Полный текст (371 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
إذاً: عرفنا تعريف (الْقَوْلُ الشَّارِحُ) ثم بيّن أقسامَه يعني: أقسامه ليست على جهة التعاريف وإنما على جهة كونها تنقسم إلى أربعة أقسام، فعرفنا أن المعرِّف باللفظ المرادف أو التعريف اللفظي عند المصنف ليس داخلاً في المعرّفات؛ لأنه من قبيل التصديقات.
أما المثال والتقاسيم التي زادها بعضهم، والظاهر على ما ذكره هنا العطار أنها ليست من التصورات.
قال: (وقد أخذ في بيان الأربعة).
(أَخذ) يعني: شَرع المصنف في بيان هذه الأربعة التي هي: الحد التام، والناقص، والرسم التام، والناقص.
فقال: (الحَدُّ: قَوْلٌ دَالٌّ عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ.
وَهْوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ جِنْسِ الشَّيْءِ وَفَصْلِهِ الْقَرِيبَيْنَ.
كَـ: الحَيَوانُ النَّاطِقِ) أو كالحيوانِ الناطق، هذه دائماً تقرأها على الجر لا بأس، وإن شئت قرأتها على الحكاية ولا إشكال فيه، يجوز فيها الوجهان.
الحكاية لا بد أن يكون مذكوراً فيما سبق، هذه مذكورة من أول الكتاب.
(كَالحَيَوانِ النَّاطِقِ بِالنِّسْبةِ إِلَى الْإِنْسَانِ).
(الحَدُّ) هل المراد به الحد التام أو الحد الناقص هنا؟ أطلق المصنف، يكون المراد به الحد التام، كيف عرفنا؟
قال: (وَهْوَ الحَدُّ التَّامُّ) هو نص على ذلك، بعدما قال: (كَالحَيَوانِ النَّاطِقِ بِالنِّسْبةِ إِلَى الْإِنْسَانِ.
وَهْوَ) أي: الذي يتركب مما ذُكر (الحَدُّ التَّامُّ).
إذاً: هذا التعريف خاصٌ بالتام، ولا يدخل فيه الناقص.
(الحَدُّ)، قال: (قَوْلٌ) هذا جنس يشمل الحد التام والحد الناقص، والرسم التام والرسم الناقص؛ لأنه جنس فلا بد أن يكون شاملاً لكل ما يدخل تحت أنواع المعرِّف وأقسامِه.
(قَوْلٌ دَالٌّ) عرفنا المراد بالقول أنه: المراد به المركَّب.
(لفظياً كان أو عقلياً) هذا الأصل فيه، لكن هنا قال: (دَالٌّ) نقيِّدها بـ: المطابَقة.
إذاً: صار القول المراد به القول اللفظي، (دَالٌّ) بالمطابقة.
حينئذٍ كما سيأتي أنه يُختص بالحد اللفظي لا العقلي.
قال: (قَوْلٌ) مركَّبٌ.
(دَالٌّ) أي: بالمطابقة.
يرِد على الحد التام، إذا قيَّدناه بالمطابقة إيرادٌ.
(فإن قلتَ: الدال بالمطابقة لا يكون إلا لفظاً) وهو كذلك: الدال بالمطابقة لا يكون إلا لفظاً (فيلزم أن يكون التعريف للحد اللفظي مع أنه سلَف أن القول يُطلق على الملفوظ والمعقول).
(قَوْلٌ) قلنا يُطلق على المعقول والملفوظ.
(دَالٌّ) قلنا بالمطابقة، هذا فيه شيءٌ من التعارض، القول يشمل المعقول والملفوظ، (دَالٌّ) خاصٌ بالملفوظ.
(فيلزم خروج القول المعقول، فلا يكون الحد المعقول داخلاً في التعريف مع وجوب شموله له).
إذاً: الحد يكون له لفظ، ويكون له معقول. إذاً: له جهتان:
الذي نعنيه هنا هل هو الحد اللفظي دون المعقول، أو المعقول دون اللفظي، أو هما؟
يجب أن يكون الحد شاملاً لمعنييه: الملفوظ والمعقول، جاء بجنس الذي هو القول شمِل النوعين، جاء بفصلٍ أخرج المعقول.
إذاً: وقع شيءٌ من التعارض.
الجواب: (إنما تعرّضوا للحد اللفظي؛ لأن الحدود إنما تُذكر للجاهل بحقيقة الشيء، فلا بد من اللفظ حينئذٍ ضرورة الإفهام والتفهيم).
стр. 212
وإلا الأصل أن الحد يشمل النوعين: المعقول والملفوظ، لكن لما أنَّ الحدود إنما تقع لرفع الجهل عن السائل، يسأل: ما المراد بالفاعل؟ ما المراد بالتمييز؟ ما المراد بالحال؟ إلى آخره.
فتجيبه. إذاً: إذا كان معقول بمعقول كيف تجيبُه؟ إذا كان الشيء المعقول يمْكن أنَّ الإنسان في نفسه لا يحتاج إلى لفظ، ولذلك حاجة المنْطِقي إلى مباحث الألفاظ كلها ليست لنفسه، وإنما الحاجة لغيره، وأما في نفسه يستطيع أن يرتِّب المعلومات والنظر والفْكْر، وينتج القياسات .. إلى آخره، ولا يحتاج أن يتلفظ، هو في نفسه أمور .. إدراكات، لكن إذا أراد أن يُخبر غيره كيف يخبرهم؟ لا بد من واسطة، وهي اللفظ هنا.
إذاً: لضرورة الإفهام والتفهيم اختص الحد هنا باللفظ، وإلا الأصل أنه شاملٌ للمعقول.
قال: (ولك أن تقول: إن التعريف شاملٌ للعقلي أيضاً.
بمعنى أنه لو ذُكر اللفظ الدال عليه لكان دالاً بالمطابقة على المحدود).
هذا من باب التجويز فقط، وإلا الأصل أنه خاصٌ باللفظ.
(الحَدُّ: قَوْلٌ) الحد المراد به قلنا التام هنا، وإن كان اسم الحد في الأصل يقع بالاشتراك اللفظي على التام الدال عليها بالمطابقة، والناقص الدال عليها لا بالمطابقة، بل بالالتزام.
فإن أُطلق هذا الاسم الذي هو (الحَدُّ) فالواجب أن يُحمل على التام الذي هو الحد الحقيقي وحدَه. هكذا قرره العطار.
(قَوْلٌ دَالٌّ عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ) أي: حقيقتِه الذاتية.
فسَّر الماهيّة بالحقيقة، ومر معنا أن الماهيّة والحقيقة بمعنى واحد، إلا أنه قد تُطلَق الماهيّة على المعدومات، وتختص الحقيقة بالموجودات، هذا سوَّغه العطار.
قال هنا: (عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ. إضافةُ ماهيّة إلى الشيء للعهد كما هو الأصل في وضع الإضافة أي: الماهيّة المعهودة، وهي جميع أجزاء المحدود).
إذا قيل: على ماهيّة الشيء يعني: على جميع أجزاء المحدود.
ويدل له قول المصنف: (وَهْوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ جِنْسِ الشَّيْءِ وَفَصْلِهِ الْقَرِيبَيْنَ).
إذاً: تُحمل الماهيّة على الكمال، وهذا الذي يكون في شأن الحد، أنه يؤتى بكمال الماهيّة.
(قَوْلٌ دَالٌّ عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ) أي: حقيقتُه الذاتية، وإنما فسَّر الشارح الماهيّة بالحقيقة لأن الماهيّة -كما سبقت- تشمل المعدومات.
والذاتية -قيْدُ الذاتية-: أي المنسوبةُ إلى الذات بمعنى الأفراد، فاندفع هنا قول المحشّي: "الأَولى حقيقتُه وذاتُه" كلامُه ليس بجيد هنا.
قال: (وَهْوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ جِنْسِ الشَّيْءِ) يعني: المعرَّف (وَفَصْلِهِ الْقَرِيبَيْنَ).
(وَهْوَ) عائدٌ على الحد التام.
(الَّذِي يَتَرَكَّبُ) لأنه لا حد إلا بتركُّب، لا بد من التركيب وإلا ما صار حداً، وأما المعاني المفردة فلا تقع حداً وإن جاز عقلاً.
(مِنْ جِنْسِ الشَّيْءِ) يعني: المعرَّف كالإنسان المسئول عنه، جنس الشيء يعني: الشيء المعرَّف.
(وَفَصْلِهِ الْقَرِيبَيْنَ) يعني: الجنس القريب والفصل القريب.
(كَالحَيَوانِ النَّاطِقِ بِالنِّسْبةِ إِلَى الْإِنْسَانِ).
стр. 213
لأنك إذا قلت: ما الإنسان؟ أنت تجهل الإنسان، ومر معنا أن السؤال هنا بما، إذا كان ما بعده واحدٌ كُلّي، إذا قيل: ما الإنسان؟ الإنسان كُلّي أو جزئي؟ كُلّي.
إذاً: جاء بعده واحدٌ كُلّي يعني: غير متعدد، ما الإنسان؟ الجواب يكون عنه بالحد.
لأنك إذا قلت: ما الإنسان؟ فيقال: الحيوان الناطق، والحيوان هذا كُلّي ذاتي وهو جنسٌ قريب، والناطق هذا كُلّي ذاتي وهو فصلٌ قريب، فرُكِّب منهما -الجنس القريب والفصل القريب- ماهيّة، هذه الماهيّة هي التي يصدُق عليها لفظُ الإنسان، فإذا قيل: الإنسان ما مُسَماه؟ تقول: هذه الماهيّة- ماهيّة الشيء- وهي مركَّبة من جزأين، فكلٌ منهما ذاتيٌ.
قال: (وكالجنس القريب حدُّه) حده كالجنس القريب، كالجنس هذا متعلق محذوف خبر مقدم، "وحدُّه" بالرفع على مبتدأ مؤخر.
حدُّ ماذا؟ الجنس القريب.
يعني: حيوانٌ ناطق، مِثلُه يساويه لو سألت: ما معنى حيوان، ما الحيوان؟ عرّفته، فجئت بدل كون الحيوان -اللفظ هذا- جئت بتعريفه فقلتَ: الناطق، مساوٍ له؟
قال الشارح: (وكالجنس القريب حدُّه) أي: في أن المركَّب منه، ومن الفصل القريب حدٌّ تام.
كقولك في حد الإنسان: هو الجسم النامي الحسَّاس المتحرك بالإرادة الناطقُ، ما قال: حيوانٌ ناطق، حذَف الحيوان وجاء بتعريف الحيوان.
إذاً: إما أن تأتي بالجنس القريب وإما أن تأتي بتعريف الجنس القريب؛ لأنه لو قيل لك: ما الحيوان؟ ستقول: الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة، هذا تعريف الحيوان.
ولذلك قال: (كالجنس القريب) مثلُه، الجنس القريب مثلُه (حدُّه) يعني: تعريفه.
فإما أن تعبِّر بالجنس القريب بلفظه: حيوان ناطق، وإما أن تأتي بتعريف الجنس القريب مع الفصل القريب، فهما سيّان.
قال: (وَهْوَ) أي: الحد التام.
(وَهْوَ) (أي: الذي يتركب مما ذُكر) من الجنس القريب والفصل القريب، أو حد الجنس القريب والفصل القريب (الحَدُّ التَّامُّ).
يعني: المعروف عند المناطقة بهذا التعبير.
(أما كونُه حداً) يعني: سُمي حداً (فلأن الحد لغة المنع) وهو كذلك، الحداد سُمّي حداداً لمنعه غير الداخل من الدخول، فسُمي الحد حداً لأنه يَمنع.
(وهو مانعٌ من دخول الغير فيه، ومن خروج بعض أفراده) يمنع من الدخول ومن الخروج.
يمنع من الدخول -من غير الأفراد أن يدخل-، ويمنع من الداخل أن يخرج، كشأن البواب يُسمى حداداً يمنع الداخل أن يخرج والعكس بالعكس.
قوله: (مانع) فيه إشارة إلى أن تسميته حداً من تسمية اسم الفاعل بالمصدر للتعلق والاشتقاق.
هذا كونه حداً، لماذا سُمي حداً؟ للمنع من الجهتين، وأما كونه تاماً -يعني: لماذا سُمي حداً تاماً بهذا القيد من التمام- فلِذِكْرِ جميع الذاتيات فيه.
جميع الذاتيات: الجنس والفصل، وهذا واضح.
(وخرج بذكر ماهيّة الشيء الرسمُ) لأنه قال: على ماهيّة الشيء أي: حقيقتِه الذاتية، ما كان كُلّياً ذاتياً، فخرج ما كان عرَضياً، والرسم إنما يكون بالعرَضيات في الجملة، حينئذٍ خرج بقوله: ماهيّة الشيء، ولكن ما ذكَر الحد الناقص هنا.
стр. 214
نحن حملنا على ماهيّة الشيء يعني: الكاملة من كل وجه، وهذا إنما يختص بالحد التام، ولذلك زاد العطار منكِّتاً عليه قال: (وخرج بذكر ماهيّة الشيء الرسمُ والحد الناقص) لا بد نزيد: والحد والناقص، لأنه خرج؛ لأنه لا بجميع الذاتيات بل ببعضها.
(وخرج بذكر ماهيّة الشيء الرسمُ) أي: تاماً كان أو ناقصاً.
قال المحشِّي: (واقتصارُه على إخراج الرسم يفيد أن التعريف للحد تاماً كان أو ناقصاً، بجعل الإضافة لجنسه كما تقدم).
هذا غريب جداً، هذا فيه سهو؛ لأنه هو يقول: (وَهْوَ الحَدُّ التَّامُّ).
يقول: قوله: اقتصاره على الرسم دل على أن الحد يشمل التام والناقص.
اقتصارُه على أنه خرج بالماهيّة -ماهيّة الشيء- .. ماهيّة الشيء المراد: الجنس، الإضافة هنا الجنسية ليس العهدية، فيصدُق بالبعض، فدخل الحد الناقص، لكن الرجل يقول: (وَهْوَ الحَدُّ التَّامُّ) فكيف يقول: دخل الناقص؟ هذا فيه إشكال، ليس بصحيح.
بل الصواب: التنكيت عليه، فيقال: خرج الرسم والحد الناقص أيضاً؛ من أجل التسوية، وأما مجرد دائماً اعتذارات اعتذارات، وعدم التخطِئة هذا ليس بجيد.
قال: (وخرج بِذكْر ماهيّة الشيء الرسمُ، فإنه إنما يدل على آثاره) كما سيأتي.
(وكلامُه يدل على تخصيص الحد بذوات الماهيّات المركّبات، فتخرج البسائط) على ما سبق بيانه.
(وكلامه يدل على تخصيص الحد) أي: حيث عبّر بالتركيب مما ذُكر، لأنه قال: (وهو الذي يتركب مما ذُكر).
(وكما يدل على ذلك يدل على تخصيصه أيضاً بغير الماهيّة المركّبة من أمرين متساويين. على القول بجواز ذلك؛ إذ لا جنس لها).
وهذا مر معنا الخلاف بين المتقدمين والمتأخرين (وكلامُه يدل على تخصيص الحد بذوات الماهيّات المركّبات، وأما البسائط فلا تُحد، فتخرج البسائط فإنها إنما تُعرَّف بالرسوم لا بالحدود) لا تُحد وإنما تعرَّ ف بالرسوم لا بالحدود.
قال في شرح المطالع: (الحقيقة إما بسيطةٌ وهي التي لا جزء لها، أو مركَّبة وهي التي لها جزء.
وكلٌ منهما إما أن يتركب عنها غيرُها أو لا).
(يتركب عنها) يعني: تكون جزءاً لغيرها.
(أو لا) يعني: لا تكون جزءاً لغيرها.
(فهذه أربعة أقسام: أولها: بسيط لا يتركب عنه غيرُه فلا يُحد) بسيط لا يتركب عنه غيره يعني: لا يكون جزءاً لشيء فلا يُحدُّ.
(لعدم تركيبه، ولا يُحد به؛ لكونه ليس جزءاً لغيره.
الثاني: بسيطٌ يتركب عنه غيرُه، وهو البسيط الذي يتحلَّل وينتهي إليه المركَّب بالتحليل، فيُحدُّ به لكونه جزءاً لغيره، ولا يُحدُّ لعدم تركيبه كالجوهر.
الثالث: مركَّبٌ لا يتركب عنه غيرُه يُحدُّ لكونه ذا أجزاء، ولا يُحدُّ به لكونه ليس جزءاً لغيره كإنسان.
الرابع: مركَّبٌ يتركب منه غيره فيُحدُّ ويُحدُّ به كحيوان، وظهَر أن الحدَّ لا يكون إلا لمركب).
هذه القاعدة الأخيرة: ظهر أن الحد لا يكون إلا لمركب، وأما البسائط فلا تُحد وإنما تُعرَّف بالرسوم أي: الناقصة كأن تُعرَّف بخاصة فقط -على القول بجوازه كما سيأتي-، أو بجملة خواص. وإنما الحدود تكون خاصة بالمركبات.
قال الشارح: (ويُعتبر في الحد) أي: يُشترط أو يجب على قول العطار.
"يُعتبر" الكثير في الاستعمال إذا قيل: يُعتبر كذا يعني: يُشترط هذا في الغالب.
стр. 215
(ويُعتبر في الحد) أي: يُشترَط.
لكن على كلام العطار فيما يأتي: ويجب. والوجوب لا يستلزم الشرطية، الوجوب حتى في الشرع إذا قيل: يجب. لا يستلزم الشرطية إلا على وجه آخر بتأويل.
ولذلك اختلفوا فيه عند النجاسة، يجب إزالتها، دل الدليل على وجوب إزالتها، لكن كونها شرطاً هذا يحتاج، ولذلك نازع الشوكاني ونازع ابن حزم في هذه المسألة، لكن لهم وجه آخر وهو أن المأمور به منهيٌ عنه، فتوقَّفَتْ عليه الماهيّة، وإذا توقفت الماهيّة معناه توقفها على الشرط لا على الركن؛ لأنها خارجة عنها، فبهذا الوجه يمكن أن يقال بأنها شرط والجمهور على هذا.
على كلٍ "يُعتبر" يعني قال: يُشترط.
(ويُعتبر في الحد التام تقديمُ الجنس على الفصل) قوله: (في الحد التام) هل هذا خاصٌ بالحد التام أو نقول: يشمل كذلك الحد الناقص؟ نقول: يشمله.
يعني قوله: (ويُعتبر في الحد التام) نقول: والناقص أيضاً.
ماذا يُعتبر؟ يُعتبر تقديم الجنس على الفصل. يعني: يُشترط أن يُقدَّم الحيوان على الناطق، فإذا قلت: "ناطق حيوان "عند الكثير من المتأخرين لا يكون حداً تاماً، يكون ناقصاً .. نزل يعني: لا ينتفي عنه الحدية يعني: لا يكون تاماً وإنما يكون ناقصاً.
ولذلك قال: (ويُعتبر في الحد التام –يعني يُشتَرط- تقديمُ الجنس على الفصل؛ لأن الفصل مفسِّرٌ له) للجنس.
(ومفسِّر الشيء متأخرٌ عنه) إذاً: الفصل كالمفسِّر، كالصفة مع الموصوف، وشأن الصفة التأخر عن موصوفها، وهنا المفسِّر شأنُه التأخير عن مفسَّره، فحينئذٍ يجب أن يكون متأخراً.
فلو قُدِّم نقول: هذا لا يكون حداً تاماً وإنما يكون حداً ناقصاً كما لو قال الناطق: ناطقٌ حيوان.
قال هنا: (لأن الفصل مفسِّر له) وهذا تعليل أي: مخصِّص قال هنا.
(الفصل مفسِّر له) أي: مخصِّص له.
قال العطار: (مراد الشارح بالتفسير) وإن كان المحشِّي فسره بالتخصيص له معنى آخر.
(مراد الشارح بالتفسير: أنه عِلَّة لرفع الإبهام، إلا أنه تسمَّح في تسمية الفصل مفسِّراً) من باب التجوُّز.
(فهو عِلَّةٌ لرفع الإبهام، والعِلَّة ليست من المفسِّر في شيءٍ حقيقةً، لكن لما زال بها الإبهام صارت كالمفسَر) يعني: إذا قيل: ما الإنسان؟ قال: حيوان، فيه إبهام أو لا؟ فيه إبهام ما عيَّن.
هل المراد به ما يقع على حقيقة الفرس، أو على حقيقة الحمار، أو حقيقة الحيوان الناطق .. إلى آخره.
ففيه إبهام، فجاء الناطق كالمفسِّر، وهو سمّاه عِلَّةً لرفع الإبهام.
(وقوله: مفسِّر الشيء متأخرٌ عنه. أي: ما هو مفسِّر حقيقة، وهذا لا يقتضي أن الفصل متأخرٌ في الوجود عن الجنس) وهو كذلك.
(لأنهما مجعولان معاً، بحسب تعقُّل الجنس مبهماً ثم إزالةُ الفصل للإبهام يكون التأخر بحسب التعقُّل) وهو كذلك.
يعني: إذا قيل بأنه يكون متأخراً عنه، متأخراً عنه في التعقُّل، تَفهم معنى الجنس ثم يقع إبهام، ما المراد بهذه الحقيقة؟ ثم يأتي الفصل إذاً: تأخر عنه، فتتعقَّل معنى الفصل، حينئذٍ يزول الإبهام الذي في الجنس السابق.
أما في الوجود لا يمكن أن يوجد الجنسية ثم يوجد بعد ذلك الناطقية لا، هما موجودان معاً، الإنسان يولد بإنسانيته كاملاً هذا المراد.
قال هنا: (المراد أن الصورة الجنسية مبهمةٌ في العقل).
стр. 216
(الصورة الجنسية) يعني: مدلول لفظ الحيوان (مبهمةٌ في العقل يصح أن تكون أشياء كثيرة) تصدق على الفرس، وعلى البغل .. إلى آخره.
(وهي عينُ كل واحد منها في الوجود، وغير متحصِّلة بنفسها لا تُطابق تمام ماهيتها المتحصلة، فإذا انضاف إليها الصورة الفصلية عيّنَتها وحصّلَتها أي: جعلتها مطابقة للماهية التامة، فهي عِلَّة لرفع الإبهام والتحصيل والعلية بهذا المعنى لا يمكن إنكارُها) ولا إشكال فيه.
على كلٍ الخلاف هنا سمّاه مفسِّراً أو عِلَّة الخلاف لفظي، لكن المراد أن الجنس فيه إبهام، فجاء الفصل كاشفاً معيِّناً. سمِّه عِلَّة، سمه تفسيراً لا إشكال فيه.
قال هنا: (قيل: لا يمكن تعريفُ شيء).
إذاً: المسألة السابقة: يُشترط تقدُّم الجنس على الفصل، هذا هو المشهور.
وقيل: لا يجب. لا يجب في الحد التام، فإذا قلت: "حيوانٌ ناطق، ناطق حيوان" حدٌّ تام، لكن هذا خلاف المشهور.
وقيل: (لا يجب تقديم الجنس، فناطقٌ حيوان حدٌّ تام، إلا أن الأَولى تقديم الأعم لشدته وظهوره. نعم لا بد من تقييد أحدهما بالآخر، حتى يحصِّل صورة مطابقة للمحدود، ولذا قال الشارح: ويُعتبر دون يجب للإشارة إلى أن الوجوب ليس متفقاً عليه) لا، هذا كلام العطار، ويحتمل أنه عبّر بيُعتبَر يعني: يُشترط ورجَّحه.
لماذا تجزم بأنه قال: يُعتبر دون يُشترط؟ نقول: الغالب في استعمال الشُرَّاح والمصنفين أنَّ يعتبر مراداً به الاشتراط، فحملُه على الوجوب خلافُ الظاهر.
ثم نحمل أنه قد رجَّح أنه يُشترط، حينئذٍ لا يصح أن يسمى ناطقٌ حيوان حداً تاماً.
(قيل: لا يمكن تعريف الحد لئلا يلزم التسلسل) تعريف الحد الذي هو السابق، لو قيل: ما الحد؟ ما تستلزم معرفتُه معرفتَه أو امتيازه عنه، هذا التعريف صحيح أم لا؟ قال بعضهم: لا يمكن أن نعرِّف الحد كما قال الجويني وغيره في العِلم، محال عند بعضهم، وبعضهم ضرورة أن يُعرِّف العلم يعني: العلم لا يتعرَّف، لو عرّفته يحتاج إلى تعريف وهكذا.
هنا قيل ما قيل في العلم: أن الحد لا يمكن تعريفه.
قال: (قيل) يعني: قال قائلٌ.
(لا يمكن تعريفُ الحد) قال المحشي: (مثلُه الرسم والمعرِّف والقولُ الشارح، فالأَولى إبدال الحد بالتعريف) هو هذا .. المراد التعريف السابق.
(لئلا يلزم التسلسل) يعني: على تعريف التعريف التسلسل.
كيف بيانُه؟ أنه يلزم من احتياج التعريف لتعريف احتياجُ تعريفِ التعريف لتعريف .. وهكذا إلى ما لا نهاية. وهذا فاسد، الأصل ليس بوارد كما سيأتي.
إذاً: قالوا: لا يمكن تعريفه؛ لأنك لو عرَّفته لاحتاج التعريف إلى تعريف، ولو عرّفت التعريف لاحتاج تعريف التعريف إلى تعريف .. وهكذا، هذا يسمى التسلسل.
(لئلا يلزم التسلسل) قال: (بيانُه: أنه يلزم من احتياج التعريف لتعريف احتياجُ تعريف التعريف لتعريف .. وهكذا إلى غير نهاية).
قال هنا: (وأُجيب) يلزم التسلسل قال العطار هنا: (لأن تعريف الحد حدٌ له، فلو احتاج الحد إلى حد هكذا للزم التسلسل).
(وأُجيب بمنع لزومِه) يعني: التسلسل (بمنع لزومه) يعني: ليس بلازم. لماذا؟
قال: (لأن حد الحد نفسُ الحد) وإذا كان كذلك حينئذٍ كالشاة من الأربعين تُزكِّي نفسَها وغيرَها فلا تحتاج إلى حد.
стр. 217
(حد الحد نفس الحد، كما أن وجود الوجود نفس الوجود.
بمعنى: أن حد الحد من حيث إنه حدٌ مندرجٌ في الحد وإن امتاز عنه بإضافته إليه).
قال: (لأن حد الحد نفسُ الحد).
قال المحشِّي: (أي: حدٌ فهو فردٌ وجزئيٌ للحد المعرَّف، فعُرِفت حقيقتُه وانشرحت ماهيته بنفسِه، فلا يحتاج لحدٍ آخر).
إذا عرّفت الحد نقول: هذا الحد لا يحتاج إلى حدٍ آخر؛ لأنه هو منكشف بنفسه، والمنكشف المعلوم لا يحتاج إلى إيضاح، وإنما الذي يحتاج إلى إيضاح هو المجهول، حينئذٍ لا يحتاج إلى حد، نمنع أن يكون ثَم احتياجٌ لحد الحد.
(فلا يحتاج لحدٍ آخر حتى يلزم التسلسل، فهو كقول الفقهاء: في الشاة من الأربعين إنها تزكي نفسَها وغيرها) وهو واضحٌ بيِّن.
(لأن حد الحد نفسُ الحد).
قال: (ضرورة أن المعرِّف عين المعرَّف، ولكن هذا من حيث مفهومُ الحد وقطع النظر عن عروض الإضافة لحده، فإن نُظر إليها فحد الحد أخص من الحد).
"حد الحد حدٌ" مطلق الحد، فرقٌ بين مطلق الحد وبين حد الحد، مطلق الحد هذا بقطع النظر عن الإضافة، حد الحد هذا بالنظر إلى الإضافة.
حدُّ الحد هذا أخص من مطلق الحد.
قال: (كما أن وجود الوجود نفسُ الوجود) قال: كذا في النسخة الصحيحة (وجود الوجود نفسُ الوجود في الموضعين، ولعل الصواب فيهما الموجود.
أي: فليس الموجود صفة زائدة على موصوفها كالعلم والقدرة، حتى يُحتاج إلى وجودٍ، ووجودها إلى وجود .. وهكذا فيلزم التسلسل المحال).
لا، الظاهر أن النسخة كما هي ليست "الموجود" وإنما الوجود؛ لأن الوجود إذا قيل: الوجود نفسُه لذات الشيء حينئذٍ نقول: الوجود عينُه، هل هو وصفٌ زائدٌ عليه؟ نقول: لا، وإنما وُجد بنفسه بذاته، كذلك الحد.
فحينئذٍ نقول: حد الحد وُجد بنفسه متضحاً منكشفاً فلا يحتاج إلى غيره، فليس هو قدر زائد عليه حتى يحتاج إلى بيان وإيضاح، وإنما هو معلومٌ، كذلك الوجود عينُ الموجود فلا يحتاج إلى شيءٍ زائدٍ عنه، هذا المراد هنا.
قال العطار: (الوجود كون الشيء في الخارج أو في الذهن) يعني: وجود خارجي ووجودٌ ذهني.
(ومن البديهي أن الكون أمرٌ إضافي مغايرٌ للمضاف إليه).
كون الشيء، لا شك أن كون مضافٌ للشيء، والمضاف والمضاف إليه في الأصل التغاير بينهما، ولذلك قيل: لا يضاف اللفظ إلى نفسه.
وَلاَ يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ ... مَعْنىً وَأَوِّلْ مُوْهِمَاً إذَا وَرَدْ
لا بد من تأويله.
قال: (ومن البديهي أن الكون أمرٌ إضافي مغايرٌ للمضاف إليه، فكيف يكون غير الوجود موجوداً في الخارج؟
والجواب: أن مراد من قال: إن الوجود موجودٌ، وأنه منشأ الآثار والأحكام يقول: كل شيءٍ يغاير الوجود يكون موجوداً بالوجود كالشمس يكون مضيئاً بالضوء؛ فإنه مضيءٌ بذاته لا بأمرٍ زائدٍ على نفسه، فكذا الوجود موجودٌ بذاته).
هذا يمكن أن يقال في بعض المخلوقات، لكن الكلام لا ينزَّل على الذات الإلهية، فلا يقال بأنه: يُبصر بذاته لا بقدرٍ زائد على الذات، ويعلمُ بذاته لا بقدرٍ زائد على الذات، هذا مذهب المعتزلة، يرون أن الصفات .. يُنكرونها من حيث أنها قدرٌ زائد على الذات، المعتزلة وغيرهم بعضهم وافقهم.
стр. 218
فحينئذٍ إذا قيل: بأن الله تعالى يعلم، والله تعالى يُبصر، والله تعالى يسمع. فحينئذٍ نقول: السمع هل هو بذاته أم بقدرٍ زائد على الذات؟
مذهب أهل السنة الثاني، وإلا ما أثبت صفة، لو قلت: يسمع بذاته. الذات هذه متفق عليها حتى إبليس يثبتها، لكن إذا قيل: يسمع أو يُبصر ماذا تعني؟
ولذلك ليس كل من أثبت صفة يكون على وفق أهل السنة والجماعة، ولذلك نحن نقول: الأشاعرة ليسوا من أهل السنة والجماعة، يقولون: هم قريبون منا لأنهم أثبتوا سبع صفات!
نقول: تعال: كيف أثبتوا هذه الصفات؟
أولاً: هل أثبتوها بالنقل؟ لا، أثبتوها بالعقل.
إذاً: الأساس فاسد عندهم، ما أثبتوها بالنقل وإنما أثبتوها بالعقل، وهذا كيفية الاستنباط أو أخذ الصفات والأسماء من الكتاب والسنة هذا أصلٌ شرعي، المخالِف فيه يُبدَّع.
حينئذٍ إذا جعَل مصدراً غير الكتاب والسنة في الأسماء والصفات هذا ليس من أهل السنة والجماعة، ثم إذا كانت النتيجة أثبتَ بالعقل الكلام.
طيب. ما معنى الكلام عند الأشعري؟ القول النفسي أو الكلام النفسي، هل هو مذهب أهل السنة والجماعة؟
إذاً: أثبتَه بطريقٍ مخالف لطريق أهل السنة والجماعة، ثم المعنى ليس هو المعنى، ما بقي إلا كلمة الكلام فقط التي أثبتَها، ما أثبتوا إلا لفظ الكلام، ولفظ السمع، ولفظ البصر .. إل آخره.
حينئذٍ نقول: مذهب أهل السنة والجماعة هو إثبات الصفات وأن الصفة قدرٌ زائدٌ على مجرد الذات، وليست هي عين الذات، فلا نقول: يسمع بذاته، يُبصر بذاته، يعلم بذاته .. فردَدْنا كل شيء إلى الذات.
لأن عندهم الصفة إذا أُثبِتت بقدرٍ زائد على الذات قالوا: تعدُّد القدماء .. هذا يلزم منه تعدد القُدماء! هذا في عقولكم الفاسدة وإلا لا يلزم منه شيء.
هذا الكلام الذي يقول هنا العطار: أن الشمس تضيء بذاتها لا بقدرٍ زائد على الذات، يقال: الشمس الله أعلم بحالها، لكن هذا الكلام لا نأخذه ونطبقه في باب المعتقد، هذا الذي أعنيه. يعني: إذا سلمتُ به هنا أو سكتُ عنه لا يلزم منه أن نأخذه ونطبِّقه في باب المعتقد، باب المعتقد منقولٌ كاملاً لا نحتاج إلى عقل لا جويني ولا الفخر ولا غيره، بعقول الصحابة وفهم الكتاب والسنة أمرٌ واضح، بل هو من أوضح الواضحات، وإنما الإشكال يقع في فساد العقول فقط، وإلا الأصل أنه واضح.
بل ذكر ابن القيم أن آيات الصفات والأسماء ليست من المحكم فحسب، بل هي من أحكم المحكم. والمحكم أعلاه الواضح المتضح، المتشابه: الذي لم يتضح.
وهؤلاء يدّعون أنه من المتشابه، هذا باطل فاسد.
نقول: هو من المحكم، بل من أحكم المحكم، ولذلك لم يرد عن الصحابة أنهم سألوا عن آية واحدة، لا لكونهم كما يقولون: إنهم فوَّضوا المعنى لا، ولكن لكونهم قد فهموا المراد.
يعني: ((وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)) جاء قبلها: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) [الشورى:١١].
стр. 219
الذي عنده مِسكة عقل يفهم أن إثبات السمع والبصر لا يستلزم المماثلة، ثم نحمل هذه القاعدة على جميع القرآن من أوله إلى آخره وأحاديث الصفات. لا إشكال فيه، الذي سلِمت نفسه وكانت على الفطرة ما عنده أي إشكال، ولذلك نقول: عدم سؤال الصحابة لا لكونهم جهلوا ففوَّضوا كما يدَّعيه من يدَّعي، وإنما نقول: لكونهم علموا وفهموا المراد، وعرفوا أن إدراك الكُنه لمثل هذه المسائل مما لا يُسأل عنه، فتأدبوا مع الله تعالى ومع رسوله ﷺ ، فلم يسألوا عن حرفٍ واحد.
قال هنا: (بمعنى: أن حد الحد من حيث إنه حدٌ).
يقول العطار: (حد الحد هذا تصويرٌ لكون حد الحد نفس الحد، ومعناه: أن حد الحد بقطع النظر عن عروض الإضافة).
"حد الحد بقطع النظر عن الإضافة" عندنا مضاف ومضاف إليه هنا.
(حد الحد بقطع النظر عن عروض الإضافة داخلٌ في مفهوم الحد، فهو من هذه الحيثية صادقٌ على نفسه وصادقٌ على غيره.
كصِدْق قولنا في تعريف الخبر: هو ما احتمل الصدق والكذب).
ما هو الخبر؟ ما احتمل الصدق والكذب.
طيب. جملة: ما احتمل الصدق والكذب؟ هو عينُه المذكور .. واضحة لا تحتاج إلى تعريف. ما احتمل الصدق والكذب، طيب: "جملة ما احتمل الصدق والكذب"؟ هذه داخلة لا نحتاج إليها بل هي هي عينُها، ولذلك قال: (داخلٌ في مفهوم الحد) فهذه الجملة "ما احتمل الصدق والكذب" داخلةٌ في هذا الحد، هي نفس الحد لا نحتاج إلى شيءٍ خارجٍ عنها.
(صادقٌ على نفسه كصدق قولنا في تعريف الخبر: هو ما احتمل الصدق والكذب على هذه الجملة، وله نظائر كثيرة.
وليس معناه: أن حد الحد فردٌ من أفراد مطلق الحد) وهو الذي ذكره فيما سبق أي: حدٌ فهو فردٌ جزئي، هذا ذكره المحشي، وإن سكتنا عنه لأنه مما يسوغ فيه الخلاف هذه المسألة، ليس فيها تحديد.
(وليس معناه: أن حد الحد فردٌ من أفراد مطلق الحد كما فهمه البعض، فإنه ذهولٌ عن قول الشارح من حيث إنه حدٌ، فإن هذه حيثيةُ إطلاق.
وأما كونه فرداً فإنما هو باعتبار عروض الإضافة، والنظر مقطوعٌ عنها من هذه الحيثية، ولذلك قال الشارح بعد ذلك: وإن امتاز عنه بإضافته إليه) يعني: انفصل عنه.
(فأما ما قيل: إنه مندرجٌ في الحدِّ أي: فيما يُطلق عليه اللفظُ، بمعنى: أن هذا اللفظ كما يُطلق على نفس الحد يُطلق على حده فتكلُّفٌ يأباه لفظ الاندراج، فإنه يكون في الأمور الكُلّيّة لا في الاصطلاحات أو الإطلاقات اللفظية).
قال بعضهم بعد تقرير السؤال والجواب عن هذه المسألة التي ذكرناها وتحتاج إلى تأمل منكم.
(قال بعضهم بعد تقرير السؤال والجواب المذكورين في الشرح: إن هذا لا يتخيل ورودَه من له أدنى شعور).
هذه من الفلسفة، ومن التدقيقات التي قد لا يفهمُها صاحبُها.
قال: (لأن حد الحد إن أُريد به مصدوقُه فالتسلسل إنما يلزم لو كان يُعرَّف).
يعني: ما يصدق عليه تعريفات: الإنسان حيوانٌ ناطق. الفاعل اسم مرفوع .. إن كان المقصود؟ هذا ليس مقصوداً، نحن لا نعرِّف الحد باعتبار المصدوقات يعني: الأفراد، ما نقول: الإنسان له أفراد؟ الإنسان حيوان، حيوان ناطق أين وجوده في الذهن؟ له أفراد ومصدوقات؟ له مصدوقات.
إذاً: كل واحد ينطبق عليها.
стр. 220
حد الحد ما حقيقته التي تكون في الذهن .. المعنى الكلِّي؟ ما تستلزم معرفتُه معرفتَه.
إذاً: نحن نعرّف التعريف باعتبار المصدوق، وهذا يصدق على تعريف الفاعل إلى ما لا نهاية، هل نعرّف الفاعل وو .. إلى آخره في تعريفٍ واحد، أم نأتي بالمفهومات فقط الذي هو مفهوم المعرِّف؟ الثاني.
حينئذٍ الثاني هذا لا يحتاج إلى تعريف.
قال: (إن أُريد به مصدوقُه فالتسلسل إنما يلزم لو كان يُعرَّف) ولا يُعرَّف، إنما نعرّف الحد والتعريف باعتبار مفهومه العام الذي هو المعنى الكلِّي يكون في الذهن، لا باعتبار المصدوق، هذا لا يمكن تعريفُه باعتبار المصدوقات؛ لأنه يحتاج ماذا؟ كل ما يمكن تعريفه تأتي به.
(ولكن ليس هو الذي يُعنَى بالتعريف، وإن أُريد مفهومُه) وهو مقصودنا هنا (فلا شك أنه لا يلزم تسلسلٌ في تعريفه كما لا يلزم في سائر المفهومات).
إذاً: التسلسل ليس بوارد من أصله.
قال رحمه الله تعالى: (وَالحَدُّ النَّاقِصُ) هذا النوع الثاني.
(وَالحَدُّ النَّاقِصُ: وَهْوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ جِنْسِ الشَّيْءِ الْبَعِيدِ وَفَصْلِهِ الْقَرِيبِ.
كَالْجِسْمِ النَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ).
(الحدُّ) هذا مبتدأ، (الناقص) هذا نعت .. صفة، (الحد الناقص) مبتدأ، الخبر؟
(وَالحَدُّ النَّاقِصُ، كَالْجِسْمِ النَّاطِقِ).
(وَهْوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ جِنْسِ الشَّيْءِ الْبَعِيدِ وَفَصْلِهِ الْقَرِيبِ) هذه جملة معترِضة، ولذلك وقفتُ مع إعرابها؛ لأنها قد تلتبس.
إذاً: (كَالْجِسْمِ) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، (وَالحَدُّ النَّاقِصُ. كَالْجِسْمِ النَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ).
وقوله: (وَهْوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ .. ) إلى آخره. جملة اعتراضية بيَّن بها حال المبتدأ.
هناك قال: الحد وسكت، وهنا قال: الناقص، فاحتاج أن يبيِّن، ولذلك جاءت هذه الجملة الاعتراضية.
فقوله: (وَهْوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ) هذا أراد أن يبيّن به الناقص.
(وَهْوَ) يعني: القول.
(الَّذِي) هذا جنس شامل كل معرِّف.
(يَتَرَكَّبُ) إذاً: التركيب .. كالسابق يعني.
(مِنْ جِنْسِ الشَّيْءِ) المعرَّف.
(الْبَعِيدِ) لا القريب ولا المتوسط، وقيل يدخل المتوسط هنا؛ لأنه أراد بالبعيد مقابل القريب، فيحتمل حينئذٍ .. الاحتمال وارد، ولذلك في شرح السلَّم على هذا يجرون.
(وَفَصْلِهِ) أي: المعرَّف.
(الْقَرِيبِ. كَالْجِسْمِ النَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ).
إذا قيل: ما الإنسان؟ فقال: الجسم الناطق.
هنا ماذا جاء، ركَّب الحد هنا من ماذا؟ الجسم وهو جنس، لكنه جنسٌ بعيد؛ لأن تحته الجسم النامي، وتحته الحيوان. إذاً: هو جسمٌ بعيد.
(النَّاطِقِ) هذا فصلٌ قريب.
قال: (أما كونه حداً فلِما مر) ما هو الذي مر؟ أنه في اللغة بمعنى المنع، فهو مانعٌ من الدخول ومن الخروج على ما سبق، هذا (أما كونُه حداً فلِما مر)، (وأما كونُه ناقصاً فلعدم ذكر جميع الذاتيات فيه).
هذا التعبير تأخذ به وتؤكِّد هناك على أن معنى ماهيّة الشيء -أي: حقيقته الذاتية- المراد بها جميع الذاتيات، حينئذٍ قولُه: فخرج الرسم تقول: (وَالحَدُّ النَّاقِصُ) يتأكد ما مضى.
стр. 221
قال: (وَالرَّسْمُ التَّامُّ وَهْوَ) يعني: وهو القول.
(الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ جِنْسِ الشَّيْءِ الْقَرِيبِ وَخَوَاصِّهِ الَّلاَزِمَةِ لَهُ كَالحَيَوانِ الضَّاحِكِ) يعني: بالقوة (فِي تَعْرِيْفِ الْإِنْسَانِ).
قلنا: بالقوة لا بد من تقييده لأنه لا يعرَّف بالفعل.
قال هنا: (وَخَوَاصِّهِ الَّلاَزِمَةِ) إذاً: الجنس جنس الشيء قال: القريب يعني: لا البعيد.
(وَخَوَاصِّهِ الَّلاَزِمَةِ) هنا إضافتُه جنسية. يعني: لا يُشترط الخواص، وإنما المراد به ما يتعلق به، إضافة جنسية فأبطلت معنى الجمعية؛ إذ لا يُشترط في تمام الرسم تعدُّد الخاصة. وهو كذلك.
والتعبير المشهور عند المناطقة الخاصة .. يأتون بخواصه بالإضافة، نقول: إضافة جنسية فأبطلت معنى الجمعية فيصدُق بالواحدة .. الخاصة.
(خواصِّه) قيَّد هنا الخواص باللازمة؛ احترازاً عن المفارِقة.
(قيَّد باللازمة لامتناع التعريف بالخاصة المفارِقة كالضاحك والكاتب بالفعل، فلا يقال: الضاحك أو الكاتب بالفعل في تعريف الإنسان؛ لكونها أخص من ذي الخاصة، والتعريف بالأخص غير جائز.
وإن كان هذا غير متفقٍ عليه لا سيما في الرسوم) يعني: التعريف بالأخص.
على كلٍ: لا يؤتى بالخاصة المفارِقة، وإنما يؤتى بالخاصة اللازمة؛ لأنها هي التي يحصل بها التمييز.
قال: (وَخَوَاصِّهِ الَّلاَزِمَةِ لَهُ كَالحَيَوانِ الضَّاحِكِ فِي تَعْرِيْفِ الْإِنْسَانِ).
ما الإنسان؟ قال: الحيوان الضاحك. الحيوان هذا جنس قريب، ولذلك قيَّده الشارح، صاحب المتن قال: (جِنْسِ الشَّيْءِ)، قيَّده: القريب، أَخَذه من المثال، قلنا: أي القريب (جِنْسِ الشَّيْءِ الْقَرِيبِ).
انظر هذا الشارح ذكر القريب، من أين أخذ هذا القيد الكاشف؟
أخذه من المثال؛ لأنه ذكَر الحيوان والحيوان جنسٌ قريب.
إذاً: ما الإنسان؟ قال: الحيوان الضاحك. إذاً: جمَع بين الجنس وبين الخاصة اللازمة، وإذا أُطلِقت لا يحتاج أن تقول في الحد: الضاحك بالقوة، ما يحتاج لفظ بالقوة؛ لأن بالفعل لا ترِد أصلاً، أنت تخاطب من يعرِف، فحينئذٍ لا يحتاج إلى التقييد. هذا يسمى رسماً تاماً.
(أما كونُه رسماً فلأن رسمَ الدار أثرُها) يعني: الرسم هو الآثار.
(ولما كان التعريف بالخاصة اللازمة التي هي من آثار الشيء، كان تعريفاً بالأثر) هذا فيه قلب يعني، ولذلك في الحاشية التعبير أحسن.
قال: (المناسب: ولما كانت الخاصة من آثار الماهيَّة سُمِّي التعريف بها رسماً) هذا المراد.
يعني: لماذا سُمِّي رسماً؟ لأن التعريف بالخاصة، وهي أثر (لما كانت الخاصة من آثار الماهيّة) هي ليست داخلة في الماهيّة، بل هي خارجة لأنها عرَض.
(سُمّي التعريف بها رسماً) وهي أوضح من كلام المصنف هنا.
قال: (ولما كان التعريف بالخاصة اللازمة التي هي من آثار الشيء، كان تعريفاً بالأثر) عبارته صحيحة لكن فيها شيءٌ من الغموض.
(وأما كونه تاماً فلمشابهته) يعني: الرسم التام (الحد التام).
ما وجه المشابهة؟
(من حيث إنه وُضع فيه) يعني: قُدِّم فيه (الجنس القريب وقُيِّد بأمرٍ يختص بالشيء).
وهو كذلك: ما الإنسان؟ تقول: حيوانٌ ناطق، هذا ما نوعه؟ حدٌ تام.
стр. 222
ما الإنسان؟ حيوانٌ ضاحك. رسمٌ تام، متشابهان: حيوان حيوان، قيّدت الحيوان في الأول بناطق وهو من اختصاصاته، وقيّدت الثاني –حيوان- بضاحك وهو من خصائصه كذلك. إذاً: فيه شيءٌ من المشابهة.
(وُضع فيه الجنس القريب) يعني: قُدِّم.
(وقُيِّد بأمرٍ يختص بالشيء.
والحد التام لاشتماله على الذاتيات أقوى في المنع، وأبعدُ عن الشبهة والاحتمال. فخُصَّ بذلك اصطلاحاً، مع ما في الرسم التام من مناسبة التخصيص باسم الرسم).
إذاً: هذا وجه التسمية هنا بالرسم التام، أما الرسم فلكون ما يُذكر من الخاصة أثراً من آثار الماهيّة، والتام لكونه أشبَهَ الحدَّ التام فيما ذُكر.
قال هنا: (وَالرَّسْمُ النَّاقِصُ وَهَوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ عَرَضِيَّاتٍ) يعني: من كُلِّيّات.
(عرضيات أفاد بالجمع أنه لا تكفي خاصةٌ واحدة، وهذا مذهب المتقدمين المانعين التعريف بالمفرد).
(وَهَوَ) أي: القول (الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ عَرَضِيَّاتٍ تَخْتَصُّ جُمْلَتُهَا) أي: مجموعها، وإن لم يختص كلٌ منها.
يعني: المجموع جاء بخمس صفات، هذه الخمس الصفات لا توجد إلا في الإنسان، أما بعضُها فيوجد في الإنسان وفي غيره، هذا المراد بعرَضيات .. صفات مجموعها تختص بالإنسان، لكن بعضها مشترَك.
ولذلك قال: (وإن لم يختص كلٌ منها).
قال: (تَخْتَصُّ جُمْلَتُهَا) أي: مجموعُها.
(وإن لم يختص كلٌ منها) (بِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ) سواءٌ اختص كلٌ منها بها أو بعضِها، أو لم يختص شيءٌ منها بها.
قال: (كَقَوْلِنَا فِي تَعْرِيفِ الْإِنْسَانِ) سنأتي على المفردات.
ما هو الإنسان؟ قال: (إِنَّهُ مَاشٍ عَلَى قَدَمَيْهِ، عِرِيضُ الْأَظْفَارِ، بَادِي الْبَشَرَةِ، مُسْتَقِيمُ الْقَامَةِ، ضَحَّاكٌ بِالطَّبْعِ) خمس صفات، هذا تعريف للإنسان بعرَضيات، مجموعُها كلها لا يكون إلا في الإنسان، وأما بعضها فيصدق على الإنسان وعلى غيره.
ولذلك قال هنا: (مَاشٍ عَلَى قَدَمَيْهِ. هذا شاملٌ للدجاج والعصفور ونحوها.
عِرِيضُ الْأَظْفَارِ. هذا شاملٌ للبغل والحمار والفرس.
بَادِي "أي: ظاهر" الْبَشَرَةِ. هذا شاملٌ للثعبان ونحوه.
مُسْتَقِيمُ الْقَامَةِ. هذا شاملٌ لآدمي البحر.
ضَحَّاكٌ بِالطَّبْعِ. هذا شاملٌ للنسناس) هكذا يقول، أنت خذ المثال فقط.
وَالشَّأنُ لاَ يُعْتَرَضُ المِثَالُ ... إِذْ قَدْ كَفَى الفَرْضُ وَالاِحْتِمَالُ
قال: (مَاشٍ عَلَى قَدَمَيْهِ. أخرج الماشي على أربع أو أكثر كالدود والماشي على بطنه).
إذاً: وصف (مَاشٍ عَلَى قَدَمَيْهِ) هل هو خاصٌ بالإنسان؟ لا ليس خاصاً.
(عِرِيضُ الْأَظْفَارِ) أخرج مُدَوَّرَها كالطير.
(بَادِي الْبَشَرَةِ) أي: ظاهر الجِلدة، أخرج مستورَها بوبر أو صوف أو شعر أو شوك.
(مُسْتَقِيمُ الْقَامَةِ) أخرج غير مستقيمها.
فكل صفةٍ) هذا الشاهد.
(من هذه الصفات لا تختص بالإنسان؛ لحصول الأول في الدجاج، والثاني لنحو البقر، والثالث لنحو الحية، والرابع لنحو الشجر. وأما مجموعها فمختصٌ به).
(ضَحَّاكٌ بِالطَّبْعِ) أي: بالقوة، هذا مختصٌ بالإنسان.
стр. 223
إذاً: الرسم الناقص يتركب من عرَضيات، هذه العرضيات تختص جملتُها مجموعُها بحقيقة واحدة، وإن لم يختص كلٌ منها بهذه الحقيقة كالمثال المذكور الذي ذكره المصنف.
قال هنا: قوله: (تَخْتَصُّ جُمْلَتُهَا. أفاد أن العرَض العام لا يُعرَّ به) يعني: لا يقع وحده معرِّفاً.
(ولو تعدَّد؛ إذ لا يختص بحقيقة واحدة كتعريف الإنسان بأنه ماشٍ متنفِّس).
لو قيل: ما الإنسان؟ قال: ماشٍ متنفس، ما نوع ماشٍ؟ عرَض عام، متنفس؟ عرض عام، ولو تعدَّد؟ ولو تعدد. لا يقع التعريف به.
قال العطار: (لم يعتبره) يعني: العرَض العام.
(لم يعتبره المتأخرون من المناطقة) يكاد يكون عندهم إطباق المتأخرون: أن العرض العام لا يقع التعريف به.
(وحينئذٍ فإيراده في مباحث الكُلِّيّات على اصطلاحهم إنما هو بالعرضي على سبيل الاستطراد.
وأما على مذهب من اعتبره وهم المتقدمون فلا) إذاً: اعتبره المتقدمون والمتأخرون لم يعتبروه.
(وقد اعتبره المعتبرون في الرسوم الناقصة).
ثم قال: (وأما النوع فغير معتبرٍ في التعريفات عندهم مطلقاً).
الكلام هنا في الجنس والفصل .. إلى آخره، والنوع هل يُعتبر في التعريفات؟
قال: (وأما النوع فغير معتبرٍ في التعريفات عندهم مطلقاً، فذِكرُه في مباحث الكُلِّيّات استطراديٌ اتفاقاً) من باب الاستطراد.
(وأما قولهم في تعريف الصنف كما يقال: الرومي إنسانٌ في بلاد الروم، فهو تعريفٌ اسميٌ لماهيّة اعتبارية، وذكرُ النوع فيه إنما هو من حيث إنه جنسٌ اسميٌ لا من حيث إنه نوعٌ حقيقي).
جنس اسميٌ يعني: لا باعتبار الاصطلاحات المنطقية، وإنما هو وصفٌ خارجٌ عنه يعني: مصطلحٌ خاص.
إذاً: النوع لا يُعتبر مطلقاً، ولا يقع في الحد.
قال هنا: (أما كونُه رسماً فلما مر) من كونها أثر عنه.
(وأما كونُه ناقصاً فلعدم ذكر جميع أجزاء الرسم التام).
الرسم التام قلنا مؤلفٌ من جنسٍ قريب وخاصةٍ لازمة، لو ذكر هنا خواص متعددة ولم يذكر الجنس حينئذٍ لا يكون رسماً تاماً وإنما يكون ناقصاً.
قال رحمه الله تعالى: (وبقيتْ أشياء مختلفٌ فيها) أي: بقيت أشياء من صور التعريف مختلفٌ فيها.
(وبُحِث فيه بأنه يقتضي أن قول المصنف: وهو الذي يتركب من عرَضيات الشيء ليس من المختلف فيه).
قال في الرسم الناقص: (وَهَوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ عَرَضِيَّاتٍ) ثم بعد أن انتهى من شرح الرسم الناقص قال: (وبقيت أشياء مختلفٌ فيها) مفهومُه: أن ما سبق متفقٌ عليه. وليس الأمر كذلك، بل قوله: "المؤلَّف من عرضيات" مما اختُلف فيه. هذا تنكيت.
قال: (وبُحث فيه بأنه يقتضي) يعني قولُه هذا (أن قول المصنف: وهو الذي يتركب من عرضيات الشيء ليس من المختلف فيه، والشارح جعلَه منه.
وأُجيب عنه) يعني: صاحب المتن الأصل.
(والشارح جعلَه منه، وأُجيب عنه: بأنه لا يلزَم من ذكر المصنف له أنه ليس من المختلف فيه، وبأنه يقتضي أن المصنف لم يتعرض لشيءٍ منها مع أنه تعرض لبعضها بقوله: وهو الذي تركَّب .. إلى آخره كما علمتَ.
وأُجيب عنه: بأن المراد لم يتعرض لجميعها، فلا ينافي أنه تعرَّض لبعضها).
قال هنا: (اختُلف فيها منها) أي: من المختلف فيه.
(التعريف بالعرَض العام مع الفصل) هل يقع التعريف به أو لا؟
стр. 224
(كالماشي الناطق) ما الإنسان؟ قال: الماشي الناطق، بماذا وقع التعريف هنا؟ الماشي هذا عرَض عام، والناطق هذا فصلٌ.
إذاً: تألف أو رُكِّب هنا من عرَض عام وفصل، هذا مختلَف فيها.
(كالماشي الناطق بالنسبة للإنسان.
أو بالفصل وحدَه) ما الإنسان؟ قال: الناطق، هذا مختلفٌ فيه.
(أو مع الخاصة كالناطق) مثل: الناطق الضاحك، ما الإنسان؟ قال: الناطق الضاحك.
قال: (أو بالفصل وحده أو مع الخاصة كالناطق، هذا مثالٌ للفصل وحده، أو الناطق الضاحك هذا مثالٌ للفصل مع الخاصة بالنسبة للإنسان).
هذه ثلاث صور: الإنسان ماشٍ ناطق، ناطقٌ فقط، ناطق ضاحكٌ فقط. هذه ثلاث صور من المختلف فيه.
قال العطار: (ذهب قومٌ من المناطقة إلى عدم اعتبار العرَضي مع الفصل، أو مع الخاصة، وعدم اعتبار تركُّب الفصل مع الخاصة؛ لأن الغرض من التعريف شرحُ الماهيّة أو تمييزُها، والعرض العام لا يفيد شيئاً منهما؛ لكونه ليس ذاتياً ولا مميِّزاً، ولأن الفصل يفيد ما تفيده الخاصة من التمييز وزيادة، فلا فائدة لتركُّبه معها.
قال السعد: وفيه نظر.
لأنا لا نُسلِّم أن كل قيدٍ فهو إما للتمييز أو للاطلاع على الذات، بل ربما يفيد اجتماعُ العوارض زيادةَ إيضاحٍ للماهية وسهولة الاطلاع على حقيقتها، وكثيراً ما يضعون الأعراض العامة مواضع الأجناس).
يعني: أنه إذا اجتمعت العرَضيات العامة يمكن أن يحصل بها رفعٌ وكشفٌ للمعرَّف، وإذا كان كذلك يقول: يصلح أن يكون تعريفاً.
ولذلك قلنا: هذه مسألة فيها خلاف.
قال: (والأكثرون على أن كلاً منها حدٌ ناقص) يعني: الأشياء المذكورة السابقة: العرض العام مع الفصل، أو الفصل وحدَه، أو الفصل مع الخاصة.
الأكثرون -يعني: من المناطقة- على أن كلاً منها حدٌ ناقص.
وقال الأقل: إنها رسوم ناقصة، وقيل: غير معتبرة في التعريف. ثلاثة أقوال.
القول الثالث يعني: نادر القائل به، وإنما الخلاف هل هو رسمٌ ناقص أو حد ناقص، منهم من رأى أنها حدود ناقصة ومنهم من رأى أنها رسومٌ ناقصة.
قال العطار: (والأكثرون على أن كلاً منها حدٌ ناقص) يعني: في الثلاثة المذكورة.
قال الآمدي: إن التعريف بالعرَض العام مع الفصل كقولنا في تعريف الإنسان: هو الماشي الناطق) كالذي معنا.
(أو بالفصل مع الخاصة كقولنا: هو الناطق الضاحك، عدَّهما جماعة من المناطقة من الحد الناقص وهم الأكثر.
ومفهوم كلام الخوَنجي في الكشف: أنهما من الرسم الناقص، لا من الحد الناقص.
وأشار الفخر في الملخص لأولهما) يعني: العرض العام مع الفصل (وقال: ليس له اسمٌ مخصوص) أنه غير معتبر يعني.
(وممن صرَّح بثانيهما) يعني: الفصل مع الخاصة (سراج الدين الأرموي وسمّاه رسماً ناقصاً، والتعريف بالعرَض العام مع الخاصة رسمٌ ناقصٌ عند قوم).
إذاً: هذه الثلاث الصور مختلفٌ فيها: معرِّفة أو لا؟ قيل: أنها ليست معرِّفة، لكن الخلاف الأشهر: هل هي حدٌ ناقص أم رسمٌ ناقص؟ العرَض العام مع الفصل، الفصل وحده، أو الفصل مع الخاصة.
والصحيح الذي عليه الأكثر: أنها حدودٌ ناقصة.
قال العطار: (وأيضاً الفصل البعيد مع الفصل القريب، أو مع الخاصة خارجٌ عما ذُكر، مع أنه يفيد الاطلاع على الذاتي).
قال هنا: (ومنها) أي: مما اختُلف فيه.
стр. 225
(التعريف بالعرض العام مع الخاصة كالماشي الضاحك بالنسبة للإنسان).
فيما سبق: الفصل مع الخاصة، أو العرَض العام مع الفصل.
هنا: العرَض العام مع الخاصة كالماشي الضاحك بالنسبة للإنسان.
(أو بالخاصة وحدَها) الضاحك، لكن بشرط.
قال: (المساويةِ للمرسوم) يعني: هاتان الصورتان.
(والأكثرون من المناطقة على أن كلاً منهما رسمٌ ناقص) كلٌ منهما يعني: العرَض العام مع الخاصة، والخاصة وحدَها المساوية للمرسوم.
الأكثرون على أن كلاً منهما رسمٌ خاص.
قال العطار: (في هذا القسم قولان) هنا يأتي الخلاف في عدم الاعتبار، ليس كالسابق.
(في هذا القسم قولان: أحدُهما: أنها غير مُعتبرة.
وثانيهما: رسومٌ ناقصة).
إذاً: الخلاف ليس كالسابق، السابق حدٌ ناقص أو رسمٌ ناقص، هنا رسومٌ ناقصة أو أَنزل .. ليست برسوم أصلاً .. ليست بمعرِّفات.
(أنها غير مُعتبرة.
وثانيهما: رسومٌ ناقصة.
هذا وقد أشار الجلال الدواني إلى ضابطه وهي) هذا الضابط مهم جداً ويضبط لك المسائل كلها.
قال: (مدار الحَدَّية) يعني: متى تحكم على أنه حدٌ أو رسمٌ.
(مدار الحدّية على كون المميِّز ذاتياً، والرسمية على كونه عرضياً) متقابلان.
هنا حد رَسْم، طيب التمام والنقص؟
(ومدار التمام فيهما على الاشتمال على الجنس القريب، فالفصل القريب مع الجنس القريب حدٌ تام) كما ذكَره هنا صاحب المتن.
(وبدونه حدٌ ناقص، سواءٌ كان مع الجنس البعيد أو لم يكن مع شيءٍ، والخاصة مع الجنس القريب رسمٌ تام) كما ذكره الأصل.
(وبدونه رسمٌ ناقص، سواءٌ كان مع الجنس البعيد أو لم يكن مع شيء .. ) إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
قال هنا: (واعتُرِض بأن التعريف بالرسم ممتنع؛ لأن الخارج إنما يُعرِّف الشيء إذا عُرِف اختصاصُه به، وفيه دور).
يعني: لا يمكن أن يؤتى بالخاصة؛ لأن الخاصة تستلزم أن تعرِف أنها خاصةٌ لازمة، لا بد أن تكون لازمة.
أنت سُئلتَ: ما الإنسان؟ وتجهل معنى الإنسان، فكيف تفسِّر له شيئاً يعتقد أنه يجهله، ثم تبين له لازم؟ لأنه لا يمكن أن يَفهم اللازم إلا إذا فَهم الأصل، وهو يجهل الأصل.
حينئذٍ لا بد أن يكون كلٌ منهما مرتباً على الآخر.
قال هنا: (واعتُرض) على ماذا اعتُرض؟
قال: أي: ما تقدَّم من أن المعرِّف ينقسم إلى حدٍ ورسم .. الرسم يعني.
قال: (واعتُرض بأن التعريف بالرسم) المناسب أن يقول: بالخاصة، والاعتراض هنا على الخاصة.
(ممتنع للدور) يعني: لتأديته للدور.
لماذا .. ما التعليل؟
قال: (لأن الخارج) يعني: الخاصة.
(إنما يُعرِّف الشيء إذا عُرِف اختصاصُه به) فلا بد أن يعرِف أنه مختصٌ به.
(وفيه دور لتوقُّف معرفةِ كلٍ منهما حينئذٍ على معرِفة الآخر).
(وفيه دور) المناسب: ففي التعريف به دورٌ يعني: بالخاصة.
(منهما) أي: المعرَّف بالفتح، وخاصَّتُه المعرِّفة.
(على معرفة الآخر) أي: المعرَّف بالفتح.
(فتتوقف معرفتَه على معرفة الخاصة من حيث كونُها تعريفاً، والخاصة تتوقف معرفة اختصاصها على معرفة المعرَّف بها) كلٌ منهما يلزم من معرِفة الآخر، أنت تدّعي أنه خاصةٌ له إذاً: لا بد أن يتوقف فهم الخاصة على معرفة المعرَّف، ثم إذا عرَفت المعرَّف لا بد أن تُثبت أنه خاصةٌ لهما، فكلٌ منهما متوقفٌ على الآخر.
стр. 226
قال هنا: (وأُجيب بمنعِ الحصْر).
قال: (أعني قولَه: لأن الخارج إنما يُعرِّف) هذا حصْر.
وأُجيب بمنع الحصر) المذكور (أعني قولَه: لأن الخارج إنما يُعرِّف .. إلى آخره.
وقوله: لجواز. هذا مستنَدٌ لذلك المنع.
وحاصلُه: أن التعريف إنما يتوقف على وجود الاختصاص في نفس الأمر لا على العِلم به).
الاختصاص واللزوم الذي يتعلق بالخاصة أن يكون ملازماً له في نفس الأمر -في الواقع- لا على العلم به. واضح هذا الفرق بينهما.
(أن تكون الخاصة لازمةٌ في نفس الأمر، لا على العلم به) فرقٌ بين مسألتين.
(سلَّمنا توقُّفَه على العلم باختصاصه بها، الموقوفِ على معرفتها ومعرفة غيرها، لكن لا دورَ؛ لأنه يكفي في ذلك الشعورُ من وجهٍ كما نرى جِرْماً في حيّزٍ فنعلم اختصاصه به، وسلبُ ذلك الحيّز عن غيره من الأجْرَام وإن لم نعلم منه ومن غيره إلا الجِرْمِية).
يعني: لو رأيت في حَيّز ما، رأيت جِرماً لا تدري ما حقيقة الجرم، حينئذٍ تعرِف اختصاصه به كيف؟ يحصل عندك شعور بأن هذا الحيّز الذي أخذَه الجرم إنما هو مختصٌ به، وتنفيه عما عداه؛ لأنك لا تدرك بالبصر إلا هذا.
حينئذٍ نقول: هذا الجِرم هل يُدرَك منه شيءٌ غير ذلك؟ الجواب: لا. هذا الذي يُعنى هنا.
قال: (وأُجيب بمنع الحصر المذكور لجواز أن يكون بين الشيء ولازمه ملازمةٌ بيِّنة) مر معنا أن اللازم نوعان: بيّنٌ وغير بيّن، والبيّن أعم وأخص.
اللازم البيّن هو الذي لا يحتاج إلى دليل، إذاً: قد يكون بين اللازم والملزوم ما لا يحتاج إلى دليل ولا إشكال فيه.
(أن يكون بين الشيء ولازمِه ملازمةٌ بيّنة؛ بحيث ينتقل الذهن منه إليه).
(منه) أي: من اللازم.
(إليه) أي: الشيء الملزوم.
(لتحقق اختصاصه به في الواقع وإن لم يُعرَف).
هذا قلنا: فرقٌ بين العلم بكون الشيء لازماً في نفس الأمر، أو على -تعبير صحيح-: بكون الشيء لازماً في نفس الأمر وبين العلم به.
والذي ينبغي اعتباره هنا: كونُه في نفس الأمر، وأما العلم به فهذا شيءٌ أشبه ما يسمى بالشعوري وهو انتقال من شيءٍ إلى شيءٍ آخر فقط على مدار الملازمة البيّنة التي لا تحتاج إلى دليل.
قال: (وبما تقرر -ما سبق- عُلِم أن التعريف لا يكون بغير القول).
ولذلك قال قول .. أليس كذلك؟ الحد التام هو القول الدال، قلنا أراد به التعريف اللفظي.
إذاً: القول احترز به عن الإشارة والكتابة، فلا يكون الحد بها البتة. وهو كذلك.
وأما الألفاظ التي تُكتب، قلنا النقوش هذه دالة على الألفاظ، والألفاظ دالةٌ على المعاني فلا إشكال فيه.
قال: (وبما تقرر عُلم -أي: في مبحثي الكُلِّيّات والمعرِّفات-: أن التعريف لا يكون بغير القول كالإشارة والخط).
ثم أخذ في بيان الحُجة ومقدماتِها مبتَدِءً بمقدماتها فقال: (الْقَضَايَا).
بهذا البحث "المعرِّفات" نكون قد انتهينا من نصف العلم.
العلم نوعان: تصور وتصديق، التصور قلنا: له مبادئ وهو الكُلِّيّات الخمس، ومقاصد وهو القول الشارح. انتهينا منهما .. الكُلِّيّات الخمس والقول الشارح.
نشرع إن شاء الله تعالى في علم التصديقات "القسم الثاني" علم التصديقات الذي كذلك يتألف من مبادئ ومقاصد.
مبادئ علم التصديقات: القضايا وأحكامُها يعني: وما يتعلق بها.
стр. 227
ثم يأتينا في الخاتمة -إن شاء الله تعالى- ما يتعلق بالقياس .. مبادئ ومقاصد، وغداً إن شاء الله تعالى نبدأ في القضايا، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 228
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْقَضَايَا) بعدما انتهى من الكلام على ما يتعلق بالتصورات بالمبادئ والمقاصد، أخذ في بيان الحجة ومقدماتها مبتدِءً بمقدماتها وهي القضايا فقال: (الْقَضَايَا).
القضايا جمع قضية، سُمِّيت بهذا لأنه قُضِي وحُكم فيها؛ لأن القضاء هو الحكم.
قضى بكذا يعني: حكم بكذا، فهي قضية لأنه مقضيٌ فيها أو محكومٌ.
فهي فعلية بمعنى مفعولة جمعُ قضيةٍ.
قال: (ويُعبَّر عنها) يعني عن معناها (بألفاظ منها: الخبر).
أي: من حيث احتمالها الصدق والكذب، تسمى حينئذٍ خبراً، فالقول المحتمِل للكذب لذاته يسمى خبراً من حيث احتمالُه ذلك، ويسمى قضية من حيث اشتمالُه على الحكم، ويسمى مقدمةً من حيث كونُه جزء قياس، ومطلوباً من حيث طلبُه بالدليل، ونتيجة من حيث إنتاجُه القياس، ومسألة من حيث السؤالُ عنه.
واللفظ واحد يعني: قضيةٌ مؤلفةٌ من مسندٍ ومسندٍ إليه، وتختلف الإطلاقات باختلاف الاستعمال، قد تكون خبراً إذا أُريد بها وقُصد بها ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، قد تكون نتيجة، قد تكون مقدمة.
فحينئذٍ الأسماء متعددة والمسمى شيءٌ واحد، وإنما اختلفت الأسماء باختلاف الاعتبارات.
إذاً: (يُعبّر عنها بالخبر) ليس المراد أنه لا يُعبّر عنها إلا بالخبر لا، قد تسمى غبر خير، لكن إذا أُطلقت فالشائع ما يسمى بالخبر والقضية، يعني: هذان الاسمان -القضية والخبر- يعتبران من أشهر ما تسمى به الجملة الاسمية والجملة الفعلية.
ثم أراد أن يعرِّفها فقال: (الْقَضِيَّةُ:
قَوْلٌ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلهِ إِنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ أَوْ كَاذِبٌ).
هذا المتن (الْقَضِيَّةُ) حقيقتُها، تعريفُها، ما هيتُها: (قَوْلٌ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلهِ إِنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ أَوْ كَاذِبٌ) عدَل عن التعريف المشهور: وهو ما احتمل الصدق والكذب لذاته.
مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكِذْبِ الخَبَرْ ... وَغَيْرُهُ الاِنْشَا وَلاَ ثَالِثَ قَرّ
ج
لما سيأتي من اعتبارٍ معيّن فيه.
(الْقَضِيَّةُ: قَوْلٌ) هذا جنس شمِل القضية وغيرَها يعني: يشمل الأقوال التامة والناقصة كما صرَّح بذلك قال: (دخل فيه) كيف دخل فيه؟ لأنه جنس، فاعتبره جنساً ثم عمَّمه، هذا شأن الأجناس خاصةً في الحدود.
(دخل فيه لكونه جنساً الأقوالُ التامة والناقصة) بناءً على أن القول لا يختص بالمركب التام. وعند بعضهم: أن القول مرادفٌ للمركب التام، ولذلك قال بعضهم: (قَوْلٌ) أي: مركبٌ مفيدٌ فائدة تامة.
وهذان احتمالان على حسب اصطلاح من ينظُر، هو محتمِلٌ، لكن الشائع عندهم أن القول هو المركّب، ولذلك مر معنا (الْقَوْلُ الشَّارِحُ)، ولا شك أن (الْقَوْلُ الشَّارِحُ) ليس بمركب مركباً تاماً، وإنما هو مركبٌ ناقص، لذلك هو مركبٌ توصيفي.
стр. 229
"حيوانٌ ناطق" هذا مركَّب توصيفي وليس بمركب تام، ولذلك قلنا: لا يصح التعريف إلا أن يُعتَقد حمله على المعرَّف: الإنسان حيوانٌ ناطق "ما يستلزم معرفتُه معرفتَه" قلنا: لا بد من قيد؛ لأن هذا ظاهرُه أن التصور يكفي في حصول التعريف، وليس الأمر كذلك، بل لا بد من اعتقاد حملِ المعرِّف على المعرَّف، بمعنى أنه مسنَد ومسنَد إليه، محكومٌ ومحكوم عليه.
حينئذٍ القول هناك صدضق على المركَّب الناقص، وهذا شائع عند كثير من المناطقة وإن خصَّه بعضهم بالمركب التام.
ولذلك قال هنا: (وصرَّح القطب في شرح الشمسية بأن القول موضوعٌ للمركب التام) على قول.
(دخل فيه الأقوال التامة والناقصة).
القول كما مر معنا أنه قد يكون ملفوظاً وقد يكون معقولاً، ولذلك القول المركَّب يدخل هنا في هذا القيد (قَوْلٌ) يدخل فيه القول المركّب سواءٌ كان ملفوظاً أو معقولاً، هذا في الأصل.
(فهو مشترَكٌ لفظي أو حقيقة في المعقول مجازٌ في الملفوظ) هذان قولان.
مشترَك لفظي لأنه يُحمل على المعقول ويُحمل على الملفوظ، أو نقول: باعتبار الفن أن بحثَه في الأصل هو في المعقولات، فحينئذٍ يكون حقيقة في المعقول مجازاً في الملفوظ؟ الثاني أوجَه وأوفَق كما قال العطار.
قال: (فهو مشتركٌ لفظي أو حقيقةُ في المعقول مجازٌ في الملفوظ. تسميةً للدال باسم المدلول، والثاني) وهو كونه حقيقة في المعقول مجازاً في الملفوظ.
(والثاني أنسبُ بنظر الفن وأوفق بقاعدة الأصول.
وكذا القول في القضية أي: إطلاق لفظ القضية على المعقول والملفوظ، فإن كان المقصود تعريفَ القضية المعقولة -كما هو الظاهر- يُحمل القول على المعقول) قضية معقولة قضية ملفوظة، قلنا الأصل هو المعقولات، ولا نحتاج إلى الألفاظ إلا في التعبير لما وقع في النفس.
يعني: الإِفهام والتفهيم كما مر معنا، وأما الإنسان في نفسه إذا رتّب أمرين معلومين أراد أن يصل إلى النتائج بالمجهولات، هذا لا يحتاج إلى لفظ. حينئذٍ القضية تكون عنده -المسند والمسند إليه- تكون معقولة، أمر يستحضره في نفسه ويُنتج وانتهى الأمر، فلا يحتاج إلى لفظ.
حينئذٍ ما دام أن أصل بحث المناطقة في المعقولات، فحينئذٍ صار الأصل في القول هو المعقول، وصار الأصل في القضية هو المعقول.
فاستعمال القضية في الملفوظ فرع، واستعمال القول في الملفوظ يعتبر فرعاً، هذا الذي قرره هنا.
(يُحمل القول على المعقول، وإن كان المقصود تعريف القضية الملفوظة يُحمل على القول الملفوظ، وحينئذٍ فالمعرَّف هاهنا إما القضية المعقولة أو القضية الملفوظة.
وتعريف أحدهما يُغني عن تعريف الآخر؛ لأن المعقول مدلولةً للملفوظة فتعريفُها تعريفُها) لكن الظاهر أنه أراد به الملفوظ؛ لأنه قال: (يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلهِ) يعني: المتكلم به.
إذاً: خرج عن كونه معقولاً فصار ملفوظاً.
فالمراد بالقضية: الملفوظة، وبالقول: المركّب الملفوظ. لكن يكون مجازاً.
قال: (قولٌ دخل فيه الأقوال التامة والناقصة).
стр. 230
الأقوال التامة يعني بها: المسند والمسند إليه، يعني: الجملة الاسمية والجملة الفعلية. يعني: ما يسمى كلاماً في اصطلاح النحاة: اللفظ المركّب المفيد بالوضع، المسند والمسند إليه، أو إن شئت قل: الإسناد الخبري التام.
والأقوال الناقصة المراد بها: كل ما لم يكن إسناداً خبرياً تاماً، فحينئذٍ يدخل فيه الناقص الذي هو الكلِم -بعض الكلام-، ويدخل فيه المركَّب التوصيفي، والإضافي .. ونحو ذلك.
هذه مركّبات لكنها مركّبات ناقصة؛ لأنها غير محمولة على موضوعات، وإنما هي مركباتٌ في أنفسها.
قال: (يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلهِ) يعني: المتكلم به.
(إِنَّهُ) أي: قائله.
(صَادِقٌ فِيهِ) يعني: في القول (أَوْ كَاذِبٌ) فيه. على الحذف والإيصال، محذوف هو لكن نقدِّره.
(صَادِقٌ فِيهِ) أي: في القول (أَوْ كَاذِبٌ) يعني: فيه.
(أَنْ يُقَالَ لِقَائِلهِ) اللام في قوله: (لِقَائِلهِ) بمعنى عن يعني: يقال عن قائله، لا يلزم أن يقال لقائله مباشرة تباشِره، فإذا لم تباشره حينئذٍ لا يصح لا، المراد عن قائله سواء باشرته أم لا هذا المراد هنا.
(صَادِقٌ فِيهِ أَوْ كَاذِبٌ).
قال هنا: (الصدق والكذب صفتا القضية، واشتهرا بمطابقة الخبر).
(اشتهرا) يعني: الصدق والكذب.
(بمطابقة الخبر للواقع) وهذا في الصدق (وعدم مطابقة الخبر للواقع) هذا في الكذب.
(وصادق وكاذب صفتان للمتكلم).
الإخبار عن الشيء على ما هو عليه هذا صادق، والإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه هذا كاذب.
قال هنا: (قوله: يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلهِ. فصلٌ مخرجٌ الأقوالَ الإنشائية) كما صرّح المصنف هنا.
(خرج به) أي: بهذا القيد الذي هو: (يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلهِ إِنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ أَوْ كَاذِبٌ) هذا قيد.
(قَوْلٌ يَصِحُّ) هذان قيدان: الأول جنس، والثاني يعتبر فصلاً وليست هي فصول متعددة.
إذاً: (قَوْلٌ يَصِحُّ) هذا قيدٌ.
(خرج به) يعني: بقوله: (يَصِحُّ).
(الأقوال الناقصة) لأن قوله: (يُقَالَ لِقَائِلهِ إِنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ) هذا إنما يكون جواباً للإسناد الخبري التام. إذاً خرج به الأقوال الناقصة.
(والإنشائيات) كالأمر وما عُطف عليه؛ لأنه لا يقال لقائله إنه صادق فيه أو كاذب، وهذا الميزُ بين الأمرين.
الكلام إما خبرٌ وإما إنشاء، فالخبر: ما صح أن يقال لقائله إنه صادق أو كاذب، أو إن شئت قل: محتملٌ للصدق والكذب لذاته. يعني: يقال صِدق ويقال كذِب.
والصدق المراد به: مطابقة الخبر للواقع.
والكذب المراد به: عدم مطابقة الخبر للواقع.
الإنشاء: ما لم يكن كذلك، كالأمر مثلاً فإنه لا يقال لقائله: صدقت أو كذبت، أو يقال إنه صدق أو كذِب؛ لأنه لم يقع أصلاً.
"قُم" مدلولُه طلبُ حدثٍ في المستقبل، وإنما يوجَّه الصدق والكذب لشيء وقع وحصل، ولذلك من أبرز ما يميَّز به الخبر والإنشاء أن يقال: الخبر عن شيءٍ مضى .. وقع وحصل، وأما الإنشاء فلم يكن.
فيُنظر في مدلول الجملة هل وقع الحدث أم لا؟ إن وقع الحدث حينئذٍ يكون خبراً، وإن لم يقع كما هو الشأن في الاستفهام، والتمني، والتعجب .. ونحوها. فنقول: هذا يسمى إنشاءً.
ولذلك قال: (خرج به الأقوال الناقصة والإنشائيات).
стр. 231
قال: (قوله: يَصِحُّ. فصلٌ مخرج الأقوال الإنشائية.
وبُحِث فيه بأنه يخرج عن الحد القضايا التي لا يصح أن يقال لقائلها ذلك -صادق أو كاذب- لعصمته من الكذب) يعني: لقول الباري جل وعلا، وكذلك قول النبي ﷺ ؛ لأنه حق قول الباري، هذا لا يحتمل إلا الصدق، وقول النبي ﷺ فيما صح عنه وثبت لا يحتمل إلا الصدق.
إذاً: لا يقال لقائله: إنه صادقٌ فيه أو كاذب.
(أو لموافقة قوله الواقع، أو للقطع بكذبه، ومخالفة قوله للواقع فصار التعريف غير جامع.
والصواب: إسقاطٌ "لقائله" وإبداله بقيد لذاته).
إذاً: "محتمِل الصدق والكذب" إلى هنا نقول: خرج عنه ما لا يحتمل إلا الصدق، وخرج عنه ما لا يحتمل إلا الكذب.
(لذاته) يعني: لذات اللفظ، لذات التركيب دون نظرٍ إلى قائله. هذا الأصح.
(لذاته) هذا للإدخال، وجعلَه بعضهم للإخراج كذلك، فحينئذٍ للإدخال؛ لأن هناك ما لا يحتمل إلا الصدق، فلا بد من إدخاله؛ لأنه يسمى خبراً.
كذلك: ما لا يحتمل إلا الكذب، باعتبار ذاته بقطع النظر عن المتكلم به، هذا نقول: يحتمل الصدق والكذب، لكن لما نُسِب إلى القائل، حينئذٍ نقول: هذا لا يحتمل إلا الكذب، فرْقٌ بين الأمرين.
ومن هنا نقول: الخبر الموجود .. كتاب الله تعالى إما إخبارٌ وإما إنشائيات.
إذاً: الخبر يحتمل الصدق والكذب، بهذه المسألة وهذه لا يخالِف فيها أحد، نستدل بهذا على أنه لا غضاضة أن يقال بأن في القرآن مجاز ويصح نفيه، لماذا؟ لأنك قلت: يصح نفيه لا باعتبار كونه قرآناً، وإنما باعتبار المعنى الحقيقي وليس هو المراد ظاهراً من القرآن، المراد المعنى المجازي، وأما المعنى الحقيقي فليس مراداً فلا تنسِبه إلى الله .
حينئذٍ صح أن يقال "لذاته" أنه يجوز نفيه، وإذا جاز نفيه فحينئذٍ نقول: إذا قيل: أنه لا يجوز أن يقال في كلام الله تعالى ما يجوز نفيه نقول: أنت سلّمت بأن في القرآن ما هو خبر، والخبر يجوز تكذيبه، هذا الأصل بقطع النظر عن قائله يجوز، فأنت جوّزت ما هو أعظم من النفي، ولا شك أن التكذيب أعظم من النفي.
فحينئذٍ كيف يقال بالتفرقة بين الأمرين؟
فيُستدل بكون الخبر ما يحتمل الصدق والكذب لذاته بأنه في القرآن على أنه لا بأس أن يقال في القرآن باعتبار ذاته أنه ما يحتمل الصدق والكذب.
إذاً: لا غضاضة في الرد على من يقول بالمجاز: بأنه يجوز نفيه وكيف يقال بأن القرآن يجوز نفيه؟
أولاً: لا يجوز نفيه من حيث اعتبار المعنى المجازي، وهو الذي يُنسب للقرآن، حينئذٍ ((جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ)) [الكهف:٧٧] لو سلّمنا بأنه مجاز. ظاهر القرآن أنه ما أراد الإرادة الحقيقية، وهو الذي يجوز نفيُه، أما الأمر الظاهر الذي هو المجاز لا يجوز نفيه، حينئذٍ ما نُفي.
فحينئذٍ على كلام المحشي هنا: أنه لا بد من إبدال قوله: لقائله أن يقال: لذاته.
لأنه في ظاهر اللفظ أنه لا يدخل معنا قول المعصوم .. النبي ﷺ وكذلك القرآن.
ولذلك قال العطار هناك: (المشهور تعريف القضية باحتمالها الصدق والكذب اللذين هما صفتان للفظ) هذا هو المشهور.
стр. 232
(والمصنف عدل عنه إلى تعريفها باعتبار الصدق والكذب اللذين هما صفتا المتكلم، مع أن تعريف الشيء بحال نفسه أولى من تعريفه بحال متعلَّقه).
بحال نفسه يعني: الخبر وهو كذلك، وهو أولى وهذا مسلَّم، وإن كان هو يعترضه لكن هذا هو الأولى؛ لأنا نحن نعرِّف القضية باعتبارها هي لا باعتبار المتكلم، نحن لا نبحث في المتكلم وإنما نبحث في كلام المتكلم، إذا كان كذلك فحينئذٍ نعرِّف القضية باعتبار نفسها لا باعتبار متعلَّقها الذي تعلقت به وهو المتكلم.
قال: (مع أن تعريف الشيء بحال نفسه أولى من تعريفه بحال متعلَّقه).
قال: (والمشهور أحط من المذكور).
ما معنى المشهور أحط من المذكور؟
(المشهور) يعني: ما احتمل الصدق والكذب لذاته.
(أحطُّ) يعني: أنزلُ درجة.
(من المذكور) الذي معنا (يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلهِ إِنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ أَوْ كَاذِبٌ).
يعني: يرجِّح هذا التعريف على التعريف المشهور، وهذا الترجيح فيه نظر؛ لأن القضية من حيث هي، نقول: التعريف لها باعتبار ذاتها لا باعتبار متعلَّقها، وهذا الذي ينبغي اعتمادُه.
ولو قيل: ثم دورٌ أو ثم أشياء أخرى تتعلق بتعريف القضية من حيث ذاتها، نقول: هذا يمكن تقييده ويمكن الجواب عنه.
لكن ابتداءً الأصل: إنما نعرِّف القضية لا نعرِّف القائل.
القضية .. قال هنا: (قَوْلٌ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلهِ) نقول: لا. الصدق والكذب هذان وصفان للقضية، كون الصدق مطابقة النسبة الكلامية للواقع أو عدم مطابقتها للواقع. إذاً: هذا باعتبار اللفظ نفسه.
وأما باعتبار القائل فلا نظر فيه البتة، فنخالف هنا العطار.
قال: (والمشهور أحط من المذكور؛ لظهور توجه لزوم الدور على التعريف المشهور، لاشتهار تعريف الصدق والكذب اللذين هما صفتا القضية لمطابقة الخبر للواقع، وعدم مطابقة الخبر للواقع.
بخلاف اعتبار صدق المتكلم في التعريف فإنه: الإخبار عن الشيء على ما هو به.
واعتبار كذِبه فيه فإنه: الإخبار عن شيء على خلاف ما هو به) وهذا الذي ينبغي اعتماده: أن يقدَّم الصدق على الصادق، وأن يقدَّم الكذب على الكاذب؛ لأنه أصلاً لا يُعرَف الصادق إلا بمعرفة الصدق، ولا يُعرف الكاذب إلا بمعرفة الكذب.
فحينئذٍ كيف يقال بأن الدور يتوجه إلى التعريف المشهور؟ بل هنا نحتاج إلى تعريف الصدق أولاً، ثم بعد ذلك نعرِف الفرع وهو الصادق، ثم نحتاج إلى معرفة الكذب، ثم معرفة الكاذب.
(وبهذا ظهر أن قوله: لقائله ليس مستدركاً كما تُوهِم، وأن التعريف المذكور لا يرِد عليه الدور كما قيل به هنا، إنما يرِد على التعريف المشهور.
والمعرَّف هنا هي القضايا المستعملة في الأقيسة، فلم يدخل خبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ ؛ لأن كل واحدٍ منهما دليل على حِدَته، على ما قُرر في الأصول، وهي أدلة نقلية، وكلامنا هنا في الأدلة العقلية وموادها وهي: القضايا العقلية).
يعني: جمودٌ على ما ذكره المتقدمون، لا يريد أن يُجعَل في المنْطِق والأقيِسة ما يمكن أن يُتوسَع فيه ويُجعل الدليل النقلي معتمداً فيه.
стр. 233
وهذا كما ذكرت لكم فيما سبق: الأولى أننا إذا جعلنا هذا الفن داخلاً في العلوم الشرعية لا بد أن نتوسع في المصطلحات، لا بد أن نُغيِّر لا بأس.
إذا كان اللفظ عندهم عاماً نخصصه، إن كان عندهم خاص عمَّمناه، استدركنا على بعض المسائل، جعلوه ثلاثة أقسام جعلناه خمسة، جعلوه خمسة أقسام جعلناه ثلاثة لا بأس، بل هذا الذي ينبغي اعتمادُه.
وأما الوقوف على ما ذكروه هم، ثم إذا أُريد استعماله في بعض الكتب الشرعية على ما وُجد فنأتي بالاعتراض أنه هذا فنُّهم، وأن هذا أصلاً وضعُه في المعقول ولا ترِد الأدلة النقلية نقول: لا.
ولذلك الأصوليين يقولون: هذا أمرٌ ومطلق الأمر للوجوب، إذاً: هذا للوجوب، هذا دليل شرعي.
مطلق الأمر للوجوب هذه قاعدة أصولية، فتعتبر دليلاً شرعياً.
ما هو الأصول؟ قواعد وأدلة، وهذه الأدلة لا بد أن تكون معتمَدة في الشرع يعني: دل عليها دليلٌ شرعي.
إذاً: هذا نقول: قياس فاشل لأنه ليس في المعقولات بل هو في المنقولات؟ ليس بصحيح، هذا التوسع أو الجمود الذي عليه العطار هذا فيه نظر، يُنتبه له.
إذاً: (يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلهِ إِنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ أَوْ كَاذِبٌ) فاعتراض المحشي هنا أولى مما قرره العطار.
قال: (خرج به الأقوال الناقصة) كالمركب الإضافي، والتوصيفي، والمزجي، وجملة الشرط وحدَها، وجملة القسم كذلك .. هذه كلها مركّبات ناقصة.
قال: (والإنشائيات) وإن كانت أقوالاً تامة.
أقوال تامة أو لا؟ نقول: نعم هي أقوال تامة.
يعني: فعل الأمر، التعجب، الجملة .. ؛ لأنها لا تحتمل صدقاً ولا كذباً، وهي من قبيل التصور الخالي عن الحُكم.
قال هنا: (والإنشائيات من الأمر، والنهي، والاستفهام) الأمر والنهي والاستفهام معلومة من مواضِعها.
(وغيرِها كالتخصيص، والعرض، والترجي، والتمني، والدعاء، والنداء) هذه كلها تعتبر من الإنشائيات.
قال: (والمراد بالقول هنا) أي: في تعريف القضية.
(المركَّب تركيباً لفظياً في القضية العقلية أو) هذا ليس للجمع، هذا أو ذاك (عقلياً في القضية العقلية).
قال العطار: (لا يفيد أن القول مشترَكٌ بين القضية المعقولة والملفوظة) لا يرد هذا كما مر معنا هناك.
(وأنه أُريد به كلا المعنيين، فإن العطف بأو يأبى ذلك) يعني: لا يقال بأن اللفظ مشترَك بين القضية اللفظية والقضية العقلية، ولا يقال بأن كلا المعنيين مرادٌ.
(فإن العطف بأو يأبى ذلك) يعني: الذي يمنع هو العطف بأو؛ لأنها لأحد الشيئين أو الأشياء. كما هو مشهورٌ في محله.
(يأبى ذلك، بل معناه: أن المعرَّف) هنا (قَوْلٌ).
(إما القضية المعقولة فيُراد بالقول المركّب العقلي، أو الملفوظة فيُراد به المركّب اللفظي) يعني: هذا أو ذاك.
(وتعريفُ واحدٍ منهما تعريفٌ للآخر) لأن اللفظ مدلولُه المعقول يعني: لا إشكال، فالبحث هنا صِرف لفظي .. من باب تحرير المصطلحات فقط.
حينئذٍ إذا عرَّف اللفظية لا شك أن مدلول اللفظية المعقول، وإذا عرَّف المعقولة لا شك أن دالّها لفظيٌ .. وهكذا، لا نحمِله على اللفظ المشترك ولا نقول: أراد المعنيين معاً، بل الأصل فيه أن يُراد واحدٌ منهما إما العقلي وإما اللفظي.
стр. 234
(وإنما قدَّم احتمال القضية اللفظية) لأنه قال هنا: (والمراد بالقول هنا: المركّب تركيباً لفظياً أو عقلياً).
طيب. إذا كان الأصل العقلي كان هو الأولى بالتقديم، لماذا قدَّمه؟
قال: (وإنما قدَّم احتمال القضية اللفظية مع أنه مرجوح؛ لأنه المناسب لقوله: يُقَالَ لِقَائِلهِ).
(قَوْلٌ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلهِ) إذاً: المراد اللفظية.
ولذلك الشارح قدَّم قال: (والمراد بالقول هنا: المركّب تركيباً لفظياً) فقدَّم اللفظي على العقلي؛ لأنه المناسب لقوله: (يُقَالَ لِقَائِلهِ).
(لأن القول هو اللفظ، ويصدق على المعقول أنه يقال لقائله على حذْف مضاف أي: يقال لقائل دالِّه، والكلامُ فيه سهلٌ) كما ذكرناه سابقاً؛ لأن كلاًّ منهما لازمٌ للآخر.
المعقولة هذه مدلول لفظي، واللفظي هو دال المعقول.
حينئذٍ إذا حملناه على المعقول نأتي بالتقدير على أنه على حذْف مضاف أي: يقال لقائل دالِّه. والكلام فيه سهلٌ.
بعدما عرَّف القضية أراد أن يقسِّمها التقسيم المشهور عند المناطقة قال: (وَهِيَ) أي: القضية.
(إِمَّا حَمْلِيَّهٌ، وَإِمَّا شَرطِيَّةٌ) هذان قِسمان: القضية إما حملية وإما شرطية.
(وقدَّم الحملية على الشرطية لأن الحملية جزء الشرطية) الشرطية مؤلفة من حملِيَّتين.
إذاً: الجزء مقدَّمٌ على الكل، فالعِلم بالجزئيات مقدمٌ على العلم بالكُلِّيّات، ولذلك قدّم الحملية على الشرطية.
(والحملي) هكذا بالياء، نسبةً للحمل، ما هو الحمل؟ الذي هو الإخبار، أن تقصِد الإخبار، هو أمرٌ معنوي، لكن يدل عليه التركيب اللفظي: "زيد" عندك كلمة زيدٌ وعندك كلمة قائم، فتنوي أن تُخبر عن زيد بمضمون قائم، فتجمع بينهما، تجعل الأول زيد موضوعاً أو مسنداً إليه أو مبتدأ، وتجعل محمولاً هذا خبراً أو محمولاً.
وحينئذٍ النسبة بينهما تكون أمراً اعتبارياً في الذهن، وهي النسبة الكلامية، ثم حُكم الجملة، ثم ما يتعلق به من حيث الإيقاع والانتزاع على ما مر في باب التصورات.
إذاً: إما حملية وإما شرطية.
(وحملية نسبة للحمل؛ لاشتمالها على حمل المحمول على الموضوع).
ما هي الحملية؟
قال: (وهي) أي: القضية الحملية.
(التي) صفةٌ للقضية المحذوف؛ للعلم به جنسٌ شامل الحملية والشرطية، والصلة فصلٌ مخرجٌ الشرطية.
يعني: إذا كان عندنا قسمان وعرَّفنا أحد القسمين، حينئذٍ نأتي بجنس ونأتي بفصل يُخرج القسم الثاني، أمر واضح اعتباري.
فقوله: (وهي التي) التي هذه صف لموصوف محذوف، دائماً هكذا يأتيك في التعريفات .. كلما مر معنا قدَّرنا: هي التي، ما هي التي؟
هي هذه خارجة عن التعريف، التعريف يبدأ من قوله: التي. التي هذه صفة لموصوفٍ محذوف.
يعني: القضية التي كما نقول: الاسم هو كلمة دلَّت على، لا بد أن نأتي بالمقسوم، ما هو المقسوم؟ الكلمة.
فحينئذٍ تنقسم إلى ثلاثة أقسام: اسم، وفعل، وحرف.
إذا جئت تعرِّف أي واحد من هذه الثلاثة لا بد أن تأتي بالمقسوم فتقول:
الاسم: كلمة دلت على معنى في نفسها.
الفعل: كلمة دلت ..
هنا قال: القضية تنقسم إلى نوعين: حملية وشرطية، ما هي الحملية؟ هي القضية، لا بد أن تأتي بالقِسم.
فالقضية شاملة النوعين: الشرطية والحملية.
стр. 235
قوله: (التي يكون طرفاها .. ) إلى آخره، هذا فصلٌ أخرج الشرطية؛ لأنه ليس عندنا إلا نوعان.
(وهي التي) يعني: القضية التي.
(يكون طرفاها) الحملية هنا .. البحث يكون في الموضوع والمحمول (يكون طرفاها) لها طرفان: المسنَد والمسنَد إليه، ويسمى هنا الموضوع والمحمول (طرفاها) أي: موضوعُها ومحمولها.
(أن يكون طرفاها مفردين) خبر يكون (بالفعل أو بالقوة).
(مفردين بالفعل) أي: لفظاً ومعنًى نحو: زيدٌ كاتبٌ، زيدٌ مبتدأ موضوع، وكاتبٌ خبر محمول. كلٌ منهما مفرد.
(والمراد بالمفرد هنا مقابل القضية) فيشمل المركّب الناقص .. مقابل القضية التي هي الإسناد الخبري التام.
المراد بالقضية هنا: الإسناد الخبري التام، ولذلك قال هنا: (والمراد بالمفرد هنا مقابل القضية).
إذاً: ما ليس إسنادياً خبرياً تاماً، فدخل فيه المركَّب الناقص.
حينئذٍ المركَّب لك أن تقول نوعان: مركبٌ هو الكلام، في الاصطلاح عند النحاة، مركَّبٌ ما عداه.
الكلام هو القضية، ما عداه هو المراد هنا بالمفرد. فدخل فيه المركّب الناقص يعني: الإضافي، والمزجي، والتوصيفي .. ونحو ذلك.
(أو) للتنويع: إما ذاك أو آخر.
(أو بالقوة) أي: ما يمكن التعبير في محله بلفظٍ مفرد.
(بالقوة) يعني: في ظاهره أنه جملة اسمية أو جملة فعلية، لكن تئول هذه الجملة إلى مفرد، ولذلك عند النحاة يقولون في الخبر:
وَمُفْرَدَاً يَأتِي وَيَأتِي جُمْلَهْ ... حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيْقَتْ لَهْ
(وَمُفْرَدَاً يَأتِي، وَيَأتِي جُمْلَهْ) .. (وَأخبَرُوا بِظَرفٍ أو بِحَرفِ جَرّ) هذا الثالث.
لكن في حقيقة الأمر عندهم: أن الجملة مردُّها إلى المفرد، وكذلك الظرف والجار والمجرور متعلِّق بمفرد، حينئذٍ يردُّونه إلى المفرد.
فالجملة مع كونها تقع في الظاهر جملة خبراً، لكنها مؤولة بالمفرد؛ لأن الأصل في الخبر إنما يكون للمفرد.
فإذا قيل: زيدٌ قام أبوه كأنه قال: زيدٌ قائمُ الأبِ .. كأنه هذا في قوته.
إذاً المراد هنا: يمكن أن نأخذ من الجملة مفرداً، فإذا أمكن فحينئذٍ هذا الذي عناه المصنف هنا، فقال: أصلها جملة لكنها تنحل إلى مفرد .. جُملتان.
قال هنا: (أي: ما يمكن التعبير في محلّه وهو قضية بلفظٍ مفرد نحو: زيدٌ عالمٌ نقيضُه زيدٌ ليس بعالم) لو تكلم متكلم وقال: زيدٌ عالم نقيضُه زيدٌ ليس بعالم.
(إذ يمكن أن يقال في محلهما: هذا نقيض هذا) فزيدٌ عالم جاء مكانه مفرد وهو هذا، وزيدٌ ليس بعالم جاء مكانه مفرد ونقيض كما هي.
حينئذٍ الجملة هنا آلت إلى مفردٍ، بالفعل أم بالقوة؟ نقول: بالقوة.
إذاً: زيدٌ عالمٌ نقيض زيدٌ ليس بعالمٍ هذه حملية، الكلام ليس في هذا نقيض هذا، هذا مثل زيدٌ كاتب .. البحث ليس في هذا نقيض هذا؛ لأن هذا في وزان زيدٌ كاتب، البحث في: زيدٌ عالمٌ نقيض زيدٌ ليس بعالم. هذه نقول: حملية.
حملية طيب ليست بمفرد، لو فكَكتها: زيدٌ عالمٌ، ثم نقيض، ثم زيدٌ ليس بعالم. وهذه مركّبات هذا لو فككتها، إذاً: لم تنحَل إلى مفردين نقول: لا. تنحل إلى مفردين بالقوة؛ لأنَّ: زيدٌ عالمٌ في قوة: هذا نقيض هذا .. وهكذا.
(إذ يمكن أن يقال في محلهما: هذا نقيض هذا.
стр. 236
ونحو الحيوان الناطق ينتقل بنقل قدميه؛ إذ يمكن في محله: الإنسان منتقلٌ بنقل قدميه.
ونحو: كل إنسانٍ حيوان، عكسُه بعض الحيوان إنسان؛ إذ يمكن في محله: هذا عكسُ هذا).
هذا يسمى انحلالاً بالقوة؛ لأن ضابط الحملية أن تنحل إلى مفردين: زيدٌ كاتبٌ إذا أردت أن تعرف هل هذه حملية أم لا انظر إلى الجزأين: زيدٌ فككته، كاتبٌ فككته، انفك.
إذاً: هذا زيدٌ كان جزءاً في: زيدٌ كاتب، وكاتبٌ كان جزءاً في: زيدٌ كاتبٌ. هذا واضح أنه مفرد بالفعل.
مفرد بالقوة: أن لا يكون الانحلال بالجزء الذي هو الموضوع يكون جملة، لكنه في قوة المفرد، فزيدٌ عالمٌ هذا موضع قُصِد لفظه هو مبتدأ نقيض زيدٌ ليس بعالمٍ.
نقيض هذا الخبر هو المحمول، وزيدٌ ليس بعالم هذا في محل جر مضاف إليه لنقيض، حينئذٍ نقول: هذه في قوة المفردين، وإن كان الأول مركَّب والثاني مركَّب. هذا الذي تُضبط به الحملية.
(ويُزاد عليه: أن الحكم فيها ليس معلَّقاً على شيء).
ولذلك قال الشيخ الأمين رحمه الله تعالى في المقدمة: ضابط القضية الحملية أمران لا بد منهما، إن وُجد أحدهما دون الآخر انتفت:
الأول: أن ينحل طرفاها إلى مفردين أو ما في قوة المفردين.
الثاني: أن الحكم فيها ليس معلقاً على شيء.
لأنه سيأتي اعتراض في الشرطية أنها قد تنحل إلى مفردين، إذاً: هي الحملية نقول: لا.
الشرطية فيها حكمٌ معلَّقٌ على شيء، والحملية ليس فيها تعليق: كلما كانت الشمس طالعةً فالنهار موجود.
كانت الشمس طالعة هذه جملة، والنهار موجود هذه جملة.
حينئذٍ نقول: هذه شرطية فيها معنى التعليق، الثاني معلَّقٌ على الأول، لكن الحملية زيدٌ كاتبٌ، زيدٌ عالمٌ نقيض زيدٌ ليس بعالم. ليس فيها تعليق، هذا المراد بالثاني: أن الحكم فيها ليس معلَّقاً على شيء.
ثم قال رحمه الله تعالى -موضِّحاً ما في القوة-: (وما في قوة المفرد ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون الموضوع مفرداً، والمحمول جملة في قوة المفرد).
يعني: إذا أردت التقسيم العقلي إما أن يكون كلٌ منهما مفرد ومفرد، انتهينا هذا .. زيدٌ كاتب، ما في القوة إما أن يكون الأول مفرد بالفعل، والثاني مفرد بالقوة. أو العكس.
أن يكون الأول مفردٌ بالقوة، والثاني مفردٌ بالفعل، أو كلٌ منهما مفردٌ بالقوة. هذا المراد فهي ثلاثة أقسام.
(الأول: أن يكون الموضوع مفرداً) يعني: بالفعل.
(والمحمول جملة في قوة المفرد نحو) مثَّل بمثال قد يقال بأن فيه اعتراض لكن
وَالشَّأنُ لاَ يُعْتَرَضُ المِثَالُ ... إِذْ قَدْ كَفَى الفَرْضُ وَالاِحْتِمَالُ
(زيدٌ قائمٌ أبوه) زيدٌ مبتدأ، قائمٌ هذا خبره، أبوه فاعل الخبر، والعامل فيه قائم لأنه اسم فاعل.
هل هذا يسمى جملة؟
قال: (زيدٌ قائمٌ أبوه؛ لأنَّ: قائمٌ أبوه في قوة قائم الأب) قائم الأب يعتبر مفرد؛ لأن المفرد هنا يشمل المركّبات الناقصة.
قال: قائم أبوه. هذا يرى الشيخ أنه جملة في قوة قائم الأب، وقائم الأب هذا مركَّب إضافي وهو مفرد؛ لأن المفرد هنا ما يقابل المركّب التام، فيدخل فيه المركّبات الناقصة.
ومثال -وهو أوضح- قولهم: خيرُ الكلام لا إله إلا الله.
خيرُ الكلام مبتدأ، لا إله إلا الله خبر.
(الأول: مفرد بالفعل) "خير الكلام" مضاف ومضاف إليه، وهو مفرد هنا.
стр. 237
لا إله إلا الله هذه جملة.
إذاً: هو في قوة قول: خيرُ الكلام كلمةُ لا إله إلا الله، فصار مضاف ومضاف إليه. فإنه في قوة خير الكلام كلمة لا إله إلا الله.
المراد هنا: أن يكون الأول –الموضوع- مفرداً بالفعل، والثاني يكون جملة، ولو قلت: زيدٌ قام أبوه واضح هذاك زيدٌ موضوع، وقام أبوه جملة هنا وقع خبر ومحمول وهو في قوة: قائم الأب. وهو أوضح مما ذُكِر.
(الثاني: عكسُه، وهو أن يكون الموضوع جملةً في قوة المفرد والمحمول مفرداً يعني: بالفعل نحو: لا حول ولا قوة إلا بالله كنزٌ من كنوز الجنة).
لا حول ولا قوة إلا بالله هذا موضوع مبتدأ، وحينئذٍ "كنزٌ" هذا خبر أي: كلمةُ لا حول ولا قوة إلا بالله، أو هذا اللفظُ.
(الثالث: أن يكون كلٌ من الموضوع والمحمول جملة في قوة المفرد نحو: زيدٌ عالمٌ نقيض زيدٌ ليس بعالم) هذا نقيض هذا؛ لأنه في قوة قولك: قضيةُ زيدٌ عالمٌ نقيض قضية زيدٌ ليس بعالم، أو هذا نقيض هذا. ولا إشكال فيه.
فتحصَّل أن الأقسام ثلاثة، وباعتبار السابق أربعة يعني: مفردان بالفعل، مع الثلاثة هذه تكون أربعة.
قال: (وهي التي يكون طرفاها مفردين بالفعل، أو بالقوة موجبةً كانت أو سالبة).
يعني: باعتبار النسبة قد تكون موجَبة وقد تكون سالبة.
يعني: الحملية باعتبار الإيجاب والسلب قِسمان: حمليةٌ موجَبة. زيدٌ كاتب، حمليةٌ سالبة زيدٌ ليس بكاتب أو ليس زيدٌ كاتباً.
قال: (موجَبة كانت هي كقولنا: زيدٌ كاتبٌ) هنا إيجاب، ما الدليل على أنه إيجاب؟
عدم وجودِ حرف السلب أو أداةُ السلب؛ لأن الأصل هو الإيجاب والثبوت، والنفي هذا فرعٌ، والدليل على أنه فرع أنك لا تحكُم عليه إلا إذا وجدتَ حرفاً أو اسماً أو فعلاً دالاً على السلْب، فإذا لم يكن رجعتَ إلى الأصل وهو الثبوت.
وما احتاج إلى قرينة فرعٌ عما لا يحتاج إلى قرينة.
ما احتاج إلى قرينة الذي هو حرف السلب، في الحكم على كون الجملة سالبة هذا نقول: فرعٌ؛ لأننا لا نحكم على الجملة بكونها سالبة إلا بقرينة وهي أداة السلب.
إذاً: ما احتاج إلى قرينة فرعٌ عما لا يحتاج إلى قرينة، ومنه قلنا: المجاز فرعٌ عن الحقيقة؛ لأن الحقيقة لا تحتاج، الأصل حمل اللفظ على مدلوله، فإذا قلنا بأنه مجاز يعني: استعمال اللفظ في غير ما وُضع له ابتداءً، حينئذٍ نقول: هذا يحتاج إلى قرينة، فإن وُجدت القرينة حُمل على المجاز وإلا رجعنا إلى الأصل، فدل على أن الأصل هو الحقيقة.
قال: (موجَبة كانت كقولنا: زيدٌ كاتبٌ) ثبوت كتابة زيدٍ.
(أو سالبةً كقولنا: زيدٌ ليس بكاتب) نفيٌ، نُفِي مضمون المحمول عن الموضوع.
الأول: كاتبٌ فيه ثبوت مضمون المحمول للموضوع؛ لأنك تثبت للموضوع مضمون المحمول يعني: إن شئت قلت: مدلول المحمول أو مفهوم المحمول، لا لفظه وإنما ما دل عليه وهو ثبوت الكتابة.
(أو سالبة كقولنا: زيدٌ ليس بكاتب.
وسُمّيت حملية باعتبار طرفِها الأخير) أي: في المعنى، طرفِها الأخير الذي هو المحمول .. باعتبار المحمول، والأَولى أن يقال نسبةً للحمل، لاشتماله على حمل المحمول على الموضوع.
(باعتبار طرفها الأخير) قال هنا: (أي: في المعنى وإن تقدَّم لفظاً وهو المحمول).
لأن المحمول مرادف للخبر، وليس كل خبرٍ متأخر).
стр. 238
(وَالأَصْلُ فِي الأَخْبَارِ أَنْ تُؤَخَّرَا) هذا الأصل فيه، لكن قد يتقدم الخبر.
إذاً: إذا تقدم الخبر هل يرتفع عنه وصف الخبرية؟ لا.
كذلك المحمول هو عينُ الخبر، والأصل أنه متأخر، حينئذٍ لو تقدَّم لا يرتفع عنه وصف المحمولية.
ولذلك قال: (وسُمّيت حملية باعتبار طرفها الأخير) الذي هو المحمول.
(أي: في المعنى وإن تقدَّم لفظاً وهو المحمول).
قال: (وظاهر هذا أن الحملية نسبةٌ للمحمول وليس كذلك، بل هي نسبةٌ للحمل والنسبة للمحمول محمولية.
فالمناسب حينئذٍ للتعليل لاشتمالها على الحمل أي: الإسنادي والحُكمي) وهو كذلك، هذا هو المناسب.
قال: (وسُمّيت حملية باعتبار طرفها الأخير).
قال العطار: (أي: المتأخر في الترتيب الطبيعي، وإن تقدم ذِكراً في نحو: عندي درهمٌ) درهمٌ عندي (وَنَحْوُ عِنْدِي دِرْهَمٌ وَلِيَ وَطَرْ) (عِنْدِي دِرْهَمٌ) درهم هذا مبتدأ مؤخر، وعندي هذا خبر مقدم.
إذاً: هنا تقدَّم المحمول على الموضوع، هل بتقدُّمه ارتفع عنه وصف التأخير؟ الجواب: لا. هو متأخر، وإن تقدم في اللفظ إلا أنه متأخرٌ في الرتبة، ورتبته التأخير.
ولذلك قال: (أي: المتأخر في الترتيب الطبيعي، وإن تقدم ذكراً في نحو: عندي درهمٌ.
وإنما نُسب إليه دون الموضوع) فقالوا: حملية ما قالوا وضعية.
(لأن المحمول هو محط الفائدة.
أو سُمّيت بذلك لما فيها من الحمل المعنوي، ثم وجهُ التسمية ظاهرٌ في الموجَبة) موجبة واضح أنه فيه إثبات، لكن السالبة فيه نفي "فيه عدم" فحينئذٍ كيف سُمّيت حملية؟ ليس فيه حمل.
(وأما السالبة فلا حمْل فيها، ولكن تسمى حملية أيضاً لأن الأعدام قد تُلحَق بالملَكَات في بعض أحكامها).
يعني: لا يُتصور النفي إلا بعد استحضار الإثبات، فهي محمولةٌ على الملَكات.
ومنه تعريف المفعول به: أنه ما وقع عليه فعل الفاعل.
(وَإِمَّا شَرطِيَّةٌ) هذا النوع الثاني نسبةً إلى الشرط.
(وهي) أي: القضية.
(التي لا يكون طرفاها مفردين) مقابل لما سبق.
(لا يكون طرفاها مفردين) أي: لا بالفعل ولا بالقوة، حينئذٍ خرَجت الحمْلية بنوعيها أو بأقسامها الأربعة إن شئت.
(لا يكون طرفاها) أي: مقدَّمُها وتاليها.
(مفردين) أي: لا بالفعل ولا بالقوة، فصلٌ مخرجٌ الحملية.
قال هنا: (ويرِد قولُنا: إن كانت الشمس طالعةً فالنهار موجودٌ، فإن طرفيها مفردان بالقوة).
(إن كانت الشمس طالعةً فالنهار موجودٌ) هذه شرطية.
(إن كانت الشمس طالعة) هذا المقدَّم.
(فالنهار موجود) هذا التالي، والأول يستلزم التالي .. المقدم يستلزم التالي.
وإن هنا حرف شرط إذاً: هي شرطية، وفيها تعليق.
(وتنحل إلى مفردين) الجواب يمكن أن يُعرَف مما سبق: أن الحملية يُشترط فيها أمران، ليس الانحلال فقط، إنما فيه معنى التعليق.
هنا وُجد التعليق، إذاً: إذا وُجد الانحلال إلى مفردين مع وجود التعليق لا تكون حملية؛ لأن وجود التعليق ينافي الحملية، الحملية لا تعليق فيها. وعدمُ التعليق مع الانحلال هذان معاً في وقت واحد هو ضابطُ الحملية، فلو وُجد الانحلال في الشرطية مع وجود التعليق لا نقول: هي حملية.
стр. 239
(ويرِد قولنا: إن كانت الشمس طالعةً فالنهار موجودٌ، فإن طرفيها مفردان بالقوة؛ لأنه يمكن أن يقال: هذا لازمٌ لذاك) مثل: زيدٌ عالمٌ نقيض زيدٌ ليس بعالم، هذا نقيض هذا.
طيب. هذا لازمٌ لذاك؟ طلوع الشمس لازمٌ للنهار، إذاً: هذا لازمٌ لذاك.
إذاً: انحل إلى مفردين فصارت حملية، يرِد الاعتراض.
لكن يرِد الاعتراض هنا لأنه ما زاد التعليق في الحملية، وإلا يرد الاعتراض، لأنه ما زاد ذاك، ذاك من كلام الشيخ الأمين رحمه الله تعالى.
(هذا لازمٌ لذاك.
وكذلك قولنا: إما أن يكون العدد زوجاً أو فردا، فإن طرفيها مفردان كذلك؛ لأنه يمكن أن يُعبَّر عنهما بمفردين يقال: هذا مباينٌ لذاك).
قال الرازي "الجواب": والأَولى أن يقال: المحكومُ عليه وبه في القضية إن كان مفردين سُمّيت حملية وإلا فشرطية.
يعني: مثل ما قيل هناك في العرَضي والذاتي: ما كان خارجاً هو العرضي، والذاتي ما ليس كذلك، من أجل أن نبرأ من إخراج النوعي عن الذاتي، هنا كذلك.
قال: إن كان مفردين سُمّيت حملية وإلا فشرطية.
إن كان مفردين بالفعل في ظاهرها، حينئذٍ هي الحملية وإلا فشرطية.
قال السعد في الحملية: لم تنحل إلى شيئين يُمكن أن يُعبَّر عنهما بلفظين مفردين حال كونهما محكوماً عليه ومحكوماً به. هذا جوابٌ وجيه أيضاً.
بمعنى: قولُك: هذا نقيض هذا، ليس بحثنا في هذه الجملة .. هذا نقيض هذا جملة، نحن بحثنا في زيدٌ عالمٌ نقيض .. هذا ما انحلّت، هذه نلفظها كما هي، هي حملية أو لا؟ حملية، كونك تأتي بمفسِّر لها أو بمساوي خرجت عن اللفظ.
إذا قلت: زيدٌ عالمٌ نقيض زيدٌ ليس بعالم. هذه حملية، تنحل؟ نعم تنحل.
إذا قلت: هذا نقيض هذا، هاتان جملتان وليست بجملة واحدة.
فقال السعد هنا: لم تنحل إلى شيئين يُمكن أن يُعبَّر عنهما بلفظين مفردين حال كونهما محكوماً عليه ومحكوماً به.
وهذا بخلاف الشرطية فإنها لا يصح فيها أن هذا ذاك، والتعبير عن طرفيها بالمقدَّم والتالي لا يصح عنه إفادة الحكم باللزوم والعناد، فهي لا تنحل بطرفيها إلى شيئين يمكن التعبير عنهما بلفظين مفردين عند قصد إفادة الحكم الذي في الشرطية.
لو ذُكِر مسألة التعليق لانحلت المشكلة، لكن لما لم يَذكر مسألة التعليق وقع عندهم الإشكال هذا؛ لأنه بالفعل تساوى، الحملية قد يُفسَّر المفرد بالقوة، وهنا كذلك وُجد التفسير بالقوة. فحينئذٍ كيف الإشكال؟
كلٌ منهما إن فُسِّر فهو مباينٌ لما سبق، والبحث إنما يكون في الأصل لا في الفرع، لكن نقول كما ذكرنا سابقاً: أن الفرق الجوهري هو في التعليق وعدمه.
وأما الانحلال فهذه مسألة يمكن النظر فيها، فكلٌ منهما يمكن أن يقال: هذا لازمٌ لذاك، هذا مباينٌ لذاك .. لكن تساوى مع الحملية: هذا نقيض هذا، هذا .. إلى آخره.
قال هنا: (وبُحِث فيه بأن طرفي الشرطية مفردان بالقوة؛ إذ يمكن في محل المتصلة هذا ملزومٌ لهذا، وفي محل المنفصلة هذا منافٍ لهذا، فالأولى أن يقال: القضية) هذا توجيه آخر وهو جيد أيضاً.
(إن كان مضمونها) القضية (ثبوت شيءٍ لشيء أو سلبه عنه فحملية، وإن كان معناها ملازمة شيءٍ لشيء أو سلبُها فمتصلة) هذا أحسن مما أجاب به السعد والرازي.
стр. 240
(وإن كان معناها العناد بين شيئين أو سلبُه فمنفصلة) هذا الجواب طيب.
(وأُجيب بأن المراد لا يمكن التعبير في محلهما مع بقائها شرطية) وهذا هو الذي عناه الرازي والسعد.
يعني: إذا عبَّرت بالحملية عن الشرطية، هل الشرطية باقية؟ إذا قلت: إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجودٌ، هذا لازمٌ لهذا. هل الشرطية باقية؟ لا. ليست باقية، انتقلت إلى الحملية.
ولو كانت تُحمَل وتنحل إلى مفردين مع بقاء الشرطية لورد النقض، لو كانت تنحل إلى مفردين مع بقاء الشرط فحينئذٍ يُقال ورَد النقض.
ولذلك قال: (لا تبقى مع وجود الشرط أنها حملية بل هما متنافيان) حينئذٍ كونه يقال: هذا لازمٌ لذاك، نقول: هذا لازمٌ لذاك هذا موضوع، ولازمٌ هذا خبر، ولذاك متعلقٌ به. إذاً: هذه حملية.
لكن مع عدم وجود الشرط، ولذلك قال هنا: (وأُجيب بأن المراد لا يمكن التعبير في محلهما مع بقائها شرطية.
والأمثلة المذكورة لمَّا عُبِّر عنهما بالمفردين صارت حملية) لم تبق شرطية، فإذا قيل: إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجودٌ هذه شرطية، سلَّمنا أنها تنحل إلى مفردين، لكن انتقلت إلى الحملية.
لو انحلَّت إلى مفردين مع بقاء الشرط لورَد النقض، وإلا فلا نقضَ.
قال: (وَإِمَّا شَرطِيَّةٌ. وهي التي لا يكون طرفاها مفردين، وهي إما متصلة .. ) إلى آخره.
قال الشيخ الأمين: وضابط الشرطية أمران:
الأول: أن ينحل طرفاها إلى جملتين، أعني أنه إن أُزيلَت أداة الربط في المتصلة أو أداة العناد في المنفصلة بين طرفيه يصير كلٌ من طرفيه جملة مستقلة، هذا الأصل.
يعني: بظاهره، تقول: هذا زوجٌ وإما فردٌ .. العدد إما زوجٌ وإما فردٌ، إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجودٌ.
إذا انحلت إلى جملتين، وكل واحد من الجملتين حملية، هذا الضابط الأول.
الثاني: أن الحكم فيها معلَّق، لا بد من أداة شرطٍ.
قال: (وهي) يعني: الشرطية.
(إما متصلة وإما منفصلة).
قال: (إما متصلة. وهي) أي: القضية.
(التي يُحكم فيها بصدق قضية أو لا صدقها، على تقدير صِدق قضيةٍ أخرى فالأولى موجَبة والثانية سالبة).
(التي يُحكم فيها) يعني: في القضية.
(بصدق) أي: ثبوت قضية.
(أو لا صدقها) عكسُه يعني: عدم ثبوت القضية.
(على تقدير) أي: فرض.
(صدق قضيةٍ أخرى) إن سُلِّمت.
(فالأولى موجبةٌ) ما هي الأولى؟ صدق قضية.
عندنا ثنتان الآن: (التي يُحكم فيها بصدق) يعني: بثبوت قضية.
(أو لا صدقها) أو عدم ثبوتها.
إذاً: الأُولى موجبة والثانية منفية .. سالبة، فدخلت الموجبة والسالبة هنا.
(على تقدير: صدق قضية أخرى) يعني: هذه تصدق إن صدقت الأخرى، لو قلت: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود.
إن كانت الشمس طالعة، طيب. لو تكلمت الآن قلت: اخرج فإن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، الشمس لم تطلع بعد فالنهار غير موجود.
إذاً: النهار موجود هذه إن سُلِّمت القضية الأولى المقدَّم وهي الشمس طالعة فالنهار موجود، هذا المراد هنا.
(على تقدير) أي: فرض.
(صدق قضيةٍ أخرى، فالأولى موجبة).
(كَقَوْلِنَا إِنْ كَانَتِ الشَّمْسُ طَالِعَةً فَالنَّهَارُ مَوْجُودٌ).
(فقد حُكم في هذه القضية بصدق قضية وهي: النهار موجود، المجعولة تالياً) يعني: ثانياً، هي التالي يسمى.
стр. 241
(على تقدير صدق أخرى وهي: الشمس طالعة المجعولة مقدّماً، وتسمية المقدم والتالي قضيتين باعتبار ما كان قبل التعليق بأداة الشرط).
حينئذٍ إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، طبِّق الحد: يُحكَم فيها بصدق قضية على تقدير صدق قضية أخرى.
عندنا قضيتان: بصِدق قضية التي هي: النهار موجود، على تقدير وفرض صدق قضية أخرى التي هي إن كانت الشمس طالعة.
إذاً: صدق قضية التي هي التالي، على تقدير صدق قضية أخرى التي هي المقدَّم.
(فالأولى موجَبة) (كَقَوْلِنَا إِنْ كَانَتِ الشَّمْسُ طَالِعَةً فَالنَّهَارُ مَوْجُودٌ).
(والثانية) المشار إليه وهو: (أو لا صدقها).
(والثانية سالبة) (أي: التي حُكم فيها بلا صدق قضية على تقدير صدقٍ أخرى) يعني: كاذبة.
(والثانية سالبةٌ كقولنا: ليس إن كانت الشمس طالعةً فالليل موجود).
إن كانت الشمس طالعةً فالنهار موجود. المثال السابق هي مثبتة، كيف تنفيها؟ أدخل عليها ليس، سواءً وافقت اللغة أم لا، هذا المراد عندهم، لذلك يقع التسامح عندهم في هذه المسألة.
قال: (ليس إن كانت الشمس طالعة فالليل موجود.
قد حُكم فيها بلا صدق قضية وهي الليل موجود، التالي على تقدير صدق أخرى، وهي: إن كانت الشمس طالعة) المقدَّم.
(وقدّم حرف السلب لتكون سالبة؛ إذ لو أخَّره إلى التالي) نحو: إن كانت الشمس طالعة فليس الليل موجوداً هذه موجَبة.
يعني: إذا أدخل السلب على التالي هذه موجبة؛ لأن العبرة بالجملة كلها.
(لكانت موجبة؛ إذ السالبة ما حكم فيها بسلب اللزوم لا بلزوم السلب) فرقٌ بينهما.
يعني: بما حُكم فيها بسلب اللزوم، وهو أن يتقدم السلب على الجملة كلها "على المقدَّم" على المقدَّم يكون المراد جميع الجملة المقدَّم والتالي.
وأما لزوم السلب هذا يدخل حرف السلب على التالي.
قال هنا: (حُكم فيها بلا صدق قضيةٍ وهي الليل موجود) التي هي التالي.
(على تقدير صدق أخرى، وهي: إن كانت الشمس طالعة).
ليس إن كانت الشمس طالعة يعني: إذا لم تكن الشمس طالعة فالليل موجود، هذا بناءً على أنه لا واسطة بين الفجر والنهار، والغروب والليل.
قال: (وسُمّيت شرطية؛ لوجود حرف الشرط فيها).
قال هنا: (بُحث فيه بأن أداة الشرط قد تكون اسماً، كمهما، ومتى.
وأُجيب: بأنه نُظِر لما في المثال) هو نظر لما في المثال السابق.
(وبأن أداة الشرط) جواب آخر بالتسليم (وإن كانت اسماً صورة فهي حرفٌ معنى؛ لتضمُّنِها الشرط الذي هو من معاني الحرف، ونظرُ المنْطِقي إنما هو للمعنى) وقد يقال بأنه اصطلاح المناطقة.
ما دل على السلب فهو حرفٌ، وهو اسمٌ عند أهل اللغة، أما عندهم فهو حرف فهو اصطلاحٌ خاص.
وبعضهم يسميه أداة.
(لوجود حرف الشرط فيها) يعني: في القضية، هذا لكونها شرطية.
(ومتصلة لاتصال طرفيها) يعني: مقدمها وتاليها.
(صدقاً ومعيّة) صدقاً يعني: (في الثبوت إذ يلزم من ثبوت الملزوم ثبوت لازمه).
إن كانت الشمس طالعة لا يتخلف النهار، إن انتفى طلوع الشمس انتفى طلوع النهار. وهو كذلك.
قال: (أي: في الثبوت؛ إذ يلزم من ثبوت الملزوم ثبوت لازمه).
قوله: (معيّة أي: اصطحاباً واقتراناً، فمتى وُجد مقدَّمُها وجد تاليها معه فاتصلا في المصاحبة والوجود).
يعني: لا يتأخر عنه وهو كذلك.
стр. 242
إذاً: هذا ما يتعلق الشرطية المتصلة.
قال الشيخ الأمين: الشرطية المتصلة هي التي يجتمع طرفاها في الوجود.
إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، يجتمعان؟ يجتمعان طلوع الشمس ووجود النهار.
ويجتمعان في العدم، إن لم تكن الشمس طالعة فليس النهار موجود.
إذاً: الشرطية المتصلة يجتمعان في الوجود ويجتمعان في العدم.
بمعنى: أنه يجوز عدمُهما معاً، ويجوز وجودُهما معاً "جواز عقلي" واجتماعهما في الوجود واجتماعهما في العدم هو معنى الاتصال.
وسُمّيت متصلة لاتصال طرفيها في كونهما موجودين، واتصالهما في كونهما معدومين.
فقولك: لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجوداً، يجتمع طرفاها في الوجود فتكون الشمس طالعة والنهار موجود، ويجتمعان في العدم فتكون الشمس ليست بطالعة والنهار ليس بموجود. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى: (وَإِمَّا شَرْطِيَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ) هذا النوع الثاني للشرطية، الشرطية إما متصلة وإما منفصلة.
(وهي) أي: الشرطية المنفصلة.
(القضية التي يُحكم فيها بالتنافي) يعني: والعناد، يعني: عدم الاجتماع.
(بين القضيتين، أو بنفيه) يعني: نفي التنافي.
هل بينهما تنافٍ أو لا؟
التي يُحكم فيها بالتنافي بين القضيتين، أما التي لا تنافي بينهما فليست من المنفصلات، وإن وُجد فيها حرف الانفصال؟ نعم وإن وُجد فيها حرف الانفصال.
تقول: رأيتُ إما زيداً وإما عمرواً. يحتمل أنك رأيتهما معاً، هذه ليست كقولك: العدد إما زوجٌ وإما فردٌ، هذا لا يجتمعان ولا يرتفعان.
فهنا رأيتُ إما زيداً وإما عمرواً، وُجد حرف الانفصال لكنها ليس بينهما تنافي، فلا تكون شرطية منفصلة.
(التي يُحكم فيها بالتنافي بين القضيتين) هذا أخرج الحملية والمتصلة، سواء كان التنافي في الصدق والكذب معاً، أو في أحدهما.
(أو) للتنويع (بنفيِه) أي: التنافي، أي رفعِه وسلبِه.
قال هنا المحشي: (وتسميةُ الحملية والمتصلة والمنفصلة الموجَبات بهذه الأسماء ظاهر؛ لوجود الحمل.
والاتصال والانفصال فيها، وأما تسميته بها وهي سالبةٌ فليست ظاهرة؛ إذ الحكم إنما هو بنفي الحملِ والاتصال والانفصال.
وأُجيب بأنها تسمية اصطلاحية لا لغوية).
يعني: لا يُعترَض هنا بالأسماء في التعميم بكونه المعنى يوجد في بعض دون بعض؛ لأنه خرج عن كونه معنًى فصار لفظاً فقط، إنما هي مسائل اصطلاحية فحسب.
قال: (أو بنفيه والأُولى موجبة كقولنا: العدد إما أن يكون زوجاً أو فرداً) هذه موجَبة، العدد أي: المؤلَّف من آحاد.
(العدد إما أن يكون زوجاً أو فرداً.
فقد حُكم فيها بمنافاة كون العدد زوجاً لكونه فرداً، فلا يجتمعان في عددٍ ولا يرتفعان عنه).
العدد إما زوجٌ وإما فردٌ.
إذاً: هل يكون العدد زوجاً فرداً .. يجتمعان؟ إذاً: لا يجتمعان.
هل يرتفعان .. العدد لا يكون زوجاً ولا فرداً؟ لا. لا يجتمعان، وهذه حقيقية كما سيأتي.
فحينئذٍ نقول: هنا تنافي بينهما في الصدق "في الثبوت"، وفي النفي .. في السَّلبِ .. في العدم.
(والثانية سالبةٌ) أي: التي حُكِم فيها بنفي التنافي يعني: لا منافاة بينهما.
نفي التنافي، نفيُ النفي: إثبات.
стр. 243
(والثانية سالبةٌ كقولنا: ليس إما أن يكون هذا الإنسان أسوداً أو كاتباً، فقد حُكم بنفي التنافي بين كونه أسوداً وكونه كاتباً) يعني: لا منافاة بينهما، فيكون أسود كاتب يجتمعان.
(فيجوز كونه أسود مع كونه كاتباً).
لو قلتَ: إما أن يكون هذا الإنسانُ أسوداً أو كاتباً، هذا تنافي .. من باب التسليم، لو نفيته نفيتَ التنافي.
لو قلت فقط: إما أن يكون هذا الإنسان أسوداً أو كاتباً، هو لا تصح، لكن كمثال: إما أن يكون هذا الإنسان أسود أو كاتب. نقول: هذه بينهما عناد .. تنافي، نفيته بقولك: ليس؛ إذ نفيُ النفي إثباتٌ، فحينئذٍ يمكن الاجتماع، ويمكن الارتفاع؟ يمكن نعم، يكون أبيض لا كاتب، ويجتمعان كذلك.
قال هنا: (وسُمِّيت شرطيةً) يعني: المنفصلة.
(تجوّزاً؛ إذ لا شرط فيها) ليس فيها شرط.
(وهذا باعتبار حال التسمية، وأما الآن فقد صار حقيقة عرفية.
وسُمّيت شرطية تجوزاً لوجود الربط الواقع بين طرفيها بالعناد).
الربط المراد به هنا: قال: بيان لعلاقة المجاز وأنها المشابَهة أو الإطلاق والتقييد.
(وسُمِّيت شرطية تجوزاً) من باب المجاز.
(لوجود الربط) هذا بيان علاقة المجاز.
(الربط الواقع بين طرفيها) المقدَّم والتالي.
(بالعناد) أي: التنافي، صلة الربط.
(ومنفصلة) يعني: سُمّيت منفصلة لماذا؟
(لوجود حرف الانفصال فيها) وهو إما، العدد إما زوجٌ وإما فردٌ، ليس إما أن يكون هذا الإنسان أسود أو كاتباً، فإما هذه هي حرف الانفصال، لكن ليس كلما رأيتَها حينئذٍ تكون منفصلة كما مر في: رأيتُ إما زيدٌ وإما عمروٌ.
(وهو إما الذي صيّر القضيتين قضيةً واحدة) العدد زوجٌ، العدد فردٌ. قضيتان صيَّره قضيةً واحدة.
قال رحمه الله تعالى: (وللقضية ثلاثة أجزاء).
إذاً: عرَّف لنا القضية: (قَوْلٌ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلهِ إِنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ أَوْ كَاذِبٌ) وعرفنا المراد به.
ثم قسَّم القضية إلى حملية وشرطية، وبيَّنا المراد بكلٍ منهما.
ثم قسَّم الشرطية إلى متصلة ومنفصلة.
الآن رجع إلى تأسيس مسألة .. تقعيد قاعدة وهي: بيان أجزاء القضية.
(وللقضية) مطلقاً يعني: لا باعتبار كونها حملية فقط ولا باعتبار كونها شرطية فقط، بل مطلقاً.
(وللقضية ثلاثة أجزاء) أجزاء يعني: مقابِل للركن، (وَالرُّكْنُ جُزْءُ الذَّاتِ) إذاً: مقابل للركن.
يعني: انتفاءُ جزءٍ انتفى معه القضية.
(وللقضية ثلاثة أجزاء) يعني: تتألف وتتركب من ثلاثة أجزاء، فهي أركانٌ فيها.
(فَالجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنَ الحَمْلِيَّةِ يُسَمَّى مَوْضُوعًا) لا بد منه.
(والجزء الثاني: محمولاً.
والثالث: النسبة) إذاً: لا بد منها.
زيدٌ كاتبٌ قلنا في باب التصورات أنه يُدرَك الموضوع أولاً تصور زيد، إذاً: هذا جزءٌ وهو موضوع، الكاتب هذا محمول. إذاً: جزءٌ ثاني لا بد منه في القضية.
كذلك النسبة بينهما: الربط والتعلق والعلاقة، قلنا: هذا لا بد منه.
إذاً: هذه ثلاثة أركان.
(فَالجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنَ الحَمْلِيَّةِ يُسَمَّى مَوْضُوعًا).
موضوع اسم مفعول من وضِع قال: (لأنه) أي: هذا الجزء الأول الذي سُمّي موضوعاً.
(لأنه وُضع) أي: ذُكر.
стр. 244
(ليُحكَم عليه بشيء) لأن القاعدة هنا: أن المحمول "حتى في الخبر" أنه صفةٌ في المعنى، والصفة تستلزم موصوفاً.
حينئذٍ لا بد من شيءٍ ينحط عليه، إذا قيل: صفة، الصفة لا تقوم بنفسها، لا بد أن تقوم بشيء.
إذا قيل: زيدٌ قائمٌ. قيام، هذا القيام عرَض، يقوم بماذا؟ بزيد .. وهكذا.
حينئذٍ نقول: المحمول إما صفةٌ للموضوع وإما فِعل له، والفعل وصفٌ في المعنى، ولذلك عند النحاة الأفعال بأنواعها أوصافٌ لفاعِليها.
"قام زيدٌ" أنت وصفتَ زيد بالقيام، لكن قيّدته بالزمن الماضي، زيدٌ قائمٌ وصفت زيد بالقيام.
إذاً: المعاني كلها متحدة، لكن زيدٌ قام أو قام زيد، هذا فيه إسناد الحدث إلى زيد مع تقييده بالوقت بأنه في الزمن الماضي.
إذاً: إما صفةٌ للموضوع وإما فعلٌ له، فإذا قلت: ضرَب زيدٌ، الضرب صفةٌ لزيد أو أنه فعل؟ فعل؛ لأنه إيجاد.
وإذا قلت: زيدٌ عالمٌ العلم هذا فعلٌ منه وقع أو صفة له؟ صفة له. وكلٌ منهما يستلزم آخر، فإذا وقع محمولاً حينئذٍ إن كان صفة استلزم الموصوف، وإن كان فعلاً استلزم الفاعل. فلا بد من شيءٍ يوضع عليه.
ولذلك عبَّر الشيخ الأمين وغيرُه: أنه كالسقف للبُنيان.
والموضوع لا بد أن يكون كالأساس من أجل أن يُحمَل عليه مضمون المحمول، هكذا بينهما تطابق معنوي.
قال: (لأنه وُضِع ليُحكم عليه بشيء).
قال العطار: (اعلم أن الموضوع وهو المحكوم عليه رتبتُه التقدُّم طبعاً) هذا موضوع لأنه محكومٌ عليه.
(رتبتُه التقدم طبعاً) وقد يخالِف في الوضع.
(رتبتُه التقدم طبعاً فيدخل موضوع الحملية التي هي جملة فعلية مثل: ضرَب زيدٌ) ضرب زيدٌ أين الموضوع؟ زيد، أين المحمول؟ ضرَب. كيف عرفت أنه محمول زيد؟ تقول: محكومٌ عليه.
إذاً: هل كل محكوم عليه مسنداً إليه؟ نعم.
هل كل مسندٍ إليه مبتدأ؟ لا. قد يكون فاعلاً.
هنا قال: (فيدخل موضوع الحمْلية التي هي جملةٌ فعلية مثل: ضرَب زيدٌ؛ فإن زيداً موضوعٌ مقدَّمٌ طبعاً وإن كان مؤخَّراً) لأن هنا الفعل لا يتقدم على فاعله.
ملحوظة: إذا قلنا: ضَرَب زيدٌ أو ضُرِب زيدٌ. يصح المثالان.
وَبَعْدَ فِعْل فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ ... فَهْوَ وَإِلاَّ فَضَمِيْرٌ اسْتَتَرْ
إذاً: ضرَب زيدٌ، ضرب هذا فاعل. عندنا قاعدة بأن الفاعل لا يتقدم على مفعوله إلا على مذهب الكوفيين.
قال: (والمحمول أعني ضرَب مؤخرٌ طبعاً، وإن كان مقدماً ذكراً، فلا يُتوهم اختصاص الموضوع والمحمول بالجملة الاسمية) هذا الذي يريده العطار والكلام واضح ولا يحتاج إلى إعادة.
الموضوع والمحمول هل هو خاصٌ بالجملة الاسمية؟ الجواب: لا.
إذاً: يشمل الجملة الفعلية.
طيب. هو مقدَّم الموضوع في الجملة الاسمية، نقول: مقدمٌ وضعاً وطبعاً، وقد يؤخَّر .. قد يكون نكرة في مثل: "عندي درهمٌ" فحينئذٍ يجب تأخيره.
كذلك يدخل معنا: إذا كان الموضوع فاعلاً أو نائب فاعل، ولذلك الموضوع إذا طابقناه بما عند النحاة إما أن يكون مبتدأ، وإما أن يكون فاعلاً، أو نائب فاعل. لا يخرج عن هذا.
مبتدأ، أو فاعل، أو نائب فاعل. لا يخرج عن هذه البتة.
(فلا يُتوهم اختصاص الموضوع والمحمول بالجملة الاسمية.
стр. 245
فالمراد بالثبوت في قوله في تعريف الحملية: هي التي حُكم فيها بثبوت مفهومٍ لمفهومٍ مثلاً أعمُّ من الثبوت بطريق الاتحاد، ومن الثبوت بطريق القيام نحو: قام زيدٌ.
قال السعد: واعلم أن ظاهر أحكام المنْطِق أن لا تُستعمل القضية التي موضوعُها فعلٌ، وهي التي تسميها النحاة: جملة فعلية، اللهم إلا أن يُجعل في تأويل: زيدٌ شخصٌ له القيام).
يعني مرادُه: أن بعض المناطقة منعوا استعمال الجملة الفعلية، لكن هذا ليس على إطلاقه، وإنما الجملة الفعلية كالجملة الاسمية من حيث المحكوم عليه والمحكوم به، يُستعمل هذا ويُستعمل ذاك.
ولو أُوِّلتْ الجملة الفعلية بالجملة الاسمية بناءً على أنها أصلها كذلك مطرد.
قال: (يسمى موضوعاً؛ لأنه وضع ليُحكم عليه بشيء).
(وضِع) أي: ذُكر.
(وَالثَّانِي) يعني: الجزء الثاني من أجزاء الحملية.
(مَحْمُولاً) لحمْلِه على شيءٍ. كما فسَّرناه فيما سبق.
(والثالث النسبة الواقعة بينهما) الموضوع والمحمول؛ لأنه قال: (القضية ثلاثة أجزاء: الموضوع، والمحمول، والنسبة).
قال: (والثالث النسبة الواقعة بينهما) أي: بين الموضوع والمحمول.
والنسبة: هي الارتباط أو إن شئت قل: العَلاقة.
وقد يُدل عليها -على النسبة- بلفظٍ، واللفظ الدال عليها يسمى رابطاً.
قوله: (النسبة الواقعة بينهما) أي: المفهومة من القضية وهو التعلُّق المعنوي بين الموضوع والمحمول، أو المقدَّم والتالي.
(وتُطلق النسبة على الإيقاع) هذا زيادة على ما ذكره المصنف.
(تُطلق على الإيقاع أي: إدراك وقوع النسبة الكلامية، أي: موافقتِها للواقع والانتزاع أي: إدراك عدم وقوع النسبة الكلامية أي: مخالفتها للواقع، فأجزاء القضية حينئذٍ أربعة).
لو فسَّرنا التصديق بما مر معنا في أول الكتاب بأنَّ: تصور الموضوع، ثم تصور المحمول، ثم تصور النسبة الحُكمية من غير حكمٍ بانتزاع أو إيقاع، ثم الرابع. حينئذٍ وافق كلام المحشي هنا.
لكن على ظاهر كلام الشارح: أن النسبة الكلامية إدراكُها هي التصديق، وهذا كما ذكر العطار أنه مذهب المتقدِّمين، وأما المتأخرون فلا. هذه النسبة لا تكفي، إدراكُها لا يسمى تصديقاً وإنما يسمى تصديقاً عند المتقدمين، بل لا بد بالنظر إلى الواقع، فإن وقعَت وأُدرِكت فحينئذٍ يسمى تصديقاً.
أو لم تقع وأُدرك عدمُ الوقوع يسمى تصديقاً.
ولذلك قال العطار عند قوله الثالث: النسبة الواقعة بينهما (فيه تصريح بأن أجزاء القضية ثلاثة -هو نص على ذلك- وهو ما ذهب إليه القدماء.
فيكون إدراك النسبة الثابتة بين الموضوع والمحمول هو الحُكم).
وهذا فيه تيسير في فهم التصديق، ذاك فيه شيءٌ من الإشكالات.
(هو الحُكم، وليس مسبوقاً عندهم بتصوير نسبة هي مورِد الحكم، فإن إثباته من تدقيقات المتأخرين؛ حيث رأوا أن في صورة الشك قد تُصوِّرت النسبة بدون الحُكم).
هو الذي أورده، صورة الشك هي محل الإشكال هنا، جعَلَتْهم يقولون بالنسبة الرابعة أن ثَم نسبة هي مشكوكة مُتردَّد في إيقاعها.
حينئذٍ لما وُجدت هذه قالوا: إذاً ثَم جزمٌ وثَم عدم جزم. زيدٌ كاتبٌ تجزم بثبوت الكتابة لزيد، زيدٌ كاتبٌ ويقع في النفس تردُّد.
стр. 246
إذاً: ثَم فرقٌ بين النسبتين، فأضافوا النسبة الرابعة هذه قالوا: إذاً: لا بد من إدراكٍ زائدٍ على مجرد النسبة المشكوك فيها، وهو: هل وقعت بالفعل أو لم تقع؟
فحينئذٍ إدراك الرابع هذا يسمى تصديقاً.
قال: (حيث رأوا أن في صورة الشك قد تُصوِّرت النسبة بدون الحُكم؛ إذ ما لم تتصور النسبة لا يحصل الشك) إذا لم تتصور النسبة لا يحصل الشك .. فلو تُصوِّرت النسبة ما حصل الشك، لكن لما حصل الشك حينئذٍ نقول: النسبة هذه وقع فيها شيءٌ من التردد.
إذاً: هذه مغايِرةٌ للحكم الذي يسمى تصديقاً، وهذا الذي عناه هنا قال: فأجزاء القضية حينئذٍ أربعة.
(فلما لم يُجعل لهذا المعنى الأخير لفظٌ يدل عليه كالأجزاء الثلاثة قلتُ: فلِمَ لم يُجعل لهذا المعنى الأخير لفظٌ يدل عليه كالأجزاء الثلاثة؟
قلتُ: لما كانت النسبة الكلامية لا تُعد رابطة بين الطرفين إلا من حيث الإيقاع أو الانتزاع لم يحتاجوا إلى لفظٍ رابع) ويمكن أن يقال بأن الإيقاع والانتزاع أمرٌ خارجٌ عن اللفظ، ليس هو مأخوذاً من جوهر اللفظ، وإنما الإيقاع والانتزاع هل وقع أو لا؟ مطابقة الخبر للواقع وعدم مطابقته للواقع.
هذا مراده بالنسبة الرابعة.
قال: (النسبة الواقعة بينهما، وقد يُدَل عليها -يعني: النسبة- بلفظٍ، واللفظ الدال عليها يسمى رابطة -تسمية للدال باسم المدلول- لأن الربط هو النسبة، وهو حرفٌ وليس اسماً؛ لأن النسبة التي تربط المحكوم به بالمحكوم عليه معقولة من حيث إنهما حالة بينهما، وآلة التعريف حالهما وليست معنًى مستقلاً يصلح لأن يكون محكوماً به أو عليه، فاللفظ الدال عليها يكون أداة لدلالته على معنًى غير مستقل).
يعني: هذه النسبة والحرف الذي يدل عليها لا نأتي ننازع في مسألة الحرفية هنا؛ لأنه قد يكون الرابط اسماً، إذاً: يسمى حرفاً لعدم استقلاله بالمفهومية. هذا المراد هنا: لعدم استقلاله بالمفهومية. وإن سمَّاه النحاة اسماً. هنا مجرد اصطلاح.
(واللفظ الدال عليها يسمى رابطةً لدلالته على النسبة الرابطة) أي: فهي تسمية مجازية من تسمية الدال باسم مدلوله، وهذا بحسب الأصل ثم صارت حقيقة عُرفية.
قال: (لدلالته على النسبة الرابطة، والرابطة تارة تكون اسماً).
يعني: على المعنى السابق: أن المراد بالربط هنا الحرفية المعنى غير المستقل، حينئذٍ قوله: اسماً يعني: في قالَب الاسم، وهي ليست باسم وإنما هي في قالَب الاسم.
(أي: قد تكون في قالَب الاسم بناءً على أحد الأقوال: أن ضمير الفصل اسمٌ فلا ينافي القولَ بأنها أداةٌ كما تقدم) فهي أداة في صورة الاسم، هذا مجرد اصطلاح عند المناطقة.
فكل ما دل على الربط أو اللفظ الدال على الربط نقول: هذا حرفٌ، وإن شئت قل: أداة، سواءٌ كان في الأصل فِعل، كان اسماً، كان حرفاً عند النحاة .. لا غضاضة؛ لأن ثَم فرقاً بين الفنين.
قال: (والرابطة تارة تكون اسماً كلفظ هُو) ضمير فصل: زيدٌ هو كاتبٌ، زيدٌ كاتبٌ مبتدأ وخبر موضوع ومحمول وفيه نسبة، لكنها اعتبارية يعني: معقولة في الذهن. قد يُدل عليها، إذا أردت أن تُرشد بأن ثم نسبة حينئذٍ ماذا تقول؟ تقول: زيدٌ هو كاتبٌ. زيدٌ مبتدأ، كاتبٌ هذا خبر.
(وهو) هذا لا محل له من الإعراب .. ضمير فصل، يسمى رابطة هنا.
стр. 247
هذا اللفظ دل على النسبة، إذاً: إذا أردت أن تعبِّر عن النسبة تأتي بمِثل هذا اللفظ.
قال: (تارة تكون اسماً كلفظ هو، وتسمى رابطة غير زمانية؛ لعدم دلالة الاسم على الزمان بحسب الوضع) لأنه في الأصل هو اسمٌ.
(وتسمى رابطةً غيرَ زمانية لأنها لا تدل على الزمن) بحسب الوضع.
(وتارة تكون فعلاً ناسخاً للابتداء) يعني: تارة تكون الرابطة، أو اللفظ الرابط يكون فعلاً يعني: لا اسماً.
(ناسخاً للابتداء) يعني: كان وأخواتها و"وَجَدَ" وغيرها كذلك.
(ككان ووَجَد).
قال المحشِّي: كليس أي غيرُ ليس، هو قال: (ككان ووَجَد) أي: غير ليس؛ إذ لا تستعمل رابطة وإن كانت فعلاً ناسخاً لأنها أداة سلب، فلا تُستعمل حرفاً دالاً على النسبة.
(ككان ووَجد، وتسمى رابطة زمانيةً لدلالة الفعل على الزمان وضعاً) وهو فِعلٌ في الأصل.
(فالحمليةُ باعتبار الرابطة إما ثنائية أو ثلاثية).
(إما ثنائية) يعني: معدودةً بالاثنين، مركَّبة من لفظين اثنين.
(أو ثلاثية) أي: مركَّبة من ثلاثة ألفاظ.
(لأنها إن ذُكِرت فيها فثلاثية، وإن حُذِفت لشعور الذهن بمعناها أو لعدم الاحتياج إليها كقام زيدٌ فثُنائية) يعني: النسبة موجودة موجودة، هي معنًى اعتباري.
إن جئت بلفظٍ يُعبِّر عنها صارت الجملة ثلاثة أجزاء: زيدٌ هو كاتب، إن حذفت هو بناءً على أن الأصل هو حملُ المحمول على الموضوع وثَم نسبة .. إلى آخره، ولا تحتاج إليها، حينئذٍ صارت الجملة ثنائية في الظاهر. وثلاثية كذلك في الظاهر.
(لأنها) أي: الرابطة (إن ذُكِرت فيها) يعني: في الجملة الحمْلية أو القضية.
(فثلاثية) فهي ثلاثية. خبر مبتدأٍ محذوف فهي ثلاثية .. إن ذُكرت الفاء واقعة في جواب الشرط فهي ثلاثية.
(وإن حُذفت) يعني: الرابطة "زيدٌ كاتبٌ".
(لشعور الذهن بمعناها) وهو الأصل هذا .. الأصل عدمُ ذكرها.
(أو لعدم الاحتياج إليها كقام زيدٌ فثنائية).
قال: لعدم الاحتياج إليها. أي: في اللغة العربية؛ لقيام الحركات الإعرابية مقامها.
ولذلك مما يدل على النسبة الحركة الإعرابية في اللغة العربية "زيدٌ قائمٌ" ليس: زيد قام أو قائمْ .. " في الأصل لو لم تُحرِّك ما فُهِم الإسناد.
حينئذٍ الذي يدل على النسبة هو الرفع، ولذلك حصَره السعد بأن الرفع هو الذي يدل على النسبة سواءً لُفظ به أو قُدِّر؛ لأن الإعراب بالرفع هذا إعراب العُمد يعني: المبتدأ والخبر والفاعل ونائب الفاعل.
الرفعُ إعراب العمد هذا محل وفاق؛ لأن المبتدأ مرفوع وهو عمدة، والفاعل مرفوع وهو عمدة، وكذلك نائب الفاعل.
أي: في اللغة العربية؛ لقيام الحركات الإعرابية مقامها.
قال السعد في شرح الشمسية: الذي يُفهم منه الربط في لغة العرب هو الحركات الإعرابية، بل حركةُ الرفع تحقيقاً أو تقديراً لا غير.
لأننا نبحث في ماذا؟ حملية التي هي الجملة الاسمية، سواءٌ دخل عليها ناسخ أو لم يدخل فهي راجعة إليها، ولذلك قال: الذي يُفهم منه الربط في لغة العرب هو الحركات الإعرابية، بل حركة الرفع تحقيقاً أو تقديراً لا غير.
стр. 248
لأنا إذا قلنا على سبيل التَّعداد -لا الربط- يعني: ما نويتَ النسبة، قلتَ: زيد عالم بلا حركة إعرابية، لم يُفهم منه الربط، قلتَ: على سبيل التعداد زيد عالم، كأنك تعدّ ألفاظاً مفردة زيد .. عالم .. كاتب .. ماء .. سماء .. وكأنك عددت، هل بينها ربط؟ ليس بينها ربط.
والذي يدل على الربط هو: زيدٌ عالمٌ، حصل الربط بالرفع.
في المثال هذا يكون رفعاً تحقيقاً وتقديراً؛ لأنك في الوقف تقف عليه بالسكون زيدٌ عالمْ سكَّنت الميم. زيدٌ مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعُه ضمة ظاهرة على آخره، عالمْ خبر المبتدأ مرفوعٌ به ورفعه ضمة مقدرةٌ على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون الوقف، هكذا تُعرِب الإعراب الصحيح.
بعضهم يُعربه أنه: ورفعُه حركة ظاهرة. غلط هذا، هذا ما تُعرِب أنه حركة .. أين الظاهرة؟ الأول: زيدٌ عالمٌ هذا من باب الإيضاح فقط من باب التعليم، لكن في الكلام يكون غلط مخالف للقواعد؛ لأن الأصل تُسكِّن "زيدٌ عالمْ" هكذا.
قال هنا: لأنا إذا قلنا على سبيل التعداد: "زيد عالم" بلا حركة إعرابية، لم يُفهم منه الربط ولا الإسناد، وإذا قلنا: زيدٌ عالمٌ بالرفع فُهم منه ذلك، فالرابطة هي الحركة الإعرابية لا غير.
لكن هذا في الأصل .. في لغة العرب، لكن لما جاء المناطقة زادوا فجاءوا بـ: هو وما عُطف عليه فيما سبق.
قال هنا: (والمراد بالجزء الأولِ: المحكومُ عليه وإن ذُكر آخراً).
(المراد) هذا مبتدأ.
(بالجزء الأول) هذا متعلِّقٌ به. أين الخبر؟
(المحكومُ عليه) إذاً تبحث عن المحكوم عليه سواء تقدم أو تأخر.
ولذلك قال: (وإن ذُكر آخراً) يعني: تأخر، والأصل فيه التقدم.
ولذلك قيل: إذا التبس عليك المبتدأ بالخبر أو ما عرفت المبتدأ ابحث عن المحكوم عليه، في الجملة الاسمية طبعاً وإلا يدخل الفاعل هنا.
(وإن ذُكر آخراً، وبالثاني) والمراد بالجزء الأولِ المحكومُ عليه الذي هو الموضوع.
(وبالثاني) يعني: بالجزء الثاني الذي هو المحمول (المحكومُ به).
ولذلك قلنا: هذه عبارات وإن اختلفت في سائر الفنون إلا أنه يؤتى بها في هذا الموضع.
يعني: يقوِّي بعضُها بعضاً أو يشرَح بعضها بعضاً، يلتبس الموضوع بالمحمول، إذاً: الموضوع هو المحكوم عليه، والمحمول هو المحكوم به.
يحصل التباس كذلك تقول: الموضوع هو المبتدأ أو الفاعل ونائبُه، والمحمول هو الخبر أو الفعل. سواء كان مغيَّر الصيغة أو معلوم، هكذا من باب التيسير.
(المحكومُ عليه أي: سواءٌ جاز تأخيرُه كالمبتدأ الذي لم يتضمن معنى الاستفهام نحو: قائمٌ زيدٌ) يعني: قلتَ مثلاً: المبتدأ دائماً يكون محكوماً عليه، هذا الأصل، لكن هذا يستثنى هذا من باب الخروج عن القاعدة.
قلت: أقائمٌ زيدٌ.
مُبْتَدَأ زَيْدٌ وَعَاذِرٌ خَبَرْ
وَأَوَّلٌ مُبْتَدَأ وَالْثَّانِي فَاعِلٌ
وَقِسْ وَكَاسْتِفْهَامٍ النَّفْيُ ... إِنْ قُلْتَ زَيْدٌ عَاذِرٌ مَنِ اعْتَذَرْ
اغْنَى فِي أَسَارٍ ذَانِ
وَقَدْ يَجُوْزُ نَحْوُ فَائِزٌ أولُو الرَّشَدْ
إذا قلتَ: أقائمٌ الزيدان. قائمٌ هذا مبتدأ، والزيدان هذا فاعلٌ سد مسد الخبر، قائمٌ هو المحمول هنا وهو مبتدأ، وقع إذاً المبتدأ محمولاً، والزيدان فاعل سد مسد الخبر وقع موضوعاً على الأصل.
стр. 249
لكن الشاهد هنا في: قائم.
إذاً: المبتدأ قد يكون محكوماً به، لكن هذا بضوابطه ليس كل مبتدأ، الأصل في المبتدأ هو ما خلَى عن الشروط هذا الأصل فيه، والكلام فيه الأصل، وأما هذا فهو نوعٌ خارجٌ. ولذلك قال: (وَقَدْ * يَجُوْزُ نَحْوُ فَائِزٌ أولُو الرَّشَدْ) يعني: وقع فيه نزاع، وإن كان هو مرجوح والصواب مذهب البصريين، لكن وقع فيه نزاع.
قال هنا: (المحكومُ عليه أي: سواءٌ جاز تأخيرُه كالمبتدأ الذي لم يتضمن معنى الاستفهام نحو: قائمٌ زيدٌ.
أو وجب كما في الفاعل .. ) إلى آخر كلامه.
قال هنا: (وبالثاني المحكوم به، وإن ذُكر أولاً نحو: عندي درهم) عندي هذا المحكوم به وهو المحمول، ذُكر أولاً.
إذاً: العبرة هنا بالتقدم والتأخير الطبيعي، هذا الأصل موافقٌ للطبع، فإن تقدّم كلٌ منهما أو تأخر فهو خلاف الأصل، وتقدُّمه أو تأخره لا ينفي الوصف الأصلي عنه، فالموضوع يبقى موضوعاً وإن تأخر، والمحمول يبقى محمولاً وإن تقدم. على الأصل.
قال: (وَالجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ يُسَمَّى مُقَدَّمًا) (لتقدُّمِه لفظاً أو حُكماً).
(لتقدُّمه لفظاً) إذا كان الشرط مقدماً على الجزاء.
(والثاني) الذي هو حُكماً (إذا كان مؤخراً؛ بناءً على ما ذهب إليه المبرِّد والكوفيون) أنه يجوز.
(والبصريون يمنعون تقدُّم الجزاء على الشرط فنحو: النهار موجودٌ إذا كانت الشمس طالعة) يمنعون هذا البصريون.
النهار موجودٌ إذا كانت الشمس طالعةً، طبعاً ما بعد "إذا" لا يعمل فيما قبله، حينئذٍ إذا كانت الشمس طالعةً هذا الشرط، أين جوابه؟ محذوف.
والنهار موجودٌ السابق هذا دليل الجواب، ليس هو عينه، بخلاف مذهب الكوفيين والمبرِّد على أنه المتقدم هو الجواب، فلا نحتاج إلى التقدير، والمناطقة على هذا؛ لأنهم ينظرون إلى المعنى، وإذا كان كذلك لا إشكال عندهم.
ولذلك قال هنا: (وَالجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ يُسَمَّى مُقَدَّمًا) (لتقدمه لفظاً أو حكماً.
فالأول) يعني: لفظاً.
(إذا كان الشرط مقدماً على الجزاء، والثاني: إذا كان مؤخَّراً بناءً على ما ذهب إليه المبرِّد والكوفيون.
والبصريون يمنعون تقدم الجزاء على الشرط، فنحو: النهار موجودٌ إذا كانت الشمس طالعة). الجزاء محذوف على مذهب البصريين فيقدَّر، ثَم دليلٌ يدل عليه.
والذي تقدم على الشرط -النهار موجود- دليلُه عندهم، وعلى هذا فهو مقدمٌ لفظاً دائماً، وهذا عند النحاة.
ومقصود المناطقة المعاني فلا حاجة إلى تقدير شيءٍ يتم المعنى بدونه.
إذاً: وافق المناطقة هنا ما عليه المبرِّد والكوفيون، هذا المراد: أن المتقدِّم يُعتبر هو الجواب، ولا نحتاج إلى تقدير.
لكن هذا ليس بحث المناطقة وإنما يُرجع إلى النحاة، على كلٍ المراد هنا ما ذُكر.
قال: (وَالثَّانِي تَاليًا) (لتلوِّه الأول أي: تبعِيَّتِه له).
قال هنا: (لتقدمه لفظاً وحكماً) فيه إشارة إلى جواز تقديم التالي على المقدَّم عند المنْطِقي. هذا طيب.
وإن امتنع عند البصري؛ لأن نظر المنْطِقي إلى المعنى والتقديم لا يُفسده، ونظر البصري إلى اللفظ .. -ما فيه مقابلة بين المناطقة والبصريين- والتقديم يبطل الصدارة عندهم، لكن هذا فن وهذا فن، وتناولوا المسألة فكانت مشترَكة.
стр. 250
ومثلُه نقول المقدَّم عند النحاة أهل الفن، إلا إذا جاءوا بشيءٍ مطابق لما عند النحاة فلا إشكال.
قال: (وَالثَّانِي تَاليًا) يعني: الجزء الثاني من الشرطية يسمى تالياً، لماذا؟
(لتلوِّه الأول أي: تبعيتِه له) يتبعه.
(والمراد بالأول: الطالبُ للصحبة وإن ذُكر آخراً، وبالثاني المطلوبُ لها وإن ذُكر أولاً كما مر نظيرُه في الحملية).
لكن بقي أن هذا هل يشمل المنفصلة، أم أنه خاصٌ بالمتصلة؟ المتصلة متفقٌ عليه: الأول مقدم والثاني تالي، لكن العدد إما زوجٌ أو فردٌ. هل الأول مقدم والثاني تالي؟ قيل به، وقيل: لا.
التقسيم هذا لا يشمل المنفصل؛ لأنا لا نحتاج، إذا كانت الشمس طالعةً فالنهار موجود. المقدّم يستلزم التالي، بينهما علاقة .. تلازم.
لكن ما بينهما تنافي ليس بينهما تلازم، فإذا قلت: العدد إما زوجٌ أو فردٌ. سمّيت الأول مقدَّماً أو تالياً، والثاني مقدماً أو تالياً لا يضُر، لا ينبني عليه شيء.
وإنما يتعين أن الأول مقدَّم والثاني تالي في الشرطية المتصلة وأما المنفصلة فلا.
قال رحمه الله تعالى: (وَالْقَضِيَّةُ) (بحسب إيقاع النسبة وانتزاعها) (إِمَّا مُوجَبَةٌ، وَإِمَّا سَالِبَةٌ).
أراد أن يقسِّم لنا القضية بحسب إيقاع النسبة وانتزاعها؛ يشير إلى أن هذا تقسيمٌ للقضية باعتبار ما يعرِض لها، وما سبق باعتبار ذاتها، وما بالذات أقوى فلذلك قدَّمه على ما هاهنا.
يعني: هذا تقسيم آخر، تنقسم القضية إلى موجبة وسالبة، لكن باعتبار الإيقاع والانتزاع .. باعتبار النسبة إيقاعها وانتزاعها.
(وَالْقَضِيَّةُ) يعني: الحملية.
(بحسب إيقاع النسبة) يعني: بالنظر إلى هذه الحيثية.
(إيقاع النسبة) أي: إدراك وقوع النسبة.
(وانتزاعها) أي: إدراك انتزاع النسبة.
قال هنا: (إيقاع) إدراك وقوع.
(النسبة) أي: الكلامية، أي موافقتُها للنسبة الواقعية.
(وانتزاعِها) أي: إدراكُ أن النسبة الكلامية ليست واقعة ولا موافقةً للنسبة الواقعية .. على ما مر في الكلام على التصديق.
(إِمَّا مُوجَبَةٌ: كَقَوْلِنَا زَيْدٌ كَاتِبٌ).
(مُوجَبَةٌ) (أي: مسمّاةٌ بهذا لوجوب النسبة فيها أي: ثبوتها) فالإيجاب بمعنى الثبوت، ولذلك تقول: الواجب بمعنى الثابت، والوجوب بمعنى الثبوت (مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ) أي: ما يُثبت من وسائل تؤدي إلى الرحمة.
(أي: مسمّاةٌ بهذا لوجوب النسبة فيها أي: ثبوتِها.
والمشهور فتح الجيم –موجَبَة- على معنى أن المتكلم أوجبَ النسبة أي: أثبتَها فيها).
(ويصح كسرها موجِبة) وإن لم يكن شائعاً، الاستعمال على الأول، لكن يجوز موجِبة.
(على معنى أن القضية أَوجَبَت أي: أثبتت النسبة إسناداً مجازياً).
قال: (إِمَّا مُوجَبَةٌ: كَقَوْلِنَا زَيْدٌ كَاتِبٌ) ليست سالبة.
(وَإِمَّا سَالِبَةٌ) (أي: مسمّاةٌ بهذا لاشتمالها على انتزاع النسبة أي: سلبِها عن الموضوع) (كَقَوْلِنَا زَيْدٌ لَيْسَ بِكاتِبٍ) نفيتَ الكتابةَ عن زيد.
قال: (والموجَبة) أراد أن يقسِّم الموجبة (إما محصّلةٌ أو معدُولة).
(والموجبة إما محصَّلةٌ وإما معدولة).
المحصَّلة قال: هي الوجودية. يعني: أن يكون كلٌ من الطرفين أمراً وجودياً.
следующие страницы →