← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 36123

الشرح الميسر لزاد المستقنع - الحازمي - كتاب الطهارة

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (289 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كان آخر غسلة زالت النجاسة بها فهو طاهر) ما دون ذلك نجس هو الذي عناه بهذه المسألة، إذاً مراده بهذه الصورة الغسلات من الأولى إلى السادسة كأنه فصل الأولى إلى السادسة نجسة ولذا قال (أو انفصل) يعني الماء الطهور وهو يسير (عن محل نجاسة) انظر (عن محل نجاسة) ولم يقل عن نجاسة يعني لا يشترط أن يلاقي النجاسة عينها لأن النجاسة قد تزول بأول غسلة نقطة بول على اليد غسلتها زالت النجاسة قطعاً لكن هل طهر المحل؟ لا لم يطهر المحل إذاً محل النجاسة الحكم ثابت له وعين النجاسة موجودة؟ لا غير موجودة المحل الثانية قد لاقت محلاً نجساً لم تلاقي نجسة بنفسها بعينها وإنما محلاً نجساً فمن الأولى إلى السادسة هذا تعتبر ماذا؟ نجساً (أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها) إذا تغير هذا واضح بين أنها تكون نجسة وهذا محل وفاق (قبل زوالها) فنجس فما انفصل قبل السابعة نجس وكذا ما انفصل قبل زوال عين نجاسة ولو بعدها فهما أو متغيراً حينئذٍ الحكم هنا معلق بالغسلات من الأولى إلى السادسة والصحيح في هذا كما ذكرناه سابقاً أن الماء إذا لاقى عين نجاسة ولو لم يتغير فهو نجس فإذا زالت النجاسة طهور المحل فإذا كانت غسلة ثانية أو ثالثة فالصحيح أن الماء يعتبر طهور لا طاهراً ولا نجساً، ثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى في خاتمة الباب ما يتعلق بأحكام هل يمكن تطهير الماء؟ ثم مسائل الشك ثم الاشتباه نأتي عليها لأنها يسيرة وسهلة، (فإن أضيف إلى الماء النجس طهور كثير غير تراب ونحوه أو زال تغير النجس الكثير بنفسه أو نزح منه فبقي بعده كثير غير متغير طهر) نجاسة الماء ليست نجاسة عينية وإنما هي نجاسة حكمية لأن الماء يكون طاهراً أو طهوراً ثم حينئذٍ إذا وقعت فيه النجاسة فأثرت فيه فتغير الماء حكمنا على الماء بكونه نجساً أو كان دون القلتين ووقعت فيه نجاسة حكمنا على الماء بكونه نجساً إذاً هو الأصل طهور أو طاهر ثم انتقل لوقوع النجاسة فيه على التفصيل السابق إلى النوع الثالث وهو النجس هل يمكن تطهيره أو لا محل خلاف بين الفقهاء وأكثر أهل العلم على نعم يمكن تطهيره حينئذٍ ما مسائل التطهير ذكر المصنف هنا الإضافة والتغير ونحوه (فإن أضيف إلى الماء النجس طهور كثير) كثير ما المراد بالكثير؟ قلتان فأكثر يعني عندك ماء نجس سواء كان قليلاً أو كثيراً أضفت إليه زدت عليه طهور كثير ماذا حصل؟ طهر الماء، إذاً تطهير الماء بإضافة ماء كثير عليه بأن تزيد عليه الماء هذا واضح بين فنحكم على هذا الماء في الأصل سواء كان قليلاً أو كثيراً بكون الماء انتقل من النجاسة فرجع إلى أصله يعني تطهر الماء كما تطهر الثوب كما تغسل الثوب كذلك تغسل الماء تغسل الماء بالماء تطهر الماء بالماء (فإن أضيف إلى الماء النجس) أطلق المصنف فلم يقيده فيشمل الكثير والقليل (طهور كثير) لا يسير فإن أضيف إليه يسير حينئذٍ حكمنا عليه بكونه نجس بقي على أصله (غير تراب ونحوه) يعني الماء هو الذي يحصر فيه التطهير لأنك أردت إزالة النجاسة عن الماء يعني حكم النجاسة التي ثبت للماء بكون الماء نجساً أردت زوالها فالذي يزيل هو الماء محصور في الماء إذاً التراب ونحوه من المائعات لا يحكم على الماء النجس سواء كان قليلاً

стр. 37

أو كثيراً بكون الماء قد طهر لماذا؟ لأن التراب لا يطهر نفسه فكذلك سائر المائعات لا تطهر نفسها وإنما حصرت الطهارة بنوعيها في الماء الطهور فكذلك حينئذٍ في الماء النجس إذا أردت تطهيره تضيف إليه الماء فإذا أضفت إليه التراب ونحوه بقي الحكم على أصله إذاً هذه الطريقة الأولى؛ الطريقة الأولى الإضافة تضيف إليه الماء بشرط أن يكون الماء كثيراً والماء الذي أضيف إليه وهو النجس مطلق يعني سواء كان قليلاً أو كثيراً، الثانية (أو زال تغير النجس الكثير بنفسه) هنا قيد النجس الكثير لأن العبر هنا بماذا؟ بالتغير الحكم على الماء الكثير بكونه نجساً بالتغير والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً فإذا زال التغير حكمنا على الماء بكونه تطهر (أو نزح منه) يعني من الماء النجس وهنا يشترط أن يكون كثيراً (فبقي بعده كثير) يعني بقي بعد النزح بقي كثير حينئذٍ يشترط في هذا الماء أن يكون أكثر من قلتين إذاً لا يكون قلتين ولا دون القلتين القلتان ماء كثير وحينئذٍ القلتان لا تطهر بالنزح لأنه يشترط في النزح وهو أخذ الماء من الماء النجس يشترط أن يبقى بعد النزح كثير وهو قلتان إذاً لا يتصور أن يكون ماذا؟ أن يكون هذا الماء قلتين وإنما هو أكثر من قلتين (أو نزح منه فبقي بعده) يعني بعد المنزوح (كثير غير متغير) بهذا الشرط طهوراً يعني حكمنا على الماء بكونه طهوراً أو طاهراً لزوال العلة علة تنجسه وهي التغير، إذاً ما كان قلتين فإنه يطهر بطريقين الإضافة والثانية زوال تغيره بنفسه، ما كان أكثر من قلتين حينئذٍ يطهر بثلاث طرق الإضافة والنزح وزوال التغير، ما كان دون القلتين له كم طريقة؟ طريقة واحده وهي؟ الإضافة فقط، هل يمكن النزح؟ لا، هل بزوال التغير؟ الجواب لا، طيب لو كان متغير وهو قليل وزال التغير - ماء يسير مثل هذا زال تغيره بنفسه - طهر أم بقي على نجاسته؟ باق على نجاسته لأنه قال (أو زال تغير النجس الكثير) أما النجس القليل لو زال تغيره لا يطهر لماذا؟ لكون الملاقاة حاصلة النجاسة موجودة والملاقاة حاصلة حينئذٍ لا يمكن أن يطهر، ثم قال رحمه الله تعالى (وإن شك في نجاسة ماء أو غيره أو طهارته بنى على اليقين) وهذه مسألة الشك بمعنى أنه عنده ماء وشط في هذا الماء قد تغير ولا يدري هل هذه الروثة التي قد غيرة الماء روثة شاة أو وهي طهارة أو روثة حمار وهي نجسة لا يدري اشتبه عليه الأمر شك حينئذٍ نقول الأصل ما هو؟ الأصل الطهارة فنبقى على كونه طاهراً أو كونه طهوراً ولا نحكم بنجاسته بالشك في المغير (وإن شك في نجاسة ماء) أو غيره من الطاهرات حتى في الثوب والبقعة ونحوها من المائعات شككت هل هو نجس أم لا نقول الأصل هو الطهورية فيبقى على أصله ولا تنتقل من كونه نجس إلا بيقين أو طهارته بأن يكون الأصل هو أنه نجس وشك هل زال التغير أو حينئذٍ نبقى على الأصل فالأصل هو المستصحب (بنى على اليقين) الذي علمه قبل طرو الشك فإن كان الأصل أنه طاهر وشك في النجاسة فالأصل أنه طهور وإذا كان الأصل أنه نجس وشك في نجاسته فالأصل أنه نجس والقاعدة المتفق عليها اليقين لا يزول بالشك استناداً لهذه المسألة وكذلك حديث عبدالله بن زيد أن النبي ﷺ شكي إليه الرجل

стр. 38

يجد في بطنه شيء فيشكل عليه هل خرج منه شيء أم لا، (فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوت أو يجد ريحاً) والمسألة واضحة، لكن ينبه إلى أن المراد بالشك هنا ليس هو الشك الذي هو عند الأصوليين الشك عند الأصوليين ما تردد بين أمرين مع استواء الاحتمالين وأما عند الفقهاء فيشمل الشك عند الأصوليين وزيادة على ذلك الظن فيدخل فيه الظن بمعنى أنه متى ما تردد ولو غلب على ظنه بأنه طاهر فيبقى على الأصل وهو النجاسة أو بالعكس، إذاً قوله (وإن شك) حينئذٍ الشك عند الفقهاء هو التردد بين وجود الشيء وعدمه سواء كان الطرفان في التردد سواء أو أحدهما راجحاً وهذا هو المصطلح عليه عند الفقهاء، ثم ذكر مسألة الاشتباه هي فيما اشتبه طهور بنجس ماذا يصنع، قال (وإن اشتبه طهور بنجس حرم استعمالهما) يعني عندك إناءان كل منهما متغير وتعلم يقين أن أحدهما نجس وأحدهما طاهر لكن شككت اشتبه عليك الشك يكون في محل واحد والاشتباه يكون بين أمرين حينئذٍ اشتبه عليك هذا هو الطهور أم النجس ما الحكم؟ حرم عليك استعمال الإناءين لأنه لا يحل لك أن تستعمل النجاسة محرم ولا يمكن اجتناب النجاسة إلا باجتناب الطهور فيتعين عليك اجتناب الأمرين فتعدل إلى التيمم (وإن اشتبه طهور بنجس حرم استعمالهما) لأنه لا يمكن اجتناب النجس إلا باجتناب الطهور (ولم يتحر) يعني لم يجتهد يعني لو كانت هناك قرينة تدل على أن هذا طهور وهذا نجس كذلك يتركهما والظاهر أنه يتحر فإن غلب على ظنه بقرينة محسوسة إما بشم رائحة أو نحوها أو عرف ونحو ذلك حينئذٍ ما غلب على ظنه استعمله وأما إذا استويا حينئذٍ يحرم استعمال الماءين (ولا يشترط للتيمم) لأنه إذا حرم عليه استعمال النوعين الطهور والنجس عدل إلى التيمم لكن هل يريق النوعين أو أنه يجمع بينهما لا يشترط ذكره الخرقي لكنه قول مرجوح، ولا يشترط للتيمم إراقة الإناءين من أجل أن يكون عادماً للماء لأن الله تعالى يقول (فلم تجدوا ماء فتيمموا) هذا واجد للماء لكن لا؛ نقول الوجود هنا وجود حسي لكنه هو من حيث الحكم هو عجز عن استعمال الماءين حينئذٍ فلم يجد الماء هذا لم يجد الماء ما هو الذي وجب عليه التطهر به؟ هو الماء الطهور وهو قد اشتبه عليه الأمران إذاً لا يشترط لتيمم إراقت الإناءين ولا خلطهما من أجل أن يتحقق النجاسة، (وإن اشتبه بطاهر توضأ منهما وضوءاً واحد من هذا غرفة ومن هذا غرفة وصلى صلاة واحدة) إذا اشتبه الطهور بالنجس وجب اجتناب النوعين، لكن إذا اشتبه الطهور بالطاهر ليس عندنا هنا ما يمنع من استعمال النجاسة هناك يجب على المسلم أن يحفظ بدنه كله عن استعمال النجاسة وهنا ليس عندنا ما يجب حفظ البدن عنه لأن الطاهر يجوز استعماله لكن لا في العبادات وإنما في العادات يجوز أن يغتسل ويتنظف بماء طاهر غير مطهر لكن من باب التبرد والتنظف هنا إذا اشتبه طهور بطاهر ومعلوم أن الطهور هو الذي يرفع الحدث والطاهر لا يرفع الحدث ماذا يصنع؟ قلنا لا يعدل إلى التيمم قالوا هنا له مسلك وهو أن يتوضأ منهما وضوءاً واحداً يعني يتوضأ من الإناءين الطهور والطاهر وضوء واحدا ً لا نقول توضأ من الأول ثم توضأ من الثاني هذا محال أن يقع وضوء بهذه الصفة لأنه إذا توضأ من الأول توضأ

стр. 39

متردداً والنية لا توجد مع التردد وإن توضأ من الثاني توضأ متردداً والوضوء لا يوجد بدون نية والنية لا تكون مع التردد إذاً يمتنع أن يتوضأ فلا نقول له توضأ من هذا وضوءاً كاملاً ثم توضأ من هذا مرة أخرى وضوءاً كاملاً لماذا؟ لفقد النية وهي شرط مصححة للوضوء لكن يقال له اجمع بينهما بوضوء واحد تغترف من هذا غرفة ومن هذا غرفة (توضأ منهما وضوءاً واحداً من هذا غرفة ومن هذا غرفة وصلى صلاة واحدة) حينئذٍ لا يلزم أن يصلي الفرض مرتين كما قاله البعض هذا من باب التشدد يعني توضأ من الأول وضوءاً كاملاً ولو جزم بنيته ثم بعد ذلك يصلي صلاة ثم يتوضأ من الثاني ويصلي صلاة حينئذٍ فيه إيجاب فرضين على مكلف واحد وهذا خلاف الأصول خلاف من صلى صلاة واحدة، ثم استطرد بذكر ما يمكن ذكره في هذا المقام وهو ذكر الاشتباه وإن كان يتعلق بباب اللباس فيما سيأتي (وإن اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أو محرمة - كمغصوبة ومسروقة ونحوها - صلى في كل ثوب صلاة - يعني واحدة - بعدد النجس أو المحرم وزاد صلاة) يعني هنا يختلف الحكم بكونه إذا اشتبه عليه ثوب طاهر بثوب نجس حينئذٍ يصلي بعدد النجس يصلى ماذا؟ صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس؛ إذا كان عنده عشرة أثواب منها سبعة نجسة ثلاثة طاهرة وهو واجب عليه أن يحقق الشرط وهو اجتناب النجاسات في الثوب والبدن حينئذٍ نقول له صلي سبع صلوات وزد واحدة ثامنة فوجب عليه أن يصلي ثامن مرات وهذا لا شك أنه تكليف بما لم يشرعه الله عزوجل بل الصواب أنه يتحرى وما غلب على ظنه حينئذٍ لبسه وصلى صلاة واحدة ولا يلزمه الإعادة (وإن اشتبهت ثياب طاهرة - يعني مباحة - بثياب نجسة أو محرمة) يعني ثوب طاهر مباح حلال وثوب طاهر لكنه مسروق لا شك أن الصلاة في الثوب المسروق أو المغصوب لا تصح حينئذٍ ماذا يصنع؟ يصلي بعدد هذا المسروق لو كان ثلاثة يصلي ثلاث مرات وزاد صلاة واحدة هذا بناء عل أنه لا يتحر والصواب أنه يتحر، صلى في كل ثوب صلاة واحدة يكررها بعدد الثياب النجس أو المحرم وزاد على العدد صلاة ليؤدي فرضه بيقين لأن لابد أن يصلي صلاة متيقناً فيها استيفاء الشروط والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 40

عناصر الدرس * باب الآنية، والحكمة من ذكرها بعد باب المياه. * قوله: "كل إناء طاهرا ولو ثمينا يباح اتخاذه ... ". * الأصل في الأعيان الإباحة حتى يرد دليل بالتحريم. * قوله: "إلا آنية ذهب وفضة"، ودليل تحريم آنية الذهب والفضة. * اتفاق الصحابة على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. * هل التحريم يعم كل استعمال لآنية الذهب والفضة، أم خاص بالأكل والشرب فقط؟ * أقوال أهل العلم في علة تحريم الاتخاذ، والراجح ما جاء في نص الحديث. * قوله: "وتصح الطهارة منها"، والراجح خلافه. * قوله: "وتباح آنية الكفار"، بيان حالات آنية الكفار، وحكمها. * حكم ثياب الكفار. * قوله: "ولا يطهر جلدة ميتة بدباغ"، والراجح في المسألة. * قاعدة مهمة: "الميتة هي: اسم للحيوان الميت ظاهرًا وباطنًا". فتعم كل شيء فيها. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد قال المصنف رحمه الله تعالى (باب الآنية) أي هذا باب ذكر مسائل أو أحكام مسائل الآنية والآنية هي الأوعية لغة وعرفاً جمع إناء والإناء هو الوعاء وهو الظرف يوعى فيه الشيء سمي بذلك لأنه يجمع ما فيه ومناسبة ذكر هذا الباب باب السابق وهو أحكام المياه أنه لما ذكر الماء ذكر ظرفه لأن الماء جوهر سيال فيحتاج إلى ظرف ولا يقوم إلا به حينئذٍ ناسب إن يذكر هذا الباب ولأن الآنية منها ما هو محرم ومنها ما هو مباح ومنها ما هو طاهر ومنها ما هو نجس وقد يتأثر الماء بحكم الطاهرية أو النجاسة حينئذٍ لابد من بيان هذه الآنية، الأصل في هذا الباب هو الإباحة والطهارة الأصل في هذا الباب لأن كل ما سيأتي لابد أن يكون مخالفاً للأصل فلابد من دليل يدل عليه فالأصل في الأشياء هي الإباحة سواء كانت في الآنية أو غيرها وهذه قاعدة عامة عند الفقهاء وهي مفيدة لطالب العلم أن الأصل في الأشياء الأعيان المنتفع بها الطهارة والأصل فيها الإباحة وأما الإباحة لقوله تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) (خلق لكم ما) أي الذي وهي اسم موصول بمعنى الذي حينئذٍ يعم فيعم كل ما في الأرض ولذلك أكده بقوله (جميعاً) وهنا ذكر في سياق الامتنان حينئذٍ يدل على أنه طاهر وعلى أنه مباح ومعنى الامتنان أن الله عزوجل يمتن على خلقه بأنه خلق لهم ما في الأرض وهذا إنما يكون إذا مكنهم من الانتفاع به وأما إذا منعهم من الانتفاع به حينئذٍ لا يكون امتنان فدل على أن الأصل هو الإباحة ثم النجس لا يجوز استعماله وهنا امتن بما ينتفع به فدل على أنه طاهر فالأصل في الأشياء الطهارة والإباحة وقال تعالى (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) وقال سبحانه (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فكل محرم الله عزوجل فصله بمعنى بينه والتفصيل هنا بمعنى البيان والتبيين وما يتعلق بهذا الباب أن الأصل في الأشياء الإباحة تخصيص النبي ﷺ المنع والتحريم للآنية الذهب والفضة يقتضي إباحة ما عدهما جاء في الصحيحين (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة) خص آنية الذهب والفضة دل على أن ما عدا الذهب والفضة الأصل فيه الإباحة، ثالثاً: أن النبي ﷺ ثبت أنه توضأ من آنية مختلفة قد جاء من حديث عبدالله بن زيد في البخاري فأخرجنا له توراً من صفر فتوضأ كذلك توضأ من جفنة وتور حجارة ومن إداوة وقربة وغيرها فتنوع استعمال النبي ﷺ لسائر الأواني فدل على أنها مباحة فثبت الحكم فيها لفعله ﷺ وفي معناها قياساً يعني ما عدا ذلك مما لم ينقل عن النبي ﷺ أنه توضأ أو استعمله في طهارة مثلها لأن ما عدا الذهب والفضة الأصل فيه أنه مباح إذ كون النبي ﷺ يخصص الذهب والفضة في الشرب والأكل بالتحريم دل على أن ما عدا الذهب والفضة فهو مباح إذاً عرفنا الأصل في هذا الباب حينئذٍ يكون

стр. 41

مستمسكاً لطالب الحق بأن كل ما قيل بأنه ممنوع فيستصحب الأصل ولا ينتقل عنه إلا بدليل واضح بين حينئذٍ يكون التحريم خلاف الأصل فنحتاج إلى دليل ويكون الحكم بالنجاسة خلاف الأصل فنحتاج إلى دليل، قال المصنف رحمه الله تعالى (كل إناء طاهر ولو ثميناً يباح اتخاذه واستماله) هذه قاعدة صدرها بكل ومعلوم بأن كل من ألفاظ العموم (صيغه كل أو الجميع ... وقد تلا الذي التي الفروع) حينئذٍ يشمل كل ما أضيف إليه لفظ كل وهنا أضيف إلى لفظ إناء حينئذٍ يكون فيه عموم ووجه العموم أنه يشمل الإناء الصغير والإناء الكبير ويشمل الإناء الثمين وغير الثمين ويشمل الطاهر والنجس فقوله (كل إناء) حينئذٍ نقول هذه الكلية يدخل تحتها الإناء الكبير والإناء الصغير يدخل تحتها الثمين وغير الثمين يدخل تحتها الطاهر والنجس قوله (طاهر) هذه صفة لإناء حينئذٍ يكون قد أخرج النجس لأن ضد الطاهر هو النجس والطاهر هو المنزه من الأقذار فما كان نجساً لا يجوز استعماله لأن المصنف هنا حكم (يباح اتخاذه واستعماله) وخصص هذا الحكم بما كان طاهراً مفهومه أن ما لم يكن طاهراً حينئذٍ اتخاذه واستعماله إذ الأصل في النجاسة مجانبتها وعدم استعمالها (كل إناء طاهر) إذاً الطاهر أخر النجس والإناء الطاهر ما كان مصنوعاً من خشب أو جلد طاهر مباح أو صفر أو حديد أو نحو ذلك كذلك الذهب والفضة تعتبر من الطاهرات لكن للنص الخاص حينئذٍ جاء التخصيص بالتحريم إذاً (كل إناء طاهر) قال المصنف (ولو ثميناً) ثمين فعيل وهو صيغة مبالغة يعني كثير الثمن (ولو ثميناً) يعني ولو كان الإناء الطاهر ثمين يعني كثير الثمن فلا فرق بين الدنيء في سعره وبين ما كان ثميناً في سعره وقوله (لو) هذه إشارة خلاف يفهم منه وهو منسوب للشافعي أنه خالف في الثمين فقال الثمين لا يجوز استعماله دفع لهذا القول ولإدخال الثمين في المحكوم عليه وهو الإناء الطاهر قال المصنف رحمه الله تعالى (ولو ثميناً) إذاً قوله (ولو) هذه إشارة خلاف والمذهب حروف الخلاف ثلاثة عند الحنابلة (حتى) وهي للخلاف القوي و (إن) وهي للخلاف المتوسط و (لو) وهي للخلاف الضعيف هذا هو المشهور عند الحنابلة (حتى وإن ولو) إذا أرد أن يحكي الخلاف لكن الخلاف يتفاوت في نفسه بعضه قوي وبعضه متوسط وبعضه ضعيف فإذا أراد المصنف وغيره من الفقهاء الإشارة إلى الخلاف القوي قال حتى وإذا أراد الإشارة إلى الخلاف المتوسط قال وإن وإذا أراد الإشارة إلى الخلاف الضعيف قال ولو لكن هذا الاستعمال ليس متفق عليه وعند بعضهم لو للخلاف القوي عكس القول الأول حيث يستعملها للخلاف الضعيف وإن للمتوسط - فتفقا - وحتى للضعيف على كل إذا جاءت هذه الألفاظ الثلاثة فثَمَّ خلاف في المسألة والمخالف هنا هو الشافعي حيث ألحق الثمين بآنية الذهب والفضة بالتحريم والصواب أنه ليس ثَمَّ دليل يدل على تحريم الثمين وإنما جاء التنصيص على الذهب والفضة حينئذٍ يكون ما عداه على الأصل وعرفنا أن الأصل هو الإباحة وليس ثَمَّ دليل واضح بين يحرم ذلك قوله (ولو ثميناً) ثميناً بالنصب خبر لكان محذوفة مع اسمها ولو كان الإناء ثميناً قال ابن مالك رحمه الله تعالى (ويحذفونها ويبقون الخبر ... وبعد إن ولو كثيراً ذا اشتهر)

стр. 42

(إلتمس ولو خاتماً من حديد) خاتماً هذا خبر كان محذوفاً هي مع اسمها (ولو ثميناً) يعني ولو كان الإناء الطاهر ثميناً أي غالي الثمن كجوهر وزمرد ونحوهما قال (يباح اتخاذه واستعماله) (يباح) هذا فعل مضارع مغير الصيغة وهو حكم شرعي الإباحة هي حكم شرعي وكونها حكماً تكليفياً هذا قول مرجوح والصحيح أنها حكم شرعي وليس حكماً تكليفي وإذا انتفاء كون الإباحة حكماً تكليفياً لا يلزم منه أن ينتفي عنها وصف الشرعي وثَمَّ حينئذٍ مسألتان هل الإباحة حكم تكليفي أو لا؟ جماهير الأصوليين على أنها ليست حكماً تكليفي، هل الإباحة حكم شرعي أم لا - والذي يقابل الشرعي هو العقلي-؟ ولبعض المعتزلة أنه ليس شرعياً وجماهير الأصوليين على أنه حكم شرعي، إذاً (يباح) هذا حكم شرعي وعرفنا الدليل فيما سبق لأنه موافق للأصل، ما الذي يباح من هذه الآنية؟ قال (اتخاذه واستعماله) اتخاذه يعني اقتناه سواء كان لزينة أو فيما يستعمل في المستقبل يعني أن يوضع هذا الإناء يقتنى من أجل أن يستعمل في أكل أو شرب أو نحوهما لكنه في المستقبل أو ينتقى هذا الإناء من أجل الزينة هذا المراد بالاتخاذ يعني لا يستعمل وإنما يكون زينة أو معداً للاستعمال في المستقبل (واستعماله) أي التلبس بالانتفاع به يتلبس بمعنى أنه يستعمله كهذا الكأس مثلاً يصب فيه الماء فيستعمل والاستعمال قد يكون في أكل وشرب وقد يكون في غير الأكل والشرب إذاً هذا هو الأصل وهذا هو قول عامة أهل العلم ولذلك قال في الشرح بلا كراهة إذاً الثمين وما دونه إذا كان الإناء طاهراًَ يباح اتخاذه واستعماله وهو محل وفاق بين أهل العلم إلا في مسألة الثمين فجماهير أهل العلم على أنه مباح كغيره والشافعي رحمه الله تعالى له قول بأنه محرم بمعنى أنه ملحق بالذهب والفضة والصحيح أنه ليس ملحقاً بهما لأن الذهب والفضة قد نص عليهما، قال (إلا آنية ذهب وفضة ومضبباً بهما فإنه يحرم اتخاذها واستعمالها ولو على أنثى) هذا استثناء من الإناء الطاهر لأن قعدنا أن كل إناء طاهر ولو ثميناً ولا شك أن الذهب والفضة ثميناً يباح اتخاذه واستعماله دخل في هذه الكلية الذهب والفضة ومعلوم على أن النص قد دل على تحريم ذلك حينئذٍ استثنى المصنف هذا النوع فقال (إلا) هذا استثناء ومعلوم أن الاستثناء معيار العموم فحينئذٍ ما عدا المستثنى فهو داخل فيما سبق المستثنى منه ما هو؟ (كل إناء طاهر) هذا المستثنى منه والمستثنى (إلا آنية - بالنصب - ذهب وفضة ومضبباً بهما) حينئذٍ المستثنى يخالف المستثنى منه في الحكم إذ ثبتت الإباحة للمستثنى منه وحينئذٍ ما بعد أداة الاستثناء يخالف ما قبلها حينئذٍ قال (فإنه يحرم اتخاذه أو استعماله) إذاً هذا استثنى من الإناء الطاهر لأن الذهب والفضة من الطاهرات (إلا الآنية ذهب وفضة) آنية ذهب الذهب معروف والفضة كذلك معروفة والمراد هنا أن يجعل كل من الذهب أو الفضة على هيئة الآنية بأن يصنع من الذهب طبق أو ملعقة أو كأس ماء أو نحو ذلك حينئذٍ نقول جعلت هذه الفضة أو هذا ذهب جعل على هيئة إناء أو مضبباً (ومضبباً بهما) بأن يكون أصل الإناء مصنوعاً من خشب مثلاً أو صفر أو حديد لكنه يضبب بذهب أو فضة فهو ملحق لأن الأصل فيه الإباحة لو

стр. 43

صنع إناء من خشب ما الأصل فيه نقول هو مباح كذلك لو صنع إناء من صفر أو حديد نقول هذا مباح لكن لو جعل فيه شيء من الفضة أو الذهب على أي هيئة كانت حينئذٍ نقول هذا الأصل فيه الإباحة لكن لما ألحق به ما هو محرم حينئذٍ ألحق بالمحرم ذهب والفضة في الحكم (ومضبباً بهما) المضبب هو الذي عمل فيه ضبة مأخوذ من الضب والتضبيب وهو تغطية الشيء ودخول بعضه في بعض وهي في الأصل حديدة تجمع بين طرفي المنكسر قد يكون الإناء مصنوعاً من حديد فيقع فيه نوع تشعب أو انكسار حينئذٍ يصلح بماذا؟ بسلسة أو بشيء من الذهب أو الفضة فيسمى الإناء كله يسمى ماذا؟ يسمى مضبباً لوضع هذه القطعة من الذهب أو الفضة قال الجوهري (هي حديدة عريضة يضبب بها الباب - هذا في الأصل - يضبب بها شق الباب ونحوه بوضع صفيحة عليه تضمه وتحفظه أو يشعب بها الإناء)، (ومضبباً بهما) أي الذهب والفضة حينئذٍ المضبب هو إناء طاهر مصنوع من غير الذهب أو الفضة ويوضع فيه شيء من الذهب أو الفضة بأي شيء كان مهما اختلفت الصناعات ومهما تطورت حينئذٍ كل إناء وضع فيه شيء الذهب ولو لون الذهب أو الفضة ولو لون الفضة حينئذٍ صار مضبباً فيأخذ حكم الذهب الخالص والفضة الخالصة قال (أو بأحدهما) يعني لا يشترط أن يجمع بينهما كما هو ظاهر العبارة (ومضبباً بهما) يعني بالذهب والفضة طيب لو ضبب بأحدهما بالذهب دون الفضة أو بالفضة دون الذهب الحكم واحد أو لا؟ الحكم واحد فذكر المصنف لتضبيب بالذهب والفضة لا يستلزم منه أنه لو ضبب بأحدهما أن يكون الحكم مخالفاً إذاً آنية ذهب وآنية فضة والمضبب بهما أو بواحد منهما ما الحكم قال (فإنه يحرم) هذا يقابل يباح قال (يباح اتخاذه واستعماله) هنا قال (فإنه يحرم) والتحريم معلوم أنه هو ما طلب الشارع تركه طلباً جازماً فهو حكم شرعي ما الذي يحرم من هذه الآنية آنية الذهب والفضة والمضبب بهما أو بأحدهما؟ يحرم اتخاذها واستعمالها حينئذٍ مطلق الاستعمال ومطلق الاتخاذ فأي استعمال للآنية الذهب أو الفضة سواء كان الاستعمال في الأكل أو في الشرب أو في غير الأكل والشرب أو اتخاذ آنية الذهب والفضة بأن يقتنى زينة أو لكونه يستعمل في المستقبل على أي وجه كان آنية الذهب والفضة والمضبب بهما أو بأحدهما محرم، وعندنا هنا ثلاثة أشياء أولاً: استعمال لآنية الذهب والفضة في الأكل والشرب، ثانياً: استعمال لآنية الذهب والفضة لغير الأكل والشرب، ثالثاً: الاتخاذ، أما استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب فهذا محل إجماع بين الصحابة وإن خالف بعض المتأخرين بأنه يكره وإنما انعقد الإجماع إجماع الصحابة على أنه يحرم استعمال هذين النوعين في الأكل والشرب ولذلك جاء في حديث الصحيحين (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) (لا تشربوا) لا ناهية وتشربوا فعل مضارع سلط عليه أداة النهي حينئذٍ يعم الشرب أكثره وأقله أدنى شربة نقول هذا محرم للعموم النص ثم هذا النهي يحمل على أصله وهو التحريم إذ الأصل في النهي أن يحمل على التحريم لكن ليس كل ما يحمل على التحريم يدل على أنه كبيرة من الكبائر ومعلوم أن استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب من

стр. 44

الكبائر فنحتاج إلى دليل أخص يدل على أن استعمال هذين النوعين في الأكل والشرب يعتبر من الكبائر قد جاء في البخاري ولمسلم (الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) هذا توعد بنار ومعلوم أن من ضوابط الكبيرة ما توعد عليها بعذاب في الدنيا أو في الآخرة حينئذٍ نقول هي محرمة وهي كبيرة من الكبائر وهذا محل إجماع كما ذكرت فيما سبق وإن وقع نزاع عند بعض المتأخرين بأنه محمول على الكراهة إلا أنه قول شاذ بمعنى أنه مخالف للإجماع وأما ما عدا الأكل والشرب فهذا محل خلاف بين أهل العلم وحكي الإجماع على أن ما كان في معنى الأكل والشرب حكمه حكم الأكل والشرب ولذلك قال النووي رحمه الله تعالى (انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب فيها - يعني في آنية الذهب والفضة - وجميع أنواع الاستعمال في معنى الأكل والشرب بالإجماع) وحكا غيره إجماع الأمة على ذلك إذاً ما عدا الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة حكي عليه الإجماع وثَمَّ خلاف في بعض المذاهب لكن الصحيح ملحق به وما كان بالنص بالتنصيص على الأكل والشرب نقول هذا خرج مخرج الغالب إذاً هو ملحق بالأكل والشرب، ثالثاً: الاتخاذ وهو الاقتناء من هذه الآنية مع كونها لم تستعمل في الأكل والشرب ولا في غيرهما نقول هو كذلك محرم لأن ما حرم استعماله مطلقاً حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالملاهي كما أن المعازف محرمة الاستعمال هي كذلك محرمة الاتخاذ إذ لا يقال بأن التحريم هنا منصب على الاستعمال فحسب ثم له أن يتخذ هذه المعازف كأن يضعها في بيته زينة ونحوها بل نقول هذا محرم كذلك آنية الذهب والفضة محرمة الاستعمال في الأكل والشرب وما كان في معنى الأكل والشرب ملحق به حينئذٍ اتخاذها يكون وسيلة إلى استعمالها ولا شك أن الوسائل لها أحكام المقاصد حينئذٍ نقول اتخاذ هذه الآنية يكون من المحرمات للقاعدة التي ذكرناها ولذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى (بل يعم ذلك سائر وجوه الانتفاع) يعني هذا النص الذي جاء في الحديث (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها) يعم سائر وجوه الانتفاع بمعنى أنه ما كان في معنى الأكل والشرب فهو محرم وكذلك ما كان متخذ ولو لم يستعمل في أكل وشرب فهو محرم والتنصيص على الأكل والشرب يكون خرج مخرج الغالب وما كان كذلك لا يتقيد الحكم به لذلك قال تعالى (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً) إنما حرقوها ولم يأكلوها الحكم واحد يستويان لأن المراد هو الإتلاف والتنصيص على الأكل لا يلزم منه أنه لو أحرقها لا يستوي الحكم معه كذلك قوله تعالى (لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة) تأكلوا الأكل مخصوص معلوم حينئذٍ لو تعامل بالربا أضعافاً مضاعفة ولم يأكل هو كذلك محرم (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم) دل النص على أن التخصيص هنا مراد أو غير مراد؟ غير مراد فلا مفهوم له كما ذهب إليه بن حزم إذاً هذه النصوص وهذه الأقوال تدل على أن الحكم واحد في آنية الذهب والفضة سواء كان في الاتخاذ أو في الاستعمال سواء كان الاستعمال في الأكل والشرب أو في غير الأكل والشرب ولذلك قال بن عبدالبر (معلوم أن من أتخذها لا يسلم من بيعها أو استعمالها لأنها ليس مأكولة ولا مشروبة فلا

стр. 45

فائدة فيها غير استعمالها) إذاً الاتخاذ قد يكون وسيلة إلى بيعها وبيعها محرم فحينئذٍ اتخاذها محرم كذلك أتهابها إهداؤها إعطاؤها حينئذٍ نقول هذا كله يعتبر من المحرمات وكذلك ما كان وسيلة وهو الاتخاذ إلى هذه الأنواع كذلك قوله ﷺ (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) مفهومه أنها ليست لكم في الدنيا وهو دليل على تحريم الاتخاذ (فإنها لهم في الدنيا) يعني الكفار ومعلوم أنهم قد يستعملونها في أكل وشرب وقد يتخذونها فدل على أن العلة أعم من الحكم لأن الحكم هنا لا تشربوا ولا تأكلوا ثم علل بعلة هي أعم من الشرب والأكل فدل على أن ما عدا الأكل والشرب في معنى الأكل والشرب إذاً قوله (إلا آنية ذهب وفضة ومضبباً بهما فإنها يحرم اتخاذها واستعمالها) على ظاهره على الصحيح من أقوال الفقهاء قوله (ومضبباً بهما) عرفنا الحكم فيما كان خالصاً من الذهب والفضة أما المضبب فما الدليل على تحريمه؟ نقول الدليل حديث بن عمر مرفوعاً (من شرب من إناء من ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم) رواه الدار القطني الحديث فيه شيء من الضعف لكن يقويه ما جاء في العلة التي سنذكرها ولوجود علة الخالص لأن الخالص الذي هو آنية الذهب والفضة علل بعدة علل لكن النص ورد (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) هذه علة واضحة بينه يمكن تعليق الحكم بها وإن علل كثير من الفقهاء بأن العلة هي بما فيه من السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء قد تكون هذه كذلك موجودة لكن مادام أن العلة منصوصة في الحديث السابق حينئذٍ يعلق الحكم بها ولذلك قال بن القيم رحمه الله تعالى (والصواب أن العلة ما يكسب القلب من استعمالها من الهيئة والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرة ولهذا علل ﵊ بأنها للكفار في الدنيا إذ ليس لهم نصيب في العبودية التي ينالونها بها في الآخرة) وهذا له وجهه وهو المعتمد إن شاء الله تعالى إذاً وجود هذه العلة في المضبب ثانياً: يقال المحرم مفسدة الشارع لا يأمر سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة ولا ينهى عن شيء نهي تحريم أو نهي تنزيه إلا عما فيه مفسدة خالصة أو راجحة حينئذٍ آنية الذهب والفضة فيها مفسدة ولا شك وإذا علق الحكم على كل حينئذٍ يصحبه ولو في أجزائه بمعنى أن الكل إذا حرك حينئذٍ التحريم يتبع أجزاءه فكل جزء من تلك الأجزاء هي محرمة فإذا نهي عن استعمال الكل حينئذٍ ينهى عن استعمال الأجزاء فكما أن الشارع نهى عن استعمال آنية الذهب والفضة الخالصة حينئذٍ كلما وجد شيء من الذهب والفضة ولو في إناء في أصله ليس من الذهب والفضة فالحكم واحد إذاً المحرم مفسدة فإن كان خالصاً فمفسدته خالصة وإن لم يكن خالصاً ففيه بقدر هذه المفسدة وتحريم الشيء مطلقاً يقتضي تحريم كل جزء منه النهي عن الشيء ما مطلقاً نهي عن بعضه وإذا نهى عن آنية الذهب حينئذٍ هو نهى عن بعض الذهب فإذا استعمل الخالص من الذهب في الأكل والشرب حينئذٍ ما تضمن الذهب ولو شيء يسير فحكمه واحد والنهي عن بعضه المحرم فإذا استعمل جزء من الإناء فقد استعمله كله فيكون مستعملاً للذهب والفضة، قال (ولو على أنثى) بمعنى أن هذا

стр. 46

الحكم عام في الذكور والإناث فلا يقال على أن الإجماع العملي دل على أن النساء يتزين بالذهب والفضة بالذهب الخالص نقول هذا إجماع عملي وهو مستثنى وما عدا التزين الحلي حينئذٍ يكون الحكم واحد في الذكور والإناث إذاً هذا الحكم إلا آنية ذهب وفضة ومضبباً بهما إنه يحرم اتخاذه واستعماله عام في الذكور والإناث لماذا؟ لعموم النصوص (لا تشربوا) الواو هذه من صيغ العموم فتعم الذكر والأنثى الكبير والصغير (ولا تأكلوا) الواو هذه صيغة عموم فتعم الذكر والأنثى كذلك الكبير والصغير حينئذٍ استويا في الحكم هل وجد مخصص يدل على جواز استعمال الإناث لآنية الذهب والفضة؟ الجواب لا إذاً يبقى على عمومه فالنصوص عامه (الذي يشرب في آنية الذهب) الذي هذا يعتبر من صيغ العموم إذاً قوله (ولو على أنثى) هذا للإدخال أو للإخراج؟ هذا للإدخال فالحكم عام يستوي فيه الذكور والإناث ولذلك قال الشارح للعموم الأخبار وعدم المخصص يعني لم يأتي نص يدل على التخصيص كما جاء في استعمال الحل وإنما أبيح التحلي للنساء لحاجتهن إلى التزين لزوج وهو محل إجماع أمهات المؤمنين قد تحلين بالذهب وحصل إقرار من النبي ﷺ حينئذٍ نقول هذا محل إجماع بين الصحابة فضلاً عن غيرهم ثم، قال رحمه الله تعالى (وتصح الطهارة منها) هذا ينبني على ما سبق إذا تقرر أن آنية الذهب والفضة والمضبب بهما أو بأحدهما محرم الاستعمال مطلقاً في الأكل والشرب وفي غير الأكل والشرب من غير الأكل والشرب استعمال هذه الآنية في الطهارة سواء كانت الطهارة كبرى أو صغرى ما الحكم إذا استعملها الإناء محرم واستعماله محرم هل هذا الاستعمال يعود على طهارته بالبطلان بمعنى أنه لو توضأ من آنية ذهب أو فضة إناء من ذهب أخذ الماء وتوضأ ما حكم وضوؤه ما حكم غسله قال المصنف (وتصح الطهارة منها) والصحة حكم شرعي وهذا مذهب الجمهور (وتصح الطهارة منها) بأن يغترف منها ولذلك يقولون تصح منها وبها وفيها وإليها؛ منها بأن يغترف منها وبها بأن يجعلها آلة يأخذ بالإناء ويكون الإناء هو الذي وهذا إذا أغتسل غسلاً مثلاً حينئذٍ إذا أغترف بمغراف وهذا المغراف يكون مصنوعاً من ذهب خالص حينئذٍ نقول توضأ بها أو أغتسل بها وإليها بأن يجعلها مصباً كالمغاسل مثلاً إذا كانت من ذهب أو فضة حينئذٍ يتوضأ ويصل الماء إليها وفيها بأن يكون الإناء واسعاً فيدخل فيه ويغتسل هذا فيها وبها وإليها ومنها هذا الوجوه كلها عند المصنف رحمه الله تعالى يعتبر من الأمور التي يأثم بفعلها لأنه محرم الاستعمال لكن هذا الإثم لا يعود على الطهارة بالبطلان بل الطهارة صحيحة ولكنه مع الإثم ولذلك قال (وتصح الطهارة منها) أي من هذه الآنية وهي محرمة وكذلك الطهارة بها وفيها وإليها وعلتهم أن الإناء ليس شرط ولا ركن في العبادة حينئذٍ يقول فهذه الجهة منفكة الماء الذي في الإناء هذا مباح فإذا أخذه وتمضمض به حينئذٍ هذا الإناء ليس شرط داخلاً في مفهوم الوضوء بل الوضوء متصوراً دون الإناء حينئذٍ إذا كانت الجهة منفكة فنقول يأثم على استعماله لهذه الآنية مع كون الطهارة صحيحة والأصح أن يقال الطهارة لا تصح لماذا؟ لأن النهي عن الشيء يقتضي فساد المنهي عنه ولذلك قال

стр. 47

بعض أهل العلم لا تصح سواء توضأ منها أو بها أو فيها أو إليها واختاره أبو بكر القاضي والشيخ يعني ابن تيمية رحمه الله تعالى في المسألة المذكورة لأنه استعمل المحرم في العبادة يعني أتى بالعبادة على وجه محرم ومعلوم أن النهي يقتضي التحريم ويقتضي فساد المنهي عنه وإذا كان كذلك على الصحيح في هذه القاعدة بأن الحكم عام يعني يستوي في متحدة فيه الجهتان أو ما قيل بأن الجهة فيه منفكة فالحكم يعتبر واحد والدليل على هذه القاعدة هو عموم قوله ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني فهو مردود عليه حينئذٍ كل عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو مردود على صاحبه يعني من حيث الصحة الوجود الشرعي ومن حيث ما يترتب عليه الإثم وهذه المسألة ملحقة بما دل عليه هذا النص ثم إذا قيل بانفكاك الجهة لو أكل منها حينئذٍ نقول الأكلة التي أخذها هذه مباحة وهم لا يقولون بهذا واضح هذا فإذا قيل بأنه غمس يده في الماء وأخذ غرفة فوضعها ما حكم هذه الغرفة الماء هذا ما حكمه مباح الاستعمال أو محرم هم يقولون مباح وإنما استعمل الإناء وهو محرم نقول لو قيل بهذا لقلنا بأن الأكل الذي يكون في الإناء أخذ من الإناء الأكلة نفسها إذا وضعها في فمه نقول هذه مباحة وليست محرمة وليس الأمر كذلك بل هذا الأكل الذي وضعه في فمه يعتبر حراماً واستعماله للإناء يعتبر حراماً كذلك الماء إذا أخذه يعتبر حينئذٍ هذا الماء محرم فيكون قد استعمل ماء محرماً في طهارة فعاد عليه بالبطلان وهكذا الشأن في الماء المغصوب والماء المسروق والماء الموقوف فلا تصح به الطهارة لا صغرى ولا كبرى فإذا كان ثَمَّ ماء موقوف في طريق المسلمين وهو سبيل ما يعبر عنه بالسبيل توضأ منه لا تصح الطهارة لأنه ممنوع الاستعمال إلا في شيء واحد حينئذٍ الواقف يعتبر حكمه فأوقفه على الشرب فلا يتعدى استعماله فلو توضأ من هذه المياه فنقول الوضوء يعتبر باطلاً إذاً قوله (وتصح الطهارة منها) هذا هو المذهب والصحيح أنها لا تصح لما ذكرناه (إلا ضبة يسيرة من فضة لحاجة) هذا استثنى من قوله (ومضبباً بهما) المضبب قلنا هذا في الأصل أنه من خشب أو حديد أو صفر وضعت فيه ضبة هذه الضبة سلسة لإصلاح الإناء من فضة أو من ذهب سواء كانت كبيرة أو صغير لحاجة أو لغير حاجة استثنى نوع دل عليه الدليل وهو ما أشار إليه بقوله (إلا ضبة) حينئذٍ هذا مستثنى من المستثنى فيه خلاف عند النحاة والصواب جوازه حينئذٍ قال (إلا آنية ذهب وفضة ومضبباً) ثم قال (إلا ضبة) استثنى من المستثنى وهو جائز إذاً ما اشتمل على هذه الشروط يعتبر مستثنى من المضبب إذ الأصل في المضبب التحريم إلا نوع واحد وهو ما دل عليه النص جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه (أن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشَّعب سلسلة من فضة) الشِّعب أو الشَّعب سِلسِلة سَلسَلة من فضة يجوز فيه الكسر والفتح سلسلة بكسر السين القطعة وبالفتح المصدر فعلك أنت الإلحاق يسمى سلسلة أنت سلسلة هذا الإناء بهذه الفضة والسلسلة نفس القطعة تسمى سلسلة (قدح النبي) لا شك أن القدح صغير فحينئذٍ يروي رجلين وما يقاربهما (انكسر) وتكسر يعني انشق! ذاَ حصل له ظرف

стр. 48

فيحتاج إلى إصلاح (فاتخذ مكان الشعب) الصدع والشق الذي فيه (سلسلة من فضة) خص الفضة إذاً بهذه القيود نقول المضبب يجوز استعماله فيكون مستثنى مما سبق وهذه الشروط التي أخذها المصنف كلها مأخوذ منه (إلا ضبة) عرفنا الضبة الأصل فيه أنها من حديد ونحوه (يسيرة) لأن هذا هو الغالب لأنه قال (قدح النبي) قدح صغير في الأصل فإذا انكسر أو احتاج إلى شيء حينئذٍ يحتاج إلى شيء يسير لو انكسر من نصفه حينئذٍ انتفت الفائدة منه صار عديم الفائدة ولكن هذا فيه فائدة يمكن استعماله لكن لهذا الشق أو لهذا الانكسار لكونه يسيراً حينئذٍ أصلح بهذه الفضة فدل على أن الذي وضع يسيراً لا كثيراً (إلا ضبة يسيرة) لأن هذا هو الغالب في القدح وهو كونه يسيراً فإذا انكسر فلا يحتاج إلى شيء كثير والأصل التحريم فنقتصر على ما هو الغالب واليسير هنا ضد الكثير فحينئذٍ يكون المرجع هو العرف فما تعارف عليه الناس الأوساط بأن هذا يسير حينئذٍ اعتمد ليس فيه تشديد من حيث الكثرة أو القلة قد يكون يسيراً عند أناس كثيراً عند آخرين وإنما المعتبر أوساط الناس يعني الذي ليس عنده شكك ولا وسوسة (من فضة) يعني لا ذهب لأن النص جاء بذلك الأصل في استعمال الذهب هو التحريم في آنية الذهب والفضة والأصل في الفضة كذلك التحريم وكونه قال أنس من فضة دل على أنه ليس من ذهب إذاً الذهب سواء كان كثيراً أو يسيراً سواء كان لحاجة أو لا حينئذٍ لا يستعمل (من فضة لحاجة) إذا لم تكن ثَمَّ حاجة حينئذٍ لا يستعمل لأنه قال في الحديث (انكسر) إذاً احتاج إليه فإذا لم يحتج حينئذٍ لا يجوز استعمالها (إلا ضبة يسيرة) لا كبيرة (من فضة) لا من ذهب (لحاجة) لا لزينة دون حاجة، قال هنا الحاجة أن يتعلق بها غرض غير الزينة يعني كلما احتجت لهذه الضبة لكن بشرط ألا يكون من أجل التزين حينئذٍ تسمى حاجة أما إذا لم يوجد غير الفضة هذا لا يسمى حاجة وإنما يسمى ضرورة وإذا اضطر حتى إلى الذهب جاز وأما إذا لم يكن غير الفضة حينئذٍ صار ضرورة وليس حاجة فلا بأس بها حينئذٍ بهذه الشروط التي سبق ذكرها والنص واضح في الدلالة عليها، ثم قال (وتكره مباشرتها لغير حاجة) إذاً إذا ضبب الإناء بضبة يسيرة من فضة لحاجة استعمال هذا الإناء نقول جائز أو محرم؟ جائز بدلالة النص عليه طيب بقي شيء آخر وهو أنه قد تكون هذه الضبة في محل الشرب هل يتعطى الشرب من حيث هذه الضبة أو يتحاشاها ويتجنب الموضع التي تكون فيه الضبة الأصل مادام أنه جاز استعمال الضبة على ما سبق ولم ينقل في حديث أنس أن النبي ﷺ كان لا يباشر هذه الضبة حينئذٍ نقول الأصل فيه العموم بمعنى أنه سواء احتاج إلى مباشرته أو لا الأصل فيه الجواز لأنه أطلقه في الحديث السابق ومادام أنه جاز حينئذٍ استعمالها ولو تعمد وضع شفتيه على هذا المحل نقول جائز بلا كراهة ولكن المصنف نظر إلى الأصل وهو كونها محرمة حينئذٍ اعتبر أن الحاجة مزيلة لتحريم فبقية المباشرة على وضع هو أدنى من الإباحة أو وسط بين الإباحة والتحريم والصواب أنه لا يراع هذا الأصل لأن الأصل صار في حكم المنسوخ في مثل هذا الموضع فنقول مادام أنه جاز أن يستعمل هذه الضبة اليسيرة من فضة لحاجة حينئذٍ سواء

стр. 49

باشرها بفمه شفتيه أو لا فالحكم سواء بل يباح له مباشرتها ولو لم يحتج إلى ذلك (وتكره مباشرتها) الكراهة حكم شرعي فيحتاج إلى دليل (مباشرتها) يعني مباشرة الضبة المباحة ومادام أنها مباحة لماذا نكره بل نبقى على الأصل مادامت أنها مباحة الاستعمال فكذلك حينئذٍ المباشرة مباحة لأنه ما بني على المباح فهو مباح هذا الأصل فيه حينئذٍ نحتاج إلى دليل وضح بين وليس ثَمَّ دليل إلا التعليل وفيه شيء من النظر (وتكره مباشرتها) مصدر باشره أي وليه بشفتيه (لغير حاجة) أما إذا احتاج وهذه قاعدة عندهم في المكروهات كلها في هذا المقام وفي غيره كل مكروه حكم بالكراهة إن احتاج إليه فهو مباح ترتفع الكراهة وهنا كذلك لغير حاجة تكره مباشرتها تكره لغير حاجة (لغير حاجة) متعلق بقوله (تكره) حينئذٍ إذا كانت ثَمَّ حاجة ارتفعت الكراهة قال هنا تعليلاً للحكم لأن فيه استعمالاً للفضة فكان ماذا إذاً الأصل هو التحريم لكن مادام أن الشرع دل على الجواز مثل هذه المسألة فالأصل الإباحة لكنهم راعوا الأصل مع الدليل حديث أنس فجعل للمباشرة حكماً وسطاً بين التحريم الذي هو الأصل والإباحة سلسلة الإناء قالوا الذي دل عليه هو كون الضبة توضع في هذا الإناء وليس فيه ما يدل على المباشرة لكن نقول المباشرة فرع عن استعمال الإناء فإذا جاز الإناء وهو مضبب والأصل فيه التحريم حينئذٍ مباشرتها لا وجه للقول بالكراهة والصواب هو الإباحة (لغير حاجة) لأن فيه استعمالاً للفضة فإذا احتاج إلى مباشرتها أبيحت بلا خلاف هذا الحكم ليس خاص بهذه المسألة بل هو عام ثم انتقل إلى مسألة أخرى وهي ما يتعلق بآنية الكفار قال المصنف رحمه الله تعالى ونحن في باب الآنية وأنت مسلم وتحتاج إلى طهارة في إناء حينئذٍ استعملت آنية المسلمين فالأصل أنها مباحة وأنها طاهرة وأما الكافر فالأصل فيه المجانبة والمباعدة حينئذٍ إذا استعمل إناء أو آنية الكفار هل هذا جائز أم لا؟ وإن جاز هل يجوز بكراهة أو بدون كراهة قال المصنف رحمه الله تعالى (وتباح) هذا حكم شرعي فيحتاج إلى دليل والدليل هنا هو استصحاب الأصل وعرفنا الأصل أنه الإباحة والطهارة (وتباح آنية الكفار) الكفار جمع كافر وأل هنا تفيد العموم بمعنى أنه سواء كان كافر أصلياً أو مرتداً سواء كان من أهل الكتاب أو من غيره فكل كافر وهو ما ليس بمسلم (تباح آنية الكفار) قال في الشرح إن لم تعلم نجاستها حينئذٍ نقول آنية الكفار وكذلك ثيابهم يعني ملابسهم هذه إن لم تستعمل فإن كانت مستوردة مصنوعة مثلاً قولاً واحداً بإباحتها وطهارتها إن غسلت بعد الاستعمال قولاً واحداً بطهارتها وإباحة استعمالها إذاً قبل الاستعمال بأن كانت جديدة مثلاً مباحة بالاتفاق وهي طاهرة بالاتفاق كذلك إذا استعملوها وغسلوها هي مباحة وطاهرة بالاتفاق ماذا بقي؟ بقي إذا استعملوها ولم تغسل حينئذٍ لها حالتان إما أن تعلم نجاستها أو لا إذا استعملوها أكلوا في أوانيهم وأردنا أن نتوضأ أو نأكل في هذه الآنية ما حكم هذه الآنية؟ نقول إن علمت نجاستها رأيت الخمر فيها أو الخنزير قولاً واحداً يحرم استعمالها إلا بعد غسلها يعني قبل الغسل محرم الاستعمال ماذا بقي؟ بقي إذا استعملوها ولم تعلم نجاستها

стр. 50

حينئذٍ تردد بين أصلين أو تعارض أصل وظاهر الأصل الإباحة والطاهرة والظاهر أنهم قد يباشرون النجاسات حينئذٍ نقول اليقين لا يزول بالشك فحكم عليه بكونها طاهرة مباحة واضح هذا ولذلك قال المصنف هنا (وتباح آنية الكفار) قال الشارح إن لم تعلم نجاستها فإن علمت نجاستها يقيناً حينئذٍ يحرم استعمالها قبل غسلها قال الماتن (ولو لم تحل ذبائحهم) هذا للإدخال أو للإخراج هذا للإدخال لأن قوله الكفار قلنا هذا عام يشمل أهل الكتاب وغير أهل الكتاب أهل الكتاب هذا جاء النص (طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) وطعام هذا يشمل ماذا إذا أبيح الطعام ومنه ما هو مطبوخ هل سيقدم لك هذا الطعام بإناء أو بدون إناء لا شك أنه بإناء فإباحة الطعام دليل على إباحة الإناء وهذا وضح بين وما عدا أهل الكتاب حينئذٍ نقول نرجع إلى الأصل وهو الإباحة والطهارة (ولو لم تحل ذبائحهم) ولو هذه إشارة خلاف والمسألة فيها خلاف والصحيح ما ذكرناه (ولو لم تحل ذبائحهم) كالمجوس هؤلاء يعبدون النار وقيل الشمس والقمر لأن النبي ﷺ توضأ من مزادة مشركة مزادة امرأة مشركة ولا شك أن المشركين ليسوا من أهل الكتاب وإن كان أهل الكتاب الصحيح أنهم مشركون لكن إذا أطلق الشرك فالأصل أنه ينصرف إلى عبدت الأوثان ونحوهم حينئذٍ نقول النبي ﷺ كونه توضأ من مزادة امرأة مشركة وهي ليست من أهل الكتاب ولم تحل ذبائحهم دل على أن الأصل هو الإباحة (وثيابهم إن جهل حالها) يعني وتباح ثياب الكفار (ثيابهم) أي ثياب الكفار ولو ولية عوراتهم بمعنى أن ما يلي عورات الكفار وهو مظنة للنجاسة فإذا أبيح هذا النوع فما عده من العمامة وما علاه من الجسم أو كان أدنى من العورة يكون من باب أولى وأحرى وهنا كما ذكرنا في السابق أنه إن علمت نجاستها قولاً واحداً أنه لا يجوز استعمالها بل هي نجسة وإن لم تعلم حينئذٍ تردد بين أصل وظاهر فحينئذٍ يستصحب الأصل بأن اليقين لا يزول بالشك والأصل أنها طاهرة والأصل أنها مستصحب ولا نرتفع عنه إلا بشيء واضح بين وهذا منتفي حينئذٍ لو صلى مسلم في ثياب كافر لبس سروال كافر وصلى به ما حكم صلاته؟ نقول صحيحة لماذا؟ لكونه قد لبس شيء طاهراً وكون الكافر قد لبسه هذا لا يخرجه عن كونه طاهراً كما ذكرنا (إن جهل حالها) ولم تعلم نجاستها لأن الأصل الطهارة فلا تزول بالشك وعليه إذا تقرر ذلك نقول هذا الحكم عام في المسلم وفي غيره وإنما نص على الكافر لأن الأصل أن الكافر قد يلابس النجاسة وإذا لابس المسلم بأن يكون فاسقاً وشرب الخمر مثلاً فالحكم واحد يستوي مع الكافر إن علمت النجاسة لم يجز استعماله لأنها نجسة يعني الكأس يعتبر نجس وإن لم يعلم ولو علمت أن ممن يلابس ويشرب الخمر فالأصل هو الطهارة فالحكم يكون عاماً إذاً ت (تباح آنية الكفار ولو لم تحل ذبائحهم وثيابهم إن جهل حالها) يعني حالها هل هي طاهرة أم نجسة أما إذا علم حالها بكونها طاهرة لم تلبس ولم تستعمل في أكل وشرب فقولاً واحداً بأنها مباحة طاهرة إن علم حالها بأنها نجسة حينئذٍ قولاً واحداً أنها محرمة نجسة إن جهل حالها لا تدري هل هي طاهرة أم نجسة؟ حينئذٍ الأصل الإباحة والطهارة، ثم قال المصنف رحمه الله

стр. 51

تعالى (ولا يطهر جلد ميتة بدباغ) انتقل إلى نوع من أنواع الأواني وهو ما يصنع من جلود الميتة هل يكون طاهرة هل يجوز استعماله الماء الذي وضع في هذا النوع هل يكون نجساً أم طاهراً ينبني على هذه المسألة، الميتة اسم لكل حيوان خرجت روحه بغير ذكاة وفي المصباح الميتة ما مات حتف أنفه أو قتل بطريقة غير مشروعة يعني كل ما لم يستوفي شروط الذكاة الشرعية أو مات بنفسه حتف أنفه سقط متردية ونطيحة ونحوها أو قتل بغير الطريقة الشرعية الصعق والكهرباء ونحو ذلك نقول هذا يعتبر ميتة والميتة اسم مسماه الحيوان ظاهراً وباطناً هذه فائدة مهمة الميتة اسم لفظ يعني يصدق على أي شيء يصدق على الحيوان الذي فقد روحه ظاهراً وباطناً يعني الجلد وما علا الجلد والعظم والأمعاء والدم كل ما يصدق عليه أو يكون جزء للحيوان فالميتة صادق عليه حينئذٍ الأصل في الجلد أنه محرم والأصل الشعر والوبر ونحو ذلك الأصل فيه أنه محرم سيأتي الدليل على استثناه والأصل في عظمه ولبنه يعني لبن الميتة وعظمها وقرنها أنها محرمة ونجسة قال الله تعالى (حرمت عليكم الميتة) والميتة قلنا يصدق على الحيوان ظاهراً وباطناً حينئذٍ الجلد جزء من الميتة فهو محرم وقال هناك (إلا أن يكون ميتة أو دم مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس) وعرفنا أن الميتة اسم للحيوان مسماه ظاهراً وباطناً حينئذٍ نقول كل جزء من أجزاء الميتة فهو نجس فالأصل في الجلد أنه نجس الأصل في لبن الميتة لأنه داخل في مسماها أنه نجس والأصل في عظم الميتة أنه نجس وهكذا بهذه القاعدة وهو أن لفظ الميتة يصدق على الحيوان كله ظاهراً وباطناً وجاء التحريم بالدليل بقوله (حرمت عليكم الميتة) وجاء الدليل بالتنجيس (إلا أن يكون ميتة) ثم قال (فإنه رجس) قال هنا (جلد ميتة) (ولا يطهر جلد ميتة بدباغ) عرفنا في أول كتاب الطهارة أنه ما يحصل به الطهارة أربعة أشياء الماء والتراب والدابغ والحجر هذه أربعة أشياء الدابغ هو الذي عناه هنا (بدباغ) والدباغ هو ما يدبغ به من قرض وغيره ينزع به فضول الجلد من لحم ودم ونحوهما مما يعفنه ويمنع النتن والفساد يعني أشبه ما يكون بأداة لتنظيف الجلد وهذا يختلف من زمن إلى زمن قد يكون في السابق يتخذ ورق من الشجر يتخذ الملح مثلاً ونحو ذلك يوضع في الشمس هذا فيما سبق وقد يكون ثَمَّ ما هو موجد في العصر الحديث من الأدوات المطهرة حينئذٍ نسميه دابغ لأن الدبغ يختلف من عصر إلى عصر المراد أن هذا الجلد يزال منه النتن والفساد ولا يعلق به شيء من الدم أو اللحم ونحو ذلك هذا كما ذكرنا يختلف من زمن إلى زمن آخر حينئذٍ الدبغ هو تنظيف الجلد من الأذى والقذر بواسطة مواد تضاف إلى الماء قال المصنف (ولا يطهر جلد ميتة بدباغ) عرفنا الميتة نجسة وجلدها جزء منها إذاً جلد الميتة نجس وهذا محل وفاق محل إجماع أن جلد الميتة قبل الدبغ أنه نجس فإذا دبغ هل يطهر أو لا يطهر محل خلاف والمذهب عند الحنابلة أنه لا يطهر مطلقاً حينئذٍ كل جلد ميتة إذا دبغ وضع عليه مواد من أجل تنظيفه فحكمه أنه نجس وهذا الدبغ الذي حصل والتنظيف الذي حصل قالوا هذا ليكسبه ولا يفيده الطهارة بل يبقى على أصله ما دليل؟ قالوا حديث عبدالله بن عكيم قال: (أتانا

стр. 52

كتاب رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر أو شهرين ألا تنتفعوا من الميتة بإيهاب ولا عصب) رواه الخمسة ولم يذكر التوقيت غير أبي داوود وأحمد وقال الإمام أحمد ما أصلح إسناده وقال حديث ابن عكيم أصحها ورواه عن يحي بن سعيد الأنصاري عن شعبة عن الحكم عن بن أبي ليلى عن عبدالله وفي رواية الطبراني ودار القطني (كنت قد رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاء كتاب هذا إلى آخر الحديث) وهو دال على سبق الرخصة اعتماداً على هذا النص (لا تنتفعوا من الميتة بإيهاب ولا عصب) وقال (قبل وفاته بشهر أو شهرين) وقال (وكنت قد رخصة لكم) فدل على أنه أذن أولاً ثم بعد ذلك منع حينئذٍ يعتبر ناسخاً لحديث ميمونة وحديث ابن عباس إلى آخر ما ورد ولذلك المذهب المعتمد عند الحنابلة أنه لا يطهر جلد ميتة بدباغ بناء على هذا النص والصحيح أن يقال بأنه يطهر جلد ميتة بشرط أن تكون هذه الميتة طاهرة في الحياة يعني في حال الحياة وهذا الحديث حديث ابن عكيم يعتبر حديث معلول مضطرباً ضعيف وإن صح فحينئذٍ قوله (ولا تنتفعوا من الميتة بإيهاب) الإيهاب اسم للجلد قبل الدبغ وهذا محل وفاق ألا تنتفعوا من الميتة بإيهاب كأنه قال الإيهاب الذي هو جلد الميتة قبل الدبغ لا تنتفعوا به فيكون نصاً في تحريم استعمال الجلد قبل دبغه وهذا لا خلاف فيه هذا إن صح الحديث يحمل على أن الإيهاب اسم للجلد قبل الدبغ يدل عليه حديث ابن عباس (أيما إيهاب دبغ) دل على أن الإيهاب اسم للجلد قبل الدبغ وهذا عليه محققو هل اللغة حينئذٍ يكون المعتمد ما رواه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لقوله ﷺ (هل أخذتم إيهابها فدبغتموه) رواه مسلم وغيره كذلك حديث ميمونة (إنها ميتة قال يطهره الماء والقرض) وهو ورق شجر تدبغ به الجلود وكذلك حديث (دباغ الأديم طهوره) هذا كله يعتبر متواتر عن النبي ﷺ منه ما هو في الصحيح ومنه ما هو صح سنده حينئذٍ يكون مقدم على ما جاء في حديث عبدالله بن عكيم إن صح وقلنا هو حديث ضعيف معلول مضطرب حينئذٍ لا إشكال لا يعارض هذه النصوص حينئذٍ يصح أن يقال بأن الصحيح أن جلد الميتة إذا دبغناه حينئذٍ يكون الجلد طاهراً وإذا كان طاهراً جاز استعماله في اليابسات والمائعات على الصحيح (ولا يطهر جلد ميتة بدباغ) قال الشارح روي عن عمر وابنه وعائشة وعمران بن حصين رضي الله تعالى عنهم استناداً إلى النص السابق وثَمَّ رواية عن الإمام أحمد بما ذكرناه وهو أنه يطهر جلد الميتة ما كان طاهراً في حال الحياة ونقل جماعة أنها آخر قولي أحمد بمعنى أنه قال أولاً أنه لا يطهر جلد ميتة بدباغ ثم رجع عن قوله فقال أنه يطهر جلد الميتة بالدباغ بشرط أن تكون الميتة طاهرة في حال الحياة حينئذٍ يكون آخر قولي الإمام أحمد هو القول بكون هذا الجلد قد طهر بالدبغ وهذا لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أيما إيهاب دبغ فقد طهر) (أيما) هذه تعتبر من صيغ العموم لأنها شرطية و (إيهاب) هذه نكرة في سياق الشرط حينئذٍ يعم كل إيهاب كل جلد (فقد طهر) قد هذه للتحقيق الحديث رواه مسلم وهو يتناول المأكول وغيره يعني لا يشترط في جلد الميتة مما تحله الذكاة يعني ما كان حلالاً أكله إذا ذكي على

стр. 53

الطريقة الشرعية وما لم يكن كذلك فحينئذٍ نقول الأصل فيه أنه نجس الصواب أن النص عام (أيما إيهاب دبغ) هذا يشمل مأكول اللحم كالشاة إذا ماتت نأخذ جلدها فندبغه فيطهر وكذلك ما لم يكن مأكول اللحم كالهر مثلاً حينئذٍ إذا أخذنا جلده فدبغ نقول هذا طاهر في حال الحياة وإن لم يكن مأكولاً فهو داخل في هذا النص (أيما إيهاب دبغ فقد طهر) يتناول المأكول وغيره والطاهر وغيره لكن نستثني النجس ما كان نجس في حال الحياة كالسباع ونحوها لأن النصوص وردة بالنهي الخاص عنها ولذلك جاء في حديث نهى الرسول الله ﷺ عند أبي داوود (نهى عن ركوب النمور ونهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها) وروى الترمذي (أن النبي ﷺ نهى عن افتراش جلود السباع) هذا يدل على أنها غير مستعمله وإذا لم يكن كذلك عدة هذه النصوص كالمخصصة لهذا النص فيقال (أيما إيهاب دبغ) يحمل على عمومه ويستثنى ما كان نجس في حال الحياة فيختص الحديث بماذا؟ بما كان طاهراً في حال الحياة، وأما حديث (ذكاة الأديم دباغه) وهذا استفاد بعضهم بأن هذا فيه إشارة إلى أن ما كان مأكول اللحم هو الذي ينفع فيه الدبغ وما لم يكن كذلك ولو كان طاهراً في الحياة نقول هذا لا يدل على ما ذكر لأن اللفظ هنا استعمل في مجازه لأن الحديث يحتمل ماذا؟ يحتمل أنه أراد بالذكاة التطييب من قوله رائحة ذكية أي طيبة وهذا يطيب الجميع ويدل على هذا أنه أضاف الذكاة إلى الجلد خاصة والذي يختص به الجلد هو تطيبه وطهارته وأما الذكاة أو الذبح فلا تضاف إلا إلى الحيوان كله إذاً ما جاء في حديث (ذكاة الأديم دباغه) هذا لا يعتبر مخصصاً ويحمل النص (أيما إيهاب دبغ فقد طهر) على مأكول اللحم بل نقول هذا عام وهذا النص محتمل وإذا كان محتملاً حينئذٍ ضعف الاستدلال إذاً الحاصل أن المذهب لا يطهر جلد ميتة بدباغ مطلقاً سواء كان طاهراً في الحياة أو مأكول اللحم أو نجس والصحيح أنه يطهر جلد الميتة بالدباغ بشرط أن تكون الميتة طاهرة في حال الحياة ولا يشترط أن تكون من مأكول اللحم كما قاله بعض الفقهاء، ثم قال المصنف (ويباح استعماله بعد الدبغ في يابس) يعني إذا دبغ في المذهب ما حكمه نجس أم طاهر؟ نجس كما هو هل يجوز استعماله؟ يعني هل يجوز الانتفاع به وهو نجس؟ أما المائعات فقولاً واحداً في المذهب لا يصح لماذا؟ لأنه ينجس الماء لأن الماء بمجرد الملاقاة تنجس بهذا الجلد وهو نجس لأنه نجس وإذا وضع فيه الماء مباشرة تنجس الماء إذاً لا يجوز استعماله في المائعات أما اليابسات فالقاعدة عندهم أنه ليس بين جافين نجاسة يعني لابد أن يكون بين رطبين أو يابس ورطب أما يابس مع يابس هذا ليس بينهما نجاسة يعني لا تنتقل لو مسك شيء نجس بيده ومسه لا تنتقل النجاسة إلا إذا كانت يده رطبة أو كانت النجاسة نفسها رطبة حينئذٍ إذا تقرر بأن الجلد إذا دبغ لا يخرج بالدبغ عن كونه نجساً حينئذٍ إذا وضع فيه شيء يابس لا تنتقل النجاسة ولذلك قال هنا (ويباح) هذه إباحة وهو المذهب مع القول بنجاسته بعد الدبغ أي استعمال الجلد بعد الدبغ لا قبل ولا حين أما قبله فمحل وفاق وأما حينه فحينئذٍ اليابس مع الرطب انتقلت النجاسة فلا يعتبر بعد الدبغ فيجوز

стр. 54

الانتفاع به حينئذٍ لقوله ﷺ (ألا أخذوا إيهابها فانتفعوا به) إذاً النبي ﷺ أم بالانتفاع، كيف ينتفع به؟ قالوا هذا الحديث يحمل على ما إذا دبغ الجلد مع الحكم بنجاسته بأنه ينتفع به بما لا تنتقل النجاسة الشيء الموضوع في ذلك الجلد وهو اليابس وفي لفظ (ألا أخذوا إيهابها فدبغوه فانتفعوا به) فدل هذا النص على أنه يجوز الانتفاع بالإيهاب بعد الدبغ في يابس، (في يابس) له مفهوم وهو متعلق بقول (يباح) وهو أنه لا يجوز استعماله في غير اليابسات كالمائعات ونحوها سواء كان ماء أو شيء كالتمر مثلاًً وهو رطب لا يجوز استعمال هذا الجلد النجس في هذه المائعات (ويباح استعماله بعد الدبغ في يابس) قال الشارح هنا بعد الدبغ بطاهر منشف للخبث قال في الرعاية ولا بد فيه من زوال الرائحة الخبيثة بمعنى أنه يشترط فيما يدبغ به أن يكون منشفاً للرطوبة بمعنى أنها لا تبقى لأن علة النجاسة هي كونه رطب حينئذٍ يشترط فيما ينخل به الحكم من عدم جواز الاستعمال إلى جواز الاستعمال مع كونه نجساً في الحالين على ما ذهب إليه المصنف أن يكون هذا الدابغ منشفاً للرطوبة منقياً للخبث بحيث لو نقع الجلد بعده في الماء لم يفسد وزاد ابن عقيل أن يكون قاطعاً للرائحة والسبوكة ولا يظهر منه رائحة ولا طعم ولا لون خبيث إذ انتفع به بعد دبغه في المائعات، على كل المراد هنا أنه لابد من إزالت النتن والفساد من الجلد بأي وسيلة كانت، قال (من حيوان طاهر في الحياة) يعني هذا متعلق بالمسألة السابقة (يباح استعماله) أي استعمال الجلد إذا كان من ميتة وهذا الحيوان طاهر في الحياة وأما النجس في الحياة كما ذكرنا النصوص وردة على النهي عن استعمال جلود النمور ونحوها فدل على أنه لو دبغت هذه الجلود لم ينتفع بها مطلقاً لأن الجلوس عليها هذا انتفاع به في اليابسات (من حيوان طاهر في الحياة) يعني في حال الحياة حكمنا عليه بكونه طاهراً فلما مات صار ميتة حينئذٍ نقول صار نجساً والطاهر في الحياة على المذهب أربعة: مأكول اللحم هذا محل وفاق، من الهر فأقل وهذا سيأتي بحثه لحديث (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم)، ثالثاً ما لا نفس له سائلة، رابعاً الآدمي لكن الآدمي لا يجوز اتخاذ الآنية من جلده أو من عظمه لأنه محرم لحرمته وهذا محل إجماع، إذاً الطاهر في حال الحياة أربعة على المذهب مأكول اللحم، من الهر فأقل، ما لا نفس له سائلة، الآدمي، ولذلك قال الشارح مأكولاً كان كالشاة أو لا كالهر حينئذٍ إذا مات هر ما حكمه نقول نجس في حال الحياة هو طاهر بالنص (إنها ليست بنجس) حينئذٍ إذا مات هر نحكم عليه بكونه نجس أخذنا جلده فدبغناه على المذهب لا يطهر هل يجوز استعماله؟ نعم في اليابسات، هل تحقق فيه الشرط؟ نعم هو من حيوان طاهر في الحياة وعلى الصحيح أنه يطهر مطلقاً سواء كان من مأمول اللحم أو لا، ولذلك قال هنا أما جلود السباع كالذئب ونحوه مما خلقته أكبر من الهر فهذا منهي عنه لا يصح ولا يؤكل فلا يباح دبغه ولا استعماله قبل الدبغ ولا بعده ولا يصح بيعه وعليه ما قد يكون الآن مثلاً قد تصنع بعض الحقائب من جلود الميتة وقد تصنع بعض الساعات إستيك مثلاً من جلود الحيات أو

стр. 55

يصنع النعل مثلاً من جلود النمور ونحوها فالحكم ينزل على ما ذكرناه إن كان من نجس في حال الحياة فلا يجوز استعماله لا بيعها ولا شراؤها ولا استعمالها وإن كان من طاهر في الحياة حينئذٍ نقول الأصل أنه يجوز فإذا صلى بساعة وقد صنع هذا الإستيك مثلاً من حيوان نجس حينئذٍ فيه خلاف بين أهل العلم هل صلاته صحيحة أم باطلة لأنه استعمل النجاسة مع العلم به كذلك لو حملت امرأة حقيبة وهي مصنوعة من جلد نجس في حال الحياة الحكم واحد كذلك ما يسمى بالجاعد ما يجلس عليه نقول هذا قد يصنع من نجس إن صنع من طاهر في حال الحياة لا شك أنه طاهر فلو صلى عليه صلاته صحيحة على المذهب لا تصح إذاً ضبط هذه المسألة لابد من استيعابها وجميع وجوها لأنها مهمة ولذلك بسط القول فيها، ثم قال (ولبنها وكل أجزائها نجسة) لم نص المصنف على اللبن وكل أجزائها لأن بعض الفقهاء استثنى قال اللبن هذا يجوز ليس بنجس له شربه ولو كان من ميتة وبعضهم استثنى عظم الميتة حينئذٍ نحتاج إلى دليل من الذي يطالب بالدليل؟ هل القائل بأن اللبن طاهر أم نجس هل القائل بأن العظم طاهر أم نجس؟ على الأصل السابق إذا قلنا أن الميتة اسم للحيوان ظاهراً وباطناً وقد حكم الله بالتحريم والتنجيس إذاً من قال بأن اللبن طاهر يحتاج إلى دليل من قال بأنه نجس لا يحتاج إلى دليل من قال أن عظم الميتة نجس لا يحتاج إلى دليل لأنه الأصل ومن قال بأنه طاهر احتاج إلى دليل ولذلك في هذه المسائل التي ذكرها المصنف الصحيح ما ذهب إليه المصنف رحمه الله تعالى بأن اللبن نجس وبأن كل أجزاء الميتة إلا ما استثناه من الشعر ونحوه لورود النص فحينئذٍ يعتبر نجساً لعموم النص وليس ثَمَّ ما يدل على التخصيص ومن قال بأن اللبن طاهر يحتاج إلى أن يبرز دليل واضح بين يعتبر مخصصاً للدليل السابق أو الإطلاق التقيد ومن قال بأن عظم الميتة طاهر وليس بنجس لأنه لا تحله الحياة ونحو ذلك نقول هذا اجتهاد مقابل للنص حينئذٍ يكون فاسد الاعتبار فلا يعول عليه (ولبنها) أي لبن الميتة (وكل أجزائها) كقرنها وظلفها وعصبها وعظمها وحافرها وانفحتها وجلدتها نجسة فلا يصح بيعها ولا شرب اللبن ونحو ذلك ولذلك سئل ابن عباس عن الجبن يصنع فيه أنافح الميتة فقال لا تأكلوه رواه سعيد بن منصور وقال ابن مسعود لا تأكلوا من الجبن إلا ما صنع المسلمون وأهل الكتاب رواه البيهقي ولأنه مائع في وعاء نجس الأصل الجلد نجس تنجس بمجرد الموت وقد سبق معنا أن الصحيح أن المائعات ومنها الماء بمجرد ملاقاة النجاسة أنه ينجس (وكل أجزائها) ودخل فيه العظم لأن أبا حنيفة رحمه الله تعالى يستثني العظم وهو نجس لقوله (حرمت عليكم الميتة) والعظم من جملتها فيكون محرماً وتحله الحياة خلافاً لما ادعاه البعض بأنه لا تحله الحياة لقوله تعالى (قل من يحي العظام وهي رميم) وما يحيا فهو يموت ولأن دليل الحياة الإحساس والألم والألم في العظم أشد منه في اللحم والجلد وكذلك الضرس يتألم به الإنسان ويحس ببرد الماء وحرارته وما تحله الحياة يحلها ويحله الموت فدل على أنه داخل في المسمى السابق (غير شعر ونحوه) نحو (غير شعر) هذا استثناء (ونحوه) يعني ونحو الشعر والشعر يكون للمعز والبقر ونحوه

стр. 56

كالصوف وهو للغنم والوبر للإبل والريش للطيور من طاهر في الحياة فلا ينجس بالموت هذا نحتاج إلى دليل لأن النص السابق عام وهو (حرمت عليكم الميتة) ومن جملتها الشعر وما ذكر معه (إلا أن يكون ميتة) ثم قال (فإنه رجس) دل على الميتة وبأجزائها ومنه الشعر ونحوه أنه نجس فنحتاج إلى دليل يستثني نقول الدليل قوله تعالى (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين) والآية هنا سيقت مساق الامتنان فالظاهر حينئذٍ شمولها في حالتي الحياة والموت فيه عموم والريش مقيس على الثلاثة لأنه نص على الأصواف والأوبار والأشعار ولم يذكر الريش حينئذٍ مقيس على ما ذكر من هذه الثلاثة إذاً (غير شعر ونحوه) نقول هذا طاهر بدلالة النص وعليه تكون ماذا؟ الميتة ثلاثة أقسام: نجس لا يطهر بحال، ونجس يطهر بالدبغ، وطاهر، الميتة صارت ثلاثة أجزاء: نجس لا يطهر بحال مثل ماذا؟ كل الميتة ما عدا الجلد، نجس يطهر بالدبغ وهو الجلد على جهة الخصوص، طاهر وهو الوبر وما عطف عليه، ثم قال رحمه الله تعالى خاتماً للباب (وما أبين من حي فهو كميتته) (ما أبين) يعني والذي فصل قطع (من حي) يعني من حيوان حي ما حكمه قطعت رجل شاة وهي باقية كما هي ما حكم هذا الجزء من الشاة حكمه حكم ميتتها، ميتتها لو ماتت نجسة لو ماتت الشاة فهي نجسة إذاً حكم هذا الجزء نجس كذلك لو قطع من الآدمي شيء فحكمه أنه طاهر كذلك من السمك من الجراد لأن ميتة هذه الثلاثة تعتبر طاهرة فما أبين منه فحكمه حكم ميتة ما أبين منه يعني ما قطع فحكم اليد التي تنفصل عن الآدمي بأن هذه اليد طاهرة وليست نجسة لأن الآدمي إذا مات فهو طاهر على الصحيح سواء كان مسلماً أو كافراً وكذلك الجراد والسمك وأما الجمل ونحوه فإذا أبين شيء منه حينئذٍ نقول الأصل فيه أنه نجس (وأما أبين) أي فصل من حيوان (حي فهو كميتته) طاهرة ونجاسة وحل وحرمة فما قطع من السمك فهو طاهر وما قطع من بهيمة الأنعام مع بقاء حياتها فهو نجس لحديث (ما يقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة) رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب، قال المصنف غير مسك وفأرته يعني ما لم تكن الإبانة بالطبع الإبانة إذا كانت بالطبع كالمسك وفأرته أو تكن الإبانة ذكاة له كالطريدة حينئذٍ تكون مستثناه هذا يأتي بحثها في كتاب الصيد كما قال المصنف رحمه الله تعالى إذاً ختم الباب بهذه ويعتبر نصاً نبوياً وكذلك هو قاعدة عامة والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأجمعين

стр. 57

عناصر الدرس * باب الاستنجاء: معنى الاستنجاء لغةً، واصطلاحًا. * الشروع في المستحبات عند دخول الخلاء بقوله: يستحب عند دخول الخلاء قول: بسم الله". * قوله: "واعتماده على رجله اليسرى" لدليل، وتعليل، والصحيح في هذه المسألة. * قوله: "وبعده في فضاء واستتاره"، والحكمة من ذلك. * قوله: "وارتياده لبوله مكانًا رخوًا" هذا الأدب محل وفاق عند أهل العلم. * شروعه في ذكر ما يكره بقوله: "ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله"، والصحيح في المسالة. * هل يكره الكلام في الخلاء؟ * شروعه في محرمات الخلاء بقوله: "ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان". * قوله: "وبوله في شق ونحوه". * قوله: "وبوله في طريق وظل نافع، وتحت شجرة عليها ثمرة". الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد فنبدأ بالشرح الميسر على الزاد قد وقفنا على قول المصنف رحمه الله تعالى (باب الاستنجاء) عندما أنهى بتعريف الطهارة وأحكام المياه ثنى بباب الآنية لما ذكر الماء ذكر ظرفه لما كانت الطهارة على نوعين طهارة صغرى وهي الوضوء وطهارة كبرى وهي الغسل من الجنابة ونحوها من الحدث الأكبر شرع في بيان ما يتقدم الطهارة الصغرى وهو أحكام الطهارة الصغرى وهو أحكام الاستنجاء والاستجمار وكما سيأتي قول المصنف (ولا يصح قبله وضوء ولا تيمم) إذاً قبل الشروع في مفسدات أو نواقض الوضوء وصفة الطهارة الصغرى حينئذٍ لابد من بيان ما يتعلق بالشرط المقدم على صحة الوضوء ولا شك أن العلم بالشرط مقدم على العلم بالمشروط وقال رحمه الله تعالى (باب الاستنجاء) ويذكر في هذا الباب جملة من الآداب - الآداب جمع أدب - ولا يشترط في الآداب أن تكون مستحبة مسنونة وقد يكون الأدب فعلاً وقد يكون تركاً حينئذٍ إذا كان فعلاً قد يكون مطلوباً طلباً جازماً وقد لا يكون كذلك فانتظم تحت هذا النوعين الواجب والمندوب وقد يكون طلب ترك وهذا قد يكون جازماً وقد يكون غير جازم فندرج في هذا النوع المحرم والمكروه حينئذٍ قد يكون الأدب واجباً وقد يكون مستحباً وقد يكون مكروهاً وقد يكون محرماً سيذكرها المصنف على هذا النحو، (باب الاستنجاء) الاستنجاء استفعال من النجو الأصل فيه من قوله نجوة الشجرة أي قطعتها فكأنه قطع الأذى عنه باستعمال الماء والحجر قطعت الشجرة نجوة الشجرة أي قطعتها فكأن الذي أراد أن يستنجي ويزيل النجاسة عنه قال كأنه قطع الأذى عنه باستعمال الماء والحجر وهذا مشهور عند أهل اللغة كما أنه مشهور عند الفقهاء ولذلك قال في القاموس واستطاب استنجاء فأطاب لأن الاستنجاء والاستطابة بمعنى واحد ولذلك بعضهم يعنون بالاستنجاء وبعضهم بآداب التخلي وبعضهم بالاستطابة والحدث والعناوين مختلفة والفرق بينها من جهة المعنى اللغوي وأما المعنى الشرعي فهو واحد إذاً الاستنجاء استفعال من النجو واستنجاء طلب نجوه أي قطعه وأما في الروض هنا عرفه بقوله (إزالت خارج من سبيل بماء أو إزالت حكمه بحجر ونحوه) وهذا بناء منه على أن الاستجمار لا يعد من المطهرات ثَمَّ خلاف بين أهل العلم هل الاستجمار مطهر أو لا؟ المذهب لا يطهر لأنه كما سبق (لا ويرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره) يعني غير الماء الطهور فكل مائع غير الماء الطهور لا يعتبر مزيل للنجاسة حينئذٍ إذا خرج البول منه هذا نجاسة وإذا خرج الغائط منه هذا نجاسة فإذا أزالها بالحجر فقد أزالها بغير الماء حينئذٍ يكون هذا من باب الرخص ويحكم على المحل بأنه نجس في الأصل لذلك قال (أو إزالت حكمه) يعني حكم الخارج من السبيل بهذا الحجر أو نحوه حينئذٍ يحكم على المحل بكونه نجس من حيث البقاء الأثر وأما من كون ما يترتب عليه من الأحكام الشرعية كالصلاة نحوها حينئذٍ يرخص له بفعل هذا الاستجمار والصحيح أنه مطهر ولذلك الأولى أن يعبر بأنه (إزالت خارج من سبيل بماء أو حجر) ولا نقول إزالت حكمه بل إزالت

стр. 58

خارج من سبيل بماء أو حجر فينوع بين النوعين الماء والحجر وهنا قلنا الحجر مطهر لأنه جاء في السنة ما يدل على ذلك قوله ﷺ في الروث والعظم (إنهما لا يطهران) (إنهما - أي الروث والعظم - لا يطهران) مفهومه أن غير الروث والعظم يطهران فدل على أنه مطهر ويحكم على المحل بكونه طاهر وبان الأثر الباقي بعد إزالت شيء من النجاسة الذي لا يزيله إلا الماء كما سيأتي حينئذٍ نحكم عليه بأنه طاهر مطلقاً ينبني على الخلاف هل ومطهر أو لا؟ لو عرق المحل ثم سال العرق فأصاب الثوب ماذا نحكم على الثوب وقد رأيت لون العذرة مثلاً؟ من قال أنه لا يطهر حكم عليه بأنه نجس لأنه إنما حكم عليه بطهارته في محله فإذا تعدى المحل رجعنا إلى الأصل ومن قال مطهر حكمنا على هذا الثوب بأنه طاهر وهذا الصحيح الذي دلت عليه السنة ودائماً نقول إذا جاءت أصول وأصلنها حينئذٍ إذا جاء ما يخالفها حينئذٍ نقول هذا مستثنى ولا نجعله معارضاً للأصل ونقول الأصل أن النجاسة لا تزال إلا بالماء الطهور وأما الماء الطاهر والنجس فلا يزيل كل منهما النجاسة فإذا جاء ما يدل على زوال النجاسة وإزالتها والحكم بالطهارة من السنة أو القرآن حكمنا عليه في موضعه ولا نجعل هذا تعارض يتعارض مع ذاك نقول هذا الأصل وهذا خارج عنه بدليل وما خرج عنه بدليل يعتبر مستثنى وإذا كان كذلك حينئذٍ غيره عليه لا ينقاس كما يقول بعض الأصوليين إذاً (إزالت خارج) إزالت هذا لا مفهوم له يعني لو قال زوال أو إزالت لا يشترط فعل وفاعل (إزالت الخارج) الخارج أطلقه المصنف هنا بناء على المذهب فيشمل النادر والمعتاد والرطب واليابس والطاهر والنجس كل خارج ولذلك سيأتي (ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الريح) فلا يستثنى إلا الريح هذا الصحيح في المذهب وإن كان المرجح بأن الطاهر لا يجب الاستنجاء أو الاستجمار منه وأما النجس الغير ملوث فهذا محل نزاع بين أهل العلم وأما قوله هنا - من أجل نشرح المذهب - (إزالت الخارج) هذا عام يشمل النادر والمعتاد، المعتاد كالبول والغائط والنادر كالحصى والدود والشعر لو خرج من الدبر هل يجب الاستجمار له أو الاستنجاء هذا محل خلاف بين أهل العلم والصحيح أن الأدلة عامة فتشمل ما كان معتاداً وما كان نادراً فالأصل المعتاد أنه يخرج منه بول أو غائط إذا خرج دود حينئذٍ نقول الأصل أن الأدلة عامة فتبقى على عمومها (الخارج من سبيل) المراد به هنا الطريق يذكر ويؤنث والمراد به طريق البول والغائط يعني القبل أو الدبر (من سبيل) أي من قبل أو من دبر لأن الاستنجاء والاستجمار إنما ورد في هذا الموضع حينئذٍ يشترط في هذا السبيل أن يكون أصلياً بمعنى القبل المعروف والدبر المعروف حينئذٍ لو فتح له فتحة في غير الموضع وخرج منه بول أو الغائط لا يأخذ حكم القبل والدبر لماذا؟ لأن الاستنجاء والاستجمار إنما ورد فهذين الموضعين فحسب وما عداهما في فتحة فوق السرة أو دونها حينئذٍ نقول هذا يعتبر من باب إزالت النجاسة ولذلك إذا مس الذكر مباشرة وهو متوضأ نقول بطلت طهارتك على الصحيح حينئذٍ لو مس هذه الفتحة التي فتحت ولم تكن ثَمَّ قبلاً أو دبراً حكمنا على الوضوء بأنه صحيح والفرق بينهما أن النص جاء في القبل

стр. 59

الذكر ولم يرد في الفتحة وليس لها أحكام متعلقة ما إذا انسد المخرج المعتاد وانفتح آخر إذاً (من سبيل أصلي) خرج به غير الأصلي فيما إذا انسد المعتاد وانفتح آخر حينئذٍ لم يجزئ فيه الاستجمار إزالت النجاسة تكون بالماء على الأصل وأما استخدام الأحجار لا يجزئ لماذا؟ لأن الرخصة إنما وردت في القبل أو الدبر وغير السبيلين لا يقاس عليهما ألبته لأنه من باب الرخص (أو إزالت حكمه) أي حكم الخارج من سبيل (بحجر ونحوه) ونحو الحجر كما سيأتي بيانه، إذاً هذا هو حقيقة الاستنجاء أو الاستجمار كل منهما بمعنى واحد إلا أن الغالب أن ما استعمل فيه الماء يسمى استنجاء وما استعمل فيه الحجر ونحوه يسمى استجماراً قد يطلق على الثاني استنجاء (أو إزالت حكمه) قلنا الصحيح أنه مطهر حينئذٍ نقول (إزالت الخارج من سبيل بماء أو حجر) شرع المصنف رحمه الله تعالى في ذكر المستحبات فقال رحمه الله تعالى يعني من الآداب التي يستحب لمن أراد التخلي أن يأتي بها إما قوله أو فعله فقال رحمه الله تعالى (يستحب) والاستحباب والسنة والفضيلة والتطوع والندب كلها على الصحيح ألفاظ مترادفة (فضيلة والندب والذي استحب ... ترادفت) هذا هو الصحيح أما التفرقة التي تحصل عند الفقهاء أو عند الأصوليين بأن السنة ما فعله النبي ﷺ مرة واحدة ولم يتكرر إلى آخره كلها هذه مصطلحات محدثة يعني اصطلاحات خاصة ببعض المذاهب وليست هي مبنية على تأصيل الأحكام الشرعية حينئذٍ نقول كل ما قيل بأنه مستحب فهو مندوب فعبر المصنف هنا بقوله (يستحب) وعبر غيره كما في الإقناع والمنتهى بـ (يسن) وكل منهما بمعنى واحد وفرق بينهما بعض الفقهاء بأنه ما ثبت بتعليل يعبر عنه بالاستحباب وما ثبت بدليل يعبر عنه بالسنية وهذا التفريق لا وجه له لماذا؟ لأنه ما ثبت بتعليل نقول هل هذا التعليل دل عليه الشرع أم لا؟ إن دل عليه الشرع حينئذٍ صار دليلاً شرعياً وإذا كان دليل شرعياً فيعبر عنه بالسنة، (يستحب عند دخول الخلاء قول بسم الله) (يستحب عند دخول الخلاء) (عند دخول الخلاء) يعني عند إرادة دخول الخلاء وعند المراد به هنا إرادة الدخول لا معه ولا بعده فإن الاحتمالات ثلاثة إما أن يقول هذا الذكر قبل أن يدخل وإما أن يقوله بعد الدخول وإما أن يقوله أثناء الدخول ما المراد أن يقوله قبل أن يدخل الخلاء لا معه ولا بعده (والخلاء) بالمد الموضع المعد لقضاء الحاجة هذا في الأصل المكان الخالي نقل إلى البناء المعد لقضاء الحاجة هذا في عرف الناس سمي خلاء لأنه يخلو بنفسه خلا بالمكان خلاء إذا فرغ لأنه يخلو بنفسه لذلك سمي خلاء (يستحب عند دخول الخلاء) قول الشارح ونحوه والمراد به كصحراء ونحوها يعني هذا الذكر قول (بسم الله) لا يشترط أن يذكره فمن أراد قضاء الحاجة إذا كان مريداً أو داخلاً لما هو بناء لأن الدخول إنما يعبر بماذا؟ بما يدخل منه ويخرج وإنما هذا يكون في البناء ونحوه وأما الصحراء فكيف يقول دخلت وخرجت هذا لا يتأتى فيه نقول لا هذا مراد هنا في الشرع حينئذٍ الخلاء هو ما كان في معناه مما يقضي فيه القاضي حاجته حينئذٍ يسن له هذا الذكر ولا شك أنه إذا دخل الخلاء الدخول واضح ولكن في الصحراء ونحوها نقول متى

стр. 60

يدخل؟ إذا قدم رجله اليسرى في المكان الذي يريد أن يقضي فيه حاجته حينئذٍ يشرع له أن يقول بسم الله، إذا أراد هذا المحل وهو واقف هنا وأراد أن يقدم رجله اليسرى يقول بسم الله وهو هنا لم يدخل خلاء وإنما نقول الذكر عام والخلاء في الأصل استعمال اللغوي عام لكل من خلا بنفسه لقضاء حاجته وإنما نقول إلى المعنى المعروف هذا المعد لقضاء الحاجة عرفاً وأما المصطلح اللغوي عام فيبقى على أصله إذاً في أول الشرع يقول بسم الله عند أول ما يضع قدمه اليسرى في المحل الذي يريد قضاء الحاجة فيأتي بهذا الذكر (يستحب عند دخول الخلاء قول بسم الله) (قول) باللسان فلا يكفي أن ينويه بقلبه لأن القول هو اللفظ والمعنى معاً فلا يصدق على المعنى دون اللفظ ولا على اللفظ دون المعنى هذا بإجماع أهل اللغة وهو عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسألة الكلام والقول في هذا المقام سيان مترادفان حينئذٍ مسمى الكلام ومسمى القول اللفظ والمعنى معاً حينئذٍ لو نوى بقلبه البسملة عند دخول الخلاء ولم يتلفظ هل أتى بالأدب لا لم يأتي بالأدب لماذا؟ لأن القول مشترط وهو أن يأتي بالقول مع المعنى فإذا نوى بقلبه لم يأتي بهذا الذكر لحديث علي مرفوعاً (ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخلوا الكنيف أن يقول بسم الله) إذاً أتى بالقول فالقول مشترط هنا (بسم الله) ولا يزد عليها (الرحمن الرحيم) لأن المقام هنا ذكر والذكر إنما يتعبد به بنقله كما نقل إلينا فلا نزيد عليه الرحمن الرحيم ولو كانت البسملة معروفة في جهة أخرى فهنا في هذا المقام نقول بسم الله ولا نقول الرحمن الرحيم وهذا الحديث رواه ابن ماجة والترمذي وقال ليس إسناده بالقوي صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الإرواء إذاً الحديث ثابت ولذلك قال الحافظ رحمه الله تعالى رواه العمري من طريق عبدالعزيز بن مختار عن عبدالعزيز بن صهيب عن أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال (إذا دخلتم الخلاء فقول بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث) قال الحافظ إسناده على شرط مسلم وفيه زيادة التسمية ولم أرها في غير هذه الرواية وهذا الأدب مستحب باتفاق أهل العلم يعني حكي الإجماع أنه يستحب لمن دخل الخلاء وهو مريد لقضاء الحاجة أو نحو الخلاء أن يقول بسم الله يتلفظ بهذا اللفظ ولا يزيد الرحمن الرحيم، (أعوذ بالله من الخُبُث أو الخُبْث والخبائث) والرواية إنما جاءت بالخُبُث بضم الباء يعني بضمتين (أعوذ) هذا أدب آخر يزيده على ما سبق إذاً الأدب الأول المستحب هو قول بسم الله الأدب الثاني (أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث) (أعوذ) يعني أعتصم وألتجئ وأستجير (بالله) أي لا بغيره (بالله) هذا مستعاذ به، والمستعاذ منه هو الذي جاء بعد قوله من (الخبث) إذاً عندنا في هذا التركيب استعاذة وعبر عنها هنا بقوله (أعوذ) عندنا مستعاذ به وهو الله جل في علاه وعندنا مستعاذ منه والخبث والخبائث قال (من الخُبْث) بإسكان الباء هكذا في المتن قاله أبو عبيدة وقال القاضي عياض هو أكثر روايات الشيوخ يعني الإسكان (أعوذ بالله من الخُبْث) وفسره بالشر يعني فسر الخُبْث بإسكان الباء بناء على أنه أصل وليس مخففاً يعني وزنه فُعْل ابتداء وليس مخففاً نم

стр. 61

فُعُل فسره بالشر والخبائث الشياطين فكأنه استعاذ من الشر وأهله إذاً على هذا المعنى (أعوذ بالله من الخُبْث - بإسكان الباء - والخبائث) أي من الشر وأهله، وثَمَّ قول آخر (أعوذ بالله من الخُبُث) بضم الباء يعني بضمتين على وزن فُعُل حينئذٍ لا يكون مفرداً كالخبْث وإنما يكون جمعاً مفرده خبيث وهو ذكران الشياطين والخبائث جمع خبيثة وهي إناث الشياطين حينئذٍ استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم حينئذٍ ما المرجح بين القولين؟ نقول المرجح أنه على وزن فُعُل يعني (أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث) وما جاء من أنه الخُبْث نقول هذا على باب التخفيف فالأصل فيه أنه على وزن فُعُل وفُعُل في لسان العرب سواء كان مفرداًً أو جمعاً يخفف فيقال فيه فُعْلٌ كما لو قلت كُتُب جمع كتاب فُعُل يخفف ويقال هذه كُتْبٌ على وزن فُعْل ولذلك قال في الفتح الخُبُث بضم المعجمة والموحدة كذا في الرواية وهي التي رجحها الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى بأنها بالضم وأما على القول بأنها بالإسكان حينئذٍ تحمل على أنها مخففة ولذلك قال النووي رحمه الله تعالى هو جائز تخفيفاً بلا خلاف عند أهل النحو والتصريف إذاً لا خلاف بينهما فسواء قلنا خُبُب أو خُبْث المراد به جمع خبيث على هذا أو ذاك نقول جمع خبيث ما وجهه؟ نقول خبْث بالإسكان ليس مفرد وإنما هو جمع كيف جاء على وزن فُعْل؟ نقول أصله فُعُل مثل كُتُب ويخفف بإسكان عينه فيقال فُعْلٌ كما تقول كُتْبٌ إذاً لا خلاف بين القولين وإذا أختار شيخ الإسلام ابن تيمية رواية الإسكان بتعليل آخر لكن إثبات الرواية حينئذٍ هي المقدمة والله أعلم، إذاً (أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث) نقول هذا أدب مستحب وهو متفق عليه وقد جاء النص فيه وهو حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال (اللهم إني أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث) هذا الحديث متفق عليه ولمسلم (أعوذ بالله) كما أوردها المصنف هنا إذاً تأتي بهذا تارة وبهذا تارة أخرى تقول (بسم الله اللهم إني أعوذ بالله من الخبث والخبائث) بزيادة (اللهم إني) تأتي في مرة أخرى (بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث) وهذا الأصل فيما إذا جاء الذكر صيغتين مختلفتين والسنة فيهما أن تأتي بهذا تارة وبهذا تارة ولا يرجح أحد الذكر على الآخر مطلقاً وإنما يقال يفعل هذا تارة وهذا تارة ويكون من باب تنوع السنن، (وعند الخروج منه غفرانك) هذا الأدب الثالث من المستحبات أي ويستحب أن يقول من أراد التخلي قضاء الحاجة عند الخروج يقال كذلك ما قيل فيما سبق عند يحتمل أنه قبل أن يخرج أو بعده أو معه والمراد هنا بعد الخروج فالعندية هنا تفسر بالبُعد حينئذٍ نقول عند تفيد القرب بمعنى أنه إذا أراد أن يدخل قال بسم الله وأما قبله بدقائق بأنه يفصل بينه وبين الذكر نقول هذا لا يكون آتياً بالسنة كذلك لو خرج وبقي ربع ساعة ثم قال غفرانك نقول لم يأتي بالذكر إلا إذا كان نسياً حينئذٍ يكون قضاء (عند الخروج منه) يعني بعد الخروج منه أي من الخلاء (غفرانك) بالنصب أي أسألك غفرانك مفعول به لفعل محذوف فعل مقدر أو مصدر أي اغفر غفرانك (غفرانك) مأخوذ من الغَفْر بفتح الغين وهو الستر مصدر غفر يغفر

стр. 62

غفراً وغفراناً كشكر يشكر شكراً وشكراناً والمغفرة هي الستر مع المحو والتجاوز عن الذنوب وليس المراد به الستر فقط وإنما الستر مع المحو حينئذٍ يأتي بهذا الذكر بعد الخروج لماذا؟ ما الحكمة؟ نقول الحكمة هي امتثال ما ورد عن النبي ﷺ أن تقول كما قال ولم يرد تعليل منه لذلك ﵊ حينئذٍ نقول سمعاً وأطعنا ونفعل كما فعل ﷺ لأجل أنه فعل وأما الدخول في التعليلات هذا الأصل عدمه ولكن ذكر الفقهاء بعض العلل التي هي مناسبة لهذا الذكر والأصل في المسلم أنه يمتثل دون أن يستفسر عن ذلك ولذلك قال المحشي هنا من استغفر الله عن تقصيره في شكر الله عن إخراج ذلك الخارج من بعد أن أنعم عليه - هذا يحتاج إلى نقل - فأطعمه ثم هضمه ثم سهل خروجه عليه ويقال إن مناسبة سؤال المغفرة في هذا الموضع أنه دخل ثقيلاً وخرج خفيفاً هذا أقرب ما يكون أنه تذكر بهذا الموضع ذلك الموضع دخل ثقيلاً خرج خفيفاً فذكر ثقل الذنب يوم القيامة فسأل الله المغفرة، على كل هذا أو ذاك البحث في هذا الأصل عدمه إذاً غفرانك يقول هذا الذكر لحديث أنس كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال (غفرانك) رواه الترمذي وحسنه (قال) كذلك اللفظ والمعنى معاً فلا يجزئ فيه المعنى أن ينويه بقلبه دون أن يتلفظ بلسانه وقوله في مثل هذه الأذكار (كان رسول الله ﷺ يدل على الاستمرار حينئذٍ لا يفعل مرة ويترك مرات بل الأصل فيه المداومة على ذلك ولذلك إذا جاء لفظ كان رسول الله ﷺ يقول كذا أو يفعل كذا فالأصل فيه المداومة وملازمة هذا الذكر أو الفعل إذا خرج من الخلاء ومن نحوه كذلك يقول (غفرانك) فإذا خرج من نحو الخلاء إذا قدم رجله اليسرى عند الخروج من المكان الذي جلس فيه كالصحراء ونحوها، (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) هذا ذكر ثالث زاده المصنف لما رواه ابن ماجه عن أنس كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى) الأذى البول والغائط (وعافاني) يعني من احتباسه وهذا كما ذكر الشارح رواه ابن ماجه وغيره كالنسائي وابن السني عن أبي ذر وقال الحافظ سنده حسن يعني حسن إسناده الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى وقال في الزوائد فيه إسماعيل بن مسلم مجمع على تضعيفه والحديث بهذا اللفظ غير ثابت وفي المجموع إسناده ضعيف وضعفه كذلك الشيخ الألباني والحديث لا يثبت لأنه ضعيف حينئذٍ من حسنه ورأى أنه مقبول حينئذٍ يعتمده ومن رأى ضعفه فالأصل فيه الترك ولا يعتمده من أجل أنه ضعيف لأن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الصحيح لا يعمل به مطلقاً لا في الحلال ولا في الحرام ولا في فضائل الأعمال لأنه ضعيف فضائل الأعمال إنما تثبت بما يثبت به الحلال والحرام والتفريقة بين الحلال والحرام وبين فضائل الأعمال هذه تحتاج إلى دليل كما نص على ذلك الشوكاني رحمه الله تعالى فإن جيء بدليل يخص الأدلة الدالة على عدم قبول الحديث الضعيف في الحلال والحرام حينئذٍ على العين والرأس وإن لم يرد حينئذٍ نقول ما دل على عدم قبول الضعيف في الحلال والحرام يشمل كذلك فضائل الأعمال والتخصيص من غير

стр. 63

مخصص غير مقبول إذاً الحديث الضعيف فلا يعمل فيه مطلقاً، (وتقديم رجله اليسر دخولاً واليمنى خروجاً) هذا من المستحبات الفعلية تلك الثلاثة مستحبات قولية وهذا مستحب فعلي يعني ويستحب لمن أراد دخول بيت الخلاء ونحوه تقديم رجله اليسرى أن يبدأ برجله اليسرى دخولاً لما روى الحكيم الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال (من بدأ برجله اليمنى قبل يساره إذا دخل الخلاء ابتلي بالفقر) والحديث ضعيف ولا يثبت ولأن اليسرى للأذى واليمنى لما سواه ليس في المسألة نص وإنما ثَمَّ قاعدة عامة وهو أنه إذا اجتمع الأمران يعني ما يمكن فعله باليمنى أو اليسرى سواء كان في الرجلين أو اليدين حينئذٍ ينظر في ذاك المفعول إن كان من باب التكريم حينئذٍ تقدم اليمنى سواء كانت الرجل أو اليد وإن كان من الأذى ونحوه أو الإهانة حينئذٍ تقدم اليسرى سواء كان من اليد أو الرجل ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله تعالى (قد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى تقدم اليمنى فيها إذا من باب الكرامة كالوضوء وتقدم اليسرى بضد ذلك كدخول الخلاء) إذاً أدلة عامة تدل على أن الفعل إذا أمكن فعله باليدين حينئذٍ ننظر في المفعول إن كان كريماً فعلناه باليمنى وإن كان مهاناً باليسرى وكذلك الدخول إلى بيت الخلاء ليس من باب الكرامة فتقدم اليسرى (وتقديم رجله اليسرى دخولاً) أي عند دخول الخلاء ونحوه من مواضع الأذى وأما غير البنيان كالصحراء حينئذٍ يقدم اليسرى إلى موضع جلوسه كما ذكرنا سابقاً إلى موضع الجلوس الذي عينه للجلوس حينئذٍ يقدم رجله اليسرى ويمناه عند منصرفه منه من ذلك الموضع مع إتيانه بالذكر في الدخول والخروج على نحو ما قدمنا قال (عكس مسجد ونعل) يعني هذا الحكم السابق تقديم اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج عكس المسجد حينئذٍ يعني خلاف مسجد فالعكس هنا بالمعنى اللغوي (عكس مسجد) لما روى أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال (من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجل اليمنى) وإذا قال الصحابي من السنة حينئذٍ له حكم الرفع وكذلك جاء في ما رواه البخاري ومسلم (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين وإذا نزع فليبدأ بالشمال فلتكن اليمنى أولهما تنعل وأخراهما تنزع) فدل هذين الحديث على أن النعل يعني الانتعال وكذلك دخول المسجد إنما يكون باليمنى دخول في المسجد أو انتعالاً واليسرى خروجاً من المسجد أو خلع النعل إذاً قوله (عكس مسجد ونعل) أراد به تبين أن دخول الخلاء يكون بعكس هذا الحكم وليس مراده بيان حكم دخول المسجد ونحوه ولذلك قال الشارح هنا (فاليسرى تقدم للأذى واليمنى لما سواه) يعني سوى الأذى وروى الطبراني في المعجم الصغير عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا خلع فليبدأ باليسرى)، (واعتماده على رجله اليسرى) يعني يستحب لمن أراد التخلي سواء من أراد بولاً أو غائط (اعتماده) يعني اتكاءه (على رجله اليسرى) حال جلوسه لقضاء الحاجة يعني لا في الاستنجاء والاستجمار وإنما وقت خروج الخارج وهنا فيه دليل وتعليل وأما الدليل ما رواه الطبراني في المعجم والبيهقي عن سراقة ابن مالك (أمرنا رسول الله

стр. 64

صلى الله عليه وسلم أن نتكئ على اليسرى وأن ننصب اليمنى) والحديث ضعيف قالوا والتعليل في الاعتماد اليسرى ونصب اليمنى فيه سهولة في إخراج الخارج لأن المعدة تكون في الشق الأيمن حينئذٍ إذا اعتمد على الجهة اليسرى فكأنه ضغط على المعدة فكان أسرع في خروج الخارج هذا إن ثبت طباً لا يثبت شرعاً بمعنى أنه لا يقال يستحب فيثبت له لأنه لا استحباب إلا بدليل شرعي فإن ثبت طباً وصح ذلك فمن أراد أن يفعله فالأصل فيه الإباحة أما أن يجعل مستحباً لمن احتاجه ولم يحتج إلى ذلك نقول الأصل فيه عدم الحكم الشرعي إذاً (اعتماده على رجله اليسرى) يعني يتكأ على رجله اليسرى وينصب اليمنى بأن يرفع أصابعها على الأرض ويرفع قدمه هكذا يعتمد على الأصابع ويرفع طرف القدم (وبعده في فضاء) أي ويستحب (بعده) الضمير يعود إلى قاضي الحاجة (في فضاء) الفضاء المراد به ما يقابل الخلاء والفضاء بالمد هو ما اتسع من الأرض يقال أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء حتى لا يراه أحد وليس المراد به أن يستر عورته لأننا في مقام ذكر المستحبات ستر العورة نقول هذا من الواجبات (وبعده في فضاء) من أجل أن لا يرى جسده كله حينئذٍ ثَمَّ أمران ستر العورة أثناء قضاء الحاجة هذا واجب ستر الجسد كله بأن لا يراه أحد نقول هذا من المستحبات هذا إنما يتأتى إذا كان في فضاء وأما إن كان في خلاء ونحوه مما أعد بناء لقضاء الحاجة الأصل فيه أن لا يرى جسمه كله (وبعده في فضاء) إذا لم يكن ما يستره به من شجر وجبل فالمراد بعده حتى لا يرى جسمه لما روى أبو داود من حديث جابر - حديث جابر فيه كلام - ولفظه (كان إذا أتى البارز أبعد حتى لا يراه أحد) رواه النسائي وأبو داود والترمذي وصححه من حديث المغيرة بلفظ (كان إذا ذهب أبعد) وفي الصحيحين (فنطلق حتى توار عني) هذا أثبت وفيه من الأدب والمروءة ما هو ظاهر إذاً يستحب (بعده) أي بعد من أراد قضاء الحاجة حتى يستر بدنه كله عن الأنظار فيما إذا كان في فضاء (واستتاره) هذا تأكيد لما سبق وإلا البعد ما ثمرته ما نتيجته هو الاستتار حينئذٍ يكون هذا العطف كالتفسير لما سبق (واستتاره) يعني يستحب استتاره عن ناظر والمراد استتار بدنه كله وأما العورة فهو واجب فيستتر بما أمكنه من حائط وشجر وتراب (واستتاره) قد يقال بأنه أعم من جهة ماذا؟ أنه قد لا يكون في فضاء فيستتر بنحو حائط بنحو شجر سيارة ونحوها نقول هذا استتر ولم يكن في فضاء فيكون أعم مما سبق وأوردوا فيه حدث أبي هريرة ﵁ (من أتى غائط فليستتر) رواه أبو داود وفيه كلام لأهل العلم وحسن إسناده الحافظ رحمه الله تعالى لكن الأصول العامة تدل عليه (وارتياده لبوله مكاناً رخواً) (وارتياده) أي ويستحب لقاضي الحاجة أن يرتاد لبوله (ارتياده) أي طلبه ارتاد الشيء أي طلبه (لبوله) خص البول دون الغائط لما سيذكره (مكاناً رخواً) (مكاناً) أي محلاً (رخواً) بتثليث الراء رِخواً رَخواً رُخواً والكسر أشهر رِخواً يعني ليناً هشاً وإذا قيل ليناً هشاً حينئذٍ عرفت الحكمة من تخصيص البول دون الغائط أليس كذلك؟ (وارتياده) يعني إذا أراد قاضي الحاجة أن يبول فليطلب مكاناً رخواً ليناً بحيث إذا بال لا يرجع إليه البول لو بال على صلب

стр. 65

ونحوه كحجر صلب حينئذٍ سيعود عليه رشاش البول فيصيبه شيء من النجاسة والأصل وجوب الابتعاد عن النجاسة وإذا كان كذلك حينئذٍ يستحب أن يطلب لبوله دون غائطه لأنه لا يرجع إليه شيء من غائطه لبوله دون غائطه مكاناً رخواً أي هشاً ليناً بحيث يأمن على نفسه أن يصاب بالنجاسة وهذا الأدب متفق عليه بين أهل العلم قالوا إن كان صلباً لينه بأن يأخذ حجر أو عوداً فيعالجه ويثير ترابه ليصير دمثاً سهلاً إذاً (وارتياده لبوله مكاناً رخواً) قال ابن القيم في زاد المعاد (وكان إذا أراد أن يبول في عزاز من الأرض وهو الموضع الصلب أخذ عوداً فنكث به حتى يثري به ثم يبول وكان يرتاد لبوله الموضع الدمث وهو اللين الرخو) هكذا قال ابن القيم في زاد المعاد وأورد حديث وفيه ضعيف (إذا بال أحدكم فليرتد لبوله) رواه أحمد وغيره الحديث ضعيف (ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثاً ونتره ثلاثاً) هذا الاستبراء والنتر وهما أمران لا دليل عليهما لا من كتاب ولا من سنة لكن من ابتلي بسوسة أو مرض أو نحو ذلك وكان علاجاً له فيباح له لكن لا يجعل سنة مطردة كما ذكرناه فيما سبق (ومسحه) أي يستحب له أي لقاضي الحاجة إذا بال (مسحه) يعني أن يمسح (بيده اليسرى) لماذا لا اليمنى؟ لأنه محل أذى حينئذٍ ما كان محلاً للأذى فيفعل باليسرى (بيده اليسرى) لا اليمنى (إذا فرغ) يعني انقطع من بوله فهو خاص بالبول فلا يشمل الغائط (من أصل ذكره) أي من حلقة دبره من حَلْقة بفتح الحاء وإسكان اللام فيضع أصبعه الوسطى تحت الذكر والإبهام فوقه من مجامع العروق فيمر بهما إلى رأسه يعني رأس الذكر يعني من أصله فوق الأنثيين إلى رأس الذكر يضع أصبعيه ويمر بهما على موضع خروج البول ثلاثة مرات من أجل ماذا؟ لماذا قال (ثلاثاً) من أجل ماذا؟ من أجل إبراء الموضع لأن لا يبقى فيه بلل ألبته فيطارد البول مطاردة لأن لا يبقى شيء من البلل في ذلك المحل يعني من البول وهذا من باب ماذا؟ من باب الاستبراء (ونتره ثلاثاً) نتره يعني يستحب النتر والنتر بالمثناة فوق هو الجذب بجفاف يعني أن يحرك البول أو الذكر من داخله بالنفس يسمى نتراً حينئذٍ لا يبقى شيء من البول فإذا كان ثَمَّ ما هو قدر النقطة أو النقطتين يكون قد خرج بنفسه كذلك (ثلاثاًَ) أي نتر ذكره ثلاثاً ليستخرج بقية البول منه لحديث (إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثاً) رواه أحمد وغيره والحديث ضعيف إذاً هاتان المسألتان لا أصل لهما من حيث الحكم الشرعي وهو الدليل وبناء حكم شرعي مطرد في جميع الناس يعني سواء كان السليم والمريض يفعل هذا قول إذا ابتلي من ابتلي ونصحه طبيب بأن هذا لا يترتب عليه شيء من حيث الوسوسة أو من حيث الإضرار به حينئذٍ لا بأس بفعله فيكون أمراً مباحاً لأنه لم يرد أمر ولا نهي وكذلك لا نقول بدعة مطلقاً إذا جعل حكماً مطرداً نقول نعم بدعة لا شك في ذلك لأنه مما أحدث في الدين لم يكن له طريق شرعي أو مستند شرعي صحيح وأما إذا فعل من باب الإباحة بأن لا يعتقد أنه حكم شرعي حينئذٍ لا إشكال فيه، (وتحوله من موضعه ليستنجي إن خاف التلوث) يعني يستحب (تحوله) قاضي الحاجة بعد أن يبول وبعد أن يتغوط (تحوله) أي انتقاله من موضعه

стр. 66

يعني موضع قضاء الحاجة الذي وضع فيه البول والغائط لماذا؟ (ليستنجي) يعني بالماء في غيره في غير ذلك المحل يعني يغر محله لماذا؟ لأنه لا يأمن من رشاش الماء الذي يغسل به الموضعين أن يصيب النجاسة ثم يعود عليه هذا أمر واضح وهو متفق عليه بين أهل العلم ولذلك قيده (إن خاف تلوثاً) كما هو الشأن الآن النجاسة لا تبقى حينئذٍ نقول هذا الموضع لا وجود له ألبته لماذا؟ لأنه ثبت بتعليل وما ثبت بتعليل فحينئذٍ نقول الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً فإذا كانت الحمامات ونحوها مما لا تبقى فيه النجاسة تزول مباشرة إذا وضع الماء عليه أو بنفسها حينئذٍ لا يحتاج إلى أن ينتقل إلى موضع آخر لانتفاء العلة (وتحوله) أي ويستحب (تحوله من موضعه ليستنجي بغيره إن خاف تلوثاً) باستنجائه في مكانه حينئذٍ التحول هنا مبني على علة وهو أن لا يتنجس فإذا خاف تلوثاً استحب له وإن لم يخف حينئذٍ لا يستحب له ألبته إذاً ليس عندنا دليل من كتاب وسنة وإنما هو تعليل قاعدة عامة هذا ما يتعلق بالأقوال والأفعال المستحبة لمن أراد قضاء الحاجة ثم قال (ويكره) هذا شروع منه في الآداب المكروه ومعلوم أن المكروه ما طلب الشارع تركه طلباً غير جازم أو ما نهى عنه الشارع نهياً غير جازم بحيث يثاب على تركه امتثالاً ولا يعاقب على فعله يثاب على تركه امتثالاً بقيد الامتثال ولا يعاقب على تركه ثَمَّ ما يكون من الأفعال وثَمَّ ما يكون من الأقوال كذلك كما سبق في المستحبات والأصل في الأفعال والأقوال الإباحة حينئذٍ إذا قيل وجب على قاضي الحاجة ترك كذا من الأفعال أو من الأقوال طالبناه بالدليل فإن جاء دليل فعلى العين والرأس وإلا رجعنا إلى الأصل وهو الإباحة (ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله تعالى إلا لحاجة) وهذا وقول أكثر أهل العلم (ويكره) عرفنا الكراهة حكم شرعي دخوله أي دخول قاضي الحاجة إذا أراد أن يقضي حاجته لدخول الخلاء يكره دخوله أي دخول قاضي الحاجة الخلاء (بشيء فيه ذكر الله تعالى) والمراد (فيه ذكر الله تعالى) المراد اسم الله فضلاً عن الجمل التي تكون مركبة من هذا الاسم أو من غيره فإذا قيل لا إله إلا الله هذا كلمة التوحيد وفيها اسم الله وهل الحكم معلق بمثل هذا الألفاظ الله أكبر وسبحان الله ولا إله إلا الله أو هو أعم من ذلك؟ نقول أعم من ذلك فلو وجد معه ولو ورقة أو خاتم مكتوب فيه الله فقط نقول كره له دخوله الخلاء لأن قول (بشيء) هذا عام وقوله (فيه ذكر الله) هذا عام فيشمل ما فيه اسم الله تعالى فقط دون جملة مركبة ويشمل كذلك الجمل المعروفة إذاً المراد اسم الله تعالى والجمل المعروفة فيشمل النوعين ولذلك في المحرر قال و (لا يصحبه ما فيه اسم الله إلا من عذر) وهذا أعم وأوضح من كلام المصنف (إلا لحاجة) فإن كان لحاجة حينئذٍ لا يكره إن كان لحاجة لا يكره وهذا الحكم عام كل ما قيل فيه مكروه عند الفقهاء فالمراد به لغير حاجة فإن احتاج إليه ارتفعت كل كراهة ألبته سواء في هذا المقام أو غيره حينئذٍ يكون هذا التقيد من باب الإيضاح ومن باب زيادة التأكيد على الحكم بأن الحكم بالكراهة فيما إذا لم يحتج وأما إذا احتاج كدراهم مكتوب فيها لا إله إلا الله ولم يجد من يحفظ له هذه الدراهم

стр. 67

جاز دخوله الخلاء ولو بشيء فيه ذكر الله تعالى وكذلك لو كان معه ورقة وفيها شيء من الآيات فيها شيء من الأذكار الصباح والمساء ولم يجد من يحفظ له هذه الأوراق نقول هذا لحاجة إذا ً قوله (لحاجة) أي فلا يكره بمعنى أنه إذا احتاج أن يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله تعالى ارتفعت الكراهة فلو لم يجد من يحفظه له أو خاف ضياعه فلا بأس حيث أخفاه قال أحمد (الخاتم إذا كان فيه اسم الله تعالى يجعله في باطن كفه) يعني إما يخرجه ويمسكه هكذا وإما أن يحول الاسم إلى باطن الكف قال في الشرح (غير مصحف فيحرم) إذاً بشيء فيه ذكر يشمل المصحف وبعض المصحف كالمصحف كما قال البهوتي وحكي الإجماع إن حكي الإجماع فلا بأس حكي الإجماع على أنه لا يصح بل يحرم دخول قاضي الحاجة إلى الخلاء ونحوه بالمصحف ولذلك قال في الإنصاف (لا شك في تحريمه قطعاً ولا يتوقف ف هذا عاقل) قال البهوتي (قلت وبعض المصحف كالمصحف) إذاً يستثنى المصحف وبعض المصحف يعني إذا كان عندك القرآن مجزأ نقول هذا بعض معك جزء عم فقط وهو منفصل عن بقية القرآن نقول هذا بعض القرآن هل يحل أو يجوز دخول الخلاء بهذا المصحف أو بعض المصحف؟ الجواب لا؛ حكي الإجماع وإذا ثبت الإجماع فعلى ذلك وهل الأشرطة تأخذ حكم هذا أو السيدهات إذا فيها قرآن؟ الجواب لا؛ لا تأخذ الحكم لأنها شيء غير بارز، والمراد هنا بما فيه اسم الله بارزاً ظاهراً يقرأ وأما نحو القرآن إذا وضع فيه قرآن أو السيدهات ونحوها أو الأشرطة فيها قرآن نقول هذا لا يأخذ الحكم ألبته لأنه شيء مخفي والمراد هنا الشيء الذي يكون ظاهراً ما الدليل؟ عندهم دليل وتعليل وأما الدليل فهو حديث أنس (كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه) وخاتم الرسول ﷺ كان منقوشاً عليه محمد رسول الله إذاً الله فيه لفظ الجلالة كان النبي ﷺ ينزعه إذا أراد دخل الخلاء وهذا الحديث رواه الخمسة إلا أحمد وقال أبو داود حديث منكر إنما يعرف عن أنس أن النبي ﷺ أتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه وقال النسائي هذا الحديث غير محفوظ وهذا هو المشهور أن الحديث ضعيف منكر لا يثبت وإذا كان معتمد أهل العلم هذا الحديث وثَمَّ تعليل وهو تعظيم الله عزوجل عن موضع القاذورات لأن الخلاء موضع القاذورات فشرع تعظيم اسم الله تعالى وتنزهه عنه نقول هذه علة لا يمكن أن تكون في هذا المقام وهو الكراهة بحكم عاماً على جميع الخلق حينئذٍ إذا كان مبنى هذا الحكم هو الدليل والدليل ضعيف حينئذٍ إذا سقط الدليل سقط ما ترتب عليه ولذلك نقول الصواب لا يكره دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله تعالى لعدم وجود الدليل الصحيح الذي يكون مستنداً لهذا الحكم (ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله تعالى إلا لحاجة) والقول الآخر لا يكره ذكر الله تعالى داخل الخلاء فإذا عطس نعم هذا سيأتي معنا، ثم قال (ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض) هذا المكروه الثاني وهو أن يستكمل رفع ثوبه قبل أن يدنو يعني يقرب من الأرض بلا حاجة كذلك حينئذٍ إذا أراد قاضي الحاجة أن يجلس لا يكمل رفع الثوب قبل أن يجلس وإنما أثناء جلوسه يرفع شيء فشيء حتى يصل إلى الأرض ومبنى هذه المسألة كشف العورة في الخلوة هل هو يحرم أو يكره؟

стр. 68

على خلاف بين أهل العلم (ورفع ثوبه) يعني يكره استكمل رفع ثوبه إن بال قاعداً (قبل دنوه) أي قربه من الأرض بلا حاجة فإن كان ثَمَّ حاجة حينئذٍ نقول ارتفعت الكراهة لما روى أبو داود من طريق رجل لم يسمه عن ابن عمر (أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) رواه أبو داود والترمذي وضعفاه ولأن ذلك أستر له وكذلك مبناه على مسألة كشف العورة حينئذٍ إذا لم يثبت دليل على هذه المسألة فالأصل نقول بقاء الجواز فيبقى الأصل هو الجواز أن يستكمل ثم يجلس إذا لم يكن ثَمَّ ناظر له فإن كان ثَمَّ ناظر له أجنبي ممن لا يحل النظر له أو إليه حينئذٍ نقول الأصل فيه التحريم لأنه من باب كشف العورة وأما إذا خلا بنفسه فالأصل الإباحة ولا دليل على المنع إذاً ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض بلا حاجة فيرفع شيء فشيء يعني قليلاً فقليلاً قال الشارح (ولعله يجب إن كان ثَمَّ من ينظره) لا؛ يجب قطعاً ما نقول لعله؛ يجب إذا كان ثَمَّ من ينظره لماذا؟ لأنه يجب عليه ستر عورته إذا كان هذا سبباً في كشف عورته بأن يستكمل الرفع قبل جلوسه ودنوه من الأرض نقول هذا يعتبر من المحرمات، (وكلامه فيه) يعني يكره كلام قاضي الحاجة (فيه) أي في الخلاء مطلقاً أطلق المصنف ولذلك قال الشارح (ولو برد السلام) بمعنى أنه يكره كلامه مطلقاً سواء كان بذكر أو بغيره (وكلامه فيه) قال ولو برد السلام كابتدائه وإن عطس حينئذٍ يحمد بقلبه وإذا سمع مؤذناً أجاب بقلبه ولا أدري هذه من الأمور الغريبة ولعلها دخيلة وهي إذا جاء النص بترتيب الفعل على القول (إذا قال المؤذن فقول) حينئذٍ لابد من اللفظ ولا نستجيز أن نقول بأن المعنى الذي يكون القائم بالقلب يؤدي مؤدى اللفظ أليس كذلك؟ هل يستجاز بأن يقال المعنى القلبي يؤدي ما يؤديه اللفظ؟ نقول لا؛ نحتاج إلى دليل إذاً هذا تخصيص للقول بما هو باطن يعني بأحد جزئ مدلوله ومدلول القول اللفظ والمعنى معاً تخصيصه بالمعنى القلبي دون اللفظ يحتاج إلى دليل ولا دليل إذاً (وكلامه فيه) يعتبر مكروهاً يعني في الخلاء، ما الدليل؟ قالوا ثَمَّ دليلان: الدليل الأول: حديث أبي سعيد مرفوعاً (لا يخرج الرجلان إلى الغائط كاشفين عن عورتيهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك) الحديث ضعيف أولاً ثم لا يصلح الاستدلال به على الكراهة لو صح الحديث لكان الكلام محرماً لا مكروهاً إذاً من حيث الثبوت فيه نظر ومن حيث الاستدلال فيه نظر ولكن طريقة الفقهاء باب المذاهب الأربعة أنه إذا لم يثبت الحديث وقالوا به حينئذٍ لا يقولون بظاهره إن دل على الوجوب فيه أمر لا يجعلونه واجباً بل يجعلونه مستحباً ما العلة الصارفة؟ الاختلاف في ثبوت الدليل، كذلك إذا جاء نهي فيصرفونه إلى الكراهة لماذا؟ للاختلاف في ثبوت الدليل ونحوه وهذا الذي جعلهم ماذا؟ يجعلون الحكم هنا بالكراهة ولذلك قال في النكت (دليل الأصحاب يقتضي التحريم وعن أحمد ما يدل عليه) إذاً هذا الدليل ساقط، ولمسلم عن ابن عمر قال: (مر رجل بالنبي ﷺ فسلم عليه وهو يبول فلم يرد عليه) يعني لم يرد عليه النبي ﷺ سلامه لماذا؟ لكونه يبول ولكونه يبول إذاً ليس ثَمَّ علة

стр. 69

إلا هذه العلة وهو كونه قاضي حاجة ويكره له الكلام ولو برد السلام؛ لكن نقول هذا الاستدلال فيه ضعف لماذا؟ لأن السبب جاء مبيناً في رواية أخرى فعن المهاد بن قنفذ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلام عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال: (إني كرهت أن أذكر الله عزوجل إلا على طهر أو قال على طهارة) والكراهة هنا ليست كراهة شرعية وإنما هي كراهة نفسية فكره النبي ﷺ أن يذكر الله تعالى على غير طهارة وهنا النبي ﷺ لم يترك الرد مطلقاً وإنما أخره ولذلك قال (إنما منعني أن أرد عليك السلام) إذاً لم يكن عدم رد النبي ﷺ دليل على عدم جواز الكلام أو كراهة الكلام حال قضاء الحاجة بل النبي ﷺ اعتذر بكونه كان على غير طهر فلو كانت العلة كونه يبول لقال كنت أبول وإنما قال (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة) حينئذٍ كيف نجعل العلة بغير العلة التي علل بها النبي ﷺ الحكم، إذاً (ويكره كلامه فيه) لهذين النصين فإذا لم يثبت الأول من جهة السند بطل الحكم وإذا ثبت الثاني وهو حديث مسلم من جهة السند لا يسلم لهم الاستدلال به ولذلك نقول الصحيح هو عدم الكراهة مطلقاً لعم النص لا تقل هذا الأمر مكروه إلا إذا دل الدليل وهنا الدليلان كما رأيت لا يصلح الاستدلال بهما على الحكم فإذا سقطا من حيث الأصل الثبوت أو من حيث الاستدلال حينئذٍ نرجع إلى الأصل وهو جواز الكلام في الخلاء ولذلك يقول القول الآخر لا يكره ذكر الله عزوجل داخل الخلاء فإذا عطس حينئذٍ فيحمد الله تعلى بلفظه الحمد لله هكذا ويجهر به وحرج في ذلك ما الذي يمنعه والنص عام جاء عاماً سواء كان لقاضي الحاجة أو غيره وليجب كذلك المؤذن وهو قول مالك ذكر الحافظ في الفتح أن مالك يرى جواز ذكر الله تعالى في الخلاء ورجحه القرطبي في تفسيره والأدلة على ذلك كثيرة عمومات القرآن بذكر الله تعالى والأمر به مطلقاً سواء كان على طهارة أو لم يكن سواء كان في بيت الخلاء أو لم يكن فهي عامة تخصيصها يحتاج إلى مخصص ولذلك جاء حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) كل أحيانه يعني أوقاته وثَمَّ أوقاته يكون قاضياً للحاجة ولم يأتي ما يخصص هذا اللفظ ونبقى على الأصل فالأصل جواز الذكر ولا يوجد نص واضح في النهي عن ذكر الله مع القواعد والأصول العامة وقد شرع الله لنا ذكره في كل حال فقال (واذكروا الله كثيراً) وكذلك حذر من نسيان ذكره فلا نترك هذه النصوص إلا لنص صريح فإن قيل ترك الذكر من باب التكريم والتعظيم يعني نصون ذكر الله عزوجل من هذه المواضع نقول ذكر الله هو التعظيم وليس ترك ذكر هو التعظيم فالعكس هو الصحيح ولذلك ترجم البخاري باباً قال: (باب التسمية على كل حال وعند الوقاع) ثم أورد حديث ابن عباس قال ﷺ (لو أن أحدهم إذا أراد أهل قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا) الحديث قال الحافظ فيه إشارة إلى تضعيف ما ورد من كراهية ذكر الله في حالي الخلاء والوقاع؛ يعني أشار البخاري بهذه الترجمة إلى تضعيف القول بأن ذكر الله

стр. 70

عزوجل يكره في المحال المستقذرة ومنها الجماع وهذا قول ابن سيرين والنخعي وهو الأرجح إذاً الصواب أن قوله (يكره كلامه فيه) أن الصحيح لا يكره سواء كان بذكر الله عزوجل أو بغيره، (وبوله في شق ونحوه) (وبوله) أي بول قاضي الحاجة (في شَق) بفتح الشين وهو واحد الشقوق وهو الثقب والخرم الواقع بالشيء الصدع والموضع المشقوق (وبوله في شق) يعني مكروه وهذا محل وفاق كما قال في الإنصاف (بلا خلاف أعلمه) وهو مذهب الأئمة الأربعة حكى النووي الإجماع عليه (ونحوه) كسَرَب وهو ما يتخذه الدبيب والهوام بيتاً في الأرض والدليل على ذلك حديث قتادة (نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الجحر قال قتادة يقال أنها مساكن الجن) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة كأن الحديث فيه شيء من الكلام على كل القواعد العامة لا ضرر ولا ضرار إذا كان علم أن هذه الشقوق قد يخرج عليه ما يؤذيه حينئذٍ يمتنع منه لماذا؟ لأن القاعدة العامة لا ضر ولا ضرار والضرر يزال فكل ما يؤدي إلى الضرر حينئذٍ نرجع إلى هذه القاعدة سواء جاء نص واضح بين صريح أو لا، (ومس فرجه بيمينه واستنجاؤه واستجماره بها) يعني من الأمور المكروهة (مس فرجه) المس مكروه والمس إنما يكون مساً إذا باشره بيده يعني مباشرة البشرة بالبشرة فإذا كان ثَمَّ حال بينهما لا يعبر عنه بأنه مس في اللغة لابد أن يمس مباشرة فإذا وضع يده على ذكره بينهما ثوب أو نحوه لا يعبر عنه بأنه ماس لفرجه (ومس فرجه) يعني كلا الفرجين سواء كان قبلاً أو دبراً وهو مفرد مضاف فيعم وهو يطلق على القبل والدبر (بيمينه) في كل حال أطلق المصنف هنا (ومس فرجه بيمينه) لم يقل وهو يبول وإنما أطلق إذاً سواء كان بائلاً أو لم يكن بائلاً مطلقاً لا يمس فرجه القبل أو الدبر إلا بيسراه وأما اليمنى فيكره إذاً قوله (بيمينه) ولم يقيد المس هنا بحال البول دل على أن مراد المصنف في كل حال سواء كان حال البول وغيره وهو في جميع الحالات ما الدليل؟ قالوا الدليل حديث أبي قتادة عنه ﷺ (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول) ما وجه الاستدلال؟ (لا يمسكن) هذا نهي والنهي في الأصل أنه يقتضي التحريم ما الصارف له؟ قال لكونه أدب من الآداب لأنه متعلق بأدب وإذا تعلق النهي بأدب جعلت هذه علة صارفة من التحريم إلى الكراهة والشأن كذلك في الأوامر إذا كان الأمر في الآداب جعل كونه أدباً قرينة صارفة للأمر عن الوجوب إلى الاستحباب وهذه قاعدة فاسدة ليست بصحيحة لماذا؟ لأن القرينة دليل صارف وإذا كان كذلك حينئذٍ لابد أن يكون دليلاً شرعياً فلا يصرف الأمر من الوجوب إلى الندب إلا دليل شرعي ولا يصرف النهي من التحريم إلى الكراهة إلا دليل شرعي إما نص قرآني أو نص نبوي أو إجماع أو قياس صحيح وأما مجرد كونه أدب علة نقول هذا علة عليلة لماذا؟ لأن ما دل على أن افعل دال على الوجوب عند الإطلاق عام فإذا كان كذلك فلا يخص إلا بدليل شرعي وكل دليل دل على أن لا تفعل للتحريم هذا عام بمعنى أنه عام في الآداب وغيرها فدخلت فيها الآداب كما دخلت في الأوامر فتخصيص الآداب بكونها للكراهة وما عداه للتحريم هذا تخصيص بغير مخصص حينئذٍ يكون اجتهاداً في

стр. 71

مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار وهو مردود على صاحبه ثم قوله (وهو يبول) قالوا هذا قيد يعني النهي مقيد هنا فإذا قيد النبي ﷺ النهي بكونه في وقت يحتاج إلى المسك أو الإمساك باليمين غيره من باب أولى يعني لماذا عمموا؟ قالوا في حال البول وفي غير حال البول مطلقاً في كل وقت يكره مس الفرج باليمين مع كون النبي ﷺ قال (وهو يبول) قالوا هذا دليل على أنه عام لماذا؟ لأنه إذا نهي عن وقت يحتاج فيه لليمين في غيره من باب أولى وأحرى والصحيح أن الحكم هنا للكراهة عليل لأن قول (لا يمسكن) نهي مؤكد والأصل في النهي أنه يقتضي التحريم وكونه أدباً لا يصلح صارفاً فنرجع للأصل وهو التحريم فالصحيح أن قوله (ومس فرجه) أنه من المكروهات قول مرجوح وأن الصحيح أنه يحرم ثم الصحيح أنه مقيد بقوله (وهو يبول) لأن جملة (وهو يبول) حالية والحال يعتبر وصفاً مقيداً وإذا كان كذلك حينئذٍ يختص الحكم بما ذكر وما عدا حال البول فالأصل فيه الإباحة فالصواب أن نقول بظاهر النص بأنه يحرم مس فرجه بيمينه لكن في وقت البول فقط وما عداه فيبقى على الأصل (واستنجاؤه واستجماره بها) يعني يكره هذا المذهب (استنجاؤه واستجماره بها) يعني بيمينه بغير ضرورة كما لو قطعت يده أو شلت حاجة كجراحة في يساره لا بأس الضرورة والاحتياج لا بأس أن يستنجي أو يمسك ذكره مثلاً وهو يبول لا بأس به وأما فيما عدا ذلك فالأصل على ما ذكره المصنف في المسألتين الكراهة (واستنجاؤه واستجماره بها) ما الدليل على أنه يكره؟ قوله ﷺ (لا يتمسح من الخلاء بيمينه) وأطلق هنا (ولا يتمسح) نهي والنهي يقتضي التحريم وكونه أدباً قرينة صارفة من التحريم إلى الكراهة ونرجع إلى الأصل كما ذكرنا في المسألة السابقة الحديث واحد أوله وآخره ونقول الصحيح يحرم أن يستنجي ويستجمر بيمينه لماذا؟ لقوله ﷺ (ولا يتمسح) وهذا نهي والنهي يقتضي التحريم، (واستقبال النيرين) يعني يكره استقبال النيرين يعني الشمس والقمر بلا حائل وأما إذا كان بحائل لا يكره استقبال النيرين يعني الشمس والقمر سمي بالنيرين يعني المنيرين لاستنارتهما من بين سائر الكواكب وهذه المسألة لا أصل لها لا من كتاب ولا من سنة حينئذٍ نقول بدعة عدم الاستقبال قصداً يعتبر من البدع ولذلك قال ابن القيم (لم ينقل عنه ﷺ في ذلك كلمة واحدة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل ولا مكذوب وليس في هذه المسألة أصل في الشرعي) إذاً هذه المسألة من غرائب الفقهاء، ثم شرع في بينان المحرمات فقال رحمه الله تعالى (ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان) التحريم ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً حينئذٍ يترتب الثواب على الترك قصداً والعقاب على الفعل يعاقب على هذا الفعل ويثاب على تركه امتثالاً ما الذي يحرم؟ قال (يحرم استقبال القبلة) يعني الكعبة استقبالها أن يجعلها قبالته واستدبارها أن يجعلها خلفه، متى؟ حال قضاء الحاجة (في غير بنيان) هذا استثنى بمعنى أن التحريم فيما إذا كان في فضاء وأما إذا كان في الأمكنة المعدة لقضاء الحاجة كما هو الشأن في البيوت في الحمامات ونحوها فالحكم الجواز

стр. 72

فإذاً عندنا حكمان حكم يتعلق بالفضاء وحكم يتعلق بالبنيان، ما تعلق بالفضاء تحريم استقبال القبلة واستدبارها والحكم المتعلق بالبنيان جواز استقبال القبلة واستدبارها في البنيان إذاً حكمان ما الدليل؟ الدليل حديث أبي أيوب مرفوعاً (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا) متفق عليه، (إذا أتيتم الغائط) أي وصلتم المكان الذي تقضى فيه الحاجة (فلا تستقبلوا) لا ناهية وتستقبلوا فعل مضارع سلط عليه لا الناهية والأصل في النهي أنه يقتضي التحريم إذاً يحرم مطابق للمدلول النص فقوله (فلا تستقبلوا) يفيد التحريم وقال المصنف (يحرم استقبال القبلة واستدبارها) (فلا تستقبلوا القبلة) المراد به الكعبة القبلة هي الكعبة - بغائط ولا بول - (ولا تستدبروها) كذلك نهي تستدبروها فعل مضارع سلط عليه النهي حينئذٍ من هذه الجملة نأخذ تحريم استدبار القبلة حال قضاء الحاجة (ولكن شرقوا أو غربوا) هذا أمر لأهل المدينة خاص بهم ليس عاماً يعني ليس هذا من الأمور التي تعتبر من الشرعيات يعني لابد أن نشرق وأن نغرب كما هو الشأن في أهل المدينة لأن الواقع هكذا لأن القبلة في الجنوب عندهم فإذا استقبلوا أو استدبروا حينئذٍ لابد أن يشرقوا أو يغربوا منعوا من الشمال والجنوب ولم يبقى عندهم إلى الشرق والغرب حينئذٍ (شرقوا أو غربوا) بحسب الواقع دل هذا النص على تحريم استقبال القبلة واستدبارها مطلقاً في الفضاء وفي البنيان لكن جاء النص من فعل النبي ﷺ في موضعين اثنين من حديث جابر وفيه إثبات استقبال القبلة في البنيان وجاء من حديث ابن عمر كذلك فيه استدبار القبلة في البنيان حينئذٍ جعل هذان النصان مخصصين لهذا النص حينئذٍ نجمع بين الأدلة بأن نحمل حديث أبي أيوب على الفضاء ونحمل حديث ابن عمر وحديث جابر على البنيان وهذا القول هو المرجح وهو أقوى الأقوال من حيث الجمع بين النصوص ولذلك قال الحافظ رحمه الله تعالى في هذا القول وهو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة لأن من رجح حديث أبي أيوب أهمل حديث ابن عمر فقال هذا قول وهذا فعل وثَمَّ قاعدة يقعدها الفقهاء وهي قاعدة فاسدة من أصلها وهي أنه إذا تعارض قول مع فعل للنبي ﷺ إما أن يجعل الفعل خاص بالنبي ﷺ دون دليل على إثبات الخصوصية وهذا باطل وإما أن يجعل تعارض بين القول والفعل فيجعل القول للأمة ثم يتوقف في الحديث الذي جاء فيه فعل للنبي ﷺ ونحن نقول فعل النبي ﷺ من حيث التشريع مساوي لقوله لا فرق بينهما كما نثبت الأحكام الشرعية بقوله ﵊ كذلك نثبت الأحكام الشرعية بفعله ﵊ فإذا جاء قول عام له ﵊ وجاء فعل يخالف ذلك القول فإن كان القول عاماً جعل الفعل مخصصاً وإن كان القول مطلقاً جعل الفعل وهو مخالف له مقيداً إن لم يمكن الجمع بين القول والفعل حينئذٍ نقول من حيث قوة القول مقدم على قوة الفعل بمعنى أننا نرجح القول على الفعل هذا متى؟ عند عدم إمكان الجمع بين الدليلين لأنه إذا لم يرد معارض لفعل النبي ﷺ هل نثبت الأحكام أو لا؟ هل تثبت

стр. 73

الأحكام بفعل النبي ﷺ أو لا؟ نعم لا شك أن الأحكام تثبت بفعل النبي ﷺ فإذا ثبت بفعله صار دليلاً شرعياً وخاصة مع عموم قول جل وعلا (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (في) ظرفيه إذاً الرسول ذاته وقوله وفعله أسوة حسنة هذا الأصل فيه حينئذٍ يكون كله ﵊ دليل وهو تشريع سواء تكلم أو فعل إن تكلم وفعل وظهر تعارض في أذهاننا حينئذٍ نجمع بينهما لأن كل منهما تشريع ولذلك قال ابن حجر (أعدل الأقوال لأن فيه جمع بين الأدلة) ولا شك أن إعمال الدليلين قوى من إهمال أحدهما ولذلك نقول هذا القول هو المرجح لأنه يعلق التحريم وهو مدل عليه حديث أبي أيوب بالفضاء وأما البنيان فالأصل فيه الجواز لحديث جابر (نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة أو نستدبرها لبول ثم رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها) حسنه الترمذي ومع الغرابة ونقل عن البخاري تصحيحه وصححه ابن خزيمة كذلك وابن حبان والحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي الحديث فيه عنعنة ابن إسحاق وقد صرح بالتحديث في رواية أحمد فهو حسن ثابت لا شك فيه وحديث ابن عمر في الصحيحين (رَقِيتُ رَقَيتُ يوماً على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة) حديث جابر في ظاهره أنه ناسخ لأنه قال (رأيته قبل أن يقبض بعام) لكن لا نحمله على النسخ لماذا؟ لأن لا نسخ مع الاحتمال وإنما يحمل على أنه رآه في بنيان جمعاً بينه وبين حديث ابن عمر مع حديث أبي أيوب لأن جابراً ﵁ رأى النبي ﷺ يقضي حاجته قبل أن يقبض بعام في بنياناً جمعاً بين الأدلة وحديث ابن عمر صريح لأنه قال (رقيت يوماً على بيت حفصة) إذاً فعل النبي ﷺ أو قضى حاجته إنما هو في البنيان وفرق بين حديث أبي أيوب وحديث ابن عمر من حيث البنيان وعدمه وإذا جعل الشارع هذا علة فاصلة بين الحكمين نقول سمعاً وأطعنا ولا نورد التجويزات العقلية على النصوص على مجرد ما يقع في الأذهان فما دل عليه للفظ نبقى معه ونقول سمعاً وأطعنا فدل حديث أبي أيوب على التحريم في الفضاء ودل ما نقله ابن عمر من فعل النبي ﷺ على الجواز في البنيان وما عدا ذلك فهو قوله لا يضطرب إما أن يقول بحديث أبي أيوب ونغفل حديث ابن عمر وهذا فيه إبطال لفعل النبي ﷺ وهو دليل تثبت به الأحكام الشرعية إذاً (ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان) فيجوز يعني في البنيان يجوز ويكفي انحرافه عن جهة القبلة يعني لابد أن ينحرف لكن لابد أن يكون الانحراف كثيراً يعني إذا كان مستقبل القبلة في الفضاء متى لا يكون مستقبلاً؟ إذا انحرف عنها قال انحراف يسير أو كثير؟ المذهب أنه انحراف يسير نقول الانحراف اليسير لا يخرج المستقبل في الصلاة عن صلاته فحينئذٍ لا يكون مؤثراً في ترك التحريم هنا أو البعد عن المحرم فلابد أن يكون الانحراف كثيراً، ثم قال رحمه الله تعالى (ولبثه فوق حاجته) أي ويحرم (لُبثه لَبثه) بفتح اللام وضمها يقال لَبِثَ في المكان لَبْثاً ولُبْثاً مكث وأقام (فوق حاجته) يعني إذا انتهى من قضاء الحاجة واستبرأ لبوله ونحوه

стр. 74

يعني انتظر قليلاً حينئذٍ وجب عليه أن يقوم لماذا؟ لأنه إذا بقي لصار كاشفاً لعورته في حال خلوته دون حاجة أو ضرورة وهذا على المذهب يعتبر محرماً حينئذٍ لا يكون تاركاً لهذا المحرم إلا بفعل ضده حينئذٍ وجب عليه أن يقوم مباشرة إذاً بقاءه بعد قضاء الحاجة قد يستمتع يجلس يفكر إلى آخره عند أرباب المذهب أنه محرم لماذا؟ لأن يعتر كاشفاً لعورته دون حاجة أو ضرورة ومسألة كشف العورة سيأتي بحثها والصحيح أنه يجوز في حال الخلوة إذا لم يكن ثَمَّ ناظر يحرم عليه النظر نقول الأصل فيه الإباحة وما دل على الاستحياء ونحوها يدل على الاستحباب وأما التحريم فلا (ولبثه فوق حاجته) لما فيه من كشف العورة بلا حاجة هكذا قال في الشرح وهو مضر عند الأطباء إذا ثبت أنه مضر هذا شيء آخر (وبوله في طريق وظل نافع وتحت شجرة عليها ثمرة) هذه ثلاث مواضع ذكرها المصنف يحرم التخلي فيها لورود النص فيها والضابط فيها أن كل ما يضر المسلمين فالتبول أو التغوط فيه محرم وإنما ذكرت أمثلة في بعض النصوص ويستدل بها على غيرها فكل طريق مسلوك للمسلمين حينئذٍ يحرم التبول أو التغوط فيه لأن فيه أذية لهم وتحريم أذية المسلمين هذا قطعي وكل ظل نافع ينتفع به المسلمون حينئذٍ يحرم التبول أو التغوط تحته لماذا؟ لأن فيه أذية ومضرة للمسلمين والحكم القطعي في ذلك هو التحريم فالقاعدة عامة حينئذٍ يشمل كل ما استحدث مثلاً بعض الناس يسأل عن الكبري والكباري هذه مستحدثه هل يجوز التبول تحتها أو التغوط؟ إن كان مما يستظل به الناس في طرقهم وينتفع به المسلمون لا يجوز أن يتبول تحت هذه الطرق (وبوله في طريق) يعني ويحرم (بوله) وتغوطه من باب أولى (في طريق) طريق لا يكون طريقاً إلا إذا كان مسلوكاً وأما المهجور الذي لا تطرقه الأقدام هذا لا يسمى طريقاً ولذلك قال في الشرح (في طريق مسلوك) لحديث أبي هريرة مرفوعاً (اتقوا اللعانين، قالوا: وما اللعانان؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم) رواه مسلم وغيره أي اتقوا الأمرين الجالبين للعن الباعثين الناس عليه فإنه سبب للعن من فعله في هذا الموضع فنسب إليهما بصيغة المبالغة (وظل نافع) قيده هنا الظل بكونه نافعاً للحديث لأنه قال (أو في ظلهم) أسنده للناس فدل على أنهم ينتفعون بهذا الظل فإذا لم يكن ظلاً نافعاً حينئذٍ لا يحرم التبول أو التغوط فيه (وتحت شجرة) تحت أي قريب منها لا بعيدة (تحت شجرة) قيدها (قيدها) عليها ثمرة إذا لم تكن الشجرة عليها ثمرة حينئذٍ لا يحرم التبول أو التغوط تحتها لماذا؟ لأنه مما لا ينتفع به الناس إلا إذا كانت ظلاً نافعاً (وتحت شجرة عليها ثمرة) وهي التي أثمرت أو قرب ثمرها وفي الإقناع مقصودة يعني ثمرة مقصودة سواء كانت مأكولة أو لا لأنه يقذرها يفسدها لم يأتي نص جاءت بعض النصوص ضفة النهر بول للماء ونحوها لكن فيها شيء من الضعف لكن القاعدة عامة لا ضرر ولا ضرار والضرر يزال وكل ما يؤذي المسلمين فهو محرم حينئذٍ نبقى على هذه الأصول فلكل ما يؤذي المسلمين فهو محرم (وتحت شجرة عليها ثمرة) لأنها عليها ثمرة لأنه يقذرها يعني يفسدها حينئذٍ تعافها النفوس وجاء حديث رواه الطبراني وغيره من النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار

стр. 75

المثمرة وضفة النهر الجاري لابن عمر وسنده ضعيف الحديث فيه شيء من الضعف إذاً هذه أمثلة فقط وليس المراد الاستقصاء، ثم شرع في بينان ما يتعلق ببعض الأحكام الاستجمار ونقف على هذا والله أعلم وصلى الله سلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
следующие страницы →