن بطاهر) كالحطب والكهرباء والغاز نقول هذا ليس بنجس وإنما هو طاهر لم يكره فهو طهور غير مكروه إن كان في بعضها خلاف إلا أن الخلاف ليس بقوي إذاً أشار بهذه الأمثلة إلى أن الماء الطهور في الأصل هو الباقي على خلقته حقيقة ثم قد يتغير وهذا التغير قد يكون عن ممازجة وقد يكون عن مجاورة وقد يكون بما يوافق أصل الماء والتفصيل على ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى ثم قال (وإن استعمال في طهارة مستحبة) هنا الماء المستعمل وهو الماء الذي يكون جارياً على العضو فيسمى ماء مستعملاً وليس المراد الإناء الذي يغترف منه الماء المستعمل هذا قليل الوقوع إذا استعمل ما في طهارة حينئذٍ نقول هذا الماء المستعمل في طهارة إما أن تكون الطهارة واجبة يعني يرفع بها حدث وإما أن تكون مستحبة فإن كانت الطهارة مستحبة حينئذٍ يكون الماء المتساقط من الأعضاء طهور باقي على أصل خلقته وهو مكروه الاستعمال وأما لكونه طهوراً فلكونه لم يتغير وأما كونه مكروه الاستعمال فللخلاف في سلبه الطهورية ولذلك قال (وإن استعمل) أي طهور (قليل في طهارة مستحبة) وأما الكثير فسواء كان في طهارة واجبة أو لا فلا يسلبه الطهورية فسيأتي بحثه في قسم الطاهر (وإن استعمل طهور قليل في طهارة) إذاً احتراز عن الماء الذي يستعمل لا في طهارة ك التبرد والتنظف بمعنى أن الماء المتساقط من اغتسال للتبرد هذا لا يسلبه الطهورية لكنه لم يستعمل في طهارة (في طهارة مستحبة) احترازاً من الطهارة الواجبة فإنه يسلبه الطهورية كما سيأتي في أنواع الطاهر (كتجديد وضوء وغسل جمعة) هذان مثلان للماء المستعمل في طهارة مستحبة لو جدد وضوءه حينئذٍ نقول هذا الماء المتساقط ليس بطاهر وإنما هو طهور ثم إنه طهور حكماً كذلك غسل الجمعة مستحب وهو قول الجمهور وهو الصحيح أنه مستحب حينئذٍ الماء المتساقط من غسل الجمعة نقول هذا طهور حكماً (وغسلة ثانية وثالثة) يعني في الوضوء لأن الغسلة الأول حصل بها رفع الحدث وهي الواجبة وهذه من قسم الطاهر كما سيأتي وأما الثانية

стр. 20

والثالثة فهذه مستحبة لأن النبي ﷺ أقتصر في الوضوء على مرة مرة كما جاء في صحيح البخاري حينئذٍ صارت الأول واجبة والثاني والثالثة مستحبة حينئذٍ الماء المتساقط من الغسلة الثانية والثالثة يعتبر ماء طهوراً لماذا؟ كونه لم يستعمل في طهارة واجبة وهو مكروه الاستعمال في هذين الموضعين في تجديد وضوء وغسل جمعة والموضع الثالث في غسلة ثانية وثالثة للخلاف في سلبه الطهورية لأن بعضهم أهل العلم يرى أن الماء المستعمل كله سواء في طهارة مستحبة أو طهارة واجبة فهو طاهر ليس بمطهر ثم شرع في ما يتعلق بالقلتين وما يقع فيه من نجاسة ونقف على هذا والله أعلم وصلى الله وسلما على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 21

عناصر الدرس * شرح قول المصنف: "وإن بلغ الماء قلتين" المسألة. * معنى القلة، تقدير القلة بالصاع، وبالمساحة. * تخصيص المسألة بإجماع أهل العلم: أن الماء إذا تغير بالنجاسة فهو نجس. * دليل أحمد على تخصيص بول الآدمي دون سائر النجاسات. * قوله: "ولا يرفع حدث رجل طهورٌ يسير خلت به امرأة" * شرح المسألة، قيودها، الراجح فيها. * القسم الثاني من أقسام المياه: الطاهر. * قوله: "وإن تغير طعمه أو لونه أو ريحه". * قوله: "أو رُفع بقليله حدث"، المقصود بالقليل، دليل المذهب. * الراجح في هذه المسألة أن الماء طهور. * قوله: "أو غمس فيه يد قائم من نوم ليل"، علة النجاسة على المذهب هو توهم النجاسة. * قوله: "أو كان آخر غسلة زالت بها النجاسة". * القسم الثالث من أقسام المياه: النجس، إجماع أهل العلم على وجوده. * حكم الماء المتغير بالنجاسة في محل التطهير. * طرق تطهير الماء النجس. * مسائل الشك في الطهارة، واشتباه الطهور بالنجس أو المحرم أو الطاهر. الحمد لله ورب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد شرع المصنف رحمه الله تعالى بكتاب الطهارة وذكر تعريف الطهارة وهي ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث وتضمن الحد نوعي الطهارة هما طهارة الحدث وطهارة الخبث يعني طهارة سببها الحدث سواء كان الحدث أكبر أو أصغر وطهارة سببها الخبث وهي إزالة النجاسة هذا محل وفاق واتفاق بين علماء المسلمين أن الطهارة منقسمة إلى هذين النوعين ثم ذكر أقسام المياه باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع بأنها ثلاثة أقسام طهور وطاهر ونجس، والطهور والنجس محل إجماع بين العلماء وإنما الطاهر هو الذي فيه نزاع وخلاف والجمهور على إثباته من المالكية والشافعية والحنابلة وهو المرجح في المذهب والقسم الأول هو الطهور وهو الطاهر في نفسه المطهر لغيره بمعنى أنه اشتمل على صفتين صفة الطاهرية وهذا يقابل النجس وصفة التطهير وهذا يقابل الطاهر إذاً هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره عرفه المصنف بالتعريف المشهور عند الفقهاء وهو الباقي على خلقته يعني الماء الذي بقي على خلقته على فطرته وصفته التي خلق عليها ابتداء إلى أن استعمل في التطهير في الطهارة وهذا النوع الذي هو الباقي على خلقته نوعان إما أن يكون باقي على خلقته حقيقة وإما أن يكون باقي على خلقته حكماً، والأول هو الذي لم يطرأ عليه شيء يغيره يعني يغير إحدى صفاته من اللون أو الطعم أو الرائحة والثاني بأن لم يبقى على ما خلق عليه بل تغيرت إحدى صفاته أو الصفات الثلاث ولكن لازال الحكم باقي وهو كونه طاهر في نفسه مطهر لغيره حينئذٍ النوع الثاني الذي هو الطهور حكم من حيث انطباق الحد عليه لا ينطبق عليه لأنه لم يبقى بل تغير إما كلاً أو بعض صفاته حينئذٍ من حيث الحقيقة لا ينطبق عليه إلا إذا أدخلنا هذين اللفظين في الحد وقلنا الماء الطهور هو الباقي على خلقته حقيقة أو حكماً إذا أدخلنا هذين اللفظين حينئذٍ دخل وإلا حينئذٍ ينصرف الحد إلى النوع الأول وهو الماء الذي بقي على خلقته التي بقي عليها ثم ذكر المصنف أنواعاً للطهور إذ الطهور قد يكون مكروهاً وقد يكون غير مكروه وذكر بعض الأمثلة التي مرت معنا ومن أنواع الطهور ما نشرع فيه الليلة وهو الماء الكثير الذي وقعت فيه نجاسة ولم تغيره ماء كثير وقعت فيه نجاسة ولم يتغير هذا الماء بالنجاسة حينئذٍ يحكم عليه بكونه طهوراً فيما سبق الذي وقع في الماء الطهور شيء طاهر يعني إما ورق شجر أو بممره أو بمكثه إلى آخره والمغير الذي وقع في الماء شيء طاهر، هنا القسم هذا ليس بشيء طاهر إنما هو نجس قال رحمه الله تعالى (وإن بلغ القلتين وهو الكثير وهما خمس مئة رطل عراقي تقريباً فخالطته نجاسة غير بول آدمي أو عذرته المائعة فلم تغيره أو خالطه البول أو العذرة ويشق نزحه كمصانع طريق مكة فطهور) هذه مسألة واحدة ضمنها مسألتين (وإن بلغ الماء قلتين) يعني الحديث في الماء الطهور وإن بلغ الماء الطهور قلتين وبلغ بمعنى وصل قلتين هذا تثنية قلة وهي في أصل إطلاقها في اللغة اسم لكل ما ارتفع وعلا؛ كل ما ارتفع وعلا يسمى قلة لكن المراد هنا في اصطلاح

стр. 22

الفقهاء الجرة الكبيرة وإن كان لفظ القلة يطلق على الصغيرة والكبيرة لكن العرف عند الفقهاء خص لفظ القلة بالجرة الكبيرة من قلال هجر والمراد هنا الجرة الكبيرة من قلال هجر حينئذٍ قيد القلتان بقيد وهو المعروف في ذاك الزمان الذي نطق فيه النبي ﷺ بقوله (إذا بلغ الماء قلتين) حينئذٍ نحمل هذا اللفظ على قلال هجر لأنها أكبر ما يكون من القلال وأشهرها في عصر النبي ﷺ وإذا ورد شيء من ذلك في عصر النبي ﷺ حينئذٍ يقيد بالعرف وهي مشهورة الصفة معلومة المقدار لا تختلف كالصيعان هكذا قال أهل العلم ولأن النبي ﷺ قيد في حديث ابن عمر (إذا بلغ الماء قلتين) هذا تحديد والتحديد لا يقع بمجهول وكذلك جاء في الحديث المشهور في وصف الشجرة في الجنة (وإذا نبتها مثل قلال هجر) ولو أراد التقيد هذا دل على ماذا؟ على أن المراد من قول الرسول ﷺ (إذا بلغ الماء قلتين) يعني من قلال هجر وهذه قرية قريبة من المدينة إذاً لا إشكال في تقيد القلتين بأن المراد بهما القلة الكبيرة أو الجرة الكبيرة من قلال هجر (وإن بلغ الماء قلتين وهو الكثير) هذه جملة اعتراضية المراد بيان اصطلاح الفقهاء لأن الفقهاء إذا نطقوا في هذا الباب قالوا الماء القليل والماء الكثير الماء اليسير والماء الكثير يقابلون هذا بذاك فما مرادهم بهذا التعبير وبهذا الاصطلاح؟ مرادهم بالماء الكثير هو ما بلغ قلتين فأكثر يعني أدنى الماء الكثير هو قلتان حينئذٍ ما بلغ ووصل قلتين فأكثر حينئذٍ يسمى ماء كثيراً وما دون ذلك يسمى ماء قليلاً إذاً إذا أطلق الماء القليل في اصطلاح الفقهاء فمرادهم ما دون القلتين وإذا أطلق الكثير فمرادهم القلتان فأكثر إذاً قوله (وهو الكثير) هذا إشارة إلى اصطلاح الفقهاء ثم قال (وهما) أي القلتان (خمس مئة رطل) رِطل ورَطل بكسر الراء وفتحها والرطل العراقي تسعون مثقالاً لذلك قال (خمس مئة رطل عراقي تقريباً) يعني لا تحديداً بمعنى إذا نقص رطل أو رطلان لا يؤثر في الحكم لأن المراد هنا التقريب لأنه لم يرد عن النبي ﷺ التحديد وإذا لم يرد حينئذٍ رجعنا إلى العرف وهو المراد بالقلال وأي قلال هجر وهذه قد تختلف نسبي الاختلاف نسبي حينئذٍ لا يمكن أن يحصر فيه على جهة التحديد وإنما يقال فيه على جهة التقريب (وهما خمس مئة رطل عراقي تقريباً) يعني لا تحديداً وهو المذهب فلا يضر بخس يسير كرطل أو رطلين وهذا كما ذكرنا على الصحيح وحددت بخمس مئة رطل بقول ابن جريج رأيت قلال هجر ورأيت القلة تسع قربتين وشيئاً والقربة مئة رطل بعراقي والاحتياط أن يجعل الشيء نصفه فكانت القلتان خمس مئة رطل بالعراقي إذاً هذا الشيء الذي استند إليه الفقهاء وهذا لا إشكال فيه لأن النبي ﷺ أطلق القلتين وحملة على العرف حينئذٍ أهل العرف هم الذين يحددون المراد بالقلتين وأما بالصاع فالقلتان تساوي ثلاث وتسعين صاعاً وثلاثة أرباع الصاع وأما بالمساحة مربعاً ذراع وربع طولاً عرضاً وعمقاً بذراع اليد هكذا قال فقهاء الحنابلة قال (فخالطته نجاسة) إذاً إذا كان الماء كثير وهو ما بلغ قلتين فأكثر (فخالطته)

стр. 23

يعني مازجته (نجاسة) وعرفنا النجاسة وهي عين مستقذرة شرعاً سواء كانت هذه النجاسة قليلة أو كثيرة (فلم تغيره) نترك الاستثناء (فلم تغيره) طهوراً بالإجماع إذا وقعت نجاسة وخالطت الماء الكثير فلم يتأثر الماء إحدى صفاته بهذه النجاسة نحكم على الماء بأنه طهور إذاً هذا نوع من أنواع الماء الطهور وهو ماء كثير وقعت فيه نجاسة فلم تغيره حكمنا عليه بكونه طهوراً وهذا محل إجماع بين أهل العلم لحديث ابن عمر مرفوعاً وهو حديث صحيح قوله ﷺ (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء) وفي رواية (لم يحمل الخبث) هذا الحديث رواه أحمد وغيره قال الحاكم على شرط الشيخين وصححه الطحاوي وهو حديث كثر الكلام فيه عند الفقهاء ولكن المشهور حديث صحيح ثابت قال بعضهم بأنه موقوف على ابن عمر إن صح عن ابن عمر موقوفاً إذا كان كذلك فله حكم الرفع لو سلم بأنه موقوف فله حكم الرفع لأن هذا شيء لا يقال من قبل الرأي وإنما يكون من قبل الوقوف على قول النبي ﷺ لذا قال الخطابي في معارج السنن (وكفى شاهداً على صحته أن نجوم الأرض من أهل الحديث قد صححوه وقالوا به وهم القدوة وعليهم المعول في هذا الباب) إذاً ثبت الحديث وله منطوق ومفهوم ومنطوقه أن الماء إذا بلغ إلى هذا الحد وهو القلتان والتحديد هنا يدل على أن ثَمَّ فرقاً بين القلتين وما دون القلتين حينئذٍ إذا بلغ ووصل الماء إلى هذا الحد ووقعت فيه نجاسة فلم تغيره قال (لم ينجسه شيء) بل هو باقي على أصله وقولنا باقي على أصله بمعنى أنه باقي على أصله إن كان طهوراً فهو طهوراً وإن كان طاهراً فهو طاهر بمعنى أن النجاسة قد تقع في ماء طهور ولم تغيره وهو كثير نحكم على الماء بأنه طهور بقاء على الأصل استصحاب الأصل، وقد تقع النجاسة في ماء بلغ قلتين وهو طاهر حينئذٍ لم تغيره يبقى على الأصل وهو أنه طاهر فليس الحكم خاصاً بالطهور دون الطاهر بل يشمل النوعين فنحكم بكونه طهوراً وبكونه طاهراً باعتبار الأصل (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء) فتحديده بالقلتين يدل على أن ثَمَّ فرق بين القلتين وما دون القلتين قوله (لم ينجسه شيء) هذا مخصوص بالإجماع لأنه إذا تغير إحدى صفات الماء بالنجاسة حينئذٍ حكموا عليه بأنه نجس ولذلك نجاسة ما تغير بالنجاسة لا خلاف فيها بين أهل العلم فقوله (لم تغيره) له مفهوم وهو أن النجاسة إذا خالطت الماء سواء كان طهوراً أو طاهراً إذا خالطته وأثرت فيه بأن تغير جميع صفاته أو بعض صفاته حكمنا على الماء بكونه نجساً وهذا محل إجماع كما ذكرنا قال ابن المنذر (أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت للماء طعماً أو لوناً أو رائحة أنه نجس مادام كذلك) إذاً علق المصنف الحكم بمطلق النجاسة لكنه استثنى نوعاً من أنواع النجاسات إذا وقعت في الماء الكثير فلم تغيره بأن الحكم يختلف ليست العبرة بالتغير وعدمه، النجاسة الواقعة في الماء الكثير نوعان إما أن تكون بولاً أو غائطاً كما سيذكره المصنف إما أن يكون غير ما ذكر إن كان الثاني فالعبرة بالتغير بشرط أن يكون الماء كثير وإن كان الأول فالعبرة ليست بالتغير وإنما العبرة بمشقة النزح حينئذٍ إذا وقعت النجاسة وهي

стр. 24

بول لآدمي أو عذرته المائعة في ماء كثير حينئذٍ لا نظر لكونه تغير أو لا وإنما نقول هل يشق نزحه أو لا؟ إن شق نزحه فطهور باقي على أصله أو طاهر وإن لم يشق نزحه حكمنا عليه بأنه نجس لماذا؟ بمجرد ملاقاة النجاسة وهي البول أو العذرة للماء الكثير ولم يشق نزحه حكمنا عليه مباشرة بكونه نجساً ولذلك قال المصنف (فخالطته نجاسة غير) هذا استثناء بالنصب (غيرَ بول آدمي) آدمي استثنى من البهيمة (أو) هذه للتنويع (عذرته) قيدها بكونه (المائعة) يعني الذائبة أو في حكمها الجامدة إذا ذابت في الماء ما حكمه؟ هذا ذكره بقوله (أو يشق) (أو خالطه البول أو العذرة) هذا نطق بما يفهم من السابق بقوله (غير بول آدمي أو عذرته) يفهم من هذا الاستثناء أن لهما حكماً ما غاير لما ذكر وهو الذي نص عليه بهذا القول (أو خالطه) الماء الطهور أو الطاهر (البول) والمراد به بول الآدمي لأنه قيده فيما سبق وهنا أطلق فيشمل القليل والكثير يعني دون تفصيل ولو قطرة واحدة (أو العذرة) من الآدمي كذلك احترازاً عن البهيمة ونحوها حينئذٍ النظر لا يكون إلى التغير بل إلى شيء آخر وهو ما قصده بقوله (ويشق نزحه) (ويشق) المشقة هي العسر ولها مفهوم بمعنى إن لم يشق حينئذٍ يحكم عليه بكونه نجساً (ويشق نزحه) يعني لكثرته والنزح هو أن يأخذ الماء الذي خالطه بالبول أو العذرة ليتجدد بعده ماء خال منهما بمعنى أنه يأخذ من الماء ماء كثير من أجل أن يتجدد الماء هذا يكون فيما يتوارد عليه الماء (ويشق نزحه كمصانع طريق مكة) كمصانع هذا مثال لما شق نزحه (كمصانع طريق مكة) مصانع جمع مصنع والمراد بها الأحواض التي يجتمع فيها ماء المطر واحدها مصنع والمراد بالمصانع المصانع الكبار التي تكون مورداً للحجاج أشبه بالبرك التي تكون مورداً للحاج إذا مر بها حينئذٍ يتوضأ ويغتسل ويشرب منها وقد تكون مجتمع للسيول ونحوها لكن يشترط في هذا ما لم تتغير فإن تغير حينئذٍ رجعنا إلى الأصل وهو أن الإجماع منعقد على أن كل ماء وقعت فيه نجاسة وظهر أثر النجاسة في الماء حينئذٍ حكمنا على الماء بكونه نجساً مطلقاً سواء كان الماء كثيراً أو قليلاً سواء كانت النجاسة بولاً لآدمي أو عذرته المائعة أو الجامدة إذا ذابت فيه أو غير ما ذكر نحكم على الماء بكونه نجساً إذاً كل ماء تغير بالنجاسة حكمنا عليه بكونه نجساً الكلام فيما إذا وقعت فيه نجاسة وكان كثيراً ولم يتغير ننظر في النجاسة على كلام المصنف إن كان بولاً أو غائطاً فالعبرة حينئذٍ بمشقة النزح فما شق نزحه فهو طهور وما لم يشق نزحه فهو نجس فإن لم تكن النجاسة بولاً أو عذرة حينئذٍ رجعنا إلى التغير فإن تغير فهو نجس وإن لا فهو طهور أو طاهر والمسألة هذه التي هي خاصة ببول الآدمي أو عذرته هي المذهب عند أكثر المتقدمين والمتوسطين وهذه الرواية من روايات الإمام أحمد من أشهر وأكثر الروايات عنه التفصيل بما ذكر ولكن المذهب عند المتأخرين وهي رواية أخرى عن الإمام أحمد وإن لم تكن أشهر من الأول إلا أنه لا فرق بين النجاسات حينئذٍ نقول الفتوى على ما قرره المتأخرون فيكون المصنف قد خالف المذهب في هذه المسألة بكونه فرق بين النجاسات في هذا الموضع والمذهب عند المتأخرين هو التسوية

стр. 25

فكل نجاسة وقعت على الماء الكثير ولم تغيره حكمنا على الماء بكونه طهوراً أو طاهراً على أصله والتفريق هذا وإن كان عند أكثر المتقدمين والمتوسطين إلا أنه غير معتمد عند المتأخرين ومستند الإمام أحمد في الرواية المشهورة هو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين قول النبي ﷺ (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه) (لا يبولن) هنا نهي مؤكد بنون التوكيد ويبولن هذه نجاسة خاصة خص النبي ﷺ البول وقيس عليه الغائط لأنه أفحش منه (أحدكم في الماء الدائم) عام في المتغير وغيره فقال: النبي ﷺ لم ينهى عن الاغتسال من الماء الذي قد بال فيه إلا لكون الماء قد تنجس ولم يذكر هنا التغير فصار هذا الحديث مخصص لحديث القلتين (إذا بلغ الماء قلتين) يخص منه ما بال فيه الإنسان فيكون نجساً لأن النبي ﷺ عمم في النهي ولم يخصص كونه تغير أو لم يتغير والصحيح أن هذا الحديث محمول على شيء آخر وهو أنه يفسده على نفسه وعلى غيره، إذاً هذا نوع من أنواع الماء الطهور وهو الماء الذي كان كثير بأن بلغ قلتين فأكثر ووقعت فيه نجاسة وعلى الصحيح مطلق النجاسة أين كانت فنحكم على الماء إذا لم يتغير بكونه طهوراً وأما إذا تغير فنحكم على الماء بكونه نجس وهذا محل وفاق وإجماع بين أهل العلم، ثم قال رحمه الله تعالى في النوع الأخير الذي أراد بيانه وهو ماء طهور لا يرفع الحدث سبق أن حكم الماء الطهور أنه يرفع الحدث وتزال به النجاسة ثَمَّ نوع من الماء هو طهور ولكنه لا يرفع الحدث ويزيل النجاسة لا يرفع الحدث هذا يعتبر تخصص وتقييد للحكم العام للطهور ولهم دليل يذكره الشارح قال رحمه الله تعالى (ولا يرفع حدث رجل طهور يسير خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث) بهذه القيود مجتمعة حينئذٍ يحكم على هذا الماء الطهور بكونه لا يرفع حدثاً الحدث سبق أنه وصف قائم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة ويشمل النوعين سواء كان حدثاً أصغر وهو ما أوجب وضوء أو كان حدثاً أكبر وهو ما أوجب غسلاً هنا قال (لا يرفع) يعني ماء يسير لا يرفع يعني لا يزيل سبق أن الرفع هو الزوال والإزالة إزالة الوصف القائم بالبدن هذا هو طهارة الحدث ما هي طهارة الحدث زوال الوصف القائم بالبدن هذا لا يرفع حدثاً إذاً لا يزيل لا يرفع بمعنى لا يزيل (لا يرفع حدثاً) إذاً هل تزال به النجاسة؟ كل قيد وشرط من هذه القيود له مفهوم بمعنى أن ما لم يذكر نطقاً فالحكم مخالفاً لما لم ينطق به يعني مفهومه معتبر هنا (لا يرفع الحدث) إذاً هل له أن يزيل به النجاسة؟ نعم لأن الحكم مخصص هنا بالحدث وعندنا طهارة أخرى وهي طهارة خبث إذاً لا يرفع الحدث وله أن يزيل به النجس وهو المذهب (حدث رجل) رجل هو ذكر بالغ من بني آدم لفظ رجل لا يصدق إلا على الذكر إذاً الأنثى لها أن ترفع به الحدث لأن الحكم هنا خاص بالذكر قال بالغ من بني آدم لأن الوصف بالرجولة لا يصدق إلا على البالغ إذاً ما دون البلوغ سواء كان مميزاً أو لا حينئذٍ له أن يرفع الحدث نعم له أن يرفع الحدث لأن الحكم هنا مقيد بالرجل إذاً (ولا يرفع حدث رجل) لا امرأة الأنثى

стр. 26

حينئذٍ لا تسمى لا يطلق عليها بأنها رجل فلها أن ترفع به ولا صبي فيرفع حدثهما وهو المذهب (طهور يسير) إذاً ماء طهور (يسير) ما المراد باليسير ما دون القلتين إذاً لو خلت بماء كثير يرفع الحدث أو لا؟ يرفع الحدث لأن المصنف هنا قيد الحكم بكون الماء الطهور لا يرفع حدث رجل بكون هذا الماء الطهور يسيراً يعني دون القلتين فلو خلت بماء كثير قلتين فأكثر حينئذٍ نقول له أن يرفع يعني الرجل له أن يرفع حدثه بذلك الماء (طهور يسير) حينئذٍ لو خلت بتراب تطهرت بتراب هل له أن يرفع به الحدث لعله يرفع الحدث إذا قلنا إن التيمم يرفع الحدث (طهور يسير) لا تراب فلا أثر لخلوتها به وهو المذهب لأن النص هنا مقيد بالوضوء نهى النبي ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة طهور المرأة المراد به الماء إذاً التراب لا يقاس عليه على الماء فلو خلت بالتراب فتيممت حينئذٍ للرجل أن يتيمم بما تيممت به المرأة (طهور يسير) لا كثير واليسير هنا كما ذكرنا هو القليل والمقابل الكثير وهو ما دون القلتين لما سبق (خلت به امرأة) هذا وصف للطهور طهور خلت به امرأة هي الأنثى البالغة من بني آدم المرأة لا يطلق على الصغيرة ولا يطلق على الرجل حينئذٍ لو خلا به رجل وتوضأ للرجل أن يرفع الحدث به لأن الحكم مقيد بخلوة امرأة وهنا لم تخلو به امرأة كذلك لو خلت به من دون البلوغ جارية مميزة حينئذٍ نقول للرجل له أن يرفع الحدث به لأن الحكم هنا مقيد بالمرأة (خلت به امرأة) مفهومه لو خلت به صغيرة لا أثر لخلوتها به فيرفع الحدث وكذلك لو خلا به رجل قوله (لو خلت به) خلوة قال في الشرح كخلوة نكاح المراد به هنا فيه روايتان عن الإمام أحمد في تفسير الخلوة لكن المذهب المعتمد يعني لا يشاهدها أحد ألبته مطلقاً يعني تختفي عن الأنظار وهذا يشبه بخلوة نكاح يعني كما تخلو هي مع زوجها في مسألة الجماع كذلك تخلو بالماء في مسألة الطهارة هذا مرادهم كخلوة نكاح يعني جماع كما يخلو بها زوجها فتختفي أو يختفيان عن الأنظار كذلك تختفي بهذا الماء عن الأنظار فلا يشاهدها أحد حينئذٍ المذهب أن المراد بالخلوة هنا عدم المشاهدة فإن شاهدها امرأة أو صبي أو رجل حينئذٍ زالت الخلوة (خلت به امرأة) حينئذٍ لا أثر لعدم خلوتها فلو رآها شخص وهي تتوضأ أو تغتسل فلرجل أن يغتسل بهذا الماء لماذا؟ لفوات شرط من شروط الحكم على هذا الماء بكونه لا يرفع حدثاً (لطهارة كاملة عن حدث) هذه ثلاثة قيود (لطهارة) يعني لو خلة به امرأة لتبرد وتنظف هل يرفع الحدث أو لا؟ نعم يرفع الحدث لماذا؟ لأن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ بفضل طهور المرأة، إذاً لو تبردت به أو تنظفت حينئذٍ الحكم يختلف (لطهارة كاملة) لا لطهارة ناقصة فلو خلة به وغسلت يديها وتمضمضت واستنشقت وغسلت كامل الوجه واليدين ومسحت الرأس ثم شاهدها شخص هل خلة به كخلوة نكاح؟ الجواب لا لماذا؟ لأن الخلوة هنا وقعت في أول الطهارة والشرط أن تكون الطهارة كاملة أن تخلو بهذا الماء كخلوة نكاح في حال الوضوء كله من أوله إلى آخره فلو شاهدها مميز في أول الطهارة ثم غاب عنها لم تخلو به لو شاهدها في أثناء الطهارة لم تخلو به لو خلة به في أول الطهارة ثم شاهدها

стр. 27

في آخرها لم تخلو به إذاً يشترط بأن تكون هذا الطهارة كاملة عن حدث لا عن طهارة خبث فلو خلت به امرأة لطهارة كاملة عن خبث هل للرجل أن يرفع الحدث به؟ نعم له أن يرفع الحدث لأن الشرط قد فات بهذه القيود كلها حينئذٍ نقول هذا الماء اليسير لا يصح لهذا الرجل أن يتوضأ به أو يغتسل لشروط التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى ما العلة ما الحكم قالوا العلة والحكم هنا تعبدي بمعنى أن النبي ﷺ نهى ولم يأتي تعليل فنبقى على عدم معقولية المعنى لنهي النبي ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة والحديث صحيح ثابت ضعفه بعض أهل العلم لكن الصحيح أنه ثابت حينئذٍ الحكم يكون واجباً فلا يرفع الحدث ولكن إذا لم يجد إلا هذا الماء استعمله ثم تيمم وجوباً وهذا مراعاة للخلاف قال أحمد في رواية أبي طالب أكثر أصحاب رسول الله ﷺ يقولون ذلك يعني الحكم السابق وهو تعبدي يعني لأمر الشارع به وعدم عقل معناه هذا الذي رجحه المصنف هو المذهب عند المتأخرين والصحيح الذي دلت عليه الأدلة هو خلاف ذلك وهو أنه طهور يرفع الحدث لكنه مكروه ولذلك ورد في حديث ابن عباس النبي ﷺ أنه كان يغتسل بفضل ميمونة حينئذٍ النهي الذي ورد في الحديث السابق يكون مصروفاً بهذا الحديث وكذلك جاء في حديث ابن عباس اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ فجاء ليتوضأ في جفنة فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها فقالت إني كنت جنباً والظاهر أنها خلت به لأنها اغتسلت به عن جنابة وهذا لا يكون في العرف والعادة إلا إذا خلت به فقال النبي ﷺ إن الماء لا يجنُب لا يجنِب فدل على انه يجوز به الوضوء إذاً نجمع بين هذين الحديثين وغيرهما وبين الحديث الذي فيه نقول بأن النهي مصروف عن التحريم إلى الكراهة فهو طهور ويرفع الحدث ولكنه مع الكراهة فيكون من القسم الذي سبق ذكره وهو الطهور المكروه ثم قال المصنف رحمه الله تعالى (وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه) إلى آخره هذا شروع في النوع الثاني بعد ما أنهى شيء مما يتعلق بالماء أو النوع الأول من أنواع المياه وهو الطهور شرع في بيان النوع الثاني وكلاهما اشتركا في أن كلاً منهما طاهر في نفسه الطهور طاهر في نفسه والطاهر كذلك طاهر في نفسه إلا أن الفرق في أن الطهور يطهر غيره بمعنى أنه يرفع الحدث عن غيره وكذلك يزال به حكم النجاسة وأما الطاهر فهو طاهر في نفسه لكنه لا يرفع الحدث عن غيره ولا تزال به النجاسة ولذلك يقول الفقهاء الطهور يستعمل في العادات وفي العبادات في العادات بمعنى أنه يشرب منه ويغتسل لتبرد والتنظف كذلك تغسل به الأواني ونحوها ويستعمل في العبادات في الوضوء والغسل الواجب وأما الطاهر فهو يستعمل في العادات لا في العبادات لأنه طاهر في نفسه فلك أن تغسل به الثياب إذا لم تكن نجسة ولك أن تطبخ منه وأن تشرب ونحو ذلك هذه عادات ليست بعبادات لكونه طاهراً بنفسه أما أنه يستعمل في العبادات لرفع الحدث وإزالة النجاسة هذا الذي ذهب إليه جمهور أهل العلم من كونه لا يرفع به حدث ولا تزال به النجاسة فهو على النقيض من الطهور، الطهور حكمه أنه يرفع الحدث ويزيل النجس وأما

стр. 28

الطاهر فلا يرفع حدثاً ولا يزيل نجس ولا يستعمل حتى في الأغسال المندوبة يعني لا يستعمل لا في رفع حدث ولا ما يشبه رفع الحدث قال المصنف هنا رحمه الله تعالى (وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه) وسبق إثبات أن هذا الحكم وهو وجود الماء الطاهر أنه ثابت بنفسه قد دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة لما سبق وهو قول جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة والقول به لا يلزم منه التشديد على الناس كما يظن بعض الطلاب أنه لا وجود للماء الطاهر كما نقل المحشي هنا عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى حينئذٍ إذا أثبتناه كأننا ضيقنا على الناس قل لا الماء الطاهر الماء قد لا يوجد عند بعض الناس قد يموت ولم يره أصلاً لأنك إذا نظرت خارج بيتك كل ما كان من البحار والآبار والعيون والسيول فهو طهور باتفاق لا خلاف فيه بين أهل العلم وما كان في بيتك من الخزانات ونحوها وما يجري من الصنابير فهو طهور باتفاق لا خلاف فيه بين أهل العلم لم يبقى إلا نوع قليل وهو أن يكون في جفنة أو في ماء في شيء يسير ثم هذا على نوعين قد يتغير بنفسه وقد يتغير بفعل آدمي الأول طهور باتفاق بقي النوع الثاني وهو ماء يسير في إناء وأنت الذي غيرته بنفسك هذا شيء يسير بالنسبة للطهور فالقول به لا يلزم منه لا تشديد على الناس كما قد يظنه بعض الطلاب قل لا؛ إثباته هو الذي دلت عليه النصوص كما سبق ووجوده كذلك قليل قد تجلس السنين وأنت ما رأيت هذا الماء الطاهر الذي اختلف فيه أهل العلم ولذلك أقول أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى وهو مما نقل عنه بأن الماء عنده قسمان طهور ونجس والطاهر عنده لا وجود له النقل هذا ليس محرر عن أبي حنيفة ولا عن أصحابه بل عندهم الطاهر نوعان طاهر متفق عليه قد ذكر ذلك في المبدع بن مفلح أن الطاهر قسمان طاهر متفق على أنه طاهر حتى أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول به وإذا تقرر ذلك فثَمَّ نوع متفق عليه حينئذٍ لابد من عده في القسمة الثلاثية فنقول القسمة ثلاثية طهور وطاهر ونجس (وإن تغير طعمه أو لونه أو ريحه) تغير بمعنى أن وقع فيه شيء طاهر ثم هذا الذي وقع الشيء الطاهر في الماء الطهور لأن الأصل هو الطهور ثم ننتقل إلى الطاهر، ماء طهور وقع فيه شيء طاهر حينئذٍ إما أنه يغيره أو لا فإن لم يتغير به فهو على أصله فإن تغير حينئذٍ ثَمَّ أحكام وهي التي ذكرها المصنف (وإن تغير) إما أن يكون التغير كاملاً لجميع أوصاف الماء بأن يتغير طعمه ولونه وريحه كلها وإما أن يتغير صفة من صفاته كلها أو يتغير كثير صفته من تلك الصفات حينئذٍ نحكم عليه بأنه طاهر غير مطهر بالشرط الذي سيذكره المصنف (وإن تغير) يعني جميع أوصافه تغير كاملاً (لونه) كله (أو طعمه) كاملاً (أو ريحه) كاملاً قال الشارح أو كثير من صفة من تلك الصفات لا يسير منها، بمعنى أن الضابط في هذا النوع الثاني الطاهر بأن يتغير إما جميع صفاته أو كل صفة - صفة واحدة من الصفات الثلاث - أو كثير صفة لا كل الصفات، لا يسير منها بمعنى أنه لو تغير يسير صفة من تلك الصفات لا يخرجه عن كونه طهور على الأصل ولذلك جاء في حديث أم هاني أنه ﷺ اغتسل هو وزوجته ميمونة من قصعة فيها أثر العجين، هذا والله أعلم وهذه

стр. 29

الأمور يحكم بها العرف بمعنى أن الذي يتغير متأثر العجين يكون يسير لا كثيراً فإن تغير يسير صفته لا يخرجه عن أصله وهو كونه طهوراً إذاً إن تغير طعمه أو لونه أو ريحه قال (بطبخ أو ساقط فيه) هذان نوعان للمتغير الأول النوع الأول قال (بطبخ) أشار إلى المتفق عليه لأن هذا النوع حتى أبو حنيفة يقول بكونه طاهر غير مطهر وهو أن الماء الطهور إذا طبخ فيه لحم مثلاً حينئذٍ لا يسمى ماء يسمى ماذا؟ يسمى مرقاً، إذاً بهذه التغير خرج عن كونه ماء فلم يسمى ماء إذاً هل هذا الماء طهور أم طاهر؟ نقول هذا طاهر نقول هو في أصله طهور قد وقع فيه شيء فغيره فسلبه اسمه ولذلك قال في المبدع الماء الطاهر قسمان أحدهما غير مطهر بالإجماع وأراد به هذا النوع وحكاه صاحب الشرح الكبير بأنه ثلاثة أنواع وهو ما خالطه طاهر يمكن أن يصان الماء عنه والثاني أو غلب على أجزائه فصير حبراً أو طبخ فيه فصيره مرقاً هذه الأنواع الثلاثة بالإجماع أنه طاهر غير مطهر لذلك قال (بطبخ فيه) يعني بسبب الطبخ ولا شك أنه يطبخ فيه شيء طاهر لا نجس حينئذٍ بقي على أصله والباء هنا سببية متعلق بقوله (إن تغير) (بطبخ) يعني بسبب طبخ حينئذٍ لا يسمى ماء فلا يصدق عليه قول الله تعالى (فلم تجدوا ماء) نقول هذا ليس بماء هذا مرق يسمى مرقاً لأنه طبخ فيه لحم واللحم شيء طاهر حينئذٍ نقول هذا الماء قد خرج عن كونه ماء فسلب اسمه فإذا سلب الاسم حينئذٍ لا يكون ماء طهوراً في لا رفع حدثاً ولا يزيل نجساً، (أو ساقط فيه) يعني أو تغير جميع الصفات أو بعضها أو كثير منها بساقط فيه بسبب ما سقط فيه هنا يقيد بما ما مضى لأن ما سقط قد يكون موافقاً للماء كالملح المائي أو التراب هذا لا يسلبه الطهورية بل يبقى طهوراً أو سقط فيه وتغير به عن مجاورة لا عن ممازجة هذا لا يسلبه الطهورية ولذلك عبارة الشارح صاحب الروض مقيدة ولابد من العناية بها ولذلك قال (أو بساقط فيه أو تغير بطاهر من غير جنس الماء) لأن ما تغير بجنس الماء كالتراب فهو طهور لا يتأثر به الماء لا يخرج عن كونه طاهراً مطهراً وكذلك لو تغير بالملح المائي لأنه من جنس الماء حينئذٍ نقول هذا ماء تغير بشيء هو من جنس الماء فلا يخرجه عن الطهورية (أو لا يشق صونه عنه) هذا قيد لابد من تقييده ما ذكره المصنف فأخرج ما تغير بما يشق صون الماء عنه حينئذٍ يحكم له بكونه طهوراً ولم ينتقل إلى النوع الثاني إذاً ساقط في ماء طهور وتغير به ولم يكن من جنس الماء ولم يكن مما يشق صون الماء عنه حينئذٍ نحكم عليه بكونه طاهر غير مطهر، ثم أشار إلى ما جاء الشرع بالحكم على كون الماء طاهراً غير مطهر وهي وإن كان عليه المذهب عند المتأخرين إلى أن فيها شيء من النظر إثبات الطاهر كإثبات القياس إثبات الطاهر القسم الطاهر كإثبات القياس كإثبات الإجماع إذا قيل بأن الإجماع ثابت هل كل من ادعى الإجماع يقبل منه؟ لا، إذا قيل القياس ثابت هل كل قياس يكون قياساً صحيحاً أو دعوى القياس تكون صحيحة؟ لا؛ لا يلزم بل يكون الأصل ثابتاً ثم التفريع قد ينظر فيها ولذلك كثير من المسائل التي يذكرها ولذلك تجد من يعترض على هذا القسم يقول لكثرة الخلاف فيه وتناقض الفقهاء فيه أقول تناقض وكثرة

стр. 30

المسائل المفرعة أكثرها لا دليل عليها فإذا نوزع من أثبت هذا الفرع لا يلزم منه أن ينسف الأصل من أصله بل يبقى الطاهر ثابت ثم نحصره فيما دلت النصوص عليه وهو ما تغير بما ذكره المصنف وأما ما جاءت به الأدلة من كونه يمنع من استعماله لكونه كذا وكذا حينئذٍ ننظر في الدليل إن دل الدليل على أن المنع هنا لكونه قد سلب الماء الطهورية فعلى العين والرأس وإلا رجعنا إلى الأصل وهو كون الماء طاهراً وما ذكره الفقهاء يكون رأياً مرجوحاً (أو رفع بقليله حدث) رفع حدث بقليله رفع يعني أزيل بقليله ما المراد ما دون القلتين لأنه إذا أطلق القليل كما هنا وهنا قال طهور يسير إذاً يسير وقليل بمعنى واحد عند الفقهاء (أو رفع بقليله) وهو ما دون القلتين ماء طهور رفع به (حدث) أي حدث كان يعني سواء كان بجميع الأعضاء أو كان ببعضها جميع الأعضاء هذا إنما يكون في غسل الجنابة البدن كله أو بعضها وهذا إذا كان رفع به حدث أصغر (أو رفع بقليله حدث) حينئذٍ يحكم بكون الماء قد سلب الطهورية وصار طاهراً في نفسه غير مطهر لغيره وهذا ما يسمى بالماء المستعمل الماء المستعمل، الماء المستعمل نوعان المستعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء وغسل جمعة وغسلة ثانية وثالثة وقد سبق الكلام عنها بأنها طهور وهذا الاستعمال لا يسلبه الطهورية، ماء مستعمل في رفع حدث بأن يكون توضأ به لرفع الحدث أو اغتسل به لرفع الجنابة حينئذٍ هذا الماء يقال فيه ماء مستعمل والمراد بالماء المستعمل ليس الماء الباقي أو الذي يغترف منه للوضوء وإنما المراد بالماء المستعمل الذي يجري على العضو فلو غسل وجهه ثم تقاطر الماء وجمعه وجمع من يده ونحوها حينئذٍ نقول هذا الماء المستعمل على المذهب لكونه استعمل في رفع حدث حينئذٍ قولوا هذا سلبه الطهورية لماذا؟ قالوا لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) رواه مسلم، (لا يغتسلن) هذا نهي مؤكد فلولا أنه لا يفيد منعاً لم ينهى عنه النبي ﷺ هذا وجه الاستدلال لولا أنه لا يفيد منعاً لما نهى عنه النبي ﷺ (لا يغتسلن) لماذا قال لأنه اغتسل فيه جنب حينئذٍ استعمل في رفع حدث وخص الجنب دون غيره وفلكون النبي ﷺ علل وقوله (وهو جنب) والجملة حالية حينئذٍ تكون تعليلاً علل الحكم هنا لكون ذلك المستعمل له قد استعمله في رفع حدث ما موقفك أنت قال (لا يغتسلن) لا يفهم من هذا النهي إلا لكونه أنه لا يرفع ونقول هنا كما قلنا هناك وهو أن الصحيح أن الماء طهور وليس بطاهر لأنه باق على أصله والأصل في الماء الطهور ولا يعد عنه لكونه طاهراً غير مطهر إلا بدليل ولا دليل هنا فنبقى على الأصل وأما هذا الحديث فهو كحديث (لا يبولن) ليس المراد به أن الماء قد تغير بنجاسة أو نحوها وإنما المراد لئلا يتوارد الناس في الاغتسال ثم قد يكون ما هو قذارة أو إفساد لنفسه أو لغيره إذاً هذا النوع نناقش فيه المصنف أنه باقي على أصله وهو أنه طاهر في نفسه مطهر لغيره، (أو رفع بقليله حدث أو غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض لوضوء) هذا نوع من أنواع الطاهر وهو كما ذكرنا مبني على دليل ليس على أصل التغير وإنما بدليل

стр. 31

والدليل فيه نظر كما ذكر في المسألة السابقة أو غمس فيه الضمير هنا يعود على قوله (أو رفع بقليله) إذاً المراد بفيه الضمير هنا الماء القليل المراد به ما دون القلتين مفهومه لو غمس يده فيما هو كثير في قلتين فأكثر فالماء باقي على طهوريته بكونه طاهراً في نفسه مطهراً لغيره (أو غمس فيه) يعني في الماء القليل (يد قائم من نوم ليل) في الشرح قال كل يد بمعنى أن الحكم هنا مقيد باليد وأطلقها النبي ﷺ في الحديث الآتي ذكره فيحمل على الجميع ولا يلحق اليد البعض بالكل بمعنى أن اليد هنا المراد بها من أطراف الأصابع إلى الكوع هذه اليد هي التي تقطع في السرقة إن أدخل يده كلها بالشروط الآتية ثبت الحكم إن أدخل أصبعه فقط أو بعض أصابعه لا يثبت الحكم لأن الحكم تعبدي فإذا نص النبي ﷺ على اليد كلها فإثبات الحكم مع بعضها من باب القياس وهنا لا قياس لأن من شرط القياس أن يكون الحكم معللاً وهنا لم يعلل الحكم إذاً قوله كل يد مراده أن اليد هي التي يثبت لها الحكم وإذا أطلقت اليد انصرفت إلى جميع اليد وأما بعض اليد فلا يثبت بها الحكم قال كذلك يد مسلم مكلف يعني مسلم لا كافر فلو أدخل يده الكافر لم يثبت الحكم يعني هو طهور وإذا أدخل المسلم يده فهو طاهر غير مطهر، مكلف يعني لا صغير بمعنى أن الصبي أدخل يده مع أن الصبي مظنة لنجاسة ونحوها لو أدخل يده الماء باقي على أصل طهوريته ليس بطاهر وأما المكلف العاقل الكبير لو أدخل يده حينئذٍ انتقل الحكم، قال (يد قائم من نوم ليل) النوم معروف وقيده هنا بالليل للحديث الآتي ذكره (ناقض لوضوء) والمذهب أن النوم من نواقض الوضوء لكن ليس كل النوم وإنما هو كل نوم إلا يسيراً من قاعد أو قائم هذا الضابط في النوم في المذهب من كونه ناقضاً كل نوم إلا نوم يسير من قاعد أو قائم هذه الذي يعتبر ناقضاً حينئذٍ لو كان يسيراً من قاعد هل ينتقض الوضوء قل لا لم ينتقض، فلو نام نوماً لم ينقض الوضوء حينئذٍ نقول لو وضع يده في الماء لم يسلبه الطهورية بهذه القيود الماء يعتبر طاهراً (أو غمس فيه) يعني يده أو غمست ولو قهراً أو نسياناً أو جهلاً يد مسلم مكلف قائم من نوم ليل لا نوم نهار الحكم يختلف ناقض للوضوء إن لم يكن النوم ناقض للوضوء فيختلف الحكم قال الشارح قبل غسلها ثلاثاً لأن الحديث الوارد عن النبي ﷺ قال (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) (إذا استيقظ أحدكم) هذا خطاب للمسلم إذاً الكافر لا يشمله (من نومه) هذا عام يشمل كل نوم - نوم النهار ونوم الليل - ولكن المصنف قيده بماذا؟ بنوم الليل قالوا للتعليل الوارد في الحديث فإن النبي ﷺ قال (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) والبيتوتة لا تكون إلا في الليل لا في النهار فدل على أن مراده من نومه هو عام أريد به الخاص وهو نوم الليل (فليغسل) الأمر هنا للوجوب (يديه) أطلق اليدين (قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً) فإن أدخل يديه في الإناء قبل أن يغسلهما ثلاثاً حينئذٍ حكم على الماء بكونه سلب الطهورية وهنا يقال فيه ما قيل بقوله (أو رفع بقليله حدث)

стр. 32

النبي ﷺ لم يتعرض لحكم الماء وإنما تعرض لحكم اليدين وهل التعليل هنا لكون النجاسة متوهمة أو لشيء آخر؟ نقول الله أعلم بذلك بمعنى أن النبي ﷺ أمر من استيقظ من نومه يشمل نوم الليل ونوم النهار على الصحيح والحكم عام أنه لا يدخل يديه في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً والأمر هنا للوجوب حينئذٍ وجب الامتثال، هل الحكم معلل؟ نقول الحكم غير معلل، ما العلة؟ الله أعلم بها لا بالنجاسة ولا بغيرها، لأنه لو كانت النجاسة متوهمة فالأصل ماذا؟ الأصل الطهارة فمن شك في يديه بأنهما نجستان نقول الأصل الطهارة وضعهما في الماء لو لم تكن قائماً من نوم ليل وأنت الآن مستيقظ وشككت في نجاسة يديك ووضعتها في الماء ما حكم الماء؟ نقول اليقين لا يزول بالشك واليقين هو الطهارة، وكذلك الحكم فيما إذا كان مستيقظاً من نوم ليل إذاً التعليل هنا لكون النجاسة متوهمة وحفظاً للماء تعليل فيه نظر، وكذلك التعليل من كون الشيطان يلعب بهما تعليل فيه نظر، نبقى على الأصل من أن كون الحكم تعبدي، ولم يتعرض النبي ﷺ للماء فإذا كان كذلك نبقى على أصله بمعنى أنه طهور مطهر ولا نسلبه الطهورية بمجرد كون النبي ﷺ نهى أن يغمس القائم من نوم ليل يديه أو يده في الماء إذاً يكون هذا القسم من قسم الطهور لا من الطاهر، (أو غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض للوضوء) قوله (من نوم ليل) الصحيح أنه يجب غسل اليدين لكل من قام من كل نوم سواء كان نوم ليل أو كان نوم نهار للعموم الذي في قوله (من نوم) فإنه مصدر مضاف حينئذٍ يكتسب العموم فإن أدخلهما بعد غسلهما ثلاثاً فالماء طهور على المذهب، فإن أدخلهما بعد غسلهما مرتين فالماء المذهب كما هو أو يختلف قال الشارح قبل غسلهما ثلاثاً، فإن غسلها مرة فأدخل يده فالماء طاهر غير مطهر فإن غسلهما مرتين ثم غمسهما في الإناء فالماء طاهر غير مطهر إن غسلهما ثلاثاً ثم غمسهما فالماء طهور، إذاً قبل غسلهما ثلاثاً له مفهوم (أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها) هذا القسم الأخير الذي أراده المصنف من قسم الطاهر بأنه طاهر في نفسه غير مطهر (أو كان) يعني الماء القليل (أو كان) إذاً الضمير يعود إلى ما عاد عليه (أو غمس فيه) وهو الماء القليل وهو ما دون القلتين (آخر غسلة زالت النجاسة بها) على المذهب أن النجاسة لا تزول إلا بسبع سيأتي بحثه وأنه ضعيف بالصواب أن النجاسة تزول بزوالها هذا هو الصحيح لكن على المذهب سيأتي حديث ابن عمر أمرنا بغسل الأنجاس سبع حديث ضعيف لا يعول عليه فيبقى على الأصل، فالمذهب أنه لا تزول النجاسة إلا بسبع فلو وجد على الثوب قطرة بول وجب غسله سبع مرات ولو زالت النجاسة عين النجاسة بالمرة الأول فيغسل المرة الأول والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، من الأول إلى السادسة كلها نجس كل الغسلات المنفصلة نجسة السابعة هي التي حكمنا على الموضع بأنه قد طهر من حكم النجاسة إذاً زالت هذه النجاسة وهو حكمها بالغسلة السابعة فمراد المصنف هنا الغسلة السابعة بشرط انفصال النجاسة بمعنى أنه زالت وأما إذا بقيت في محلها ثم لاقتها المرة السابعة حينئذٍ ماء قليل لاقا

стр. 33

نجاسة في حكم عليه بالنجاسة وإنما المراد فيما إذا زالت عين النجاسة وبقي المحل من حيث أثر النجاسة لا الحكم بقي المحل من حيث أثر النجاسة يعني الصفة اللون أو الطعم أو الرائحة قد أزيلت حينئذٍ حكماً النجاسة باقية لا عيناً وإنما تزول بالسابعة فمن الأولى إلى السادسة كل الغسلات تعتبر نجسة لأنها لاقت محلا ً محكوماً عليه بالنجاسة وأما السابعة هي التي حكمنا بسببها كون المحل قد طهر ما حكمه هذا المنفصل من المرة السابعة قالوا هذا ما طاهر غير مطهر (أو كان) يعني الماء القليل (آخر غسلة) وهي الغسلة السابعة (زالت النجاسة بها) وانفصل بشرط أن يكون هذا الماء المنفصل غير متغير فإن كان متغيراً حكمنا عليه بكونه نجساً (فطاهر) يعني هذا خبر فهو طاهر (طاهر) هذا خبر لمبتدأ محذوف فهو طاهر لأنه أثر شيء هذه المرة السابعة أثرة شي وهو التطهير فصار كالمستعمل في رفع الحدث صارت هذه المرة السابعة أثرة بمعنى أنها بسببها ختمنا بها الغسلات السبع فحكمنا على الموضع بكونه انتقل من النجاسة إلى الطاهرية كذلك الماء المستعمل في رفع الحدث باستعمالنا للماء انتقل من كون موصوفاً بالحدث إلى كونه طاهراً هذا يكون من قبيل ماذا من قبيل القياس وإن كان علل هنا لقوله لأن المنفصل بعض المتصل والمتصل طاهر والصحيح أن هذه الغسلة تعتبر طهوراً لماذا؟ لأنها مرة سابعة وعلى الصحيح فيما سبق أن النجاسة تزول بزوال عينها وأثرها بأن لا تبقى العين وأن لا يبقى من آثارها كاللون ونحوه فإذا زالت حينئذٍ نقول الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً فنحكم على المحل بكونه طاهراً فإذا جاءت المرة الثانية والمحل قد خلص من النجاسة حكمنا على هذه المرة بكونها طاهرة وكذلك الخامسة والسادسة ونحو ذلك إذاً على المذهب باعتبار اشتراط سبع غسلات من الأولى إلى السادسة نجسة والسابعة طاهر غير مطهر والثامنة طهور والصحيح ما ذكرناه سابقاً، إذاًَ يخلص من هذا القسم الثاني أم قوله (وإن تغير طعمه أو لونه أو ريحه بطبخ أو ساقط فيه) إلى هنا هو الطاهر وما ذكر من قوله (أو رفع بقليله حدث أو غمس ...

стр. 34

أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها) على المذهب لابد أن تعرف المذهب أنه طاهر غير مطهر والصحيح أنه من قبيل الطهور والخلاف هنا في مثل هذه المسائل المفردات والآحاد كالخلاف في بعض الأقيسة التي يذكرها الفقهاء قد يقال بأن هذا القياس صحيح وهذا قياس فاسد وليس كل ما ذكر من شروط القياس فهي يعتبر عند أهل الأصول بل بعضها ما هو موافق عليه وبعضها ما هو مردود على صاحبه وهنا نقول الطاهر ثابت ويحصر فيما ذكرناه وما عداه فمحل نظر ولذا صار الكلام في الطاهر كلام قليل ولو أكثر الفقهاء من الكلام فيه ثم من حيث النظر من استعمال المكلف كذلك يكون يسيراً لا كثيراً والأصل في الماء هو الطهور ولا تحكم بكونه طاهراً إلا بغلبت ظن أو يقين، ثم انتقل إلى النوع الثالث وهو النجس فقال رحمه الله تعالى وهذا محل إجماع النجس محل وفاق بين الفقهاء لا خلاف في النجس من حيث الجملة يعني في وجوده فالنجس ثابت وهو لا يرفع حدثاً ولا يزيل نجساً باتفاق وإنما يستثنى ماذا؟ يستثنى الماء المتغير بالنجاسة في محل التطهير وهذا الاستثناء يذكر في الماء الطاهر الماء الطاهر المتغير بالشيء الطاهر يعني إن كان محل التطهير يعني محل الغسل هذا مستثنى الماء لو وضعت فيه عجين وحركته وتغير به نحكم على الماء بكونه طاهراً لأنك أدخلت فيه بفعلك شيء وتغير به لكن لو جاء الماء على يدك وأنت تتوضأ ثم لاقا عجيناً فتغير به كل الماء لونه وطعمه ورائحته في الأصل نحكم عليه بكونه طاهراً لكن في محل التطهير نستثني هذه الحالة للضرورة لأن لو حكمنا عليه بكونه طاهرا ًوالطاهر لا يرفع حدث لو جدت مشقة على المكلفين حينئذٍ الطاهر الماء المتغير بشيء طاهراً قصداً في محل التطهير من أجل الضرورة كذلك الماء الذي يغسل به النجاسة تكون النجاسة على اليد فتغسلها يتغير الماء ما حكم الماء؟ هو ماء متغير بالنجاسة وهذا بالإجماع نجس لكن الإجماع ليس في هذه الصورة بل هذه الصورة مستثناه بالإجماع إجماع المتقدمين وقال بعضه هو نجس لكنه يتطهر به في هذا الموضع على جهة الخصوص فقط وما عداه فيبقى على الأصل، إذاً النجس لا يرفع به حدث ولا تزال به النجاسة الأول متفق عليه وهو أنه يرفع به حدث والثاني أنه لا تزال به النجاسة محل خلاف يرى بعض أهل العلم أنه تخفف به النجاسة وهو اختيار ابن تيمية رحمه الله تعالى والذي تدل عليه الأدلة هو أنه لا يستعمل مطلقاً فلا يستعمل لا في العادات ولا في العبادات حينئذٍ يكون ما خالف لطرفي الطهور والطاهر الطهور يستعمل في العادات والعبادات والطاهر في العادات لا في العبادات النجس لا في العادات ولا في العبادات، قال رحمه الله تعالى (والنجس) قسمان الأول مجمع عليه والثاني مختلف فيه وزاد المصنف قسماً ثالثاً داخل في القسم الثاني (ما تغير بنجاسة) (ما تغير) ما يعني ماء طهور أو طاهر لأن الكلام في الماء الذي يقابل النجس والماء الذي يقابل النجس هو الطاهر ثم هو قسمان طاهر مطهر وطاهر غير مطهر ولذلك من الحنابلة من قسم الماء إلى قسمين وهو يرى أن القسمة ثلاثية لأن العبرة هنا بالتقابل فإن قابل النجس بالطاهر دخل في الطاهر الطهور وإن قابل الطاهر بالطهور حينئذٍ انفصل كل منهما عن الآخر

стр. 35

(ما) يعني ماء تغير طهور كان أو طاهراً (تغير) إما جميع صفاته أو بعض صفاته (بنجاسة) يعني بسبب نجاسة حلت فيه ثم أثرت في الماء قليلة كانت هذه النجاسة أو كثيرة سواء كان الماء قليل وهو ما دون القلتين أو كثيراً وهو ما كان قلتين فأكثر مطلقاً دون تفصيل حينئذٍ نقول الماء نجس وهذا محل إجماع قال ابن المنذر (أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت للماء طعماً أو لوناً أو رائحة أنه نجس مادام كذلك) لكن يستثنى ما تغير بمجاورة ميتة هذا مستثنى لأن الرائحة إحدى صفات الماء حينئذٍ نقول الماء إذا تغير برائحة النجاسة سبق أن الماء المتغير بمجاورة ميتة المتن أطلق هنا لكن لابد من التقيد بالرائحة حينئذٍ يكون هذا مستثنى بالإجماع وحكى ابن المنذر الإجماع عليه، (أو) هذا النوع الثاني النوع الأول واضح بين (أو) وهو القسم الثاني وهذا محل خلاف بين الفقهاء (أو لاقاها وهو يسير) (أو لاقاها) يعني لاقا الماء النجاسة (وهو اليسير) عرفنا اليسير المراد به دون القلتين فكل ما دون القلتين وهو القليل واليسير ليس العبرة في الحكم عليه بكونه نجساً أو لا -بالتغير- وإنما العبرة بمجرد الملاقاة كون النجاسة وقعت وحلت في الماء ولو لم تغيره إن غيرته دخل في القسم الأول وإن لم يتغير حينئذٍ وقع نزاع بين أهل الفقهاء وجمهور أهل العلم على أنه نجس بمجرد الملاقاة لمفهوم حديث ابن عمر (إذا بلغ الماء قلتين لا ينجسه شيء أو لم يحمل الخبث) مفهومه أن ما دون القلتين يحمل الخبث ينجس حينئذٍ هذا حكم بالمفهوم وإذا كان كذلك صار هذا المفهوم ثابت في نفسه ويعتبر مخصصاً لحديث أبي سعيد (الماء طهور لا ينجسه شيء) وهذا محل إشكال عند بعض أهل العلم هذا مفهوم وذاك منطوق حديث أبي سعيد (الماء طهور لا ينجسه شيء) هذا مخصص بما إذا تغير بالإجماع لأن قوله الماء طهور لا ينجسه شيء ولو تغير بالنجاسة لكن نقول هذا مخصوص بالإجماع ثم نخصه بمفهوم حديث ابن عمر وهو أن ما كان دون القلتين ينجس بمجرد الملاقاة فنجمع بين هذا وذاك والحديث الخاص يقضي على العام ولا نقول هذا منطوق وهذا مفهوم وحينئذٍ يكون المنطوق مقدم على المفهوم هذه قاعدة صحيحة لكنها متى تستعمل؟ إذا اختلفا منطوق ومفهوم وكل منهما خاص حينئذٍ نقول هذه المسألة لو جاء حديث يدل بالمفهوم على أن الماء القليل ينجس بمجرد الملاقاة وجاء منطوق يدل على أن الماء القليل لا ينجس بمجرد الملاقاة حينئذٍ نقول تعارض منطوق ومفهوم ويقدم المنطوق لأنه أقوى وأما إذا تعارض منطوق وهو عام ومفهوم وهو خاص حينئذٍ نقول المفهوم دليل وحجة شرعية في نفسه تثبت به الأحكام الشرعية ولذلك المفاهيم معتبرة وهذا المفهوم شرط الموجود هنا ولذلك قال الشوكاني في إرشاد الفحول (لا ينكره إلا أعجمي) بمعنى أنه يكاد يكون إجماع على اعتباره حينئذٍ نقول هذا خاص وحديث أبي سعيد عام فيحمل العام على الخاص ويستثنى من حديث أبي سعيد الماء الذي يكون دون القلتين فينجس بمجرد الملاقاة وهذا المرجح الذي تدل عليه الأدلة كما ذكرنا، (أو لاقاها وهو يسير) فنحكم عليه بأنه نجس (أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها) زوال ماذا؟ النجاسة تزول متى؟ بالسابعة (أو

стр. 36

كان آخر غسلة زالت النجاسة بها فهو طاهر) ما دون ذلك نجس هو الذي عناه بهذه المسألة، إذاً مراده بهذه الصورة الغسلات من الأولى إلى السادسة كأنه فصل الأولى إلى السادسة نجسة ولذا قال (أو انفصل) يعني الماء الطهور وهو يسير (عن محل نجاسة) انظر (عن محل نجاسة) ولم يقل عن نجاسة يعني لا يشترط أن يلاقي النجاسة عينها لأن النجاسة قد تزول بأول غسلة نقطة بول على اليد غسلتها زالت النجاسة قطعاً لكن هل طهر المحل؟ لا لم يطهر المحل إذاً محل النجاسة الحكم ثابت له وعين النجاسة موجودة؟ لا غير موجودة المحل الثانية قد لاقت محلاً نجساً لم تلاقي نجسة بنفسها بعينها وإنما محلاً نجساً فمن الأولى إلى السادسة هذا تعتبر ماذا؟ نجساً (أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها) إذا تغير هذا واضح بين أنها تكون نجسة وهذا محل وفاق (قبل زوالها) فنجس فما انفصل قبل السابعة نجس وكذا ما انفصل قبل زوال عين نجاسة ولو بعدها فهما أو متغيراً حينئذٍ الحكم هنا معلق بالغسلات من الأولى إلى السادسة والصحيح في هذا كما ذكرناه سابقاً أن الماء إذا لاقى عين نجاسة ولو لم يتغير فهو نجس فإذا زالت النجاسة طهور المحل فإذا كانت غسلة ثانية أو ثالثة فالصحيح أن الماء يعتبر طهور لا طاهراً ولا نجساً، ثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى في خاتمة الباب ما يتعلق بأحكام هل يمكن تطهير الماء؟ ثم مسائل الشك ثم الاشتباه نأتي عليها لأنها يسيرة وسهلة، (فإن أضيف إلى الماء النجس طهور كثير غير تراب ونحوه أو زال تغير النجس الكثير بنفسه أو نزح منه فبقي بعده كثير غير متغير طهر) نجاسة الماء ليست نجاسة عينية وإنما هي نجاسة حكمية لأن الماء يكون طاهراً أو طهوراً ثم حينئذٍ إذا وقعت فيه النجاسة فأثرت فيه فتغير الماء حكمنا على الماء بكونه نجساً أو كان دون القلتين ووقعت فيه نجاسة حكمنا على الماء بكونه نجساً إذاً هو الأصل طهور أو طاهر ثم انتقل لوقوع النجاسة فيه على التفصيل السابق إلى النوع الثالث وهو النجس هل يمكن تطهيره أو لا محل خلاف بين الفقهاء وأكثر أهل العلم على نعم يمكن تطهيره حينئذٍ ما مسائل التطهير ذكر المصنف هنا الإضافة والتغير ونحوه (فإن أضيف إلى الماء النجس طهور كثير) كثير ما المراد بالكثير؟ قلتان فأكثر يعني عندك ماء نجس سواء كان قليلاً أو كثيراً أضفت إليه زدت عليه طهور كثير ماذا حصل؟ طهر الماء، إذاً تطهير الماء بإضافة ماء كثير عليه بأن تزيد عليه الماء هذا واضح بين فنحكم على هذا الماء في الأصل سواء كان قليلاً أو كثيراً بكون الماء انتقل من النجاسة فرجع إلى أصله يعني تطهر الماء كما تطهر الثوب كما تغسل الثوب كذلك تغسل الماء تغسل الماء بالماء تطهر الماء بالماء (فإن أضيف إلى الماء النجس) أطلق المصنف فلم يقيده فيشمل الكثير والقليل (طهور كثير) لا يسير فإن أضيف إليه يسير حينئذٍ حكمنا عليه بكونه نجس بقي على أصله (غير تراب ونحوه) يعني الماء هو الذي يحصر فيه التطهير لأنك أردت إزالة النجاسة عن الماء يعني حكم النجاسة التي ثبت للماء بكون الماء نجساً أردت زوالها فالذي يزيل هو الماء محصور في الماء إذاً التراب ونحوه من المائعات لا يحكم على الماء النجس سواء كان قليلاً

стр. 37

أو كثيراً بكون الماء قد طهر لماذا؟ لأن التراب لا يطهر نفسه فكذلك سائر المائعات لا تطهر نفسها وإنما حصرت الطهارة بنوعيها في الماء الطهور فكذلك حينئذٍ في الماء النجس إذا أردت تطهيره تضيف إليه الماء فإذا أضفت إليه التراب ونحوه بقي الحكم على أصله إذاً هذه الطريقة الأولى؛ الطريقة الأولى الإضافة تضيف إليه الماء بشرط أن يكون الماء كثيراً والماء الذي أضيف إليه وهو النجس مطلق يعني سواء كان قليلاً أو كثيراً، الثانية (أو زال تغير النجس الكثير بنفسه) هنا قيد النجس الكثير لأن العبر هنا بماذا؟ بالتغير الحكم على الماء الكثير بكونه نجساً بالتغير والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً فإذا زال التغير حكمنا على الماء بكونه تطهر (أو نزح منه) يعني من الماء النجس وهنا يشترط أن يكون كثيراً (فبقي بعده كثير) يعني بقي بعد النزح بقي كثير حينئذٍ يشترط في هذا الماء أن يكون أكثر من قلتين إذاً لا يكون قلتين ولا دون القلتين القلتان ماء كثير وحينئذٍ القلتان لا تطهر بالنزح لأنه يشترط في النزح وهو أخذ الماء من الماء النجس يشترط أن يبقى بعد النزح كثير وهو قلتان إذاً لا يتصور أن يكون ماذا؟ أن يكون هذا الماء قلتين وإنما هو أكثر من قلتين (أو نزح منه فبقي بعده) يعني بعد المنزوح (كثير غير متغير) بهذا الشرط طهوراً يعني حكمنا على الماء بكونه طهوراً أو طاهراً لزوال العلة علة تنجسه وهي التغير، إذاً ما كان قلتين فإنه يطهر بطريقين الإضافة والثانية زوال تغيره بنفسه، ما كان أكثر من قلتين حينئذٍ يطهر بثلاث طرق الإضافة والنزح وزوال التغير، ما كان دون القلتين له كم طريقة؟ طريقة واحده وهي؟ الإضافة فقط، هل يمكن النزح؟ لا، هل بزوال التغير؟ الجواب لا، طيب لو كان متغير وهو قليل وزال التغير - ماء يسير مثل هذا زال تغيره بنفسه - طهر أم بقي على نجاسته؟ باق على نجاسته لأنه قال (أو زال تغير النجس الكثير) أما النجس القليل لو زال تغيره لا يطهر لماذا؟ لكون الملاقاة حاصلة النجاسة موجودة والملاقاة حاصلة حينئذٍ لا يمكن أن يطهر، ثم قال رحمه الله تعالى (وإن شك في نجاسة ماء أو غيره أو طهارته بنى على اليقين) وهذه مسألة الشك بمعنى أنه عنده ماء وشط في هذا الماء قد تغير ولا يدري هل هذه الروثة التي قد غيرة الماء روثة شاة أو وهي طهارة أو روثة حمار وهي نجسة لا يدري اشتبه عليه الأمر شك حينئذٍ نقول الأصل ما هو؟ الأصل الطهارة فنبقى على كونه طاهراً أو كونه طهوراً ولا نحكم بنجاسته بالشك في المغير (وإن شك في نجاسة ماء) أو غيره من الطاهرات حتى في الثوب والبقعة ونحوها من المائعات شككت هل هو نجس أم لا نقول الأصل هو الطهورية فيبقى على أصله ولا تنتقل من كونه نجس إلا بيقين أو طهارته بأن يكون الأصل هو أنه نجس وشك هل زال التغير أو حينئذٍ نبقى على الأصل فالأصل هو المستصحب (بنى على اليقين) الذي علمه قبل طرو الشك فإن كان الأصل أنه طاهر وشك في النجاسة فالأصل أنه طهور وإذا كان الأصل أنه نجس وشك في نجاسته فالأصل أنه نجس والقاعدة المتفق عليها اليقين لا يزول بالشك استناداً لهذه المسألة وكذلك حديث عبدالله بن زيد أن النبي ﷺ شكي إليه الرجل

стр. 38

يجد في بطنه شيء فيشكل عليه هل خرج منه شيء أم لا، (فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوت أو يجد ريحاً) والمسألة واضحة، لكن ينبه إلى أن المراد بالشك هنا ليس هو الشك الذي هو عند الأصوليين الشك عند الأصوليين ما تردد بين أمرين مع استواء الاحتمالين وأما عند الفقهاء فيشمل الشك عند الأصوليين وزيادة على ذلك الظن فيدخل فيه الظن بمعنى أنه متى ما تردد ولو غلب على ظنه بأنه طاهر فيبقى على الأصل وهو النجاسة أو بالعكس، إذاً قوله (وإن شك) حينئذٍ الشك عند الفقهاء هو التردد بين وجود الشيء وعدمه سواء كان الطرفان في التردد سواء أو أحدهما راجحاً وهذا هو المصطلح عليه عند الفقهاء، ثم ذكر مسألة الاشتباه هي فيما اشتبه طهور بنجس ماذا يصنع، قال (وإن اشتبه طهور بنجس حرم استعمالهما) يعني عندك إناءان كل منهما متغير وتعلم يقين أن أحدهما نجس وأحدهما طاهر لكن شككت اشتبه عليك الشك يكون في محل واحد والاشتباه يكون بين أمرين حينئذٍ اشتبه عليك هذا هو الطهور أم النجس ما الحكم؟ حرم عليك استعمال الإناءين لأنه لا يحل لك أن تستعمل النجاسة محرم ولا يمكن اجتناب النجاسة إلا باجتناب الطهور فيتعين عليك اجتناب الأمرين فتعدل إلى التيمم (وإن اشتبه طهور بنجس حرم استعمالهما) لأنه لا يمكن اجتناب النجس إلا باجتناب الطهور (ولم يتحر) يعني لم يجتهد يعني لو كانت هناك قرينة تدل على أن هذا طهور وهذا نجس كذلك يتركهما والظاهر أنه يتحر فإن غلب على ظنه بقرينة محسوسة إما بشم رائحة أو نحوها أو عرف ونحو ذلك حينئذٍ ما غلب على ظنه استعمله وأما إذا استويا حينئذٍ يحرم استعمال الماءين (ولا يشترط للتيمم) لأنه إذا حرم عليه استعمال النوعين الطهور والنجس عدل إلى التيمم لكن هل يريق النوعين أو أنه يجمع بينهما لا يشترط ذكره الخرقي لكنه قول مرجوح، ولا يشترط للتيمم إراقة الإناءين من أجل أن يكون عادماً للماء لأن الله تعالى يقول (فلم تجدوا ماء فتيمموا) هذا واجد للماء لكن لا؛ نقول الوجود هنا وجود حسي لكنه هو من حيث الحكم هو عجز عن استعمال الماءين حينئذٍ فلم يجد الماء هذا لم يجد الماء ما هو الذي وجب عليه التطهر به؟ هو الماء الطهور وهو قد اشتبه عليه الأمران إذاً لا يشترط لتيمم إراقت الإناءين ولا خلطهما من أجل أن يتحقق النجاسة، (وإن اشتبه بطاهر توضأ منهما وضوءاً واحد من هذا غرفة ومن هذا غرفة وصلى صلاة واحدة) إذا اشتبه الطهور بالنجس وجب اجتناب النوعين، لكن إذا اشتبه الطهور بالطاهر ليس عندنا هنا ما يمنع من استعمال النجاسة هناك يجب على المسلم أن يحفظ بدنه كله عن استعمال النجاسة وهنا ليس عندنا ما يجب حفظ البدن عنه لأن الطاهر يجوز استعماله لكن لا في العبادات وإنما في العادات يجوز أن يغتسل ويتنظف بماء طاهر غير مطهر لكن من باب التبرد والتنظف هنا إذا اشتبه طهور بطاهر ومعلوم أن الطهور هو الذي يرفع الحدث والطاهر لا يرفع الحدث ماذا يصنع؟ قلنا لا يعدل إلى التيمم قالوا هنا له مسلك وهو أن يتوضأ منهما وضوءاً واحداً يعني يتوضأ من الإناءين الطهور والطاهر وضوء واحدا ً لا نقول توضأ من الأول ثم توضأ من الثاني هذا محال أن يقع وضوء بهذه الصفة لأنه إذا توضأ من الأول توضأ

стр. 39

متردداً والنية لا توجد مع التردد وإن توضأ من الثاني توضأ متردداً والوضوء لا يوجد بدون نية والنية لا تكون مع التردد إذاً يمتنع أن يتوضأ فلا نقول له توضأ من هذا وضوءاً كاملاً ثم توضأ من هذا مرة أخرى وضوءاً كاملاً لماذا؟ لفقد النية وهي شرط مصححة للوضوء لكن يقال له اجمع بينهما بوضوء واحد تغترف من هذا غرفة ومن هذا غرفة (توضأ منهما وضوءاً واحداً من هذا غرفة ومن هذا غرفة وصلى صلاة واحدة) حينئذٍ لا يلزم أن يصلي الفرض مرتين كما قاله البعض هذا من باب التشدد يعني توضأ من الأول وضوءاً كاملاً ولو جزم بنيته ثم بعد ذلك يصلي صلاة ثم يتوضأ من الثاني ويصلي صلاة حينئذٍ فيه إيجاب فرضين على مكلف واحد وهذا خلاف الأصول خلاف من صلى صلاة واحدة، ثم استطرد بذكر ما يمكن ذكره في هذا المقام وهو ذكر الاشتباه وإن كان يتعلق بباب اللباس فيما سيأتي (وإن اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أو محرمة - كمغصوبة ومسروقة ونحوها - صلى في كل ثوب صلاة - يعني واحدة - بعدد النجس أو المحرم وزاد صلاة) يعني هنا يختلف الحكم بكونه إذا اشتبه عليه ثوب طاهر بثوب نجس حينئذٍ يصلي بعدد النجس يصلى ماذا؟ صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس؛ إذا كان عنده عشرة أثواب منها سبعة نجسة ثلاثة طاهرة وهو واجب عليه أن يحقق الشرط وهو اجتناب النجاسات في الثوب والبدن حينئذٍ نقول له صلي سبع صلوات وزد واحدة ثامنة فوجب عليه أن يصلي ثامن مرات وهذا لا شك أنه تكليف بما لم يشرعه الله عزوجل بل الصواب أنه يتحرى وما غلب على ظنه حينئذٍ لبسه وصلى صلاة واحدة ولا يلزمه الإعادة (وإن اشتبهت ثياب طاهرة - يعني مباحة - بثياب نجسة أو محرمة) يعني ثوب طاهر مباح حلال وثوب طاهر لكنه مسروق لا شك أن الصلاة في الثوب المسروق أو المغصوب لا تصح حينئذٍ ماذا يصنع؟ يصلي بعدد هذا المسروق لو كان ثلاثة يصلي ثلاث مرات وزاد صلاة واحدة هذا بناء عل أنه لا يتحر والصواب أنه يتحر، صلى في كل ثوب صلاة واحدة يكررها بعدد الثياب النجس أو المحرم وزاد على العدد صلاة ليؤدي فرضه بيقين لأن لابد أن يصلي صلاة متيقناً فيها استيفاء الشروط والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 40

عناصر الدرس * باب الآنية، والحكمة من ذكرها بعد باب المياه. * قوله: "كل إناء طاهرا ولو ثمينا يباح اتخاذه ... ". * الأصل في الأعيان الإباحة حتى يرد دليل بالتحريم. * قوله: "إلا آنية ذهب وفضة"، ودليل تحريم آنية الذهب والفضة. * اتفاق الصحابة على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. * هل التحريم يعم كل استعمال لآنية الذهب والفضة، أم خاص بالأكل والشرب فقط؟ * أقوال أهل العلم في علة تحريم الاتخاذ، والراجح ما جاء في نص الحديث. * قوله: "وتصح الطهارة منها"، والراجح خلافه. * قوله: "وتباح آنية الكفار"، بيان حالات آنية الكفار، وحكمها. * حكم ثياب الكفار. * قوله: "ولا يطهر جلدة ميتة بدباغ"، والراجح في المسألة. * قاعدة مهمة: "الميتة هي: اسم للحيوان الميت ظاهرًا وباطنًا". فتعم كل شيء فيها. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد قال المصنف رحمه الله تعالى (باب الآنية) أي هذا باب ذكر مسائل أو أحكام مسائل الآنية والآنية هي الأوعية لغة وعرفاً جمع إناء والإناء هو الوعاء وهو الظرف يوعى فيه الشيء سمي بذلك لأنه يجمع ما فيه ومناسبة ذكر هذا الباب باب السابق وهو أحكام المياه أنه لما ذكر الماء ذكر ظرفه لأن الماء جوهر سيال فيحتاج إلى ظرف ولا يقوم إلا به حينئذٍ ناسب إن يذكر هذا الباب ولأن الآنية منها ما هو محرم ومنها ما هو مباح ومنها ما هو طاهر ومنها ما هو نجس وقد يتأثر الماء بحكم الطاهرية أو النجاسة حينئذٍ لابد من بيان هذه الآنية، الأصل في هذا الباب هو الإباحة والطهارة الأصل في هذا الباب لأن كل ما سيأتي لابد أن يكون مخالفاً للأصل فلابد من دليل يدل عليه فالأصل في الأشياء هي الإباحة سواء كانت في الآنية أو غيرها وهذه قاعدة عامة عند الفقهاء وهي مفيدة لطالب العلم أن الأصل في الأشياء الأعيان المنتفع بها الطهارة والأصل فيها الإباحة وأما الإباحة لقوله تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) (خلق لكم ما) أي الذي وهي اسم موصول بمعنى الذي حينئذٍ يعم فيعم كل ما في الأرض ولذلك أكده بقوله (جميعاً) وهنا ذكر في سياق الامتنان حينئذٍ يدل على أنه طاهر وعلى أنه مباح ومعنى الامتنان أن الله عزوجل يمتن على خلقه بأنه خلق لهم ما في الأرض وهذا إنما يكون إذا مكنهم من الانتفاع به وأما إذا منعهم من الانتفاع به حينئذٍ لا يكون امتنان فدل على أن الأصل هو الإباحة ثم النجس لا يجوز استعماله وهنا امتن بما ينتفع به فدل على أنه طاهر فالأصل في الأشياء الطهارة والإباحة وقال تعالى (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) وقال سبحانه (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فكل محرم الله عزوجل فصله بمعنى بينه والتفصيل هنا بمعنى البيان والتبيين وما يتعلق بهذا الباب أن الأصل في الأشياء الإباحة تخصيص النبي ﷺ المنع والتحريم للآنية الذهب والفضة يقتضي إباحة ما عدهما جاء في الصحيحين (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة) خص آنية الذهب والفضة دل على أن ما عدا الذهب والفضة الأصل فيه الإباحة، ثالثاً: أن النبي ﷺ ثبت أنه توضأ من آنية مختلفة قد جاء من حديث عبدالله بن زيد في البخاري فأخرجنا له توراً من صفر فتوضأ كذلك توضأ من جفنة وتور حجارة ومن إداوة وقربة وغيرها فتنوع استعمال النبي ﷺ لسائر الأواني فدل على أنها مباحة فثبت الحكم فيها لفعله ﷺ وفي معناها قياساً يعني ما عدا ذلك مما لم ينقل عن النبي ﷺ أنه توضأ أو استعمله في طهارة مثلها لأن ما عدا الذهب والفضة الأصل فيه أنه مباح إذ كون النبي ﷺ يخصص الذهب والفضة في الشرب والأكل بالتحريم دل على أن ما عدا الذهب والفضة فهو مباح إذاً عرفنا الأصل في هذا الباب حينئذٍ يكون
следующие страницы →