Полный текст (371 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
بقرينة كون الكلام في النوع الحقيقي، لكن الأَولى ما ليس تحته نوعٌ، لِصِدْق كلامه بالجنس السافل وليس نوعاً حقيقياً.
قال: (كالإنسان فبينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ).
(بينهما) يعني: بين النوع الإضافي والنوع الحقيقي.
(عمومٌ وخصوصٌ من وجه) قلنا: هذا النوع يحتاج إلى ثلاث مواد: مادة الاجتماع، ومادة انفراد كل واحد منهما عن الآخر .. ثلاث مواد.
العموم والخصوص الوجهي يحتاج إلى مادة الاجتماع يعني: مثال يجتمعان فيه.
ومثال ينفرد أحدُهما عن الآخر.
ومثال ثالث ينفرد الآخر عن السابق. هذا الذي يحتاج.
قال: (فيجتمعان في نحو الإنسان) فالإنسان نوعٌ إضافي ونوعٌ حقيقي، ليس في وقتٍ واحد وإنما باعتبارين.
(فإنه نوعٌ إضافي لاندراجِه تحت جنسٍ وهو الحيوان) وهو كذلك.
(وحقيقي إذ ليس تحته جنسٌ) حينئذٍ اجتمع النوع الإضافي والنوع الحقيقي في الإنسان.
أولاً: كونُه إضافياً لاِندراجه تحته جنس وهو الحيوان.
كونُه حقيقياً ليس تحته جنسٌ.
قال: (وينفرد الإضافي بنحو الجسم النامي، فإن فوقه جنس وهو الجسم المطلق، وتحته جنس وهو الحيوان) فوقه جنس وتحته جنس.
إذاً: هو باعتبار ما فوقه يعتبر نوعاً، وباعتبار ما تحته يعتبر جنساً. هذا المراد.
(وينفرد الحقيقي بالماهية البسيطة كالعقل المطلق عند الحكماء على القول بنفي جنسيةِ الجوهر).
يعني: إذا قيل: الجوهر ليس هو بجنس الأجناس قالوا -على قولٍ-: العقل المطلق. يعني: غير المقيَّد، والعقول عندهم عشرة.
قال هنا: (وينفرد الحقيقي بالماهية البسيطة كالعقل المطلقِ عند الحكماء على القول بنفي جنسية الجوهر.
وأما على القول بأن الجوهر جنس له فلا ينفرد فيه النوع الحقيقي؛ لاندراجه تحت جنسٍ فهو إضافيٌ أيضاً).
قال هنا العطار: على القول بنفي جنسيةِ الجوهر وإلا لم يكن ماهيّةً بسيطة.
أي: وعلى اعتبار أن العقول العشرةَ أفرادٌ لا أنواعٌ، وإلا لكان نوعاً إضافياً أيضاً.
ثُم لا تنافي بين التمثيل بالعقل للجنس المنفرد وللنوع الحقيقي.
الجنس المنفرد فيما سبق، على قولٍ يعني.
مر معنا أن المنفرد لا مثال له .. على ما اختاره المصنف هنا ليس له مثال، لكن مثّل بعضهم بالعقل.
وللنوع الحقيقي الذي ليس فوقه جنس؛ لأن هذه أمورٌ فرضية. يعني: أمورٌ اعتبارية ذهنية.
قد يتصور البعض الفوقية والتحتية ولا يتصورها الآخر، فحينئذٍ لا مشاحَّة في هذه المسائل.
قال ﵀: (وَإِمَّا غَيْرُ مَقُولٍ).
(إِمَّا مَقُول) (وَإِمَّا غَيْرُ مَقُولٍ) تقابلا.
(وَإِمَّا غَيْرُ مَقُولٍ فِي جَوَابِ مَا هُوَ بَلْ مَقُولٌ فِي جَوَابِ أَيُ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ).
أي: حقيقتِه، والجار "في ذاتِه" حال من هو.
(أَيُ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ) كيف إعراب (فِي ذَاتِهِ)؟ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من قوله: (هُوَ).
على التأويل أو بدونه، على الخلاف في وقوع الحال عن المبتدأ (أَيُّ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ).
قال هنا: (وَإِمَّا غَيْرُ مَقُولٍ فِي جَوَابِ مَا هُوَ بَلْ مَقُولٌ فِي جَوَابِ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ) يعني: لا يريد النفي أنه لا يُحمل لا، يُحمَل وإنما يُحمل في غير جواب ما هو، بل في جواب آخر وهو (أَيُّ شَيْءٍ هُوَ).
стр. 177
(فِي جَوَابِ أَيُ شَيْءٍ) قال العطّار: يُطلَب بأي شيءٍ ما يميِّز الشيء عن غيره.
(مَا هُوَ) يُطلَب به ما كان جزءاً من الماهيّة، هذا الأصل فيه، جزءاً من الماهيّة.
يُطلب بأي شيء ليس مطلقاً كجزء الماهيّة، إنما هو شأن الجنس وأما النوع ليس جزءاً من الماهيّة.
(بأي شيءٍ ما يميّز الشيء عن غيره بشرط: أن لا يكون تمام الماهيّة المختصة والمشترَكة، فإن قُيّد) بـ (فِي ذَاتِهِ) (أَيُ شَيْءٍ هُوَ) هذه ثلاث استعمالات.
(أَيُ شَيْءٍ) -كما يذكره المحشّي- لها ثلاث استعمالات: أيُّ شيءٍ هو؟ مطلقاً، أي شيءٍ في ذاته؟ أي شيءٍ في عرضه؟
هذه ثلاثة أسئلة عند المناطقة، أو ثلاث صور للسؤال بـ: أي شيء: إما مطلقاً "أيُّ شيءٍ هو"، وإما مقيَّداً بقوله: في ذاته، وإما مقيداً بقوله: في عرَضه.
ولذلك على جهة الإطلاق قال: يُطلب بأي شيءٍ ما يميز الشيء عن غيره بشرط: أن لا يكون تمام الماهيّة المختصة والمشترَكة.
فإن قُيّد بـ (فِي ذَاتِهِ) أو في جوهره، أو ما يجري مجراهما كان طلباً للمعيِّن الذاتي.
إما عن جميع الأغيار –المخالَفات- أو عن بعضها وهو الفصل القريب والبعيد، فيتعيَّن في الجواب أحد الفصول.
وإن قُيّشد بـ: في عرَضه كان طلباً للمعيِّن العرضي إما عن جميع الأغيار أو عن بعضها، وهو الخاصَّة المطلقة والإضافية.
فيتعين في الجواب إحدى الخواص، وإن أُطلق كان طلباً للميِّز كيفما كان فيقع في الجواب إما الفصول وإما الخواص.
حينئذٍ (أَيُ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ) يقع الجواب بالفصل القريب أو البعيد، الواحد أو المتعدد؟ على خلاف.
أيُ شيءٍ هو في عرضه؟ حينئذٍ الجواب يكون بالخاصة.
أيُ شيءٍ هو؟ أطلق هنا لم يحدد في ذاته فيطلُب الفصلَ، ولا في عرضه فيطلب الخاصة. فحينئذٍ أجب بما شئت: إما بالفصل وإما بالعرض .. إما بالفصل وإما بالخاصة.
إذاً: السؤال بـ: أي شيء له ثلاث صور: إما مطلقاً (أَيُ شَيْءٍ هُوَ) فيجاب: إما بالفصول وإما بالخواص لا إشكال؛ لأنه لم يُعيَّن.
أيُ شيءٍ في ذاته؟ حدَّد هنا، في ذاته يعني: داخلاً في الماهيّة، هذا يجاب بالفصل لا بالجنس؛ لأن الجنس يقع في جواب ما هو.
حينئذٍ (أَيُ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ) يجاب بالفصل.
أيُ شيءٍ هو في عرضه؟ يجاب بالخاصة. على هذا التفصيل.
قال هنا في الحاشية: اعلم أن السائل بـ: أي لم يَسأل عن تمام الماهيّة المشترَكة بين شيئين أو أكثر، وإنما يَسأل بها عن مميِّزها عما يشاركها.
هو لم يسأل عن تمام الماهيّة المشترَكة بين شيئين، الذي هو النوع إذاً، لا يكون السؤال بهذا.
أو أكثر، وإنما يسأل بها عن مميِّزها عما يشاركها، فيما يُضاف إليه لفظ أي.
فإذا قيل: الإنسان أيُّ حيوان هو؟ كان سؤالاً عن المشارِكات في الحيوان.
وإذا قيل: أيُّ موجود هو؟ كان سؤالاً عن مشارِكاتِه في الوجود.
والسؤال بأيٍّ ثلاثة أقسام:
أحدُها: ألا يزاد على (أَيُ شَيْءٍ) -يجوز أيُّ أيِّ يعني: تحكيها وتُعرِبُها- على (أَيُ شَيْءٍ هُوَ).
ثانيها: أن يزاد قوله: (فِي ذَاتِهِ).
ثالثها: أن يزاد قوله: في عرضه.
стр. 178
فإن كان الأول -أن لا يزاد على (أَيُ شَيْءٍ هُوَ) - فالجواب: ما يميِّز المسئولَ عنه مطلقاً فصلاً قريباً أو بعيداً أو خاصة .. يجاب بالفصل أو الخاصة.
وإن كان الثاني - (أَيُ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ) - فالجواب بالفصل وحدَه.
وإن كان الثالث -الذي هو: أي شيءٍ في عرضه- فالجواب: الخاصة وحدها.
فقول المصنف: (فِي ذَاتِهِ) لبيان أن السؤال عن الفصل الذي الكلام فيه يُقيَّد به؛ لأنه قال: (فِي ذَاتِهِ) إذاً: السؤال هنا عن أي شيء؟ عن الفصل.
قال هنا: (فِي جَوَابِ أَيُ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ) فسّره المصنف بقوله: (أي: في جوهره).
والجوهر المراد به هنا الحقيقة، في جوهره أي: ذاتِه .. أي: حقيقته .. أي ماهيته.
(وَهُوَ الَّذِي يُمَيِّزُ الشَّيْءَ) ولو في الجملة.
(عمَّا يُشَارِكُهُ فِي الجْنْسِ) ولو بعيداً.
(كَالنَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإنْسَانِ، وَهُوَ) أي: المقول في جواب ذلك (الْفَصْلُ).
(وذلك لأنه إذا سُئل عن الإنسان بأي شيءٍ هو في ذاته كان الناطق جواباً عنه؛ لأنه يميِّزه عما يشاركه في الجنس) كالفرس والحمار ونحوها.
إذاً: (وَإِمَّا غَيْرُ مَقُولٍ فِي جَوَابِ مَا هُوَ بَلْ مَقُولٌ فِي جَوَابِ أَيُ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ) أي: حقيقيتِه، أي: جوهرِه، أي: ماهيتِه.
(وَهُوَ) أي: هذا المذكور.
(الَّذِي يُمَيِّزُ الشَّيْءَ) ولو في الجملة.
إشارة إلى أنه لا فرق في المميِّز الذاتي بين كونه مميِّزاً للشيء عن جميع ما عداه كالناطق للإنسان، أو عن بعض من عداه كالحسَّاس والنامي له، فالحساس يميّزه عن النبات ولا يميّزه عن الحيوان، والنامي ميَّزَه عن مطلق الجسم ولم يميّزه عن النبات.
يعني: قد يُلحظ فيه من جهة دون جهة، فيكون باعتبارٍ هو مميِّز، وباعتبارٍ آخر غير مميِّز.
قال هنا: (ولو في الجملة) يعني: في بعض الأحوال.
إذا قيل: في الجملة .. بالجملة. فرقٌ بينهما.
بالجملة يعني: في جميع الصور.
في الجملة يعني: في بعضها.
(عمَّا يُشَاركُهُ فِي الجْنْسِ) (ولو بعيداً).
(كَالنَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإنْسَانِ) (فإنه مميّزٌ له عما يشارِكه) يشارك ماذا؟
يشارك الإنسان أو جنس الإنسان؟ الجنس؛ لأن الإنسان يشاركه غيرُه تحت جنسه وهو الحيوان، الحيوان جنس تحتَه أنواع: الإنسان، والفرس، والبغل.
ما الذي يميِّز الإنسان عما شارَكه تحت جنسه؟ الفصل، وأما الحيوان فهو قدرٌ مشترَك.
ولذلك لا يصح التعريف، لو أراد حداً: ما الإنسان؟ قال: حيوانٌ. لا يصح، هل هو جامع؟ نعم جامِع لكنه غير مانع.
هو جامعٌ قطعاً لا يخرُج عنه فردٌ من أفراد الإنسان، لكنه غيرُ مانعٍ من دخول غير الإنسان فيه فدخل الفرس، فكيف يقال: الإنسان هو الحيوان؟ نقول: هذا التعريف فاسد؛ لأنه يُشترط في التعريف أن يكون جامعاً مانعاً، يجمع جميع الأفراد وتحقَّقَ الشرط هنا، فلا يخرج فرد من أفراد الإنسان، لكن هل هو مانع؟ الجواب: لا؛ لأنه لا يمنع غيرَه.
قال هنا: (كَالنَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإنْسَانِ، وَهُوَ) (أي: المقولُ في جواب ذلك) (الْفَصْلُ).
(وذلك) تعليلٌ لما سبق (لأنه إذا سُئل عن الإنسان: بأي شيءٍ هو في ذاته؟) جاء السؤال هكذا.
стр. 179
(كان الناطق الذي هو الفصل جواباً عنه؛ لأنه) أي: الناطق (يميّزه) أي: يميِّز الإنسان (عما يشاركه في الجنس) كالبغل ونحوها.
قال: (وأراد بالنطق الصفةَ المستلزِمةَ صحةَ التمييز العقلي، والنظرَ اليقيني، والتصورَ الخيالي فهو فصلٌ للإنسان).
قيل: فقط يميزه عن الملائكة، ومن قال بأن الملائكة تنطق بهذا الاعتبار، فحينئذٍ لا يميِّزه وإنما يميّزه عن سائر البشر "يعني: غير الملائكة" إن كان المراد الموجودات فحينئذٍ إذا كانت الملائكة تنطق والجن كذلك توصف بالنطق فحينئذٍ لا يكون مميِّزاً، لكن إذا كان المراد غير الملائكة وغير الجن، فحينئذٍ صار مميزاً.
(لأنه يميزه عما يشاركه في الجنس).
قال هنا: وتبِعَ في اقتصاره في الجنس المتقدِّمِين (عمَّا يُشَاركُهُ فِي الجْنْسِ) هذا قولُ صاحب المتن، عبارتُه (وَهُوَ الَّذِي يُمَيِّزُ الشَّيْءَ عمَّا يُشَاركُهُ فِي الجْنْسِ) ما قال: أو في الوجود، قال: في الجنس فقط، اقتصر على هذه الجملة يعني لم يقل: أو في الوجود كما هو شأن المتأخرين.
(وتبِعَ) يعني الشارح لأنه هو الذي يقول: وتبِع.
(تبعَ) الماتن (في اقتصاره) واكتفائه (على قوله) في التعريف السابق (في الجنس المتقدِّمين) تبع المتقدمين.
(بناءً على أن كل ماهيّة لها فصلٌ فلها جنس) صحيح، كل ماهيّة لها فصلٌ فلها جنس؛ لأن الفصل يأتي كالمفسِّر الكاشف، فتقول: الإنسان حيوان، طيب حيوان هذا فيه إبهام يحتاج إلى كاشف، يحتاج إلى مميِّز، يحتاج إلى مفسِّر وإن كان سيسميه المصنف مفسِّراً، حينئذٍ نقول: يحتاج إلى مفسِّر، فإذا كان كذلك فحينئذٍ لا يوجد فصلٌ لماهيةٍ إلا ولها جنس.
(بناءً على أن كل ماهيّةٍ لها فصلٌ فلها جنسٌ.
وذهب المتأخِّرون) انظر! المتقدمون والمتأخرون، هذا في كل فن، ولا إشكال في هذا ولا غضاضة، وإنما ينظر الناظر في المذهبين وينظر في أدلة كلٍ منهما ويختار، لا نُكَوِّن حَمْلَة للمتأخِّرين على المتقدمين ولا العكس.
لا يأتي أنصار للمتقدمين فيرُدُّون على المتأخرين، ولا يأتي المتأخرون يردون على المتقدمين، هذا شأن العلوم، ما عدا ذلك فهو خلَل في الفن، خلل في صاحبه أنه ما أدرك العلم، لو كان مدرِكاً للعِلم لعلِم أن كل فنٍ حتى في المنْطِق هنا معنا، كم مرة مرت معنا المتقدمون والمتأخرون؟ كثير. وهذا تجده في التفسير، وتجده في الفقه، في المذاهب يقسِّمون أتباع المذاهب، بل الترجيحات المذهب كله يتغربل، المتقدمون يُفتُون على فتوى ثم يأتي المتأخِّرون يُغربَل المذهب فيُخَالَف.
فيقال: هذا حرام في المذهب القديم، وهذا حرامٌ في الجديد، ومذهب الإمام أحمد، ومتقدمون ومتوسطون ومتأخرون.
إذاً: أمر طبيعي، الذي لا يعتبره أمراً طبيعياً هذا عنده خلل في تصوُّرِه للفن يعني: فساد في التصور، هذه مشكلة، فساد التصور معناه أنه ليس من أهل العلم .. الفساد إذا وقع في التصور معناه أن الموضوعات التي حكَم عليها فاسدة، فكيف يكون من أهل العلم؟ انتبهوا لهذا لا يلتبس عليكم.
стр. 180
لأنه قد تأتي دعوات في المصطلح: المتقدمون والمتأخرون، وأحياناً نسمع حتى في التفسير تجديد التفسير، تسمع كذلك في الأصول تجديد أصول الفقه. ماذا بقي؟ كلُّ عِلمٍ يحتاج إلى تجديد، لماذا؟ لأن المتأخرين خالفوا المتقدمين. طيب ما الشأن؟ فكان ماذا؟
فانظر في قول المتقدمين وانظر في دليلهم، ليسوا معصومين لا المتقدمين ولا المتأخرين، فتنظر في دليل كل واحدٍ منهما وحينئذٍ تحصُل النتيجة.
قد يقال في المصطلح مثلاً -على جهة الخصوص- يقال: المتقدمون هم أهل الفن، نقول: نعم هم أهل الفن، ولا شك أن كلمتهم معتبرَة ومقدَّمة، لكن ما قالوه وما اصطلحوا عليه على مرتبتين، وهذا يدركه صغير طلاب العلم: أن المصطلحات التي قالها أحمد وسفيان ووكيع ويحيى وابن المبارك -إن عُدَّ منهم- حينئذٍ نقول: المصطلحات إما قد اتفقوا عليها، وإما قد اختلفوا فيها.
ما اتفقوا عليه من أندَرِ النادر أن تجد المتأخرين خالفوهم فيه .. المجمع عليه، إذا اتفقوا على شيءٍ ما، لا يكاد أن تجد مثالاً واحداً وقد يكون في النادر، وإما سبق قلم وإما فساد في التصور .. مسألة خاصة عند زيدٍ من الناس أو عند عالمٍ من الناس.
النوع الثاني: أن يكون قد اختلفوا، إذا اختلفوا حينئذٍ المتأخر ماذا يصنع؟ ينظر في الخلاف فيختار، فيعتمدُه في كتابه، إذا اعتمد في كتابه قولاً قد قال به من سبق، وخالفه غيرُه في تعريف الشاذ وتعريف المنكر، في تقسيم الحديث صحيح وحسن أو ضعيف، الحسن داخل في الصحيح أو في الضعيف .. كلها مسائل مختلف فيها.
إذا رجَّح المتأخر قولاً ما، حينئذٍ لا غضاضة في ذلك، هذا مذهبُه، رُدَّ عليه بدليل، أما تقول: لماذا خالف المتقدمين؟ أين المتقدمون هنا؟ في ذهنك أنت؛ لأنك تصورت أنهم قد اتفقوا ولم يتفقوا، وهذا شأنه.
ولذلك قيل في الاختيارات الشرعية -الحلال والحرام-: إذا اختلف الصحابة، ماذا يصنع التابعون؟ قالوا: يجب "ولا يجوز التقليد" يجب أن يُنظر في أقوالهم وتُعرض على الكتاب والسنة. هذا من؟ الصحابة، إذا اختلف أبو بكر وعمر في مسألة لا نقلِّد أبا بكر هكذا ولا نقلِّد عمر هكذا، وإنما ننظر في مستند كل منهما فنعرضه على الكتاب والسنة، فما وافق قبلناه؛ لأنهم اختلفوا.
حينئذٍ المصطلح منه ما هو متفقٌ عليه، ومنه ما هو مختلفٌ فيه، إن وقع الاتفاق هذا لا يخالِف فيه أحد؛ لأنه لا يجوز الخلاف وليس له وجود والله أعلم، لا أجزم لكن إن وُجِد فهو قليل نادر ولا يُنسب لمذهب معيَّن أو لطائفة المتأخرين، وإنما يختص بفلان دون غيره، أما منهج عام فلا .. لا يوجد.
وأما ما اختلفوا فيه فالحمد لله، من الذي يمنع الاختيار؟ لا أحد يمنع، إذا عرَّف الشافعي الشاذ بكذا وعرَّفه فلان بكذا، وهذا له استعمال خاص، وهذا له استعمال خاص فلا إشكال فيه.
ولذلك هم اختلفوا في تقسيم الحديث: مقبول ومردود، صحيح وحسن، ثم الحسن لذاته والحسن لغيره، والترمذي عندهم من المتقدمين، وما كلامُه في الحسن، هذا يدل على ماذا؟
стр. 181
مقدِّمة الإمام مسلم تدل على أنَّ بينهم خلافاً في شروط الصحيح، وإن حُكِي الإجماع مع البخاري إذا قيل: بأنه ردَّ على البخاري أو على شيخه، إذاً: فيه خلاف .. الخلاف موجود، لماذا نقول: متقدمون ومتأخرون ونجعل المسألة فصل ومعارك، ووصل إلى تبديع ونحن كذا؟ هذا كله غلط، وهذا يدل على عدم تمكُّنِه في العِلم، هذا الذي أريده.
هذا يدل على عدم تمكنه في العلم، ولو كان يدَّعي أنه متخصص في الحديث مثلاً، ثم يقول: متقدمون ومتأخرون، وهذا يجب حرقُ الكتاب ولا يُنظر في كتب ابن حجر أو الذهبي .. ! هذا يدل على أنه ما فهم المصطلح أصلاً، فلا يُحسَب على هذا الفن إلا عند الأغبياء والحمقى، وإلا من أَدرك وعلم حقيقة العِلم، ما هو العِلم؟
جميع الفنون، جميع المسائل، الحلال والحرام وغيرها، المصطلحات العُرْفية وغيرها، منه ما هو متفق عليه ومنه ما هو مختلف فيه.
أنت تنظر إلى المسألة بهذا الاعتبار، إذا قيل: ابن حجر خالَف، أول سؤال: خالَف مَن؟ خالف إجماعاً أم خالَف خِلافاً؟ ما موقفُه من الخلاف؟ انتبهوا لهذه المسألة.
هنا يقول: المتقدمون والمتأخرون. هذا سبب الخروج.
ولذلك صار عند الطلاب يقول لك: النُّخبَة مشروحة على مَنْ؟ وبعضُهم يقول: ما نقرأ النخبة، وبعضهم: ما نقرأ المُوقِظة.
وبعضهم من أنصار المتقدمين ويشرح النخبة ما أدري هل هو تلبيس أو نسف أو رد .. كيف؟ حتى ما عندهم كتب للمتقدمين، ما عندهم إلا ابن رجب العِلل فقط، فأين التصنيف وأين .. ؟
المشاريع التي تُطلَب الآن بأن يُفصَل المتأخر عن المتقدم ويُرجَع بالمصطلح إلى المتقدم، ماذا نصنع الآن؟ يعني: فساد التصور، طيب ماذا نصنع؟
معناه إذا قيل بأن المصطلح انحرَف معناه يجب أن نتوقَّف؛ لأنه ما يجوز، كيف نحكُم أن هذا القول للنبي ﷺ قاله وهو ما قاله؟ معناه يجب علينا أن نقِف، فماذا نصنع؟ مشاريع ومؤتمرات واجتماعات ثُم ما رأينا شيئاً منها.
منذ عشرات السنين ما رأينا شيئاً منها، وإنما هي قُطافات تُكتب ورسائل .. إلى آخره.
هذا يدل على أن عندهم انحراف في فهم الفن أصلاً، وإلا هذا لا يقوله إنسان عقَلَ الفن بوجهه أن هذا الخلل يصادَم بمثل هذه الحرب العشواء، وإنما يُنظر في كل مسألة على حِدَة ولا يُلتبس عليك، ولذلك هجروا العراقي، والسيوطي، وابن حجر .. إلى آخره.
حتى بعضهم سمعته يقول: لا تقرأ التهذيب، ولا تهذيب التهذيب، ولا تنظر في النُّزهة، ولا في التدريب. عليك بتاريخ البخاري.
حتى لو جئنا لهذه المسألة، حثّ الطالب الذي يريد أن يدرس الحديث إلى أن يقرأ كتب المتقدمين، هذا ما يستطيع الطالب .. ما يستطيع أن يقرأ، لا بد أن يكون ثَم وسيلة.
يعني: يقرأ على ما عليه المتأخرون، وفي جملة ما اختاروه حق ولا إشكال فيه، وليس ثَم معارَضة كبرى للمتقدمين، ثم إذا برز وتكوَّن وصارت عنده أهلية أن ينظُر ويقارن بين الأقوال، فحينئذٍ يقرأ في أي كتاب، لا يقال: هذا متقدِّم وهذا متأخِّر.
стр. 182
قد تستنير بأقوال المتأخرين فيما يُشكِل عليك بأقوال المتقدمين، أناس بذلوا أوقاتَهم في العلم .. إلى آخره، وخاصة فن الحديث يحتاج إلى بذل عُمُر وإفناء الوقت كله في هذا الفن، ولا يستطيع أن يخلُص بقاعدة إلا إذا كان متبحِّراً في الفن. وجدنا الذهبي، وجدنا الِمزِّي، وجدنا كلام ابن تيمية، وجدنا ابن حجر، السيوطي، والسخاوي .. ومن بعدَهم، وجدنا لهم كلاماً يعني: يوافق ما عليه المتقدِّمون، وليس ثَم الخلاف ذاك الجوهري بينهم، وإنما هو في المصطلحات، الشاذ المنكر .. إلى آخره.
نقول: الشاذ والمنكر كلاهما ضعيف انتهينا، سميتُه شاذاً وأنت سمّيتَه منكراً هذا خلاف لفظي ليس خلافاً .. ، إذا قلت: شاذ أو منكر اختلفنا فيه، ما الذي ينبني عليه؟ قبول الحديث وردُّه؟ ما ينبني عليه، إذاً: مقبولٌ ومردود .. الحديث هكذا: إما مقبول وإما مردود.
حينئذٍ هنا يبقى النزاع فيه، فما اتفق عليه المتقدمون لا يجوز خلافه؛ لأنهم أهل الفن وهم الذين أنشئوا العلم، فيجب الوقوف عند حدِّهم.
على كلٍ هنا قال: (تبعَ في اقتصاره على قوله: في الجنس للمتقدِّمين.
بناءً على أن كل ماهيّة لها فصْلٌ فلها جنس، وذهب المتأخرون إلى زيادة: أو في الوجود).
في الجنس أو في الوجود.
قال العطار: القدماء جعلوا الفصل مميِّزاً عن المشارَكة في الجنس، حتى أن كل ما يكون له فصلٌ يكون له جنس؛ إذْ المشاركة في الوجود لا تفتقر إلى التمييز بالفصل، وإلا لزم التسلسُل؛ لأن الفصل أيضاً موجود فالتمييز عنه يحتاج لفصلٍ آخر. هذه عِلَّة المتقدمين .. أنهم اقتصروا على: في الجنس .. مشارك في الجنس، أما في الوجود فلا اعتبار له؛ لأن فَصْل كذلك موجود وحينئذٍ يحتاج الفصل إلى فصلٍ آخر فيلزم التسلسل؛ لأنه موجود فيحتاج إلى فصل آخر ليميزه عن الوجود.
إذاً: كل موجود يحتاج إلى تمييز، وهذا يلزم منه التسلسل.
لأن الفصل أيضاً موجود فالتمييز عنه يحتاج لفصلٍ آخر .. وهكذا.
(لكن لما لم يتم البرهان على انحصار الذاتي في الجنس والفصلِ بهذا المعنى، عدَل عنه الشيخ في الإشارات وتبِعَه المتأخرون) تبعه يعني: ليس هناك برهان يعني: ما اشتمل على مقدمات، الدليل موجود لكن ليس برهاناً يعني: لم يشتمل على مقدِّمات يقينية.
(على انحصار الذاتي في الجنس والفصل) قالوا: الذاتيات منحصرة في الجنس والفصل، ما دليله؟ ليس عندهم برهان، حينئذٍ يمكن الخلاف، فخالف المتأخِّرون المتقدمين.
ولذلك قال: (لكن لما لم يتم البرهان على انحصار الذاتي في الجنس والفصل بهذا المعنى، عدَل عنه الشيخ في الإشارات وتبِعَهُ المتأخِّرون).
ولذلك قال: (وذهب المتأخرون إلى زيادة: أو في الوجود) ومبنى الخلاف: أو في الوجود.
(أي: في تعريف الفصل عقِب في الجنس ليصير التعريفُ جامعاً، ومبنى الخلاف على جواز تركُّبِ الماهيّة من أمرين متساويين وعدمِه.
فمن جوَّز تركُّبَها من ذلك زاد ما ذُكِر) يعني: في الوجود (ومن لا فلا) فلا يزيد.
حينئذٍ المتقدِّمون يجوّزون أو لا؟ لا يجوِّزون، تركُّب الماهيّة من أمرين متساويين.
(على جواز تركيب يفيد أن الخلاف في الجواز العقلي، مع الاتفاق على عدم وجود ذلك).
стр. 183
يعني: هل جائزٌ عقلاً أم لا؟ حينئذٍ المسألة عقلية بحتة، يعني: لا وجود لها في الخارج. جواز تركُّب الماهيّة من أمرين متساويين، ولا شك أن الجنس لا يساوي الفصل، قطعاً هذا لا يتساويان. إذا: مختلفان.
حينئذٍ هل يجوز تركُّب الماهيّة من شيئين متساويين؟ هذا محل خلاف.
(فمن جوَّز تركُّبَها من ذلك زاد ما ذُكِر) وهم المتأخِّرون .. جوَّزوا تركُّب الماهيّة من أمرين متساويين (ومن منع فلا).
قال هنا: (وعدمِه) احتج عليه المتقدمون .. على ماذا؟ (وعدمِه على عدم تركب الماهيّة من أمرين متساويين، ومن جوّز تركبها من ذلك زاد) وهم المتأخرون (ومن لا) يعني: منَع وهم المتقدمون، احتج عليه المتقدمون -على المنع- من تركُّب الماهيّة من أمرين متساويين قالوا: لو تركَّبت من متساويين فإما أن يحتاج كلٌ منهما للآخر فيلزمه الدور، أو أحدِهما فقط فيلزم الترجيح بلا مرجِّح، أو لا يحتاج كلٌ للآخر فيلزم المحال وهو قيام الماهيّة بدون بعض أجزائها.
وأجاب المتأخرون: بأن هذه المُحالات إنما هي في الماهيّة الخارجية، أما الذهنية فلا؛ لأنها من الأمور الاعتبارية، والكلام في الثاني لا الأول.
سلّمنا مجيئه فيها "يعني: الذهنية" لكن نمنع أن هذا دورٌ رتبي، لم لا يجوز أن يكون دوراً معيّاً وهو غير محال كتوقف الجِرم عن العرض وعكسِه، والدور هذا يأتي معنا إن شاء الله.
قال هنا: (وَيُرْسَمُ) يعني: يُعرُّف الفصل (بِأَنَّهُ) أي: الفصل (كَلِّىٌّ) دخَل فيه سائر الكُلِّيّات الخمسة.
(يُقَالُ) يعني: يُحمَل.
(عَلَى الشَّيْءِ فِي جَوَابِ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ) لك قراءتان: في جواب أيِّ .. جواب أيُّ. أيُّ على الحكاية لا بأس به يجوز، ولو جرَرته لا بأس.
(يُقَالُ عَلَى الشَّيْءِ) إنما قال: (عَلَى الشَّيْءِ) ما قال على أفراده أو على كثيرين، قال: (عَلَى الشَّيْءِ).
(إنما قال: على الشيء ليشمل الأفراد المتفقة الحقيقة كالفصل القريب، والمختلفة الحقيقة كالفصل البعيد) ولذلك قال: على الشيء.
(وإنما قال: يُقال دون مقُولٍ) هنا عدم، في السابق في الجنس والنوع قال: مقول، وهنا قال: يُقال.
(وإنما قال: يُقال دون مقول كما في سائر الكُلِّيّات لأنهم ذكروا أن الفصل عِلَّة لحِصة النوع من الجنس، فكان مظِنة أن يُتوهم أن الفصل لا يُحمَل عليه؛ لامتناع حمل العِلَّة على المعلول فصرَّح بيقال لإزالة هذا التوهُّم).
(فِي جَوَابِ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ).
(خرَج به الجنس والنوع؛ لأنهما يقالان في جواب ما هو؟).
(خرج به) أي: بالقيد الأخير.
(الجنس والنوع؛ لأنهما يقالان في جواب ما هو؟) كما مر معنا.
قال هنا: (والعرض العام لأنه لا يقال في الجواب أصلاً كما مر).
قال: (والخاصة) يعني: خرج الخاصةُ بالرفع عطفاً على قوله: (الجنس).
خرج به الجنس، والنوع، والعرض العام، والخاصةُ. هذه أربعة أشياء، فتعيَّن الحد أن يكون للفصل.
قال: (والخاصة لأنها إنما تُميِّز الشيء في عرضه لا في ذاته).
إذاً: أورد المخرَجات على جهة الترتيب على حسب ما ذكره في النص قال: (فِي جَوَابِ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ) خرجت هذه الأربعة الأمور.
стр. 184
قوله: (الجنس والنوع) خرج بماذا؟ بقوله: (أَيُّ شَيْءٍ) بالمضاف إليه؛ لأن الجنس والنوع يقال في جواب ما هو.
طيب. العرض العام خرَج بقوله: (جَوَابِ).
الخاصة خرجت بقوله: (فِي ذَاتِهِ) لأن الخاصة يُسأل عن: أيُّ شيء هو في عرَضه؟
إذاً: أربعة أشياء خرجت.
قوله: (لا يقال في الجواب أصلاً).
قال العطار: العرَض العام من حيث إنه عرضٌ عام لا تمييز له أصلاً، ومن حيث إنه خاصة إضافية يميِّز الماهيّةَ في الجملة.
يعني: إن قلت: إنسان ماشٍ لا شك أنه حصل تمييز، إذاً: وصفت الإنسان بكونه قابلاً للمشي.
إذاً: غير الماشي خرج، هذا فيه احتراز، لكن في الاصطلاح عندهم .. ولذلك قلت لكم فيما مضى: أنه في اللغة يقع جواباً، كيف زيدٌ؟ تقول: مريض. إذاً: يقع بالجواب، إذاً: هذا مجرد اصطلاح فقط.
قال: (والفصل قسمان: قريب وهو ما يميز الشيء عن جنسه القريب) أي: عن صاحب جنسه القريب .. على حذف المضاف أي: عن صاحب جنسه القريب. وهو المشارك له فيه، وكذا يقال فيما بعده.
قال: (ما يميِّز الشيء عن جنسه القريب كالناطق بالنسبة إلى الإنسان، وبعيد يعني: فصلٌ بعيد، وهو ما يميِّز الشيء في الجملة عن جنسه البعيد)، (في الجملة) أي: عن بعض المشارِكات.
يعني: تشاركه أفراد ونأتي بفصل ميَّز هذا المقيَّد عن بعض الأفراد دون البعض الآخر، هذا مراده بقوله: (في الجملة).
(عن جنسه البعيد كالحساس بالنسبة إلى الإنسان) هنا ميَّزه عن الجماد، لكن غير الجماد: الحيوان .. الفرس؟ حسَّاس.
إذاً: حصل به التمييز "هذا فصلٌ بعيد" حصل به التمييز عن بعض الأفراد ولو في الجملة في بعض الصور، وبعض الأفراد لا يحصل عنه التمييز. هذا مرادُه.
(كالحساس بالنسبة إلى الإنسان) فإنه ميَّزه عن الجماد، فالجماد غير حسَّاس.
وأما الفرس فلم يحصل به التمييز.
(فإن قلتَ: يلزم أن يكون الجنس فصلاً لأنه يميِّز هذا التمييز قلتُ –الشارح-: لا بُعد فيه) يعني: كون الجنس فصلاً.
(إن أتى به) أو (أُتي به) لا إشكال في ضبطهما.
(إن أَتى به) أو (أُتي به في جواب أي شيء هو في ذاته، بخلاف ما إذا أَتى به) يعني: بالجنس (في جواب ما هو فلَه اعتباران بحسب السؤال) هذا بحثٌ انفرد به المصنف، أنه يمكن أن يؤتى بالجنس ويُعامَل معاملة الفصل، حينئذٍ يكون في المعنى مساوياً للفصل، فيصير –نتيجة- يصير الجنس فصلاً، ولذلك قال: (فإن قلتَ: يلزم أن يكون الجنس فصلاً لأنه يميِّز هذا التمييز) ما دام أن فائدته هذه الفائدة إذاً: الجنس يكون فصلاً قال: (لا بُعد فيه) فليكن .. ما المانع؟
قال العطار: منشأ هذا السؤال (فإن قلتَ .. ) زيادةُ قيد في الجملة؛ لأنه قال: ما يميِّز الشيء في الجملة يعني: في بعض الأفراد دون بعض.
إذاً: جوَّزت خُلُوَّه عن بعض الأفراد "هنا محل الإشكال" جوَّزت خُلُوَّه عن بعض الأفراد فبعض الأفراد تخرُج وبعض الأفراد لا تخرُج.
منشأ هذا السؤال زيادة قيد في الجملة، وهذا الكلام للقطب في شرح الشمسية، فإنه قال: فإن قلتَ: السائلُ بأي شيءٍ هو؟ الذي يسأل: بأي شيءٍ هو؟
إن طلب مميزاً لشيءٍ عن جميع الأغيار بالجملة "يعني: لا في الجملة" بالجملة عن جميع الأغيار.
стр. 185
قال: لا يكون مثل الحساس فصلاً للإنسان؛ لأنه لا يميزه عن جميع الأغيار أو عن بعضها.
قال: (فالجنس). هنا الجملة معترِضة هذه.
إن طلب مميِّزاً لشيءٍ عن جميع الأغيار فالجنس مميزٌ للشيء عن بعضها، فيجب أن يكون صالحاً للجواب: أيُّ شيءٍ هو في ذاته؟ هذا سؤال.
فالجواب: فلا يخرُج عن الحد. يعني: عن حد الفصل.
قلتُ: لا يكفي في جواب أيُّ شيءٍ هو في جوهره "يعني: في ذاته" التمييز في الجملة. لا يكفي التمييز في الجملة.
هنا وقع خلط عند المصنف، أخذ أنه ولو في الجملة على أنها تكفي، فأخذ بعض الكلام وترك بعضاً.
قلتُ: لا يكفي في جواب أيُّ شيءٍ هو في جوهره التمييز في الجملة، بل لا بد معه من ألا يكون معه تمام المشترِك بين الشيء ونوعٍ آخر، فالجنس خارجٌ عن التعريف.
بل لا بد معه -في التمييز- من أن لا يكون معه تمام المشترك بين الشيء ونوعٍ آخر، وهذا هو الجنس. فالجنس خارجٌ عن التعريف.
قال العطار: والشارح تصرَّف في كلامه. يعني: أراد أن يختصر فحصل فيه شيءٌ من الخلط، واختار الشق الثاني من الترديد، وبنا عليه زيادة قوله سابقاً: ولو في الجملة.
واعترف بكون الجنس فصلاً في بعض الصور، ولا يتم له ذلك. لا يُسلَّم يعني: ليس بصحيح أن يكون الجنس في بعض الصور فصلاً.
إلا إذا اقتصروا على قصد التمييز في الجملة ولم يعتبروا زيادة على ذلك، مع أنهم اعتبروا كما أشار إلى ذلك القطب الرازي بقوله: بل لا بد. يعني: يكون تمام الماهيَّة.
وأشار إليه الدَّوَاني بقوله: بشرط أن لا يكون تمام الماهيّة -المختصة والمشترِكة-، فإن زيادة ذلك لإخراج النوع والجنس، فالجنس غير داخلٍ في التعريف.
إذاً: الحاصل أن كلامه هنا غير مسلَّم بأن الجنس قد يؤدي وظيفة الفصل فيكون الجنس فصلاً، لا يُسلَّم له ذلك.
ولذلك قوله هنا قال: (يلزم أن يكون الجنس فصلاً لأنه يميّز هذا التمييز قلت: لا بُعد فيه) يعني: كون الجنس فصلاً.
(إن أتى به أو أُتي به) يعني: بالجنس (فِي جَوَابِ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ) كيف أيُّ شيءٍ هو؟ الجنس أصلاً لا يقع في هذا الجواب، وإنما يقع في جواب ما هو، وهذا تقرَّر عند عامة المناطقة.
(فِي ذَاتِهِ) بخلاف ما إذا أتى به في جواب ما هو، لو أتى به في جواب ما هو تعيَّن أن يكون جنساً، وإذا أتى به في جواب أيُّ شيءٍ هو، فحينئذٍ قال: يحتمِل أن يكون فصلاً وأن يكون جنساً، فيأتي الجنس.
فله اعتباران بحسب السؤال، ثم ثنَّى بالعرَضي فقال: (وَأَمَّا الْعَرَضِيَّ)، يأتينا بعد الصلاة إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 186
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
وقفنا عند قول المصنف رحمه الله تعالى: (ثم ثنَّى) يعني: المصنف.
أي: أتى به ثانياً بعد إتيانه بالذاتي أولاً، (بالعرضي) المراد به المنسوب لما عرض للذات .. خارجاً عنها.
وهذا اصطلاح أهل الميزان لا المنسوب للعرض المقابل للجوهر كما هو اصطلاح المتكلمين يعني: هذا قدرٌ مشترك بين فنين.
العرض عند المناطقة هو الخارج عن الذات، والعرض عند المتكلمين هو ما لا يقوم بذاته كاللون ونحوه. وحينئذٍ فرقٌ بين الاصطلاحين.
قال: (وَأَمَّا الْعَرَضِيَّ).
قال العطار: مقابل قوله: (أما) محذوفٌ أي: أما الذاتي فقد علمتَ تقسيمه .. إلى آخره.
ثم قال: (والعرضي نسبةٌ للعرَض بمعنى: ما يعرض للماهية من الأمور الخارجية عنها، المحمولة عليها) فإن العرض عند المتكلمين: ما قام بغيره.
فالأبيض عرضيٌ بالمعنى الأول -عند المناطقة- لا بالثاني؛ لأن العرَض نفس البياض لا الأبيض.
حينئذٍ الأبيض عرضٌ بالمعنى الأول لا بالثاني. يعني: عند المتكلمين الأبيض لا يسمى عرَضاً؛ لأن الأبيض معناه ذاتٌ متصفة بالبياض، البياض نفسُه هذا عرَضٌ عند المتكلمين، أبيض عند المناطقة هذا يسمى عرَضاً، فرقٌ بين الاصطلاحين، وحينئذٍ العرَضي عند المناطقة هو الخارج عن الذات، وأما عند المتكلمين فهو ما لا يقوم بنفسه بل ما قام بغيره.
قال هنا: (وَأَمَّا الْعَرَضِيُّ:
فَإِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ انْفِكَاكُهُ عَنِ المَاهِيَّةِ، وَهُوَ الْعَرَضُ الَّلاَزِمُ).
(فَإِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ انْفِكَاكُهُ عَنِ المَاهِيَّةِ).
قال في الحاشية: (أي: من حيث وجودُها ذهناً، بمعنى أنها يمتنع إدراكها دون إدراكه).
وهذا كما علمنا أنه البحث في الكُلِّيّات، وإنما يكون الانفكاك وعدمُه في الذهن، هذا هو الأصل فيه؛ لأن البحث في الكُلِّيّات.
أي: من حيث وجودها ذهناً، بمعنى أنها يمتنع إدراكُها "أي: إدراك الذات" دون إدراكه يعني العرَض أو اللازم.
كفردية الثلاثة، لا تُدرِك الثلاثة إلا بإدراك أنها فرد، وكذلك زوجية الأربعة لا تدرك الأربعة إلا بأنها زوج وهكذا، ويسمى هذا لازمَ الذهنِ.
(أو من حيث الوجود الخارجي بمعنى أنها يمتنع وجودُها في الخارج منفكة عنه) وهذا باعتبار الأفراد لا باعتبار حقيقة الكلِّي.
(كسواد الغراب ويسمى لازم الوجود) أو من حيث هي بمعنى: أنه يمتنع وجودُها في الذهن أو الخارج هذا بناءً على التقسيم اللازم الذي مر معنا: لازم في الذهن فقط، لازم في الخارج فقط، لازم في الذهن والخارج.
يعني: كأنه أعاد ما سبق.
(أو من حيث هي بمعنى أنه يمتنع وجودُها في الذهن أو في الخارج منفكَّة عنه، بل أينما وُجِدت اتَّصَفَتْ به ككون زوايا المثلث الثلاثة مساوية للقائمتين، ويسمى هذا لازم الماهيّة).
стр. 187
إذاً: (فَإِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ انْفِكَاكُهُ عَنِ المَاهِيَّةِ) عن الحقيقة (وَهُوَ الْعَرَضُ الَّلاَزِمُ) كالضاحك بالقوة بالنسبة إلى الإنسان.
الضاحك بالقوة يعني: احترازاً عن "بالفعل"؛ لأنه ينفك، ومر معنا أن الوصف من حيث هو وصف إما أن يكو بالفعل وإما أن يكون بالقوة، بالقوة يعني: بالإمكان، وبالفعل يعني بالإيجاد والحصول والثبوت بمعنى: واقعة، وأنت جالِسٌ الآن بالفعل، وقد تكون قائماً فنقول: أنت جالسٌ بالقوة يعني: عندك قابلية للاتصاف بهذا الوصف. هذا المراد بالفعل والقوة.
الضاحك بالقوة هذا لازم لكل إنسان لا ينفك عنه، لكن الضاحك بالفعل هذا مفارِق .. هذه خاصة مفارِقة، وهي التي لا يقع بها التمييز.
(كَالضَّاحِكِ بِالْقُوَّةِ) بالنسبة إلى الإنسان.
قال هنا: المراد بالضحك عند المناطقة انفعالٌ نفسي عند إدراك الأمور الغريبة.
وبعضهم فسَّره بالضحك المعروف: انبساط الوجه وانكشاف المقدم الأسنان.
(كَالضَّاحِكِ بِالْقُوَّةِ).
قال: (القوة إمكان الشيء حال عدمه) وهذا اصطلاح ٌعلمي.
(إمكان الشيء حال عدمه، ويقابلها الفعل وهو التحقق والحصول والثبوت، فإن كان الضحك بالقوة) يعني: إمكان وجودِه لكنه معدوم ويمكن أن يوجد.
الضحك بالفعل يعني: متحقق الحصول والثبوت.
(أو لا يمتنع) يعني: العرضي.
(فَإِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ) العرضي (انْفِكَاكُهُ عَنِ المَاهِيَّةِ).
(أو لا يمتنع انفكاكه عنها. وهو العرَض المفارق كالضاحك بالفعل بالنسبة إلى الإنسان).
أحدهما يمكن انفكاكه والآخر لا يمكن انفكاكه يعني: يمتنع انفكاكه.
ما الذي يمتنع انفكاكه؟ الضحك بالقوة، لا يمكن أن يوجد إنسان غير متصف بالضحك بالقوة، هو لازمٌ له.
وأما الضاحك بالفعل فهذا ينفك عنه يعني: يكون غير ضاحكٍ بالفعل.
قال: (وهو العرَض المفارق أي: الذي تُمكِن مفارقته وإن لم يفارق بالفعل.
كالفقر الدائم لمن لا يمكن غناه عادة، وكفراق الزبَّال محبوبَه السلطان، والفرق بين هذا وبين لازم الوجود كسواد الغراب: أنَّ هذا ممكن الزوال عادة، وذلك ليس ممكن الزوال عادة).
هذا أورده العطار وأبطله بشيءٍ لا يُحكَى فيُرجَع إليه.
قال: (وهو العرض المفارق) كالضاحك بالفعل بالنسبة إلى الإنسان، وكل واحدٍ منهما "الضمير يعود إلى الممتنع وغير الممتنع" إما أن يختصَّ بحقيقة واحدة وهو الخاصة كالضاحك بالقوة والفعل بالنسبة إلى الإنسان؛ لأنه بالقوة لازمٌ لماهية الإنسان مختصٌ بها، وبالفعل مفارقٌ لها مختصٌ بها. وهذا مذهب المتأخرين.
يعني: هنا دخلت الخاصة اللازمة والخاصة المفارقة .. على هذا المعنى دخلت الخاصة اللازمة والخاصة المفارقة.
قال: صريحٌ في أن أقسام العرضي أربعة، وإذا ضُمَّت للجنس والنوع والفصل بلغت سبعة، وهذا مخالِفٌ لما مر من أنها خمسة، هو قرر أن الكُلِّيّات خمسة، وأُجيب: بأنَّ تقسيم العرضي إلى لازم ومفارِق تقسيمٌ ثانوي كتقسيم الجنس والنوع والفصل.
كما نقول: الجنس عالٍ ومتوسط، ما زدنا أربعة وقلنا هي خمسة، هنا كذلك إذاً: لا اعتراض، كما نقول: الفصل قريب وبعيد، والنوع إضافي وحقيقي.
وحينئذٍ لا يُعترَض بهذا التعداد إلى أنه قد أخطأ أو قال خمسة ولم يوفِّ.
стр. 188
قال: (وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أي: الممتنع وغير الممتنع.
(إِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ) فلا يتعداها أي: بأفرادها.
كما قال المحشِّي هنا: لأن الخاصة لا تلزم الماهيّة من حيث هي "يعني: ليست داخلة في الماهيّة" نوعيّة كانت كالضاحك، أو جنسية كالماشي والمتنفِّس.
المتنفِّس هذا ليس خاصاً بالإنسان كالماشي، الماشي ليس خاصاً بالإنسان سواءٌ كان بالفعل أو بالقوة، كذلك المتنفِّس ليس خاصاً بالإنسان، وحينئذٍ تكون جنسية.
نوعية كانت كالضاحك، هذه نوعية يعني: تصدُق على زيدٌ وعمرو وبكر.
أو جنسية كالماشي تصدُق على الإنسان وعلى الفرس وعلى البقر .. ونحوه.
والمتنفس كذلك.
إذاً: هي قد تكون نوعية وقد تكون جنسية.
قال هنا: (وَهُوَ الخَاصَّةُ).
يعني: أن يَختص بحقيقة واحدة (وَهُوَ الخَاصَّةُ) بأن يكون قاصراً عليها ولا يعرِض لغيرها، قدَّمها لتمييزها الماهيّة، وكونِها مادة للرسم. يعني: داخلةٌ في حد الرسم؛ لأن الرسم يتألف منها كما سيأتي، وهو نوعٌ من أنواع التعريفات.
(كَالضَّاحِكِ بِالْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ) بالنسبة إلى الإنسان.
(لأنه -أي: الضحك- بالقوة لازمٌ لماهية الإنسان) لأنه الضمير يعود إلى الضحك
(مختصٌ بها، وبالفعل مفارقٌ لها مختصٌ بها) سواءٌ هذا أو ذاك، سواءٌ كان بالفعل أو بالقوة، الضحك خاصةٌ لازمةٌ، لكن سُميت لازمة الأُولى لأنها لا تفارِق، والمفارِقة لأنها قد تفارِق، توجد في بعض الأحوال دون بعض.
(وهذا مذهب المتأخرين) أي: تقسيم الخاصة إلى لازمة ومفارقة.
(هذا) أي: المذكور السابق من تقسيم الخاص إلى لازمة ومفارقة.
مثال اللازمة: ضاحكٌ بالقوة، مثال المفارقة: ضاحكٌ بالفعل.
يعني: تأتي بالمفارق بالفعل، واللازم بالقوة. تأتي بالقسمة المذكورة.
(وهذا مذهب المتأخرين، وأما المتقدمون فشرطوا أن تكون الخاصة لازمةً غير مفارقة؛ لأنها التي يُعرَّف بها).
إذاً: على طريقة المتقدمين لا تكون الخاصة المفارقة مما يعتبر في الرسوم ولا في غيرها، لا تدخل في الرسم، وإنما شرطوا أن تكون الخاصة لازمة، وأما غير اللازمة –المفارِقة- لا تصلح بخلاف ما عليه المتأخرون.
(لأنها التي يُعرَّف بها).
قال هنا العطار: لأنها التي يُعرَّف بها لاشتراطهم التساوي بين المعرِّف والمعرَّف.
يعني: عند المتقدمين يُشترط المساواة بين المعرِّف والمعرَّف، والمتأخرون جروا على هذا، يعني: لا يكون التعريف أعم ولا يكون أخص، لو كان أعم دخل فيه ما ليس منه، ولو كان أخص لخرج عنه ما هو منه.
وحينئذٍ لا بد أن يكون ثم تساوٍ، هكذا علَّله العطار وإن كان هذا يقول به المتأخرون.
على كلٍ: هذا التفريق بين المتقدمين والمتأخرين.
قال العطار: (الخاصة قسمان: حقيقية ويقال لها: مطلَقَة أي: لم تُقيَّد بشيءٍ دون شيء، وذلك كالضحك للإنسان.
وإضافية ويقال لها: غير مطلَقَة وهي التي تكون بالنسبة إلى شيءٍ دون شيءٍ آخر. كالمشي بالنسبة إلى الإنسان حالةَ كونه مقابلاً لِلحَجَر) الإنسان إذا أُضيف إلى الحجَر فحينئذٍ صار ماشياً والحجر غيرَ ماشياً.
فالمشي خاصّةٌ له -هنا في هذا المثال- لا مُطلقاً، بل بالنظر إلى الحجَر، لكن ليس هو إحدى الكُلِّيّات الخمس. هذه غير المطلقة.
стр. 189
(وإحداها إنما هو الخاصة المطلقة).
إذاً: الخاصة إما مطلقة وإما مقيَّدة.
(إما) مطلقة يعني: باعتبار كلِّ ما يقابلها، الحجَر وغيرُه، (وإما مقيَّدة) يعني: باعتبار مثال واحد.
فحينئذٍ المشي باعتبار الإنسان مقابلةً بالحجر يُعتبر خاصةً، لكن ليس مطلقاً وإنما في هذا المثال -في مقابلة الحجر-، هذه خاصة غير مطلقة بل هي مقيَّدة.
حينئذٍ هذا النوع الثاني ليس هو إحدى الكُلِّيّات الخمس، وإنما الأول هو الذي يعتبر إحدى الكُلِّيّات الخمس.
إذاً: ليس كل ما سُمّي كُلّياً فهو من الكُلِّيّات الخمس، ليس كل ما كان كلياً هو من الكُلِّيّات الخمس.
ولذلك مر معنا في أول الكتاب: أن بحث المنْطِقي في البسملة، قلنا البسملة إما جزئي وإما معنى كُلّي، لكن الجزئي لا بحث للمنطقي فيه، والكلي لا مطلقاً، لا يبحث المناطقة في كل كُلّيٍ، وإنما كُلّيٍ خاص بالحدود التي يريدونها وهي الكُلِّيّات الخمس، الموصلة إلى مجهولٍ تصوُّري.
قال هنا: (وإحداها إنما هو الخاصة المطلقة، كذا في الحاشية) وهذا مسلَّمٌ به، لا إشكال فيه، لكنه اعترضه.
(فمُفادُها) يعني: ينبني عليه.
(أنها ليست داخلة في التعريف فصار التعريف غير جامع) كونها معتبرة أو غير معتبرة هذه مسألة، داخلة في التعريف أو غير داخلة في التعريف هذه مسألة أخرى.
أما اعتبار ما سبق على التفصيل السابق: الخاصة غير المطلقة، هذه ليست إحدى الكُلِّيّات الخمس، والخاصة المطلقة هي من الكُلِّيّات الخمس هذا لا إشكال فيه.
لكن هل التعريف شمِل غير المطلقة أو لا؟
يقول: (مفادُه) مفاد هذا التفصيل: أن الحد لا يصدق على غير المطلقة، وإنما هو خاصٌ بالمطلق؛ لأنه أراد أن يعرِّف الكلِّي الذي هو إحدى الكُلِّيّات الخمس.
فحينئذٍ لما قلنا: الكُلّيّة المقيّدة غير المطلقة، ليست من الكُلِّيّات الخمس. إذاً: التعريف لا يشملها.
نقول: (مفادُها أنها ليست داخلة في التعريف فصار التعريف غير جامع، والحق أنها من أفراد الخاصة المعرَّفة هنا) يعني: داخلةٌ في التعريف.
(ولذلك فالماشي من حيث إنه شاملٌ لحقائق مختلفة عن الإنسان وغيره عرَضٌ عام، ومن حيث إنه مختصٌ بحقيقة الحيوان خاصةٌ له).
يعني: الماشي له جهتان: (من حيث إنه شاملٌ لحقائق مختلفة عن الإنسان وغيرَه عرضٌ عام) باعتبار الأفراد التي تدخل تحته هذا عرَضٌ عام؛ لأنها حقائق مختلفة.
ومر معنا هناك "دون الحقيقة" أنه يمكن إخراج العرَض العام. يعني: الاتحاد في الحقيقة هذا يمكن إخراج به العرض العام لأنه يصدق على حقائق مختلفة وحقائق متفِقة، فزيدٌ وبكرٌ وعمرٌ وخالدٌ ماشون، إذاً: صدق على حقائق متفقة.
البغل والحمار وو .. إلى آخره والإنسان ماشون، صدق على حقائق مختلفة، وهناك صدق على حقائق متفقة. هذا العرض العام.
فحينئذٍ الماشي (من حيث إنه شاملٌ لحقائق مختلفة عن الإنسان وغيره عرضٌ عام) وهذا واضح.
(ومن حيث إنه مختصٌ بحقيقة الحيوان خاصةٌ له) صحيح؛ لأنه إذا قلت: الحيوان ماشٍ إذاً الجماد لا يمشي، وهذا واضح.
إذاً: قد يُنظَر في العرض العام باعتبارين: باعتبار أنه عرضٌ عام، وباعتبار أنه خاصةٌ له.
стр. 190
حينئذٍ على هذا التقرير يمكن إدخال الخاصة غير المطلقة وهي مقيَّدة في الحد، لكن باعتبار الإضافة لا مطلقاً.
قال: (وَتُرْسَمُ) يعني: الخاصة. يعني: تُعرَّف.
تُرسم الخاصة (بِأَنَّهَا) أي: الخاصة.
(كُلِّيَةٌ) (دخل فيها سائر الكُلِّيّات) قال فيما سبق: كلِّي، هنا قال: كُلّيّةٌ بالتاء لأنه مؤنث.
(دخل فيها سائر الكُلِّيّات)
(تُقَالُ) يعني: تُحمل.
(عَلَى مَا تَحْتَ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ) يعني: تقال على ما، "ما" هنا صادقةٌ على أفراد.
(تُحمل على ما) أي: أفراد.
(تَحْتَ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ) (من الأفراد) مِنْ هذه بيانية كما قال المحشّي هنا.
(منْ الأفراد) قال: بيانٌ لما. يعني: مِنْ بيانية هنا، ففسَّر بها ما.
إذاً: كأنه قال: تقال على أفرادٍ تحت حقيقة واحدة فقط.
قال: (قَوْلاً عَرَضِيًا).
(خرج به الجنس، والعرض العام؛ لأنهما يقالان) يُحمَلان (على حقائق).
وهنا على حقيقة واحدة، إذاً: ليس عندنا كثيرين، مر معنا في حد الجنس (مَقُولٌ عَلَى كَثِيرِينَ) إذاً: كثير هذا قيْد لا على واحد.
كذلك النوع: (مَقُولٌ عَلَى كَثِيرِينَ) هو قال: العرض الجنس، والعرض العام.
كذلك العرَض العام يُحمَل على كثيرين.
(لأنهما يقالان) أي: يُحمَلان (على حقائق).
(أي: ما تحتها من الأفراد، لكن في غير الجواب) يعني: في العرض العام.
(فلا ينافي ما تقدم أن العرض لا يقال في الجواب مطلقاً، وأفاد التعليل: أن خروجَهما بقوله: عَلَى مَا تَحْتَ حَقِيقَةٍ) وهو واضح.
(والنوعُ والفصلُ) والنوعُ بالرفع عطفٌ على قوله: الجنس خرج به "أي: بما سبق" الجنس والعرض العام.
قال: (والنوع والفصل) هذان خرجا.
(لأن قولهما) أي: حمْلَهُما.
(على ما تحتهما ذاتيٌ لا عرَضي) هذا النوع والفصل.
(لأن قولهما على ما تحتهما) من أفراد (ذاتيٌ لا عرضي).
إذاً: (كُلِّيَةٌ) هذا واضح أنها جنس.
(كُلِّيَةٌ تُقَالُ) أي: تُحمل.
(عَلَى مَا تَحْتَ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ) هنا ما ذكر الجواب، قدَّره في الشرح عُلَيِّش هنا: يقال أي: يُحمل أو تحمل في الجواب فصْلٌ مخرجٌ لعرض عام.
(تُقَالُ) أي: تُحمل في الجواب، لو قدَّرنا في الجواب أخرجنا بقولنا: المقدَّر هذا العرَض العام.
(عَلَى مَا) أي: جزئيات أو أفراد.
(تَحْتَ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ) فصلٌ مُخرِج للجنس.
حينئذٍ الجنس خرج بقوله: (فَقَطْ).
والعرض العام خرج بقوله: جواب المقدَّر. فصلٌ مخرج الجنس.
(قَوْلاً عَرَضِيًا) فصلٌ مخرجٌ النوع والفصل؛ لأن حملهما ذاتيٌ لا عرضي.
هذا إن قُيِّد قوله: بكونه في جواب. يعني: قُيِّد قوله: في جواب.
وإن لم يُقيَّد به فالعرَض خرج بقوله: (فَقَطْ) .. العرض العام خرج بقوله: (فَقَطْ).
إذاً: العرَض العام هو محل إشكال، خرج بماذا؟
إما أن تقول: بـ (فَقَطْ) كالجنس، وهذا ظاهر المتن؛ لأنه ما ذكر جواب، وإما أن تقدِّر له: يقال: في جواب.
إذا: ما لا يقال في جواب خرج وهو العرض العام.
قال: (لأن قولَه: على ما تحتهما أفاد أن خروجَها بقوله: قَوْلاً عَرَضِيًا).
قال: (ولا حاجة إلى قوله: فَقَطْ بعد: وَاحِدَةٍ).
стр. 191
(ولا حاجة لقوله: فَقَطْ) بُحِث فيه بأن الجنس والعرَض العام يُقالان عَلَى مَا تَحْتَ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، وعلى ما تحت حقائق نحو: زيدٌ وعمروٌ حيوان أو ماشيان، ونحو: الإنسان والفرس حيوان أو ماشيان. فأخرَجَهُما ماشيان فهما داخلان في قولِه: تُقالُ على ما تحت حصة واحدة، فأخرَهما بقوله: فقط.
فيكون حينئذٍ قوله: فقط هو الفصل بالحقيقة.
(ولا حاجة إلى قوله: فَقَطْ. بعد وَاحِدَةٍ) لأنه قال: (وَاحِدَةٍ) فدل على قوله: فقط، لكنه من باب التأكيد: لا غير فقط، فقط هو مدلول لا غير، ولا غير هو مدلول فقط. إذاً: لا حاجة لقوله: فقط؛ لأنه خرج بواحدة، لكنه قد يقال من باب التوكيد، لكن التوكيد لا يدخل في الحدود .. يكون من باب الحشو.
قال: (والخاصة قد تكون للجنس كاللون للجسم، وقد تكون للنوع كالضاحك للإنسان، وكلُّ خاصةٍ لنوعٍ خاصةٌ لجنسه ولا ينعكس).
(الخاصة) قال في الحاشية: قد تكون للجنس لما قدَّم المصنف أن الخاصة مختصّة بحقيقة واحدة "يعني: حقيقة الحيوان مثلاً" وكان ظاهرُه أنها لا تكون للجنس، أفاد الشارح أنها تكون له أيضاً، فهذا في قوة الاستدراك على كلام المتن برفع ما أوهمه ظاهرُه وبيان أن مراده بالحقيقة ما يشمل النوعية والجنسية.
لأنا قلنا الحقيقة لو المراد بها النوعية فقط، هذا يهِم؛ لأن المراد بالحقيقة تمام الماهيّة، المراد بالحقيقة أكثر ما يُستعمل مراداً به النوع.
فحينئذٍ (مَا تَحْتَ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ) قد يوهِم بأن الخاصة إنما تكون للنوع فقط لا للجنس. وليس مراداً.
ولذلك كشف الشارح أو دفَع هذا الوهَم: بأن ظاهر المتن إنما هو خاصٌ بأن الخاصة إنما تكون وصفاً للنوع فقط دون الجنس، هو الشارح بيَّن أن الخاصة قد تكون للجنس وقد تكون للنوع.
يعني: يأتي بعرَضٍ يختص به الجنس، أو يأتي بعرَضٍ يختص به النوع. هذا واردٌ وهذا وارد، لكن الحد في ظاهره أنه خاصٌ بالنوع.
ولذلك قال: (والخاصةُ قد تكون للجنس كاللون للجسم) المراد بالجسم هنا الجسم الكثيف فإنه المُلوَّن لا الشَّفَّاف، هكذا قال العطار: المراد بالجسم هنا الجسم الكثيف فإنه الملون لا الشفاف.
(وقد تكون للنوع كالضاحك للإنسان) الضاحك هذه خاصة للإنسان وهو نوعٌ تحته أفراد.
اللون تكون للجسم، هو الذي يقبل، أما غير الجسم فلا يقبل اللون.
إذاً: هذه الخاصة صارت خاصة لجنسٍ.
(وكل خاصة لنوعٍ خاصةٌ لجنسه) يستلزمه؛ لأن النوع داخلٌ تحت الجنس، فإذا اختص النوع بخاصة لزِم أن يكون الجنس كذلك.
(ولا ينعكس) أي: عكساً لغوياً بأن يقال: كل خاصة لجنسٍ خاصةٌ لنوعه لبطلانه؛ فإن المتنفِّس مثلاً خاصة للحيوان وليس خاصةً للإنسان.
كل ما كان خاصةً لنوعٍ فهو خاص لجنسه، وقد يقال بأن المصنف هنا لهذه القاعدة ما أشار للجنس.
ظاهر كلام المصنف قلنا: (مَا تَحْتَ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ) يعني: النوع.
إذاً: إذا كان كل خاصة لنوعٍ فهي خاصةٌ لجنسه، لا يحتاج التنصيص على أنه للجنس، قلنا فيما سبق: قال المصنف هناك: (وقد تكون للجنس) يعني: الخاصة (كاللون للجسم) لأن ظاهر تعبيره - (مَا تَحْتَ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ) - ظاهرُ تعبيره: أن الخاصة خاصةٌ بالنوع. فوَرَد عليه إيهام أن الجنس كذلك تكون له خاصة.
стр. 192
إذاً نجيب: بأن كل خاصة لنوعٍ تستلزم خاصةً للجنس من غير عكس.
إذاً: لا اعتراض على المصنف، ولذلك قال: (ولا ينعكس).
قال هنا: (فخاصة الإنسان كالضاحك خاصةٌ للحيوان، بمعنى: أنها لا تتجاوزه إلى غيره.
وخاصة الحيوان كالحياة ليست خاصة للإنسان، بل تتجاوزه إلى غيره من أنواع الحيوان)
قال: (وَإِمَّا أَنْ يَعُمَّ) ما هو الذي يعُمّ؟
فسَّره: (كلٌ من العرَض اللازم والمفارِق) (إِمَّا أَنْ يَعُمَّ) يعني: لا يختص بحقيقةٍ.
قال هنا: (وَأَمَّا الْعَرَضِيَّ:
فَإِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ انْفِكَاكُهُ عَنِ المَاهِيَّةِ).
(وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ)، (وَإِمَّا أَنْ يَعُمَّ) هذا مقابل لقوله: (إِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ).
(وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) يعني: المفارِق والملازِم.
(إِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ الخَاصَّةُ)، (وَإِمَّا أَنْ يَعُمَّ) كلٌ من العرَض اللازِم والمفارِق.
(حَقَائِقَ فَوْقَ حَقِيْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَهْوَ الْعَرَضُ الْعَامُّ.
كَالمُتَنَفِّسِ بِالْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ لْلإِنْسَانَ وَغَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانَاتِ).
يعني: متنفِّس هذا عرَضٌ عام.
فحينئذٍ بالقوة أو بالفعل هل هو من خصائص الإنسان؟ الجواب: لا. بل هو شاملٌ لجميع الحيوان، هذا يسمى عرضاً عاماً.
إذاً: لا يختص بحقيقة دون حقيقة أخرى كما هو الشأن فيما مضى في الخاصة.
(وَإِمَّا أَنْ يَعُمَّ حَقَائِقَ فَوْقَ وَاحِدَةٍ).
قال هنا في الحاشية: ثم إن كانت الحقائق أجناساً كان عرَضاً عاماً للجنس؛ لتجاوزه إلى غيره كالسواد للحيوان وغيره.
وإن كانت أنواعاً فهو عرضٌ عامٌ للنوع لشموله غيره من أنواع جنسه، وخاصةٌ لجنسه باعتبار عدم تجاوزه إلى غيره كالآكل والشارب.
إذاً: مرادُه أنه هنا قد تكون متعلِّقاً بالجنس أو كذلك بالنوع، فليس خاصاً بالجنس دون النوع ولا العكس.
(وَإِمَّا أَنْ يَعُمَّ حَقَائِقَ فَوْقَ حَقِيْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَهْوَ الْعَرَضُ الْعَامُّ.
كَالمُتَنَفِّسِ بِالْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ لْلإِنْسَانَ).
يعني: سواءٌ قلنا متنفِّس بالفعل أو قلنا متنفِّس بالقوة، فحينئذٍ ليس خاصاً بالإنسان.
(وَغَيْرِهِ) يعني: يشمل غيرَه (مِنَ الحَيَوانَاتِ) لماذا؟
لأنه بالقوة لازمٌ لماهيّات الحيوانات، بالقوة لازمٌ وهو خاصة ولا إشكال فيه.
وبالفعل مفارِقٌ لها، وعلى التقديرين هو غير مختصٍ بواحدة منها.
قال: (وَيُرسَمُ بِأَنَّهُ كُلِّىٌّ) ما هو الذي يُرسَم؟ العرَض العام.
(كُلِّىٌّ) دخَل فيه سائر الكُلِّيّات.
قال هنا: (حَقَائِقَ فَوْقَ أي: زائدةٍ على حقيقة واحدة وَهْوَ الْعَرَضُ الْعَامُّ.
كَالمُتَنَفِّسِ بِالْقُوَّةِ أي: أو الفعل بالنسبة للإنسان وغيرِه من أنواع الحيوان).
قال: (وَيُرسَمُ) يعني: يعرَّف.
(بِأَنَّهُ كُلِّىٌّ) دخل فيه سائر الكُلِّيّات.
(يُقَالُ) يعني: يُحمَل.
(عَلَى مَا) أفراد.
(تَحْتَ حَقَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ قَوْلاً عَرَضِيًا).
خرج به الجنس .. خرج بماذا؟ (قَوْلاً عَرَضِيًا) خرج به الجنس.
ولذلك قال هنا: (تَحْتَ حَقَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ. فصلٌ مخرج النوع والفصل والخاصة.
стр. 193
(قَوْلاً عَرَضِيًا. فصلٌ مخرجٌ الجنس).
إذاً: خرج به يعني: بقوله: (قَوْلاً عَرَضِيًا) لأن الجنس يُحمَل على حقائق مختلفة.
إذاً: شاركه هنا .. اشتركا العرَض العام والجنس في كون كلٍ منهما يُحمل على حقائق مختلفة، لكن الجنس يختص بالحقائق المختلفة، ولا يصدُق على المتفقة بخلاف العرض العام، فإنه يصدُق كذلك على الحقائق المتفقة مع صِدْقه على الحقائق المختلفة.
(خرج به الجنس لأن قوله: على ما تحته ذاتيٌ لا عرضيٌ).
(لأن قوله: على ما تحته) يقصد به الذاتي (لا عرضي)، ولو قال ما ذكرناه لكان أحسن.
(والنوعُ) بالرفع عطفٌ على الجنس: والنوعُ والفصلُ والخاصة. هذا خرَج بقوله: (حَقَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ).
(لأنها لا تقال إلا على حقيقة واحدة).
قال هنا في الشرح: (يقال في غير الجواب على ما أي: جزئيات.
تَحْتَ حَقَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ. فصلٌ مخرجٌ النوع والفصل والخاصة.
قَوْلاً عَرَضِيًا. فصلٌ مخرجٌ الجنس).
إذاً: ثَم شَراكة بين الجنس والعرض العام، وثَم فرقٌ بينهما، لكنه -على التفصيل الذي ذكرناه سابقاً- لا يقع جواباً أصلاً، وحينئذٍ لا يكون جواباً لـ"ما هو"، ولا لـ"أيُّ شيءٍ هو" لا في ذاته ولا في عرَضه.
أيُّ شيءٍ هو في ذاته؟ أيُّ شيءٍ هو في عرَضه .. ما هو؟
حينئذٍ لا يقع جواباً لواحدٍ من هذه الأمور.
إذاً: بهذا الكلام انتهى ما يتعلق بالكُلِّيّات الخمس من حيثُ الضوابط العامة والتعاريف.
فائدتُها: أنك تحكم على اللفظ بعد أن تحكم عليه أنه كُلّي، متى تحكم عليه بأنه كُلّي؟ متى تقول: هذا اللفظ كُلّي أو جزئي؟ إذا أَفهم اشتراكاً.
تأتي للقاعدة السابقة إذاً: ما أفهم اشتراكاً كُلّيٌ، إذا تعقَّلَه الإنسان ولم يمنع الشرِكة فيه نقول: هذا كُلّي.
ثم بعد الحُكم عليه بكونه كُلّياً نأتي: هل هو جنس أم لا؟ فلا تأتي تُعبِّر عن اللفظ بأنه هل هو جنس أو نوع، دون أن تُثبت أنه كُلّي لا، أولاً: أثبت الأصل –العرش-، فحينئذٍ تقول: هو كُلّيٌ لأنه يصدُق على متعدد أو على أفرادٍ ويُحمل عليها حمل مواطئة. إذا أردت ما هو في الخارج، وإن أردتَ في الذهن تقول: يقبل الاشتراك.
ثم بعد ذلك: هل هو جنس؟ هل هو فصل؟ هل هو نوع؟ هل هو خاصة؟ .. إلى آخره، فيأتي التعريفات السابقة، فتحكم عليه أولاً: هل هو جزئي أم كُلّي، فإن حكَمت عليه بأنه جزئي استرحت، لا تقول: هذا جنس وهذا يحتمل، وتقع في إشكالات.
ثم بعد ذلك إذا أثبتَّ أنه كُلّي رجعت إلى هذه الضوابط: تُثبت أنه جنس أو فصل أو غيرها مما ذُكر؛ لأنه يأتي أن الحد التام لا يتألف إلا من جنس وفصل مثلاً، إذاً: لا بد أن تعرف ما هو الجنس؟ وما هو الفصل؟ وما فائدة الجنس؟ وعلى أي شيءٍ يصدُق الجنس؟ وإذا قيل: هذا جنس ما معناه؟ ولا إشكال فيه، هذا يُستعمل حتى في باب المعتَقد.
ولذلك المراد بالجنس: ما أفهم اشتراكاً.
حينئذٍ قول أهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان: أنه قولٌ واعتقاد وعملُ الجوارح، ما المراد بعمل الجوارح؟ قالوا: الجنس، ما المراد بالجنس؟ أن ثَم قدراً مشتركاً بين أعمال الظاهر، بعضُها هل هو مبهم أو معيَّن؟ هذا محل نزاع، إن أثبتنا الخلاف هو الذي يكون داخلاً في حد الإيمان.
стр. 194
حينئذٍ بعض أعمال الجوارح داخلة قطعاً، ما هو المعيَّن هذا؟ معيَّن أو غير معيَّن؟ هو شائع في الأركان الخمسة مثلاً، فلا بد أن يوجد ممن يدعي الإيمان يوجد منه إما صلاة وإما صيام وإما زكاة وإما حج، بعضهم حصرها في هذه الأركان الخمسة "أركان الإسلام" ﴿بُني الإسلام على خمس﴾ وهذا واضح، أن غيرَها لا يُبنى عليها.
فحينئذٍ يأتي السؤال: ما هو هذا البعض؟
دل الدليل الخارجي على أن البعض محصورٌ في الصلاة؛ لأنه بإجماع الصحابة .. محلُ إجماع، الخلاف هذا خلافٌ حادَث لا يُلتفَت إليه، وإن كان أكثر أهل العلم المتأخرين على أن الصلاة فيها خلاف ويحكون .. إلى آخره قال مالك .. قال، مع تقديرنا لأهل العلم واحترامنا وكذا إلا أن هذا الخلاف خلافٌ حادِث.
لأنك لو طبَّقت ما ذكره الأصوليون، ومما يدَّعيه كثير من الفقهاء الذين لا يُكفِّرون تارك الصلاة لوجدنا أن ضابطة إجماع ظُهُورُه في تكفير تارك الصلاة أظهر من ظهوره في أشياء أخرى ادعوا فيها الإجماع، ولذلك عشرات بل مئات المسائل قال به ابن عمر ولا يُعرَف له مخالف فقط، وهنا عندنا عشرة بل أكثر، صحَّت الأسانيد على أنهم نصوا على أن من لم يصل فهو كافر. بهذا التعبير.
بل قال عمر رضي الله تعالى عنه فيما صح عنه حتى البخاري يصحِّح يقول: لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة .. لا حظ له في الإسلام.
قال بعضهم: لا حظ كامل، هذا كذب على عمر رضي الله تعالى عنه، هذا ليس باجتهاد هذا كذب، لماذا؟ لأن هذه التأويلات ومعرفة ما يُنزَّل عليه النفي تُعَامل بها نصوص الوحيين، ليس في كلام عمر ولا أبي بكر؛ لأنه يحتمل، ما نقول: لازم الحق حق ..
هو في ذاته حقٌ أم لا؟ هذا محل نزاع، هل هو حُجة أم لا؟
لكن هنا نُقل عن عمرو بن العاص، ونُقِل عن عبد الله بن عمرو وابن عمر ومعاذ وغيرهم، وحكى ابن حزم إجماع الصحابة على ذلك.
فحينئذٍ نقول: هذا الجنس يدل على بعض، وهذا البعض معيّن وقد أجمع عليه الصحابة فيتعيّن، حينئذٍ قولٌ باللسان، اعتقادٌ بالقلب أو عملٌ بالقلب مع الصلاة.
بعضهم يُنكر "هذا الشاهد هنا" يقول: الجنس هذا ما قال به الصحابة، نحن لم ندخله في التعريف، يعني: حرِّك ذهنك قليلاً، الأمور ما تحتاج إلى غباء.
نقول: نحن ما أدخلناه في التعريف، هل شرحُ الصلاةِ توقيفي؟ هل شرح الإيمان توقيفي؟ هل شرح أعمال ما يكون في الآخرة توقيفي؟ لا. ليس توقيفي.
عندنا أصول نذكرها كما هي، ثم إذا أردنا أن نعبِّر فنعبِّر بما يوافق الشرع، ثم التعبيرات الألفاظ هذه لا يُشترط فيها التوقيف، قلنا جنس، قلنا بعض مبهم، قلنا شيء غير معيَّن. هذا أو ذاك لا إشكال فيه.
فالوقوف مع هذه المسألة أنَّ السلف لم يعبِّروا بالجنس، ثم ماذا يقولون؟ يقولون: شرط كمال، نقول: السلف ما قالوا شرط كمال.
هذا يقول شرط كمال! من أين جئتم بالجنس هذا؟ هذا من الأمور الدخيلة من المتكلمين، ثم يقول: شرط كمال! من قال: شرط كمال؟ تقلِب عليهم الدليل.
إذاً: القول بأنه جنس تفهَم ما المراد به، أنه قدرٌ مشترك موجود في الأمور الحياتية .. الإنسان مع غيره، في أمور العلم، في الشرعيات. لا إشكال فيه.
стр. 195
ثم قدرٌ مشترك موجودٌ ولا يُنكره إلا إنسان مكابر، عبَّرت عنه بالجنس أو بغيره لا إشكال فيه، ولذلك نقول: إجماع الصحابة على أن أعمال الجوارح داخلةٌ في مسمى الإيمان، والقول بأنه شرط كمال هذا قول المرجئة "مرجئة الفقهاء" وإلا ماذا أنكر السلف على أبي حنيفة؟ أنكروا عليه هذا.
ولذلك أبو حنيفة يرى أن أعمال القلوب داخلة عنده، وإلا صاروا من المرجئة الغلاة، وبالأمس كان واحد يقول لي: الإيمان هو التصديق، هذا ليس صحيح، كيف الإيمان هو التصديق؟ هذا رأي الجهم.
على كلٍ يُنظر فيها بهذه الاعتبارات، يعني: استعمالها لا إشكال فيه ولو في الشرعيات، وإنما وقع في التعريف .. الشُّبهة هنا يقول لك: السلف ما قال: جنس.
طيب. السلف ما قال: صفات ذاتية، وصفات معنوية، وصفات منفكة، وصفات لازمة .. ما قالوا هذا الكلام.
وإنما نأتي بهذه التعبيرات من أجل إيصال الحق فقط، وحينئذٍ نقول: لا يُشترط أن نعبِّر بما عبّر به السلف في الشرح.
وأما في ضبط الحقائق والتعاريف هنا إجماعٌ على هذه الصيغة.
قال رحمه الله تعالى: (وإنما كانت هذه التعريفات) ..
لما انتهى مما يتعلَّق بقضية تعريفات، قال: (وإنما كانت هذه التعريفات رسوماً للكُلِّيّات؛ لجواز أن يكون لها ماهيّات وراء تلك المفهوم).
يعني: محل الخلاف هنا: لماذا قلت: (وَيُرسَمُ) لماذا لم تقل: يُحدُّ؟
لأن الحد يتعلق بالذاتيات، والرسم يتعلق بشيءٍ خارج عن الذاتيات .. بالأثر.
هل قولك: (يُرسَمُ) فراراً عن كون هذه الكُلِّيّات لا تُحد أم لا؟ هذا محل النزاع.
هل لها حدود أم لا؟
هو وافق كثير من المناطقة يقول: يرسم، ويرسم .. إلى آخره.
إذاً: ما قلت: يُحد، لو كان يُحد بالذاتيات بالجنس والفصل، إذاً: الذي مر معنا ليس جنس وفصل، لا يقال: هذا جنس وهذا فصلٌ؛ لأن هذا حقيقة الحد وإنما قال: يُرسم يعني: كلها خواص أو فصول.
هنا قال العطار: هذا شروعٌ في توجيه قول المصنف كغيره من المناطقة في تعريف الكُلِّيّات: وَيُرسَمُ بكذا، أو الاعتذار عن ذلك.
التوجيه أو الاعتذار، إن أخطأ نعتذر، على القاعدة عندهم لا يمكن أن تقول: هذا أخطأ، لا بد أن توجِّه، الأَولى كذا .. إلى آخره، هذا نمَط لهم.
قال: أو الاعتذار عن ذلك، وتزييف هذا الاعتذار، فليس الإتيان بقيل للتضعيف بل للنقل.
(قيل: وإنما كانت هذه التعريفات) هل قيل هنا للنقل عن غيره أم للتضعيف؟
يقول: لا. ليس للتضعيف، بل هي للنقل، أراد أن ينقل عن غيره فعبَّر بقيل.
لأن هذا الكلام شهيرٌ بينهم في هذا المقام، بعد أن يذكروا هذه التعريفات يأتون بهذه المسألة: هل هذه التعريفات حدود أو رسوم؟
حينئذٍ قوله: قيل ليس تضعيفاً، إنما هو لبيان شيءٍ اشتهر عند المناطقة.
قال الإمام في الملخَّص "هو الذي وصفه بالإمام" قال الإمام في الملخَّص: اختلفوا في أن هذه التعريفات حدودٌ أو رسوم؟
والمشهور أنها رسوم.
فإنهم يقولون: الجنس يُرسَم بكذا، والنوع بكذا، لكن الحق أنها حدود ..
هذا قول الإمام، إذا قيل الإمام المراد به: الرازي.
لكن الحق أنها حدود؛ إذ لا ماهيّة للجنس وراء هذا القدر.
стр. 196
ليس له ماهيّة إلا هذا المذكور، لو قلت: هذا تعبير ثُم ثَمَّ شيءٌ آخر وراء هذا التعريف لقيل: ثَم مفهوم وثَم حقيقة .. ماهيّة. فهل يصدق المفهوم على هذه الحقيقة؟ نعم.
لكن هو يقول: لا. ليس عندنا الجنس إلا هذا المذكور، فحينئذٍ صار حداً، لو كان هذا المفهوم والمذكور عندنا مقول ٌعلى كثيرين، هذا المفهوم شيءٌ آخر غير الماهيّة، فحينئذٍ صح أن يقال: بأن هذا رسم وليس بحقيقة، لكن هو عينه. وإذا كان كذلك فهو حدٌ لا رسم.
يقول: (اختلفوا في أن هذه التعاريف حدود أو رسوم، والمشهور أنها رسوم.
فإنهم يقولون: الجنس يُرسم بكذا، والنوع بكذا.
لكن الحق أنها حدود؛ إذ لا ماهيّة للجنس وراء هذا القدر، ضرورةَ أنا لا نعني بكون الحيوان جنساً إلا كونَه مقَولاً على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو).
هذا هو المراد: كونَه جنس، عندما تقول: الحيوان جنس ما المراد بالجنس؟
ليس عندنا حقيقة إلا كونُه مقولاً على كثيرين .. إلى آخر التعريف.
إذاً: صارت هذه الحقائق هي المعنِيَّة في التعاريف، فصار حداً لا رسماً، لو قلنا رسم لادَّعينا ثَم ماهيّة ونختلِف فيها، أين هذه الماهيّة، ما حقيقتها؟
إذاً: صارت هذه الألفاظ كالاسم مع المسمى، فهذه التعاريف كلها كالاسم إذاً: أين المسمى؟ هذا يحتاج إلى بحث، وهذا لا وجود له وإنما عينُ الجنس كونُه مقولاً على كذا.
ولذلك قال: (ضرورةَ أنا لا نعني بكون الحيوان جنساً إلا كونه مقولاً على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو. واعترَضه الكاتبي) اعترض كلام الإمام هنا.
(واعترضه الكاتبي بأنا لا نسلِّم أنه لا ماهيّة للجنس وراء هذا القدر) يعني: هذا مفهوم، وثَم ماهيّة.
(لِم لا يجوز أن تكون المقولية الموصوفة بالصفات المذكورة عارضةً لمفهومٍ وراءها وهو الجنس؟) أين هو؟ هذا جوازٌ عقلي فقط، أما في الوجود فلا وجود له، هذا تجويزٌ عقليٌ فقط.
(وأجيب -بما ذكره الشارح هنا-: بأن الكُلِّيّات أمورٌ اعتبارية حُصِّلت -أو حصلت لا إشكال فيه- ووضعت أسماؤها بإزائها، فليس لها معانٍ وراء تلك المفهومات) ليس لها معنًى إلا هذا المفهوم.
(على أن عدم العلم بالحد لا يوجب الرسمية).
يعني: هذا تسليمٌ آخر، إذا ما علمت الحد وما عرفت أن تحد الجنس ولا النوع. لا يلزم منه أن يكون المذكور رسمي؛ لأنك إذا ما علمت تقول: ما أدري ما الحدُّ، يلزم له حدٌ لكن لا أدري ما هو.
نرجع إلى كلام المصنف قال: (وإنما قيل).
قلنا: (قيل) ليس للتضعيف وإنما للنقل؛ لشهرة الكلام في هذا الموضع.
(قيل: وإنما كانت هذه التعريفات) أي المتقدمة: للجنس والنوع والفصل والخاص والعرَض العام.
(رسوماً للكُلِّيّات) أي: كما صرَّح به المصنف في قوله: في جميعها ويُرسم. في الحاشية.
(للكُلِّيّات) يعني: الخمس، تنازَع فيه التعريفات ورسوماً.
(لجواز أن يكون لها ماهيّات) ماهيّات فاعل يكون، "لها" للكُلِّيّات .. الضمير يعود للكُلِّيّات.
(أن يكون ماهيّات) يعني: حقائق.
(لها وراء تلك المفهومات) المعاني التي ذكرها المصنف، جائز أو لا؟ قال: يجوز.
إذاً: الذي معنا التعريفات السابقة قال: يُرسم. هذه مفاهيم .. مدلُولات.
стр. 197
مدلولات لأي شيء؟ لحقائق وراء ذلك المفهوم. فنحن لم نذكر تلك الحقيقة والماهية "حقيقة الجنس" وإنما ذكَرنا مفهوماً يدُلنا على الجنس، فرقٌ بين المسألتين.
قال: (لجواز) إذا قيل: لجواز المراد به العقلي فقط، دائماً "يجوز ولجواز" عند الأصوليين والمناطقة قولاً واحداً.
فإذا استُعمل في الخارج يكون عنده خلل في الاستعمال، وإلا إذا قيل: يجوز ولجواز المراد به الجواز العقلي، لا يلزم أن يكون في الخارج.
ولأن بحث الكُلِّيّات إنما هو في العقلي، هذا وجهٌ آخر.
(لجواز أن يكون لها ماهيّات) "لها" الكُلِّيّات، ماهيات أي: حقائق.
(وراء) أي: غيرَ.
(تلك المفهومات) أي: المعاني التي فُهِمت من التعريفات، التي ذكرها المصنف.
(وراء تلك المفهومات التي ذكرناها) يعني: في التعريفات.
(ملزوماتٌ مساوياتٌ لها).
(ملزومات) هذا نعت لماهِيّات.
(لها) أي: المفهومات.
(ملزومات لها دفَعَ بهما ما يقال إذا كان لها ماهيّات وراء تلك المفهومات، فتعريفُها بتلك المفهومات فاسدٌ وليس حداً ولا رسماً).
وإنما دُفِع لكونه قال: ذُكِر اللازم، وإذا ذُكِر اللازم وله ملزومٌ حينئذٍ لا يقال بأنه فاسد؛ إذ ذِكْرُ اللازم يستلزم الملزوم، هذا العكس .. هذا هو الأصل.
ذكرُ اللازم يستلزم الملزوم.
إذاً: ذكَرَ اللازم فهو يدل على الملزوم.
(لجواز أن يكون لها ماهيَّات وراء تلك المفهومات) التي ذكرناها (ملزوماتٌ) هذا نعت مفهومات.
(مساوياتٌ لها) لأي شيء؟ أي: المفهومات.
إذاً: (قيل: وإنما كانت هذه التعريفات) يعني: المتقدمة.
(رسوماً للكُلِّيّات الخمس لجواز أن يكون لها ماهيّات) يعني: حقائق.
(وراء) يعني: غيرَ.
(تلك المفهومات) يعني: المعاني التي ذكرناها في التعريفات.
(ملزومات) هذا نعتٌ لماهيّات.
(مساوياتٌ لها) للمفهومات.
قال هنا: (دَفَع بهما) يعني: ملزوماتٌ مساوياتٌ لها (دَفع بهما ما يقال) إذا كان لها ماهيّات وراء تلك المفهومات إذاً: لا يكون حداً ولا رسماً، يكون هذا فاسد.
ما العلاقة بين المفهوم والحقيقة؟ لا علاقة بينهما.
هو يقول: لتكون هذه المفهومات ملزومات، حينئذٍ ذكر اللازم ذِكرٌ للملزوم.
إذاً: ثَم علاقة كلٌ منهما يلزم الآخر، فإذا ذُكرت المفهومات كأنه ذَكَر تلك الحقائق، فلذلك قال: (دفع بهما ما يقال إذا كان لها ماهيّات غير تلك المفهومات فتعريفُها بتلك المفهومات فاسدٌ) لا يكون حداً ولا رسماً، لكنه قال: ملزوماتٌ مساوياتٌ لها.
فحيث لم تتحقق الماهيّات أطلق -يعني: المصنف- على تلك المفهومات الرسوم. هذا فاسد.
قال العلامة الرازي: وهذا بمَعْزلٍ.
"وهذا" أي: القيل.
"بمعزلٍ" أي: مكانٍ منعزل.
"عن التحقيق" على ما ذكره فيما سبق عن الإمام الرازي الذي ذكره العطار.
قال العلامة الرازي: وهذا بمعزلٍ عن التحقيق.
هناك قال: الإمام وهنا قال: العلّامة.
(لأن الكُلِّيّات) وهذا الجواب الصحيح (أمورٌ اعتبارية).
يعني: اعتبرها الذهن.
(حُصِّلت مفهوماتُها) يعني: ماهيّات تلك الماهيّات هي الكُلِّيّات، على ما ذكرها الشارح هنا.
(حُصِّلت) أي: اعتُبرت.
(مفهوماتها) أي: ماهيّاتٌ هي الكُلِّيّات.
إذا: لا فرق بين المفهوم والحقيقة هنا.
стр. 198
فالمفهوم: الذي اعتُبر في حد الجنس والنوع والخاصة هو عينُه الحقيقة، ليس عندنا مفهوم وعندنا حقيقة مغايرة، بل المفهوم هو عينُه، وإنما هي أمور اعتبارية اعتبرها المناطقة.
(أمورٌ اعتبارية حُصِّلت) يعني: اعتُبرت.
(مفهوماتُها) يعني: ماهيّاتٌ هي الكُلِّيّات -كما قال المحشّي هنا بإضافته للبيان- (ووضعت أسماؤها) الجنس والنوع .. إلى آخره (بإزائها) يعني: مقابل تلك المفهومات المحصَّلة.
(فليس لها) يعني: أسماء الكُلِّيّات.
(معان غيرُ تلك المفهومات، فتكون هي حدوداً) وهذا هو الصحيح أنها حدود، وإلا ليس عندنا ماهيّة إلا كونُها تقال على كثيرين.
قال هنا: (حُصِّلت مفهوماتُها).
قال العطار: يعني: أن الواضع حصَّل مفهوماتِها ثم وضَعَ الأسماء بإزائها.
على ما قيل في لفظ السماء وزيد .. إلى آخره، والمعنى واحد.
كما تقول: زيدٌ وضع لمسماه الذات المشخَّصة، هنا الجنس وضع لمسماه وهو مقُول على كثيرين لا فرق بينهما.
فلم يوضَع لشيءٍ ثُم ثَم شيءٌ آخر وراء ذلك وهو حقيقة لا، ليس هذا مراداً.
(فتكون هي حدوداً على أن عدم العِلم) هذا إشارة إلى اعتراضٍ آخر ..
إشارة إلى اعتراضٍ آخر هو: أن عدم العلم بأنها حدود لا ينتج الرسمية، وإنما يُنتج العلم بعدم الحدِّية.
(على أن عدم العلم بأنها حدٌ لا يوجب العلم بأنها رسوم، فكان المناسب ذكرُ التعريف الذي هو أعم).
يعني: يقول: ويُعرَّف بكذا، ولو قال: يُحدُّ لكان أدَق؛ لأن البحث هل هو حدٌ أو رسمٌ؟ والتعريف هذا يعُم الحد والرسم، فحينئذٍ رجعنا إلى البداية، فقوله: (فكان المناسب ذكرُ التعريف الذي هو أعم) هذا إذا أراد أن يسلَم من الاعتراض، فلا يُدرَى هل قوله: يُعرَّف بكذا هل هو حدٌ أو رسمٌ؟ لكن إذا صحَّحنا أنه حدٌ فالأصل أن يقال: يُحدُّ بكذا.
قال: (واعلم أن غرَض المنْطِقي) يعني: مقصودُه.
والمنطقي أي: بوضعِ علم المنْطِق وتدوينه.
(معرفةُ ما يوصِل إلى التصور) المجهول أو المعلوم؟ المجهول، لو قيَّده كان أجود.
(معرفةُ ما يوصل إلى التصور وهو: الْقَوْلُ الشَّارِحُ).
(ما يُوصل) يعني: الذي يوصلُ (إلى التصور وهو: الْقَوْلُ الشَّارِحُ).
(أو إلى التصديق) يعني: التصديق المجهول يعني: ما يوصل إلى التصديق المجهول (وهو الحُجة).
(ولكلٍ منهما) يعني: القول الشارح، والحجة.
(مقدَّمةٌ) أي: شيءٌ يتقدَّم عليه تمهيدٌ له، ومقدِّمة القول الشارح الكُلِّيّات الخمس، تسمى مبادئ .. تصورات.
ومقاصد التصورات هي المعرِّفات .. القول الشارح.
ومقدمة الحُجة القضايا، الحجة يعنُون به القياس، وبعضهم يقول: البرهان .. مقدمتُها القضايا.
ولذلك حُصِر فن المنْطِق في هذه الأبحاث الأربعة: باب الكُلِّيّات الخمس وما يتعلق بها من مقدماتها؛ لأنها مبادئ تصوُّرات، ثم يتلوها باب المعرِّفات لأنها مقاصد التصورات.
هذان بابان يتعلقان بالقسم الذي هو علم تصوُّر، ثم القسم الثاني علم تصديق له مبادئ وهي القضايا، وأنواعها وما يتعلق بها: التناقض والقياس .. إلى آخره.
ثم المقاصد "مقاصد التصديقات" وهي الحجة.
فهي أربعة أبواب؛ لأن العِلم محصورٌ في تصدِيق أو تصوُّر، وكلٌ منهما له مبادئ وله مقاصد.
стр. 199
قال هنا: (واعلم أن غرض المنْطِقي معرفةُ ما يوصل إلى التصور وهو: الْقَوْلُ الشَّارِحُ، أو إلى التصديق وهو الحُجة، ولكلٍ منهما مقدِّمة.
ولما فرغ من مقدمة الأول) يعني: القول الشارح الذي هو الكُلِّيّات الخمس.
(أخذ في بيانه) يعني: بيان القول الشارح.
فقال: (الْقَوْلُ الشَّارِحُ).
قوله: (مقدِّمة).
قال العطار: لفظ المقدِّمة يستعمله أرباب التدوين في مقدِّمة العلم ومقدِّمة الكتاب.
وإنما الذي شاع هنا أن يقال: مبادئ، هذا الشائع عند المناطقة، لا يُعبِّرون بالمقدمة، وإنما يقولون: مقدمة علم ومقدمة كتاب.
مقدمة العلم التي هي المبادئ العشرة، مقدمة كتاب الأمور الثمانية: أربع واجبة وأربع مستحبة.
وليس شيئاً من هذين المعنيين هنا. لا مقدِّمة الكتاب ولا العِلم.
إلا أن الشارح أطلق على كلٍ من هذين المعنيين لفظ مقدمة؛ لتحقق معنى التقدم فيهما، واستحقاقِهما له فإن الكُلِّيّات الخمس أجزاءٌ للقول الشارح، ولا شك أن الجزء مقدمٌ على الكل.
والجزء مقدمٌ على الكل طبعاً فقُدِّم وضعاً، وكذلك القضايا أجزاء الحجة، والجزء مقدمٌ على الكل طبعاً فقُدِّم وضعاً.
وغير الشارح يُعبِّر عن كلٍ منهما بالمبادئ؛ لكونهما في مقابلة المقاصد. وهو كذلك.
وليست هي مبادئ حقيقية؛ إذ مبادئ العلم خارجة عن العِلم وهي المسائل.
يعني: من باب الاصطلاح، المنازعة هنا في اصطلاحٍ وإلا أرادوا بالمبادئ ما يكون جزءاً منها، وإذا كان كذلك فلا اعتراض.
لكن هو يقول: مبادئ العلم المسائل الخارجة عنه وليست داخلة في العلم، فلو عبَّر بالمبادئ قد يوهم أنها ليست داخلة في علم التصور وليس الأمر كذلك، بل هي داخلة.
قال هنا: (وغير الشارح يعبّر عن كل منهما بالمبادئ؛ لكونهما في مقابلة المقاصد، وليست هي مبادئ حقيقية؛ إذ مبادئ العِلم خارجة عن العِلم وهي المسائل.
وكان الشارح استسهل إطلاق لفظ مقدِّمة عليها) يجوز اللفظان: مقدِّمة ومقدَّمة.
(لفظ مقدِّمة عليها عن إطلاق لفظ المبادئ لإيهامها خروجَهما عن العِلم).
هذا من باب الاعتذار فقط، وإلا الأصل أن يقول: مبادئ وهو أولى، ويراد به أنه جزءٌ من العِلم لا خارجٌ عن العلم.
وأما إذا قيل: مبادئ العلم -إنَّ مبادئ كل فنٍ عشرة- خارجةٌ عن العلم، هذا بقرينة السياق وبقرينة الكلام أنها سابقة عن العلم تُبيِّن معنى الحد والموضوع والفائدة والثمرة، فإذا أُطلق في أثناء الكتاب هنا -مبادئ- لا يُتصور أنها خارجةٌ كما أن الحد والموضوع خارجة، بل هي جزءٌ منها، فلا اعتراض على ما اشتَهر وشاع عند المناطقة.
قال: (الْقَوْلُ الشَّارِحُ).
وهذا نريد أن يكون الحديث متصلاً به، نقف على هذا والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 200
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْقَوْلُ الشَّارِحُ).
ولذلك قدَّم له المصنف هنا بقوله: (واعلم أن غرض المنْطِقي معرفة ما يوصل إلى التصور وهو القول الشارح، أو للتصديق وهو الحُجة، ولكلٍ منهما مقدِّمةٌ.
ولما فرغ من مقدمة الأول أخذ في بيانه فقال .. ).
كما عرفنا فيما سبق أن العِلم نوعان: عِلم تصوُّر، وعِلم تصديق.
والتصور له مبادئ وله مقاصد، مبادئه: الكُلِّيّات الخمس، وقد انتهينا منها. ومقاصده: المعرِّفات أو التعريفات أو القول الشارح.
وكذلك الشأن في العِلم الثاني "علم التصديق" له مبادئ وله مقاصد.
مبادئه: القضايا وأحكامُها، ومقاصدُه: القياس أو الحُجة أو البرهان.
قال هنا: (لما فرغ من مقدمة الأول) يعني: القول الشارح الذي هو علم التصور (أخذ في بيانه فقال: القول الشارح).
(الْقَوْلُ الشَّارِحُ) أي: هذا بابُ بيان أقسام القول الشارح، فهو عنوان أو ترجمة.
(الْقَوْلُ الشَّارِحُ) ويرادفُه المعرِّف بكسر الراء، المعرِّف والقول الشارح مرادفٌ له.
وقوله: (الْقَوْلُ الشَّارِحُ) هذا مركَّب توصيفي.
(الْقَوْلُ) يُطلق على الملفوظ والمعقول. يعني: المعقولات تُطلَق عليها أنها قول، كذلك الملفوظات، الملفوظات واضح وهو بحثٌ لغوي.
وعند المناطقة يُطلق على المعقول أنه لفظ.
(ولا بد أن يكون مركَّباً).
(الْقَوْلُ الشَّارِحُ) القول لا بد أن يكون مركباً.
(لأنهم) يعني: المناطقة.
(رفضوا التعريف بالمفرد، بل قيل: إنه غير صحيح.
وذكر السيد تبعاً للقُطب أن الحق هو: أن التعريف بالمعاني المفردة جائزٌ عقلاً، إلا أنه لما لم ينضبط انضباط التعريف بالمعاني المركبة ولم يكن أيضاً للصناعة فيه مدخلٌ لم يلتفتوا إليه).
قال: (وهذا هو تحقيق ما نُقِل عن ابن سينا) يعني مَنْعه التعريف بالمفرد.
إذاً: التعريف بالمعاني المركَّبة هذا هو الأصل، والعملُ على هذا.
أما هل يُعرَّف بالمعاني المفردة؟ فهذا من حيث الجواز العقلي هو الذي وقع فيه، منهم من أثبت ومنهم من نفى، لكن هل يقع في الخارج لكونه لا ينضبط كانضباط القول المركَّب؟ حينئذٍ لا يُلتَفت إليه، وإنما يُلتفت إلى المعاني المركبة.
إذاً: (الْقَوْلُ) المراد به المركَّب سواء كان القول يُطلق ويراد به الملفوظ أو المعقول.
حينئذٍ مركَّبٌ ملفوظ ومركَّبٌ معقول، صارت القسمة ثنائية: مركَّب معقول ومركَّب ملفوظ.
(الْقَوْلُ الشَّارِحُ) الشارح هذا نعتٌ له، إذا جعلناه على ظاهره.
قال: (الشَّارِحُ) (سُمّي به لشرْحِه الماهيّة).
هكذا في نسخة: (سُمّي به لشرحه الماهيّة).
(وفي نسخة) وهي التي عليها الحاشية هنا الظاهر: (سُمّي شارحاً لشرحِه الماهيّة).
على هذه النسخة (سُمّي شارحاً لشرحه الماهيّة) لا اعتراض؛ لأن هذا التعليل لا لكونه قولاً وإنما لكونه شارحاً.
стр. 201
عندنا مركَّب توصيفي (الْقَوْلُ الشَّارِحُ) قوله: (سُمّي به) الضمير يعود إلى أي شيء؟ هذا محل الإشكال.
هل المراد (سُمّي به) يعني: بـ (الْقَوْل الشَّارِحُ) أو أنه للمقيِّد أو القيد الذي هو الشارح؟ لا شك أنه للثاني ليس للأول.
يعني: سُمّي به يعني: بالشارح لا بالقول، ولذلك الحاشية عندكم على النسخة الثانية (سُمّي شارحاً لشرحه الماهيّة) هذا لا اعتراض .. لا إشكال فيه واضح. يعني: التعليل إنما هو وقع للقيد الثاني لا للموصوف.
(في نسخةٍ سُمّي شارحاً لشرحه الماهيّة) فلا اعتراض؛ لأنه ظاهر وهو واضحٌ بيِّن.
لأن ظاهر قوله في هذه النسخة: أن ذلك عِلَّة لمجموع قوله: الْقَوْلُ الشَّارِحُ.
(سُمّي به) يعني: بالقول الشارح، هذا ظاهرُه.
لأن ظاهر قوله في هذه النسخة -لشرحه الماهيّة-: أن ذلك عِلَّة لمجموع قوله: الْقَوْلُ الشَّارِحُ. وليس كذلك بل لقوله: الشَّارِح فقط.
ويمكن أن يقال -على تسليم صحة هذه النسخة-: إنه تفسيرٌ لقوله: الشَّارِحُ. فقط أيضاً فتوافقت النسختان.
لأن القول يُطلق على المركَّب الملفوظ والمعقول، فشهرتُه في الاصطلاح تُغني عن ذكره.
يعني: لا يحتاج أن يبيّن لنا القول لأنه مشهور، اشتهر في اصطلاح المناطقة مما لا يحتاج إلى ذِكْر أن القول إنما يُستعمل في المركَّب المعقول والملفوظ.
إذاً: الذي يحتاج إلى بيان وإيضاح هو قوله: (الشَّارِحُ) وأما (الْقَوْلُ) فلا يحتاج إلى بيان.
ولذلك قيل: (سُمّي به) يعني: الشارح، طيب الضمير يحتمل أنه يعود إلى القول الشارح نقول: لا. ليس مراداً القول؛ لأنه لا يحتاج إلى إيضاح، بل اشتهر عندهم أن المراد به القول المعقول أو الملفوظ.
إذاً: قولُه سُمي به أي: الشارح.
(سُمّي به لشرحه الماهيّة بتبيينها ولو في الجملة) والشرح هو الإيضاح كما مر معنا في أول الكتاب: هذا شرحٌ لطيف.
الشرح هو الإيضاح والكشف.
(بتبيينها ولو في الجملة، أو تمييزها) فشمِل الحد تاماً وناقصاً، والرسم كذلك، وسُمِّي قولاً لتركيبه والقول عند المناطقة هو المركَّب، زاد بعضهم: تركيباً تاماً. وهذا سيأتي أن فيه خلافاً: هل القول يدخل تحته التركيب الناقص أو لا؟ الشارح عمَّم كما سيأتي.
إذاً: (سُمِّي به) أي: بالشارح (لشرحِه الماهيّة) لشرحه وكشفه وإيضاحه الماهيّة يعني: ماهيّة الشيء المعرَّف ولو في الجملة أو تمييزها.
وحينئذٍ دخل: الحد التام، والحد الناقص، والرسم التام، والرسم الناقص.
يعني: شمِل أنواع التعريف الأربعة.
قال: (ويقال له) يعني: يُسمَّى (التعريف).
أصله مصدر عرَّف المضاعف أي: التبيين، نُقِل إلى المعرِّف بالكسر لعلاقة التعلُّق الاشتقاقي والمناسب زيادة أيضاً والمعرِّف.
يعني: يقال له القول الشارح، والمعرِّف، والتعريف. كلها أسماء والمسمى واحد.
(الْقَوْلُ الشَّارِحُ) وهذا اصطلاح المناطقة.
والتعريف والمعرِّف. هذا قد يشترك معهم غيرهم.
قال: (ومعرِّف الشيء) أراد أن يبيّن لنا حقيقة القول الشارح.
(ومعرِّف الشيء: ما تستلزم معرفتُه معرفتَه).
معرِّف الشيء بالكسر، معرِّف اسم فاعل، إضافته لامية يعني: معرِّفٌ للشيء.
إضافة لامية على معنى اللام يعني، معرِّفٌ للشيء أي: ماهيتِه وحقيقته. والشيء المراد به: الماهيّة.
стр. 202
معرِّف الشيء يعني: الكاشف للماهية والحقيقة، المراد به المعرَّف.
قال: (ما تستلزم معرفتُه معرفتَه) معرفتُه بالرفع على أنه فاعل، ومعرفتَه بالنصب على أنه مفعولٌ به.
قال العطار: لفظ المعرفة يُطلق على أمرين: أحدها: اتضاح أمرٍ للعقل بعد أن كان مجهولاً له.
لفظ المعرفة كثير في الاصطلاحات يفرِّقون بينها وبين العلم، وإن كان المعنى اللغوي الظاهر التساوي بينهما "اتحاد اللفظين" العلم بمعنى المعرفة والمعرفة بمعنى العلم.
على كلٍ هنا قال: تُطلق، وقد يقال بأنه استعمالٌ لغوي في بعض المواضع، وقد يقال بأنه اصطلاح في بعض الفنون، ولا مشاحة في الاصطلاح.
خاصة إذا جُعل للعلم معنًى خاصاً يعني: اصطلاحاً، حينئذٍ لا مانع أن يقال بأن ثم معنى يتعلق به بالمعرفة وهو اصطلاحٌ كذلك.
قال: لفظ المعرفة يُطلق على أمرين: أحدِهما: اتضاح أمرٍ للعقل بعد أن كان مجهولاً له. وهذا أشبه ما يكون بالإدراك، أدرك المعنى فاتضح له، سواء كان المعنى مفرداً أو كان المعنى مركباً.
الثاني: خطور أمرٍ للعقل. يعني: خَطَر، وقد يكون عن غفلة أو سهوٍ فخطر يسمى معرفة.
إذاً: ما يزال به الجهل واتضاح الأمر بعد أن كان مجهولاً يسمى معرفة، إذا كان ثم غفلة أو سهوٌ وحصل خُطور للمفرد أو المركب بالبال يسمى معرفة .. يُطلق ويراد به هذا المعنى ويُطلق ويراد به المعنى الثاني.
قال: ولفظ المعرفة وقع في التعريف ثلاث مرت: معرِّف الشيء، معرفتُه، معرفتَه. ثلاث مرات وقع لفظ المعرفة.
ولفظ المعرفة وقع في التعريف ثلاث مرت: أحدُها: قوله: المعرِّف فإنه مشتقٌ من لفظ المعرفة.
الثاني والثالث: قوله: ما تستلزم معرفتُه معرفتَه. هذه ثلاث مواضع.
إذاً: وعندنا المعرفة بمعنيين، ما المراد؟ معرِّف الشيء، معرفتُه، معرفتَه .. ما المراد؟ هل المراد التحصيل، أو اتضاح الشيء بعد أن كان مجهولاً؟ هل المراد خطور الشيء بالبال؟
قال: فالمعرِّف أولاً -معرِّف الشيء- بمعنى المحصِّلِ لما كان مجهولاً عند العقل. هذا واضح من كونه باسم الفاعل معرِّف، إذاً: محصِّل.
محصِّل لأي شيء؟ لما كان مجهولاً عند العقل.
والثاني -الذي هو الفاعل .. معرفتُه- بمعنى الخطور بالبال. خَطَر بالبال.
والثالث بالمعنى الأول: الذي هو: اتضاح أمرٍ للعقل بعد أن كان مجهولاً له، لماذا؟ لأن الثاني هو النتيجة .. معرِّف الشيء: ما تستلزم معرفتُه معرفتَه، معرفتَه هذا المفعول به لا بد أن يكون منكشِفاً ومتضحاً بعد أن كان مجهولاً.
إذاً: لئلا يلزم الدور، حينئذٍ لا بد أن نجعل معرفتُه الذي هو فاعل بمعنًى مغاير، وإلا الشيء لا يُحصِّل نفْسَه، وإلا كيف يكون ضرب زيدٌ زيداً؟ هل يصح هو الضارب نفسه ضرب زيدٌ زيداً؟ لا يصح، كيف معرفتُه معرفتَه؟ إذاً: لا بد أن نفْصِل.
فنجعل معرفتُه -التي هي الفاعل- بمعنى الخطور بالبال، ومعرفتَه -التي هي المفعول به- بمعنى اتضاح الشيء بعد أن كان مجهولاً.
والمعرِّف بمعنى المحصِّل ولا إشكال، إذاً: لا اعتراض.
(فالمعرِّف إذا ذُكر للسامع كان مقصوداً منه: أن هذه الأجزاء اشتمل عليها المعرِّف، وكانت معلومة عند السامع تُذكر لتخطُر بباله، ويؤتى بها محمولة على المعرَّف فيحصل له بسبب ذلك ما كان مجهولاً عنده).
стр. 203
لأنه يقول: ما الإنسان؟ حيوانٌ ناطق.
بالنسبة للسامع ما الذي يجهله من هذا التركيب؟
أنا سألتكم: ما الإنسان؟
قلتم: حيوانٌ ناطق.
هل أنا أجهل حيوان ناطق؟ لا. وإلا ما حصل التعريف، أنت تأتي بكلمات معلومة عندي أنا السائل.
إذاً: الذي وقع عنه السؤال وقع جهلي به هو معنى مفردة الإنسان، فسألتُ: ما الإنسان؟ حينئذٍ تأتي بالتعريف أنت فتقول: حيوانٌ ناطق. إذاً: لما قلت: حيوان ناطق حصل عندي انكشاف بسبب هذه المعلومات التي هي مستقرة عندي، وهذا الذي يُعنى به، ولذلك قال: (فالمعرِّف) حيوانٌ ناطق (إذا ذُكر للسامع كان مقصوداً منه: أن هذه الأجزاء) حيوان ناطق (اشتمل عليها المعرِّف، وكانت معلومة عند السامع) لا بد أن تكون معلومة، وإلا لا يُرفع المجهول بالمجهول. الإنسان مجهولٌ عندي فتأتي بلفظٍ مجهول حيوان وأنا لا أدري معنى حيوان، وحينئذٍ يلزم أسألك؟
ما الإنسان؟ حيوانٌ ناطق، طيب ما الحيوان الناطق؟ فتأتي بكلمات، إذاً: مجهولة عندي ونبدأ إلى الصباح، لا بد أن يكون اللفظ الذي يقع جواباً في المعرِّفات أن يكون معلوماً عند السامع فيحصل به الانكشاف.
ولذلك قال العطار: (فالمعرِّف إذا ذُكر للسامع كان مقصوداً منه: أن هذه الأجزاء) حيوان ناطق مثلاً (اشتمل عليها المعرِّف، وكانت معلومة عند السامع تُذكَر لتخطرَ بباله) لأنها ستُحرِّك ما عنده، لا بد أن يصل بالمعلوم عنده إلى المجهول فتنتهي المسألة.
قال: (ويؤتى بها محمولة على المعرَّف).
الإنسان حيوانٌ ناطق، فجئت بالحيوان الناطق، المعلوم عند السامع جعلتَه محمولاً على المعرَّف الذي هو الإنسان، لا بد من هذه النسبة، وإلا ما يحصل عند السامع الانتباه إلى أن ثم ارتباط بين المعرِّف والمعرَّف.
قال: (ويؤتى بها محمولةً على المعرَّف فيحصل له بسبب ذلك ما كان مجهولاً عنده، وهو كونُ تلك المعقولات التي كانت معلومةً عنده، وأُخطِرت الآن بباله جملتُها هي: حقيقةُ المعرَّف).
فيعرف معنى الحيوان ويعرف معنى الناطق، وقد يُدرِك النسبة بينهما، لكن لا يدري أن هذه حقيقة الإنسان، فالمعرِّف يجعل عنده شِبْه انتقال وترتيب فقط، وإلا لا يأتي بشيءٍ جديد خارج عنه إلا إذا احتاج إلى تفسير لفظٍ فحينئذٍ يكون خارجاً عن الحد.
وإلا إذا قال له: حيوانٌ ناطق كأنه قال له: انتبه! كلمة حيوان معلومة عندك، وكون ناطق معلومة عندك، لكن أنت اربط بينهما واجعل بينهما نسبة، واجعلها محمولاً "يعني: محكوماً به" على الذي عندك –المجهول- فينكشف الحال، وهذا المراد بالتعريف.
(فيحصل له بسبب ذلك ما كان مجهولاً عنده، وهو كون تلك المعقولات التي كانت معلومة عنده، وأُخطرت الآن بباله جملتُها هي: حقيقة المعرَّف التي كانت مجهولة عنده، هذا هو معنى كلامه) هكذا قال العطار وهو واضحٌ بيّن.
قال: (ومعرِّف الشيء ما تستلزم معرفتُه معرفتَه) معرفتُه أي: المعرِّف بالكسر، معرفتَه أي: الشيء المعرَّف بالفتح.
قال: (فلفظ ما جنس واقعٌ على قولٍ أو أمرٍ).
وقوله: (تستلزم .. إلى آخره، فصلٌ لتحقيق ماهيّة المعرِّف وإخراج غيره).
بقي إشكال: "ما تستلزم معرفتُه معرفتَه" هل هذا الحد يشمل الحد الناقص والرسم بنوعيه أو لا؟
стр. 204
قال المحشي: (بُحث فيه) يعني: في هذا التعريف.
هل المراد بالمعرفة بالكُنْه أو بوجهٍ ما؟
بالكُنه يعني: بالحقيقة على الوجه التام، إذا قيل: على الوجه التام فحينئذٍ يُحمَل التعريف على الحد التام؛ لأنه هو الذي يكون بالذاتيات، وما عداه الذي هو الرسم وغيرُه، وقد يكون كذلك الحد الناقص يكون خرج، إن قلنا بوجهٍ ما يعني: معرفةٍ ما ولو ببعض الذاتيات، فيدخل فيها من بابٍ أولى جميعُ الذاتيات.
هل المراد بالمعرفة من كل وجه؟ أقصاها وهي التي تحصل بالذاتيات، فيكون الحد هنا خاصاً بالحد التام، أو المعرفة بوجهٍ ما؟ هذا محل النزاع.
(وبُحث فيه بأنه إن أُريد بالمعرفة بالكنه) يعني: بالحقيقة، وهذه إنما تكون بالذاتيات يعني: حد التام.
(لم يشمل الرسم) بالذاتيات على كلامه (لم يشمل الرسم) يعني: بالذاتيات ولو ببعضها.
(وإن أُريد المعرفة بوجهٍ ما لم يشمل الحد) خرجت يعني.
(فالمناسب زيادة) على ما اشتهر عند صاحب الشمسية وغيره.
(أو امتيازه) يعني: تمييزه عن غيره؛ لأن الرسم لا يحصل به تمييز الحقيقة؛ لأنه لا يكون بالذاتيات .. الرسم لا يكون بالذاتيات، وإنما الحد هو الذي يكون بالذاتيات.
"تامة" فالحد التام، أو بعضها فالحد الناقص.
إذاً: ما عداه الذي يكون بالعرَضيات هذا هو الرسم، حينئذٍ لا يحصل به.
ولذلك قال: (أو امتيازُه) يعني: تمييزه عن غيره.
كما يقال: ما الإنسان؟ يقال: الضاحك، الضاحك هذا ليس داخلاً في مفهوم الإنسان، وإنما هو خاصة له يعني: عرَض، ومر معنا أنه عرضٌ خاص يعني: خاصةٌ أو لازمة.
فحينئذٍ نقول: الضاحك هذا ليس داخلاً في الماهيّة؛ لأن ماهيّة الإنسان مؤلَّفة من جزأين اثنين فقط: حيوان، ناطق.
والضاحك هذا منفكٌ عنه، والمراد بالضحك هنا الضحك بالقوة.
فحينئذٍ هل هذا داخلٌ في الحد: معرفتُه معرفتَه؟ الظاهر لا. ولا بد من إدخاله، فنقول: (أو امتيازُه).
إلا إذا حملنا "معرفتُه معرفتَه" ولو بوجهٍ ما، حينئذٍ دخل ما يحصل به التمييز، وعلى هذا المعنى حمله العطار قال: لا نحتاج إلى امتيازه.
إذاً: هل الزيادة نحتاجها أو لا؟ مبنيٌ على تفسير المعرفة، هل المراد بالمعرفة بالكُنه بالحقيقة الواقعة بالذاتيات؟ فيشمل الحد بنوعيه على ظاهر كلام المحشي: التام والناقص، أو المراد بالمعرفة ولو بوجهٍ ما؟ فلا يُشترط حينئذٍ أن يكون بالذاتيات بل ولو بالعرضيات. هذا محل نزاع والأمر واضح بيّن.
قال: (فالمناسب زيادة: أو امتيازُه.
فالحد التام تستلزم معرفتُه المعرفة، والحد الناقص والرسم مطلقاً تستلزم معرفتُه التميُّز) فحينئذٍ يمتاز أو يتميّز بالآثار والعرَضيات التي تكون مميزةً له، وأما الذاتيات فلا.
قال هنا في الشمسية في تعريف المعرِّف: (معرِّف الشيء ما تستلزم معرفتُه معرفتَه أو امتيازَهُ) بالنصب، أو امتيازَهُ يعني: ما تستلزم معرفتُه امتيازَه.
(أو امتيازَهُ عن كل ما عداه).
وفي شرحها للقطب (إنما قلنا: أو امتيازه إلى آخره ليتناول الحد الناقص) بخلاف أول كلام المحشي (ليتناول الحد الناقص والرسم).
لأنه إذا قيل: "معرفتُه معرفتَه" حُمل على الكمال وهو أن يقع بالذتيات على جهة الكمال، فلا يكون كذلك إلا في الحد التام.
стр. 205
(ليتناول الحد الناقص والرسم، فإن تصوراتها لا تستلزم تصور حقيقة الشيء دون امتيازه عن جميع أغياره).
إذاً: معرِّف الشيء ما تستلزم معرفتُه معرفتَه.
قال هنا العطار: (ويرِد على هذا التعريف أمور:
الأول: أن لفظ المعرفة إن كان حقيقة فيهما، لزم اشتمالُ التعريف على المشترَك) يعني: في المعنيين السابقين، قلنا: يأتي بمعنى الإيضاح وبمعنى خطور البال.
حملنا الأول على الأول والثاني على الثاني، أو حملنا الأول على الثاني والثاني على الأول.
الأول: هو اتضاح الشيء بعد أن كان مجهولاً عنده، وهذا فسَّرنا به المفعول به: معرفتَه.
أو المعنى الثاني: خطور الشيء بالبال عن غفلة أو سهو.
حينئذٍ حملنا المعنى الأول -معرفتُه الذي هو الفاعل- عليه. إذاً: المعرفة تُستعمل بهذين المعنيين، هل هو مشترَك لفظي أو أنه حقيقةٌ في النوع الأول ويكون مجازاً في الثاني أو بالعكس؟ ويلزم منه ماذا؟
وقوعُ المشترَك اللفظي في التعريف، وهو ممنوعٌ عند الجماهير.
والثاني: استعمالُ المجاز في التعريف، وهو ممنوعٌ عند الجماهير. إذاً وقعنا في إشكال، هذا أو ذاك.
الأول: أن لفظ المعرفة إن كان حقيقة فيهما "المعنيين السابقين" لزم اشتمال التعريف على المشترك وهو ممنوع، أو حقيقة ومجاز لزم دخول المجاز في التعريف وهو ممنوع.
وإن كان الصواب ما ذهب إليه الغزالي -أبو حامد-: أنه يجوز دخول المجاز في التعريف، لكن إذا وُجدت قرينة ظاهرة واضحة بيّنة، وكذلك المشترَك يجوز دخوله في التعريف لكن بشرط: أن يكون ثَم قرينة، فكل ما وُجدت فيه قرينة جاز؛ لأنه مُنِع من المشترك، ومُنع من المجاز لئلا يرد الوهم بأن غير المحدود –مثلاً- يكون داخلاً في الحد.
فإذا أمكن دَفْعُه بلفظٍ، بوصفٌ، بقرينة حينئذٍ لا إشكال فيه، فيستعمل اللفظ المشترك لكن بقرينة، ويُستعمل المجاز لكن بقرينة.
قال هنا: (فأُجيب عنه) يعني: أجاب بعضهم .. لا يرتضيه العطار.
أجاب بعضهم (بأنا نختار الثاني) أنه مجاز لا مشترَك.
(وقرينة المجاز) أين القرينة؟
قال: (قرينة معنوية، وهي امتناع تعريف المجهول بالمجهول).
هذه قرينة ليست ظاهرة "خفية" ولا يُعدل إلى القرائن الخفية، لا بد تكون قرينة واضحة بيّنة ظاهرة، كل من يقرأ التعريف يقف على القرينة، فإذا كان كذلك فحينئذٍ لا يُستعمل المجاز.
إذاً القول بأنا نختار الثاني وهو أنه مجاز، فأين القرينة؟ قالوا: معنوية ليست لفظية، ما هي هذه القرينة؟
قال: (امتناع تعريف المجهول بالمجهول).
صحيح يمتنع تعريف المجهول بالمجهول، ولذلك قلت لكم: إذا كان يجهل معنى الحيوان الناطق فلا يمكن أن يرفع به جهله بالإنسان، لا بد أن يكون معلوماً، هذا حق.
لكن كيف نصل إلى هذه القرينة؟ هذه القرينة بعيدة.
قال: (وهذا الجواب ضعيف؛ لأن هذه القرينة خفيّة، فالأحسن الجواب بمنع الاشتراك والحقيقة والمجاز).
لا نقول: مشترَك، ولا نقول: حقيقة ولا مجاز، وإنما نقول: هو من قبيل المتواطئ.
стр. 206
فيُستعمل في معنييه؛ لأنك لو تأملت التفرقة بين المعنيين هذه تفرقة اعتبارية، خطُورُهُ بالبال بعد أن لم يكن، إذاً: حصل فيه انكشاف، وإن كان في الأول رَفعَ به جهلاً، والثاني لم يرفع به جهلاً وإنما كشف الغفلة التي عمَّت على الشيء المعلوم عنده.
يعلمه هو، لم يكن جاهلاً به، لكنه مثلاً نسيه أو غفل عنه، فيأتي هذا المعرِّف فيرفع عنه ذلك الشأن.
إذاً: بينهما فرقٌ اعتباريٌ فقط وإلا متقاربان.
قال: (والأحسن الجواب بمنع الاشتراك والحقيقة والمجاز، والمصير إلى ما اختاره البعض من إطلاق المعرفة على المعنيين من قبيل المتواطئ).
ومر معنا المتواطئ، هو نوعٌ من أنواع الكلِّي.
قلنا ينقسم الكلِّي إلى قسمين باعتبار استواء أفرادِه في معناه وعدمها، فإن استوى الأفراد في المعنى فهو المتواطئ، وإن اختلفا بالشدة أو التقدُّم قلنا هذا المشكِّك.
جعَلَه هنا العطّار من قبيل المتواطئ.
(فهي بمعنى تصور الشيء الذي هو قدرٌ مشترَك بين ما كان عن جهلٍ أو غفلة).
يقول: (من قبيل المتواطئ فهي بمعنى تصور الشيء) إذاً: ما هي المعرفة في النوعين؟ تصور الشيء.
إذاً: حصل في المعنى الأول تصور، وحصل في المعنى الثاني تصور. إذاً: هذا قدرٌ مشترك.
(تصور الشيء الذي هو قدرٌ مشترك بين ما كان عن جهلٍ) وهو المعنى الأول (أو غفلة).
(عن جهلٍ أو غفلة) ولا فرق من حيث الجهل والغفلة فيما يترتب عليهما من أحكام.
(الثاني) الاعتراض الثاني (أن قوله: ما يستلزم معرفتُه معرفتَه يقتضي أن مجرّد تصور المعرِّف يكفي في تصور الحقيقة، وليس كذلك.
بل السبب مجموعُ أمرين: التصور المذكور، وحملُ المعرِّف على الحقيقة).
يعني: لا بد أن يكون عندنا محكوم ومحكوم عليه، ما الإنسان؟ تقول: حيوانٌ ناطق الجواب. حيوان ناطق هذا لا بد أن تجعله محمولاً، أين الموضوع؟ الإنسان.
إذاً: لا بد من ربط، أما التصور المفرد هذا لا يكفي، لكن هذا معلوم، هذا لا يحتاج إلى تنصيص.
قال: (أن قوله: ما يستلزم معرفتُه معرفتَه يقتضي أن مجرَّد تصور المعرِّف يكفي في تصور الحقيقة، وليس كذلك.
بل السبب مجموع أمرين: التصور المذكور، وحملُ المعرِّف على الحقيقة، ولذا قال في التهذيب: معرِّف الشيء ما يقال عليه).
الحيوان والإنسان معرِّف الإنسان، ما يُحمل عليه .. على من؟ على الإنسان.
(معرِّف الشيء) يعني: كمعرِّف الإنسان حيوان ناطق (ما يقال عليه) يعني: ما يُحمل عليه، لا بد من هذه النسبة.
وأما تصور المفردات هذا لا يكفي.
قال: (ما يقال عليه لإفادة تصوره.
وقد يجاب) يعني: عن هذا الاعتراض، أن ظاهره لا يستلزم الحمل لا.
نقول: (يجاب عن هذا بأنه: لما كان أمر الحمل شهيراً لم يتعرض له) هذا لا بد منه. يعني: أمر أشبه ما يكون بأنه فطري لا يحتاج إلى تنصيص؛ لأنه يسأل: ما الإنسان؟ تقول له: حيوان ناطق.
إذاً: يُدرِك العقل ببداهة النظر أن الجواب هذا واقعٌ على المسئول عنه، فيكفي هذا.
ولذلك قال: (بأنه: لما كان أمر الحمل شهيراً لم يتعرض له؛ إذ المعرِّف لا بد وأن يُحمل على المعرَّف، وبه يندفع الاعتراض.
قال القطب: معرِّف الشيء ما يكون تصوره سبباً لتصور الشيء).
стр. 207
تصوره كالحيوان الناطق سبباً لتصور الإنسان، ولا بد أن يكون تصور الشيء الأول هذا معلومٌ عند السامع.
(والمراد بتصور الشيء التصور بوجهٍ ما) أراد هنا أن يرجع إلى قضية المعرفة (بوجهٍ ما) هذا كلام العطّار.
(أعم من أن يكون بحسب الحقيقة) بالكُنه، الذي عبَّر عنه المحشي هنا: المعرفة بالكنه. يعني: بالحقيقة بذاتِها يعني: الذاتيات.
(أو بأمرٍ صادق عليه؛ ليتناول التعريف الحد والرسم معاً).
وهنا في الشرح: أراد الشارح (يُراد بالمعرفة بوجهٍ ما)، إذاً: قوله: (بوجهٍ ما) هذا تفسير من العطار لتعريف الشارح هنا (ليشمل الرسمَ).
وإن جعلناه على وجه التمام ولم نجعله بوجهٍ ما لا بد من زيادة: "أو امتيازه عن غيره" ليدخل الرسم.
قال رحمه الله تعالى: (ومُعرِّف الشيء ما تستلزم معرفتُه معرفتَه، والتعريفُ إما حدٌ أو رسمٌ، وكلٌ منهما إما تامٌ أو ناقص).
كم هذه؟ اثنين × اثنين= أربعة.
إذاً: [حدٌ تام، حدٌ ناقص] .. [رسمٌ تام، رسمٌ ناقص] هذه أربعة.
قال: (ودليل حصرِه) يعني: التعريف؛ لأنه قال: (والتعريف إما حدٌ أو رسمٌ).
(ودليل حصره) يعني: التعريف في الأربعة التي هي: الحد التام، والناقص، والرسم التام، والرسم الناقص.
(أنه) أي: الحد أو التعريف.
(إما أن يكون بجميع الذاتيات فهو الحد التام).
(إما أن يكون بجميع الذاتيات) يعني: الذات المركّبة، هنا قلنا: لا بد التعريف ما يكون إلا في المركّبات، لا بد أن يكون عندنا تركيب، قلنا: القول المراد به المركّب، واشتهر ذلك عندهم وأُطلق لأن التعريف بالمفردات "المعاني المفردة" لا يقع، يجوز عقلاً لكنه لا يوجد لعدم انضباطه.
إذاً: لا بد أن يكون مركَّباً.
إذا قيل: الإنسان الحيوان هذا جزءٌ، الناطق هذا جزء.
إذاً: لا بد أن يتألف من جزأين.
هنا الجزءان كلٌ منهما ذاتيٌ؛ لأن الحيوان جنس وهو نوعٌ من أنواع الكلِّي الذاتي، والحيوان الناطق هذا فصلٌ وهو كُلّيٌ ذاتيٌ.
إذاً: حصل هنا التعريف بالذاتيات، هل ثم جزءٌ ثالثٌ يُحقق حقيقة الإنسان غير ما ذُكِر؟ لا. إذاً: جاء الحد هنا أو التعريف بجميع الذاتيات، ليس عندنا شيءٍ ناقص البتة.
لو قال: الإنسان الحيوان فقط ببعض الذاتيات، بقطع النظر عن صحة التعريف، نقول: جاء ببعض الذاتيات، لو قال: الإنسان الناطق. جاء ببعض الذاتيات لا بجميعها.
إذاً: متى يكون الحد تاماً؟
نقول: يكون الحد تاماً إذا جاء في التعريف بجميع الذاتيات، لم يترك ذاتياً أو جزءاً واحداً منها.
إذاً: (إما أن يكون بجميع الذاتيات فهو) أي: هذا التعريف (الحد التام) يعني: المسمى في الاصطلاح بالحد التام.
(أو) للتنويع (ببعضها) أي: ببعض الذاتيات.
قيَّده في الحاشية العطّار (من غير انضمام عرَضٍ إليها).
(ببعضها) واضح أنه الذاتيات.
(من غير انضمام عرضٍ إليها) لأنه لو انضم عرضٌ إليها قد يكون رسماً، والمراد هنا النوع الثاني من نوعي الحد وهو الناقص، ولذلك قال المحشي هنا: (ببعضها صادقٌ بالجنس وحدَه قريباً أو بعيداً، وبالفصل البعيد).
فيأتي بالفصل البعيد ويأتي بالجنس وحده، هذا يسمى الحد الناقص، ولذلك قال: (فالحد الناقص) وهو ما كان ببعض الذاتيات من غير انضمام عرضٍ إليها.
(أو) للتنويع.
стр. 208
(بالجنس القريب والخاصة) الجنس القريب هذا ذاتي، والخاصة هذا عرَضي.
إذاً: جمَع بين كُلّيٍ ذاتي، وكُلِّيٍ عرضيٍ. إذاً: زاد على الذاتيات، لم يختص الحد بالذاتيات، ولم ينقص عن الذاتيات فيُكتفى بالذاتيات، بل جاء ببعض الذاتيات وزاد عليه بعض العرضيات.
(أو بالجنس القريب والخاصة فالرسم) يعني: فهو الرسم .. يسمى.
(الرسم التام، أو بغير ذلك فالرسم الناقص).
(بغير ذلك) يعني: غير ما ذُكِر.
غير الذاتيات: جميع الذاتيات، وغير بعض الذاتيات، وغير الجنس القريب والخاصة. سم ما شئت، أوصلها بعضهم إلى الستين وبعضهم إلى الثلاثين.
ما عدا المذكور فيسمى رسماً ناقصاً على تفصيلٍ يأتي.
قال هنا: (أو بغير ذلك فالرسم الناقص) فالرسم يعني: فهو الرسم (الناقص).
قال: (فعلى هذا العرَض العام مع الفصل أو الخاصة، والفصل مع الخاصة، أو الجنس البعيد مع الخاصة كلها رسومٌ ناقصة) لأن هذا كله ليس مذكوراً فيما سبق؛ لأنه قال: العرض العام. ما ذُكر في الذاتيات الحد التام ولا الحد الناقص ولا الرسم التام.
الرسم التام يكون بالجنس القريب والخاصة، إذاً: لو عرّفنا بالعرَض العام مع الفصل هذا رسمٌ ناقص، أو العرض العام مع الخاصة هذا رسمٌ ناقص، أو الفصل مع الخاصة هذا رسمٌ ناقص، أو الجنس البعيد مع الخاصة هذا يسمى رسماً ناقصاً.
قال: (فالرسم الناقص).
قال السيد هنا: الصواب أن المركّب من عرض العام .. بعضها فيها خلاف عندهم تسمى حداً ناقصاً أو رسماً ناقصاً، هل هذا أو ذاك؟
(قال هنا السيد: الصواب أن المركَّب من عرض العام والخاصة رسمٌ ناقص، لكنه أقوى من الخاصة وحدها، وأن المركَّب منه ومن الفصل حدٌ ناقص، وهو أكمل من الفصل وحده، وكذا المركّب من الفصل والخاصة حدٌ ناقص، وهو أكمل من العرض العام والفصل.
وقولُهم: لا حاجة إلى ضم الخاصة إليه مدفوعٌ بأن التمييز الحاصل بهما أقوى من التمييز بالفصل وحدَه، فإن أُريد الأقوى احتِيج إلى ضم الخاصة إلى الفصل).
على كلٍ: المراد هنا أن بعض المسائل وقع فيها نزاع: هل هي من الحد الناقص أو من الرسم الناقص؟
قال: (وبقي خامسٌ) أي: من أقسام التعريف.
مُعَرِّفٌ إِلى ثَلاثَةٍ قُسِمْ ... حَدٌّ وَرَسْمِيٌّ وَلَفْظِيٌّ عُلِمْ
ج
"حدٌ ورسميٌ" كلٌ منهما اثنان، "ولفظيٌ" إذاً: هذا الخامس، ولذلك قال: (بقي) يعني: من أقسام الحد.
(خامسٌ، وهو التعريف اللفظي، وهو ما أنبأ عن الشيء بلفظٍ أظهر مرادفٌ مثلُ: العُقارُ الخمرُ).
(وبقي خامسٌ) المصنف فيما سبق قال: أربعة .. (ودليلُ حصره في الأربعة).
ما معنى حصر؟ يعني: ما عدا المذكور منفي.
الحصر: هو إثباتُ الحكم في المذكور ونفيُه عما عداه.
إذاً: حصرْنا عدَد التعريف في أربعة، وما عداه منفي، كيف تقول: (ودليلُ حصرِه في الأربعة) والأربعة عدد له مفهوم هنا، ثم تقول: (وبقي خامس) هل هذا نقْضٌ أم لا؟
قال العطار: (هذا نقضٌ للحصر السابق).
(هذا) يعني: قوله: (وبقي خامسٌ).
(نقضٌ للحصر السابق، لكنه مبنيٌ على أن التعريف اللفظي) هل هو من المطالب التصورية أم التصديقية؟ هذا بينهم خلاف.
стр. 209
على القول بأنه من المطالب التصورية، هل التعريف اللفظي يُعتبر نقضاً هنا؟ نعم؛ لأن الحد التام والناقص، والرسم التام والناقص. هذا من قبيل التصورات أم التصديقات؟ التصورات.
وإذا زدنا التعريف اللفظي بأنه من التصورات صار نقضاً .. نُسلِّم، وإذا قيل بأنه من التصديقات هل يُعتبر نقضاً؟ لا؛ لأن بحثنا في التصورات.
إذاً: يقول: (هذا نقضٌ للحصر السابق، لكنه) استدراك (مبنيٌ على أن التعريف اللفظي من المطالب التصورية، وهو ما اختاره السعد).
(وحقق السيد: أنه من المطالب التصديقية) وليس من المطالب التصورية، وعليه: ظاهر صنيع الشارح هنا أنه يرى ما يراه السيد، وهو أنه من المطالب التصديقية، فحينئذٍ لا يُعتبر نقضاً وإلا كيف يقول: (ودليل حصره في الأربعة) ثم يقول: (وبقي خامسٌ)؟ هذا تعارض .. تناقض هذا.
حينئذٍ نقول: لا. هو يميل بظاهر كلامه بدليل حصَرَ التعريف الأقسام في الأربعة، ثم قال: (وبقي خامس) ثم أشار إلى أنه يرى أنه من التصديقات لا من التصورات.
قال: (وحقق السيد: أنه من المطالب التصديقية؛ فإنه قال: المقصود منه) يعني: التعريف اللفظي.
(الإشارةُ إلى صورة حاصلة، وتعيينُها من بين الصور الحاصلة).
صورة حاصلة: البُر القمح، والقمح البر. أشار إلى صورة حاصلة يعني: موجودة، وتعيينُها عن غيرها.
(ليُعلم أن اللفظ المذكور موضوعٌ بإزاء الصورة المشار إليها، فمآلُه إلى التصديق والحُكم بأن هذا اللفظَ موضوعٌ بإزاء ذلك المعنى.
فلذلك كان قابلاً للمنع، فيُحتاج إلى النقل من أصحاب اللغة والاصطلاح).
وهذا وإن كان فيه شيءٌ من التكلُّف والتعسف، لكنه محتمِل؛ لأنه قال: مثلاً –كالمثال- (العُقارُ الخمر) لو سُئل ما العُقَار؟ قال: الخمر.
إذاً: ماذا يُستفاد؟
يستفاد بأن العُقار هذا اللفظُ وُضع بإزاء المعنى الذي وُضع له الخمر، هذا فيه حُكمٌ، لكن هل هو من المقاصد، هل هو من المطالب؟
من رأى أنه من المطالب يُسلَّم بأن هذا الكلام في محله، ومن رأى أنه ليس من المطالب -المقاصد- التي يُعتنى بها حينئذٍ قد يقال فيه شيءٌ من التعسف، فجعْلُه من التصورات أقرب من جعلِه من التصديقات؛ لأنه إنما يكون من التصديقات على وجه التكلّف، بأن هذا اللفظ وضع بإزاء هذا المعنى. طيب جميع الألفاظ وضعت بإزاء المعاني، هل هناك لفظٌ لم يوضع بإزاء معنى؟ ما الفائدة؟ وإنما تكشِف هذا اللفظ الذي هو العُقار بأنك ما تدري ما هو، تكشفه بما دل عليه لفظ الخمر.
حينئذٍ هما مصدقهُما واحد: العُقار الخمر، والخمر هو العُقار، فجهِل العُقار حينئذٍ فسَّره بالخمر، إذاً: ليس مراداً ابتداءً بأن هذا اللفظ وُضع لهذا المعنى، وإنما هذا اللفظ مرادف لهذا اللفظ.
ثم إذا حَكم بأنهما مرادفان لا شك أنه عنده سيكون انتقال من كون هذا اللفظ وُضع بإزاء ذلك المعنى. على كلٍ المعنى محتمِل.
قال هنا: (وفي كلام الشارح ما يقتضي الميل لكلام السيد؛ حيث قال: وهو ما أنبأ؛ إذ الإِنباء الإخبار، ولا يكون إلا في التصديقات).
"الإخبار" لا بد من محمول وموضوع، ففيه إيماء لعدم وُروده على الحصر.
إذاً: الشاهد من هذا: أن قول المصنف: (ودليلُ حصرِه في الأربعة) ليس منتقضاً بقوله: (بقي خامسٌ) لماذا؟
стр. 210
لأنه يميل في ظاهر عبارته إلى ما حققه السيد من كون المعرِّف المرادف اللفظي هذا ليس من قبيل التصورات وإنما من قبيل التصديقات، على الوجه المذكور، ونحن نقول: الأولى أن يُجعل من قبيل التصورات والله أعلم.
قال هنا: (وبقي خامسٌ، وهو التعريف اللفظي، وهو ما أنبأ) أنبأ يعني: أخبر أو دل.
(عن الشيء) يعني: عن المعنى والمفهوم والمدلول.
(بلفظٍ أظهر) منه (مرادفٌ) مرادِفٌ لأي شيء؟ للشيء.
(ما أنبأ عن الشيء بلفظٍ) يعني: بسبب لفظٍ، الباء سببية.
(أظهَرَ منه مرادفٌ) أظهر منه: من الشيء، مرادفٌ له يعني: للشيء. فالشيء يكون مجهولاً كالعُقار.
فنأتي بلفظٍ مرادفٍ للعُقار يكون أظهر عند السائل أو السامع، أظهر من ماذا؟ نأتي بلفظٍ "الذي هو الخمر" مرادفٍ للعُقار الذي عند السائل مثلاً.
(مثل العقارُ الخمر) العُقار قال في القاموس: وبالضم الخمرُ، العَقار العُقَار.
قال: وبالضم –العُقار- الخمرُ.
(لمعاقرتها أي: لملازمتها الدَّنّ أو لعقْرِها شاربَها عن المشي) تعقِرُه .. ليس كل إنسان تعقره.
إذاً العُقار المراد به الخمر.
قال هنا –فائدة-: (جعلُ المثال والتقسيم من قبيل المعرِّفات) بعضهم زاد المثال، وبعضهم زاد التقسيم أنها من المعرِّفات، فعرَّف الكلمة، ما هي الكلمة؟
قال: إما اسمٌ، وإما فعلٌ، وإما حرفٌ.
ما هو الاسم؟
قال: كزيدٍ، ولذلك جرى على ذلك سيبويه قال: الاسم كزيد، عرَّف الاسم بالمثال.
الفعل كقام، الحرف كـ: إلى .. وهلم جرَّا.
(جعلُ المثال والتقسيم من قبيل المعرِّفات، وأنهما رسمان تساهلٌ).
(نعم التقاسيم تتضمن التعاريف، لا أن نفس التقسيم تعريف؛ لأن الغرض من كل منهما مختلف؛ إذ الغرض من التقسيم تحصيل الأقسام، ومن التعريف تصور المعرَّف.
فمن ثَم تراهم دائماً -يعني: العلماء- يقدمون تعريف الشيء على تقسيمه؛ لأن الشيء تُعرف حقيقته -يعني: أولاً- ثم يُقسَّم بعد ذلك إلى أقسام). هذا واضح بيّن.
تُعرف ما معنى الكلمة أولاً، ثم بعد ذلك اذكر أقسامها، أما الكلمة إما اسم وإما فعل وإما حرف هذا نقول: يتضمن التعريف لكنه ليس هو بتعريف.
قال: وأما المثال فليس مما يورَد في مقام التصورات، بل التصديقات؛ لأنه ليس من قبيل التصورات بل التصديقات.
يدل عليه قولهم -يعني: في المثال-: أنه جزئيٌ يُذكر لإيضاح القاعدة، هذا المثال.
والشاهد: جزئيٌ يُذكَر لإثبات القاعدة، عندما تقول: هذا شاهد وهذا مثال، هذا في النحو يكثر، تأتي بمثال وتأتي بشاهد.
طيب: الشاهد ما علاقته بالقاعدة؟ لإثباتها، وأما المثال لا، وإنما لإيضاح القاعدة وشرْحِها، تقول: الفاعل مرفوع كقام زيدٌ، المبتدأ مرفوع كزيدٌ قائم.
والشاهد يُشترط فيه أن يكون مسموعاً بشرطِه يعني: مما نطقت به العرب، وأما المثال فلا، ممكن تصطنع مثالاً من عندك أنت ويصلُح لإيضاح القاعدة.
إذاً: المثال جزئيٌ يُذكر لإيضاح القاعدة، فحينئذٍ صار من باب التصديقات لا من باب التصورات.
إذاً: التقسيم والمثال ليسا نوعين من أنواع المعرِّف على ما ذُكِر.
стр. 211
إذاً: عرفنا تعريف (الْقَوْلُ الشَّارِحُ) ثم بيّن أقسامَه يعني: أقسامه ليست على جهة التعاريف وإنما على جهة كونها تنقسم إلى أربعة أقسام، فعرفنا أن المعرِّف باللفظ المرادف أو التعريف اللفظي عند المصنف ليس داخلاً في المعرّفات؛ لأنه من قبيل التصديقات.
أما المثال والتقاسيم التي زادها بعضهم، والظاهر على ما ذكره هنا العطار أنها ليست من التصورات.
قال: (وقد أخذ في بيان الأربعة).
(أَخذ) يعني: شَرع المصنف في بيان هذه الأربعة التي هي: الحد التام، والناقص، والرسم التام، والناقص.
فقال: (الحَدُّ: قَوْلٌ دَالٌّ عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ.
وَهْوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ جِنْسِ الشَّيْءِ وَفَصْلِهِ الْقَرِيبَيْنَ.
كَـ: الحَيَوانُ النَّاطِقِ) أو كالحيوانِ الناطق، هذه دائماً تقرأها على الجر لا بأس، وإن شئت قرأتها على الحكاية ولا إشكال فيه، يجوز فيها الوجهان.
الحكاية لا بد أن يكون مذكوراً فيما سبق، هذه مذكورة من أول الكتاب.
(كَالحَيَوانِ النَّاطِقِ بِالنِّسْبةِ إِلَى الْإِنْسَانِ).
(الحَدُّ) هل المراد به الحد التام أو الحد الناقص هنا؟ أطلق المصنف، يكون المراد به الحد التام، كيف عرفنا؟
قال: (وَهْوَ الحَدُّ التَّامُّ) هو نص على ذلك، بعدما قال: (كَالحَيَوانِ النَّاطِقِ بِالنِّسْبةِ إِلَى الْإِنْسَانِ.
وَهْوَ) أي: الذي يتركب مما ذُكر (الحَدُّ التَّامُّ).
إذاً: هذا التعريف خاصٌ بالتام، ولا يدخل فيه الناقص.
(الحَدُّ)، قال: (قَوْلٌ) هذا جنس يشمل الحد التام والحد الناقص، والرسم التام والرسم الناقص؛ لأنه جنس فلا بد أن يكون شاملاً لكل ما يدخل تحت أنواع المعرِّف وأقسامِه.
(قَوْلٌ دَالٌّ) عرفنا المراد بالقول أنه: المراد به المركَّب.
(لفظياً كان أو عقلياً) هذا الأصل فيه، لكن هنا قال: (دَالٌّ) نقيِّدها بـ: المطابَقة.
إذاً: صار القول المراد به القول اللفظي، (دَالٌّ) بالمطابقة.
حينئذٍ كما سيأتي أنه يُختص بالحد اللفظي لا العقلي.
قال: (قَوْلٌ) مركَّبٌ.
(دَالٌّ) أي: بالمطابقة.
يرِد على الحد التام، إذا قيَّدناه بالمطابقة إيرادٌ.
(فإن قلتَ: الدال بالمطابقة لا يكون إلا لفظاً) وهو كذلك: الدال بالمطابقة لا يكون إلا لفظاً (فيلزم أن يكون التعريف للحد اللفظي مع أنه سلَف أن القول يُطلق على الملفوظ والمعقول).
(قَوْلٌ) قلنا يُطلق على المعقول والملفوظ.
(دَالٌّ) قلنا بالمطابقة، هذا فيه شيءٌ من التعارض، القول يشمل المعقول والملفوظ، (دَالٌّ) خاصٌ بالملفوظ.
(فيلزم خروج القول المعقول، فلا يكون الحد المعقول داخلاً في التعريف مع وجوب شموله له).
إذاً: الحد يكون له لفظ، ويكون له معقول. إذاً: له جهتان:
الذي نعنيه هنا هل هو الحد اللفظي دون المعقول، أو المعقول دون اللفظي، أو هما؟
يجب أن يكون الحد شاملاً لمعنييه: الملفوظ والمعقول، جاء بجنس الذي هو القول شمِل النوعين، جاء بفصلٍ أخرج المعقول.
إذاً: وقع شيءٌ من التعارض.
الجواب: (إنما تعرّضوا للحد اللفظي؛ لأن الحدود إنما تُذكر للجاهل بحقيقة الشيء، فلا بد من اللفظ حينئذٍ ضرورة الإفهام والتفهيم).
стр. 212
وإلا الأصل أن الحد يشمل النوعين: المعقول والملفوظ، لكن لما أنَّ الحدود إنما تقع لرفع الجهل عن السائل، يسأل: ما المراد بالفاعل؟ ما المراد بالتمييز؟ ما المراد بالحال؟ إلى آخره.
فتجيبه. إذاً: إذا كان معقول بمعقول كيف تجيبُه؟ إذا كان الشيء المعقول يمْكن أنَّ الإنسان في نفسه لا يحتاج إلى لفظ، ولذلك حاجة المنْطِقي إلى مباحث الألفاظ كلها ليست لنفسه، وإنما الحاجة لغيره، وأما في نفسه يستطيع أن يرتِّب المعلومات والنظر والفْكْر، وينتج القياسات .. إلى آخره، ولا يحتاج أن يتلفظ، هو في نفسه أمور .. إدراكات، لكن إذا أراد أن يُخبر غيره كيف يخبرهم؟ لا بد من واسطة، وهي اللفظ هنا.
إذاً: لضرورة الإفهام والتفهيم اختص الحد هنا باللفظ، وإلا الأصل أنه شاملٌ للمعقول.
قال: (ولك أن تقول: إن التعريف شاملٌ للعقلي أيضاً.
بمعنى أنه لو ذُكر اللفظ الدال عليه لكان دالاً بالمطابقة على المحدود).
هذا من باب التجويز فقط، وإلا الأصل أنه خاصٌ باللفظ.
(الحَدُّ: قَوْلٌ) الحد المراد به قلنا التام هنا، وإن كان اسم الحد في الأصل يقع بالاشتراك اللفظي على التام الدال عليها بالمطابقة، والناقص الدال عليها لا بالمطابقة، بل بالالتزام.
فإن أُطلق هذا الاسم الذي هو (الحَدُّ) فالواجب أن يُحمل على التام الذي هو الحد الحقيقي وحدَه. هكذا قرره العطار.
(قَوْلٌ دَالٌّ عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ) أي: حقيقتِه الذاتية.
فسَّر الماهيّة بالحقيقة، ومر معنا أن الماهيّة والحقيقة بمعنى واحد، إلا أنه قد تُطلَق الماهيّة على المعدومات، وتختص الحقيقة بالموجودات، هذا سوَّغه العطار.
قال هنا: (عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ. إضافةُ ماهيّة إلى الشيء للعهد كما هو الأصل في وضع الإضافة أي: الماهيّة المعهودة، وهي جميع أجزاء المحدود).
إذا قيل: على ماهيّة الشيء يعني: على جميع أجزاء المحدود.
ويدل له قول المصنف: (وَهْوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ جِنْسِ الشَّيْءِ وَفَصْلِهِ الْقَرِيبَيْنَ).
إذاً: تُحمل الماهيّة على الكمال، وهذا الذي يكون في شأن الحد، أنه يؤتى بكمال الماهيّة.
(قَوْلٌ دَالٌّ عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ) أي: حقيقتُه الذاتية، وإنما فسَّر الشارح الماهيّة بالحقيقة لأن الماهيّة -كما سبقت- تشمل المعدومات.
والذاتية -قيْدُ الذاتية-: أي المنسوبةُ إلى الذات بمعنى الأفراد، فاندفع هنا قول المحشّي: "الأَولى حقيقتُه وذاتُه" كلامُه ليس بجيد هنا.
قال: (وَهْوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ جِنْسِ الشَّيْءِ) يعني: المعرَّف (وَفَصْلِهِ الْقَرِيبَيْنَ).
(وَهْوَ) عائدٌ على الحد التام.
(الَّذِي يَتَرَكَّبُ) لأنه لا حد إلا بتركُّب، لا بد من التركيب وإلا ما صار حداً، وأما المعاني المفردة فلا تقع حداً وإن جاز عقلاً.
(مِنْ جِنْسِ الشَّيْءِ) يعني: المعرَّف كالإنسان المسئول عنه، جنس الشيء يعني: الشيء المعرَّف.
(وَفَصْلِهِ الْقَرِيبَيْنَ) يعني: الجنس القريب والفصل القريب.
(كَالحَيَوانِ النَّاطِقِ بِالنِّسْبةِ إِلَى الْإِنْسَانِ).
стр. 213
لأنك إذا قلت: ما الإنسان؟ أنت تجهل الإنسان، ومر معنا أن السؤال هنا بما، إذا كان ما بعده واحدٌ كُلّي، إذا قيل: ما الإنسان؟ الإنسان كُلّي أو جزئي؟ كُلّي.
إذاً: جاء بعده واحدٌ كُلّي يعني: غير متعدد، ما الإنسان؟ الجواب يكون عنه بالحد.
لأنك إذا قلت: ما الإنسان؟ فيقال: الحيوان الناطق، والحيوان هذا كُلّي ذاتي وهو جنسٌ قريب، والناطق هذا كُلّي ذاتي وهو فصلٌ قريب، فرُكِّب منهما -الجنس القريب والفصل القريب- ماهيّة، هذه الماهيّة هي التي يصدُق عليها لفظُ الإنسان، فإذا قيل: الإنسان ما مُسَماه؟ تقول: هذه الماهيّة- ماهيّة الشيء- وهي مركَّبة من جزأين، فكلٌ منهما ذاتيٌ.
قال: (وكالجنس القريب حدُّه) حده كالجنس القريب، كالجنس هذا متعلق محذوف خبر مقدم، "وحدُّه" بالرفع على مبتدأ مؤخر.
حدُّ ماذا؟ الجنس القريب.
يعني: حيوانٌ ناطق، مِثلُه يساويه لو سألت: ما معنى حيوان، ما الحيوان؟ عرّفته، فجئت بدل كون الحيوان -اللفظ هذا- جئت بتعريفه فقلتَ: الناطق، مساوٍ له؟
قال الشارح: (وكالجنس القريب حدُّه) أي: في أن المركَّب منه، ومن الفصل القريب حدٌّ تام.
كقولك في حد الإنسان: هو الجسم النامي الحسَّاس المتحرك بالإرادة الناطقُ، ما قال: حيوانٌ ناطق، حذَف الحيوان وجاء بتعريف الحيوان.
إذاً: إما أن تأتي بالجنس القريب وإما أن تأتي بتعريف الجنس القريب؛ لأنه لو قيل لك: ما الحيوان؟ ستقول: الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة، هذا تعريف الحيوان.
ولذلك قال: (كالجنس القريب) مثلُه، الجنس القريب مثلُه (حدُّه) يعني: تعريفه.
فإما أن تعبِّر بالجنس القريب بلفظه: حيوان ناطق، وإما أن تأتي بتعريف الجنس القريب مع الفصل القريب، فهما سيّان.
قال: (وَهْوَ) أي: الحد التام.
(وَهْوَ) (أي: الذي يتركب مما ذُكر) من الجنس القريب والفصل القريب، أو حد الجنس القريب والفصل القريب (الحَدُّ التَّامُّ).
يعني: المعروف عند المناطقة بهذا التعبير.
(أما كونُه حداً) يعني: سُمي حداً (فلأن الحد لغة المنع) وهو كذلك، الحداد سُمّي حداداً لمنعه غير الداخل من الدخول، فسُمي الحد حداً لأنه يَمنع.
(وهو مانعٌ من دخول الغير فيه، ومن خروج بعض أفراده) يمنع من الدخول ومن الخروج.
يمنع من الدخول -من غير الأفراد أن يدخل-، ويمنع من الداخل أن يخرج، كشأن البواب يُسمى حداداً يمنع الداخل أن يخرج والعكس بالعكس.
قوله: (مانع) فيه إشارة إلى أن تسميته حداً من تسمية اسم الفاعل بالمصدر للتعلق والاشتقاق.
هذا كونه حداً، لماذا سُمي حداً؟ للمنع من الجهتين، وأما كونه تاماً -يعني: لماذا سُمي حداً تاماً بهذا القيد من التمام- فلِذِكْرِ جميع الذاتيات فيه.
جميع الذاتيات: الجنس والفصل، وهذا واضح.
(وخرج بذكر ماهيّة الشيء الرسمُ) لأنه قال: على ماهيّة الشيء أي: حقيقتِه الذاتية، ما كان كُلّياً ذاتياً، فخرج ما كان عرَضياً، والرسم إنما يكون بالعرَضيات في الجملة، حينئذٍ خرج بقوله: ماهيّة الشيء، ولكن ما ذكَر الحد الناقص هنا.
стр. 214
نحن حملنا على ماهيّة الشيء يعني: الكاملة من كل وجه، وهذا إنما يختص بالحد التام، ولذلك زاد العطار منكِّتاً عليه قال: (وخرج بذكر ماهيّة الشيء الرسمُ والحد الناقص) لا بد نزيد: والحد والناقص، لأنه خرج؛ لأنه لا بجميع الذاتيات بل ببعضها.
(وخرج بذكر ماهيّة الشيء الرسمُ) أي: تاماً كان أو ناقصاً.
قال المحشِّي: (واقتصارُه على إخراج الرسم يفيد أن التعريف للحد تاماً كان أو ناقصاً، بجعل الإضافة لجنسه كما تقدم).
هذا غريب جداً، هذا فيه سهو؛ لأنه هو يقول: (وَهْوَ الحَدُّ التَّامُّ).
يقول: قوله: اقتصاره على الرسم دل على أن الحد يشمل التام والناقص.
اقتصارُه على أنه خرج بالماهيّة -ماهيّة الشيء- .. ماهيّة الشيء المراد: الجنس، الإضافة هنا الجنسية ليس العهدية، فيصدُق بالبعض، فدخل الحد الناقص، لكن الرجل يقول: (وَهْوَ الحَدُّ التَّامُّ) فكيف يقول: دخل الناقص؟ هذا فيه إشكال، ليس بصحيح.
بل الصواب: التنكيت عليه، فيقال: خرج الرسم والحد الناقص أيضاً؛ من أجل التسوية، وأما مجرد دائماً اعتذارات اعتذارات، وعدم التخطِئة هذا ليس بجيد.
قال: (وخرج بِذكْر ماهيّة الشيء الرسمُ، فإنه إنما يدل على آثاره) كما سيأتي.
(وكلامُه يدل على تخصيص الحد بذوات الماهيّات المركّبات، فتخرج البسائط) على ما سبق بيانه.
(وكلامه يدل على تخصيص الحد) أي: حيث عبّر بالتركيب مما ذُكر، لأنه قال: (وهو الذي يتركب مما ذُكر).
(وكما يدل على ذلك يدل على تخصيصه أيضاً بغير الماهيّة المركّبة من أمرين متساويين. على القول بجواز ذلك؛ إذ لا جنس لها).
وهذا مر معنا الخلاف بين المتقدمين والمتأخرين (وكلامُه يدل على تخصيص الحد بذوات الماهيّات المركّبات، وأما البسائط فلا تُحد، فتخرج البسائط فإنها إنما تُعرَّف بالرسوم لا بالحدود) لا تُحد وإنما تعرَّ ف بالرسوم لا بالحدود.
قال في شرح المطالع: (الحقيقة إما بسيطةٌ وهي التي لا جزء لها، أو مركَّبة وهي التي لها جزء.
وكلٌ منهما إما أن يتركب عنها غيرُها أو لا).
(يتركب عنها) يعني: تكون جزءاً لغيرها.
(أو لا) يعني: لا تكون جزءاً لغيرها.
(فهذه أربعة أقسام: أولها: بسيط لا يتركب عنه غيرُه فلا يُحد) بسيط لا يتركب عنه غيره يعني: لا يكون جزءاً لشيء فلا يُحدُّ.
(لعدم تركيبه، ولا يُحد به؛ لكونه ليس جزءاً لغيره.
الثاني: بسيطٌ يتركب عنه غيرُه، وهو البسيط الذي يتحلَّل وينتهي إليه المركَّب بالتحليل، فيُحدُّ به لكونه جزءاً لغيره، ولا يُحدُّ لعدم تركيبه كالجوهر.
الثالث: مركَّبٌ لا يتركب عنه غيرُه يُحدُّ لكونه ذا أجزاء، ولا يُحدُّ به لكونه ليس جزءاً لغيره كإنسان.
الرابع: مركَّبٌ يتركب منه غيره فيُحدُّ ويُحدُّ به كحيوان، وظهَر أن الحدَّ لا يكون إلا لمركب).
هذه القاعدة الأخيرة: ظهر أن الحد لا يكون إلا لمركب، وأما البسائط فلا تُحد وإنما تُعرَّف بالرسوم أي: الناقصة كأن تُعرَّف بخاصة فقط -على القول بجوازه كما سيأتي-، أو بجملة خواص. وإنما الحدود تكون خاصة بالمركبات.
قال الشارح: (ويُعتبر في الحد) أي: يُشترط أو يجب على قول العطار.
"يُعتبر" الكثير في الاستعمال إذا قيل: يُعتبر كذا يعني: يُشترط هذا في الغالب.
стр. 215
(ويُعتبر في الحد) أي: يُشترَط.
لكن على كلام العطار فيما يأتي: ويجب. والوجوب لا يستلزم الشرطية، الوجوب حتى في الشرع إذا قيل: يجب. لا يستلزم الشرطية إلا على وجه آخر بتأويل.
ولذلك اختلفوا فيه عند النجاسة، يجب إزالتها، دل الدليل على وجوب إزالتها، لكن كونها شرطاً هذا يحتاج، ولذلك نازع الشوكاني ونازع ابن حزم في هذه المسألة، لكن لهم وجه آخر وهو أن المأمور به منهيٌ عنه، فتوقَّفَتْ عليه الماهيّة، وإذا توقفت الماهيّة معناه توقفها على الشرط لا على الركن؛ لأنها خارجة عنها، فبهذا الوجه يمكن أن يقال بأنها شرط والجمهور على هذا.
على كلٍ "يُعتبر" يعني قال: يُشترط.
(ويُعتبر في الحد التام تقديمُ الجنس على الفصل) قوله: (في الحد التام) هل هذا خاصٌ بالحد التام أو نقول: يشمل كذلك الحد الناقص؟ نقول: يشمله.
يعني قوله: (ويُعتبر في الحد التام) نقول: والناقص أيضاً.
ماذا يُعتبر؟ يُعتبر تقديم الجنس على الفصل. يعني: يُشترط أن يُقدَّم الحيوان على الناطق، فإذا قلت: "ناطق حيوان "عند الكثير من المتأخرين لا يكون حداً تاماً، يكون ناقصاً .. نزل يعني: لا ينتفي عنه الحدية يعني: لا يكون تاماً وإنما يكون ناقصاً.
ولذلك قال: (ويُعتبر في الحد التام –يعني يُشتَرط- تقديمُ الجنس على الفصل؛ لأن الفصل مفسِّرٌ له) للجنس.
(ومفسِّر الشيء متأخرٌ عنه) إذاً: الفصل كالمفسِّر، كالصفة مع الموصوف، وشأن الصفة التأخر عن موصوفها، وهنا المفسِّر شأنُه التأخير عن مفسَّره، فحينئذٍ يجب أن يكون متأخراً.
فلو قُدِّم نقول: هذا لا يكون حداً تاماً وإنما يكون حداً ناقصاً كما لو قال الناطق: ناطقٌ حيوان.
قال هنا: (لأن الفصل مفسِّر له) وهذا تعليل أي: مخصِّص قال هنا.
(الفصل مفسِّر له) أي: مخصِّص له.
قال العطار: (مراد الشارح بالتفسير) وإن كان المحشِّي فسره بالتخصيص له معنى آخر.
(مراد الشارح بالتفسير: أنه عِلَّة لرفع الإبهام، إلا أنه تسمَّح في تسمية الفصل مفسِّراً) من باب التجوُّز.
(فهو عِلَّةٌ لرفع الإبهام، والعِلَّة ليست من المفسِّر في شيءٍ حقيقةً، لكن لما زال بها الإبهام صارت كالمفسَر) يعني: إذا قيل: ما الإنسان؟ قال: حيوان، فيه إبهام أو لا؟ فيه إبهام ما عيَّن.
هل المراد به ما يقع على حقيقة الفرس، أو على حقيقة الحمار، أو حقيقة الحيوان الناطق .. إلى آخره.
ففيه إبهام، فجاء الناطق كالمفسِّر، وهو سمّاه عِلَّةً لرفع الإبهام.
(وقوله: مفسِّر الشيء متأخرٌ عنه. أي: ما هو مفسِّر حقيقة، وهذا لا يقتضي أن الفصل متأخرٌ في الوجود عن الجنس) وهو كذلك.
(لأنهما مجعولان معاً، بحسب تعقُّل الجنس مبهماً ثم إزالةُ الفصل للإبهام يكون التأخر بحسب التعقُّل) وهو كذلك.
يعني: إذا قيل بأنه يكون متأخراً عنه، متأخراً عنه في التعقُّل، تَفهم معنى الجنس ثم يقع إبهام، ما المراد بهذه الحقيقة؟ ثم يأتي الفصل إذاً: تأخر عنه، فتتعقَّل معنى الفصل، حينئذٍ يزول الإبهام الذي في الجنس السابق.
أما في الوجود لا يمكن أن يوجد الجنسية ثم يوجد بعد ذلك الناطقية لا، هما موجودان معاً، الإنسان يولد بإنسانيته كاملاً هذا المراد.
قال هنا: (المراد أن الصورة الجنسية مبهمةٌ في العقل).
следующие страницы →