← Фикх шафии

Фикх шафии · id 36125

شرح الرحبية للحازمي

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (456 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

شروط جمع شرط، والشرط في اللغة: العلامة، ومنه أشراط الساعة، أي: علامات الساعة، ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] على نزاع هل هو شَرَطُ أم شَرْط على خلافٍ بينهم، لكن هذا هو المشهور عند الأصوليين وغيرهم إذا ذكروا الشروط قالوا: جمع شرطٍ. أشراط الساعة، يعني: علامات، حينئذٍ يكون الشرط في اللغة هو: العلامة، ومنه سمي الشُّرْطِي شُرْطِي لأنه له علامة تدل عليه، يَلْبَسُ لِبْسًا معينًا فإذا رأيته عرفت أنه شرطي، من أين؟ من لباسه، فلباسه علامة وإلا لو مشى هكذا بين الناس بشماغ وثوب ما تعرف أنه شرطي، لكن بلبس معين نقول: صار هذا اللبس علامة لكونه شُرْطِيًّا. وأما في الاصطلاح: فهو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عدم لذاته. هذا على المشهور عند الأصوليين وإلا ثَمَّ تعريفٌ آخر، ما يلزمُ، ما، يعني: وصفٌ أو شيءٌ يلزم من عدمه من عدم ذلك الوصف العدم، لأن هذه الشروط والأسباب إنما هي أوصاف، رتب الشرع عليها أحكام عند وجودها، ولذلك سبق معنا أن الحكم نوعان: حكم تكليفي، وحكم وضعي. هو حكم شرعي لكنه على قسمين: حكم تكليفي، وحكم شرعي. الحكم التكليفي هو، ما هو؟ الواجب، والمندوب، والمباح، والمحرم، والمكروه. والحكم واجب ومندوب وما ... أبيح والمكروه مع ما حرُما

стр. 72

وأما الحكم الوضعي فهو: الأسباب، والشروط، والموانع، والصحة، والفساد، والأداء، والقضاء، والإعادة. كلُّ هذه أحكام وضعية، فَرِّقْ بين النوعين، لأن الحكم الشرعي التكليفي مطالب به المكلف، يعني: إيجاده، وأما الحكم الوضعي في الجملة لا يطالبُ به المكلف، إذًا ما يلزم من عدم ذلك الوصف أو الشيء العدمُ، ولا يلزم من وجوده وجود إذا عُدم انعدم المشروط، فإذا قلنا الطهارة مثلاً شرط في صحة الصلاة، يلزم من عدم الطهارة عدم الصلاة، لماذا؟ لأن انتفاء الشرط هنا وهو الطهارة مُؤْذِنٌ بانتفاء المشروط فيه وهو الصلاة، هذا معنى أن الشرع رتب هذا على ذاك، رتب هذا الثاني وهو الانتفاء المشروط فيه لانتفاء الشرط، ولذلك ذكرنا فيما سبق أنه لا يحكم بالشرطية إلا بدليلٍ أخص من مطلق الوجوب، فليس كل نص دل على الوجوب نستدل به على الشرطية إلا من جهة أخرى فيها نزاع، وهي: أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، وقد ذكرنا أن مما يحكم بكونه شرطًا إذا نهى الشرع عنه، فإذا نهى حينئذٍ نقول: النهي يقتضي فساد المنهي عنه، وإذا كان كذلك حينئذٍ كل شيء نهى عنه الشرع ففعله يكون باطلاً، هذا الأصل، فالبيع المنهي عنه باطل، والصلاة المنهي عنها باطلة، فإذا صلى في وقت النهي نقول: هذه الصلاة قد وقعت في زمنٍ قد نهى الشرع عن إيقاع الصلاة فيه، فإذا أوقعها في ذات أو بين أثناء الوقت المنهي عنه حكمنا على الصلاة بكونها باطلة، لماذا؟ لأن النهي القاعدة العامة النهي يقتضي فساد المنهي عنه، إذًا نحكم بكون الصلاة قد انتفت لانتفاء الطهارة، ما الذي ربط بن هذا وذاك؟ هذه أوصاف عدم صحة الصلاة لعدم وجود الشرط، وصف فليس أمر تدركه بالحس، حينئذٍ نقول: هذا هو الحكم الوضعي، وضع هذا علامة على هذا، يعني: عدمُ وجود الطهارة، هذا وصف، دليل على عدم صحة الصلاة، فرتب هذا على ذاك، إذًا ما يلزم من عدمه العدم، العدم يعني: عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده من وجود الشرط هذا الوصف أو الشيء وجود ولا عدم، يعني: قد يوجد الشرط ولا يوجد المشروط، وهذا لا لذات الشرط وإنما لأمر آخر لأمر ليس راجعًا لذات الشرط، فقد يتوضأ فإذا صلى الظهر نقول: صلاتك لا تنعقد. لماذا؟ هو قد أتى بالشرط، أما قلنا انتفاء الصلاة لانتفاء الطهارة؟ هنا وجدت، وجدت الطهارة ولم توجد الصلاة، لماذا؟ لا لذات انتفاء الشرط وهو الطهارة، وإنما لانتفاء شرط آخر وهو عدم دخول الوقت، إذًا ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، هذا يرجع إلى الوصفين وهو الوجود والعدم، لأنه [قد يُعدم لعدم، نعم] قد يُعدم المشروط لعدم الشرط لا لذاته، وإنما لوصف آخر، وقد يلزم من وجوده وجود لا لذاته وإنما لوصف آخر، فقيد لذاته يرجع إلى الوصفين. الشروط ثلاثة عند الفرضيين معلومة بالاستقراء والتتبع، وهي في الجملة مجمع عليها، كما أن الأركان السابقة كذلك معلومةٌ بالاستقراء والتتبع وهي مجمعٌ عليها في الجملة.

стр. 73

الشرط الأول: موت المورِّث، يعني: تحقق موت المورث، قلنا: المورث هذا ركن، إذًا ما الذي زاد هنا؟ العلم تحقق كونه ميتًا نقول: هذا ركن، وقد يكون العلم به على جهة اليقين، أو الظن، أو الشك، العلم به، الإدراك يعني، قد يكون على جهة اليقين علم تحقق، وقد يكون على جهة الظن، وقد يكون على جهة الشك، أيُّ هذه الأحوال الثلاثة المعتبر؟ الأول والثاني، لا بد أن نتحقق أن المورِّثُ قد مات، لأنه صاحب المال، والأصل هو الحياة، الأصل أنه حي، واليقين لا يزول بالشك، فلا بد من شيء يحدث في النفس يسبب حكمًا بكون هذا المورِّث قد مات، وأما مجرد الظن فهذا لا يكفي في الحكم بانتقال التركة منه إلى مورثه إلى الوارث، إذًا تحقق موت المورث أو إلحاقه بالأموات، وهذا سيأتي، لأن ملكه باقٍ مُلْك مِلْك باقٍ ما دام حيًّا، فإن انتهت حياته انتهت ملكيته، فيدُهُ على المال لا زالت ما دام أنه حيٌّ حينئذٍ يده لا زالت، يعني: ملكيته لا زالت على ماله، ولا يُحكم بانتقال المال إلى غيره على جهة الفرائض الإرث إلا بتحقق موته أو إلحاقه بالأموات، إذًا موت المورِّث أو إلحاقه، ونقول: كما قلنا سابقًا حقيقةً، أو حكمًا، تحقق موت المورث حقيقةً، وهذا تأكيد للتحقق، أو حكمًا، يعني: إلحاقه بالأموات، والحكم أو التحقق هنا الحكمي المراد به المفقود، يعني: رجلٌ فُقِد ولا يعلم له أثر، حينئذٍ نظر الفقهاء قالوا: هذا إما أنه قد يكون ذهب إلى جهة يغلب عليها السلامة، أو الثاني، وعليه يترتب ماذا؟ يترتب في زمن الإمهال، متى يحكم عليه بكونه مفقودًا فيلحق بالأموات؟ نظر بعضهم إلى الأرض التي ذهب إليها، إن كان يغلب عليه السلامة كمن ذهب للتجارة مثلاً حينئذٍ بعضهم وضع له سبعين سنة وبعدها يحكم عليه بالموت، وبعضهم زاده وقال: تسعين سنة. وهذا قول عند الحنابلة، وبعضهم قال: لا، يُنظر إلى العرف. يعني: الغالب، «أعمار أمتي بين الستين والسبعين».

стр. 74

وبعضهم أحاله إلى نظر القاضي، على كلٍّ خلاف، والمذهب الثاني أن يكون قد ذهب إلى أرضٍ لا يغلب عليها السلامة، حينئذٍ لا شك أن الزمن الذي يوضع للحكم بكونه مفقودًا أقل من الأول، كأن يكون قد ذهب للجهاد في سبيل الله مثلاً ومضت السنة والسنتان والثلاث هل ننتظر سبعين سنة أو تسعين سنة؟ لا، الأمر ليس كالأول، إذًا موت المورث حقيقة أو حكمًا أو إلحاقه بالأموات حكمًا كالمفقود إذا انقضت فيه مدة الانتظار، واختلفوا في مدة الانتظار على ما ذكرناه سابقًا وحكم القاضي بموته، ما هو أنت، ليس كل أحد وإنما القاضي، القاضي هو الذي يحكم بكون هذا مفقودًا وألحقه بالأموات، لأنه يترتب عليه أحكام شرعية فسخ النكاح تتزوج زوجته، حينئذٍ ينتقل ماله إلى ورثته، وحكم القاضي بموته، أو تقديرًا، وهذا فارق به بعضهم بأن ثَمَّ إلحاق بالأموات إما على جهة الحكم، وإما على جهة التقدير والنتيجة واحدة، فإنما جعلوا الحكم خاصًا بالمفقود، والتقدير خاص بالجنين، والنتيجة واحدة لا فرق بينهما، أو تقديرًا وذلك كالجنين الذي ينفصل من أمه ميتًا بسبب جناية عليها تُوجب الغرة، أي: نقدر أن الجنين كان حيًّا في بطن أمه ثم مات بسبب الجناية عليه، لأن العبرة بخروجه، يعني: متى نحكم على الجنين بأنه وارث؟ لا بد أن نتحقق وهو الشرط التالي لا بد من أن نتحقق أن الوارث كان حيًّا بعد موت مورثه، ومتى يكون إذا خرج من بطن أمه حيًّا حياةً مستقرة، لا بد أن يخرج من بطن أمه وهو حي، ولو بقي ثواني ثم مات حينئذٍ تحققنا من حياته، وأما إذا خرج ميتًا فالأصل أنه لا يرث ليست العبرة في الأصل ليست العبرة بحاله إذا كان في بطن أمه، وإنما بكونه موجودًا في الخارج، لأن الأحكام الدنيوية تكون في الخارج، فإذا خرج من بطن أمه إما أن يخرج ميتًا وإما أن يخرج حيًّا ثم يموت مباشرة، وإن بقي فلا إشكال فيه الحالة الثالثة، إن خرج ميتًا فالأصل فيه أنه لا يرث، لكن هنا قُدِّرَ [أنه نزل حيًّا ثم مات] أنه كان حيًّا في بطن أمه ثم خرج حيًّا هذا الأصل فيه، وإلا لا يحكم عليه، وهذه مسألة خاصة فيما إذا ما جنا جانٍ من ذكرٍ أو أنثى على بطن حاملٍ ثم أسقطت مباشرة أو بعده مع تألمها حكمنا بكون هذه الجناية ألحقت هذا الجنين بالحي ولكنها ليست حياة حقيقية، وإنما من جهة التقدير، إذًا التقديري إلحاق الميت بالحي نقول: هذا من جهة ماذا؟ من جهة التقدير، أو تقديرًا وذلك كالجنين الذي ينفصل من أمه ميتًا، يعني: خرج من بطن أمه ميتًا، بسبب جناية عليها توجب الغرة، أي: نقدر أن الجنين كان حيًّا في بطن أمه ثم مات بسبب الجناية ثم خرج ميتًا، وهذا في السابق كانوا لا يدرون الذي في بطن الأم هذا هو حي أو لا، ولذلك نقول: نقدر أنه كان حيًّا في بطن أمه، ثم ضربت الأم على بطنها فخرج هذا الجنين، في القديم ما كانوا يعرفون، ليس هناك، الطب فيه تطور أنهم يكشفون بأن هذا الجنين حي أو لا، فيحكم عليه أنه كان حيًّا في بطن أمه لعدم العلم الذي وُجد الآن، حينئذٍ إذا ضُربت بطن أمه فخرج ميتًا قدرنا أنه كان حيًّا، لأنه هو الأصل مع كوننا نجهل هل هو بالفعل حي أو ميت؟ لأنه قد يكون ميتًا في الأصل، لكن نقدر أنه كان حيًّا في بطن أمه لأنه

стр. 75

الأصل ثم ضُربت ثم خرج الجنين ميتًا، إذًا الأصل ما هو؟ الحياة، فلذلك يُوَرَّث، نقدر أن الجنين كان حيًّا في بطن أمه ثم مات بسبب الجناية ثم خرج ميتًا، والغرة عندهم هي عبدٌ أو أمةٌ تقدر بخمس من الإبل يأخذها ورثة الجنين سواءٌ كانت هذه الجناية عمدًا أو خطأً ذكرًا كان أو أنثى ألقت الحنين في الحال أو بقيت متألمةً حتى سقط، لكن لو علمنا بالوسائل المتطورة الآن أنه ميت قبل الضرب أنه قد مات ثم ضرب الجنين فسقط ميتًا هل يأخذ الحكم أو لا؟ الجواب: لا، إنما هذا يختص فيما إذا جُهِلَ قبل أن تضرب، فإذا ضربت حينئذٍ قلنا: الأصل هو الحياة، فإذا خرج ميتًا ألحقناه بالأحياء. إذًا الشرط الأول موت المورث حقيقةً أو حكمًا كالمفقود أو الجنين، فالحكم يكون في الأمرين. الشرط الثاني: تحقق حياة الوارث بعد موت المورث، أو إلحاقه بالأحياء، هذه الشروط متمة للأركان، تحقق حياة الوارث بعد موت المورث أو إلحاقه بالأحياء، لماذا؟ لأننا سَنُمَلِّكُهُ هو سَيَمْتَلِك هذا المال، والملك إنما هو من صفات الأحياء أو الأموات؟ الأحياء، إذًا انتقلت الملكية من الميت لفوات الشرط وهو الحياة فلا بد أن ينتقل إلى حي، فالشرط الأول حينئذٍ يكون وصفًا للمورِّث، والشرط الثاني يكون وصفًا للوارث بأن يتحقق حياته، تحقق حياة الوارث بعد موت المورث أو إلحاقه بالأحياء، لأن التمليك يُشترط له الحياة، قالوا: ولو لحظةً. يعني: لو خرج هذا يقصدون به الجنين إذا خرج من بطن أمه حينئذٍ كما ذكرناه إما أن يخرج حيًّا أو ميتًا، الميت على التفصيل السابق، حيًّا هل يشترط في كونه وارثًا أن تستمر حياته أو يكفي أنه يخرج صارخًا أو أنه يخرج حيًّا حياةً مستقرة، ثم إذا مات بعد ذلك حينئذٍ نقول: خرج حيًّا فثبت له الإرث فهو وارث، لماذا؟ لكونه قد خرج من بطن أمه وهو حي، إذًا حياة الوارث بعده ولو لحظة حقيقةً أو حكمًا، هذا الشرط الثاني. الثالث: تحقق أو العلم بالجهة المقتضية للإرث، يعني: العلم بالسبب المقتضي للإرث، هذا لا بد، ما العلاقة بين الوارث والمورث؟ هل كل أحدٍ يرث أحدًا؟ لا. (أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَةْ) ثم قال: (وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ). لا بد من تحقق واحد من هذه الأسباب الثلاثة، فإن انتفى النكاح والولاء والنسب حينئذٍ انتفى الإرث، لأنه لا علاقة بين الوارث والمورث لا بد من علاقة، المال هكذا لا ينتقل إلى أي أحد وإلا كل شخص ورث الآخرين، وإنما ثَمَّ سببٌ وارتباط وعلاقة بين المورث والوارث، وهذه محصورة في ثلاثة وهي متفق عليها وثَمَّ أربعة أسباب مختلف فيها، وهذه الثلاثة هي المذهب وما عداها منفيٌ عند الحنابلة.

стр. 76

العلم بالسبب المقتضي للإرث، وهذا الشرط مَن الذي يحققه؟ يعني: من الذي يعتني به؟ الذي يحكم بانتقال المال من المورث إلى الوارث، وهذا مَن؟ القاضي، إذًا هذا شرط يتعين على القاضي، أما الوارث هذا يراه هو أمامه لا يحتاج، أو بعلم يخبر عنه، وأما المورث فهذا يثبت عنده بالشهادة أنه قد مات، وأما هذه الجهة والسببية والارتباط بين المورث والوارث فهذه ينظر فيها في أدلة الشرع، أما المورث والوارث هذا أمرٌ حسي يدرك بالحس، وأما كون هذا وارثًا من هذا، هذا يحتاج إلى دليل شرعي، إذًا هذا الشرط يرجع إلى القاضي أو الحاكم، لأنه هو الذي يحكم بانتقال هذا المال من مالكٍ إلى مالكٍ، فلا بد من معرفة ثلاثة أمور، القاضي لا بد أن يعرف ثلاثة أمور. الأول: ما هو السبب الذي يدلي به هذا الوارث إلى مورثه؟ ما هو السبب؟ ما العلاقة؟ هذه امرأة ماتت وأنت جئت تدعي الإرث إيش علاقتك بها؟ زوجها؟ أخوها؟ لا بد أن يعرف، إما نكاح، وإما ولاء، وإما نسب، إذًا ما هو السبب من أسباب الإرث الذي يدلي به هذا الوارث إلى مورثه؟ فقد يكون من الأسباب المختلف فيها والحاكم والقاضي لا يراه، يعني: بيت المال مثلاً، أو الملتقط، أو من أسلم على يديه، هذه فيها خلاف بين أهل العلم، هل هي من أسباب الإرث أو لا؟ قد يرى القاضي أن الملتَقِط يرث، وقد لا يرى قاضي آخر أنه يرث، حينئذٍ لا بد من تعيين الأسباب الصحيحة التي يترتب عليها الإرث والأسباب التي لا يترتب عليها الإرث، وهذا يختلف من قاضٍ إلى قاضٍ، يعني: ثَمَّ خلاف بين أهل العلم قد يرى هذا القاضي ما نفاه الآخرون. الثاني: إذا كان السبب القرابة مثلاً فما نوعها؟ تختلف القرابة، هل كل قريب ونسب؟ هل كل ذي نسب يرث؟ الجواب: لا، قد يقول: أنا قريب له، وجد عندي النسب أنا من الأرحام، هل كل ذي رحمٍ يرث؟ الجواب: لا، لا بد أن يعرف ما نوعها لاختلاف أنواعها ويختلف الحكم باختلافها، ثم الدرجة التي تجمع الوارث مع الْمُوَرِّث لئلا يكون محجوبًا لمن هو أقرب منه إلى الميت، يأتي يدَّعِي وهذا ابنُ الابِن يقول: أنا أرث من هذا. وأبوه موجود الابن حينئذٍ نقول: لا، أنت وإن كنت ذا نسب، يعني: من قرابة الميت إلا أنك لا ترث لأنك محجوب بمن هو أعلى منك رتبة. ثالثًا: معرفة انتفاء الموانع التي تمنع من الميراث، قد يكون زوجًا ووجد فيه السبب، لكنه قاتل، قتل زوجته عندها ملايين واستعجل فقتل حينئذٍ نقول: هو زوجٌ والأصل فيه أنه يرث، لكنه قام به مانعٌ وهو القتل، (رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ)، إذًا العلم بالسبب المقتضي للإرث، هذا لا بد منه ولا بد أن يعرفه القاضي، هذه ثلاثة أمور ترجع إلى القضاء. إذًا هذه ثلاثة شروط. الأول: موت المورث حقيقةً أو إلحاقه بالأموات حكمًا أو تقديرًا. ثانيًا: حياة الوارث بعد المورث ولو لحظةً حقيقةً أو حكمًا. ثالثًا: العلم بالسبب المقتضي للإرث.

стр. 77

أدلة هذه الشروط: موت المورث لقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]. الهلاك بمعنى الموت وهذا جاء بعضهم في باب الفرائض يقول: هلك هالكٌ. يعني: كأنه نزلت به عقوبة هلك نزلت به عقوبة هلك، الله يقول: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾. يعني: مات، فالهلاك بمعنى الموت، فإطلاق ذلك في المسائل التي يُوردها الفرضيون لا إشكال فيه لا اعتراض، هلك هالك هذا هو أهلكم، نقول: لا، هذا واردٌ في النص، إذًا موت المورث لقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ لا بد أن يوجد أولاً فعل الشرط ثم يترتب عليه جواب الشرط، إذًا وجه الاستدلال هنا أنه أطلق الهلاك على المورث ورتب عليه جواب الشرط، ﴿إِنِ﴾ هذه شرطية، تربط بين الجواب وفعل الشرط، وسبق معنا قاعدة أنه العلاقة بين فعل الشرط وجواب الشرط، قد يكون المراد إيقاع جواب الشرط قبل إيقاع فعل الشرط، فقد يكون بعده وقد يكون معه ثلاثة أحوال، هنا المراد به إيقاع جواب الشرط بعد وجود فعل الشرط، وقد يكون بالعكس لقرينة السياق وقد يكون معه، ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ ثم قال: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. إذًا متى يكون لها نصف ما ترك؟ إن هلك فإن لم يهلك؟ ليس لها شيء، واضح وجه الاستدلال؟ أنه رتب ثبوت النصف للأخت هنا بعد وقوع فعل الشرط وهو الهلاك، فإن لم يكن بمفهوم الشرط عكسي مخالفة حينئذٍ ليس لها النصف ولا دونه، والهلاك هو الموت، وتركه لماله إنما يكون بعد انتقال من الدنيا إلى الآخرة، ويحصل تحقق الموت بثلاثة أمور، متى نحكم على المورث بأن قد مات؟ المعاينة، تراه في النزع، ينزع أمامك معاينة تراه بعينك. الثاني: الاستفاضة، الشهرة يعني، يشتهر. الثالث: شهادة عدلين.

стр. 78

وأما الموت حكمًا، فذلك في المفقود إذا مضت المدة التي تحدد للبحث عنه فإنه يحكم بموته، ما لدليل؟ قالوا: تنزيلاً للظن منزلة اليقين عند تعذره. يعني: ما طلب فيه اليقين قد لا نستطيع، ويتعذر علينا أن نصل إلى اليقين، هذا الأصل، فَنُنَزِّل الظن الذي هو قريب من اليقين منزلة اليقين، وهذا كثير في مسائل الفقه، إذًا تنزيل للظن منزلة اليقين عند تعذره، وهذه قاعدة فقهية مشهورة عند أهل العلم، ولفعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إذًا للقاعدة وإفتاء الصحابة بذلك، إذًا متى أو لماذا نحكم بكون المورث قد مات حكمًا؟ للقاعدة وفعل الصحابة، وإلا لم يوجد نص، وأما اشتراط حياة الوارث بعد موت مورثه فلقوله: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. لها اللام هذه ملكية، وهل يملك الميت؟ الجواب: لا، إذًا يدل على أنها حياة، واللام هنا للتمليك وهو لا يكون إلا للحي، ويحصل تحقق حياته بما يحصل به تحقق موت مورثه، يعني: معاينة، والاستفاضة، وشهادة عدليين، يعني: يحصل تحقق حياته حياة الوارث، معاينة تراه أمامك يمشي يتكلم، هذه معاينة، أو استفاض قد يسافر عشرين سنة لكن تعلم أنه باقي على حياته، أو إذا كان يكتب، أو يدرس، أو يعلم ترى كتبه ونحو ذلك، أو شهادة عدلين إذا احتيج حينئذٍ يشهد بأنه لا زال حيًّا، وأما حياة الوارث حكمًا فمرادهم به الحمل يرث من مورثه وإن لم ينفخ فيه الروح بشرط خروجه حيًّا حياةً مستقرة، يعني: ولو كان نطفة، إذا ثبت وجود الحمل بعد موت المورث ولو بلحظة، ولو نطفة حكمنا عليه بكونه وارثًا، كيف وهو لم تنفخ فيه الروح؟ قالوا: هذا تنزيلاً له منزلة الحي. وأما اشتراط العلم بالسبب والشرط الثالث، لماذا اشترطناه؟ ما الدليل عليه؟ هذا واضح لأن الشرع رتب أوصاف وأحكام على أشياء متى ما وجدت وتحققت هذه الأوصاف التي هي: الأسباب، والشروط ... إلى آخره هذا الحكم عام لا يختص بالشروط، حينئذٍ نقول: متى ما وجدت ترتب عليه الحكم وإلا فلا، كما نحكم بصحة الصلاة، متى نحكم بصحة الصلاة؟ إذا وجدت الشروط والأركان والواجبات وانتفت الموانع حكمنا على الصلاة بكونها صحيحة، من الذي رتب هذا على ذاك؟ الشرع، كيف رتب هذا على ذاك؟ بأن حكمنا على هذا القول والفعل بأنه شرط، أو ركن، أو واجب، أو أن هذا مانعٌ من كذا، فإذا انتفت الموانع ووجدت الشروط والأركان حكمنا بالصحة، نحكم بالفساد متى؟ إذا انتفت الشروط أو بعضها أو انتفت الأركان أو بعضها إلا ما جاء استثناؤه كالقيام مثلاً والعجز ونحو ذلك هذا له حكمه الخاص، وأما اشتراط العلم بالسبب المقتضي للإرث فلأن الإرث مرتب على أوصاف، فإذا لم توجد هذه الأوصاف لم يحكم بثبوت ما رتب عليها من الأحكام، فلا يحكم بالشيء إلا بعد وجود أسبابه وشروطه وانتفاء موانعه، هذه ثلاثة شروط يكاد أن يكون متفق عليها وليس فيها خلاف بين أهل العلم. ثم قال ﵀: (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث)

стр. 79

أي: هذا بابُ، التبويب هذا هل هو من المصنف أو لا؟ المشهور عند الشراح ونحوهم أنه ليس من فعل المصنف، يعني: لم يبوب لم يترجم هو وإنما ذكر الأبيات سردًا هكذا (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث)، أي: هذا بابُ، بابُ هذا خبر لمبتدأ محذوف، وباب مضاف وأسباب مضاف إليه على حذف المضاف، أي: بابُ بيان أسباب الميراث، أي: وموانعه، هذا فيه اكتفاء لأنه اعترض عليه، أنت ما دام أنك تبرعت وبوبت بوِّب كما ذكر الناظم، فهو قد ذكر أربعة أبيات: بيتين في الأسباب، وبيتين في الموانع. بوّب للأسباب وترك الموانع، هذا قصور، قالوا: هذا قصور. واعتُرِض على الترجمة بأن فيها قصورًا فأجيب بأن فيه حذف الواو مع ما عطف فيكون فيه اكتفاء، أي: وموانعه، ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، والبرد مثله فلا إشكال، فلذلك لا يخطَّأ النحوي البتة، (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث)، أي: وموانعه، له أصل في الشرع. البابُ لغة: المدخلُ إلى الشيء. واصطلاحًا: اسم لجملة مختصة من العلم تحته أصولٌ ومسائل غالبًا، هذا على المشهور، أو اسمٌ لألفاظ مخصوصة دالة على معاني مخصوصة، والثاني أشهر اسم لألفاظ مخصوصة دالة على معاني مخصوصة، بَاب أصله بَوَب تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، يجمع على أبواب وأبوبة وبيبان، في اللغة المدخل، مَدْخَل مَفْعَل، والمفعل يأتي اسم مصدر ميمي، واسم مكان، واسم زمان، المراد به هنا اسم المكان، ليس المراد به الدخول نفسه وليس المراد به زمن الدخول، وإنما المراد به المكان الباب هذا المراد به الباب، حينئذٍ المدخل إلى الشيء إذا كان المدخل مَفْعَل مرادًا به اسم المكان حينئذٍ لا بد أن يكون قوله المدخل إلى الشيء متعلقًا بمحذوف، أي: المدخل الموصل إلى الشيء، وبعضهم قال: فرجةٌ في ساتر يتوصل بها من داخل إلى خارج وعكسه. وهذا الثاني أشهر، واصطلاحًا اسم لجملة مختصة من العلم تحته فصول ومسائل غالبًا، ومضى معنى كثير تفسير معنى الفصل والمسائل ونحوها. (بَابُ أَسْبَابِ) (أَسْبَابِ) جمع سبب، (أَسْبَابِ) أَفْعَال جمع سَبَب على وزن فَعَلْ وفَعَلْ يجمع على أفعال، وهو جمع قلة أو كثرة؟ قلة، أَفْعَال، أَفْعَال أَحْمَامْ، إذًا هو جمع قلة، وهو كذلك هنا لا إشكال لا اعتراض، لأن الأسباب هنا التي ذكرها المصنف المتفق عليها، وهي ثلاثة فقط، وأقل الجمع ثلاثة، فلا إشكال فيه، والسبب في اللغة ما يتوصل به إلى غيره حسًّا كان أو معنىً، ما شيءٌ، أو معنىً، أو وصف، وإذا قلت: شيء. فالشيء يصدق على المعنى وعلى الحس، وإذا قلت: معنى. حينئذٍ اختص بالمعاني دون الحسيات، وعليه نقول: ما هنا ما يتوصل به إلى غيره ما يعني شيء، والشيء يصدق على الشيء الحسي كالحبل، وعلى الشيء المعنوي كالعلم، العلم سببٌ موصلٌ إلى الخير، وهذا لاشك فيه، فحينئذٍ يشمل النوعين ما يتوصل به إلى غيره حسًّا كالحبل ومنه قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥]. أو معنًى ومنه علم فإنه سبب للخير، ومنه ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] على قولٍ، واصطلاحًا: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عده العدم لذاته.

стр. 80

هذه التعاريف للشرط والمانع والسبب، هي المشهورة لسهولتها، وإلا عند التحقيق فثَمَّ تعاريف أخرى قد تكون أولى، ولذلك عرفه الآمدي بأنه كل وصف ظاهرٍ منضبطٍ معرف لحكم شرعي. السبب قد يكون شرعيًّا وقد يكون حسيًّا وقد يكون عاديًّا، والمراد هنا بالأسباب (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث) الأسباب العقلية، أو الطَّبَعِيَّة العادية، أو الشرعية؟ الشرعية، حينئذٍ يختص الحكم بالسبب الشرعي وعليه ينطبق تعريف الآمدي، ما يلزم من وجوده الوجود، ما وصف معنى شيء يلزم من وجوده الوجود، وهذا يفارق السبب الشرط، فالشرط لا تلازم بينهما، قد يوجد الشرط ولا يوجد المشروط، وأما السبب فلا، إذا وُجدا السبب لزم منه ترتب المسبب عليه، أليس كذلك؟ ولذلك قال: ما يلزم من وجوده. من وجوده هذا الوصف الذي حكمنا عليه بأنه سببٌ وجود المسبب كالزوال بالنسبة لصلاة الظهر، والنكاح بالنسبة لترتب الإرث والتوريث، ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، يعني: ومن عدم هذا الوصف الذي أطلقنا عليه أنه سبب عدمُ المسبب، فلا يوجد المسبب عند انتفاء السبب، لذاته هذا راجعٌ للنوعين: الوجود، والعدم. لأنه قد يوجد السبب ولا يوجد المسبب، إما الوجود مانع، أو لفقد شرطه، كالزوجية مثلاً فإنها سبب للإرث بين الزوجين، الزوجية سبب وهي: نكاحٌ، عقد الزوجية الصحيح، الزوج يرثُ الزوجة، والزوجة ترث الزوج إذا مات واحدُ منهما قبل الآخر ورث الثاني إن كان عنده شيء، فإنها سبب للإرث بين الزوجين، فيلزم من وجودها وجود الإرث، ويلزم من عدمها عدم الإرث، إذًا هذان شِقَّان يلزم من وجوده وجود، والشق الثاني من عدمه العدم، والثالث هذا بعضهم يرى أنه يحذف ولا يذكر، لأنه إذا انتفى السبب لقيام مانع، أو فقد شرط حينئذٍ لم ينتفِ لذات السبب، والكلام هنا إنما لذات الشيء لا لشيءٍ طرأ على السبب، وخرج الشرط، فقوله: ما يلزم من وجوده الوجود. خرج به المانع، إذ يلزم من وجوده العدم كالقتل مثلاً إذا وجد لزم منه عدم الإرث، الرق، اختلاف الدين، هذه موانع يلزم من وجودها العدم، يعني: عدم الإرث، وخرج الشرط إذ لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، فقوله: لذاته. راجع للوجود والعدم، وذلك القرابة مثلاً فإنها سبب من أسباب الإرث، فإن قام بها مانع من قتل ونحوه، القرابة موجود سبب يترتب عليه المسبب وهو الإرث، لكن قد يكون هذا القريب قاتلاً، حينئذٍ وجد السبب ولم يترتب عليه المسبب، لماذا؟ هل هو لذات السبب أو الشيء آخر طارئ؟ الثاني وهو كونه قد قام به مانعٌ من تأثير السبب في ترتب المسبب عليه، فإنها سبب من أسباب الإرث فإن قام بها مانعٌ من قتل ونحوه منع من الإرث، فالإرث نظرًا لذات القرابة والمانع منه لا لذات القرابة وإنما هو لأمرٍ طارئ، إذًا قد يقترن بالسبب مانعٌ أو فقد شرط كالقتل مثلاً مع القرابة، أو عدم تحقق حياة الوارث بعد موت المورث حينئذٍ نقول: وجد السبب وهو القرابة وانتقى المسبب. لماذا؟ إما لقيام مانع وهو القتل مثلاً، أو لعدم تحقق حياة موت المورث وهو شرط، فإذا لم نتحقق حينئذٍ نقول: هذا السبب لا يترتب عليه المسبب.

стр. 81

حينئذٍ لم يلزم من وجوده الوجود، لكن لا لذات السبب بل لأمر خارج وهو وجود المانع، أو فقد الشرط، وقد يوجد المسبب وهو الإرث عند عدم السبب، يعني: قد يرث وينتفي النكاح، ممكن؟ ممكن لوجود سبب آخر، إذًا لا لذات السبب نفسه وهو النكاح، وقد يوجد المُسَبَّب وهو الإرث عند عدم السبب كما لو فقدت القرابة وخالفها النكاح، أو الولاء، فإنه لم يلزم من عدم السبب عدم الإرث، لكن هذا لا لذات عدم السبب المذكور وهو القرابة بل لكونه خلفه سبب آخر، إذًا باب بيان أسباب، عرفنا السبب في اللغة والاصطلاح. (الْمِيْرَاث) الكلمة الثالثة (الْمِيْرَاث) مِيرَاث مِوْرَاث هذا أصلها مِوْ، الياء هذه منقلبة عن الواو، كما تقول: مِيزَان مِيُوزَان مِيقَات مِيُوقَات أصله من الوقت أين الواو؟ مِيقَات مكاني، أو زماني، مأخوذ من الوقت أين الواو؟ لو قال لك قائل: أين الواو؟ تقول: ابحث عنها! الواو هي الياء انقلبت ياء، لماذا؟ لسكونها وانكسار ما قبلها، الأصل مِوْقَات مِوْزَان من الوزن، كذلك مِوْرَاث مِيرَاث أصله مِوْراث من وَرِثَ الواو أصلية، أين الواو؟ تقول: انقلبت ياء على القاعدة، إذا سكنت الواو وانكسر ما قبلها وجب قلب الواو ياءً، الميراث له إطلاقان عند الفرضيين وهو في لسان العرب كذلك يطلق بالمعنى المصدري، ويطلق بالمعنى الاسمي، بالمعنى المصدري والمعنى الاسمي، يطلق إطلاقًا مصدريًّا بمعنى الإرث، وهو المقصود بالترجمة هنا أسباب الإرث، عرفنا الإرث هو الحق الخامس الذي تعلق به التركة.

стр. 82

والإرث لغة: البقاء وانتقال الشيء من قومٍ إلى قومٍ آخرين، البقاء بالمد كالوارث بمعنى الباقي، لأنه باقٍ بعد موت المورث، ومنه اسمه تعالى الوارث، ومعناه الباقي بعد فناء خلقه، ويطلق بمعنى انتقال الشيء من قومٍ إلى قوم آخرين، يسمى إرثًا، وهل يصلح أن يكون المعنيان مرادين هنا البقاء والانتقال يصلح؟ الإرث الشيء الباقي، يعني: هو تصرف في ماله، تصرف أخذ وأخذ وبقي شيء فتركه، هذا باقٍ أو لا؟ كما يرد لك الباقي، حينئذٍ نقول: هذه التركة باقي، باقي ماذا؟ باقي عن الشيئ الذي تصرف فيه، إذًا البقاء صادق عليه، وكذلك الانتقال وهو واضح، انتقال الشيء من قومٍ إلى قومٍ آخرين، يعني: من المورث إلى الوارث، من الأصل إلى الفرع، والانتقال إما حقيقة كانتقال المال، أو معنًى كانتقال العلم، العلم ينتقل أو لا؟ «العلماء ورثة الأنبياء». انتقل العلم أو لا؟ انتقل العلم، إذًا العلم ينتقل لكنه انتقال معنوي، أو حكمًا كانتقال المال إلى الحمل، الحمل يرث، أليس كذلك؟ يرث، انتقل إليه المال حكمًا لا حقيقة لأنه لم يمتلك حقيقةً، وإنما الولي هو الذي يأخذ عنه، وهو مصدر وَرِثَ الشَّيْءَ وِرَاثَةً وَمِيرَاثًا وَإِرْثًا، له ثلاثة مصادر مِيرَاث هذا مصدر، مصدرُ ماذا؟ فِعْله وَرِثَ على وزن فَعِلَ وَرِثَ الشَّيْء الشّيء هذا مفعول به فهو متعدي، وِرَاثَةً وَمِيرَاثًا وَإِرْثًا هذه ثلاثة مصادر، الأول والثاني مزيدان، والثالث مجرد، مثل ماذا هذا؟ كَتَبَ يَكْتُبُ كِتَابَةً وَكِتَابًا وَكَتْبًا ثلاثة مصادر اثنان مزيدان وواحد مجرد، هنا كذلك وِرَاثة الألف والتاء زائدان، وَمِوْرَاثًا الميم هذه زائدة والألف زائدة بعد الراء، وأما إِرْث هذه مجرد، وأين الواو؟ نقول: من وَرِثَ. الواو قلبت همزة نعم، إذًا إرث هذه اشتملت على الحروف الأصلية، إرث أين الواو؟ فهو مصدر وَرِثَ تقول: هذه الهمزة بدل عن الأصل، وما كان بدلاً عن الأصل حكم بأصالته، مثل قال وباع، الألف هذا أصلية أو لا؟ أصلية، لأنها بدلٌ عن أصل، بَاعَ بَيَعَ قَالَ قَوَلَ، إذًا هذه بدلٌ عن واو وبدلٌ عن ياء فلها حكم الأصل، كذلك هنا وأصله الواو، يعني: الإرث فقلبت همزة، والإطلاق الثاني بمعنى اسم المفعول مِيرَاث بمعنى الموروث، حينئذٍ إذا كان بمعنى الموروث تقول: مفعول هذا، فصار المصدر هنا بمعنى اسم المفعول لأن الميراث هذا لمصدر، ويطلق إطلاقًا غير مصدري بل بمعنى اسم المفعول فيكون معناه الموروث والتراث أصله التُّرَاث أصله وِرَاث مثل تُجَاه وِجَاه قلبت الوات تاءً تَقْوى وَقْوَى مثله، وهو لغة: الأصل والبقية، ومنه سمي مال الميت إِرْثًا لأنه أصله كان للغير وهو بقية من سلف لمن خلف، إذًا بقية فيه بمعنى البقاء، الإرث بمعنى البقاء والانتقال، وهنا بمعنى البقية فلا إشكال، فالمعنى يكون مطردًا، ومنه خبر مسلم: «اثبتوا على مشاعركم فإنكم على إرث أبيكم .. »، يعني: موروث، بمعنى موروث، أي: أصله وبقيته منه، وشرعًا، يعني: الموروث حقٌّ قابلٌ للتجزي يثبت لمستحق بعد موت من كان له ذلك لقرابة بينهما أو نحوها. وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 83

عناصر الدرس * أسباب الميراث. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد. قال المصنف رحمه الله تعالى: (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث) أي: هذا باب بيان أسباب، أي وموانعه كما ذكرناه سابقًا بأن هذه التراجم الظاهر أن المصنف والناظم لم يضعها، وإنما وُضعت له تبويبًا ترجمةً لما ذكره، لأنه متجزئة بنفسها هي متجزئة بنفسها، ذكر بيتين في أسباب الميراث، ثم بيتين في موانع الميراث، هذا جزءٌ وهذا نوع، وهذا كذلك نوعٌ آخر، (أَسْبَابِ الْمِيْرَاث) عرفنا هذه ثلاث كلمات، وباب له معنى لغوي ومعنى اصطلاحي، و (أَسْبَابِ) كذلك جمع سبب وله معنى لغوي وهو ما يُتوصل به إلى غيره حسًّا كان أو معنى، وله معنى اصطلاحي عند أرباب الأصول وهو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدمُ لذاته، وعرَّفه الآمدي: كل وصف ظاهر منضبط معرف لحكم شرعي. وهذا الثاني تعريف الآمدي هذا مرجحٌ عند صاحب جمع الجوامع لأنه مختص بالسبب الشرعي، وأما المشهور الذي ذكره صاحب الشرح هنا: ما يلزم وجوده ومن عدمه العدم لذاته، هذا عام يشمل العقلي ويشمل الشرعي ويشمل كذلك العادي. الأسباب ثلاثة: سببٌ عقلي، وسببٌ شرعي، وسبب عادي. والمراد هنا بالأسباب (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث) يعني السبب الذي رتبه الشارع ليس عندنا سبب عقلي، فالإرث لا يكون إلا بجهة الشرع، لا من جهة الشرع فعلم الفرائض ابتداءً وانتهاءً وضعه الله ، وليس للبشر فيه مدخلٌ إلا في مسائل جاءت الأدلة من حيث الاختلاف والترجيح والتقديم والتأخير ونحو ذلك. إذًا المراد بالسبب هنا السبب الشرعي. (أَسْبَابِ الْمِيْرَاث) هذه الكلمة الثالثة، وقلنا: الميراث له إطلاقان: ميراث هذا مصدر أصلهما ميوْراث مثل ميقات ميوْقات وميزان، لأنه مأخوذ من الوزن ميوْزان سكنت الواو وكسر ما قبلها، وقيل: ميقات، ميراث وأصلها مِوْراث سكنت الواو وانكسر ما قبلها والقاعدة أنها إذا سكنت الواو وانكسر ما قبلها وجب قلب الواو ياءً فقيل ميراث وميزان وميقات. والميراث له إطلاقان: إطلاقٌ مصدري. وإطلاقْ اسمي.

стр. 84

والمصدري يطلق بمعنى الإرث وهو المقصود هنا (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث) أي باب أسباب الإرث، إرث والميراث هنا مصدر، والإرث كذلك مصدر، وعلى هذا المعنى ميراث بمعنى الإرث يعرّف في اللغة بالبقاء وانتقال الشيء من قوم إلى قوم آخرين، وسبق شرح هذا الحدّ، وكذلك يطلق بمعنى اسمي، وإذا كان كذلك حينئذٍ يصير مصدرًا بمعنى اسم المفعول، والمصادر بمعنى اسم الفاعل وبمعنى اسم المفعول هذا استعمال شرعي كان بعضهم يدَّعِي أنه مجاز لكنه لكثرته قد لا يقال بأنه مجاز، ويُطلق بمعنى الموروث فهو من إطلاق المصدر إرادة اسم المفعول، ويعرف في اللغة بأنه الأصل والبقية، ولذلك جاء في خبر مسلم "" اثبتوا على مشاعركم إنكم على إرث أبيكم إبراهيم ". أي أصله وبقيته منه، حينئذٍ يكون الإرث هنا أو الموروث [بمعنى البقاء] بمعنى البقية، وشرعًا - وهو الذي وقفنا عنده - بأنه يعرّف: حقُّ قابل للتجزي يثبت للمستحق بعد موت من كان له ذلك لقرابة بينهما أو نحوها. هذا تعريف الميراث بمعنى الموروث، حقٌ إذًا شيء ثابتٌ يوصف بكونه حقًّا، والحق ضده الباطل، وهنا الأحقية جاءت من جهة الشرع الذي حكم بهذا هو الشرع، ولذلك ثبت أنه حق، والإرث كما هو معلوم تمليك قهري ليس اختياريًّا، فقد تمتلك الشيء باختيارك تذهب وتشتري .. إلى آخره، وأما الإرث فلا، لأنه يكون بموت صاحبه حينئذٍ ينتقل مباشرة قهرًا ولو لم يرض. إذًا هو حق جاء من جهة الشرع، وحق كلمة حق لا تختص بالمال، وإنما تتناول المال وغيره كالقصاص مثلاً، وهذا يورث والشفعة كذلك تورث، والخيار خيار العيب وخيار الشرط، هذه على خلاف بين الفقهاء تُورَث أم لا؟ إذًا الحق لا يختص بالمال، بل يشمل المال وغيره. إذًا قوله: حق جنس يتناول المال وغيره، كالخيار والشفعة والقصاص، قابلٍ للتجزي يعني أن يفرز ويقسم، لأن بعض الحقوق قد تنتقل لكنها لا تقبل التجزيء، والولاية في النكاح تنتقل لكنها ليست قابلة للتجزيء، إما العمّ وإما الابن .. إلى آخر، ولا يقول: هذا وذاك يشتركان في ولاية النكاح، بل هي شيء واحد ولا تقبل التجزي. إذًا قابل للتجزي خرج الولاء والولاية على النكاح إذْ ينتقلان بالموت لمن له حق في العصوبة ولو بعيدًا، وكذلك لا يقبل الفرز والقسمة، لمستحق يثبت لمستحق.

стр. 85

قال في شرح الترتيب: وخرج بقوله: يثبتُ لمستحقه أو مستحق ما إذا أغتاب شخصًا وتعذر استحلاله لموته، فلا يكفي استحلالُ وارثه بل يستغفر الله له، إذا اغتاب شخصًا حينئذٍ ثبت الحق لذلك الذي اغتيب، إذا مات في حال الحياة الأصل على قول أنه لا بد من استحلاله، وإن كان هذا ليس بلازم، والصواب أنه يستغفر له ويذكره في المجلس الذي ذكره بسوء بألقاب حسنة، يعني يمدحه في ذلك المجلس الذي اغتابه فيه، هذا هو الأصل، ولا يُلزم بالذهاب والاستحلال لأنه يترتب عليه مفاسد عظيمة، حينئذٍ فيه نوع مشقة، وعلى هذا القول أنه لابد من الاستحلال إذًا صار صاحب حق، كيف يستحل بعد الموت؟ هل ينتقل الحق إلى الورثة؟ الجواب: لا، لا ينتقل الحق إلى الورثة، صاحب الحق الذي اغتيب هو الذي يُسْتَحَل، هو الذي يُطلب منه الاستحلال إذا مات حينئذٍ لا نذهب إلى الورثة ونقول: استغفروا لنا أو سامحونا ونحو ذلك، لماذا؟ لكون صاحب الحق مات، وانقطع الحق بموته، إذًا لو ادَّعَى الورثة أنهم أصحاب حق في ذلك، نقول: هذا لا يَثْبُتُ لمستحق لا يثبت لمدعيه. بعد موت من كان له ذلك، يعني خرج به الحقوق الثابتة بالشراء ونحوه، فإنها تكون ماذا؟ فإنها حقوق ثابتة لصاحبها لكن قبل الموت، فالشراء والبيع وما يترتب عليهما هذا حق ثابت لكنه في حال الحياة لا بعد الموت، لقرابة بينهما خرجت الوصية على القول بأنها تملك بالموت لأنها لا يشترط فيها أن تكون لقريب، فقد تكون لأجنبي، وأما الإرث لا يكون لأجنبي البتة وإنما يكون لقرابة ونحوها، أو نحوها نحو القرابة ما هو؟ النكاح والولاء يعني لأسباب أسباب الميراث أو نحوها المراد به أسباب الميراث البقية عن القرابة، والقرابة تمثل النسب ونحوها تمثل الولاء والنكاح، هذا المراد بالميراث بمعنى الموروث حق قابل للتجزي يثبت لمستحقٍ بعد موت من كان له ذلك لقرابة بينهما أو نحوها. قال المصنف الناظم رحمه الله تعالى: أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَةْ ... كُلٌّ يُفِيْدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَةْ وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ ... مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ (أَسْبَابُ) هذا مبتدأ جمع سبب، وعرفنا السبب في اللغة والاصطلاح، والمراد به السبب الشرعي، خرج به السبب العادي، والسبب العقلي فلا مدخل له في هذا العلم لأنه علم شرعي، فليس للعقل فيه مجال وليس للطبيعة أو العادة له مجال. (أَسْبَابُ مِيْرَاثِ) ميراث عرفنا أنه مصدر، ويطلق المصدر ويراد به الإرث المعنى المصدري، يطلق ويراد به الشيء الموروث، وأي المعنيين المراد هنا؟ الأول، ولذلك قلنا المراد بقوله: (أَسْبَابُ مِيْرَاثِ). أسباب الإرث، يعني متى يثبتُ الإرث لزيد؟ هل إذا مات الشخص وترك تركة كل واحد يدعي أنه يرثه أم ثَمَّ ضوابط؟

стр. 86

ثَمَّ ضوابط، والسبب حينئذٍ في اللغة قلنا ما هو؟ ما يوصل للشيء، ما يُتَوصل به إلى غيره. ما هو السبب الذي يتوصل به إلى الإرث؟ لا بد من شيء يكون معينًا من جهة الشرع وليس هكذا يكون من جهة العقل أو العادة. إذًا (أَسْبَابُ) نقول: هذا مبتدأ وهو مضاف وميراث مصدر بمعنى الإرث، وهو مصدر بمعنى مصدرًا آخر، والإرث حينئذٍ يعرف بما ذكرناه سابقًا أنه في اللغة البقاء وانتقال الشيء من قومٍ إلى قومٍ آخرين، والانتقال قد يكون معنىً وقد يكون حسًّا. (مِيْرَاثِ الْوَرَى) كذلك ميراث مضاف و (الْوَرَى) مضاف إليه، والمراد بـ (الْوَرَى) هنا الآدميين، لأن بحثنا في ماذا؟ في ما يقسمه الآدميون، وأما هل يشمل وإن كان (الْوَرَى) يقصد به الخلق هذا الأصل فيدخل فيه الملائكة والجن، وهل هو مراد أم لا؟ الجواب: لا، وبعضهم يرى أن الجن يدخلون هنا، نعم الجن مكلفون بما كُلِّفَ به الإنس، لكن هل هو جهة التفصيل بما كلف به الإنس أم لا؟ الله أعلم، النبي ﷺ بُعِثَ إلى الجن كما بعث إلى الإنس، وجاء بشريعة للإنس وهل هي عينها شريعة الجن؟ نقول: الله أعلم، لا ندري. حينئذٍ لو هلك هالك الجن وترك ولدين [ها ها] ١١.٣٦ كيف نقسم؟ نقول: الله أعلم، إذًا قوله: (الْوَرَى). المراد به الآدميين، أما غير الآدميين فلا توارث بينهم كالملائكة والدواب هكذا قال البيجوري لعدم تكليفهم، أما الملائكة لعدم تكليفهم فيه نظر، وأما لجن فهم كالآدميين، وإن كان الورى في الأصل يطلق بمعنى الخلق يعني المخلوقين، فهو مصدر مراد به اسم المفعول وهنا عام أريد به الخاص، والمراد به الآدميون. قال: والجن. نقول: الجن فيه نظر. لأنه ثبت في القرآن أنه المخاطب به هو الإنس حينئذٍ إدخال الجن يحتاج إلى نص خاص. إذًا (أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى)، (الْوَرَى) بمعنى الخلق ويشمل الملائكة والدواب والجن، لكن المراد به هنا الآدميون على جهة الخصوص، فهو من إطلاق العام وإرادة الخاص. (ثَلاَثَةْ) هذا خبر المبتدأ (أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَةْ) مبتدأ وخبر، ثلاثة يعني معدودة بثلاثة، وهل هذا حصرٌ في الثلاثة أم لا؟ نقول: الأسباب على نوعين أسبابٌ مجمعٌ عليها وهي ثلاثة، وأسبابٌ مختلفٌ فيها وهي أربعة، حينئذٍ مراد المصنف هنا الأسباب المجمع عليها الأسباب المتفق عليها. (كُلٌّ يُفِيْدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَةْ)، (كُلٌّ) أي كل سبب، سبق معنا البارحة أن كلّ لفظٌ قد يحذفُ هو ملازم للإضافة، قد يحذف المضاف إليه لفظًا لا معنى، حينئذٍ وجب تقديره ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] ... الآية ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل ٨٧]، إذًا كلٌّ التنوين هذا تنوين عوضٍ عن كلمة، وهو المضاف إليه. هنا الشارح قال: كل من الأسباب الثلاثة.

стр. 87

ما قدر المضاف، كلٌّ من الأسباب، نقول: لا، كلُّ سببٍ من الأسباب الثلاثة (يُفِيْدُ رَبَّهُ) يعني صاحبه (يُفِيْدُ) يقال: فادت لفلان فائدة فَيْدًا حصلت، فادت لفلان فائدة فيدًا يعني مصدر حصلت، وأفاد فلان علمًا أو مالاً أكتسبه، والفائدة من حيث هي ما يستفاد من علم أو عمل أو مال أو غيره كالجاه مثلاً، ويعتبر فائدة، الفائدة لفظٌ عام جنس يدخل تحته أنواع من ما يكتسب، (كُلٌّ يُفِيْدُ) أي كل واحدٍ أو كل سبب من الأسباب الثلاثة يفيدُ يعني يحصلُ لصاحبه المتصف به الوراثة، والوراثة هنا مصدر كما سبق أن ورث الشيء وراثة وميراثًا وإرثًا مصادر، فالميراث في قوله: (أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَةْ) مصدر، وكذلك (يُفِيْدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَةْ) كذلك مصدر ويراد به الإرث، يراد به ما يراد المصدر الأول (كُلٌّ يُفِيْدُ رَبَّهُ)، (رَبَّهُ) الضمير هنا يعود على السبب، يعني رب السبب، ومراده به المتصف به، من اتصف بالنكاح عقد الزوجية الصحيح الزوج أو الزوجة، من اتصف بالولاء، من اتصف بالنسب، فالمراد بالرب وإن كان الأصل فيه بمعنى الصاحب إلا أن صاحب الشيء قد لا يتصف بالشيء، صاحب الدار تكون الدار صفة له، لا تكون الدار حالّةً فيه هو قائمٌ بالدار، لا، لا يكون كذلك، وإنما كنى هنا عن المتصف بالشيء بلفظ الرب، وإن كان الأصل في الرب بمعنى الصاحب، إذًا كلٌّ كل سبب من هذه الأسباب الثلاثة المتفق عليها يفيد ويحصل ربه يعني رب السبب المتصف بالسبب الوراثة يعني الإرث، حينئذٍ لا إرث إلا بواحدٍ من هذه الأسباب الثلاثة، إما نكاح، وإما ولاء، وإما نسب، (كُلٌّ يُفِيْدُ) قال الشارح هنا: كلٌ من الأسباب الثلاثة يفيدُ ربه أي صاحبه، والمراد المتصف به. الوراثة أي الإرث كالزوجين مثلاً الزوجين، لأن كل واحد يرث من الآخر ما لم يمنع منه مانع، زوج يرث من زوجته، والزوجة ترثُ من زوجها، لماذا ورث الزوج من زوجته؟ لقيام واتصاف هذا الزوج بسبب من أسباب الإرث وهو الزوجية نكاح، لماذا ترث الزوجة زوجها؟ لقيامها واتصافها بسبب من أسباب الإرث الشرعي وهو النكاح، لأن كل واحد يرث من الآخر ما لم يمنع مانع كالقتل ونحوه، وكذا الإرث بالقرابة، أما الولاء فالعتيق لا يرث من المعتق، يعني: السيد لو مات وترك عبدًا هل يرثه العبد؟ لا، لا يرثه، لو مات العبد وترك سيدًا هل يرثُهُ؟ نعم، يرثه بالولاء، إذًا ليس من الجانبين بخلاف النكاح والقرابة، قد يكون القرابة من الجانبين، تارة يكون من الجانبين وتارة يكون من جانب واحد، والنكاح يكون من جانبين، وأما الولاء لا يكون إلا من جانب واحد، فعليه كلّ في كلامه المرادُ بها الكل المجموع لا الجميع، يعني لا يصدق بكل واحد من هذه الأسباب أن يرث به الطرفان، كل منهما يرث للآخر، وإنما هذا يكون في بعضها في الجملة وهو النكاح والنسب، وأما الولاء فلا يرث إلى من طرف واحد.

стр. 88

قال الناظم: (وَهْيَ نِكَاحٌ)، (وَهْيَ) هذا مبتدأ، الواو عاطفة لما سبق، هي مبتدأ، وهي صادقة على الثلاثة الأسباب حينئذٍ صار معناها جمعًا، وهو ثلاثة، (نِكَاحٌ) وما عُطِفَ عليه خبر المبتدأ، (وَوَلاَءٌ) معطوف على نكاح والمعطوف على المرفوع مرفوع، ورفعه ضمة ظاهر على آخره، (وَنَسَبْ) معطوف على نكاح والمعطوف على المرفوع مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها سكون الضرب أو الوقف. إذًا هي نكاح وولاء ونسب، وهي معلومة من جهة الاستقراء والتتبع، وهذه الأسباب الثلاثة متفق عليها، وما عداه فهو مختلف فيه، والصحيح أنها لا تُعَدّ أسبابًا، لا بيت المال، ولا الالتقاط ولا غيره كما سيأتي في موضعه. (وَهْيَ نِكَاحٌ)، (وَهْيَ) أي الأسباب الثلاثة (نِكَاحٌ). قال الشارح: أولها (نِكَاحٌ). كأنه جعل نكاح خبرًا لمبتدأٍ محذوف، لامتناع أن يُخْبِرَ بـ (نِكَاحٌ) عن المبتدأ لعدم التطابق، لأنه يشترط في المبتدأ والخبر التطابق إفرادًا وتثنية وجمعًا، من حيثُ اللفظ ومن حيثُ المعنى هذا الأصل فيه، وهي هذا جمع من حيث المعنى، تصدق على الثلاثة الأسباب، نكاح واحد شيء واحد فكيف يُخْبِر عن المبتدأ بمفرد وهو جمع؟ هي ثلاثة نكاح مفرد واحد، فكيف يخبر عن المبتدأ وهو ثلاثة بشيء واحد، هل يصح أن يقال الزيدون - يصدق على ثلاثة، أقل الجمع ثلاثة - الزيدون قائمٌ يصح؟ لا يصح، هذا مثله هي نكاح مثله، لكن نقول: هي من حيث المعنى جمع، ولكن الخبر هنا رُوعِيَ فيه العطفُ قبل الحملِ، قبل الإخبار يعني، أو لك مخرج آخر كما صنعه الشارح هنا، أولوها نكاح، جعل نكاح فصله جعله خبرًا لمبتدأ محذوف، ثم المبتدأ المحذوف مع خبره الجملة في محل رفع خبر المبتدأ الملفوظ به وهو (وَهْيَ). هي أولها نكاح، ولا إشكال فيه، ولكن عدم التقدير في مثل هذا أولى، لأنه لا يتعلق به معنى لأن الكلام هنا من جهة الصناعة فحسب، هل ثَمَّ معنى يختلف؟ أولهما نكاحُ، وهي نكاح، لا يختلف، وإنما يُرَاعَى فيه القواعد فحسب، القواعد التي هي قواعد صناعية استنباطية، يعني لا علاقة له بالمعنى، والقاعدة التي ذكرناها البارحة - وهذا استدراك - القاعدة التي ذكرناها البارحة [أن التقدير ينظر فيه بحسب السياق وكذا إذا نُظِرَ إلى المعنى]، وأما إذا كان الكلام في القواعد النحوية فحينئذٍ نقول: عدم التقدير أولى من التقدير، ولا إشكال فيه.

стр. 89

وأما إذا ارتبط به معنى من المعاني فحينئذٍ نرجع إلى علم البيان، علم البيان فهو الحاكم في مثل هذه المواضع، وذلك نقول مثلاً: يحذف الخبر لكذا وكذا وكذَا، النحاة في الأصل ما يبحثون في هذه، وإنما يبحثون في حذف الخبر جائز واجب فحسب، ثُمَّ ما هي النكات التي يحذف لأجلها الخبر سواءً كان جوازًا أو على جهة الإيجاب، هذا مبحث البيانيين. إذًا وهي نكاحٌ هذا هو الأول. (نِكَاحٌ) النكاح في اللغة هو الضم والجمع يقال: تناكحت الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض التفت بعضها حول بعض، يقال: تناكحت الأشجار إذا اتصلت بعضها ببعض، واضحٌ هذا، وأما في الشرع فهو عقد الزوجية الصحيح، يُزاد عليه من باب التأكيد والإيضاح وإن لم يحصل وطءٌ ولا خَلْوَة، هذا من باب التأكيد لأننا في مثل هذه الحدود الأصل فيها ألا يراعى طرائق المنطقيين، يعني الجنس والفصل .. إلى آخره، وإنما يذكر ما يوضح المقصود فحسب. إذًا عقد العقد لا يكون إلا بإيجاب وقبول لأن النكاح عقد والبيع عقد فما يقال هناك يقال هنا، إلا أن الحنابلة فرقوا بينهما من حيث اللفظ، قالوا: البيع يحصل بكل لفظ سواء كان الإيجاب أو القبول، وأما النكاح فلا، لا بد أن يأتي بلفظ نكحتُ زوجتُ .. ونحو ذلك مما يدل على اللفظ، لأنه في الشرع لم يرد إلا كذلك سواءٌ كان في الكتاب أو في السنة. إذًا إيجاب وقبول، زوجتك ابنتي قبلت «ثلاثٌ جدهن جد وهزلهن جد». حينئذٍ نقول: زوجتُك ابنتي قبلتُ، حصل النكاح، لو قال بعتك ابنتي بثلاثين ألف مقدمًا وثلاثين مؤخرًا هذا فيه معنى النكاح يحصل؟ على المذهب لا يحصل، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى طرد الباب لم يفرق بين البيع والنكاح، قال: يحصل النكاح بكل ما يحصل به عرفًا، فما تعارف عليه الناس فلو قال: بعتك وهبتك أعطيتك ابنتي بثلاثين ألفًا - هذا المهر عندنا - حينئذٍ نقول: هذا نكاح وحصل، أما على المذهب فلا. إذًا عقدٌ فيه معنى الإيجاب والقبول على التفصيل الذي ذكرناه، خرج بالعقد وطء الشبهة والزنا، وطء الشبهة ليس بعقد، لماذا ليس بعقد؟ لأنه عقدٌ فاسد، وإذا كان كذلك فإذا فسد العقد رجعنا إلى أصله فيُفسخ من أصله فحينئذٍ يكون الإيجاب والقبول لا على محله شرعًا، وعقد وطء الشبهة هذا كما إذا عقد على امرأة يظنها أجنبية فبانت أخته بالرضاعة، فحينئذٍ هذا يُسمى وطء شبهة، ولا يسمى نكاحًا ويلحق به الأبناء وكذا ونحو ذلك للمصلحة العامة، عقد الزوجية، وأما الزنا فهذا واضحٌ بين، عقد الزوجية الصحيح هذه صفة للعقد، خرج به ما يقابل الصحيح وهو الفاسد، وهل يرث بالعقد عقد الزوجية الفاسد أو لا؟ نقول: العقد الفاسد نوعان: - عقد فاسد مجمعٌ على فساده، كنكاح خامسةٍ فلو تزوج خامسة وعنده أربعة في ذمته الخامسة هذه عقدها فاسد، يعتبر زنى وليس وطء شبهة، لماذا؟ لحرمة الخامسة مع وجود الأربعة في ذمته، هذا العقد فاسدٌ بالإجماع، لو عقد عقدًا فاسدًا ثم مات هل ترثه زوجته؟ الجوابُ: لا. [وأما العقدُ].

стр. 90

- النوع الثاني: عقدٌ فاسدٌ مختلفٌ فيه، كالنكاح بلا ولي، هذا جوَّزه بعض وأنكره بعض، عندنا في المذهب عقد فاسد باطل ما يصح، لماذا؟ لفوات ركن من أركان النكاح وهو الولي، عند أبي حنيفة يجوز على تفصيل عنده الثيب والبكر ونحو ذلك، حينئذٍ نقول: هذا العقد مختلفٌ فيه فاسدٌ عندنا، صحيح عند غيرنا، إن تحاكموا إلى قاضٍ يرى هذا الرأي لا إشكال أنه سيصحح الإرث، إن تحاكموا عندنا هذا محل خلاف هل يورثُ به أم لا؟ لكن الظاهر أنه لا يورثُ به. عقد الزوجية الصحيح قال: وإن لم يحصل وطء ولا خلوة، النكاح والزوجية تثبت بمجرد العقد، إيجاب قبول حصل العقد وهو زوجة له وهو زوجٌ لها، لو مات أحدهما عن الآخر في تلك اللحظة بعد الإيجاب والقبول ولو لم يرها حينئذٍ نقول: حصل الإرث، لماذا حصل الإرث؟ لوجود عقد الزوجية الصحيح، لأنه لا يشترط الخلوة بها، إذ لو اشترطنا الخلوة حينئذٍ لا يصح عقد الزوجية إلا مع وجود الخلوة وهذا باطل، ولا يشترط الوطء إذ لو اشترطنا الوطء حينئذٍ لا يصح عقد الزوجية إلا مع وطءٍ، فإذا تزوج ولم يقع ليس بعقد زوجية، وهذا باطل، فلذلك نقول: هو عام. ولذلك جاءت النصوص عامة قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]. أزواجكم أزواج، هنا بمجرد العقد فدخل في قوله: ﴿أَزْوَاجُكُمْ﴾ الزوجة ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ الزوجات يعني، أزواجكم هذا عام دخل فيه الزوجة التي خلا بها، والزوجة التي لم يخلو بها، والزوجة التي لم يطأها، والزوجة التي وطئها أربعة أنواع، لأنه قد يعقد ويطأ، يعقد ويخلو ولا يطأ، يعقد ولا يخلو، يعقد ويخلو ولا يطأ، هذه أربعة أقسام، قل ما شئت قدم وأخر، إذًا ﴿أَزْوَاجُكُمْ﴾ نقول: هذا عام، وجه العموم أن الرب جل وعلا أطلق الأزواج هنا أزواج جمع أضيفِ إلى الكاف فيهم يعمّ، يعمّ ماذا؟ يعم كل من صدق عليه أنه قد حصل منه إيجابٌ وقبول، بقطع النظر عن الخلو أو الوطء، فهو عام، وهو عقد الزوجية الصحيح خرج الفاسد، وإن لم يحصل وطء ولا خلوة، ويورث به من الجانبين، يرث الزوج من زوجته، والزوجة من زوجها بمجرد العقد لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ﴾. لكم، اللام هنا للتمليك فيملك، ولا يملك إلا بسبب صحيح ﴿وَلَكُمْ﴾ اللام هذه للْمِلْك تفيد التمليك، وهل وقد سبق أن هذه الأسباب ندرسها لماذا؟ لنستفيد المواضع التي رتب عليها الشرع انتقال الملكية القهرية من الميت إلى ورثته، هل كل من ادَّعَى أنه وارث يرث؟ الجواب: لا، وإنما بينه الشرع. تكفل الشارع ببيان من الذي يرث عن ذلك الميت، وذكر منهم الأزواج، وجاء اللفظ عامًا حينئذٍ يعمّ، فيرث به الزوج من زوجته والزوجة من زوجها بمجرد العقد لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]. عرفتم وجه العموم، وكذلك قوله: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]. والمرأة تكون زوجة لمجرد العقد، ولا تكون زوجةً إلا بعقد صحيح، وأما العقد الفاسد سواء كان متفقًا على فساده أو مختلفًا في فساده، والصحيح أنه لا ترثُ به.

стр. 91

فلو تحاكم شخصان أو ادَّعَى من ادعى الوراثة بنكاح فاسد عندنا - معاشر الحنابلة - لا نورّثه، لو وقع نكاح بغير ولي نقول: هذا النكاح باطلٌ عندنا، لو تحاكموا إلى حنفي حينئذٍ هو وشأنه (إلا بعقدٍ صحيح). روى الخمسة من حديث علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه قضى في امرأة تُوفِّي عنها زوجها ولم يكن دخل بها أنّ لها الميراث. ابن مسعود أُورد عليه قضية امرأة عقد عليها زوجها ولم يخلو بها، يعني انتفى الوطء ما خلا بها، ما في وطء، حينئذٍ ورَّثها ابن مسعود، لماذا؟ لأنها زوجة، ولماذا هي زوجة؟ لأن الزواج والعقد عقد النكاح يثبت بمجرد العقد وقد وقع، وأما الخلوة والوطء فليس بشرطين في صحة النكاح ولا التوريث. أنه قضى في امرأة تُوفِّيَ عنها زوجها ولم يكن دخل بها أنّ لها الميراث، فشهد معقل بن سنان الأشجعي أن النبي ﷺ قضى في بَرْوع بنت واشق بمثل ما قضى به. وصححه الترمذي يعني النبي ﷺ أفتى بذلك، حينئذٍ وافقت فتوى ابن مسعود فتوى النبي ﷺ . ويمتد التوارث بين الزوجين إلى حصول البينونة بينهما بطلاق أو فسخ، لأن هذا السبب ليس كسبب القرابة، القرَابة النسب سبب أصل في الوجود، هكذا يولد وهو ابن متصف بهذا الوصف وذاك أبٌ قريبٌ لهذا الابن الهالك الميت كونه أبًا له. طيب هل وُجِدَ ولم يكن أبًا؟ لا يمكن ما يتصور هذا. إذًا بخروج الابن صار أبًا، لا يمكن أن يوجد الابن ولا يكون الذي أتى به أبًا له. إذًا هذا الوصف معه في أصل وجوده بخلاف النكاح، النكَاح طارئًا يتزوج عشرين، خمس وعشرين مائة إلى آخر، حينئذٍ نقول: هذا الوصف يعتبر طارئًا، ولذلك يثبت التوارث في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة لأن الرجعية لا تبين إلى بانقضاء عدتها، إذا عرفنا أن النكاح سبب للتوارث ويرثُ به طرفان، الزوج يرث الزوجة والعكس، طيب ما ضد النكاح بعد وقوعه وحصوله؟ الطلاق. الطّلاق على نوعين: - طلاق رجعي. - طلاقٌ بائن. والفسح داخلٌ في البائن حكمه واحد. الطلاق الرجعي إذا حصل وكانت المرأة في عدتها فحينئذٍ هي زوجة، وإذا كانت زوجة حينئذٍ تبقى على أصلها، وهذا محل إجماع إذا لم تنقض عدتها فهي زوجة، وإذا كانت كذلك إذا مات زوجها وهي في العدة ترثه بإجماع المسلمين، الأئمة الأربعة على ذلك. وأما الطلاق البائن هذا فيه تفصيل، والطلاق الرجعي معروف أنه يُوقع طلقةً واحدة في طهرٍ لم يجامعها فيه، وعدتها ثلاثة قروء، إذا انقضت الثلاثة حينئذٍ صارت بائنة بينونة صغرى، وإذا لم تتنقض حينئذٍ هي زوجة، على التفصيل المذكور عند الفقهاء.

стр. 92

إذًا النكاح هو عقد الزوجية الصحيح، فإذا حل هذا العقد إما أنه يُحلَّهُ كاملاً وهو الطلاق البائن، أو يحله حلاً ناقصًا وهو الطلاق الرجعي، الطلاق البائن إذا وقع حينئذٍ انتفى الإرث في الجملة لأنه إذا عدم السبب عدم المسبب هذا الأصل فيه، لا يوجد المسبب وهو الإرث عن عدم السبب وهو النكاح، وهنا قد حل النكاح، العقد عقدٌ إيجابٌ وقبول له حلٌّ من جهة الشرع، حينئذٍ إذا حله حلاً كاملاً فهو الطلاق البائن أو الفسخ، حينئذٍ انقطع السبب، وأما إذا كان الحل حل العقد غير كامل وهو الطلاق الرجعي، فإن التوارث بينهما باقٍ بكل حال ما دام في العدة. إذًا على هذا نقول: المطلقات ثلاثة أنواع في الجملة، المراد هنا ما يخدمنا في باب الميراث: - المطلقة الرجعية سواء طلقت في حال صحة المطلق أو مرضه، هذه ترث بالإجماع. - النوع الثاني: المطلقة البائن بينونة كبرى في حال صحة المطلق. - النوع الثالث: المطلقة البائن حال مرض موت المطلق. يعني المرض المخوف الذي يظن فيه الموت. أما النوع الأول وهي الرجعية هذه ترث وفاقًا يعني بإجماع الأئمة الأربعة بل هو جماع المسلمين لا خلاف فيه، إذا مات مطلقها وهي في العدة لأنها زوجة. وأما النوع الثاني وهي البائن في حال صحة المطلق. فلا ترث بالإجماع صحيح يعني قبل وفاته طلقها خلافًا بائنًا بينونة كبرى لا ترث بالإجماع، لأنه أوقع الطلاق في حال غير متهمٍ فيه، وهو حال الصحة. متى يكون متهمًا؟ إذا كانت في مرضٍ ونحوه، فلا ترث إجماعًا لانقطاع الزوجية من غير تهمة تلحق المُطلِّقَ بذلك. وأما النوع الثالث وهو البائن في حال مرض الموت يعني مرض موت المطلق هذا يقال فيه أن المرض على نوعين: - مرض مَخُوف. - ومرض غير مخوف. مرض غير مخوف ملحق بحال الصحة، وأما المرض المخوف فهو الذي فيه خلاف بين أهل العلم. إذًا النوع الثالث: البائن في حال مرض موت المطلق، وهذه نوعان: المطلقة البائن في مرض الموت وهو غير متهم بقصد حرمانها من الميراث، هذه لا ترثه، وليس فيها خلاف بين أهل العلم، يعني طلقها طلاقًا بائنًا وهو في مرض الموت ولم تأت قرينة تدل على أنه إنما قصد بطلاقها حرمانها من الإرث، هذا طلاق واقع أو لا؟ واقع، ولا إشكال فيه، وإنما الكلام في الإرث وعدمه هل ترث؟ الجواب: لا، لماذا لا ترث؟ لانتفاء التهمة.

стр. 93

والمطلق البائن في مرض المخوف وهو متهم بقصد حرمانها من الميراث فيها خلاف بين الأئمة الأربعة، يعني طلَّق زوجته في مرض الموت يعني خلاص حس بالموت قال: ما أبغاها تأخذ شيء. يحرمها فطلقها طلاقًا بائنًا، حينئذٍ وقع النزاع بين أهل العلم، لماذا؟ لأنه قصد بهذا الطلاق حرمانها من الإرث، فلما انتفت هذه التهمة في النوع السابق قالوا: لا ترث وفاقًا. فهذه فيها خلافٌ بين أهل العلم، والمذهب عند الحنابلة، قد ذكرنا أننا نذكر مذهب الحنابلة فحسب، ومذهب الحنابلة أنها ترث سواء تُوفِّيَ في العدة أو بعدها، ترثُ مطلقًا ولو خرجت عدتها هذا مذهب الحنابلة، لماذا؟ معاملةً له بنقيض قصده، ولذلك لو طلقها وماتت هي قبله ما يرثها، لماذا؟ لأنها بانت منه، يعني هذا الأمر منه جعله على نصفين صنف نعتبره ونصف نلغيه، نلغيه باعتبارها هي فطلاقه مردود وترث منه، وهو إذا ماتت قبلها بعد طلاقها لا يرث منها لأنها بانت منه. ومذهبنا أنها ترث سواءٌ تُوفي في العدة أو بعدها ما لم تتزوج بآخر أو ترتد، لأنها إذا تزوجت بآخر امتنع أن ترث من زوجين، الزوج الأول والزوج الثاني، المرأة ليس لها زوجان زوجٌ واحد إما هذا وإما ذاك، فحينئذٍ إذا تزوجت خرجت من عهدة الأول بالكلية فلا ترثه البتة، كذلك إذا ارتدت وُجد مانع وهو اختلاف الدين، لأن سبب توريثها فراره من ميراثها، وهذا المعنى لا يزول بانقضاء العدة معاملة له بنقيض قصده، وأما هو فلا يرثها لو ماتت بسبب البينونة منه، إذًا النظر يكون في الإرث وعدمه لا في الطلاق، وأما البينونة فهي واقعة، وأما الإرث فهي ترث منه سواءٌ تُوفي عنها في عدتها أم لا، معاملة له بنقيض قصده. حينئذٍ نقول: إذا طلقها في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها فترثه على المذهب ما لم تتزوج أو ترتد، فإن ارتدت أو تزوجت سقط إرثها سواءٌ عادت إلى الإسلام أو لا، وسواءٌ فارقها الزوج الثاني أم لا مطلقًا، وقد تكون التهمة من الزوجة، التهمة من الزوج واضحة، لو طلبت منه أن يطلقها طلاقًا رجعيًا فطلقها طلاقً بائنًا، قالوا: هذه قرينة تدل على أنه قصد حرمانها أو غير ذلك مما تكون من ما يختلف باختلاف الأشخاص، وأما التهمة من الزوجة قد هي التي تُتَّهم بأنها أرادت ألا يرثها زوجها، مثلوا لها بصورة خيالية قد توجد الله أعلم: كأن تفعل الزوجة في مرض موتها المخوف ما يفسخ نكاحًا، يعني ترتكب شيء يفسخ النكاح ماذا تفعل؟ ترضعه فإذا أرضعته صارت أمه انفسخ النكاح.

стр. 94

إذًا ليست عندنا علاقة، النكاح انفسخ، كأن تفعل الزوجة في مرض موتها المخوف ما يفسخ نكاحها من زوجها متهمة بقصد حرمانه مثل أن يُعقدُ عليها لطفل صغير لو قيل أنه إذا أرضعت الكبير صح الرضاع لا إشكال فيه، لكن على المرجح والله أعلم أنه لا يصح إلا في زمن محدود، حينئذٍ يمثل بالصبي الصغير، زوجوها بصبي صغير وعندها ملايين، قالت: هذا يرثني ترضعه، فسخ النكاح [ها ها] مثل أن يعقد عليها لطفل فترضعه رضاعًا تثبت به الأمومة فالنكاح ينفسخ، ويرث منها لو ماتت ولا ترثه، يرث هو منها لأنها زوجته، ولا ترث منه لأنه ليس بزوج لها، كل ذلك مراعاةً للمصالح العامة التي تكون بين الناس، هذا قد يقع عند الناس لكن الأصل إذا جاء النص الدليل الشرعي هو محكَّم، وما عداه الاجتهادات هذه تختلف من مذهب إلى مذهب آخر، (وَهْيَ نِكَاحٌ) إذًا النكاح المراد به عقد الزوجية الصحيح، وإن لم يحصل وطء ولا خلوة ويورثُ به من الجانبين، الزوجة ترث الزوج، والزوج يرث الزوجة. (وَوَلاَءٌ) وولاءٌ وثانيها ولاءٌ يعني النوع أو السبب الثاني من أسباب الميراث المتفق عليها بين العلماء الولاء، وَلاء بفتح الواو ممدود ولاء بالهمزة يعني، والمراد ولاء العَتاقة بفتح العين أي العتق بمعنى العتق، ولاءٌ سببه العَتاقة بالإضافة السبب إلى المسبب، ولاءٌ سببه العَتاقة احترز به عن ولاء الموالاة والمحالفة الذي كانت في الجاهلية، وهذا مختلفٌ فيه هل يرث به أو لا، (هدمي هدمُك دمي دمُك إرثي ترثني وأرثك) كان في الجاهلية هكذا، يأتي بأي شخص صاحبه ويأتون بهذه المحالفة والموالاة ثم يرثه و .. إلى آخره، هذه هدمها الإسلام، وهل يرث بها أو لا؟ محل خلاف والصحيح أنه لا يرث بها. إذًا قوله: (وَوَلاَءٌ). أطلق الولاء فهذا يحتمل أنه ولاء المختلف فيه، والولاء المتفق عليه، لكن بسياق ما أراده المصنف أنه حكاية للأسباب المتفق عليها جعلناه قرينة. إذًا قوله: (وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ). أي: ولاءُ العَتاقة، ولا يشمل الولاء المختلف فيه، لو قال قائل نعمم وهو أولى، نقول: لا، عدم التعميم هو مراد الناظم رحمه الله تعالى، لأنه قال: (أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَةْ). حدد ثلاثة، فحينئذٍ الثلاثة هذه هي المتفق عليها نجعلها قرينة لتقيد قوله: ولاء بأنه المراد به ولاء العَتاقة. ولاءٌ قلنا: المراد به ولاء العَتاقة، أي ولاء سببه العتاَقة، والعَتاقة بمعنى العتق، والولاء في اللغة هو السلطة والنصرة، ويُطلق على القرابة يسمى ولاء، قال الجوهري: يقال بينهما ولاءٌ أي قرابة.

стр. 95

وأما في اصطلاح أهل الشرع الفقهاء فهو عصوبة سببها نعمة العتق على رقيق، عُصُوبة فُعُولة سببها، سببُ هذه العصوبة نعمة العتق على رقيق، عندنا مُنْعِم ومُنْعَمٌ عليه، الْمُنْعِم هو السيِّد، والْمَنْعَم عليه هو العبد والرقيق. الولاء هنا هو وصف للسيد متى؟ إذا أعتَق حينئذٍ بعتقه لذلك العبد صار هذا العتق سببًا في ماذا؟ في ثبوت الإرث بينهما، ولذلك قال: عُصُوبة. والعصوبة المراد بها ارتباط بين الْمُعْتِق والعَتِيق. المعتِق بكسر التاء السيد، والعتيق فَعِيل بمعنى مَعْتُوق وهو العبد. فإذا قيل: المعتق، فالمراد به السيد، وإذا قيل العتيق فالمراد به العبد، إذًا عُصُوبةٌ يقال تعصب القوم عليهم تجمعوا فثَمَّ ارتباطٌ واجتماع بين المعتق والعتيق، كالارتباط بين الوالد وولده، عُصوبة بين الوالد وولده، وهذه العصوبة بين الوالد وولده كذلك سببها نعمة، وهي كون الوالد سببًا في وجود الولد هذا من العدم إلى الوجود، كذلك السيد سبب في وجود العتيق لأنه قبل إعتاقه كان كالمعدوم، لا يملك، لا يرث، لا يورث، لا يهب، لا يكتسب .. إلى آخره، فليس له تصرف البتة. حينئذٍ هو شبه المعدوم، فلما أعتقه صار حرًّا، فيرث، ويورث، ويكتسب، ويهب ويُوهب .. إلى آخره، حينئذٍ وجدت أو وُجِدَ سبب الإنعام من المعتِق على عتيقه، هنا قال: كالارتباط بين الوالد وولده، سبب تلك العصوبة إنعام المعتِق على رقيقه بالإعتاق، وهو حلّ الملكية فيه سواء كان عتقًا مُنًجَّزًا أو معلقًا، منجزًا الآن أنت حرّ، معلقًا إذا جاء شهر رمضان فأنت حرّ هذا معلّق، تطوعًا أو واجبًا كفارة ونحوها، والتطوع واضح، فجميع وجوه العتق يثبت بها الولاء. إذًا عصوبةٌ سببها سبب هذه العصوبة [نعمة المعتِق نعم] نعمة العتق على رقيقه، سُمِّي ذلك ولاءً قالوا: لانتساب العتيق إلى معتقه كانتساب الولد لوالده. لقوله ﷺ : «إنما الولاءُ لمن أعتق». هذا ليس لبيان كون الولاء سببًا من أسباب الميراث، وإنما لقوله سببها نعمة العتق، ولذلك قال هنا في الحديث: «إنما الولاء لمن أعتق». أي لا لغيره، لأن إنما هذه تفيدُ الحصر، إثبات الحكم في المذكور ونفيه عمّن عداه، فالولاء يكون لمن أعتق، ومن أعتق صلة وموصوله، والصلة والموصول في قوة المشتق، وهنا علق الحكم على المشتق، حينئذٍ يدور الحكم من علته وجودًا وعدمًا. إذًا هذا الاستدلال هنا من المصنف مرادٌ به التأكيد على قوله: سببها نعمة المعتق. ووجه الاستدلال كذا قال البيجوري: أن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلِّيَّةِ ما منه الاشتقاق، القاعدة، والموصولُ وصلته في قوة المشتق، أين الموصول؟ لمن أعتق، يعني للذي أعتق، الموصول مع صلة في قوة المشتق، يعني يمكنك أن تُزيل من أعتق وتضع في مكانه مشتق اسم فاعل اسم مفعول ..

стр. 96

إلى آخره، كأنه قال للمعتق تعليق الحكم للمشتق يؤذن بعلِّيَّةِ ما منه الاشتقاق والموصول وصلته في المشتق، فكأنه قيل الولاء للمعتق لأجل إعتاقه، مثل ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] لسرقتهما ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] لزناهما، إذًا لتعليل هذا أُخِذَ من ماذا؟ من كون الحكم رُتِّب على مشتق، فيدور الحكم مع علته وجودًا وعدمًا، أي لأجل إعتاقه، فعلم من ذلك أن الإعتاق هو سبب الولاء «إنما الولاء لمن أعتق». هذا حديث متفقٌ عليه من حديث عائشة ﵂، وهذا الولاء يرث به المعتِق دون العتيق، يعني يرثُ به من جانب واحد، واختص به المعتق خاصةً دون العتيق لأن الإنعام من جهته فقط، فاختص الإرثُ به لأنه هو المنعم، قلنا: عندنا مُنْعِم ومُنْعَمٌ عليه، المنعَمُ عليه لم يقدم شيئًا، وإنما الذي قدّم هو الذي أنعم، فاختص الولاء به، ويرثُ به المعتق خاصةً لأن الإنعام من جهته فقط، فاختص الإرثُ به. والشارح يقول من حيث كونه معتِقًا، وهذا التقييد لا وجه له، يعني وجوه وعدمه سواء احترازًا هو أراد أن يحترز به من العتيق إذا ورث من صورةٍ، صورة يقول: لو اشترى ذمي إذًا ليس المسلم، ذمي اشترى عبدًا، ثم أعتق هذا العبد، ثم هذا السيد الذمي التحق بدار الحرب فاستُرِق حينئذٍ إذا اشتراه عتيقه فاعتقه يرث أو لا؟ يرث، يرث من ماذا؟ يرث من سيده قبل أن يذهب إلى دار الحرب، طيب يرث من أي جهة من جهة كونه عتيقًا أو من جهة كونه معتِقًا؟ الثاني إذًا لا داعي إلى هذا القيد. إذًا يرث به المعتِق وعصبته المتعصبون بأنفسهم إذا لم يوجد عتيق سيد أعتق عبدًا، ثم مات السيد وعنده ابن مات العبد وله مال؟ يرثه سيده الذي أطلقه وأعتقه لكنه مات حينئذٍ ينتقل الإرث أو سبب الإرث الولاء من الأصل وهو السيد إلى العصبة، لكن يشترط في العصبة هنا أن يكونوا عصبةً بالنفس، سيأتي معنا أن العصبة أنواع: عصبة بالنفس. وعصبة بالغير. وعصبة مع الغير. الذي يرث بسبب الولاء السيد، فإن فُقِدَ العتيق الْمُعْتِق فإن فقد حينئذٍ عصبتهُ المتعصبون بأنفسهم، وهذا سيأتي بحثه في باب التعصيب، كابن المعتق ابنه لو مات المعتق العبد من يرثه؟ ابنه أو أبوه أبو المعتق أو جدّه واحد منهم المتعصبون بأنفسهم، لا المتعصبون بالغير كبنات المعتِق مع بنيه فإنهن عصبات بالغير، وكذلك يحترز به عن أخوات المعتِق مع بناته فإنهن عصباتٌ مع الغير فلا إرث لهن بالولاء. إذًا الذي يرث بالولاء هو المعتِق الذي عتق باشر العتق العِتَاق ثم إذا لم يكون فعصبته المتعصبون بأنفسهم لا بالغير ولا مع الغير، وهذا تفهمونه بما سيأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 97

قال ﷺ : «الولاء لحمةٌ كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب». هذا دليلُ اعتبار الولاء سبب من أسباب الميراث وليس الأول، الأول الحديث دل على ماذا «إنما الولاء لمن أعتق». من الذي يوصف بالولاء ولا العتاقة؟ الذي أعتق هذا لا يدل على أنه يرث، لا يدل على أنه يورث به، ليس سببًا، ولكن الدليل الذي يدل على أن الولاء من أسباب الميراث هو النص هذا الذي ذكره الشارح: «الولاء» أي الولاء؟ ولاء العتاقة يثبت لمن؟ لمن أعتق أو عصبته المتعصبون بأنفسهم، «لحمة كلحمة النسب». شَبَّهَ النبي ﷺ ولاء العتاق بالنسب، والنسب يورث به وهو مُشَبَّهٌ به فكذلك الْمُشَبّه يورث به، واضح؟ لُحمه لَحمه بالوجهين بالضم والفتح يجوز فيها الوجهان، «الولاء لحمةٌ» أي عُلْقَةٌ وارتباط كعُلْقَةِ وارتباط النسب، فيثْبُتُ للمُشَبّه ما ثبت للمُشَبَّهِ به، المشبّه هنا الولاء، والمشبّه به النسب، يثبت للمشبه ما ثبت للمشتبه به وهو الإرث، فيثبت للمشبه ما ثبت للمشبه به وقد ثبت للمشبه به الإرث فيثبت للمشبه، لكن المشبه هنا لا يُعْطَى حكم المشبه به من كل وجه لأن النسب يورث به من الطرفين، وأما الولاء فيورث به من طرفٍ واحدٍ، فلا يقال التشبيه يقتضي أنه يورث به من الجانبين كما في النسب، مع أنه لا يُورث به إلا من جانب واحد، وهذا محل إجماع بين أهل العلم. «كلحمة النسب» لا يُباع أو لا يُوهبُ، لا يباع يعني لا يجوز بيعه، ولا يُوهب يعني لا يجوز هبته أعطاه هبه. رواه الشافعي رحمه الله تعالى من حديث .. ، صححه بن حبان والحاكم، وفي الحديث اختلاف، لكن محل إجماع المسألة محل إجماع في الجملة. إذًا السبب الثاني الذي يورث به هو الولاء، والمراد به ولاء العتاقة، ويورث به من جانب واحد وهو أن المعتِق هو الذي يَرِثُ العتيق من غير عكس، العتِيق لا يرث الْمُعْتِق إلا إذا أعتقه على المثال الذي ذكرناه فيرث حينئذٍ من حيث كونه معتِقًا، وكذلك عصبته المتعصبون بأنفسهم. (وَنَسَبْ) هذا هو الثالث، والنسب المراد به: القرابة، القرابة بين الوارِث والمورِّث، لا بد من سبب يربط بينهما، ما يُتوصل به إلى غيره، لا نصل إلى الإرث إلا من طريق شرعي: إما نكاح، وإما ولاء، وإما نسب.

стр. 98

والنسب أي القرابة والمراد بها الرحم، وعُرِّفَتْ عند أرباب الفرائض بأنها الاتصال بين إنسَانَيْنِ بولادة قريبة أو بعيدة، اتصال بين إنسَانَيْنِ تثنية إنسان، بولادة يعني بجمعهما بطن، إما قريبة وإما بعيدة، قريبة كالابن مع الأب وأمه، بعيدة كالجد أو جد الجد ونحو ذلك، فيجمعهما أصلٌ واحد وإن بُعدَ. إذًا اتصال أي ارتباط واجتماع بين إنسانين سواء كان ذكرًا وأنثى، أو أنثى وأنثى، أو ذكر وذكر بولادة يعني بسبب ولادة قريبة أو بعيدة، ولذلك قال بعضهم: الرحم إنما سُمِّيَتْ رحم لاشتقاقها من الرحم، يعني كل منهما يخرج من رحم واحد، فهو الأصل، لقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]. والرحم لفظ يشمل كل من بينك وبينه قرابة قربت أو بعدت، كانت من جهة الأب أو من جهة الأم، وهي مؤنثة الرحم مؤنثة، والمراد بها: الأبوة، والبنوة، والإدلاء بأحدهما، فيرث بها الأقارب، يعني يورث بها من الجانبين تارة، ويورث بها من أحد الجانبين أخرى، يعني الأصل فيها ألا تقتصر على أحد الجانبين دون الآخر، هذا هو الأصل فيها، فالأب يرث من ابنه، والابن كذلك يرث من أبيه، البنت ترث من أمها، والأم ترث من ابنتها، .. وهكذا. قال هنا: وهم الأصول والفروع والحواشي، يقسم الفرضيون القرابة إلى ثلاثة أنواع: - الأصول جمع أصل. - والفروع جمع فرع. - والحواشي جمع حاشية. ما المراد بكل واحد من هذه الأقسام الثلاثة ومن الذي يرث منهم؟ إذ ليس كل أصلٍ يرث، وليس كل فرع يرث، وليس كل حاشية ترث. أصول، وفروع، وحواشي. فالأصول من لهم ولادة على الشخص كالأم والأب وإن عَلَو، الجد له ولادة على الشخص، كذلك جَدّ الْجَدّ، والْجَدّة وجَدَّة الْجَدّة .. وهلم جرا، وإن علو، والوارث منهم ليس كل أصل يرث إذ هما قسمان وارثٌ ورحمٌ، الذي يرث هو من؟ كل ذكرٍ ليس بينه وبين الميت أنثى، هذا ضابطه، كل ذكرٍ ليس بينه وبين الميت أنثى، يعني أب، أبُ الأب، أبُ أبي الأب، هذا متصل كلهم ذكور إلى الميت، هَلَكَ هَالِك ولد وترك أبًا، هذا متصل، ترك أبا أبٍ ترك أبا أبٍ أَبٍ نقول: هذا متصل بمحض الذكور وليس بينهما أنثى، كالأب وأبيه وإن علا بمحض الذكور. فإن كان بينه وبين الميت أنثى فهو من ذوي الأرحام كأبي الأم، أبو الأم هل يرث في الابن؟ نقول: هذا من ذوي الأرحام ليس له لا تعصيب ولا فرع. إذًا النوع الأول من الوارثين من الأصول: كل ذكرٍ ليس بينه وبين الميت أنثى، فإن وقعت الأنثى بينه وبين الميت فهو من ذوي الأرحام، والمذهب يورثهم على تفصيل يأتي في محله. الثاني ممن يرث من الأصول - الأول باعتبار الذكر - وأما الأنثى كل أنثى ليس بينها وبين الميت ذكر قبله أنثى، هذه ضوابط - سيأتي باب الوارثين من الرجال وباب الوارثين من النساء على التفصيل وهي واضحة بينة - لكن من حيث الضوابط العامة التي لا تُشْكِل على الشخص يحفظ هذه القواعد، كل أنثى ليس بينها وبين الميت ذكرٌ قبله أنثى، فإن وجد قبله أنثى فحينئذٍ لا يرث.

стр. 99

إذًا الذي يرث وهو من النوع الثاني من الأصول: كل أنثى بينها وبين الميت ذكرٌ قبله أنثى، كالأم وأمها، أم الأم، وأم الأب، وأم الجد، وإن عَلَوْنَ بمحض الإناث، فإن كان بينها وبين الميت ذكر قبله أنثى فهي من ذوي الأرحام كأم أبي الأم، إذًا وقع بينهما ماذا؟ ذكرٌ قبله أثنى، لأنها مدليةً بمن هو من ذوي الأرحام، وبعضهم يضبطها إذا أدلت بوارثٍ ترثُ، وإذا أدلت بذوي رحمٍ لا ترث. يعني الضابط في هذا النوع الثاني إذا أدلت بوارث ترث، وأما إذا أدلت بغير وارث ذوي أرحام فإنها لا ترث، لكن هذا الضابط فيه شيء من النظر، ولذلك اختلفوا في الجدة المدلية بذكر وارث فوق الأب كأم الجدّ وأبيه وإن عَلَت. هذا سيأتي بحثه في باب الجدات والصحيح أنها ترث. والفروع إذًا الأصول من هم؟ من لهم ولادة على الشخص، وهذا إما أن يكون ذكرًا، وإما أن يكون أثنى، وسيأتي التفضيل في بابه من الذي يرث من الذكور، من الذي يرث من الإناث. وأما الفروع وهم كل من للشخص عليهم ولادة، كالأولاد وأولادهم وإن نزلوا، ذاك باعتبار الأصل كأصله، وهذا فرع، والوارث منهم كل من ليس بينه وبين الميت أنثى كالأولاد وأولاد الأبناء، فأما من بينه وبين الميت أثنى كأولاء البنات فمن ذوي الأرحام، ولد البنت هذا من ذوي الأرحام. وأما الحواشي فهم فروع الأصول كالأخوة والأعمام وأبنائهم وإن نزلوا، والوارث منهم ثلاثة أنواع: الأول: الأخوات مطلقًا، فأما غير هن من إناث الحواشي فمن ذوي الأرحام كالعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت العم .. ونحوهم. هؤلاء من يعتبرن من ذوي الأرحام. إذًا الأخوات مطلقًا. الثاني: الإخوة من الأم دون فروعهم، الإخوة من الأم وهم لأصحاب فروع، كما سيأتي. الثالث: كل ذكرٍ أدلى بذكرٍ، كالأخوة والأعمام لغير أم، وأبنائهم، فأما المدلي بأنثى كالخال والعم لأم وابن الأخت .. ونحوهم فمن ذوي الأرحام، والمذهب يورث ذوي الأرحام لكن بعد عدم وجود صاحب فرض أو تعصيب. إذًا وثالثها: (نَسَبْ) أي قرابة وهم الأصول والفروع والحواشي على التفصيل الذي ذكرناه من حيث القواعد، وأما من حيث الأسماء والأوصاف الخاصة فسيعقد المصنف بابين، بابًا للوارثين من الرجال وهم عشرة في الجملة وخسة عشر عند التفصيل، والوارثات من النساء سبعُ كذلك جملة وعشرة عند التفضيل، وسيأتي في محله. وثالثها: (نَسَبْ). وإذًا نسب يورث به من الجانبين تارة كالابن مع أبيه، والأخ مع أخيه، ومن أحد الجانبين أخرى كالجدة أم الأم مع ابن ابنتها، وأخّر هنا المصنف قال: (وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ). أي هذه الثلاث أقوى من حيث الارتباط؟ لا شك أنه النسب، ويكفي فيه أنه سابق يعني قبل النكاح، يعني النكاح طارئ، وكذلك الولاء طارئٌ وأما القرابة فهذه سابقةٌ، وأخّر النسب وإن كانت أقوى الأسباب لأنها من أصل الوجود كالأب والابن بخلاف النكاح والولاء فإنها يطرآن، وأيضًا هي لا تزول، القرابة لا تزول، والنكاح قد يزول، وأيضًا يورث بها بالفرض والتعصيب القرابة يورث بها بنوعي الإرث فرض والتعصيب، والنكاح يورث بالفرض فقط لا تعصيب فيه، والولاء يورث به بالتعصيب فقط ولا فرض فيه. إذًا ما جمع النوعين أقوى مما كان فرضًا فقط، أو كان تعصيبًا فقط.

стр. 100

وأيضًا يحجب نكاح نقصانًا، والولاء حرمانًا، وهما لا يحجبانه. يفهم بما سيأتي في باب الحجب، بهذه الأمور الثلاثة النسب أقوى من النكاح والولاء، وأخره المصنف هنا لماذا؟ لأجل النظم فحسب، لأجل استقامة النظم. قال الشارح: ولطول الكلام عليها، لأن أكثر الأحكام الآتية فيها - يحتمل هذا - يحتمل أنها أكثر الأحكام الآتية من التبويبات خاصة بالقرابة، أو أن أكثر من يكون من أصحابها هم القرابة. (مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ) ليس سببٌ بعدهن بعد هذه الثلاثة، (مَا) هنا بمعنى نافية بمعنى ليس، وسببٌ اسمها، وبعدهن هذا متعلق بمحذوف خبر مقدم، (مَا بَعْدَهُنَّ) أي بعد هذه الأسباب الثلاثة المتفق عليها للمواريث جمع ميراث بمعنى الإرث سببٌ أي متفقٌ عليه، ويحتمل (مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ) صحيح، فحينئذٍ يكون الناظم هنا قد رجح في الأسباب الأربعة المختلف فيها ليست بأسباب، لكن هذا قد لا يقال به لأن المصنف شافعي، والشافعية عندهم شرطٌ وعندهم سببٌ رابعٌ وهو بيت المال إن انتظم، حينئذٍ يكون مما يَحْصُلُ به التوارث، (مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ) يعني للإرث (سَبَبْ) أي متفقٌ عليه، وإلا هناك سبب رابع مختلفٌ فيه وهو جهة الإسلام، يعني جهةٌ هي الإسلام، فيرث به بيت المال إن كان منظمًا عندهم عن الشافعية، وأما عند الحنابلة لا، لا يرث به البتة وهو الصحيح، وإن كان ثم أسباب كذلك مختلفٌ فيها وهي الالتقاط، والمعاهدة، والولاء، ومن أسلم على يده هذه ثلاثة مع بيت المال أربعة هذه كلها مختلفٌ فيها، والصحيح في المذهب وترجيحًا أنه لا يورث بها البتة، وإنما الأسباب المتفق عليها هي هذه الثلاثة النكاح والولاء ولاء العتاقة والنسب، (مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ) متفقٌ عليه، ولا على جهة الترجيح، حينئذٍ لا إرث لا ببيت المال ولا بالالتقاط، ولا بمن أسلم على يديه، ولا بالمعاهدة والولاء هذه كلها أسبابٌ ضعيفة، والراجح فيها انه لا يورث بها. وإن ذكر شيخ الإسلام في بعضها أنه يصح بها الإرث، لكنه منازعٌ من جهة الدليل. ثم شرع في ما يتعلق بالموانع وهي مرتبطة بهذا الباب، والله أعلم. وصلَّى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

стр. 101

عناصر الدرس * موانع الإرث. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد. قد وقفنا عند قول الناظم رحمه الله تعالى: (وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنَ الْمِيْرَاثِ). وسبق تبويب العام، (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث) وقلنا: باب بيان أسباب الميراث وكذلك الموانع يعني بوّب لشيءُ واحدٍ وذكر شيئين، وهذا يكون من باب الاكتفاء يعني ذكر شيئًا في الترجمة وسكت عن الثاني، (أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَةْ) يعني مجمعٌ عليها كلٌّ أو كلّ واحدٍ من هذه الأسباب الثلاثة يفيد صاحبه المتصف به الوراثة، يعني الإرث وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ ... مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ يعني ليس بعد هذه الثلاثة سببٌ مجمعٌ عليه، وكل ما قيل من الأسباب الأخرى وهي وصلت إلى أربعة بيت المال والالتقاط والمعاهدة والولاء، ومن أسلم على يديه هذه أربعة والصواب أنها لا تكون سببًا للميراث، يعني لا يكون واحدٌ من هذه الأربعة موجبًا أو مستوجبًا لاتصاف صحابه بالإرث. ثم ننتقل إلى بيان الموانع، الموانع جمع مانع مأخوذٌ من المنع اسم الفاعل وهو في اللغة الحائل بين الشيئين، ومنه قولهم: هذا مانع بين كذا وكذا، أي حائلٌ بينهما. وأما في الاصطلاح: فله تعريفٌ مشهور، وله تعريفٌ غيرُ مشهور، وغيرُ المشهور هو الأضبط وهو ما عرفه الآمدي رحمه الله تعالى بقوله: الوصف الوجودي المنضبط المعرّف نقيض الحكم. الوصف الوجودي، وصف وجودي يعني ليس عدميًا، منضبط لأن الوصف نوعان: - وصف يصلح أن يكون ضابطًا. - ووصفٌ منتشر لا ينضبط به الشيء. ولذلك في البيع هناك قلنا من شروط البيع: أن يكون مبيعٌ معلوم برؤية أو بصفة، وهذه الصفة يشترط فيها أن تكون منضبطة. إذًا الوصف من حيثُ هو في كل موضح قد يكون منضبطًا يعني يحصل به اتصاف الشيء تعينهُ بهذه الصفة، وقد لا يكون كذلك، هنا الوصف الوجودي لا العدمي المنضبط الْمُعَرِّفُ نقيض الحكم، كالرِّقّ فإنه وصف وجودي منضبط معرّف نقيض الحكم، معرف نقيض الحكم الذي هو: الإرث، ونقيضه عدم الإرث، معرف نقيض الحكم، نقيض الحكم ما هو؟ عدم الإرث، والحكم هو معرف نقيض المحكم الذي هو الإرث، نقيضه عدم الإرث. وأما الحدّ المشهور هو ما عرفه الشارح بقوله: ما يلزمُ من وجوده العدم، ولا يلزمُ من عدمه وجودٌ ولا عدمٌ لذاته. (ما) يعني وصفٌ يلزمُ من وجود هذا الوصف العدم، يعني عدم الحكم كالرق المثال المذكور يلزم من وجود الرق عدم الإرث، ولا يلزم من عدمه عدم الرق وجودٌ ولا عدمٌ، يعني قد لا يكون رقيقًا ولا يرث، إما لانتفاء شرط أو لانتفاء سبب.

стр. 102

(ما يلزم من وجوده العدم) ما يلزم من وجوده يعني وجود الرق عدم الإرث، ولا يلزم من عدمه وجود الإرث لاحتمال ألا يكون رقيقًا ولا يرث لفقد شرطٍ، ولا يلزم من عدمه أيضًا عدمُ إرث، لاحتمال ألا يكون رقيقًا، ويرث لوجود الشرط فالمانع إنما يؤثر بطرف واحد يعني من حيث الوجود فحسب، أما عدم المانع فلا تأثير له بخلاف السبب، السبب يؤثر وجودًا وعدمًا، يؤثر بطرفيه، وأما المانع فيؤثر بطرف واحد وهو الوجود، إن وجد عدم الحكم إن لم يوجدْ لا، لا يكون مطّردًا، المانع إنما يؤثر بطرف الوجود بخلاف السبب، فإنه يؤثر بالطرفين الوجود والعدم، بخلاف الشرط فإنما يؤثر بطرف العدم لا الوجود. إذًا عندنا ثلاثة أشياء: سببٌ، وشرطٌ، ومانعٌ. كلٌ منهما ملاحظٌ من حيث الوجود والعدم، لكن هل التأثير في هذه الثلاثة الأشياء مطلقًا وجودًا وعدمًا؟ نقول: تفصيل السبب يؤثر وجودًا وعدمًا، وجوده يؤثر وعدمه كذلك يؤثر، وأما المانع فيؤثر من حيث الوجود ولا يؤثر من حيث العدم، والشرط يؤثر من حيث العدم ولا يؤثر من حيث الوجود. يوجد الوضوء ولا يلزم منه وجود الصلاة. إذًا ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجودٌ ولا عدمٌ لذاته. وقوله: لذاته. فيه كلام طويل يحتاج إلى وقفة لكن لها مقدمات. وموانع الإرث ذكر المصنف منها ثلاثة وهي المجمعُ عليها، وأما المختلف فيه وهذا عَدَلَ عنه لأن هذا مختصر ويكاد أن يكون ذكر ما اتفق عليه أهل العلم، وهذا شأن المختصرات كما ذكرناه مرارًا، كـ ((الورقات))، و ((الآجرومية)) ونحوها تذكر الأمور التي اتفق عليها بين أهل ذلك الفن. قال الناظم: وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنَ الْمِيْرَاثِ ... وَاحِدَةٌ مِنْ عِلَلٍ ثَلاَثِ رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ ... فَافْهَمْ فَلَيْسَ الشَّكُّ كَالْيَقِيْنِ

стр. 103

(وَيَمْنَعُ) إذًا الكلامُ في المانع لأنه قال يمنع، ويمنع هذا فعل مضارع، والفعل المضارع والوصف الذي هو المانع الذي سبق حدّه لأن الموانع قلنا: جمع مانع، مأخوذ ماذا؟ من المنع، ويمنع كذلك مأخوذ من المنع، إذًا كل منهما المضارع والوصف مشتق من المصدر وهو المنع فالدلالة واحدة، لا يشترط أن يصرَّح بالمانع اسم فاعل، إنما يمنع الشخص أطلق الشخص هنا وأراد به الذي قام به سبب الإرث، لأن المنع إذا قيل بأن هذا الشيء يمنع من كذا يُشترط في الممنوع أو من قام به المانع أن يكون قد قام به سبب الإرث ووجد الشرط، فهذا الشخص المعين هو الذي يصح أن يقال مُنِعَ من كذا، مُنع من الإرث، أما إذا لم يقم به سبب الإرث نكاح ولا نسب لا يتصف بكونه مانعًا، لو وُجد مثلاً شخص بعيدًا عن الميت قتله لا نقول هذا قاتلٌ وقد قام به القتلُ وهو مانعٌ من الإرث، نقول: لا هو أصلاً لو لم يقتل ما ورث، أليس كذلك؟ لو كان أجنبيًّا منفكًا عنه لم يُوجد فيه لا نكاح ولا ولاء ولا نسب، فإذا قتل حينئذٍ نقول: لا يرث من المقتول لا لكونه قاتل قام به سبب أم قام به المانع، وإنما لكونه لم يوجد فيه سبب الإرث، فحينئذٍ يكون المنعُ على جهةٍ معينة على شخص معين ليس مطلق الشخص، وإنما الشخص الذي هو أهلٌ بأن يرث، بأن يكون وجد فيه واحدٌ من الأسباب الثلاثة، حينئذٍ إذا اتصف بشيء من هذه الموانع الثلاثة نقول: مانع الإرث. وأما إذا لم يكن قد قام به سبب من أسباب الإرث ولو وجد فيه واحد من هذه الموانع الرق والقتل واختلاف الدين، لا نقول: بأنه مانع، لأن حديثنا عن شخص معين يرث أو لا يرث، هذا المرادُ هنا. إذًا (وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ) أطلق الشخص وأرد به شخصٌ معين وهو الذي قام به سبب الإرث، ويمكن أن نجعل (أل) هنا للعهد الذهني والذي يوقف على ذلك هو الموقّف. تحتمل هذا، (وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ) يعني الشخص الذي قام به سبب الإرث حينئذٍ المراد بالمانع هنا: ما يجامع السبب والشرط، ولذلك يقدم الكلام على الأسباب والشروط، ثم تذكر الموانع، هكذا جرى أهل الفرائض، يتكلمون عن الأسباب، ثم عن الشروط، ثم الموانع. لماذا أخروا المانع؟ ليكون الترتيب مقصودًا بأن يكون قد قام بالشخص أسباب الإرث، أو سبب من أسباب الإرث وتحقق الشرط، حينئذٍ إذًا اتصف بواحدٍ من هذه الأوصاف الثلاث نقول: أنت ممنوع، لولا هذا المانع لكنت وارثًا، إذًا المراد بالمانع هنا: ما يجامع السبب والشرط. يعني يتحقق السبب فيه في هذا الشخص المعين وكذلك يتحقق الشرط، فحينئذٍ إذا اتصف بواحد من هذه الموانع الثلاث قلنا: وُجد السبب وتحقق الشرط ولم يؤثر السبب ولم يؤثر الشرط لا لذات كلٍّ منهما، وإنما لقيام مانع من تأثير كلٍّ منهما. إذًا ... (يَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنَ الْمِيْرَاثِ) من الإرث، ميراث سبق أنه مِوْراث هذا الأصل، وهو مصدر أطلق وأريد به المعنى المصدري. قوله: (الشَّخْصَ) بالنصب على أنه مفعول مقدم، وقوله: (وَاحِدَةٌ) نعت وصفة لموصوف محذوف علةٌ واحدةٌ. وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنَ الْمِيْرَاثِ ... وَاحِدَةٌ ...............

стр. 104

(وَاحِدَةٌ) فاعل، الإعراب الاصطلاحي نقول: فاعل، لكن عند الفحص والتحقيق نقول: صفة لموصوف محذوف، والمحذوف في الأصل ذاك هو الفاعل، مثل أن تقول: رأيت صالحًا. ليس رجلاً صالحًا، يعني: رأيت صالحًا، صالحًا ليس مفعولاً به لأن صالح هذا وصف في الأصل، فحينئذٍ تقول: صالح هذا نعت لمنعوت محذوف تقديره رأت رجلاً صالحًا. وهكذا، هذا هو الأصل، هذا عند الفحص وإلا فالنحاة يمشون على الظاهر، يقولون: مفعول به .. إلى آخره (وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنَ الْمِيْرَاثِ) من الإرث ... (وَاحِدَةٌ) يعني علّة واحدةٌ (مِنْ عِلَلٍ ثَلاَثِ) من ثلاث علل، وعلل جمع علة وهي في اللغة: المرض. العلة المرض، رجل عليل يعني مريض، وتطلق على كل حدث شاغل. تسمى علة. واصطلاحًا يعني في هذا المحل، علل المانع من الصرف لها معنى خاص عند النحاة، العلل هناك عند الصرفيين لها معنًى خاص. هنا العلة في هذا المقام: ما يُورِثُ في الشخص الحرمان من الإرث بعد تحقق سببه. (ما) اسم موصول بمعنى الذي يصدق على وصف لأن التي سيذكرها كلها أوصاف، لذلك تعريف الآمدي للمانع بأنه وصف، الرق وصف، اختلاف الدين وصف، القتل وصف، كل منها وصف. إذًا ما وصفٌ يورث في الشخص الحرمان من الإرث بعد تحقق السبب، ولا يكون مانعًا إلا بعد وجود السبب، وأما إذا لم يكن خرج من مصطلح الفرضيين. (وَاحِدَةٌ مِنْ عِلَلٍ ثَلاَثِ) يعني من ثلاث علل، (رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) وهذه مجمعٌ عليها، وثَمَّ ثلاثة مختلفٌ فيها والصحيح أنها لا تمنع، وأما الردة فهي داخلة في قوله: (وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) كما سيأتي. (رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) أولها: (رِقٌّ) هذا خبر لمبتدإٍ محذوف لأنه رفعه، لو قال: رقٍّ. لجعلناه بدلاً مفصل من مجمل (عِلَلٍ ثَلاَثِ) لكن لما رُفع جعلناه خبرًا لمبتدأٍ محذوف أولها (رِقٌّ). (وَقَتْلٌ) هذا عطف جملة على جملة، وثانيها قتلٌ خبر لمبتدأٍ محذوف وليس معطوفًا على رق. (وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) كذلك عطف جملة على جملة، يعني وثالثها، ثالث الموانع اختلاف دين، هذا لأنه رفع، ويجوز الخفظ على البدلية، فيكون بدل مفصل من مجمل. .................. ... ........... مِنْ عِلَلٍ ثَلاَثِ رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ ... .......................... إذًا أحدها أو أولها: (رِقٌّ) الرق له معنى لغوي وله معنى اصطلاحي شرعي. وهو في اللغة: العبودية، العبودية هو الرق، والرق هو العبودية، حينئذٍ له معنى في اللغة وهو الذي يطلق عليه بأنه عبدٌ. (رِقٌّ) إذًا الرق في اللغة العبودية، وهذه العبودية ليست العبودية التي تكون من شأن المخلوق والخالق، لا، إنما المراد بها وصف خاص.

стр. 105

وأما في الشرع: فالرق: عجز حكمي يقوم بالإنسان بسببِ الكفر، بسببٍ هو الكفر. عجز العجز ضد القدرة، والعجز قد يكون عجزًا حسيًّا، كأن يكون عاجزًا عن البصر لا يرى، أو عاجزًا عن المشي، أو عاجزًا عن الكلام، هذا عجزٌ حسيّ، وهو عدم للقدرة إما بالكلية أو بعضها، وقد لا يكون كذلك، لا من حيث البدن ومن حيث الحس قوي، لكن ثَمَّ عجز من حيث نفوذ تصرفاته، فنظر الشارع إلى شيء معنوي [لا] إلى شيء حسي، ولذلك قال: عجز حكمي، يعني شيء محكوم به هو عاجز. إذًا العجز ضد القدرة ولما العجز على نوعين حسي ومعنوي الذي هو الحكمي حينئذٍ احتجنا إلى إخراج الحسيّ، فقال: حكمي. يعني في حكم الشرع لا حسيّ إن للعبد قدرة على التصرف حسًّا لكن الشرع منعه منه وحكم بعدم نفوذه، يعني لا يملك أهم شيء في العبد أنه لا يملك المال، فإذا أكتسب ذهب واشتغل و .. إلى آخره وحصل مالاً الذي في يده هو عاجز عنه، لا يملكه، وكذلك لا يملك أن يشتري، ولا يملك أن يبيع، وإذا أُهْدِيَ إليه شيء ليس له مِلك، وإذا وُهِبَ شيئًا ليس له مِلك، وإذا أُعْطِيَ عطيةً ليس له مِلك. إذًا هنا هو عاجزٌ لكن هذا العجز يعتبر عجزًا حكميًا مصدر الشرع، هو الذي حكم بكون هذه التصرفات لا تَنْفُذ، حينئذٍ لو باع أو اشترى لا ينفذ في الجملة، وكذلك لو وُهِبَ إليه أو وَهب هو نقول: هذه كله تصرفات غير نافذة. إذًا عجزٌ حكمي يعني في حكم الشرع لا حسي، إذ للعبد قدرة على التصرف حسًّا، حِسًّا يعني يمشي ويذهب ويأتي لكن الشرع منعه منه وحكم بعدم نفوذه، يقوم بالإنسان، يقوم: يعني قيام الصفة بالموصوف ليس القيام الحسي يقوم يقف، لا، ليس هذا المراد، إنما المراد: أنه قيام الصفة في الموصوف كما أنك جالس الآن أنت جالس؟ نعم جالس. الصفة قامت بك، ما نراها لكن نرى الهيئة على ما أنت عليه. (يقوم بالإنسان) يقوم هذا العجز الحكمي بالإنسان أي يتصف به الإنسان ذكرًا كان أو أنثى. هل هذا القيد لبيان الواقع أو للاحتراز؟ لماذا البيان الواقع؟ هل عندنا عبد رقيق وليس بإنسان؟ ليس عندنا، إذًا إذا لم يكن عندنا رقيق ليس بإنسان صار هذا الوصف أو هذا القيد لبيان الواقع لا للاحتراز، إذا قلت للاحتراز معناه أخرجنا البهيمة، نقول: لا، البهيمة لا تتصف بكونها رقيقًا. إذًا يقوم بالإنسان هذا لبيان الواقع ومحل هذا العجز، عجزٌ حكمي يقوم بالإنسان قيام الصفة بموصوفها، يقوم بسببِ الكفر، بسببٍ هو الكفر، بسبب الكفر يعني بسببٍ هو الكفر، الإضافة هذه بيانية، وضابطها أن يصح أن يخبر بالمضاف إليه عن المضاف، يعني يجعل المضاف مبتدأ ويجعل المضاف إليه خبرًا، بسبب هو الكفر، أي بسبب هو الكفر فالإضافة للبيان، فخرج بذلك العجز الحكمي الذي يقوم بالإنسان لا بسبب الكفر، صبي عاجز أو لا؟ سبق معنا في البيع لا بد أن يكون جائز التصرف، إذًا خرج به الصبي فهو عاجز الحكم فهو عجز حكمي، حينئذٍ هل هذا العجز الحكمي بسبب الكفر؟ لا، المجنون طلّق اشترى باع تزوج .. إلى آخره، هل تثبت تصرفاته؟ [إيش فيكم] تَنْفُذ أو لا؟ لا، إذًا هو عاجز حكمًا، هذا عجزٌ حكمي لكنه هل بسبب الكفر؟

стр. 106

لا، ليس بسبب الكفر. إذًا ليس هذا الوصف وهو العجز الحكمي بماذا؟ خاصًا بالرقيق، فخرج بذلك العجز الحكمي الذي يقوم بالإنسان لا بسبب الكفر، بل بسبب عدم حسن التصرف كما في الصبي والمجنون، الصبي والمجنون عجز كل واحد منهما وهذا العجز مصدره الشرع يعني هو الذي حكم، وهذا ليس بأمر حسيّ وليس بسبب الكفر. إذًا اختص هذا الحد بالرقيق. إذًا المراد بالرق هنا عجز حكمي يقوم بالإنسان بسبب الكفر، هذا حدٌّ واضح بيّن. عرفه بعضهم بأنه وصف يكون به الإنسان مملوكًا، يباع ويوهب ويتصرف فيه، ولا يتصرف تصرفًا مستقلاً، وهذا لا إشكال فيه، واضح بيّن. وصف لأن الرق وصف، بل هذه الموانع كلها أوصاف يكون به الإنسان مملوكًا،، هذا بيان للرقيق، بأن يكون مملوكًا يعني يباع ويشترى، كما تملك الساعة التي في يدك تبيعها وتشتري، كذلك هذا الإنسان يباعُ ويشترى، ويتصرف فيه تَهديه هدية لغيرك، أليس كذلك؟ تعطيه عطية ولا يتصرف تصرفًا مستقلاً، هو لا يتصرف تصرفًا مستقلاً يعني لو تصرف من عند نفسه دون إذن سيده نقول: هذا التصرف ليس معتبرًا، ولو إذن له سيدهُ نقول: هذا التصرف معتبرًا. إذًا تصرف المقيد وإذا كان كذلك حينئذٍ صار هذا الوصف قاصرًا. (رِقٌّ) هذا هو المانع الأول، وهو مانع من الجانبين، فلا يرث الرقيق بجميع أنواعه، سواءٌ كان قِنًّا، أو مُدَبَّرًا، أو مُكَاتَبًا، أو مُعَلَّقًا عتقه بصفة، أو مُوصَا بعتقه أو أم ولدٍ، والْمُبَعَّض، هذا أنواع الرقيق. العبد لا يخرج عن هذه الأنواع، كلها لا يرث إلا الْمُبَعَّض على المذهب كما سيأتي. قِنًّا كان أو مُدَبّرًا، القِنْ: هو العبدُ المملوك بكليته، كُلُّهُ غير مجزأ غير مبعض، هو العبد المملوك بكليته وليس واحدًا ممن ذكر بعده، يعني ليس مكاتبًا ولا ما بعده. والْمُدَبّر: مأخوذ من دُبر الشيء: هو الذي عُلِّق عتقه على موت سيِّده، يعني قال سيده: إن مت فأنت حر. إذًا لو عاش مائة سنة فهو عبد، إن مات سيده تحرّر العبد، هذا يسمى ماذا؟ يسمى مدبرًا. العبد الذي عُلِّقَ عتقه بموت سيده. والْمُكَاتَب: هو الذي تعاقد مع سيده على أقساط من المال إذا أدّاها أصبح حرًا، يعني يشتري نفسه بأقساط، يقول له: كل شهر أعطيك مائة ريال. وحينئذٍ نهاية السنة يكون اشترى نفسه بألف ومائتين، هذا يسمى المكاتبة لأنه اشترى نفسه من سيده على أقساطٍ. والْمُعَلّق عتقه بصفة: كما إذا قال سيدهُ: إن جاء شهر رمضان فأنت حر. هذا معلق على صفة ليس على الموت. إذًا إن عُلق على موته فهو المدبر، وإن علق على وصف ليس هو الموت سمي مُعَلَّقًا بصفة. وأم الولد: هي المملوكة التي وطئها سيدها وأتت بولدٍ، فيمتنع عليه هبتها أو بيعها لأحد، فإذا مات سيدها صارت حرة، أم الولد إذا وطئها السيد حينئذٍ ولدت مدت بقائها هي رقيقة، إذا مات صارت حرة بموت سيدها. والْمُبَعَّض: كاسمه، بعضه حرّ وبعضه رقيق، يعني اشترك شخصان في اشتريا عبد أنا وأنت اشتركنا في شراء عبد، أنا قلت - طبعًا لي النصف مثلاً - قلت: هذا العبد حرّ. إذًا أطلقت سراحه وأنت أبقيته، إذًا صار مجزءًا مبعضًا هو حرّ وعبدٌ، حرّ باعتبار نصيبي، وعبد باعتبار نصيبك أنت. هذا المبعض، هذا يرث على المذهب.

стр. 107

إذًا المبعض من كان بعضه حرًّا وبعضه الآخر مملوكًا مجزء، فالرق مانع بجميع أنواعه إلا المبعض على المذهب، فلا يرث الرقيق بجميع أنواعه لأنه لو ورث لكان لسيده وهو أجنبي من الميت، يعني لو ورث هذا الرقيق من أبيه مثلاً أين يذهب هذا المال؟ لسيده، إذًا كأن السيد هو الذي ورث ذلك الأب وهو أجنبي عنه، لم يوجد فيه سبب من أسباب الإرث، فلما كان في الحقيقة ونفس الأمر أن الملك هذا المال الذي حصله الرقيق بموت أبيه ينتقل إلى سيده مباشرة، لأن تصرفه غير نافذ ولا يملك، حينئذٍ كأنه قد ورث ذلك الأجنبي من ذلك الأب، ولذلك منع أهل العلم أن يكون الرقيق وارثًا لمورثه، حينئذٍ صار هذا الوصف مانعًا، لماذا؟ لئلا يرث الأجنبي بغير سبب من أسباب الإرث، لأنه لو ملكه لو ورث العبد لكان لسيده وهو أجنبي من الميت، ولا يورث هو لأنه لا ملك له، يعني لو مات عبدوا عنده ابن حرّ مثلاً هل يرث ذلك الابن أباه الرقيق؟ الجواب: لا، لماذا؟ للعلة السابقة لأنه لا يملك شيئًا، ولا يورث لأنه لا ملك له، لو ملّكه سيده، لو قال له سيده: هذا المال لك فلا يملكه في نفي الأمر، بل هو عائد إلى سيده، لكن المبعّض هذا في المذهب يَرِث ويُورَث ويحجب على حسب ما فيه من الحرية عند الحنابلة، وهو الصحيح، أنه يرث بقدر ما فيه من الحرية، ويُمنع بقدر ما فيه من الرق، فيعامل جزءه الحر بحكم الأحرار، وجزءه الرقيق بحكم الأرقاء، فيرث بقدر جزءه الحر ويورث عنه ما وَرثه بذلك الجزء، وهذا هو الذي يناسب الأصول السابقة. إذًا الرقيق لا يرث ولا يورث إلا إذا كان مبعضًا وجزءه الحر حينئذٍ يرث ويورث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية، لقوله ﷺ : «من باع عبدًا له مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع». هذا نص واضح بيّن بأن العبد لا يملك شيئًا «من باع عبدًا». من: شخص، باع عبدًا له، له مال: يعني في يده مال في يد العبد مال لمن يكون؟ قال: فماله للبائع: لسيده إلا أن يشترطه المبتاع، من؟ المشتري إذا اشترطه فحينئذٍ المسلمون على شروطهم وإلا الأصل أن يكون للسيد، ولأن السيد أحق بكسبه ومنافعه في حياته وكذا بعد مماته. والرّق حق لله تعالى ابتداءً يثبت جزاءً على الكفر به، ولذلك لا يثبت على المسلم ابتداءً، الرق سببه الكفر كما ذكرناه سابقًا، فابتداءه يكون بسبب الكفر. إذًا هل يكون المسلم رقيقًا؟ الجواب: لا، ولذلك الفقهاء يذكرون مسألة ـ لو أغتصب حرّ فيبيع على أنه عبد لا تثبت له الأحكام التي ثبتت للرقيق، لأنه باعتبار الأصل لا يكون المسلم رقيقًا، لماذا؟ لأن سبب الرق محصور في شيء واحد وهو الكفر، جعله الله تعالى ابتداءً على الكافر عقوبة له وجزاء، ثم صار حقًا للسيد بقاءً بمعنى أن الشارع جعله مِلكًا بغير نظر إلى معنى الجزاء والعقوبة، لأنه إذا أسلم العبد بقي الرق كما هو، هل نقول الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، لَمَّا كان كفرًا حينئذٍ سُبِيَ صار رقيقًا، ثم إذا أسلم زال الوصف؟ نقولُ: لا، وهذا للشرع أن يفعل ما شاء، أن يجعل الحكم مقيدًا بسبب، ثم يزول السبب ويبقى الحكم مشرعًا، وهذا له نظائر كثيرة في مسائل شرعية، حتى أنه يبقى رقيقًا وإن أسلم، هذا هو المانع الأول.

стр. 108

(القتلُ)، (رِقٌّ وَقَتْلٌ)، يعني: وثانيها القتل، والقتل هذا خبر لمبتدأٍ محذوف تقديره وثانيها قتلٌ، والقتل هو إزهاق الروح مباشرةً أو تسببًا، إزهاق الروح مباشرة يقتله مباشرة أو تسببًا أن يتسبب في موته حينئذٍ يكون قاتلاً كأن يضربه مثلاً بجديدة على رأسه فيبقى شهرًا مريضًا ثم يموت، نقول: هذا قاتل. يعني ما قتله مباشرة، مباشرة يعني في وقته مات، ضربه فمات مباشرة هذا يسمى قتلاً مباشرةً، تسبب في قتله كأن يكون ضربه ضربةً قاتلة ولكنه بقي بعده أيام ثم مات، موته بسبب تلك الضربة فهو قاتلٌ له، ولا فرق بين أن يكون القتل عمدًا أو خطأً يعني يكون القتل مانعًا سواءٌ كان القتل عمدًا أو خطأً عمدًا واضح، ولو قتل أباه استعجل، منعه من الإرث واضح، لكن إذا أخطأ؟ أراد أن يرمي شيء فأصاب والده فمات يرث؟ لا يرث لماذا؟ لكونه قاتلاً له ولو كان خطأ تعميمًا لسدِّ الذريعة، لأنه إذا قيل بأن الخاطئ والمخطئ، القتل الخطأ لا يكون مانعًا من الإرث كل يدَّعِي أنه أخطأ، ففتح الباب، ولا شك أن سد الباب هذا مقصد من مقاصد الشريعة، إذًا تعميمًا لسد الذريعة ولئلا يدَعِي العامل أنه قتل خطأً، ولذلك منع. إذًا رقٌ وقتلٌ: قتل عرفنا معناه: إزهاق الروح مباشرة أو تسببًا. أطلق القتل فعمّ العمد وشبه العمد عندنا الحنابلة والخطأ، لماذا؟ تعليمًا لسدّ الذريعة ولئلا يدَّعَي من قتل عمدًا أنه قد أخطأ وهو مانع للقاتل فقط، لا المقتول، يعني من قتل مورثه يمنع القاتل من الإرث، والمقتول هل يمنع من كونه وارثًا لقاتله لكونه قتل؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن هذا الوصف إنما تعلق بالفاعل وذاك مفعول لم يقتل، يعني إذا قتل ابنٌ أباه ضربه ضربةً وهذا لا يتأتى المثال في المباشرة، فلو قتله مباشرة انتهى طلعت روحه لكن لو قتله تسبب بضربه ضربةً قاتلة، ثم بقي الأب أيامًا ثم مات قبل موت الأب مات الابن، يمكن أو لا؟ يمكن ضرب أباه ثم بعده بيوم وبقي أبوه بعده بثلاثة أيام نقول: الأب يرث الابن وهو مقتول، والقاتل الابن لا يرث أباه البتة واضحٌ؟ إذًا القتل يكون مانع من جانب واحد فقط، وهو جانب القاتل، وأما المقتول يرث قاتله، فقط يرث قاتله كما قال الشارح هنا. المذهب عندنا أنه ليس كل قتل يكون مانعًا، وإنما القتل الذي يترب عليه الضمان، لأن القتل نوعان: - قتلٌ بحق. - وقتلٌ بغير حق. الأول لا يترتب عليه الضمان، والثاني يترتب عليه الضمان، هل كل هذين النوعين يكون مانعًا أو لا؟ محل خلاف طويل عريض بين الفقهاء، والصحيح التفصيل الذي عليه المذهب. وهو أن القتل إن كان بحق حينئذٍ لا يمنع، يعني لو كان القاتل قصاص يقص يضرب بالسيف لو قتل أبوه شخصًا فأقيم عليه الحد قتلاً، فكان عند ابنه فضربه ضربةً بالسيف لكونه قاتلاً عمدًا عدوانًا، حينئذٍ يصدق عليه الوصف أو لا؟ هل يصدق عليه أنه قاتل أو لا؟ نعم يصدق. هل هذا القتل مانع له من إرث أبيه أو لا؟ محل خلاف، والصحيح أنه لا يمنع فيقتله حدًّا وإقامةً لحكم الله ويرثه، ولا يكون هذا القتل مانعًا له من الإرث، لماذا؟

стр. 109

لأن هذا القتل لا يترتب عليه الضمان، هل نقول للذي يقص: ائتي بالكفارة أو بالدية أو القوت؟ لا، لماذا؟ لكون هذا القتل بحق، فكل قتل كان بحق ولا يترتب عليه الضمان لا يكون مانعًا من الإرث، دفع الصائل لو اعتدى شخص على شخص وكان يرثه فحينئذٍ إذا ضربه ضبةً فتسبب في موته نقول: يرثه، لكون هذا القتل بحق ولا يترتب عليه ضمان. المذهب عندنا أي الحنابلة وهو الصحيح: أن القتل المانع من الإرث هو القتل بغير حق، وهو المضمون بقود أودية أو كفارة، كالعمد وشبه العمد والخطأ، وما جرى مجرى الخطأ كالقتل بالسبب، والقتل من الصبي والمجنون والنائم، هؤلاء تنزيلاً لأفعالهم منزّله العقلاء ودفعًا لسد الذريعة لئلا يُفتح الباب وهذا يسلّط ابنه وهذا يسلّط مجنونًا .. إلى آخره سدًّا لهذا الباب نزلت أفعال هؤلاء وإن كانوا في الأصل غير مكلفين منزلة العقلاء، حينئذٍ إذا قتل النائم فلا يرث، وإذا قتل المجنون لا يرث، وإذا قتل الصبي لا يرث، وأما القتل بحق وهو ما ليس بمضمون بشيء مما ذكر لا يمنع الميراث مطلقًا كالقتل قصاصًا أو حدًّا أو دفعًا عن نفسه، يعني لو فعل واحد يرث ممن أقيم عليه الحدّ قصاصًا، أو دفعًا لصائلٍ حينئذٍ لا يكون القتل مانعًا من الإرث. إذًا القتل المانع من الإرث هو الذي يترتب عليه الضمان من قَوَد وكفارة وديةٍ، وما لا يترتب عليه الضمان فلا يكون مانعًا من القتل، ولذلك قال هناك في الشرح: فالقتل المانع هو ما أوجب قصاصًا كالعمد المحض العدوان، أو دية كقتل الوالد ولده عمدًا عدوانًا فإنه يضمن بالدية، ولا كفارة لأنه عمدٌ، ولا قصاص فيه لحديث: «لا يقتل الوالد بالولد». لكنه يمنعه، أو كفارة كمن رمى مسلمًا بين الصفين يظنه كافرًا، إذا رمى مسلم بين الصفين في القتال يظن أنه كافر نقول: هذا يوجب الكفارة لأنه خطأ، يمنع أو لا يمنع؟ يمنع، لماذا قلنا يمنع؟ لأنه ترتب عليه الضمان. وعند الشافعية الحكم عام وهذا غريب. عند الشافعية الحكم عام، كل قتلٍ ولو كان بحق يكون مانعًا من القتل، والأصل في قوله ﷺ : «ليس للقاتل من الميراث شيء». هذا الحديث فيه كلام في سنده ضعف، لكن الإجماع هو العمدة يعني المسألة مجمعٌ على أصلها في حملة كون القاتل مانعًا، وأما الحديث ففيه كلام. والمعنى فيه تهمة الاستعجال في بعض الصور، بعض الصور واضحة، وبعضها ليس فيها استعجال، استعجَال على ماذا؟ يريد المال أن ينتظر حتى يموت ويصل إلى ثمانين تسعين سنة، مباشرة وهو صغير يأتي به عليه من أجل أن يرثه، بعض الصور يظهر فيها تهمة الاستعجال، وبعضها لا قد تخفى، ولكن سدًّا للباب ألحق هذا بذاك.

стр. 110

قال هنا: ولا مدخل للمفتي بالقتل وإن كان على معين لأنه ليس بملزم بخلاف القاضي، وهذا بناء على مذهب الشافعية، (وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) إذا عرفنا المانع الأول وهو الرق، والمانع الثاني وهو القتل، المانع الأول الرق قلنا: لا يتثنى منه إلا المبعض فقط جزءه الحر والثاني رق وأطلقه المصنف في الجملة مجمع عليه في كونه سببًا، لكن هل كل قتل؟ لا يستثنى منه ما كان بحق. إذًا رقٌّ إلا إذا كان جزء مبعض، فلا يكون ذلك الجزء مانع للمبعض أن يرث ويورث ببعضه الحر، يعني هو مجزأ جزأين، هل الرق يمنع تأثير الحرية الجزء الآخر؟ نقول: لا يمنع. قتلٌ نقيده بغير حق (وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) يعني ثالثها اختلاف دين، اختلف الشيئان لم يتفقا (وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) أي اختلاف الدين دين الوارث والميت، الوارث والمورث إذا لم يكونا على دين واحدٍ حينئذٍ يكون مانعًا، اختلاف الدين يكون مانعًا من الإرث، والكفر يسمى دينًا أو لا؟ قال: (وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) يعني بين الإسلام والكفر، ... «لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر». هل الكفر يسمى دينًا؟ نعم ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥] يبتغ دينًا غير الإسلام، إذًا سمى الكفر ماذا؟ دين، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] معارض أو لا؟ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا﴾ أطلق على غير الإسلام أنه دين، وقال في الآية الأخرى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ يعني: الدين الحق الذي إذا أُطلق ينصرف إلى الإسلام وأما التسمية اليهودية مثلاً دين، والنصرانية دين، والعلمانية دين وغير ذلك نقول: هذا وارد في النص. (اخْتِلاَفُ دِيْنِ) يعني بالإسلام والكفر، وهو أن يكون المورث على ملة والوارث على ملة أخرى، فلا توارث بينهما لانقطاع الصلة بينهما شرعًا، الصلة الحسيَّة موجودة، هذا أب وهذا ابن، موجودة، حسية أمر مدرك بالواقع حس الصلة موجودة، لكن لما كان اعتبار الدين هو أصل وهذه الصلة فرع، حينئذٍ الشرع لم يجعل لها محلاً، فلا توارث بينهما لانقطاع الصلة بينهما شرعًا، ولذلك قال لله تعالى لنوحٍ عن ابنه الكافر: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]. هو من أهله وليس من أهله، من أهلك الصالحين المعتبرين الذين تكون لك صلة بهم، وأنه ليس من أهلك هذا على الذي ذكرناه.
следующие страницы →